(*) Received on *** accepted for publishing on .
Doi: 10.33899/alaw.2005.160451
© Authors, 2005, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
مقدمة :
لما کانت المرافق العامة مشروعات تنشئها الدولة لتحقیق النفع العام فأن شأنها شأن المشاریع الخاصة تحتاج الى اموال منقولة او غیر منقولة لکی تستطیع تحقیق مهامها واداء واجباتها على اکمل وجه ، وبما ان هذه الاموال تتعلق بالنفع العام فأن الامر یتطلب اخضاعها لقواعد قانونیة تختلف عن قواعد ادارة الاموال الخاصة وذلک لکون النفع العام مفضلاً على النفع الخاص ولکی یتمکن الافراد من الحصول على الخدمات التی تقدمها المرافق العامة بانتظام واستمرار .
ویعرف المال على انه کل حق له قیمة مادیة وعلیه فان اموال الدولة وفقاً لتخصیصها تقسم الى مجموعتین ، المجموعة الاولى وهی الاموال العامة التی تکون مخصصة للمنفعة العامة وتخضع لقواعد وانظمة قانونیة مختلفة عن القواعد التی تخضع لها الاموال الخاصة فی القانون الخاص ، والمجموعة الثانیة هی الاموال الخاصة التی تمتلکها الدولة او الاشخاص الاداریة الاخرى إذ لا تکون مخصصة للمنفعة العامة وانما یتم استغلالها من اجل انماء وزیادة موارد الدولة وتخضع هذه المجموعة من اموال الدولة لقواعد القانون الخاص .
وعلى الرغم من اتجاه جانب من الفقه الاداری الى هجر النظریة التقلیدیة للمال العام لما تتضمنه من عیوب وجعل جمیع اموال الدولة تخضع لنظام قانونی واحد یسلط علیها نوعاً واحداً من الحمایة ، الا اننا نرى انه ینبغی العمل على سحب اوجه الحمایة القانونیة المقررة بالاصل للاموال العامة بمفهومها التقلیدی على الاموال الخاصة للدولة وهذا ما اتجه الیه المشرع العراقی والمصری ولا یعنی ذلک اهدار اهمیة التفرقة بین المجموعتین من الاموال ، الا ان النظام القانونی الذی تخضع له الاموال العامة لا یقتصر على الاحکام الخاصة باوجه الحمایة المقررة لهذه الاموال وانما یتضمن الى جانب ذلک القواعد والاحکام المتعلقة باستعمال واستغلال الاموال العامة وهذه القواعد لا یمکن تطبیقها الا على هذه الاموال لانها مخصصة للمنفعة العامة وهذا ما سنعالجه من خلال هذا البحث .
والنظام القانونی للاموال العامة مجموعة من القواعد القانونیة التی تکفل حمایة الاموال العامة من کل اعتداء قانونی او مادی یقع علیها ویمکن ان یؤدی الى تعطیل الغرض منها وتتولى تنظیم کیفیة استعمالها والانتفاع بها .
ولاهمیة هذا الموضوع باعتباره من المواضیع الحیویة والاساسیة فی القانون الادرای فقد وقع اختیارنا علیه ، واعتمدنا فی هذه الدراسة على المنهج التحلیلی الذی یقوم على تحلیل آراء الفقهاء ومناقشتها واستخراج النتائج العملیة من ادلتها التفصیلیة ، وفی ضوء ما تقدم یمکننا تقسیم بحثنا وفق الخطة التالیة :
المقدمة
المبحث الاول : ماهیة الاموال العامة .
المطلب الاول : التعریف بالاموال العامة .
المطلب الثانی : معاییر تمییز اموال الدولة العامة عن اموالها الخاصة .
الفرع الاول : معیار تخصیص المال لاستعمال الجمهور مباشرة .
الفرع الثانی : معیار تخصیص المال لمرفق عام .
الفرع الثالث : معیار تخصیص المال للنفع العام .
المبحث الثانی : حمایة الاموال العامة .
المطلب الاول : الحمایة المدنیة .
الفرع الاول : عدم جواز التصرف بالمال العام .
الفرع الثانی : عدم قابلیة المال العام للحجز علیه .
الفرع الثالث : عدم جواز تملک المال العام بالتقادم .
المطلب الثانی : الحمایة الجنائیة .
المبحث الثالث : استعمال الاموال العامة .
المطلب الاول : الاستعمال الجماعی للمال العام .
المطلب الثانی : الاستعمال الفردی للمال العام .
الخاتمة
المراجع
المبحث الأول
ماهیة الأموال العامة
ان اموال الدولة وفقاً لما استقر علیه الفقه والقضاء الاداریین تقسم الى قسمین ، اموال عامة او ما یسمى بـ ((الدومین العام)) واموالاً خاصة او ما یطلق علیها تسمیة ((الدومین الخاص)) ولکل قسم نظام قانونی خاص به ، فالاموال العامة تخضع لمبادئ واحکام القانون الاداری اما الاموال الخاصة فانها تخضع لذات القواعد التی تخضع لها اموال الافراد . وفی هذا المبحث نسلط الضوء على التعریف بالاموال العامة وتمییزها عن اموال الدولة الخاصة من خلال المعاییر التی ذکرها الفقهاء للتمییز بینهما .
المطلب الأول
التعریف بالأموال العامة
الاموال العامة هی الاموال التی تعود للدولة او للاشخاص المعنویة العامة إذ تکون مخصصة للمنفعة العامة .
کما عرفت بأنها ((تلک الاموال الثابتة والمنقولة العائدة للدولة والاشخاص الاداریة الاخرى والمخصصة للمنفعة العامة)).
وتعد فکرة الاموال العامة فکرة قدیمة فقد عرفتها التشریعات القدیمة ، حیث کانت الملکیة الجماعیة للارض موضع اهتمام المشرع فی التشریعات العراقیة والمصریة القدیمة فالمشرع فی هذه التشریعات اتجه نحو بیان الاحکام الخاصة المنظمة لهذا النوع من الملکیة سواء کان من حیث استغلالها ام حمایتها ومنع الاعتداء علیها.
