(*) Received on *** accepted for publishing on .
Doi: 10.33899/alaw.2005.160457
© Authors, 2005, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
مقدمة :
ان التطورات التی شهدها الطب ، وتوسع الابحاث العلمیة اثبت وجود حالات من الاصابة بعاهات عقلیة لا تفضی الى فقد الادراک او الاختیار بشکل کامل ، وانما یتوقف تأثیرها على الانتقاص من احدهما او کلیهما مما یؤدی بالنتیجة الى ظهور طائفة من المصابین عقلیا یتوسطون فی ملکاتهم الذهنیة بین العقل وانعدامه ، أی ان هذه الطائفة یمتلک افرادها قدرا من التمییز لا یصل الى درجة العقلاء ولا ینعدم کما فی حالة المجانین ، وهذه الحالة تعرف بالتخلف العقلی ویقصد بها نقص العقل وقصوره ، ویکون التخلف العقلی بمستویات عدیدة تتدرج بحسب نسبة ذکاء المتخلفین عقلیا ، کما انه یکون على انواع . وتجدر الاشارة الى ان معظم فقهاء القانون الجنائی وکذلک فقهاء الشریعة الاسلامیة یخلطون بین الجنون والتخلف العقلی وینظرون الى الحالتین على انهما مسمیان لمضمون واحد، ولکن الطب اثبت ان هنالک اختلافا بین کل منهما من نواحٍ عدیدة .
ومن الجدیر بالذکر ان المنطق والعدالة یقضیان بعدم مساءلة أی شخص عن ارتکاب فعل وان عد فی منظور القانون جریمة اذا لم یکن بمقدور ذلک الشخص ان یدرک او یختار ارتکابه لذلک الفعل ، وذلک یعود اما لظرف خارجی الم به او ذاتی فی تکوینه العقلی، على ان المنطق والعدالة ذاتهما یبرران للمجتمع تطبیق تدابیر یکفل بواسطتهما اتقاء خطورة هؤلاء الاشخاص. والملاحظ ان اغلب القوانین العقابیة قد تناولت فی معالجتها لهذه المسألة حالة الجنون التی عرفت باعتبارها تحول دون مساءلة المصاب جنائیا اذ ادى الى فقدانه الادراک او الاختیار.
اما التخلف العقلی فقد اختلفت القوانین فی تحدید اثره فی المسؤولیة الجنائیة ولکن قبل بیان اثر التخلف العقلی فی المسؤولیة الجنائیة ینبغی الاشارة الى ان المسؤولیة الجنائیة تقوم على اساس من حریة الاختیار فی اتجاه الارادة الى الفعل غیر المشروع والى النتیجة الاجرامیة لکی تکون الارادة محلا لاعتداد القانون فینبغی ان تکون ذات قیمة قانونیة ، ولکی تکون کذلک یجب ان یتوافر فی الارادة شرطان هما التمییز او الادراک ویعنی المقدرة على فهم ماهیة الفعل المرتکب وطبیعته وتقدیر النتائج التی تترتب علیه، وکذلک ینبغی ان تتوافر فی الارادة حریة الاختیار أی استطاعة الجانی اختیار وجهة معینة من الوجهات المتاحة امامه.وبما ان التخلف العقلی ینقص التمییز او حریة الاختیار او کلیهما فانه سیؤثر فی المسؤولیة الجنائیة ، ومن اجل الاحاطة بموضوع البحث قسمته على مبحثین ، یبحث اولهما فی مفهوم التخلف العقلی ، ویبحث ثانیهما فی اثر التخلف العقلی فی المسؤولیة الجنائیة .
المبـحث الأول
مفهوم التخلف العقلی
ان الجانب الفطری من الاستعدادات العقلیة للانسان المعبر عنه بالذکاء یبدأ فی النمو فی المرحلة الاولى لتکونه کجنین ویتکامل نموه تدریجیا مع تقدمه فی السن ، فاذا توقف نمو هذا الجانب الفطری من الاستعدادات العقلیة قبل اکتماله نشأت عنه حالة سلوکیة شاذة تسمى بالتخلف العقلی . وان التخلف العقلی یتباین فی درجته تبعا للمرحلة التی توقف فیها النمو، ولما کانت علیه درجة الذکاء فی تلک المرحلة . ولأجل ذلک تم تقسیم هذا المبحث على ثلاثة مطالب یبحث المطلب الاول بتعریف التخلف العقلی واسبابه والمطلب الثانی بعلامات التخلف العقلی وانواعه ، ویبحث المطلب الثالث بالمفاهیم المشابهة للتخلف العقلی .
المطلب الاول
تعریف التخلف العقلی واسبابه
وسوف نقسم هذا المطلب على فرعین ، یبحث اولها فی تعریف التخلف العقلی ، ویبحث ثانیهما فی اسباب التخلف العقلی .
الفرع الأول
تعریف التخلف العقلی
التخلف لغة هو التأخر والتخلف : هو البطء فی النمو العقلی للطفل حین یقل الذکاء عن حد السواء دون ان یوصف الطفل بأنه ضعیف عقلیا.
والتخلف العقلی فی الاصطلاح الطبی یقصد به النقص فی نمو العقل وتطوره ونضوجه یؤدی الى نقص فی الذکاء حتى لیعجز ناقص العقل عن ان یعیش مستقلا بنفسه او یحمی نفسه ضد المخاطر والاستغلال من الاخرین. ویصفه البعض بانه حالة یعجز فیها العقل عن الوصول الى مستوى النمو السوی او استکمال ذلک النمو.
کما یعرف بانه نقص او عوق عقلی یتزامن مع ضعف او اضطراب التعلم ویختلف فی شدته باختلاف نسبة الذکاء والاحتیاجات لدى المتخلفین عقلیا.
ومن الملاحظ ان التخلف العقلی له تسمیات اخرى اذ یسمیه بعض العلماء نقصا عقلیا او قصورا عقلیا او دون السویة العقلیة ، وکلها اسماء صحیحة من حیث توجهها الى وصف نواحٍ معینة ، حیث ان النقص یکون بالعقل من جهة التکوین والنمو ، والقصور یکون فی الوظیفة ، ودون السویة تکون من حیث المظهر السلوکی باعتبار ان ناقص العقل او المتخلف عقلیا لیس بالمجنون ولکنه فی الوقت نفسه دون العاقل . وفی انکلترا یطلقون علیه اسم (السلاس) بمعنى ذهاب العقل او نقص العقل وفی روسیا یطلقون علیه اسم الضعف العقلی لاعتبارات اجتماعیة وسیاسیة . اما فی امریکا فالاوساط العلمیة تستخدم تسمیة التخلف العقلی وتأخذ احیانا باسم النقص العقلی، ویرجح الفقه العربی استخدام اسم النقص العقلی ویؤثر احیانا اسم التخلف العقلی.
اما فی المجال القانونی فالملاحظ ان غالبیة الفقهاء ومعظم التشریعات الجنائیة لا تستخدم مصطلح التخلف العقلی او النقص العقلی وانما تستخدم فی الغالب مصطلح الجنون او العاهة العقلیة کمصطلح عام شامل یحیط بکافة انواع الامراض العقلیة والنفسیة وحالات التخلف العقلی باعتبارها جمیعا تؤثر فی سلامة العقل والادراک . وینبغی الاشارة الى ان الجنون هو نوع من الامراض العقلیة المزمنة ولا یمکن اعتباره مصطلحا شاملا لجمیع الامراض العقلیة والنفسیة وبالتالی فان الجنون ینضوی تحت مصطلح العاهة العقلیة أی انه جزء من مصطلح العاهة العقلیة ولیس مرادفا له وان ما ذهبت الیه التشریعات الجنائیة من استخدام مصطلح الجنون کمصطلح عام وشامل هو محل انتقاد ، اذ ان لفظ الجنون فی مفهوم الطب العقلی لم یعد شاملا لکل الاضطرابات العقلیة التی تصیب الانسان . وقد تبنى المشرع الفرنسی فی قانون العقوبات الجدید الصادر سنة 1992 هذا المفهوم ففرق بین طائفتین من المصابین باضطرابات عقلیة ، فقرر بموجب احکام المادة (122 –1) عقوبات فرنسی عدم مسؤولیة المجنون وهو من کان مصابا لحظة وقوع الجریمة باضطراب عقلی الغى ملکة التمییز لدیه وقدرته على التحکم فی تصرفاته ، وقرر مسؤولیة من کان مصابا لحظة وقوع الجریمة باضطراب عقلی ، لم یلغ ملکة التمییز لدیه ولا قدرته على التحکم فی تصرفاته ومع ذلک اعطى للقضاء سلطة تقدیریة للأخذ بهذا الظرف عند تحدید العقوبة وکیفیة تنفیذها.
ویعد الذکاء اهم وسیلة لاکتشاف التخلف العقلی ، وذلک لان التخلف یعنی تدنی الذکاء عن المتوسط العام عند مجموعة من الافراد التی ینتمی الیها الشخص وبحسب درجة الذکاء یتدرج الاشخاص من حیث القدرة العقلیة العامة والاستعداد للتعلیم والاستفادة من التربیة وادراک الحقائق والاحاطة بالمشکلات.
ویقاس الذکاء الذی هو معیار النقص العقلی بما یسمى حاصل او معدل الذکاء وهو خارج قسمة العمر العقلی للشخص على العمر الزمنی مضروبا فی مئة ، والعمر العقلی هو حاصل الاختبارات العقلیة التی یؤدیها الشخص، واما العمر الزمنی فهو عمره المیلادی . وقد تبین ان حاصل ذکاء الغالبیة من الناس 100 بینما الاقلیة منهم قد یزید حاصل ذکائهم او یقل عن هذا الرقم واصطلح اتفاقا على ان یکون حاصل الذکاء 100 هو الحد الفاصل الذی یفرق بین الاداء المتخلف والاداء السوی للعقل.
الفـرع الثانی
أسباب التخلف العقلی
فیما یتعلق بالاسباب المؤدیة الى الاصابة بالتخلف العقلی او النقص العقلی فانها متعددة ، بعضها یصاب بها الجنین ، وهی اما اسباب تتعلق بالاضطراب الکروموسومی والجینی للجنین ، او تکون اسباب غیر جینیة ، وهناک اسباب تؤدی الى اصابة الطفل بالتخلف العقلی بعد ولادته اذ انها تؤدی الى توقف نمو الملکات الذهنیة للطفل قبل ان تبلغ مرحلة النضج وفی هذه الحالة تکون الملکات الذهنیة فی مستوى دون المستوى الطبیعی.
وبصورة عامة یمکن تقسیم اسباب التخلف العقلی الى قسمین:
1- اسباب التخلف العقلی فی مرحلة ما قبل الولادة (للاجنة):
بعض حالات التخلف العقلی عوامل وراثیة تتمثل فی المؤثرات التکوینیة الموروثة المنتجة لصفات معینة تبدو فی اعراض بعض صور التخلف العقلی ، وهی تنتقل عن طریق المورثات المحمولة على الصبغیات من جیل الى اخر مع احتمال اختفائها فی بعض الاجیال.
اذ ان التخلف العقلی قد یکون وراثیا ، بمعنى ان النقص العقلی یکون فی الاسرة او ربما یکون هناک شذوذ فی تکوین الطفل یرجع الى شذوذ فی الخلایا الجینیة التی یتخلق منها ، او یرجع الى اضطراب کروموسومی کمتلازمة ضعف کروموسوم (X). کما اثبتت البحوث ارتباط بعض اشکال التخلف العقلی النادرة نسبیا بانواع الشذوذ الصبغی کما فی المنغولیة وتعرف ایضا بمتلازمة داون (Down’s Syndron) او بسبب الاضطرابات الایضیة التی تحدثها مورثات متحولة ، کما فی مرض البول الفینیکلتونی او ما یسمى (Phenylketon uria) وهنالک حالات من التخلف العقلی لا ترجع لعوامل وراثیة او لشذوذ جینی ، انما مردها عدوى یصاب بها الجنین من امه فتؤثر فی خلایا مخه وتتلفها او تعوق نموها جزئیا او کلیا ، وقد یصاب مخ الجنین بسبب عقار تتعاطاه الام ویلحقها منه التسمم. ومن اکثر الامراض التی تصیب الطفل بالتشوه الجسمی والمخی وهو جنین ویلحقه منها التخلف العقلی مرض الحصبة الالمانی ، وقیل ان 20% من حالات التخلف العقلی بسبب العدوى قبل الولادة او بعدها سببها هذا المرض ، وکذلک قد یتسبب التسمم الذی تتعرض له الام نتیجة استنشاق ابخرة اول اوکسید الکربون او الرصاص او تناول الزرنیخ فی نقص نمو المخ عند الطفل وهو بعد جنین ، وفی الحالات النادرة قد یحصل تلف المخ لوجود اختلاف بین دم الام ودم الجنین .
کما ان ابتلاء احد الوالدین او کلیهما بامراض خطیرة مثل السفلس او السل او ادمان احدهما او کلیهما على تناول المخدرات او المسکرات او تعرض الام لصدمة جسمیة او معالجتها باشعة اکس اثناء الحمل قد یؤدی الى اختلال الجهاز العصبی للجنین کضمور او تلف بعض اجزاء مخه . کذلک یرى بعض الباحثین ان شیخوخة الزوج مع صغر سن الزوجة قد یؤدی فی حالات نادرة الى انتاج طفل متخلف عقلیا.
2-اسباب التخلف العقلی فی مرحلة ما بعد الولادة :
هنالک مسببات او عوامل تؤدی الى تشوهات او التهابات فی مخ المصاب إذ قد تحدث اثناء ولادته او قد تصیبه خلال مراحل طفولته المبکرة ، فقد تسبب بعض الامراض المعدیة کالتهاب السحایا والجدری والدفتریا والحصبة الالمانیة الاصابة بالتخلف العقلی او قد یتعرض الصغیر لبعض حالات التسمم بتناوله لای مبید حشری مما یؤدی الى اصابته بالتخلف العقلی ، وکذلک قد یتعرض للتسمم بالتطعیم ضد التیفوئید او الجدری او التیتانوس، وقد یتأثر المخ بتأثیر اصطدام الدماغ باجسام صلبة ، وقد یحدث الشیء نفسه اذا کانت الولادة متعسرة فیحدث نزیف بمخ الطفل بتأثیر الضغط على الرأس ، وقد یصاب بالانوکسیا او نقصان الاوکسجین اذا تأخر تنفسه ویؤدی ذلک ایضا الى اصابته بالتخلف العقلی . وقد ثبت علمیا ان الاطفال الذین یولدون بوزن اقل من 1500 جرام یصابون باضطرابات عصبیة ومنها حالة التخلف العقلی.
