تبصیر المریض فی العقد الطبی*
Inform the patient in the medical contract
|
أکرم محمود حسین زینة غانم العبیدی
کلیة القانون/ جامعة الموصل کلیة القانون/ جامعة الموصل
Akram Mahmoud Hussein Zina Ghanem Al-Obeidi
College of law / University of Mosul College of law / University of Mosul
Correspondence:
Akram Mahmoud Hussein
E-mail:
|
(*) بحث مستل من أطروحة الدکتوراه الموسومة "إرادة المریض فی العقد الطبی" ، مقدمة من کلیة القانون ، جامعة الموصل فی 2005 .
أستلم البحث فی 18/5/2006*** قبل للنشر فی 14/11/2006.
(*) Received on 18/5/2006 *** accepted for publishing on 14/11/2006.
Doi: 10.33899/alaw.2006.160463
© Authors, 2006, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
مقدمة:
یُعدّ التزام الطبیب بتبصیر مریضه بموجب العقد الطبی التطبیق الأمثل لمبدأ احترام إرادة المریض، لأن الطبیب لا یستطیع أن یقوم بأی عمل طبی على جسم المریض إلا بعد حصوله على رضا المریض نفسه؛ أو رضا من ینوب عنه، وهذا الرضا لا یعتد به إلا إذا کان صادراً عن إرادة واعیة مستنیرة وهذا بدوره یلزم الطبیب أن یکون قد بصرَّ مریضه وأعطاه معلومات کافیة عن حالته، فالتبصیر هنا یُعدّ الوسیلة المثلى التی من خلالها نتوصل إلى الحفاظ على الثقة فی العلاقة بین طرفی العقد الطبی.
فالتبصیر فی عقود المهنیین بصورة عامة یعدّ وسیلة لإقامة التوازن بین طرفی العقد، أی بین من یعلم ومن لا یعلم.
کما أن هذا الالتزام ینشأ عندما تتوافر صفات معینة فی المتعاقدین یجعل من أحدهما فی مرکز متمیز عن الآخر، فهو ینشأ على عاتق المتعاقد صاحب المرکز المتمیز لأن هذا الالتزام یعد انعکاساً لما یقتضیه مبدأ حسن النیة فی التعاقد.
واستناداً إلى ما تقدم ولأهمیة هذا الموضوع، سوف نقسم هذا البحث إلى أربعة مباحث، نتناول فی الأول منه مراحل تبصیر المریض بالفحص والتشخیص والعلاج وما بعد العلاج، ثم نتطرق إلى حالتی التبصیر المشدد والمخفف مخصصین المبحث الثانی لاعتبارات التبصیر المشدد وحالاته، والمبحث الثالث لاعتبارات التبصیر المخفف وحالته؛ وتناول المبحث الرابع أساس المسؤولیة الناشئة عن الإخلال بالتبصیر وعبء إثباته وذلک وفقاً للخطة الآتیة:
المبحث الأول: مراحل تبصیر المریض.
المطلب الأول: تبصیر المریض بالفحص والتشخیص.
المطلب الثانی: تبصیر المریض بالعلاج.
المطلب الثالث: التبصیر اللاحق على العلاج.
المبحث الثانی: التبصیر المشدد.
المطلب الأول: اعتبارات تشدید الالتزام بالتبصیر.
المطلب الثانی: حالات تشدید الالتزام بالتبصیر.
المبحث الثالث: التبصیر المخفف.
المطلب الأول: اعتبارات تخفیف الالتزام بالتبصیر.
المطلب الثانی: حالة التبصیر المخفف تجاه المریض المیؤوس من شفائه.
المبحث الرابع: المسؤولیة المدنیة الناشئة عن الإخلال بالالتزام بالتبصیر.
المطلب الأول: أساس المسؤولیة.
المطلب الثانی: عبء إثبات الالتزام بالتبصیر.
المطلب الثالث: مصدر الالتزام بالتبصیر.