کما عرف الرومانیون الاموال العامة واعطوها مزیداً من الاهتمام حیث میزوا بین المال العام الذی کان یعتبر ملکاً للجمیع ومخصصاً للانتفاع العام وبین اموال الخزانة التی کانت تعد ملکاً للحاکم ، کما میزوا بین المال العام الذی تتمثل فیه المصلحة العامة والمال العام الذی تتمثل فیه المصلحة المحلیة الذی یقتصر النفع فیه على جانب معین.
کما ان المشرع العراقی فی القانون المدنی النافذ قد حدد الاموال العامة وذلک فی الفقرة اولاً من المادة (71) منه إذ تنص على ان ((تعد اموالاً عامة العقارات والمنقولات التی للدولة او للاشخاص المعنویة والتی تکون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل او بمقتضى القانون)).
وبموجب هذا النص القانونی یشترط لکی یعتبر المال عاماً ان یکون عائداً للدولة او لأحد اشخاص القانون العام کما یشترط کذلک ان یکون المال مخصصاً للمنفعة العامة ویستوی فی ذلک ان یکون عقاراً او منقولاً ، اما اذا لم یکن المال ملکاً لأحد اشخاص القانون العام فیجب لاکتساب الصفة العامة ان یمتلکه احد اشخاص القانون العام ومن ثم یخصص للمنفعة العامة .
وبما ان الاموال العامة مخصصة للمنفعة العامة فان حمایة هذه الاموال واستعمالها واستغلالها یخضع لنظام قانونی یختلف عن احکام القانون الخاص التی تخضع لها الاموال الخاصة ، کما ان المنازعات التی تثور بشأن الاموال العامة تخضع لرقابة القضاء الاداری وذلک فی الدول التی تأخذ بالنظام القضائی المزدوج .
والمشرع العراقی قد بین الحرمة الخاصة للاموال العامة وذلک عندما نص علیها فی المادة (15) من دستور 1970 إذ تقول ((للاموال العامة ، ولممتلکات القطاع الاشتراکی حرمة خاصة على الدولة وجمیع افراد الشعب صیانتها والسهر على امنها وحمایتها ، وکل تخریب فیها ، او عدوان علیها یعد تخریباً فی کیان المجتمع وعدواناً علیه)).
المطلب الثانی
معاییر تمییز أموال الدولة العامة عن أموالها الخاصة
اختلف الفقهاء فی تحدید المعیار الممیز للاموال العامة واتجهوا فی ذلک الى عدة معاییر وذلک على النحو الاتی :
الفرع الأول
معیار تخصیص المال لاستعمال الجمهور مباشرة
یذهب انصار هذا المعیار الى انه لکی یعد المال عاماً یجب ان یکون مخصصاً لاستعمال الجمهور مباشرة وبهذا الاستعمال یصبح المال غیر قابلٍ للتملک الخاص کالطرق والشوارع العامة والانهار . فالمال العام وفقاً لهذا المعیار یقوم على عنصرین :
العنصر الاول : تخصیص المال لاستعمال الجمهور مباشرة .
العنصر الثانی : عدم قابلیة المال بطبیعته للتملک الخاص .
وقد وجهت انتقادات لهذا المعیار وذلک لتضییقه من نطاق الاموال العامة من جهة ، ومن جهة اخرى توجد اموال عامة ولکنها لیست مخصصة لاستعمال الجمهور مباشرة وانما هی مخصصة لخدمة مرافق عامة کالقلاع والحصون وعربات السکک الحدیدیة. کما ان عدم قابلیة هذا المال بطبیعته للتملک الخاص لیست عنصراً فی تعریف المال العام ولکنها نتیجة تترتب على التخصیص وعلى اقرار الحمایة اللازمة لها.
ونتیجة لهذه الانتقادات لا یصلح هذا المعیار لتمییز اموال الدولة العامة عن اموالها الخاصة لذلک فقد ذهب الفقهاء الى معیار آخر .
الفرع الثانی
معیار تخصیص المال لمرفق عام
یرى انصار هذا المعیار ان المال یعتبر عاماً اذا کان مخصصاً لخدمة المرفق العام ، وانصار هذا المعیار هم اصحاب نظریة المرفق العام الذین جعلوا من فکرة المرفق العام اساساً للقانون الاداری ومعیاراً لتحدید اختصاص القضاء الاداری.
وقد تعرض هذا المعیار الى انتقادات عدیدة واهم انتقاد وجه له هو ان تخصیص المال لمرفق عام لا یعد کافیاً لاعتبار جمیع الاموال عامة فالطرق العامة والشوارع والانهار تعد اموالاً عامة على الرغم من انها لیست مخصصة لمرفق ولکنها اعتبرت اموالاً عامة لانها مخصصة لاستعمال الجمهور مباشرة هذا من جانب ، ومن جانب آخر توجد بعض الاموال مخصصة للمرفق العام ولکنها قلیلة الاهمیة بحیث لا تستوجب الحمایة الخاصة المقررة للأموال العامة التی تخدم مرافق عامة جوهریة کادوات المکاتب والورق والاقلام.
لذا حاول الفقیه الفرنس (جیز) ان یرد على هذه الانتقادات بادخال نوع من التحدید على فکرة التخصیص لمرفق عام فاشترط فی المال لکی یعد عاماً ان یکون مخصصاً لمرفق عام جوهری وان یقوم المال بالدور الرئیسی فی خدمة المرفق العام . الا ان هذا التحدید تعرض هو الآخر الى انتقاد وذلک لصعوبة تحدید متى یعتبر المرفق العام جوهریاً ومتى یقوم المال بدور رئیسی فی خدمة هذا المرفق ، فالکثیر من المرافق العامة تؤدی خدمات للمواطنین کالتعلیم والصحة بینما لا تقوم الاموال المخصصة لها ((کدور المدارس والمستشفیات ودور القضاء)) بالدور الرئیسی فیها ، اذ ان الدور الرئیسی فی هذه المرافق یکون للمدرسین والاطباء والقضاة. لذا لا یمکن الاعتماد على هذا المعیار للتمییز بین الاموال العامة والخاصة للدولة .