کما یُعد عدم توازن افرازات الغدد الصماء من عوامل حالات معینة من التخلف ، کما فی حالة تلف الغدة الدرقیة او ما یسمى بالقصور الدرقی ، اذ انه یؤدی الى الاصابة بنوع معین من انواع التخلف العقلی یعرف بالقمادة.
وقد یکون السبب فی التخلف العقلی من البیئة بسبب الحرمان المادی الذی یعیشه بعض الناس . والملاحظ ان اکثر المتخلفین عقلیا یأتون من الاحیاء الفقیرة ، وثبت ان عدد التلامیذ المتخلفین عقلیا فی مدارس الاحیاء الفقیرة قد یکون اضعاف عدد المتخلفین عقلیا بین تلامیذ الاحیاء الراقیة ، کما ان نقص التنمیة الذهنی والحرمان العاطفی من اهم العوامل التی تحول دون النمو العقلی . واخیرا ینبغی الاشارة الى ان نسبة الاطفال الذین یولدون قبل الاوان، فان اصابتهم تزید عشرات المرات عن الاطفال العادیین ، وکثیرا ما تکون لاسباب غیر معروفة او غیر مؤکدة .
المطلب الثـانی
علامات ومستویات التخلف العقلی وأنواعه
سوف نقسم هذا المطلب على ثلاثة فروع یبحث اولها فی علامات التخلف العقلی ، ویبحث ثانیهما فی مستویات التخلف العقلی ، ویبحث ثالثهما فی انواع التخلف العقلی.
الفـرع الأول
علامات التخلف العقلی
ان للتخلف العقلی علامات تظهر على الاشخاص المتخلفین عقلیا ، وهذه العلامات متعددة قد تکون سلوکیة او ذهنیة او بدنیة ، فعندما یصاب الطفل بالتخلف العقلی لای سبب کان فان شخصیته تتأثر بشکل عام سواء من الناحیة البدنیة او المزاجیة ، وکذلک تتأثر عملیاته الذهنیة وسلوکه العام ویتأخر عن اقرانه فی النمو والتطور ، وقد لا تکون له مهاراتهم ابدا ولا یتعلم مثلهم ولا یکتسب ما یکتسبون من خبرات ، وذلک بسبب بطء فهمه وادراکه للامور وعدم قدرته على تدبیر اموره بنفسه بشکل کامل ، کما ان هذه العلامات تختلف باختلاف انواع التخلف العقلی . فمثلا فی النمط المنغولی ان المصاب به یتمیز بکثرة الحرکة والمیل الى المرح ویشبه المنتمین الى الجنس المنغولی من حیث الاوصاف الجسمیة ، او قد تظهر علیه علامات اخرى کقصر القامة واصفرار الجلد مع جفافه وتجعده وقلة شعر الرأس والحاجبین کما فی النمط القزم ، او قد یکون من اظهر اوصافه کبر الجمجمة وتکورها وتوتر جلدها فی حالة المتخلفین من ذوی الجمجمة الکبیرة ، او على العکس قد یکون ذا جمجمة صغیرة ، مع قصر ارتفاعها ان کان المتخلف عقلیا من ذوی الجمجمة الصغیرة کما ان هنالک علامات اخرى کثیرة ومختلفة وینبغی الاشارة الى انه احیانا قد لا توجد أی علامات تمیز المتخلف عقلیا عن السوی.
الفرع الثـانی
مستویات التخلف العقلی
ینشأ التخلف العقلی عن نقص الذکاء وعدم اکتمال نمو العقل ، وتتراوح هذه الحالات فی شدتها ودرجاتها ، وتصل نسبة الاصابة بالحالات المتوسطة والشدیدة منها الى 2-4% من السکان فی أی مجتمع ، ویقدر عدد الحالات بحوالی (100) ملیون انسان من سکان العالم. وتعد هذه الحالات غیر قابلة للعلاج فیما عدا بعض الحالات التی تتبع معها خطوات التدریب والتأهیل .
ان التخلف العقلی لایکون بدرجة واحدة فی جمیع الحالات وانما یکون على مستویات او درجات متفاوتة حسب مستوى الذکاء الذی یتمتع به الشخص ، وهو بصورة عامة لا یتعدى 70 درجة : ومن الناحیة الطبیة ینقسم التخلف العقلی الى اربعة مستویات وکما یلی:
1-التخلف العقلی العویص او المتوطیء (Profound Mental Retardation)
والمصابون به هم ادنى المصابین ذکاءا وحاصل الذکاء عندهم یقل عن 20 درجة.وهذا یعنی ان الشخص الذی عمره الزمنی 15 سنة وحاصل ذکائه 20 درجة یکون عمره العقلی ثلاث سنوات . ویشکل المصابون بالتخلف العقلی العویص نحو 1.5% من کل المصابین بالتخلف العقلی ، وعادة ما یکون بهم تلف شدید بالجهاز العصبی المرکزی ولا یستجیب المتخلف العویص للتدریب والتعلیم ، ویحتاج غالبا للإیداع فی مؤسسة تقوم برعایته، وقد یعانی من معوقات اخرى کالصمم او الخرس او یعجز عن تنسیق حرکاته. وصحته بشکل عام متداعیة وعمره قصیر.
2-التخلف الشدید (Sever M.R.):
المصابون به یتراوح حاصل ذکائهم بین 20 و35 درجة ، بمعنى ان الشخص الذی عمره الزمنی 15 سنة وحاصل ذکائه 35 یکون عمره العقلی مساویاً لعمر طفل فی الخامسة . ویبلغ عدد المرضى به نحو 30% من اجمالی المصابین بالتخلف العقلی ، والمصاب به یمکن ان یعلم بعض الاشیاء ویقوم ببعض الاعمال فیقل اعتماده على الاخرین ، والکثیرون من هؤلاء المصابین یستفیدون من التدریب الا انهم رغم ذلک ینبغی ان یبقوا تحت الرعایة سواء فی البیت من بعض التلف بالجهاز العصبی المرکزی.
3-التخلف العقلی المتوسط (Moderate M.R.):
ویتراوح حاصل ذکاء المصابین به بین 36 و 52 درجة بمعنى ان الشخص الذی عمره الزمنی 15 سنة وحاصل ذکائه 52 درجة یکون له العمر العقلی المساوی لعمر طفل عادی فی الثامنة من عمره وهم یشکلون 6% من کل المصابین بالتخلف العقلی ، ویمکنهم ان یعتمدوا على انفسهم بعض الشیء ، سواء عند تناول الطعام او التغوط او الاستحمام ، وقد یدربون على بعض الاعمال التی یؤجرون علیها ، وقدراتهم الحرکیة والکلامیة یمکن تنمیتها وتحسینها الى الحد الذی یجعل من السهل على غیرهم التفاهم معهم ، فیسهل علیهم العمل.
4-التخلف العقلی الخفیف (Mild M .R.):
وهو الذی یکون حاصل ذکاء المصاب به بین 53 و 69 درجة ،بمعنى انه اذا کان فی الخامسة عشرة من عمره وکان معدل ذکائه 69 فان عمره العقلی یکون مساویا لطفل سوی فی العاشرة من عمره الزمنی ونسبة عدد المصابین به 89% من مجموع المتخلفین عقلیا وبوسع المصاب ان یتعلم المهارات الاجتماعیة والتواصل مع الاخرین فی فصول خاصة وان یتدرب على استخدام الارقام وبعض الحرف الیدویة ، وبعضهم یمکن ان یکتسبوا عیشهم ویکون لهم الحد الادنى من الاستقلال ، وبعضهم یتزوج وتکون لهم عائلات ، وقد یعانون بعض المشاکل فی ادارتهم لشؤون عائلاتهم ، ومع ان نموهم الجسمی کان طبیعیا وهم اطفال الا ان القلیلین منهم یمکن أن تصیبهم بعض العاهات التی تظهر علیهم وهم کبار.
وقد صنف البعضالنقص العقلی الى عته وبله و حمق ، وهذا التصنیف قانونی اکثر منه طبی وما یزال شائعا حتى الان فی غیر الاوساط العلمیة وبالتالی فان تقسیم درجات التخلف العقلی یکون کالاتی:
1-العته (Idiocy):
ویقصد به عدم تکامل نمو القوى العقلیة ، سواء لنقص خلقی أی ملازم للشخص منذ ولادته ، ام لتوقف نمو مدارکه عند سن معینة، وهو ادنى مراتب التخلف العقلی . والمعتوه هو من کان عمره العقلی لا یتجاوز الثلاث سنوات ومعدل ذکائه اقل من 25% فلا یظهر على المعتوه أیة قدرة على التفکیر او تقبل المعرفة وهو لا یتعلم الکلام او المشی الا متاخرا وقد لا یتعلمه مطلقا ویعانی النقص الحرکی ولا یبدو علیه حب الاستطلاع او انه یرید ان یستأثر بشیء او یهتم بنفسه ولیست له اهتمامات جنسیة ، واذا ظهر علیه بعضها فبشکل مضمر ومنحرف وهو لا ینجب ویبدو علیه الشذوذ الجنسی ، واکثر من نصف المعتوهین یصاب بنوبات الصرع ومعظمهم معرض للاصابة بمختلف الامراض ومقاومتهم لها هشة ولذا فهم یموتون صغارا ولا یمکن العنایة بهم فی البیت.
والمعتوه لا یکاد یحسن فعل شیء بما فی ذلک الاعتناء بنظافة نفسه وملابسه ، لذا عبر الفقه الانکلیزی عن المعتوه بانه من کان لا یستطیع وقایة نفسه من المخاطر الاعتیادیة.والعته قد یکون مزمنا وهو نوع لا یرجى شفاؤه او قد یکون حادا یمکن شفاءه باتباع طرق معینة فی العلاج وقد یکون بسیطا. وبشکل عام یکون العته على نوعین:
النوع الاول : ان تنقص الشخص ملکة ذهنیة معینة منذ ولادته بسبب وراثی لنقص خلقی وتبقى مدارکه الاخرى تنمو مثل بقیة الناس.
النوع الثانی : وهو العته بالمعنى الخاص ، أی ان تنمو مدارک الشخص وبعد مدة معینة یقف هذا النمو فیصبح تقدیره کتقدیر الاطفال الصغار وتمییزه یکون مختلطا.
وقد یصاب الشخص بالعته فی مراحل متقدمة من العمر ویعرف بعته الشیخوخة ومن اهم اسبابه امراض الشیخوخة وتصلب الشرایین فی المخ ، ومن ابرز سماته اضطراب التفکیر وسوء التوجه وسوء الذاکرة الحاضرة اکثر من ذاکرته الماضیة.
ولقد اتفق فقهاء الشریعة الاسلامیة على ان العته یعد من عوارض الاهلیة التی تصیب الانسان وتؤثر سلبا فی اهلیته ، مثل الجنون . وعرفوا العته بانه ضعف العقل وهو آفة توجب خللا فی العقل ، وهذه الآفة تجعل الانسان مختلط الکلام فبعض کلامه ککلام العقلاء وبعضه ککلام المجانین..کما عرف فقهاء الشریعة المعتوه بانه من کان قلیل الفهم مختلط الکلام فاسد التدبیر سواء کان ذلک من اصل الخلقة او لمرض طرأ علیه.
والملاحظ ان فقهاء الشریعة یعدون العته آفة تؤدی الى اضعاف العقل ضعفا تتفاوت درجاته ، وان ادراک المعتوه ایا کان لا یصل الى درجة الادراک فی الراشدین العادیین،) وبالتالی فانهم لم یوردوا الى جانب العته حالات النقص العقلی الاقل درجة ، وهی البله، والحمق ، وانما اعتبروا العته متفاوتاً فی درجاته وبالتالی فهو یشمل الحمق والبله.
ولم یفرق فقهاء المالکیة والشافعیة والحنابلة بین العته والجنون ورأوا ان الجنون یصحبه اضطراب وهیجان بینما العته یلازمه الهدوء ، ولکن حقیقتهما واحدة فی حین ان الحنفیة فرقوا بین العته والجنون على اعتبار ان الجنون یزیل العقل، اما العته فانه یؤدی الى نقص العقل مع بقاء اصله .
2-البله (Imbecility) :
هو درجة شدیدة من درجات التخلف العقلی ولکنه اقل شدة من العته ، والابله قد یتراوح ذکاؤه بین 25 و 50 درجة وعمره العقلی بین ثلاث وسبع سنین ، ویستطیع ان یتعلم بعض الکلام ، ونطقه متعسر ، ومن ثم یستطیع ان یعبر عن حاجاته الاساسیة ، لذلک یُعد تخلفه العقلی من النوع المتوسط.
ویتمیز عن المعتوه بقدرته على التفاهم البسیط مع الاخرین ، کما یستطیع ان یحمی نفسه من الاخطار العادیة ، الا انه یبقى غیر قادر على التعلم ، اذ انه عادة لا یستطیع القراءة والکتابة وان کان یستطیع اداء بعض الاعمال البدنیة البسیطة کالحراثة وجنی الثمار.
ولکنه لا یستطیع ان یکسب عیشه ولا ان یعول نفسه او یتعلم فی المدارس العادیة ، کما انه لا یستطیع العیش بمفرده دون ان یشرف علیه الاخرون ، اما سلوکه فقد یظهر علیه ما یدل على حب الاستطلاع والرغبة فی الاستئثار ، وان یحاکى ومحاکاته کمحاکاة الاخرق، وانفعالاته غیر ناضجة ، وقد یخاف من اشیاء لا تستوجب ذلک فی حین لا یبدو علیه الخوف فی مواقف اخرى تستدعی الخوف ، واقل من نصف البلهاء تأتیهم نوبات الصرع ، وکثیر منهم یصاب بالتدرن الرئوی وعلى الرغم من أن مقاومتهم للامراض اقل من مقاومة الاسویاء، الا ان اغلبهم یعیش حیاة طبیعیة.
3- الحمق (Moron):
ویسمى ایضا بالافن وهو اقل درجات النقص شدة . والاحمق او المأفون یتراوح عمره العقلی بین السابعة والثانیة عشرة ، وذکاؤه بین 50 و 70 درجة وقد یصل الى 75،ویکون اقرب الى الاسویاء عندما یکون ذکاؤه 75 الا انه لا یستطیع ان یتحکم فی انفعالاته ولا ان یسیطر على دوافعه وحکمه على الامور ضعیف ویمکن التاثیر فیه بسهولة، ولانه لا یحب مخالطة الناس وخاصة من هم على شاکلته فقد یستغله الاخرون لارتکاب الافعال المنافیة للقانون ، او قد یرتکب ما ینافی الاخلاق عن سذاجة وعفویة خاصة انه قد ینزلق بالایماء او بالتقلید الى الممارسات غیر الاخلاقیة او غیر القانونیة .