المبحث الأول
مراحل تبصیر المریض
کما نعلم أن العمل الطبی یمر بمراحل ثلاث، أولها الفحص والتشخیص إذ یقوم به الطبیب من اجل التعرف على المرض الذی یعانی منه المریض وذلک من خلال الکشف الظاهری على جسم المریض بملاحظة العلامات الظاهرة على جسمه وسؤاله عن موضع الداء الذی یشکو منه، والغایة الأساسیة من هذا الفحص هو الإثبات والتحقق من وجود دلائل أو ظواهر معینة تساعد الطبیب فی وضع التشخیص للمرضى.
فیبدأ الطبیب بالنظر فی الفحوص التی أجراها والتقاریر التی کتبها المحلل أو مصور الأشعة ودراستها من أجل الوصول إلى حقیقة المرض ودرجة خطورته.
وهذا یفرض على الطبیب الملاحظة الشخصیة واستخدام الأجهزة العلمیة الحدیثة، والمشاورة الطبیة مع زملائه من الأطباء کلما تطلب الأمر ذلک.
والمرحلة الثانیة من مراحل العمل الطبی هی مرحلة العلاج التی تعد بمثابة البناء الذی یوضع على القواعد، باعتبار أن المرحلة السابقة بمثابة القواعد والأسس التی یقوم علیها العلاج، والعلاج قد یکون عن طریق الأدویة کالحبوب والأشربة مثلاً، أو قد یکون بوساطة الجراحة أو قد یکون علاجاً بالأشعة.
وأخیراً المرحلة اللاحقة على العلاج والتی تتطلب تبصیر المریض بنتیجة العلاج وما یلزم اتخاذه من احتیاطات فی المستقبل لتلافی الآثار السلبیة التی قد تقع.
والذی یهمنا هو أهمیة التبصیر فی کل مرحلة من هذه المراحل ودرجته.
وهذا ما سنبحثه فی ثلاثة مطالب، مخصصین المطلب الأول لتبصیر المریض بفحص وتشخیص علته والثانی لتبصیر المریض بعلاج علته والثالث لتبصیر المریض اللاحق على العلاج.
المطلب الأول
تبصیر المریض بالفحص والتشخیص
عندما یراجع المریض طبیبه من اجل فحصه وتشخیص مرضه قد یتطلب ذلک خضوعه لفحوصات عدیدة من اجل تشخیص علته التی یعانی منها، هذا یفرض على الطبیب التزاماً بضرورة إعلام مریضه وتبصیره بعلته وذلک بعبارات واضحة میسورة الفهم یستطیع من خلالها أن یصف لمریضه العلة التی یعانی منها، فعلیه أن یختار طریقة التعبیر المناسبة فیخاطب کلاً على قدر شخصیته وأن یعمل على إذکاء ایمان المریض، وإنزال السکینة فی نفسه وأن یصف له الحالة التی یمکن أن یؤول الیها المرض فی حالة عدم معالجته، وهذا یمنح للمریض الحق فی المقارنة بین الأخطار المترتبة على رفض العلاج المفترض بعد التشخیص وفسح المجال للمرض بمتابعة تطوره الطبیعی وتلک الملابسة للتدخل الطبی المعروض، فمن خلال هذه المقارنة یستطیع المریض أن یتخذ قراره عن علم وبصیرة.
وعلیه یجب على الطبیب أن یؤکد لمریضه مبصراً ایاه بأهمیة إجراء الفحوص الطبیة لأنها متى کانت صحیحة ومطابقة للواقع فان حکم الطبیب وتشخیصه سیکون هو الآخر صحیحاً؛ وإلا فان عدم السماح للطبیب باجراء الفحوص الطبیة اللازمة یؤدی إلى وقوع الضرر بجسم المریض مما یفضیه إلى الهلاک، فالتبصیر فی هذه المرحلة له أهمیته فی تهیئة المریض نفسیاً لقبول إکمال المراحل المقبلة للعمل الطبی وأن یبصره بضرورة اللجوء إلى الفحوص التکمیلیة لأنه قد یتعذر على الطبیب الوصول إلى معرفة حقیقة المرض من خلال الفحص الابتدائی والسریری، أو قد یتولد لدیه الشک حول طبیعة المرض نتیجة لتشابه أعراض بعض الأمراض فینصحه بالاستعانة بالأجهزة والآلات الحدیثة المتطورة ویبصره بعدم مخالفة ما قد یطلبه المحلل على سبیل المثال، فقد یطلب تسلیم العینة المطلوب تحلیلها فی وقت معین علیه أن لا یؤخرها لما لذلک من نتائج سلبیة على نتیجة التحلیل وأن یعلمه أیضاً بالهیئة الصحیحة التی یجلس فیها من اجل تصویره بالأشعة لأن مخالفة ذلک قد یؤدی إلى عدم دقة الصورة المستخرجة ومن ثم یؤثر فی تشخیص المرض.