الفرع الثالث
معیار تخصیص المال للنفع العام
نظراً للانتقادات التی وجهت الى المعاییر السابقة فقد اتجه الرأی الغالب فی الفقه الى ان المعیار الممیز للمال العام هو تخصیصه للنفع العام وسواء أکان ذلک المال مخصصاً لخدمة الجمهور مباشرة ام کان مخصصاً لخدمة المرفق العام . وعلى ذلک فان المال العام وفقاً لهذا المعیار هو کل عقار او منقول مخصصٍ للنفع العام اما بتخصیصه لاستعمال الجمهور مباشرة او لخدمة المرفق العام .
ان معیار تخصیص المال للنفع العام یؤدی الى توسیع نطاق الاموال العامة لذا عمد بعض انصار هذا المعیار الى تحدیده فنجد ان الفقیه (هوریو) اشترط لاکتساب المال لصفة العمومیة شرطین اولهما تخصیص المال للنفع العام ، وثانیهما ان یتم هذا التخصیص بقرار صریح من الادارة.
الا انه مع ذلک یعد معیار تخصیص المال للنفع العام من اکثر المعاییر وضوحاً وتماشیاً مع مقتضیات المصلحة العامة ومن ابرزها للتمییز ما بین اموال الدولة العامة والخاصة وقد اخذت به معظم التشریعات العربیة کمصر والاردن، وکذلک ما نصت علیه الفقرة اولاً من المادة (71) من القانون المدنی العراقی المذکورة آنفاً عندما حدد المشرع العراقی الاموال العامة .
المبحث الثانی
حمایة الأموال العامة
تحظى الاموال العامة بعنایة ورعایة خاصة فی حمایتها وذلک لکی تبقى مؤدیة لوظیفتها فی تحقیق النفع العام ، والحمایة المقررة للاموال العامة تتجسد فی صورتین هما الحمایة المدنیة والحمایة الجنائیة .
وهذا ما سنتناوله فی المطالب الاتیة :
المطلب الأول
الحمایة المدنیة
ویقصد بها اخراج المال العام من دائرة التعامل القانونی التی یعترف بها القانون المدنی للملکیة الفردیة ، فلا یکون المال العام قابلاً للتصرف فیه ولا للحجز علیه ولا لاکتسابه بالتقادم او بأیة وسیلة اخرى مماثلة لاکتساب الملکیة .
هذه الاوجه من الحمایة المدنیة للاموال العامة کان الفقه والقضاء الفرنسیان قد اعترفا بها من قبل أن یقرها من قبل المشرع ، ولکن هذه الحمایة اصبحت فیما بعد مقررة بقواعد تشریعیة ، بینما نجد فی دول اخرى ان هذه الحمایة قد اقرت بنصوص تشریعیة فی صلب قوانینها المدنیة کما هو الحال فی القانون المدنی العراقی النافذ اذ تنص الفقرة (2) من المادة (71) على ان ((هذه الاموال لا یجوز التصرف فیها اوالحجز علیها او تملکها بالتقادم))، وکذلک فی القانون المدنی المصری حیث نصت الفقرة الثانیة من المادة (87) المذکورة آنفاً على ان ((هذه الاموال لا یجوز التصرف فیها او الحجز علیها او تملکها بالتقادم)) ، وکذلک ایضاً نص الفقرة ثانیاً من المادة (60) من القانون المدنی الاردنی المؤقت المذکورة آنفاً اذ نصت على انه ((ولا یجوز فی جمیع الاحوال التصرف فی هذه الاموال او الحجز علیها او تملکها بمرور الزمان)) .
ولدراسة مظاهر هذه الحمایة فقد ارتأینا تقسیم هذا المطلب الى الفروع الاتیة :
الفرع الأول
عدم جواز التصرف بالأموال العامة
تعد هذه القاعدة أولى القواعد الخاصة بحمایة المال العام مدنیاً طالما انه مخصص للمنفعة العامة ، وهذه القاعدة تسری على جمیع الاموال العامة سواء أکانت منقولة ام غیر منقولة . وبناء على ذلک لو باعت الجهة الاداریة خطأ مالاً منقولاً فأنها تستطیع ان تسترده فی أی وقت ولا یمکن ان یحتج المشتری قبلها بأیة قاعدة من قواعد القانون المدنی کقاعدة (الحیازة فی المنقول سند الملکیة) مثلاً لان هذه القاعدة تفترض تداول المال المنقول وانتقاله من ذمة الى اخرى وهذا ما لا یتفق والقواعد المقررة لحمایة المال العام. والنتیجة المترتبة على هذه القاعدة ان کل التصرفات المدنیة التی ترد على المال العام ومن شأنها ان تؤدی الى انتقال ملکیته الى الافراد او تؤدی الى ترتیب أی حق عینی علیه یتعارض مع تخصیصه للنفع العام تقع باطلة ، واساس ذلک یکمن فی تخصیص هذا المال للنفع العام لا فی طبیعته ، لذا اذا ما فقد تخصیصه للنفع العام لای سبب من الاسباب، فان للجهة الاداریة حق التصرف فیه کأی مال من اموالها الخاصة .
الا ان هناک انواعاً من التصرفات تلائم الاموال العامة مع احتفاظها بالصفة العامة لانها لا تتعارض مع تخصیصها للمنفعة العامة ومن هذه التصرفات التصرفات الاداریة ، فالجهة الاداریة تستطیع ان تباشر جمیع التصرفات الاداریة من بیع او شراء او ایجار مع الاشخاص الاداریة الاخرى، کانتقال المال من ذمة الدولة الى ذمة احدى الوحدات الاداریة الاقلیمیة کالمحافظة او البلدیة او الناحیة او بالعکس مع بقاء تخصیصه للنفع العام ، الى غیر ذلک من التصرفات الاداریة التی تختلف عن التصرفات المدنیة فی انها لا تخرج المال عن مجال تخصیصه للمنفعة العامة فضلاً عن انها تتمیز بطابعها المؤقت والقابلیة للرجوع من جانب الجهة الاداریة .
کما یجوز للجهة الاداریة ترتیب حق ارتفاق على المال العام ولکن بشرط ان لا یتعارض هذا الحق مع تخصیص المال للنفع العام.