والاحمق من الممکن تعلیمه فی المدارس الخاصة بالمتخلفین عقلیا ضمن نطاق الدراسة المقررة فی المدارس الابتدائیة مع تدریبه على بعض الاعمال، کالحیاکة ، والخیاطة، والنجارة التی یمکنه ممارستها بعد انتهاء دراسته وتدریبه فی تلک المدارس الخاصة.
4-التخمیون او الحدیون (Borderline Aments):
وهم فریق من ناقصی العقل وحالتهم غیر ثابتة ، فقد یعدون من الاسویاء لولا بعض المظاهر التی تدرجهم ضمن ضعاف العقول ومن ذلک انهم سفهاء لا یحسنون التصرف فی اموالهم مثلا ، وافعالهم بها طیش ونزق ویتراوح ذکاؤهم بین 70 او اقل من 90 درجة ، وقد یشقون طریقهم فی التعلیم بصعوبة شدیدة الى حد معقول فاذا کانوا کبارا کانت لهم مشاکل عائلیة ووظیفیة واجتماعیة.
والتخمیون او الحدیون هم اشبه بالسفهاء وذوی الغفلة کما اصطلح على تسمیتهم فی الشریعة الاسلامیة، والسفه فی الشریعة الاسلامیة هو خفة تعتری الشخص فتحمله على العمل باختیاره على خلاف موجب للعقل رغم وجوده ، وقد اصطلح على تعریفه بعدم الاحسان فی تدبیر المال وتبذیره على خلاف مقتضى الشرع والعقل .
اما الغفلة فتعنی تخلف الذکاء وقلة الفطنة. وذو الغفلة هو من لا یهتدی الى التصرفات الرابحة بسبب البساطة وسلامة القلب مما یؤدی الى غبنه فی المعاملات المالیة، والفرق بین السفیه وذی الغفلة ان ذا الغفلة ضعیف الادراک ، اما السفیه فکامل الادراک ، لکنه مکابر فی اندفاعه فی اتلاف المال مما یجعله ضعیف الارادة.
الفرع الثـالث
أنواع التخلف العقلی
ان للتخلف العقلی انواعاً عدیدة تختلف باختلاف مسبباتها واعراضها ومن اهم انواعه:
أ – النمط المغولی : الذی یشبه المصاب به المنتمین للجنس المغولی ، ویتمیز بکثرة الحرکة والمیل الى المرح ، وله اوصاف جسمیة تتمثل بالرأس الصغیر المستدیر والانف الافطس والجفون المنحدرة وغلظ الشفتین ، وهو یولد غالبا بالحجم الطبیعی ، ویکون نموه بطیئا بحیث لا یبلغ اکثر من نمو شخص سوی فی العاشرة من عمره مهما بلغ عمره الزمنی.
ب – النمط القزم : ومن ابرز صفاته قصر القامة واصفرار الجلد وتجعده فی مواضع کثیرة وقلة شعر الرأس والحاجبین وانخفاض درجة الحرارة نسبیا واضطراب التنفس وبطء الاستجابات الحرکیة.
جـ- نمط ذوی الجمجمة الکبیرة : ومن ابرز صفاته کبر الجمجمة وتکورها مع بروز الجبهة وعرضها وصغر المخ ، إذ یکون ضامرا ، وفراغ الجمجمة مملوء بالسائل المخی الذی یضغط على بعض اجزاء المخ فیسبب عاهات فی الحس والحرکة ، کضعف البصر او السمع واحیانا یسبب شللا فی الاطراف.
د- نمط ذی الجمجمة الصغیرة : وابرز اوصافه صغر الجمجمة مع قصر ارتفاعها رغم نمو الوجه بحجم طبیعی وجلد الرأس یکون سمیکا وبه تجاعید وتقلصات والمخ یکون صغیرا لا یزن اکثر من خمسمائة غرام لدى البالغین .
وینبغی الاشارة الى ان الانواع المذکورة هی امثلة على انواع التخلف العقلی الذی یصاحبه اختلال فی نمو الجسم او فی تکوینه ، فی حین ان هنالک انواعاً اخرى لا یصاحبها اختلال فی نمو الجسم ، وانما یکون المصاب ذا جسد متکامل النمو . ومن امثلة هذه الانواع حاله المعتوه العالم وهو حالة نادرة لا یعلم بوجودها الا فی بعض کتب الطب النفسی ، وقیل انه الشخص الذی برغم مظاهر العته التی به قد تکون له قدرة معینة تثیر اعجاب المحیطین به ودهشتهم ویکون بتأثیر الاضطراب النفسی المسمى الذاتیة ، والمریض بها ینغلق على نفسه وینطوی على ذاته ، ولکن قد تکون له مهارة معینة فی الاداء الموسیقی او لدیه قوة ذاکرة کبیرة ولکنه ، فیما عدا ذلک یبدی من السلوک والتصرفات والتفکیر ما یدرجه ضمن ضعاف العقول.
المطلب الثـالث
المفاهیم المشابهة للتخلف العقلی
ان التخلف العقلی فی درجاته وانواعه قد یتشابه مع بعض المصطلحات والمفاهیم الطبیة الاخرى التی تتعلق بکل ما یصیب العقل ، وکان من شأنه التأثیر فی الادراک والتمییز. ومن ابرز ما یمکن ان یتشابه مع التخلف العقلی الامراض العقلیة ، والامراض النفسیة ، والتخلف النفسی ، ونبین ماهیة کل منها وما یندرج ضمنها من حالات :
الفرع الاول : الامراض العقلیة
یعرف المرض العقلی بالذهان ، وهو اضطراب او انحراف یصیب الشخصیة باکملها بحیث یشمل هذا الاضطراب العملیات کالتفکیر والادراک والذاکرة ، ویتمثل فی حالات فقد الادراک والارادة. ویمکن تقسیم الامراض العقلیة او الذهانیة الى قسمین او فئتین هما :
الفئة الاولى : الامراض العقلیة العضویة الناشئة عن آفة عضویة تصیب احد اجزاء الجهاز العصبی کالمخ فتؤثر فیه. وهی عدیدة ، لکن من اهم الامراض العضویة العقلیة التی تتشابه مع التخلف العقلی الجنون والصرع وسنوضح کلاً منهما باختصار:
1- الجنون : هو انعدام الکفاءة العقلیة والانسجام النفسی الداخلی الذی یعرقل الانتاج الفردی او حرکة الجهاز الاجتماعی. والجنون هو زوال العقل وفساده.
وفی الشریعة الاسلامیة یعرف الجنون بانه اختلال القوة الممیزة بین الامور الحسنة والقبیحة المدرکة للعواقب بان لا تظهر اثارها وتتعطل افعالها لنقصان جبل علیه دماغه فی اصل الخلقة ، وهو اما ممتد او غیر ممتد .کما عرف بانه زوال العقل او اختلاله او ضعفه ، وهو تعریف یشمل الجنون والعته وغیرها من الحالات المرضیة والنفسیة التی تؤدی لانعدام الادراک.
ویفضل فقهاء القانون استعمال تعبیر الجنون للدلالة على اشد انواع المرض العقلی ، فهو مظهر جنائی للعدید من الحالات التی تختل بها القوى العقلیة على نحو قد لا یقع تحت حصر، الا ان الحقیقة هی ان القانون قد حدد للجنون مفهوما اوسع من مفهومه الطبی ، لذلک تحاول التشریعات الجزائیة ان توضح بشتى الطرق الصیاغیة بان المقصود بالجنون لیس معناه الطبی ، فقد تجنبت بعض التشریعات ذکر کلمة (الجنون) اصلا مکتفیة بتعابیر (عاهة العقل) او (الخلل العقلی) او (الاضطرابات العقلیة) ، فی حین اردف بعضها کلمة الجنون بعبارة عاهة العقل کقانون العقوبات المصری ، او اضافة عبارة (او لای سبب اخر یقرر العلم انه یفقد الادراک او الارادة) کقانون العقوبات العراقی.
وتجدر الاشارة الى ان الجنون قد یکون عاما شاملا لجمیع القوى الذهنیة للمصاب او معظمها ، کالشلل الجنونی العام ، وفی هذه الحالة قد یکون الجنون مستمرا او مستغرقا وقت المریض کله ، وهو ما یعرف بالجنون المطبق الذی یصاحب الانسان منذ ولادته، او یکون طارئا علیه ویکون مستمرا بحیث یزیل العقل والتمییز ویسقط الادراک کلیا ، ویسمى بالجنون الممتد، وقد یکون الجنون متقطعا یأتی المریض على شکل نوبات تفصل بینها اوقات صحو وافاقة ویسمى بالجنون غیر الممتد او المتقطع . وقد یکون الجنون متخصصا أی متعلقاً بجانب فحسب من النشاط الذهنی فتسیطر على المریض فی نطاقه فکرة فاسدة فی حین تکون سائر جوانب النشاط الذهنی الاخرى عادیة.
وهذا النمط من المرض العقلی یسمى بالهوس الاحادی ، او بالجنون الجزئی باعتبار ان الجنون لدى الشخص المصاب لیس کلیا فهو لا یصیب العقل بل ینصب على اجزاء محددة من العقل أی انه جزئی ، ومن اکثر انماط الجنون الجزئی او جنون الفکرة الواحدة ظهـوراً هی :
أ – جنون السرقة :Kleptomania
ویخضع المصاب فیه الى قوة قهریة تدفعه للاستیلاء على مال الغیر دون ان تکون لدیه ادنى حاجة الیه، وقد یندفع الى ارتکاب جرائم العنف بما فی ذلک جریمة القتل
وفی هذا الجنون الخاص بالسرقة یتصرف الشخص بطریقة متزنة وطبیعیة کالشخص العاقل الا فیما یمس موضع الجنون فیه ، إذ یتمثل فی الرغبة الشدیدة التی لا یستطیع مقاومتها او کبح جماحها فی السرقة ، والتی غالبا ما تنصب على اشیاء لا اهمیة لها ولیست لها قیمة تذکر بالنسبة الى السارق ، مع ملاحظة ان هذه الحالة المرضیة من الحالات النادرة.
ب – جنون الحریق :Pyromania
ویتمثل هذا النوع من الجنون فی الرغبة الملحة فی اشعال الحریق ، والشخص المصاب بهذا النوع من المرض یقوم باشعال الحریق دون ان یدری لذلک سببا ، ولکنه یفعل ذلک فقط تحت تأثیر رغبته غیر المستطاع السیطرة علیها فی اشعال الحریق ورؤیة النیران، وهذا ما یمیز المصاب بهذا النوع من الجنون عن الشخص العادی.
والى جانب هذه الانماط من الجنون الجزئی هنالک جنون شرب الکحول وجنون الکذب وجنون الانتحار وجنون القتل وجنون العقائد الوهمیة ، ومثاله ان یعتقد الشخص انه ضحیة اضطهاد ، او انه نبی مرسل ویتصرف فی ضوء هذه العقیدة الفاسدة.
وینبغی الاشارة الى ان اغلب فقهاء القانون یعدون الجنون شاملا للعته والبله ، أی للتخلف العقلی على اعتبار ان مصطلح الجنون هو مظهر للعدید من الحالات التی تضطرب او تختل بها القوى العقلیة ، وکذلک الحال بالنسبة الى فقهاء الشریعة اذ ان اکثرهم یسلمون بان العته هو نوع من الجنون او مرادف له، وهو رأی لا یمکن التسلیم به من الناحیة العلمیة ذلک لان الجنون هو نوع من انواع الامراض العقلیة ، بل انه اشد حالات اضطراب العقل، بل ان هذا الوصف (أی الجنون) لا یطلق وفقا للتصنیفات الحالیة للامراض النفسیة على أی تشخیص لای من الاضطرابات ، على الرغم من انه لا یزال یستخدم فی التعبیر القانونی وفی الاحکام الشرعیة . والجنون یؤدی الى زوال العقل واختلاله ، اما النقص العقلی او التخلف العقلی فهو نقص فی العقل یؤثر فی نسبة ذکاء الشخص، وان للتخلف العقلی علامات ومسببات تختلف عن مسببات الجنون ، وان التخلف العقلی باختلاف درجاته مهما انخفضت نسبة ذکاء المصابین به فانها لا تصل الى درجة الجنون وذلک لان المتخلف عقلیا هو دون العاقل ولکنه فی نفس الوقت لیس کالمجنون . کذلک یختلف الجنون المتقطع عن التخلف العقلی بان الشخص المصاب بالجنون المتقطع یصاب بالجنون فی فترات ویعود الیه عقله فی فترات اخرى أی انه قد یتصرف احیانا تصرف العقلاء وفی احیان اخرى یتصرف کالمجانین اما المتخلف عقلیا فان تصرفاته تکون محکومة بدرجة الذکاء التی یتمتع بها والتی لا یمکن ان تتجاوز 70 درجة وفی حالات نادرة تصل الى 85 – 90 وبالتالی فان العمر العقلی للمتخلف عقلیا مهما قلت درجة او شدة تخلفه لا یتجاوز عمر صبی فی الثانیة عشرة من عمره ، اما الجنون الجزئی او جنون الفکرة الواحدة فان المصاب به یکون عاقلا فی تصرفاته اذ انه یتصرف بطریقة متزنة وطبیعیة کالشخص العاقل تماما الا فیما یمس موضع الجنون فیه کالسرقة او القتل او الحریق او غیر ذلک ، أی انه یکون عاقلا فی اغلب الاحیان ثم تعتریه فکرة او حالة جنونیة.
2- الصرع:
وهو اضطراب دوری فی الایقاع الاساسی للمخ ، ویتخذ صورة نوبات یفقد المصاب خلالها وعیه وذاکرته فیفقد السیطرة على جسمه. والصرع قد یحدث کأحد اعراض مرض یصاب به الشخص فیسمى بالصرع العرضی ، وهنالک الصرع الذی یحدث بدون مرض یسببه ، أی انه یحدث وحده ویسمى بالصرع الذاتی . ولا تعرف للصرع الذاتی اسباب موضعیة او عامة او نفسیة للاصابة به، ویصنف الصرع بحسب اعراضه الى الصرع الاکبر او یسمى بالنوبة الکبرى التی تبدأ بصرخة ویفقد المصاب شعوره تماما ویسقط على الارض صامتا ویتصلب وینقطع تنفسه ویزرق جلده ثم یتنفس وتتشنج عضلاته ویظل بعدها غائبا عن وعیه لدقائق او لعدة ساعات ، فاذا استیقظ لم یذکر شیئا مما حدث ، والصرع الاکبر یکون مسبوقا بتشوش او اهتیاج او انتشاء یمهد للاصابة بالنوبة . وهنالک الصرع الاصغر الذی یفقد فیه المریض وعیه لثوان قلیلة ، ولکنه لا یتشنج ولا یغفو ویکون المریض اما مفتوح العینین وقد یرمش کثیرا او لا یقوى على الوقوف فیقع . وهنالک الصرع النفسی الحرکی وتکون النوبة فی هذه الحالة مصحوبة باضطرابات حرکیة ویبدو فیه المریض کالحالم او الذاهل عن نفسه وما حوله ویفقد التوجه فی المکان والزمان . وهنالک الصرع الجاکسونی الذی یتمیز بان تشنجاته لا تشمل الجسم کله وتقتصر على اعضاء منه کالذراع او الساق او الوجه..