وإذا رجعنا إلى القوانین محل المقارنة نجد أن المشرع العراقی قد جاء خالیاً حتى فی تعلیمات السلوک المهنی من الإشارة إلى التبصیر سواءً فی مرحلة التشخیص أو العلاج، وهذا قصور تشریعی لابد من تلافیه.
کما أشار الدستور الطبی الأردنی فی المادة السادسة منه الى أنه:
(یحظر على الطبیب القیام … أو تقدیم نصیحة من شأنها إضعاف مقاومة الأشخاص الجسدیة أو العقلیة فی …).
فبموجب هذا النص یقتضی على الأطباء الامتناع عن التبصیر السلبی إن صح التعبیر الذی من شأنه إضعاف مقاومة المرضى الجسدیة والعقلیة وبمعنى آخر یجب تبصیر المریض تبصیراً بما یرفع معنویاته ومقاومته، فقد جاء النص الأردنی بصیغة عامة لم یقصر التبصیر على مرحلة من مراحل العلاج.
إلا أن قانون الآداب الطبیة اللبنانی فی المادة (3/ف2) منه أشار إلى أنه:
(یجب أن تحترم إرادة المریض قدر المستطاع وإذا تعذر على المریض ابداء رأیه وجب على الطبیب إعلام أقربائه بحالة مریضهم إلا فی حالة الطوارئ أو الاستحالة).
فهذا القانون أشار إلى ضرورة احترام إرادة المریض وهذه لا تکون بأخذ موافقته إلا بعد إعلام المریض بظروفه الصحیة ومخاطرها وذلک لأن الموافقة تفترض العلم بما یُطلب الموافقة علیه وإذا تعذر على المریض ابداء رأیه وتبصیره فیجب على الطبیب تبصیر من ینوب عنه کالأقرباء مثلاً.
أما عن موقف المشرع الجزائری بهذا الصدد فقد نصت المادة (48) من مدونة أخلاقیات الطب على أنه:
(یجب على الطبیب وجراح الأسنان المدعو لتقدیم علاج ... أن یسعى جاهداً للحصول على احترام قواعد الرعایة الصحیة والوقایة من الأمراض وأن یبصر المریض ومن حوله...)
فهذا النص جدیر بالتأیید لأنه ألزم الطبیب بتبصیر المریض لیس وحده بل من حوله من أهله أو أقاربه أو معارفه إلا أنه یؤخذ علیه مأخذ سلبی واحد، إذ قصر التبصیر على مرحلة تقدیم العلاج دون غیرها من المراحل التی تفرض على الطبیب التبصیر أیضاً.
فی حین أن موقف المشرع الفرنسی کان جدیراً بالثناء لأنه أشار فی المادة (35) من تقنین أخلاقیات مهنة الطب إلى مبدأ عام هو ضرورة التزام الطبیب بتبصیر مریضه، إذ جاء فیها:
(الطبیب یجب أن یقدم للشخص الذی یفحصه أو یعالجه أو ینصحه معلومات أمینة واضحة وملائمة له وذلک فیما یتعلق بحالته وبالفحوص التی یقوم بها والعلاج الذی یفترضه).
فالنص جاء عاماً وشمل جمیع مراحل العمل الطبی وألزم الطبیب بضرورة تقدیم معلومات صادقة وبشکل واضح تلائم حالة کل مریض على حدة.
والسؤال الذی یمکن أن یثار فی هذا المجال هو: هل یشترط للتبصیر شکل معین؟!