الفرع الثانی
عدم قابلیة الأموال العامة للحجز علیها
اذا کان المال العام لا یجوز التصرف فیه او بیعه اختیاریاً للمحافظة على تخصیصه للمنفعة العامة فمن المنطق الا یجوز بیعه جبراً لان الهدف النهائی من الحجز على المال هو استیفاء حق الدائن من ثمنه بعد بیعه جبراً فی حالة عدم الوفاء . ویترتب على منع الحجز على المال العام عدم جواز ترتیب حقوق عینیة تبعیة کحق الرهن التأمینی او الحیازی وحق الاختصاص على المال العام ضماناً للدیون التی تشغل ذمة الشخص العام، ومثل هذه الحقوق لا یجوز تقریرها على المال العام لان فائدة واهمیة هذه الحقوق تظهر حین تباع اموال المدین المحملة بها جبراً اذ یفضل الدائن ذو الحق العینی على الدائن الشخصی وهذا لا یمکن تحقیقه فیما یتعلق بالمال العام لانه لا یمکن بیعه جبراً، وفضلاً عن ان جمیع دائنی الدولة او الشخص العام یجب ان یحصلوا على دیونهم کاملة لان الدولة یفترض فیها الملاءة وانها محل ثقة مما لا حاجة معه الى اللجوء الى التنفیذ الجبری علیها .
فالمشرع العراقی قد منع الحجز على الاموال العائدة للدولة والقطاع الاشتراکی التی تخصص للمنفعة العامة لان الدولة هی التی تقوم بوضع القوانین وتنفیذها وصیانة الحقوق ونشر العدل لذا لا یتصور ان تراوغ الدولة فی تسدید ما بذمتها من المبالغ ، علاوة على ان الدولة موثوق بیسارها وان التنفیذ یمس هیبتها، کما ان المشرع قد نص فی الفقرة (1) من المادة (248) من قانون المرافعات المدنیة المرقم (83) لسنة 1969 على ان ((لا یجوز حجز او بیع الاموال المبینة فیما بعد لاقتضاء الدین سواء کان الحجز احتیاطیاً او تنفیذیاً . 1.اموال الدولة)) . فالملاحظ على هذا النص انه قد جاء مطلقاً دون تحدید لصفة المال ما اذا کان من اموال الدولة العامة ام من اموالها الخاصة ، وحیث ان المطلق یجری على اطلاقه ما لم یقم دلیل التقیید صراحة او دلالة ، فعلیه یمکن القول ان حکم هذا النص یسری على جمیع اموال الدولة العامة منها والخاصة ، فمن خلال هذا النص والحکم الذی اشارت الیه الفقرة (2) من المادة (71) من القانون المدنی ((وهذه الاموال لا یجوز التصرف فیها او الحجز علیها…)) نستطیع القول ان قاعدة عدم جواز الحجز تسری على جمیع اموال الدولة العامة والخاصة .
اما فیما یتعلق بموقف الفقه المصری حول شمول اموال الدولة الخاصة بقاعدة عدم جواز الحجز على المال ، فقد ثار خلاف بین الفقهاء بشأن هذه القاعدة فذهب بعض الفقهاء الى تطبیق هذه القاعدة على الاموال العامة فقط وعدم سریانها على الاموال الخاصة المملوکة للدولة لذا فانه یصح الحجز قانوناً على الاموال الخاصة، بینما یذهب الرأی الغالب فی الفقه المصری الى عدم جواز الحجز على الاموال الخاصة المملوکة للدولة شأنها فی ذلک شأن الاموال العامة.
وتعد قاعدة عدم جواز الحجز على المال العام من القواعد المتعلقة بالنظام العام ویترتب على ذلک انه یکون للقاضی ان یقضی بالبطلان من تلقاء نفسه ، کما یجوز لکل ذی مصلحة التمسک به وفی ایة مرحلة کانت علیها هذه الاجراءات وان هذا البطلان لا تصححه الاجازة .
الفرع الثالث
عدم جواز تملک الأموال العامة بالتقادم
ان هذه القاعدة من قواعد الحمایة المدنیة هی نتیجة حتمیة لقاعدة عدم جواز التصرف بالمال العام ، فما دام المال العام لا یقبل التصرفات الناقلة للملکیة فأنه من باب اولى لا یجوز اکتساب ملکیته بالتقادم لان التقادم یؤدی الى نقل ملکیة المال الى واضع الید ، ولکن المال العام لا یجوز تملکه بالتقادم لما فی ذلک من تعارض مع تخصیصه للمنفعة العامة .
وتعد هذه القاعدة المدنیة اهم وسیلة لحمایة المال العام واهمیتها تفوق کثیراً اهمیة قاعدة عدم جواز التصرف بالمال العام من الناحیة العملیة وذلک لانه نادراً ما تقدم الجهة الاداریة على التصرف بالاموال العامة لانها تعتبر امینة على المال العام وحریصة علیه ولا مصلحة لها فی التصرف فیه، لذا تعد هذه القاعدة وسیلة حمایة فعالة للاموال العامة ضد اعتداءات الافراد سواء کانت تقع على طریق العمد ام الخطأ وکثیراً ما تحدث بطریقة یصعب اکتشافها الا فی وقت مناسب وبعد مرور مدة زمنیة طویلة خاصة اذا کان وضع الید على جزء من المال العام لعقار مجاور لواضع الید . وبمقتضى هذه القاعدة تستطیع الادارة ان تسترد المال فی أی وقت لان وضع الید مهما طالت مدته لا یصلح سبباً لاکتساب ملکیة المال العام ، کما لا یجوز لواضع الید على المال ان یحمی یده بایة دعوى من دعاوی وضع الید لان هذه الدعاوی شرعت لحمایة الحیازة القانونیة وحیازة الافراد للمال العام دون سبب صحیح تعد حیازة غیر مشروعة ومن ثم لا تحمیها دعاوى وضع الید .
کما لا یجوز تملک العقارات من الاموال العامة بالتقادم فضلاً عن المنقولات منها ، لذا لا تسری على المال العام قاعدة (الحیازة فی المنقول سند الملکیة) اذ یمتنع تملک المال العام المنقول بالحیازة مع السبب الصحیح وحسن النیة وذلک لان هذه القاعدة تفترض ان المال المنقول مما یجوز تداوله وانتقاله من ذمة الى ذمة اخرى ولیس الامر کذلک بالنسبة للمال العام ، ومن ثم یکون للجهة الاداریة صاحبة المال المنقول ان تسترده فی أی وقت وتحت أی ید کان دون ان تلتزم بدفع ثمن المنقول للمشتری حسن النیة.