والصرع قد یأتی فی أی وقت ، کما قد یأتی فی أی سن . وتتفاوت عدد نوبات الصرع لدى المصابین به فمنهم من تصیبه النوبات فی فترات متقاربة ومنهم من یصیبه عدد قلیل من النوبات خلال حیاته .
ویختلف الصرع عن التخلف العقلی بانه من الامراض العقلیة العضویة إذ یحتفظ المصابون به بحالة عقلیة سویة طوال حیاتهم ویمارسون اعمالهم بالصورة المعتادة ویتمتعون بدرجة ذکاء عالیة ما عدا نوبات الصرع التی تعتری المصابین به ، اذ یفقد فیها المصابون ادراکهم وشعورهم او اختیارهم ، وقد یضطرب وعیهم فقط ، اما التخلف العقلی فهو کما اسلفنا نقص فی العقل یؤثر فی درجة الذکاء وتصرفات المصابین به وسلوکهم یدل على انخفاض مستوى الذکاء لدیهم.
الفئة الثانیة : الامراض العقلیة الوظیفیة وهی الامراض التی لم یثبت حتى الان اعتمادها على سبب مادی عضوی ، ومن الامراض العقلیة الوظیفیة بمفهومها الحالی الفصام وذهان الهوس ، والاکتئاب ، وذهان الهذاء وسنوضحها کما یلی :
1- الفصام العقلی او الشیزوفرینیا :
ویعد من أسوأ الاضطرابات العقلیة من حیث تأثیره فی التفکیر والسلوک والحکم على الامور ، ویمیل المریض به الى العزلة والسلوک العدوانی ، ویبلغ عدد حالات الفصام فی بلدان العالم 45 ملیون انسان ، وتصل نسبة الاصابة الى 1% من السکان فی أی مجتمع.ویمثل مرضى الفصام اکثر من 90% من نزلاء المصحات والمستشفیات العقلیة ، ویتمیز الفصامیون بتکوین زائد الحساسیة فهم من الاشخاص سریعی الاهتیاج بوجه عام ، وفی الوقت الذی یتسمون بقدرة فائقة على اللامبالاة واهمال الامور ، لذلک فانهم یمیلون الى الانزواء والانفصال التدریجی عن الواقع حتى ینتهی به الامر الى تشیید عالم خاص به تملأه الاوهام والخیالات ،وهو من الاضطرابات التی تتطور ببطء واعراضه الباکرة لا تکون واضحة ، فقد یکثر المریض من الشکاوى من اوجاع وهمیة ، وقد یشعر ان افکاره وحرکاته مشدودة الى قوة خارجیة وانها تتوجه الى غیر ما یقصده وقد یفقد کل اهتمامه بالاشیاء ولا یربطه بمجتمعه أی شیء سواء من الناحیة اللغویة او التفاعلیة ، کما یظهر علیه التدهور التدریجی فی بناء الشخصیة والابتعاد عن الحقیقة والواقع .
وان للفصام اعراضاً اساسیة تعرف باعراض بلویلر. وهی اربعة اعراض ، تتمثل بالتناقض الوجدانی ، اذ تتضارب انفعالات المریض مع بعضها ومع سلوکه او حدیثه ، والتفکیر الذاتی اذ تکون افکاره مصدرها ذاته ولیس الواقع ، اذ ان هذه الافکار تخصه وحده ولا یفهمها غیره ، ومن اعراضه التفکک الارتباطی ، اذ تکون افکاره وحرکاته وکلامه غیر مترابطة مع بعضها البعض ، وتکون بدون هدف ، وتکافؤ الاضداد ایضا ، اذ تکون افکاره وانفعالاته متضاربة ومتساویة فی تعارضها حتى انها لتلغی بعضها بعضا ، ویترتب على صراعاته ان تقصر همته ویتبلد وجدانه وتتجمد حرکته ویبطل فعله. اما اسبابه فانها غیر محددة بعضها عضویة قد تکون ناشئة عن ضمور بعض خلایا المخ او بسبب اختلال افرازات الغدد الصماء او نتیجة لتعرض المرأة الحامل للاشعاعات التی تؤثر فی الجنین ، کما ان البعض یرجع الاصابة بالفصام الى عوامل نفسیة ، وایضا من اسبابه اختلال العملیات الایضیة والفسیولوجیة العصبیة ولکن الاسباب التی تدفع الیها ما تزال قید البحث ، وبالتالی فان الباحثین لم یحددوا سببا معینا للفصام.
والفصام یکون على انماط مختلفة من الصعب الفصل بینها بشکل حاسم ، ومن ابرزها الفصام الکتاتونی ، والفصام الهذائی ، والفصام البسیط ، والفصام الهیبفرینی ، کما ان هنالک انماطاً ادنى من الفصام وهی الحاد ، والفصام المزمن غیر المتمایز ، والفصام الطفولی، والفصام الکامن ، والفصام الوجدانی.
وهکذا نجد ان الفصام یؤدی الى انفصال المصاب عن الواقع ، وبالتالی غیاب الادراک السلیم وتمییز الخطأ من الصواب ، وان المفصوم قد یقوم احیانا بافعال لا یعلم سبب ارتکابه لها او اقدامه علیها ، وهذا الامر یؤدی الى القول ان المفصوم مصاب باضطراب عقلی شدید یسلبه ارادته ویدفعه الى ارتکاب افعال معینة لاسباب وهمیة ، اذ تتناقض صلته بالعالم الواقعی حتى لیعیش فی دنیا خاصة به وکأنه یحلم.
2- ذهان الهوس والاکتئاب:
ذهان انفعالی أی ان استجاباته انفعالیة مصدرها اضطراب الحالة المزاجیة للمریض، حیث تتناوب علیه نوبات الهوس ونوبات الاکتئاب على فترات مختلفة ، وقد یصاب المریض بنوبة هوس فیکثر هیاجه ویسرع غضبه ،ویطلق على الاکتئاب النفسی مرض العصر الحالی ، ویصیب الاکتئاب النساء اکثر من الرجال ، وتقدر عدد حالات الاصابة به فی العالم بحوالی (340) ملیون حالة ، ونسبة الاصابة بالاکتئاب تصل الى 7% من سکان العالم ، ویؤدی الى ما یقرب من (800) الف حالة انتحار کل عام .
اما اسبابه فهی متعددة ، منها الاستعداد الوراثی الذی یهیء صاحبه للاصابة بهذا المرض عند وجود عوامل اخرى تؤدی الى الاصابة بذهان الهوس والاکتئاب ، وکذلک ترتبط الاصابة به مع زیادة نسبة الکورتیزون فی الدم ، وهناک علاقة بین افراز الهرمونات الجنسیة فی الدم ونسبتها مع التغیر فی المزاج ، لذلک تزداد نسبة الاصابة بهذا المرض لدى المتقدمین فی العمر وخصوصا النساء اللواتی بلغن سن الیأس. وتؤدی الاصابة بالاکتئاب الى العزلة وفقدان الاهتمام بالحیاة وتزاید احتمالات الانتحار .
3- ذهان الهذاء (البارانویا)
وهی حالة یحتفظ بها المریض بقوة تفکیره وارادته وقدرته على العمل ولا ینتهی به مرضه الى تدهور فی الشخصیة ولا تعتریه الهلوسات ، ولکن تأتیه هذاءات منتظمة ثابتة لا تتغیر ، وتتکون عنده ببطء ولیس من سبیل لتعلیلها نفسیا بالظروف التی یمر بها ، اذ ان المریض یتمسک بمعتقد وهمی ثابت ینحصر بموضوع معین مع احتفاظه من النواحی الاخرى بحالة طبیعیة من حیث توازن تفکیره وشخصیته ، وان کان لا یکف عن محاولة اقناع الاخرین بسلامة معتقده الوهمی..
وکما یمکن تصنیف حالات ذهان الهذاء حسب موضوع المعتقد الوهمی الاساسی الى ذهان هذاء العظمة ، اذ یشعر المصاب به بالاستعلاء والمغالاة فی الاعتداد بالذات واعتقاده بانه شخص عظیم ، وهنالک ذهان هذاء الاضطهاد وتدور هذاءات المصاب به حول اوهام تصور له اضطهاده من قبل الغیر ووجود من یحیک الدسائس ضده لقتله او الاضرار به ، وهنالک ذهان هذاء التدین ، وذهان هذاء الاعتلال وانواع اخرى مختلفة.
اما مسبباته فهی عدیدة وغیر محددة یعزیها البعض بوجود رغبات مکبوتة یعجز المریض عن تحقیقها فینفس عن فشله بالاوهام ، او قد ینشأ عن نزعة جنسیة مکبوتة تنعکس لا شعوریا على الغیر بصور مختلفة ، کما انه یصیب الاشخاص الذین یمتلکون صفات معینة تؤهلهم للاصابة بهذا المرض.
الفرع الثانی : الامراض النفسیة
ان الامراض النفسیة او العصابیة هی من اکثر الامراض انتشارا فی الوقت الحاضر، الا اننا لا نجد تعریفا واضحا ومحددا ومتفقا علیه سواء من علماء النفس او الاطباء النفسیین، ومع ذلک فقد وردت عدة تعاریف للامراض النفسیة ، منها التعریف الذی ورد فی النظام العربی المقترح للصحة النفسیة اذ عرف المرض النفسی بانه " ارتباک فی حالة المریض الذهنیة او العاطفیة او المعرفیة او الادراکیة او احساسه بای تکدر فی مشاعره واحاسیسه یطلب من اجلها ذلک الشخص نوعا من علاج ما".
وبالتالی فان المرض النفسی هو اضطراب فی الوظائف النفسیة للفرد ، وبذلک تتأثر بالمرض النفسی العاطفة والاحساس والشعور والوجدان ، وقد یطال المرض النفسی العملیات العقلیة کالادراک فی بعض الحالات المزمنة او الشدیدة.
وتختلف الاسباب المؤدیة الى الاصابة بالامراض النفسیة ، فذهب البعض الى ان الاصابة بالامراض النفسیة تعود الى استعداد وراثی ینتقل الى الفرد من خلال الترکیب الکیمیاوی لخلایاه ، وهناک من یرد هذه الامراض الى الاصابة باضطراب وظیفی فی المخ فی حین ذهب رأی اخر الى القول ان الاضطرابات الشخصیة وانفعالاتها هی حصیلة تفاعلات مستمرة ومتعاقبة بین العوامل البیولوجیة والنفسیة والاجتماعیة التی یتعرض لها الفرد فی ادوار حیاته .
والامراض النفسیة (العصابیة) متعددة ومختلفة ومن الممکن ان یکشف الفحص الطبی انواعاً من الامراض النفسیة تکون مرتبطة بحوادث وضغوط معینة ، مثل عصاب الحرب ، وعصاب الکوارث ، وعصاب الاسر وغیرها.
الفرع الثالث : التخلف النفسی
یعرف التخلف النفسی بالحالة السیکوباتیة ، ویقصد بالسیکوباتیة الاعتلال النفسی. والشخص السیکوباتی هو الشخص المعتل نفسیا.
وتعرف الحالة السیکوباتیة بانها اضطراب متواصل فی الشخصیة البشریة یجعلها غیر متلائمة مع المجتمع فی قیمه ومعاییره ، وذلک دون ان یفقد المریض القدرة على ادراکه لحالته المرضیة او اتصاله بالواقع . والشخصیة السیکوباتیة هی شخصیة شاذة فی تکوینها النفسی، وصاحب هذه الشخصیة یدرک ما یحیط به وما یصدر عنه على النحو العادی المألوف ولکن موضع الشذوذ فی هذه الشخصیة هو انحراف الغرائز او اختلال العاطفة ثم فساد القیم الاجتماعیة التی تسیطر علیها ، ویترتب على ذلک عجز صاحب هذه الشخصیة عن الملاءمة بین افعاله والقیم الاجتماعیة ، فیرتکب الجرائم تحت تأثیر ما فی شخصیته من شذوذ ، ویعنی ذلک ان السیکوباتیة لیست فی ذاتها عاهة فی العقل ، فالتمییز متوافر ، والارادة حرة ، لان فی وسع صاحبها ان یسیطر علیها.
ومن اهم السمات الاساسیة للتخلف النفسی الاندفاعیة التی یتصف بها المتخلف النفسی ، وتبدو فی جریه وراء اهواء اللحظة الراهنة دون تقدیر لما کان من احداث وتجارب الماضی ، ولما یحتمل ان یکون من وقائع المستقبل . ویتصف السیکوباتی باللا اخلاقیة التی تبرز فی انطلاقه نحو اشباع شهواته بجمیع الطرق الممکنة بلا مراعاة لقواعد الاخلاق ، کما انه یتصف بالانانیة التی تظهر فی اتخاذه من البیئة وموضوعاتها وسائل لارضاء رغباته الجامحة بلا مبالاة لما قد یسببه ذلک للغیر من المحن والکوارث والالام . اما اللا تکیفیة فانها تتجسد فی اصطدامه المتواصل مع المجتمع لعدم توافقه مع القیم والمعاییر التی الفتها الجماعة.
ویمکن تصنیف السیکوباتیین على اساس الاسلوب الذی ینهجونه فی سلوکهم الى نمطین ، هما العدوانی ، والنمط المراوغ:
1-النمط العدوانی : وهو عرضة لتفجیر افعال العنف ، ویتبع فی سلوکه اسلوبا عدوانیا یجعله خطرا ویهدد المجتمع لما یبدیه من تحد ساخر فظ لنظم الجماعة .
2- النمط المراوغ : وینهج صاحبه فی سلوکه اسلوب التلفیق والاهمال والمماطلة والتقاعس والتسکع وعدم الاکتراث لشیء وتزییف الحقائق ، وتکون له غالبا القدرة على الاقناع والخداع.