من خلال طرحنا للنصوص القانونیة السابقة وموقف القضاء لم نجد ما یشترط فی التبصیر شکلاً معیناً وهذا إن دلَّ على شیء فإنما یدل على أن الأصل فی التبصیر أن یکون شفاهةً إلا أنه لا یمنع من أن یتخذ شکلاً آخر کأن یکون مکتوباً ، وهذا ما أکدته محکمة النقض الفرنسیة فی قرار لها جاء فیه:
(من حیث المبدأ لا ضرورة للتبصیر الکتابی إلا أن حالة المریض فی الواقعة المطروحة امام المحکمة تفرض التبصیر الکتابی کونه مصاباً بالصمم).
یتضح لنا من هذا القرار انه وأن کان الأصل فی التبصیر أن یکون شفاهةً إلا أن هناک بعض الحالات التی تستوجب التبصیر المکتوب کما لو کان المریض مصاحباً بالصمم فالتبصیر الشفهی بهذا الفرض لا یخدمه فلابد من اللجوء إلى التبصیر المکتوب
المطلب الثانی
تبصیر المریض بالعلاج
یعد العلاج المرحلة الثانیة للعمل الطبی فبعد أن یعرف الطبیب نوع المرض وخطورته یقوم بتحدید العلاج المناسب له، وهذا العلاج قد یکون علاجاً جراحیاً أو دوائیاً، والعلاج الجراحی عادةً یکون بالتدخل عن طریق إجراء العملیات الجراحیة، أما الدوائی فهو متنوع قد یکون بالأدویة کالحبوب والأشربة أو بالحقن بالإبر.
فهذه المرحلة تفرض على الطبیب التزاماً بتبصیر مریضه بکل المعلومات التی تتطلبها هذه المرحلة، فاذا اضطر إلى وصف أدویة فیها خطورة على جسم الإنسان علیه أن یخبر مریضه بذلک ویبصره بطریقة استعماله والمقدار المسموح بتناوله ویعلمه منبهاً إلى خطورة مجاوزة المقدار المحدد والطریقة المرسومة فی استعمالها فلا یعفی الطبیب من التزامه هذا وجود النشرة الدوائیة المرفقة بالأدویة .
أما إذا کان العلاج جراحیاً فیجب على الطبیب أن یعلم مریضه بکل المعلومات الضروریة حول ذلک وأن یبصره على سبیل المثال على ضرورة خلو معدته من الطعام عند تخدیره ویعلمه مخاطر ذلک إن لم یتبع هذه النصائح، أما إذا کان علاجاً بالأشعة، فعلى الطبیب أن یعلم مریضه الفائدة العظیمة التی تحققها هذه الطریقة کما علیه أن یفضی إلیه بخطورة هذا العلاج على جسمه.
فإذا کانت حریة الطبیب فی اختیاره للعلاج من المبادئ الأساسیة التی تحکم طرفی العقد الطبی، إلا أن هذا لا یعنی أن هذه الحریة مطلقة، إذ لیس باستطاعة الطبیب أن یفرض علاجاً معیناً على مریضه، فعلى الطبیب أن یعلم مریضه بطرائق العلاج إذا کانت متعددة، والغایة التی یسعى إلى تحقیقها ویبصره بالفائدة التی ینتظر تحقیقها ونسبة نجاحها مع تحدید نسبة فشلها کنسبة مئویة، وأن یعلمه بمخاطر عدم خضوعه للعلاج کأن یترک المریض
علته تتابع تطورها الطبیعی مع تبصیره بمخاطر العلاج ذاته، وحتى تکالیفه؛ لأن هذا کله سوف یمکن المریض من تفهم حقیقة مرضه ومن ثم یساعده فی اتخاذ القرار الملائم وإلا عدَّ الطبیب مخطئاً خطأً جسیماً تجاه مرضاه، وهذا ما قضت به محکمة استئناف باریس فی قرارٍ لها مقتضاه:
(أن الطبیب الذی لم یعلم مریضه بنتائج التحلیل الذی أجراه وترک آثاراً جانبیة ضارة على جسد المریض یعد خطأً جسیماً).