فاذا کانت الحمایة المدنیة لاموال الدولة تقتصر فی الاصل على ما یتصف منها بصفة المال العام فأن المشرع المصری قد وسع نطاق تطبیق قاعدة عدم جواز تملک المال العام بالتقادم الى الاموال الخاصة المملوکة للدولة.
اما المشرع العراقی فقد قصر تطبیق هذه القاعدة على الاموال العامة المخصصة للمنفعة العامة دون الاموال الخاصة ، أی بمعنى ان الاموال الخاصة المملوکة للدولة یجوز اکتساب ملکیتها بالتقادم .
الا اننا نرى ان على المشرع العراقی ان یشمل الاموال الخاصة المملوکة للدولة بهذه القاعدة وعدم جواز تملکها بالتقادم اسوة بالاموال العامة وذلک من اجل الحفاظ علیها من الاضرار التی قد تلحق بها من خلال تجاوز الافراد علیها .
المطلب الثانی
الحمایة الجنائیة
الى جانب الحمایة المدنیة المقررة للمال العام هناک الحمایة الجنائیة التی یحیط بها المشرع هذا المال من الاعتداءات المادیة علیه سواء کان ذلک بصورة مباشرة أم من خلال الانتفاع بها .
فالحمایة الجنائیة للاموال العامة هی تلک الحمایة التی تقررها القوانین عن طریق تجریم اعتداء الافراد على المال العام وتوقیع العقوبات الجنائیة علیهم فی حالة اعتدائهم علیه.
والاموال العامة تخضع لنظام حمایة اکثر شدة من النظام الذی تخضع له اموال الافراد الخاصة ، لان الاموال العامة تعتبر وسیلة الادارة فی اشباع الحاجات العامة وتقدیم الخدمات ، فالمجنی علیه فی جرائم الاعتداء على المال العام هو الدولة او احد الاشخاص المعنویة العامة لذا فقد شدد المشرع عقوبة هذه الجرائم واخضعها لنصوص جزائیة خاصة ولم یخضعها للنماذج القانونیة العامة الا انه لم یکتف بذلک بل انه جرم جرائم الاعتداء العمدی وغیر العمدی التی تقع على هذه الاموال سواء تطلب تجریم الفعل توافر صفة خاصة بالجانی کما هو الحال فی الجرائم التی تقع من الموظف او المکلف بخدمة عامة او لم یتطلب ذلک کما هو الحال فی الجرائم التی تقع من عامة الناس ، وذلک من اجل فرض حمایة متکاملة للمال العام . ولکن الحمایة الجنائیة للمال العام لیست موحدة بحیث تشمل جمیع الاموال العامة على قدم المساواة ولکنها تنصب بشکل واضح على الاموال العامة التی تکون اکثر تعرضاً للافراد کالطرق العامة والمواصلات او على الاموال التی یترتب على المساس بها الاضرار بمرکز الدولة الاقتصادی.
کما ان النصوص القانونیة التی تقرر هذه الحمایة متفاوتة من حیث شدة العقاب بحسب اهمیة المال وجسامة الاعتداء وخطورته ، وتأخذ مظاهر الاعتداء على المال العام صوراً مختلفة کتخریب الاثار والمبانی واتلافها واحراقها وتعطیل المواصلات العامة والمخالفات التی تخص الطرق العامة ، لذا فأن النصوص التشریعیة التی تقرر الحمایة الجنائیة للاموال العامة لا یجمعها عادة تشریع واحد بل تکون منتشرة فی قانون العقوبات وغیره من القوانین الاخرى والقرارات والتعلیمات المختلفة .
وتتمتع الحمایة الجنائیة للمال العام فی التشریع العراقی بأهمیة خاصة وتأتی هذه الاهمیة من خلال التوسع الحاصل فی ملکیة الدولة للاموال وممارستها للنشاط الاقتصادی على مختلف ضروبه نتیجة الاخذ بالنظام الاشتراکی وتطبیق مبادئه ، ومما لا شک فیه ان السیر وفق الاتجاه المتقدم یقتضی ضرورة حمایة هذه الاموال وضمان استخدامها بالصورة التی تحقق اهداف الدولة مما یستلزم وجوب عنایة المشرع بوضع العقوبات الجنائیة وتشدیدها تجاه الافعال التی من شأنها الاعتداء على ملکیة الدولة او حصول تخریب او ضرر فیها ، وقد افرد المشرع العراقی جانباً مهماً من نصوصه القانونیة لحمایة الاموال العامة وهی متناثرة بین قانون العقوبات العراقی المرقم (111) لسنة 1969 وغیره من التشریعات الاخرى .
ونلاحظ بصدد الحمایة التی قررها قانون العقوبات العراقی ان المشرع لم یفرق بین اموال الدولة العامة والخاصة وانما بسط حمایته على جمیع اموال الدولة ومثال ذلک ما نصت علیه المادة (444) فی فقرتها (11) ((یعاقب بالسجن مدة لا تزید على سبع سنوات او بالحبس على السرقة التی تقع فی احد الظروف التالیة : -ف-11- اذا ارتکبت على شیء مملوک للدولة او احد المؤسسات العامة او احدى الشرکات التی تساهم الدولة فی ماله بنصیب)) اذ اعتبرت هذه المادة ظرفاً مشدداً لعقوبة جریمة السرقة اذا وقعت السرقة على مال مملوک للدولة والتشدید فی هذه الحالة له ما یبرره لان المال الذی وقعت علیه الجریمة هو مملوک للدولة والاعتداء علیه لا یکون اعتداء على فرد وانما اعتداء على جمیع افراد المجتمع کما اولى المشرع العراقی عنایة خاصة لجرائم الاختلاس التی تقع من قبل الموظف او المکلف بخدمة عامة نظراً لمساس هذه الجرائم بالاقتصاد الوطنی ونص علیها فی المواد (315-321) من قانون العقوبات .