غیر ان تصنیف هذه الحالات الى نمطین لا یعنی وجود حدود فاصلة قاطعة بینهما اذ قد یختلط فی بعض الحالات هذان الاسلوبان ، فیتصف سلوک المصاب حینا بالعدوان ، وحینا بالمراوغة تبعا لما یحققه أی من اللونین من لذة فوریة عاجلة وقصوى. ومن امثلتها السیکوباتیة الجنسیة وصاحبها یکون جنسیا او ان قوته الجنسیة منحرفة عن نموها الطبیعی فیرتکب جرائم الاعتداء على العرض لانه عاجز عن التحکم فی غرائزه .
المبحث الثـانی
اثر التخلف العقلی فی المسؤولیة الجنائیة
ان تطور علم الطب العقلی والنفسی قد اثبت وجود حالات مرضیة عدیدة لا تفضی الى فقد الادراک والاختیار کلیا ، انما تقف من حیث درجة تأثیرها فی الادراک او الاختیار عند حدود الانتقاص من احدهما او کلیهما مما یؤدی الى ظهور حالة وسط بین فاقدی الادراک او الاختیار وبین المتمتعین بها ، أی بین عدیمی المسؤولیة والمؤهلین لتحملها ، الامر الذی دعا منذ مستهل القرن التاسع عشر الى المناداة بوجوب مساءلة هؤلاء مساءلة تتناسب ودرجة النقص الذی یصیب ادراکهم او حریتهم فی الاختیار الناتج عن الاضطراب العقلی طالما کانت سلامة الادراک او الاختیار مناط المسؤولیة الجزائیة والاساس فی قیامها. الا ان القوانین العقابیة الوضعیة وفقهاء الشریعة الاسلامیة قد اختلفوا فی مدى تأثیر التخلف العقلی او الضعف العقلی فی المسؤولیة الجنائیة وهل یعد مانعا من موانع المسؤولیة ام عذرا مخففا وهذا ما سیتم توضیحه فی هذا المبحث وذلک من خلال تقسیمه على مطالب ثلاثة نمهد فی اولها لبیان شروط امتناع المسؤولیة الجنائیة بسبب الجنون او عاهة العقل ، ونبحث فی المطلب الثانی اثر التخلف العقلی فی المسؤولیة الجنائیة فی القوانین العقابیة ، ونبحث فی المطلب الثالث اثر التخلف العقلی فی المسؤولیة الجنائیة فی الشریعة الاسلامیة.
المـطلب الأول
شروط امتناع المسؤولیة الجنائیة بسبب الجنون أو عاهة العقل
لم تنص غالبیة التشریعات الجنائیة على تعریف الجنون تارکة الامر للمتخصصین فی طب الامراض العقلیة ، وقد بینا فیما سبق مفهوم الجنون فی مدلوله الطبی الضیق إذ یعنی الزوال الکامل للقوى العقلیة الناجم عن مرض متعاظم کالشلل العام، الا ان هذا المفهوم یتسع فی دلالته القانونیة ولا یقتصر على المدلول الطبی ، وذلک تأکیدا لذاتیة القانون الجنائی ، اذ یقصر المدلول الطبی للجنون عن ان یحیط بجمیع صور الامراض العقلیة التی یترتب علیها انتفاء او انتقاص الاهلیة الجنائیة لدى الشخص ، لذلک یعرف الجنون من الوجهة القانونیة بانه (کل انحراف یصیب اجهزة الجسم وقواه التی تساهم فی تکوین الارادة ویکون من شأنه تجریدها من التمییز او حریة الاختیار)
ونتیجة لذلک فقد اتجهت غالبیة التشریعات الجنائیة الحدیثة الى استعمال تعبیرات اخرى اوسع نطاقا من مصطلح (الجنون) ، فقد استعمل المشرع الایطالی لفظ (المرض) فی المادة (88) من قانون العقوبات الایطالی ، واستعمل المشرع الفرنسی لفظ (الاضطراب العقلی او العصبی الذی یزیل قدرة الشخص على التمییز ، او قدرته على التحکم فی افعاله) فی المادة (122/1) من قانون العقوبات الفرنسی الجدید ، ولفظ (اضطراب الوعی او الاضطراب المرضی للنشاط الذهنی ، او الضعف العقلی) فی قانون العقوبات الالمانی (المادة 51) ، ولفظ (المرض العقلی او الشذوذ العقلی الخطیر) فی قانون العقوبات السویدی(المادة 5) ، فی حین اتجهت تشریعات اخرى الى اضافة تعبیرات اخرى الى لفظ الجنون کی توسع من مفهومه کتعبیر (عاهة العقل) فی قانون العقوبات العراقی (المادة 60) ، وقانون العقوبات السودانی (مادة10) ، وقانون العقوبات المصری (المادة 62) ، وهذا من شأنه ان یشمل کل ما یکشف عنه التقدم العلمی فی مجال طب الامراض العقلیة والنفسیة من احوال الاختلال العقلی ، او الامراض النفسیة التی تؤدی الى انتفاء الاهلیة الجنائیة لدى المصاب بها.
وتمر اهلیة الانسان فی مراحل ثلاث ، اولها تکون فیها اهلیته منعدمة لانه یولد فاقدا للادراک ، ثم تنمو مدارکه مع مرور الزمن حتى تکتمل ، ومعظم التشریعات تجعل من بلوغ الانسان سنا معینة من عمره حدا لانتهاء هذه المرحلة ، وانتفاء الاهلیة فی هذه المرحلة فی التشریعات التی نصت علیها یعد قرینة قانونیة قاطعة لا یجوز اثبات عکسها ، والمرحلة الثانیة هی التی تکون فیها اهلیة الانسان ناقصة ویکون ذلک فی مرحلة الحداثة ، اذ تتدرج اهلیة الانسان تبعا لازدیاد قدرته على التمییز ونمو مدارکه حتى یصل الى مرحلة التمییز بین الشر والخیر ، ویخضع الحدث لتدابیر تربویة فی الفترات الاولى من هذه المرحلة وعقوبات مخففة فی الفترات النهائیة منها ، اما المرحلة الاخیرة فهی مرحلة تمام الاهلیة واکتمال مدارک الشخص وقدرته على فهم طبیعة افعاله فیصبح اهلا لتحمل اثار المسؤولیة التی یقررها الشارع ، وقرینة اکتمال الاهلیة لدى الشخص فی هذه المرحلة لیست قاطعة ، اذ یجوز اثبات عکسها ، فیجوز اثبات عدم توافر هذه الاهلیة لدى الشخص لجنون او عاهة عقلیة على الرغم من بلوغه سن الرشد الجنائی.
ویعد امتناع المسؤولیة الجنائیة الاثر المباشر لتوافر حالة الجنون او عاهة العقل لدى المتهم وقت ارتکاب الفعل – او الامتناع – المکون للجریمة ، ومن خلال استقراء النصوص الجنائیة یتبین ان امتناع المسؤولیة الجنائیة بسبب الجنون او عاهة العقل یستوجب توافر شرطین رئیسیین سوف نوضحهما تباعا على النحو الاتی:
اولا : ان یکون الجنون او عاهة العقل نافیا للاهلیة الجنائیة
یمکن التمییز بین معاییر ثلاثة فی تحدید الجنون المانع من المسؤولیة الجنائیة، المعیار الاول : هو المعیار البیولوجی ، ویشترط بمقتضاه اصابة المتهم بمرض عقلی وقت ارتکاب الفعل دون اشتراط شروط اخرى تتعلق بتأثیر هذا المرض فی خصائص الارادة وقیمتها القانونیة ، وقد اخذ بهذا المعیار قانون العقوبات الفرنسی الصادر سنة 1810، اذ نصت المادة (64) منه على انه (لا جنایة ولا جنحة اذا کان المتهم فی حالة جنون وقت ارتکاب الفعل …) ، وقانون العقوبات السوری ، حیث نصت المادة (230) منه على ( یعفى من العقاب من کان فی حالة جنون). والمعیار الثانی : هو المعیار النفسی ، حیث یشترط ان تفقد الارادة قیمتها القانونیة کاثر لانتفاء الاهلیة الجنائیة دون الاشارة الى العارض المرضی الذی افضى الى ذلک ، مثال ذلک المشروع الحکومی الاول لقانون العقوبات الالمانی ، اذ نصت المادة (46) منه على امتناع المسؤولیة الجنائیة (اذا انتفت عن الفاعل وقت فعله حریة توجیهه لارادته). اما المعیار الثالث : فهو المعیار المختلط البیولوجی – النفسی ، وهو المعیار الذی یشترط لامتناع المسؤولیة الجنائیة بسبب الجنون او ما فی حکمه ، توافر العارض المرضی من جهة ، وافضائه الى انتفاء الاهلیة الجنائیة وانعدام القیمة القانونیة للارادة من جهة اخرى، وقد اخذت بهذا المعیار غالبیة التشریعات الجنائیة الحدیثة ، مثال ذلک قانون العقوبات الالمانی (المادة 24) وقانون العقوبات السویسری (المادة 10) ، وقانون العقوبات الایطالی (المادة 88) ، وقانون العقوبات اللبنانی (المادة 231) ، وقانون العقوبات المصری (المادة 62) ، وقانون العقوبات الفرنسی الجدید (المادة 122/1). وقد اخذ المشرع العراقی بهذا المعیار اذ جمع فی نص المادة (60) من قانون العقوبات بین المعیارین البیولوجی والنفسی فی تحدید الاضطراب العقلی او العصبی المانع من المسؤولیة.
وعلى وفق هذا المعیار فان الجنون او عاهة العقل لا یعد فی ذاته مانعا من المسؤولیة الجنائیة ، وانما یشترط ان یترتب على کل منهما الفقد التام لعنصری الاهلیة الجنائیة الادراک والارادة – او احدهما وقت ارتکاب الفعل ،فاذا لم یترتب علیه هذا الاثر ، فلا محل لامتناع المسؤولیة الجنائیة.
ثانیا : معاصرة الجنون او عاهة العقل لارتکاب الفعل.
اذ لا ینتج الجنون او عاهة العقل اثره المانع من المسؤولیة الجنائیة ، الا اذا کان معاصرا لارتکاب الفعل الاجرامی ، وفی هذا الصدد یثور التساؤل حول المقصود بتوافر الجنون او عاهة العقل وقت ارتکاب الفعل . فقد ذهب بعض الفقه الى انه یقصد بالمعاصرة معنیین ، الاول : زمنی ، والثانی : سببی ، ویقصد بالمعنى الزمنی ضرورة توافر الجنون او ما فی حکمه وقت ارتکاب الفعل ، بحیث تستبعد حالات الجنون التی تسبق ارتکاب الفعل او تلک التی تطرأ بعد ارتکابه من اسباب امتناع المسؤولیة الجنائیة ، اما المعنى السببی فیقصد به ضرورة توافر علاقة سببیة بین الجنون او المرض العقلی والجریمة ، فتکون الجریمة اثرا له. الا ان الرأی الراجح فی الفقه یذهب الى عدم اشتراط توافر علاقة سببیة بین المرض العقلی والجریمة ، والاکتفاء بتوافر الجنون او ما فی حکمه وقت ارتکاب الفعل.
ومع ذلک فان توافر علاقة السببیة بین المرض العقلی والجریمة یبقى شرطا لازما فی حالات الجنون المتخصص ، أی الذی یصیب جانبا دون اخر من جوانب الشخصیة ، مثال ذلک جنون السرقة وجنون الحریق ، فاذا کانت الجریمة غیر مرتبطة بالمرض العقلی فان الجانی یعد مسؤولا عن الجریمة.
المطلب الثانی
اثر التخلف العقلی فی المسؤولیة الجنائیة فی القوانین العقابیة
لا یکفی لقیام المسؤولیة الجنائیة ان یکون مرتکب الفعل انسانا وانما یلزم ان یکون متمتعا بملکاته الذهنیة والعقلیة بحالة طبیعیة وان یکون من ناحیة اخرى متمتعا بحریة الاختیار.
فالمسؤولیة هی اهلیة الانسان العاقل الواعی لان یتحمل جزاء او عقاب نتیجة افعاله، فالمسؤولیة فی جوهرها التزام شخص بالخضوع لشیء او التزامه به ضد ارادته.
وتقوم المسؤولیة الجنائیة على التمییز وحریة الاختیار فبدونهما او بدون احدهما ترفع المسؤولیة الجنائیة ، وموانع المسؤولیة الجنائیة اما ان تتمثل فی انعدام الوعی او الارادة او على الاقل الانتقاص منهما ، وفی الحالتین تنتفی المسؤولیة الجنائیة ولا توقع العقوبة دون ان یخل هذا بامکان انزال التدابیر الاحترازیة به متى ما توافرت خطورته الاجرامیة.
وتجدر الاشارة الى ان جانبا من فقهاء القانون الجنائی ذهب فی معرض تحدید معنى فقد الادراک او الاختیار بان ما قصده المشرع من مصطلح فقد الادراک او الاختیار لیس اشتراط ان یکون المصاب مجردا کلیة من ایة قدرة على ذلک ، انما تعنی اشتراط معاناة المصاب من نقص حاد فیهما بحیث یجعل منهما غیر کافیین لاعتداد القانون بهما للقول بتوافر المسؤولیة ، وبالتالی یمکن ان تمتنع المسؤولیة رغم تمتع الفاعل بقدر ضئیل منهما دون ما یتطلبه القانون.
وان تحدید مسؤولیة المتخلفین عقلیا لیست بالمسألة السهلة انما هی معقدة الى حد کبیر لارتباطها فی کثیر من التشریعات باساس المسؤولیة الجنائیة، فالصعوبة تتمثل فی امکانیة مساءلته عن افعاله ومدى هذه المسؤولیة ، فهل یعد المتخلف عقلیا فی حکم المجنون فتنعدم مسؤولیته عما یأتیه من افعال ؟ .
اذ ان مصطلح التخلف العقلی یستخدم کمفهوم شامل للدلالة على انخفاض الاداء الوظیفی العقلی بدرجاته کافة ، وهو یتباین فی درجته تبعا للمرحلة التی توقف فیها النمو العقلی ، کما یستخدم للدلالة على فئة بعینها من فئات التخلف العقلی ودرجاته ، کالبله ، والعته، ویخلط البعض بین التخلف العقلی وبین الجنون فیعتبرونهما شیئا واحدا والحقیقة غیر ذلک ، فالمتخلف عقلیا لم یتکامل نموه العقلی اصلا ، فهو نقص فی درجة الذکاء نتیجة لتوقف فی نمو الذکاء بحیث یجعل الفرق بین المتخلف عقلیا وبین الشخص العادی فرقا فی الدرجة ولیس فرقا فی النوع.