وإذا رجعنا إلى موقف التشریعات المقارنة، نجد أن المشرع العراقی لم یشر حتى فی تعلیمات السلوک المهنی إلى التبصیر بالعلاج.
وقد انفرد المشرع الجزائری، عن بقیة التشریعات المقارنة، إذ أشار إلى ضرورة تبصیر المریض فی مرحلة العلاج فی المادة (48) التی جاء فیها ما یأتی:
(یجب على الطبیب أو جراح الأسنان المدعو لتقدیم علاج لدى أسرة أو مجموعة، أن یسعى …. وأن یبصر المریض ومن حوله بمسؤولیاتهم فی هذا الصدد………..).
وقد نصت المادة (41) من قانون أخلاقیات مهنة الطب الفرنسی على أنه:
(لا یجوز إجراء أی تدخل طبی یؤدی إلى البتر إلا إذا کان هناک مبرر طبی جاد وبعد تبصیر صاحب الشأن والحصول على رضائه).
فالمشرع الفرنسی أشار إلى ضرورة تبصیر المریض تبصیراً کاملاً إذا کان الأمر یتعلق بتدخل جراحی کبتر عضو على سبیل المثال من اجل الحصول على رضاء المریض، فعلى الطبیب إذاً إعلام مریضه بتکلفة العلاج وفائدته وجمیع المخاطر المتوقعة من العلاج والعواقب التی یمکن أن تترتب علیه على أن تکون المعلومات کاملة وصادقة وواضحة ومبسطة بالنسبة إلى المریض.
مما تقدم یتضح لنا أن التزام الطبیب بتبصیر مریضه بالعلاج أمر ضروری أکدته التشریعات المقارنة سواءً بشکل صریح بنصوص خاصة أم بشکل ضمنی بنصوص عامة، لأن العقد الطبی -کما اسلفنا- یتسم بخصوصیة باعتباره من العقود التی تقوم على الثقة بین طرفیه غیر المتعادلین فی الخبرة والمعلومات .
فاذا کان المریض جاهلا بالعمل الطبی مقارنةً بطبیبه، فکیف نسمح له باختیار العلاج الذی یلائمه وهو جاهلٌ فیه؟!
فی هذا المجال کان للفقه اتجاه یرى بموجبه ضرورة الزام الطبیب فی الموازنة بین خطورة العلاج وخطورة المرض ذاته، فمتى کانت الحالة میؤوساً منها کان للطبیب الحریة الواسعة فی اختیار وسیلة العلاج التی یرى أنها کافیة لانقاذ حیاة المریض، إذ إن هذه الوسیلة لم یکن لها من الأخطار أکثر من خطر المرض نفسه الذی تکون نتیجته الطبیعیة هی الوفاة، أما إذا لم یکن المرض یهدد حیاة المریض بالخطر فان حریة الطبیب فی اختیاره للعلاج تضیق بمعنى أن یعطی للمریض حقه فی اختیار طریقة علاجه.
فی حین أن جانباً آخر من الفقه الفرنسی ذهب إلى ضرورة إعطاء الطبیب الحریة الکاملة فی اختیار وسیلة العلاج بشرط مطابقته للمعطیات العلمیة على أن لایکون علاجاً غیر متلائم مع حالة المریض الصحیة، لأنه فی أغلب الأحوال لا یستطیع المریض مناقشة طبیبه حول طریقة العلاج وذلک لحالته النفسیة التی یعانی منها نتیجة مرضه، فما علیه إلا تسلیم نفسه لطبیبه واثقاً من خبرته وقدرته على اختیار الطریقة الأنسب وحالته.
وهذا ما تبنته المحاکم الفرنسیة، فقضت محکمة استئناف إکس بحریة الطبیب فی اختیار الوسائل المناسبة للقیام بالعمل الجراحی لعمیله فهو الأقدر على ذلک، کما قضت به محکمة استئناف باریس بأن اختیار طریقة العلاج هو أمر متروک لحیطة الطبیب المعالج.