المبحث الثالث
استعمال الأموال العامة
لاستعمال الاموال العامة نظام قانونی متمیز فهو یخضع لقاعدة رئیسیة هی تخصیص هذه الاموال للمنفعة العامة ، وهذا النظام یلزم الادارة بأن تعمل على حمایة هذا التخصیص بشکل یؤدی الى التوفیق بین ما تتمتع به من سلطات فی هذا المجال ، وما للافراد من قدرة على الانتفاع بالاموال العامة واستعمالها بما لا یتعارض مع تخصیصها .
فإذا کان المال العام مخصصاً اصلاً للمنفعة العامة لکافة الافراد الا ان انتفاع الافراد بالمال العام قد یکون اما بطریق غیر مباشر او بطریق مباشر ، فالأول یتمثل بتخصیص المال لمرفق عام ویکون انتفاع الافراد به عن طریق المرفق ، فالاموال المخصصة للمرافق العامة لا یستعملها الافراد ولا یستفادون منها الا بصورة غیر مباشرة ویخضع استعمال هذه الاموال للقواعد القانونیة التی تحکم المرافق المخصصة لخدمتها وتختلف من مرفق الى آخر ومثال ذلک الخطوط الهاتفیة ، أجهزة الاتصال ، محطات وقاطرات السکک الحدیدیة . اما الطریق المباشر فیتمثل بالمال العام المخصص لاستعمال الافراد مباشرة کالطرق العامة والشواطئ والحدائق العامة ویخضع استعمال الافراد لهذه الاموال لقواعد قانونیة تتمیز بحسب نوعیة هذا الاستعمال وما إذا کان استعمالاً جماعیاً عاماً أم فردیاً خاصاً ، کما ان هذه القواعد بدورها تختلف بحسب إذا کان الاستعمال الفردی للمال العام اعتیادیاً أم غیر اعتیادی .
والطریق المباشر هو الذی یهمنا بحثه فی هذا المجال ، لذا سوف نقسم هذا المبحث الى مطلبین نعرض فی اولهما الاستعمال الجماعی للاموال العامة ونبحث فی ثانیهما الاستعمال الفردی للاموال العامة .
المطلب الأول
الاستعمال الجماعی للأموال العامة
ویقصد به انتفاع الافراد کافة بالمال العام انتفاعاً عاماً وبشکل مباشر على قدم المساواة وهو استعمال یتفق والغرض الذی من اجله خصص المال العام ویتمیز هذا الاستعمال بطابعه العارض غیر المستمر لانه لا یلازم شخصاً بالذات .
ویعد الاستعمال الجماعی للمال العام من مظاهر ممارسة الافراد لحریاتهم الفردیة التی تؤکدها الدساتیر کحریة المرور فی الطرق العامة وحریة العقیدة وحریة التجارة .
ویحکم هذا النوع من الاستعمال مبادئ اساسیة هی :
1. مبدأ حریة الانتفاع بالمال العام :
لکل فرد من الافراد فی الدولة الحریة فی استعمال الاموال العامة والانتفاع بها فی أی وقت شاء دون ان یعلن ذلک مقدماً ودون ان یتوقف هذا الانتفاع على اذن سابق او ترخیص من قبل الادارة کالسیر فی الطرق العامة وارتیاد دور العبادة ...الخ ، الا ان حریة الانتفاع بالمال العام لیست مطلقة من کل قید ، فللادارة ان تضع بعض القواعد لتنظیم هذه الحریة ولا تقف هذه القواعد حائلاً دون الانتفاع بهذه الاموال وإنما تؤدی الى تنظیم انتفاع کل الافراد بالاموال العامة .
ولما کانت الادارة هی المهیمنة على المصلحة العامة فلها الحق باصدار الانظمة والتعلیمات التی بموجبها تتولى المحافظة على النظام العام بمدلولاته المختلفة الامن العام ، الصحة العامة ، السکنیة العامة ، الاداب والاخلاق العامة ، ووسیلة الادارة فی ذلک اصدار القرارات التنظیمیة المتعلقة بالضبط لتنظیم کیفیة استعمال الافراد للاموال العامة.
2. مبدأ المساواة بین المنتفعین بالمال العام :
اذا کان استعمال الافراد للمال العام وانتفاعهم به یعد ممارسة لحریة من حریاتهم الفردیة فان ذلک یقتضی مساواتهم فی الانتفاع بالاموال العامة ، فیجب على الادارة ان تعمل على تحقیق المساواة بین الافراد فلا تمیز بین فرد وآخر فی انتفاعه بالمال العام استناداً الى قاعدة مساواة الافراد امام القانون .
ومبدأ المساواة بین المنتفعین بالمال العام شأنه شأن مبدأ حریة الانتفاع بالمال العام لیس مطلقاً إذ ترد علیه بعض القیود التی تقتضیها طبیعة المال العام والمصلحة العامة وهذه القیود یلزم ان تکون مقررة بقواعد عامة .
3. مبدأ مجانیة الانتفاع بالمال العام :
إن هذا المبدأ هو نتیجة لحریة الانتفاع بالمال العام ، لذا یجب على الادارة ان لا تقتضی من الافراد مقابل انتفاعهم بالاموال العامة ، أی ان الانتفاع ینبغی ان یکون مجانیاً بدون مقابل ، ولکن اذا کان الاصل هو مجانیة الانتفاع الا ان ذلک لا یمنع الادارة من ان تحصل على مقابل انتفاع الافراد بالمال العام اذا اقتضى الامر ذلک ، ولکن یجب ان یتم ذلک بقانون او بناء على قانون .
المطلب الثانی
الاستعمال الفردی للأموال العامة
یعنی الاستعمال الفردی للاموال العامة انفراد شخص او اشخاص معینین بالذات بالانتفاع بجزء من المال العام مما یترتب علیه منع غیره من استعماله او الانتفاع به ، ومثال ذلک المقاهی والمطاعم التی تنشأ على شواطئ البحار ومحطات البنزین التی تقام على الطرق العامة ووضع المقاهی لبعض المناضد والکراسی على ارصفة الطریق ، والاستعمال الفردی للاموال العامة قد یکون عادیاً او غیر عادی .