فضعاف العقول هم درجة وسطى بین الرجل العادی والمجنون ، أی یتمتعون بقدر من الارادة لتوجیه تصرفاتهم ، فهم اشخاص اصابهم خلل عقلی جزئی لم یفقدهم الاهلیة للمسؤولیة الجنائیة ولکنه انقص منها على نحو محسوس .
وقد ترتب على الاختلاف حول المسؤولیة الجنائیة للمتخلفین عقلیا ظهور ثلاثة اتجاهات یرى اولها انها مسؤولیة کاملة ، والثانی یرى عدم المسؤولیة ، والثالث یرى انها مسؤولیة مخففة.
الاتجاه الاول : المسؤولیة الجنائیة الکاملة.
وهذا الاتجاه من التشریعات التی تحکمها افکار المدرسة التقلیدیة التی ترى ان المسؤولیة الجنائیة غیر قابلة للتجزئة ، وانها اما ان توجد کاملة واما الا توجد على الاطلاق ، وان المجرم هو احد رجلین ، اما مسؤول او غیر مسؤول ، وکل من لم یتوافر لدیه مانع من المسؤولیة بشروطه فهو حتما مسؤول.
ویذهب هذا الاتجاه الى ان المسؤولیة الجنائیة للمتخلفین عقلیا هی مسؤولیة جنائیة کاملة ، اذ لا یجوز القول بامتناع المسؤولیة ، اذ لا تتوافر بالنسبة للمتخلف عقلیا شروط امتناع المسؤولیة ، ولا یجوز کذلک الامر باتخاذ تدبیر احترازی ، اذ لا محل لتدبیر مالم ینص علیه القانون ، وقد اخذ بهذا التوجه المشرع الفرنسی فی قانون العقوبات لسنة 1810 ، اذ ان الاشخاص غیر المسؤولین طبقا لنص المادة (64) عقوبات فرنسی هم الذین یعانون من مرض عقلی او نقص عقلی کبیر فی القوى العقلیة ، وکذلک المشرع المصری إذ لم یعترف بنظام المسؤولیة الناقصة فی قانون العقوبات ، فطبقا لنص المادة (62) عقوبات مصری تثبت المسؤولیة الجنائیة کاملة او تنتفی کلیة طبقا لغیاب الجنون او عاهة العقل او ثبوتها ، فالتشریع الجنائی المصری یجهل نظریة المسؤولیة المخففة.
الاتجاه الثانی : عدم مسؤولیة المتخلفین عقلیا.
ویتجه هذا الاتجاه الى عدم مسؤولیة المتخلفین عقلیا وذلک فی الحالات التی یکون فیها المتهم وقت ارتکاب الجریمة عاجزا عن الادراک او الاختیار بسبب اصابته بالجنون او عاهة العقل ، اذ لا یتقید هذا الاتجاه بمدلول طبی محدد للعلة العقلیة وانما یرکز على اثر المرض وهو الشعور والاختیار ، فمتى کان الفاعل وقت ارتکابه الجریمة تحت تأثیر علة عقلیة فان مسؤولیته الجنائیة لا تقوم ایا ما کانت الجریمة.
ویمکن القول إن التشریعات التی تبنت افکار المدرسة التقلیدیة التی ترى عدم قابلیة المسؤولیة الجنائیة للتجزئة ونادت بالمسؤولیة الجنائیة الکاملة هی نفسها التی اخذت بهذا الاتجاه اذ انها لا تسلم بفکرة تدرج المسؤولیة ولم تأخذ بفکرة المسؤولیة المخففة ، فالعاهة العقلیة تؤدی الى عدم مسؤولیة المتهم اذا ما ادت الى فقدانه الشعور والاختیار ، ولا تؤثر فی قیام مسؤولیة المتهم الجنائیة الکاملة اذا لم تؤدِ الى فقدانه الشعور والاختیار او احدهما وقت ارتکابه للفعل.
الاتجاه الثالث : المسؤولیة الجنائیة المخففة.
ویذهب هذا الاتجاه الى تدرج الاهلیة تبعا للحالة العقلیة ، ویقسم الناس على هذا الاساس الى ثلاثة اقسام ، الکمال ، والعدم ، وحالة وسط بینهما ، ویجعل مسؤولیة کل قسم مناسبة لنوع اهلیته ، اذ یجب ان یکون هناک تناسب بین القدرة العقلیة والمسؤولیة الجنائیة.
فالمسؤولیة الجنائیة تنتفی اذا انتفى ادراک الجانی او اختیاره ، وتتدرج وفقا لدرجة الانتقاص التی تعتری الادراک والاختیار ، بحیث تصبح مسؤولیة الجانی مخففة ومن نوع خاص ، لان العبرة بحقیقة ادراک الجانی وتمییزه من المستوى الذی یعتد به القانون .
وقد ذهبت معظم التشریعات الى تقریر مسؤولیة مخففة تتناسب مع النقص العقلی للجانی وفی مقدمتها قانون العقوبات العراقی، اذ نصت المادة (60) من قانون العقوبات العراقی رقم (111) لسنة 1969 على انه (لا یسأل جزائیا من کان وقت ارتکاب الجریمة فاقد الادراک او الارادة لجنون او عاهة فی العقل او بسبب کونه فی حالة سکر او تخدیر نتجت عن مواد مسکرة او مخدرة اعطیت له قسرا او على غیر علم منه بها او لای سبب اخر یقرر العلم انه یفقد الادراک او الارادة . اما اذا لم یترتب على العاهة فی العقل او المادة المسکرة او المخدرة او غیرها سوى نقص او ضعف فی الادراک او الارادة وقت ارتکاب الجریمة عد ذلک عذرا مخففا) ومن الملاحظ ان مصطلح العاهة العقلیة الوارد فی المادة (60) من قانون العقوبات العراقی هو مصطلح واسع یمکن ان یشمل حالات التخلف العقلی بمستویاتها وانواعها .
وذلک ما اخذ به قانون العقوبات اللبنانی لسنة 1943 اذ نصت المادة (233) منه على انه (من کان حین اقتراف الفعل مصابا بعاهة عقلیة وراثیة او مکتسبة انقصت قوة الوعی او الاختیار فی اعماله یستفید قانونا من ابدال عقوبته او تخفیفها …) على اعتبار ان المسؤولیة التی تفترض التکامل العقلی والعاطفی لدى الانسان العادی لا تقوم بکاملها لدى المعتوه الفاقد لذلک التکامل تبعا لاعتلال جزئی فی عقله وبالتالی فان النتیجة الحتمیة لهذا الاعتلال الجزئی فی القوى العقلیة هی اعتبار المسؤولیة الجنائیة قائمة فقط بصورة جزئیة.
وکذلک الحال بالنسبة الى قانون العقوبات المغربی الصادر سنة 1963 إذ نص فی المادة (135) منه على انه (تکون مسؤولیة الشخص ناقصة اذا کان مصابا بضعف فی قواه العقلیة من شأنه ان ینقص ادراکه او ارادته…). وهذا ما عبر عنه المشرع الانکلیزی بنحو صریح فی القسم الثانی من قانون جرائم القتل الصادر سنة 1957 المتعلق بتخفیف المسؤولیة بسبب الاصابة بعاهة العقل حیث اورد حکما مقتضاه انه ، لا یکون محلا للادانة بجریمة القتل العمد او الاشتراک فیها اذا ثبت ان الشخص کان یعانی وقت ارتکابها من اضطراب عقلی بصرف النظر عن طبیعة مصدره المرضی ، سواء اکان توقفا ، ام تخلفا فی النمو العقلی ولا عبرة ایضا فی ان یکون ناشئا عن سبب وراثی او مکتسب نتج عن الاصابة بمرض او صدمة شریطة ان یکون هذا النقص جوهریا بحیث یفضی اما الى نقص فی الادراک او فقد السیطرة على النفس.
وقد جاء النص على هذه الحکم نتیجة للتطور الذی مر به الفقه والقضاء الانکلیزی منذ القرن السادس عشر فی معالجة هذه المسألة ، منذ ان وضع الفقیه لامبارد قاعدته التی تقول إن القتل اذا ارتکبه شخص مجنون او متخلف او مهووس او طفل لا یفرق بین الخطأ والصواب لایعد ذلک جریمة لانعدام الارادة والادراک لهذا العمل ، مرورا بقاعدة السبعة التی وضعها الفقیه ولیام بلاکستون ، ثم قاعدة الوحش البری التی وضعت فی عام 1724 ، وصولا الى قاعدة ماکناتن فی عام 1843 التی تنص على انه اذا حدث بسبب المرض العقلی ان شخصا لا یعرف او یمیز طبیعة عمله او یفرق بین الصحیح والخطأ فانه غیر مسؤول عن هذا العمل.
وقد تجاوز المشرع الفرنسی الانتقادات التی وجهت للمعالجة التی نص علیها فی التشریع الملغی ، وذلک من خلال النص فی قانون العقوبات الفرنسی الجدید الصادر سنة 1992 على طائفتین من المصابین باضطرابات عقلیة ، فقرر مسؤولیة من کان مصابا لحظة وقوع الجریمة باضطراب عقلی لم یلغ ملکة التمییز لدیه ولا قدرته على التحکم فی تصرفاته وان اثر فیه مع اعطاء القضاء سلطة تقدیریة فی الاخذ بنظر الاعتبار هذا الظرف عند تحدید العقوبة وکیفیة تنفیذها ، وعدم مسؤولیة من کان مصابا باضطراب عقلی او عقلی وعصبی ادى الى الغاء ملکة التمییز لدیه والتحکم فی افعاله، وبذلک عدّ المشرع الفرنسی نقص التمییز او المقدرة على التحکم فی التصرفات بسبب الاضطراب العقلی او العصبی من اسباب تخفیف العقوبة .
ومن الجدیر بالذکر ان بعض القوانین استخدمت مصطلح الجنون باعتباره شاملا لجمیع حالات الاختلال العقلی او الاصابة بعاهة عقلیة ، وهذا خطأ وقعت فیه تلک القوانین ذلک لان الجنون من الناحیة العلمیة هو نوع من انواع الامراض العقلیة ، أی انه حالة او صورة واحدة من صور العاهة العقلیة، ومن بین هذه القوانین قانون العقوبات الجزائری إذ نص فی المادة (47) منه على انه (لا عقوبة على من کان فی حالة جنون وقت ارتکاب الجریمة)، وکذلک قانون العقوبات الفلسطینی اذ نصت المادة (101) منه على ان (یعفى من العقاب من کان فی حالة جنون ).
وتنبغی الاشارة الى ان المشرع العراقی لم یکن موفقاً فی نص المادة (60) عندما اورد عبارة (لجنون او عاهة فی العقل) ذلک لان الجنون کما ذکرنا هو احد الامراض العقلیة وبالتالی فهو جزء من العاهة العقلیة او نوع من انواعها فمن الخطأ التمییز بینهما بالقول انه لا یسأل جنائیا من کان مصابا بالجنون او کان مصابا بعاهة عقلیة وذلک لان الجنون یندرج ضمن العاهات العقلیة وکان الاجدر بالمشرع العراقی وغیره من المشرعین الذین وقعوا فی مثل هذا الخطأ الاکتفاء بذکر مصطلح العاهة العقلیة الذی تندرج تحته جمیع الامراض العقلیة، ومنها الجنون بانواعه ، وکذلک حالات التخلف العقلی ، وبعض حالات التخلف النفسی والامراض العصابیة او النفسیة.
وفیما یتعلق بسلطة القضاء فی تقریر ما اذا کان المتهم مصابا بأیة عاهة عقلیة ومنها الاصابة بالتخلف العقلی فقد اختلفت توجهاته بهذا الشأن ، ففی مصر نجد ان محکمة الموضوع هی الخبیر الاعلى فی کل ما یستدعی خبرة فنیة فلها ان تتحقق بنفسها من توافر العاهة العقلیة ویکون حکمها مسببا تسبیبا کافیا اذا تبین لها ان المتهم کان فاقد الادراک او الشعور وقت ارتکاب الفعل ، وهی غیر ملزمة قانونا بندب خبیر اذا رأت ان لدیها من الادلة والقرائن ما یکفی للحکم على حالة المتهم العقلیة ولیست ملزمة باجابة الدفاع الى ما یطلبه من ندب خبیر لتقدیر حالة المتهم العقلیة مادامت قد استبانت سلامة عقله من موقفه فی التحقیق ومن حالته بالجلسة ومن اجابته عن ما وجهته الیه من اسئلة ومناقشة الشهود.
وکذلک الحال بالنسبة الى القضاء الجنائی العراقی حیث ان قانون اصول المحاکمات الجزائیة رقم 23 لسنة 1971 قد منح المحاکم الجنائیة سلطة تقدیریة فی انتداب الخبراء فی الطب العقلی او النفسی لفحص المتهم والتأکد من سلامته العقلیة ، وبالتالی فان احکام القضاء الجنائی العراقی قد جاءت تتسم بعدم الاستقرار فی انتهاج مسلک محدد بهذا الشأن ، اذ نجد ان محکمة التمییز فی بعض قراراتها قد اقرت ما اتخذته محکمة الموضوع من اجراء مقتضاه رفض طلب جهة الدفاع باحالة المتهم الى لجنة طبیة مختصة لفحصه عقلیا وذلک بحجة ان المقصود فی طلب الدفاع هو عرقلة حسم الدعوى ، فی حین نجدها فی قرارات اخرى لا تکتفی بقبول الطعن فی سلامة قرار المحکمة المختصة اذا هی لم تعتمد الخبرة الطبیة عند اصدارها لقرارها ، بل نجد انها تدعو الى اعتماد رأی الخبرة الطبیة بنحو یتجاوز اختصاصها الفنی المطلوب ، بحیث یمتد الى الطلب منها ابداء رأیها بقیام مسؤولیة المتهم من عدمه الامر الذی یدخل فی صمیم الوظیفة القضائیة.
وهکذا نجد ان القضاء العراقی قد کانت قرارته متفاوتة وغیر صائبة احیانا بناءا على سلطته التقدیریة الممنوحة له من قبل المشرع ، وبالتالی فان المشرع العراقی لم یکن موفقا فی منح القضاء الجنائی السلطة التقدیریة لندب لجنة طبیة للتحقق من مدى سلامة المتهم العقلیة ، وکان یجدر بالمشرع ان ینتهج ما نهجه فی قانون المرافعات المدنیة من الزام القضاء المدنی بندب لجنة طبیة للتحقق من سلامة المتهم العقلیة ، وذلک لکی تکون قرارات المحکمة مستندة الى اسس علمیة فی تحدید کون المتهم مسؤولا ام غیر مسؤول جنائیا. اما القضاء السوری فیقرر فی العدید من احکامه ان الامراض العقلیة من الامراض الخفیة الدقیقة التی تحتاج الى خبرة واسعة ودرایة تامة ولا یجوز للمحکمة ان تقدر من نفسها عقلیة المتهم وتطمئن الى ملاحظتها اثناء المحاکمة ، فلابد من الاعتماد على رأی الطبیب او ترکه بالاستناد الى رأی اقوى منه علما، وقضیة الاصابة بعاهة عقلیة هی من الامور الفنیة التی لا تستطیع المحکمة البت بها تلقائیا بالاستناد الى مشاهداتها واستنتاجاتها دون الاعتماد على خبرة فنیة واضحة .