وقضت محکمة تمییز العراق فی قرار لها یقترب فی مضمونه مما قضت به المحاکم الفرنسیة، إذ جاء فیه:
(أن الطبیب المختص هو الأقدر على تحدید وسیلة العلاج لمریضه من غیره فاختیاره للعلاج الطبیعی بدلاً من التجبیر، فیه مصلحة المریض الذی لا یستطیع تقدیرها بنفسه).
وان کان للقضاء دور فی تأیید حریة الطبیب فی اختیاره للعلاج الذی یلائم حالة المریض على اعتبار أنه صاحب الخبرة والمقدرة على ذلک إلا أن هذا یعد انتقاصاً من إرادة المریض وحقوقه، لأنه هو الوحید الذی یحق له اختیار طریقة المساس بجسده المعصوم، ونحن ندعو فی هذا المجال إلى مبدأ یوفق بین الاتجاهین السابقین، فمن حیث الأصل یجب احترام إرادة المریض وحریته فی اختیار طریقة العلاج وذلک من خلال قیام الطبیب بطرح طرائق العلاج المتعددة الأنواع والمشترکة الأهداف أمام مریضه مع الأخذ بنظر الاعتبار حالة المریض الصحیة والنفسیة والاقتصادیة والاجتماعیة وما قد تتطلبه من فرض نوع معین من العلاج علیه، فبهذه الطریقة یحقق الطبیب أمرین:
الأول: احترام إرادة المریض.
الثانی: تحقیق الغایة من العلاج.
لکن إذا اختار المریض طریقاً لا تحقق النتیجة المرجوة من العمل الطبی مقارنةً بالطریقة التی یرغب الطبیب فی اللجوء الیها، ففی هذا الفرض یجب على الطبیب تبصیر المریض بعدم جدوى اللجوء إلى هذه الوسیلة لأنها لا تحقق النتیجة المرجوة، وهنا ما على المریض إلا الاقتناع بذلک والعزوف عن الوسیلة التی اختارها، أما إذا أصرَّ المریض على ذلک، فمن حق الطبیب الامتناع عن تقدیم خدماته، لذلک نأمل من مشرعنا العراقی ایراد نص بهذا الخصوص یمیز بین أنواع الأمراض وطرائق علاجها لتقدیر مدى حریة الطبیب فی اختیاره لطریقة العلاج ومدى مشارکة المریض فی هذا الاختیاریقضی بـأنه:
(تفرض علاقة الأطباء بمرضاهم التقیید بما یأتی:
ا.أن یراعی الطبیب قدر الامکان إرادة المریض عند علاجه.
ب.أن یمییز الطبیب بین أنواع الأمراض وطرق العلاج عند تقدیم خدماته الطبیة).
وذلک لأن الأمراض نوعان، فهناک الأمراض البسیطة والأمراض الخطیرة أو السریعة العدوى، ففی النوع الأول من المرض؛ إذا امتنع المریض عن الامتثال للوسیلة التی حددها الطبیب لمعالجته، قد لا یؤثر فی صحته أو صحة المجتمع فما على الطبیب إلا احترام إرادة مریضه.
أما إذا کان المرض خطیراً قد یؤدی إلى وفاة المریض أو قد یکون سریع العدوى یؤدی انتشاره إلى المساس بصحة المجتمع بأکمله فانه سوف یکون من واجب الطبیب اتباع الوسیلة وطریقة العلاج التی یراها ملائمة لمکافحة المرض وایقاف سریانه، وبهذا الفرض لا تقوم مسؤولیته بحجة عدم احترامه لإرادة مریضه لأن تدخله هذا یحقق مصلحة المریض أولاً ومن ثم مصلحة المجتمع بأسره.
المطلب الثالث
التبصیر اللاحق على العلاج
ان التزام الطبیب بتبصیر مریضه لا یقتصر على مرحلتی التشخیص والعلاج إنما یبقى التزامه هذا ممتدا إلى ما بعد العلاج ومهما کانت نتیجة التدخل العلاجی أو الجراحی سواءً ا کانت مکللة بالنجاح أم بالفشل. إلا أن هدف التبصیر الرئیسی فی هذه المرحلة هو المحافظة على حالة المریض وذلک باعلامه بنتیجة العلاج وما یلزم اتخاذه من احتیاطات فی المستقبل من اجل تلافی الآثار السیئة التی قد تقع، فی حین أن هدف التبصیر فی المرحلتین السابقتین هو الحصول على رضاء المریض المستنیر بالعمل الطبی سواءً کان علاجیاً أم جراحیاً.