اولاً : الاستعمال الفردی العادی :
یتحقق الاستعمال الفردی العادی للمال العام عندما یکون الاستعمال المخصص له هذا المال بحسب طبیعته والغرض منه یجب ان یتم بصفة فردیة ولا یمکن ان یکون جماعیاً لانه یستلزم انفراد الشخص بجزء معین من المال العام وإن هذا الاستعمال یجب ان یتفق مع الغرض الاصلی المحدد للمال العام، کانفراد التاجر باستعمال مکان مخصص بالسوق لعرض بضائعهِ .
ثانیاً : الاستعمال الفردی غیر العادی :
یقصد به انفراد شخص باستعمال جزء من المال العام المخصص للاستعمال الجماعی واستئثاره به على صورة تحرم غیره من الافراد منه بقصد استعماله فی اغراض لا تتفق مع الغرض الاصلی للمال العام کأکشاک بیع الصحف أو وضع المقاهی لبعض المقاعد والمناضد على ارصفة الشوارع ، فالاستعمال الفردی غیر العادی للمال العام من شأنه ان یمنع جمهور الافراد من الانتفاع بالاجزاء المشغولة والمستعملة من المال العام رغم انها بالاصل مخصصة لذلک .
ویعد الفقه هذا النوع من الاستعمال للمال العام استثناء على الاصل لذا فأن له نظاماً قانونیاً خاصاً وهو یخضع لقواعد متمیزة تتفق وطبیعته الفردیة وغیر العادیة فهو من جانب یتم بمقابل مادی یدفعه مستعمل المال العام لانه ینفرد به وحده وتعود علیه فائدة منه دون غیره من الافراد ، ومن جانب آخر یخضع للموافقة المسبقة للادارة فی کل حالة على حدة حتى تتحقق من عدم اعاقته للاستعمال العادی المشترک للمال العام.
وتظهر موافقة الادارة على الاستعمال الفردی غیر العادی للمال العام اما فی صورة ترخیص او بصورة عقد بینها وبین مستعمل المال العام ، وهذا ما سنتناوله على النحو الاتی :
1. الاستعمال الذی یتخذ صورة ترخیص :
ان الترخیص هو عمل اداری یصدر عن الادارة بارادتها المنفردة وبموجبه ترخص الادارة لشخص أن یستعمل على وجه الاختصاص جزءاً من المال العام المخصص فی الاصل لاستعمال الجمهور ، وبذلک یکون هذا الاختصاص استعمالاً غیر عادی لهذا المال .
وتتمتع الادارة بسلطة تقدیریة فی اصدار هذا الترخیص ولا یستطیع الافراد اجبارها على اصداره ویجوز للادارة ان تقوم بتحدید الشروط الواجب توافرها لمنح الرخص مع مراعاة ان تکون هذه الشروط قائمة على اسس موضوعیة لا تخل بمبدأ المساواة بین المنتفعین. وتستطیع الادارة ان تلغی الترخیص اوتسحبه فی أی وقت بعد اصداره اذا خالف المرخص له شروط الترخیص او اذا اقتضت المصلحة العامة ذلک او اذا تعلق الامر بتحقیق غرض من اغراض الضبط الاداری المعروفة وهی الامن العام ، الصحة العامة السکنیة والاداب والاخلاق العامة، ولیس للمرخص له الحق فی التعویض عما یلحق به من ضرر من جراء الغاء الادارة لترخیصه وذلک لان الترخیص بالاستعمال الفردی غیر العادی مؤقت وتتمتع الادارة بشأنه بسلطة تقدیریة لتحقیق المصلحة العامة . والمرخص له باستعمال المال العام استعمالاً فردیاً غیر عادی یکون فی مرکز تنظیمی فهو یخضع فی استعماله لهذا المال لقواعد تنظیمیة محددة مسبقاً ویجوز تعدیلها بغض النظر عن ارادته .
2. الاستعمال الذی یتم فی صورة عقد :
قد یتم الاستعمال الفردی غیر العادی للمال العام بمقتضى عقد یبرم بین الادارة وفرد من الافراد ویتم بموجب العقد اشغال هذا الفرد اشغالاً غیر عادی لجزء من المال العام المخصص أساساً للاستعمال الجماعی وغالباً ما یتعلق الامر بعقد من عقود التزام المرافق العامة او الامتیاز، کمنح امتیاز بجزء من منتزه عام لفرد او شرکة لاقامة کازینو علیه .
ویعد هذا العقد عقداً من العقود الاداریة ومن ثم یکون للجهة الاداریة الحق فی انهاء العقد قبل حلول الاجل المتفق علیه فی العقد وان لم یکن هناک خطأ من قبل المتعاقد ، ویقابل ذلک حق المتعاقد مع الادارة فی طلب التعویض ، وهنا یکمن الاختلاف ما بین هذه الصورة وسابقتها لانه فی حالة الترخیص لا یستطیع صاحبه المطالبة بالتعویض اذا استخدمت الادارة حقها بالغاء الترخیص ، بینما فی حالة العقد یتعین على الادارة ان تعوض المتعاقد معها تعویضاً کاملاً اذا ما الغت العقد لمصلحة المال العام.
الخاتمة :
ان الاموال العامة هی الوسیلة المادیة التی تحتاجها الدولة لتسییر مرافقها العامة واداء واجباتها المتعددة ، وقد تغیرت النظرة الى الاموال العامة بتغیر الدور الذی تقوم به الدولة ، فالدولة المعاصرة لم تعد تقتصر وظیفتها على حفظ النظام العام بمدلولاته التقلیدیة الامن العام والصحة العامة والسکنیة العامة وإنما اصبحت تساهم مساهمة فعالة فی الانشطة الاقتصادیة والاجتماعیة بأوجهها المختلفة ، ولا شک ان قیام الدولة بوظائفها المتزایدة یتطلب ان تکون مالکة للکثیر من الاموال وان تتمتع ملکیتها فی هذا المجال بنظام قانونی خاص یکفل لها مزیداً من الحمایة .