ونحن نؤید هذا الاتجاه وندعو القضاء العراقی الى الاخذ به وذلک لان الاستعانة برأی اهل الخبرة والاختصاص فی حالات الاصابة بعاهة عقلیة تکون واجبة لتعلقها بامور فنیة بحتة لاتدخل تحت المسائل التقدیریة التی یستقل بها قضاء محکمة الموضوع ، فالخبرة مهمة علمیة وفنیة تجنح الیها المحکمة کلما وجدت نفسها امام مشکلة تستدعی معرفة خاصة ودراسة علمیة لیکون ذلک اقرب الى الاطمئنان وابعد عن الریبة.
وینبغی ان نذکر ان التخلف العقلی لکی یکون له تأثیر فی المسؤولیة الجنائیة وذلک بان یعدمها او ینقصها بحسب الاحوال ، فانه یشترط ان یکون هناک تعاصر بین انعدام الادراک او الارادة او نقصهما وارتکاب الجریمة ، وهذا تطبیق للقاعدة العامة التی تعنى بلحظة وقوع الفعل لتحدید الاهلیة للمسؤولیة الجنائیة مع الحرص على التناسب بین درجة اهلیة الجانی ومقدار العقوبة التی تفرض علیه.
وخلاصة ما تقدم فان العبرة فی مجال نفی المسؤولیة او انقاصها یکون من خلال الاثر الذی یحدثه الخلل او العاهة العقلیة او النفسیة بغض النظر عن اسمها ووصفها ، فان کان من شأنها اضعاف العقل بشکل شدید وعلى نحو یفقد المریض معه القدرة على ادراک ماهیة افعاله او وجه الخطأ فیها بحیث تجعل القانون لا یعتد بعناصر المسؤولیة المتوافرة لدیه نتیجة لانعدام الادراک او الاختیار او النقص الحاد فیهما ، فان المصاب تمتنع مسؤولیته الجنائیة وان تمتع بقدر ضئیل من الادراک او الاختیار لکن دون ما یتطلبه القانون للاعتداد به، اما اذا کان من شأن التخلف العقلی اضعاف العقل على نحو ینقص الوعی فحسب فانه یعد سببا من اسباب انقاص المسؤولیة وتخفیف العقوبة.
وان امتناع المسؤولیة الجنائیة او انقاصها یقتصر على من توافر فیه التخلف العقلی دون سواه من المساهمین فی الجریمة علما ان امتناع المسؤولیة او انقاصها لا یمنع من اتخاذ التدابیر الاحترازیة تجاه الجانی متى ما رأت المحکمة ضرورة لغرض هذه التدابیر وذلک للحد من خطورته على المجتمع وهذا ما نصت علیه العدید من القوانین العقابیة ومنها قانون العقوبات العراقی الذی نص فی المادة (105) منه على ان یوضع المصاب فی مستشفى او مصح للامراض العقلیة او أی محل معد لذلک ، وکذلک ما ذهب الیه المشرع اللبنانی فی المادة (234) من قانون العقوبات اللبنانی من وضع المعتوه فی المأوى الاحترازی فیما اذا کان الجرم الذی ارتکبه یستوجب ذلک وفیما لو ثبت انه یشکل خطرا على السلامة العامة .
المطلب الثـالث
اثر التخلف العقلی فی المسؤولیة الجنائیة فی الشریعة الإسلامیة
یقصد بالمسؤولیة الجنائیة فی الشریعة الاسلامیة ان یتحمل الانسان نتائج الافعال المحرمة التی یأتیها وهو مختار ومدرک لمعانیها ونتائجها. وتعد الشریعة الانسان مکلفا أی مسئولا مسؤولیة جنائیة اذا کان مدرکا مختارا، فاذا انعدم احد هذین العنصرین ارتفع التکلیف عن الانسان ، فان فقد عقله لعاهة او جنون فهو فاقد للادراک.
ومن المبادیء الثابتة فی الشریعة الاسلامیة ان الانسان وحده من بین الخلائق یمکن مساءلته جنائیا ، لان الاحکام المتعلقة بالجنایات اوامر ونواهٍ لا یستوعبها و یحیط بمعانیها ونتائجها الا الانسان المختص بمیزة العقل والادراک والارادة ، ولکن قد ترتکب الجریمة من شخص عدیم التمیز او الادراک او ناقصهما فینبغی الاشارة الى ان الشریعة الاسلامیة لم تعرف حالة التخلف العقلی ولم تبین حکمها بشکل واضح وانما اخذت بمصطلح الجنون الذی یعدم التمیز والادراک ، الا ان فقهاء الشریعة قد تطرقوا الى حالات العته والسفه والغفلة بشکل محدود ومن الناحیة المدنیة بشکل خاص . ففقدان القوى العقلیة قد یکون تاما ومستمرا ویسمى بالجنون المطبق ، وقد یکون تاما غیر مستمر ویسمى بالجنون المتقطع ، وقد یکون جزئیا فیفقد الانسان قدرة الادراک فی موضوع بعینه ویسمى بالجنون الجزئی ، وقد لا تفقد القوى العقلیة تماما ، ولکنها تضعف فلا ینعدم الادراک کلیة ، ولا یصل فی قوته الى درجة الادراک العادی للاشخاص الراشدین وهذا یسمى بالعته او البله ، فضلاً عن مظاهر اخرى لفقدان القوى العقلیة اصطلح على تسمیتها باسماء معینة ، وحکم هذه الحالات جمیعا واحد على تعدد مظاهرها واختلاف مسمیاتها ، وهو ان المسؤولیة الجنائیة تنعدم کلما انعدم الادراک فاذا لم ینعدم فالمسؤولیة قائمة . اذ یتفق فقهاء الشریعة على ان الجنون لا یبیح الفعل المحرم ، وانما یترتب على الجنون المعاصر للجریمة رفع العقوبة عن الجانی لانعدام ادراکه ، الا ان هذا الاعفاء من العقوبة الجنائیة لا یعفیه من المسؤولیة المدنیة عن فعله ، لان الجنون لا ینفی عن الجانی اهلیته لتملک الاموال والتصرف فیها ، لذلک وجب ان یتحمل المسؤولیة المدنیة على الرغم من اختلاف الفقهاء فی مدى هذه المسؤولیة ،کما انهم قد میزوا فیما یتعلق بمسؤولیة عدیم التمییز الجنائیة بین المباشر والمتسبب، فالمباشر عند الحنفیة هو (من یلی الامر بنفسه). اما حکمه فانه یکون ضامنا وان لم یتعمد او یتعدى ، وفیما یتعلق بمدى انطباق حکم المباشر على عدیم التمییز ینبغی ان نمیز بین اتجاه الجمهور إذ یذهبون الى القول بتضمین عدیم التمییز أی تقریر مسؤولیته متى کان مباشرا وعلى ذلک یسأل المجنون ومن فی حکمه متى ارتکب جنایة على النفس او على المال ، فاذا اتلف المجنون ومن فی حکمه مالا مملوکا لغیره ضمنه فی ماله وان لم یکن له مال یستطیع دفعه حالا فنظرة الى میسرة ولا یضمن ولیه ، اما المالکیة فقد اید جانب منهم تضمین عدیم التمییز فی حین ان البعض قالوا بغیر ذلک فقد جاء على لسان ابن الجزی (واما الصبی الذی لا یعقل فلا شیء علیه فیما اتلفه من نفس او مال کالعجماء وقیل المال هدر والدماء على العاقلة کالمجنون).
وهنا یمکن ان نقیس على هذا الاساس حالة المتخلف عقلیا الذی یکون عدیم التمییز والادراک فانه ان کان مباشرا وفقا لرأی الجمهور یضمن وان لم یتعمد او یتعدى.
اما المتسبب فان الفقه الاسلامی کان له موقف منه یختلف عن موقفه من المباشر، والمتسبب هو من یأتی فعلا لا یحدث الضرر بذاته ولکنه یؤدی الى فعل اخر یحدث الضرر.
وقد عرفت المادة (888) من مجلة الاحکام العدلیة التسبب بانه (احداث امر فی شیء یؤدی الى تلف شیء اخر على جری العادة ویقال لفاعله متسبب ) اما حکم المتسبب فالقاعدة ان المتسبب لا یضمن الا اذا کان متعمدا ولذلک یتعین حتى تتحقق المسؤولیة فی حالة التسبب ان یتجاوز الشخص حدود حقه الشرعی بالتعدی على حق غیره اما عمدا او اهمالا او تقصیرا.
وفی حالة التسبب اهمالا او تقصیرا ، فقد انقسم الفقه الى اتجاهین، یذهب اصحاب الاتجاه الاول الى القول بمسؤولیة عدیم التمییز فی هذه الحالة على اساس ان العبرة تکون بالنظر الى ذات الفعل لا الى شخص الفاعل ، فمتى کان الفعل محضورا واتاه الشخص کان من قبل التعدی وان التعدی المتمثل فی صورة اهمال یصدر عن أی شخص مدرکا کان ام غیر مدرک . اما الاتجاه الثانی فیذهب الى عدم مساءلة الجانی عدیم التمیز اذا کان متسببا، وذلک لان حالة التسبب تقتضی التعمد او التعدی أی الخطأ والخطأ یستلزم ان یکون المخطیء ممیزا.
وبما ان التخلف العقلی یکون على مستویات بحسب درجة ذکاء وادراک المتخلف عقلیا وان هذه المستویات تتدرج من ادنى درجات الذکاء وانعدام التمییز الى مستوى من التمییز والادراک لا یصل الى درجة ادراک الشخص العاقل الممیز وبالتالی فان هناک من فقهاء الشریعة من یعتمد فی اقامة المسؤولیة الجنائیة على الاشخاص بحسب درجة تمییزهم بالاستناد الى عمرهم الزمنی وبالتالی یمکن القیاس على هذه الحالة بالنسبة الى المتخلفین عقلیا . ففی الشریعة یُعد الصبی غیر ممیز مادام لم یبلغ سنه سبع سنوات فاذا ارتکب ایة جریمة قبل بلوغه السابعة لا یعاقب علیها جنائیا ولا تأدیبیا ، فهو لا یحد اذا ارتکب جریمة توجب الحد، ولا یقتص منه اذا قتل غیره او جرحه ، ولا یعزر ویمکن ان نقیس علیها حالة المتخلف عقلیا الذی لم یبلغ عمره العقلی سبع سنوات وارتکب جریمة ، فانه یسری علیه الحکم المذکور آنفاً. اما الصبی الممیز فی الشریعة وهو من اتم السابعة من عمره ولم یبلغ سن الرشد ، فانه لا یسأل عن جرائمه مسؤولیة جنائیة ، فلا یحد اذا سرق او زنا مثلا ، ولا یقتص منه اذا قتل او جرح ، وانما یسأل مسؤولیة تأدیبیة ، فیؤدب على ما یأتیه من جرائم ، والتأدیب وان کان فی ذاته عقوبة على الجریمة الا انه عقوبة تأدیبیة لا جنائیة ، وان لا یوقع علیه من عقوبات التعزیر الا ما یُعد تأدیبا کالتوبیخ والضرب ، وهذه الحالة یمکن ان یقاس علیها ایضا حالة المتخلف عقلیا الذی یمتلک قدرا من التمییز والادراک ویرتکب جریمة معینة فانه یمکن ان یطبق علیه الحکم السابق.
وذهب البعض الى القول ان المسؤولیة الجنائیة تختلف باختلاف الجرائم وعقوبتها ففی جرائم الحدود وهی الجرائم التی تم تجریمها وتحدید عقوبتها بالنص فقد اجمع الفقهاء على ان عقوبات جرائم الحدود لا تطبق الا على البالغ العاقل المختار وان نقص الاهلیة أی الادراک مانع من موانع المسؤولیة الجنائیة فی جرائم الحدود ولکن تتخذ الاجراءات الوقائیة والسبل الاصلاحیة ضد الجانی حتى لا یتعود على هذه الجرائم من جهة ولا تتعرض مصالح الناس لتجاوزات ناقص الاهلیة من جهة اخرى فناقص الادراک او التمییز کعدیم الاهلیة او التمییز فی عدم المساءلة فی جرائم الحدود لکن من حیث الاجراءات الاصلاحیة فالتشدید یکون مع ناقص الاهلیة اکثر مقارنة مع عدیم الاهلیة.
اما فی جرائم القصاص وهی جرائم الاعتداء على الاشخاص أی على النفس وما دون النفس او بتعبیر اخر جرائم الاعتداء على حیاة الانسان وسلامته فهذه الجرائم تکون عقوبتها القصاص والا فالعقوبة هی الدیة اذا تخلف القصد الجنائی، ولا خلاف بین فقهاء الشریعة من ان ناقص الاهلیة لا یقع علیه القصاص ولکن لا یوجد مانع فی الشریعة الاسلامیة من ان یعاقب ناقص الاهلیة المعتدی على حیاة شخص او سلامته بعقوبة تأدیبیة او اصلاحیة تتلاءم مع سلوکه الجرمی کما لا خلاف ایضا بین الفقهاء على وجوب الدیة على عاقلة الجانی. وذلک لعدم وجود قصد جنائی لانعدام الادراک الکامل الا ان الظاهریة ذهبوا الى القول ان لادیة على عدیم التمییز وان تصرفاتهم وتصرفات البهائم سواء، اما المالکیة فقد انفردوا بالتفصیل فی وجوب الدیة فی مال ناقص الاهلیة او فی مال العاقلة وذلک بان تکون الدیة على العاقلة اذا بلغت ثلث مال الجانی فصاعدا وبخلاف ذلک تکون فی مال الجانی ناقص الاهلیة وهذا التفصیل لا یوجد له سند شرعی.
اما جرائم التعزیر فان تحدید عقوبتها یترک لولی الامر واما اثر نقص الاهلیة فی المسؤولیة الجنائیة عن جرائم التعزیر فلا یعاقب ناقص الاهلیة بنفس العقوبات المقررة لکامل الاهلیة ویمکن ان یعاقب بعقوبات تأدیبیة او اصلاحیة اخف ایا کانت طبیعتها.