وقد قضت محکمة تمییز العراق بقرارٍ لها جاء فیه:
(عدم قیام الطبیب بأخبار المریض بعد العملیة عن الاحتیاطات التی یجب اتباعها من اجل تجنب الآثار الجانبیة التی قد تقع یُعدّ سبباً لقیام مسؤولیته).
فقرار محکمة التمییز جدیرٌ بالتأیید لأن العقد الطبی یفرض على الطبیب التزاماً بتبصیر مریضه منذ التشخیص والعلاج وحتى المرحلة اللاحقة على العلاج، فعلیه فی هذه المرحلة أن یبصره بنتیجة العملیة التی أجراها وما یتطلب منه من إجراءات واحتیاطات یتخذها من أجل المحافظة على صحته وتجنب کل أثر سلبی یقع نتیجة عدم تبصیره بهذه الاحتیاطات. فهذا دلیل وتأکید على ضرورة التبصیر اللاحق على العلاج مقابل فقدان النص، کما قضت محکمة النقض الفرنسیة فی 25/12/1946فی قرار لها جاء مضمونه مطابقاً تقریباً لما قضت به محکمة تمییز العراق فی تأکیدها على ضرورة تبصیر المریض فی المرحلة اللاحقة على العلاج مقتضاه:
(لا یکفی أن یکون سلوک الطبیب مطابقاً للعادات المهنیة کی یعفى من المسؤولیة متى کانت هذه العادات تتعارض مع قواعد التبصیر والحیطة فی مراحل العمل الطبی).
إذاً فالتبصیر اللاحق على العلاج قد یأخذ هذه الصورة کما قد یقع بصورة أخرى وهی کثیرة الوقوع فی الواقع العملی لمهنة الطب، کأن یکتشف الطبیب فی أثناء تدخله الجراحی على سبیل المثال مرضاً أو حالة أشد خطورة ولا تحتمل التأخیر، فما علیه إلا إجراء الجراحة أو العلاج اللازم مباشرةً دون حاجة إلى تبصیر المریض فیها فیستمد الطبیب حریته هذه من عدم قابلیة الحالة للانتظار والتأخیر. وهذا یدخل ضمن حالة الضرورة والتی تعدّ من حالات الإعفاء من التبصیر. لکن ألا یعد ذلک انتقاصاً من إرادة المریض؟!
ذهب جانب من الفقهإلى أن الطبیب فی مثل هذه الفروض یسعى إلى تحقیق ما فیه مصلحة المریض ذاته باعتبار أن الحریة النسبیة الطارئة للطبیب تحقق للمریض فائدة حتمیة، إذ لو تأخر هذا التدخل الطبی فانه سوف یتم فی ظروف نفسیة وحتى جسدیة قد تکون أکثر سوءاً، والطبیب یلتزم هنا بالتبصیر اللاحق بعد إجراء الجراحة أو العلاج، فعلیه أن یُعلم المریض بدواعی التدخل المفاجئ وتبصیره بما یترتب علیه من نتائج، فهذه الحالة تدخل ضمن حالات الضرورة والطوارئ، کما تدخل أیضاً ضمن الحالات التی تعد استثناءً من التزام الطبیب بتبصیر مریضه.
من کل ما تقدم نخلص إلى ضرورة قیام الطبیب بتبصیر مریضه تبصیراً تختلف طریقته من مرض إلى آخر ومن مریض إلى آخر نتیجة لتعدد الأمراض واختلاف المرضى أنفسهم فی مستوى ذکائهم واستیعابهم ومستواهم العلمی والفکری .