فمن خلال هذه الدراسة توصلنا الى النتائج والتوصیات الاتیة :
اولاَ : النتائج :
1. ان اموال الدولة العامة تخضع لنظام قانونی خاص یختلف عن النظام القانونی الذی تخضع له اموالها الخاصة والسبب فی ذلک یعود الى تخصیص الاموال العامة للمنفعة العامة ، وتبرز مظاهر هذا الاختلاف بشکل واضح فیما یتعلق بقواعد الحمایة المدنیة للاموال العامة التی نص علیها القانون المدنی ، ومع ذلک فان هناک البعض من الفقهاء والنصوص التشریعیة یتجه نحو عدم التمییز بین الاحکام التی تخضع لها اموال الدولة العامة والخاصة وذلک على النحو التالی :
أ. اذا کانت القاعدة المدنیة تقضی بعدم جواز التصرف بالاموال العامة الا اننا نجد ان هناک نصوصاً قانونیة ترد فی قوانین خاصة نظمت التصرف باموال الدولة ولم تمیز بین اموالها العامة والخاصة کقانون بیع وایجار اموال الدولة المرقم (32) لسنة 1986 اذا نصت مادته الاولى على ان ((تسری احکام هذا القانون على اموال الدولة ، منقولة کانت او غیر منقولة عند بیعها او ایجارها ، الا اذ وجد نص تشریعی یقضی بخلاف ذلک)) .
ب. اما فیما یتعلق بقاعدة عدم جواز حجز الاموال العامة فوجدنا ان هناک اتجاهاً فقهیاً ینادی بتطبیق احکام هذه القاعدة على اموال الدولة الخاصة ولاحظنا ایضاً ان المشرع العراقی فی قانون المرافعات المدنیة لم یحدد صفة المال الذی لا یجوز حجزه او بیعه .
ج. اما بالنسبة لقاعدة عدم جواز تملک المال العام بالتقادم فوجدنا ان هناک تشریعات تنص على شمول اموال الدولة الخاصة باحکام هذه القاعدة اسوة بالاموال العامة ، الا ان المشرع العراقی قصر تطبیق احکام هذه القاعدة على الاموال العامة المخصصة للمنفعة العامة دون الاموال الخاصة .
2. لم یمیز المشرع العراقی فی الحمایة الجنائیة المقررة لاموال الدولة فی قانون العقوبات بین اموالها العامة والخاصة وإنما بسط هذه الحمایة على جمیع الاموال .
3. ان لاستعمال المال العام نظاماً قانونیاً خاصاً فهو یخضع لمبدأ اساسی هو تخصیص المال العام للمنفعة العامة ویکون انتفاع الافراد بالاموال العامة اما بصورة مباشرة او غیر مباشرة .
ثانیا: التوصیات :
على المشرع العراقی ان یضفی الحمایة القانونیة المدنیة والجنائیة المقررة للاموال العامة للدولة على اموالها الخاصة وعلى الاخص فیما یتعلق بقاعدة عدم جواز تملک المال بالتقادم لاهمیة هذا الوجه من اوجه الحمایة المدنیة لان التمییز التقلیدی بین المال العام والخاص المملوک للدولة لم یعد هناک ما یبرره فی الوقت الحاضر ، فهدف الدولة فی جمیع الاحوال هو تحقیق المصلحة العامة ، ومع ذلک یمکن ان تتفاوت هذه الحمایة فتکون شدیدة بالنسبة للاموال العامة واقل شدة بالنسبة للاموال الخاصة .
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
Search References:
First: Legal books and letters:
1. Ali Mohamed Badir, Essam Abdel Wahab Al-Barzanji and Mahdi Yassin Al-Salami, Principles and Provisions of Administrative Law, Directorate of Dar al-Kut Books and Publishing, 1993.
2. Sobeih Ecumenical, History of Old Iraqi Law, Shafiq Press, Baghdad, 1971.
3. Mohammed Zuhair Garana, The Right of the State and Individuals to Public Money, Cairo, 1943.
4. Mahmoud Atef Al-Banna, Principles of Administrative Law in Public Funds and Public Service, Dar Al-Fikr Al-Arabi, No Year Printed.
5. Khaled Samara Al-Zu'bi, Administrative Law and Its Applications in the Hashemite Kingdom of Jordan, Third Edition, Dar Al-Thaqafa Publishing House, Amman, 1998.
6. Alaa Yousuf Al-Yaqoubi, Protection of Public Funds in Administrative Law, Master Thesis submitted to the Faculty of Law and Politics, University of Baghdad, 1977.
7. Sulaiman Mohammed Al-Tamawi, Principles of Administrative Law, Comparative Study, Third Book, Public Administration Funds and Privileges, Dar Al-Fikr Al-Arabi, 1979.
8. Sulaiman M. Al-Tamawi, Al-Wajiz in Administrative Law, Comparative Study, Dar Al-Fikr Al-Arabi, 1981.
9. Taima Al-Jarf, administrative law and general principles in the organization and activity of administrative authorities, comparative study, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1978.
10. Mohamed Fouad Muhanna, Principles and Provisions of Administrative Law in the Modern Trends, Comparative Study, Volume II, The Poet Press, 1978.
11. Majed Ragheb Al-Helw, Administrative Law, University Press House, Alexandria, 1983.
12. Said Mubarak, Provisions of the Execution Law No. 45 of 1980, First Edition, 1989.
13. Ibrahim Abdul Aziz Sheha, Foundations of Administrative Law, Public Administration Funds and Privileges, Comparative Study, Knowledge Establishment, Alexandria, None Year Printed.
14. Abdel-Razzaq Al-Sanhoury, The Mediator in Explaining Civil Law, Part VIII, Right of Ownership, 1967.
15. Rafiq M. Salam, Criminal Protection of Public Finances, Second Edition, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 1994.
16. Sulaiman M. Al-Tamawi, Al-Wajiz in Administrative Law, Comparative Study, Ain Shams University, 1986.
17. Mohamed Anas Kassem Jaafar, The Broker in Public Law, Foundations and Principles of Administrative Law, No Place and Year of Publication.
Second: Laws:
1. The Iraqi Civil Code No. (40) for the year 1951.
2. The Iraqi Constitution of 1970.
3. The Egyptian Civil Code No. 131 of 1948.
4. The Jordanian Civil Law No. (43) for the year 1976.
5. Iraqi Civil Procedure Law No. 83 of 1969.
6. The Iraqi Penal Code No. 111 of 1969.
7. Law of Sale and Rent of State Property No. 32 of 1986.