مُلَخَّصُ البَحْـثِ
يتناول هذا البحث قضيَّة مهمةً تتعلَّقُ ببعضِ رِجالِ البُخاريِّ الذين وَصَفَهم بعضُ الأئمَّةِ بالجهالةِ, ولأنَّ البخاريَّ اشترَطَ ألَّا يُخرِجَ إلّا الحديث الصحيح, ومن لوازِمِ ذلكَ أن يكونَ رِجالُهُ عدولاً ضابطين, سالمين من أسباب الطَّعن, ومنها الجهالة, فكان لا بُدَّ من دِراسَةِ هذهِ القضيَّةِ؛ لذلك تَناوَلها هذا البحثُ, وما يتعلَّقُ بها من جميع الجوانب, فبعدَ التعريفِ بالجهالَةِ وأسبابها, وحكم روايَةِ المجهول, تّمَّ البحثُ في إمكانيَّةِ وجودِ رجالٍ مجهولينَ في صحيحِ البخاري، وسببهِ, إذْ تبيَّنَ أن سَبَبَ ذلك هو: إمَّا عدَمُ عِـلْمِ بَعضَ أَئِمَّةِ الجَرْحِ والتعديلِ بحقيقةِ حالِ هؤلاءِ فوصفوهم بالجهالَةِ، وإمَّا يعودُ ذلكَ للمذاهبِ الخاصَّةِ لبَعضِ الأئِمَّةِ في تجهيل الرواة والتي لا تتَّـفِـقُ مع مَذهبِ جمهورِ أهلِ العلْمِ, ثُمَّ تَناولَ البحثُ بالتفصيلِ حالَ مَنْ وُصِفَ بالجهالَةِ من حيثُ التَّعريف بكُلِّ واحدٍ منهم, وذِكْر مروياتِهِ في صحيحِ البُخاريِّ, ونَقْل قول مَن وَصَفهُ بالجهالَةِ, ثُمَّ ذِكر قولِ مَن وَثَّقَهٌ ونفى الجهالَةَ عنه, وأَخيراً: استخلاصُ القولِ الرَّاجِحِ فيِهِ.
وكانت نتيجَةُ البحثِ: أنَّ هؤلاءِ الرِّجالِ كُلُّهم ثقات, وأنَّ البخاريَّ كان عبقريَّاً في انتقاءِ رجالِ صحيحِهِ, فزيادَةً على كونِهِ لمْ يَروِ إلّا عن الثَّقات؛ فقد احتاطَ عندَ إخراجِ حديثِ مَنْ فِيهِ أدنى كلامٍ_ ولو لمْ يكُنْ مؤثِّراً_ كهؤلاءِ الرِّجالِ, إذْ روى لأكثَرِهم في الشواهدِ والمتابعاتِ (وهم عشَرَةُ رجال), ولمْ يَعتَمِد في الأُصولِ إلَّا على حديثِ رَجُلٍ واحدٍ؛ لصَحَةِ حَدِيثِهِ, ولكَثرَةِ شواهدِهِ خارَج صحيحِهِ؛ فللهِ دَرُّهُ .
ويُمَثِّلُ هذا البحثُ أداءً لبعضِ الواجِبِ, وحلَقَةً مُهمَّةً من حلقاتِ الدفاع عن السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ _لاسيَّما الصَّحيحين_؛ لأَنَّهما سياجُ الإسلامِ المنيعِ, وحُصنِهِ الحصين, إذْ ما بَرِح أعداءُ هذا الدِّين _ قديماً وحديثاً_ يوجِّهون سهامَ الطَّعنِ إليهما, لينفُذوا من خلالِهما إلى نقضِ قواعِدِ الإسلامِ, وأُسسِهِ المَتينِةِ, فقد ظَهَرَ الحقُّ, وبانَ بوضوحٍ أنَّهما محفوظانِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ بيانُ كتاب الله ِ, وتفسيرُهُ, وهي محفوظَةٌ كالكتابِ مصداقاً لقولِهِ :ﭽﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ [الحجر: ٩], والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين. |