وخلاصة القول ان عدیم الادراک والتمییز او ناقصهما اذا ارتکب أی جریمة من جرائم الحدود والقصاص فانه لا یعاقب بالعقوبة المقررة فی الکتاب والسنة وانما یعاقب بعقوبة ذات طابع تأدیبی واصلاحی ویذهب البعض الى القول بان هناک اشخاصاً یرتفع ادراکهم عن ادراک المجنون والمعتوه ولکنه اقل من ادراک الانسان الکامل وهم على ضعف ادراکهم سریعو الاندفاع ولکنهم حین یأتون الجریمة یأتونها وهم ممیزون ومدرکون لافعالهم ولکنه ادراک ناقص وهو لا یعفی من العقاب طبقا لقواعد الشریعة العامة وهو کذلک لا یعفی من العقاب فی القوانین الوضعیة ویرى بعض الشراح تخفیف العقوبة باعتبار الفاعل معذورا ولکن البعض الاخر یرى تشدید العقوبة لان العقوبة الشدیدة هی التی تردع امثال هؤلاء وتصرفهم عن ارتکاب الجرائم فقواعد الشریعة لا تسمح بالاخذ بفکرة التخفیف الا فی جرائم التعازیر اما جرائم الحدود والقصاص فلا یصح فیها تخفیف العقوبة ولا استبدال غیرها بها لخطورة هذه الجرائم واتصالها الشدید بحیاة الاشخاص وامن الجماعة ونظامها.
ومن الملاحظ ان هذا الرأی قد جاء بحکم مختلف عما جاء به فقهاء الشریعة من ان نقص الادراک او الاهلیة یؤدی الى عدم معاقبة الجانی ناقص الادراک او التمییز بالعقوبات المقررة فی جرائم الحدود والقصاص والتعزیر واستبدالها باجراءات اصلاحیة وتأدیبیة عوضا عنها وذلک الرأی هو الاکثر عدالة والاکثر صوابا لان ناقص الادراک او التمییز لا یمکن ان یعامل معاملة الممیز العاقل فی المسؤولیة والعقاب.
الخاتـمة :
بعد الانتهاء من البحث فی موضوع التخلف العقلی واثره فی المسؤولیة الجزائیة ، توصلت الى نتائج عدة یمکن اجمالها فیما یأتی:
1-یقصد بالتخلف العقلی النقص فی نمو العقل وتطوره ونضوجه فیؤدی الى نقص فی الذکاء حتى لیعجز ناقص العقل من العیش مستقلا بنفسه او حمایة نفسه ضد المخاطر ومن استغلال الاخرین له ، والاسباب المؤدیة الى الاصابة به متعددة بعضها یصاب بها الجنین وبعضها تؤدی الى اصابة الطفل بعد ولادته ، وان التخلف العقلی لا یکون بدرجة واحدة فی جمیع الحالات وانما یکون على مستویات او درجات متفاوتة حسب مستوى الذکاء الذی یتمتع به الشخص وهو بصورة عامة لا یتعدى 70 درجة ، وان التخلف العقلی یختلف عن حالة الجنون اذ ان لکل منهما اسبابه وانواعه واعراضه ، وان المصاب بالتخلف العقلی یمتلک نسبة من الادراک والتمییز مهما قلت لا تصل الى درجة الجنون الذی یؤدی الى انعدام العقل کما فی حالة الجنون التام.
2-تبین ضرورة التمییز بین المفهومین القانونی والطبی للعاهة العقلیة بشکل عام ، وذلک لان المفهوم القانونی لا یعنى بما تکون علیه هذه العاهة من طبیعة مرضیة او تحت ایة طائفة من الامراض تنتمی ، وانما یهتم باستجلاء اعراضها وکشف درجة تأثیرها فی الملکات الذهنیة المکونة لقدرة الشخص على الادراک والاختیار.
3-ان مصطلح الجنون ینضوی تحت مصطلح العاهة العقلیة ولیس مرادفا له وان ما ذهبت الیه التشریعات الجنائیة من استخدام مصطلح الجنون کمصطلح عام وشامل یحیط بکل انواع الامراض العقلیة والنفسیة وللتعبیر عن امتناع المسؤولیة الجزائیة هو محل انتقاد ، اذ ان لفظ الجنون فی مفهوم الطب العقلی لم یعد شاملا لکل الاضطرابات العقلیة التی تصیب الانسان.
4-ان المشرع العراقی قد تبنى المعیار المختلط البیولوجی – النفسی فی تحدید معیار الجنون المانع من المسؤولیة الجنائیة ، وهو معیار یشترط توافر العارض المرضی من جهة ، وافضائه الى انتفاء الاهلیة الجنائیة وانعدام القیمة القانونیة للارادة من جهة اخرى، فالجنون او عاهة العقل لایعد فی ذاته مانعا من المسؤولیة الجنائیة فاذا لم یترتب على کل منهما الفقد التام لعنصری الاهلیة الجنائیة الادراک والارادة او احدهما وقت ارتکاب الفعل فلا محل لامتناع المسؤولیة الجنائیة ، ویشترط لامتناع المسؤولیة الجنائیة بسبب الجنون او عاهة العقل ان یکون الجنون او عاهة العقل نافیا للاهلیة الجنائیة ، وان یکون الجنون او عاهة العقل معاصرا لارتکاب الفعل.
5-ان العبرة فی مجال نفی المسؤولیة الجنائیة او انقاصها یکون من خلال الاثر الذی یحدثه الخلل او العاهة العقلیة او النفسیة بغض النظر عن اسمها او وصفها ، فان کان من شأنها اضعاف العقل بشکل شدید على نحو یفقد المریض معه القدرة على ادراک ماهیة افعاله او وجه الخطأ فیها بحیث تجعل القانون لا یعتد بعناصر المسؤولیة المتوافرة لدیه فلا تکون لها قیمة قانونیة نتیجة لانعدام الادراک او الاختیار او النقص الحاد فیهما ، فان المصاب تمتنع مسؤولیته الجنائیة وان تمتع بقدر ضئیل من الادراک او الاختیار لکن دون ما یتطلبه القانون للاعتداد به ، اما اذا کان من شأن التخلف العقلی اضعاف العقل على نحو ینقص الوعی فحسب فانه یعد سببا من اسباب انقاص المسؤولیة وتخفیف العقوبة.
6- یعاب على التنظیم القانونی للمسؤولیة الجنائیة فی بعض التشریعات تجاهلها وضعا لم یعد وجوده من الناحیة العلمیة محل شک ، الامر الذی یقتضی ادخال تعدیل على احکام هذه المسؤولیة بما یتفق مع النصیب المحدود من الاهلیة لها ، فاکتمال القیمة القانونیة للارادة رهن بتوافر التمییز وحریة الاختیار لها ، فاذا ورد النقص علیهما او على احدهما نال النقص حتما من القیمة القانونیة للارادة ، ونشوء المسؤولیة الجنائیة الکاملة مرتهن باستکمال الارادة قیمتها القانونیة ، فان نقصت هذه القیمة نقصت المسؤولیة تبعا لذلک واستوجب ذلک تخفیف العقاب.
7-ندعو المشرع العراقی الى انتهاج نهج محدد ذلک من خلال الزام القضاء باللجوء الى الخبرة الطبیة عند التصدی لاثبات العاهة العقلیة وذلک من اجل تفادی عدم استقرار القضاء الجنائی العراقی على نهج محدد عند مواجهته حالات الاشتباه فی الحالة العقلیة للمتهم وذلک لکی تکون قرارات المحکمة مستندة الى اسس علمیة فی تحدید کون المتهم مسؤولا ام غیر مسؤول جنائیا.
8-اتفق فقهاء الشریعة الاسلامیة على ان الجنون الذی یعدم الادراک لا یبیح الفعل المحرم ، وانما یترتب على الجنون المعاصر للجریمة رفع العقوبة عن الجانی لانعدام ادراکه ، الا ان هذا الاعفاء من العقوبة الجنائیة لا یعفیه من المسؤولیة المدنیة ،اما نقص الادراک فانه لا یعفی من العقاب طبقا لقواعد الشریعة العامة ، وقد ذهب البعض الى انه یؤدی الى تخفیف العقوبة باعتبار الفاعل معذورا ، فی حین یرى البعض الاخر تشدید العقوبة من اجل ردع امثال هؤلاء عن ارتکاب الجرائم.
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
Search References:
First: Books
1 - Ahmed Fathi Bhansi, Criminal Responsibility in Islamic Jurisprudence, Second Edition, Halabi and Associates, Cairo, 1969.
2-d. Akram Nashat Ibrahim, Criminal Psychology, Second Edition, Dar Al-Thaqafa Library, Amman, Jordan, 1998.
3-d. Dhari Khalil Mahmoud, The Impact of Mental Impairment in Criminal Responsibility, Legal Research Center, Baghdad, 1982.
4 - Abdullah Al-Alayli, Sahah in Language and Science, Volume I, First Edition, Dar al-Hadara, Beirut, 1974.
5 - Abdelkader Odeh, Islamic Criminal Legislation Compared to Positive Law, Volume 1, Dar Al-Turath Library, Cairo, 2003.
6-d. Abdel Moneim El-Hefny, Encyclopedia of Psychiatry, vol. II, second edition, Madbouli Library, Cairo, 1999.
7-d. Abdel Moneim El-Hefny, Encyclopedia of Psychiatry, vol. I, second edition, Madbouli Library, Cairo, 1999.
8-d. Kamel Saeed, Madness and Mental Disorder and its Impact on Criminal Responsibility, First Edition, University of Jordan, Jordan, 1986-1987.
9- Dr. Maher Abdul Shweish Al-Durra, General Provisions of the Penal Code, National Library, Baghdad, 1990.
10-d. Muhammad Abu Ihsan, Sentences of Crime and Punishment in Islamic Law, First Edition, Zarqa - Jordan, 1987.
11. Muhammad Salam Madkour, Introduction to Islamic Jurisprudence, History, Sources and General Theory, Second Edition, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 1963.
12- Dr. Mahmoud Mahmoud Mustafa, Explanation of the Penal Code General Section, 10th Edition, Cairo, 1983.
13- Dr. Mahmoud Naguib Hosni, Explanation of the Penal Code General Section, Fifth Edition, Dar al-Nahda al-Arabiya, Beirut, 1982.
14- Dr. Mustafa Ibrahim Al-Zalmi, Criminal Responsibility in Islamic Sharia Comparative Study of Law, Part I, Baghdad, 1983.
15- Dr. Mustafa Ibrahim Al-Zalmi, Contraindications of Criminal Responsibility in Islamic Sharia and Arab Penal Legislation, First Edition, Baghdad, 1998.
16- Dr. Mustafa Al Auji, Criminal Responsibility in Lebanese Law, Second Edition, Beirut, 1979.
17-d. Lutfi al-Sherbini, Psychiatry and Law, Dar al-Nahda al-Arabiya, 2001.
18-d. Mahmoud Naguib Hosny, The Gay Offenders, I, 2, 1974.
19-d. Mamoun Mohamed Salameh, Penal Code, General Section, I 3, Dar Al-Fikr Al-Arabi, 1990.
20-d. Mohamed Eid El Gharib, Explanation of the Penal Code, General Section, C1, General Theory of Crime, 1994.
21-d. Mohamed Abou El Ela Akeeda, Modern Trends in the New French Penal Code, Dar Al-Nahda Al Arabiya, 2004.
22-d. Mahmoud Abu Zeid, lexicon in criminology, legal meeting and punishment, book house for publication and distribution, 1987.
23-d. Mohammed Rawas Gela and Dr. Hamid Sadeq Qutibi, Dictionary of the Language of the Fuqaha, First Edition, Dar Al-Nafas, Beirut, 1985.
24-d. Abdel Salam Al-Tounji, Criminal Liability, Arab Institute for Research and Studies, Arab Organization for Education, Culture and Science, 1971.
25-d. Ahmed Awad Bilal, criminal sin, Dar al-Nahda al-Arabiya, 1988.
26-d. Mr. Ateeq, Legal Protection for People with Special Needs, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 2005.
27-d. Jalal Tharwat, The Problem of Methodology in the Penal Code, 1978.
28-d. Hassanein Ibrahim Saleh Obeid, The General Theory of Mitigating Circumstances, Dar al-Nahda al-Arabiya, 1971.
29-d. Ahmed Fathi Sorour, mediator in the Penal Code General Department, Dar al-Nahda al-Arabiya, 1996.
Second: Messages
1-Houria Omar Ould El-Sheikh, Contradictions of Criminal Responsibility in Algerian Legislation - Comparative Study, Master Thesis submitted to the Faculty of Law and Politics, University of Baghdad, 1983.
2 - Najla Tawfiq Najib Fleih, interference of non-discrimination in the incidence of damage comparative study, a master thesis submitted to the Faculty of Law, University of Mosul, 1995.
3-d. Nada Salem Hamdoun Mulla Alo, The Impact of Mental Illnesses on Legal Behavior - Comparative Study, PhD Thesis Presented to the Faculty of Law, University of Mosul, 2001.
Third: Research
1-d. Abu Zaid Abdul Baqi Mustafa, The Liability of Non-Discrimination in Comparative Law, Journal of Law, Fourth Issue, Sixth Year, Faculty of Law - Kuwait University, 1982.
2- Dr. Jalal Mohammed Ibrahim, Mental Anomaly and Civil Liability, Journal of Law, First Issue, 10th Year, Kuwait University, 1986.
Fourth: Judicial groups and periodicals
1 - Abbas al-Hassani, Criminal Jurisprudence in the Decisions of the Disciplinary Courts, Volume II.
2. Judicial Bulletin, First Issue, Fifth Year, 1976.
Fifth: Foreign books
1. Liford Rees, Text Book of psychiatry, Exford University, 1996.
2. Decocq (A): Droit penal general, Colin, 1971.
3. Pradel: Le Nouveau Code Penal, Partie general, 1994.
Sixth: Laws
1 - Iraqi Penal Code No. (111) for the year 1969.
2. Iraqi Criminal Procedure Law No. 23 of 1971.
3 - Law to care for Iraqi events No. (76) for the year 1983.
4. Iraqi Civil Procedure Law No. 83 of 1969.
5 - Egyptian Penal Code No. (58) for the year 1937.
6 - Jordanian Penal Code No. (16) for the year 1960.
7. The Syrian Penal Code of 1949.
8 - Moroccan Penal Code of 1963.
9. Sudanese Penal Code of 1991.
10. The French Penal Code of 1810.
11. The new French Penal Code of 1992.
12. Penal Code Italian Penalties.
13. German Penal Code.
14. Swedish Penal Code.
15. The Swiss Penal Code of 1937.
16. The Lebanese Penal Code of 1943.