کما یفرض العقد الطبی على الطبیب فی تبصیره للمریض التزاماً بمراعاة حالة کل مریض على حدة عند تبصیره ایاه، لأن المرضى وفی الغالب هم من عامة الناس، وممن لا یدرکون المصطلحات العلمیة التی یتداولها الأطباء الفنیون، کما أنهم یتفاوتون فیما بینهم بحسب درجة ذکائهم ومستواهم العلمی، کل هذا وذاک یفرض على الطبیب استخدام المصطلحات الواضحة السهلة الفهم مع مرضاه لکی یتوصل إلى إقناعهم بما یعانون منه من آلام ومن ثم الأخذ بأیدیهم إلى الشفاء وإقناعهم بأهمیة التدخل العلاجی أو الجراحی وذلک من خلال حصوله على الرضاء المستنیر وبعبارة أخرى یمکننا القول بأن تبصیر الطبیب للمریض یتم من خلال قیامه بتحویل اللغة والمصطلحات العلمیة إلى لغة دارجة یفهمها العامة.
المبحث الثانی
التبصیر المشدد
وعلى الرغم من أن التزام الطبیب بتبصیر مریضه لم تعالجه الکثیر من التشریعات ومنها المشرع العراقی، الأمر الذی یثیر التساؤل عن حالات تشدید الالتزام بالتبصیر وهل یعمم التشدید بالتبصیر على کل الأعمال الطبیة مهما کانت طبیعتها؟أم انه یقتصر على بعض الأعمال دون البعض الآخر، وما هی الأسس والاعتبارات التی یقوم علیها التشدید بالتبصیر؟ هذا ما تطرق إلیه الفقه والقضاء الفرنسیین لذلک سوف نستعین بالآراء الفقهیة والقرارات القضائیة الفرنسیة لتسلیط الضوء على حالة التشدید بالتبصیر.
وبناءً على ما تقدم سوف نقسم هذا المبحث إلى مطلبین، نتناول فی الأول منهما اعتبارات التشدید، وفی الثانی حالاته وعلى التوالی:
المطلب الأول
اعتبارات تشدید الالتزام بالتبصیر
ذهب جانب کبیر من الفقه الفرنسی إلى ضرورة قیام الطبیب بتبصیر مریضه تبصیراً مشدداً، أی بجمیع الحوادث والآثار سواءً کانت مؤکدة أم محتملة الوقوع وسواءً أکان العمل الطبی علاجیاً أم جراحیاً وذلک لاعتبارات عدیدة:
1. الاعتبار الأول: معصومیة الجسد
یتعلق هذا الاعتبار بحق الإنسان فی الحیاة وفی سلامة بدنه وهذا یتطلب عدم المساس بجسمه الا بعد الحصول على رضاه استناداً إلى الفکرة الفلسفیة التی تقضی بحق المریض فی أن یکون سید نفسه،
2. الاعتبار الثانی: کمال أهلیة المریض وإرادته
کما یقوم التشدید فی تبصیر المریض على اعتبار أخر هو أن الأصل فی الأخیر حر کامل الأهلیة، وهو صاحب الحق الأول فی سلامة بدنه، فلیس من المقبول أن یقال أنه بمجرد تعاقده مع الطبیب أو دخوله المستشفى یفقد إرادته وحریته على جسمه ویصبح تحت رحمة الأطباء.
3. الاعتبار الثالث: العقد الطبی من عقود الثقة
کما أن العقد الطبی هو من العقود التی تقوم على الثقة، والثقة تتعارض مع الکذب لأنه یعد بمثابة الجمع بین نقیضین، فمتى علم المرضى أن الأطباء یخفون الحقائق عن مرضاهم ویکذبون علیهم فإنهم سوف یفقدون الثقة بینهم ومتى انعدمت هذه الثقة استحال التعاون بین الأطباء ومرضاهم وهذا بدوره یؤدی إلى عزوف المرضى عن مراجعة الأطباء وهذا له دور سلبی على صحة المجتمع بأسره، لذلک یجب على الطبیب أن یبصر مرضاه تبصیراً مشدداً وموسعاً بکل الآثار والمخاطر التی قد یتعرضون لها نتیجة إخضاعهم للعمل الطبی علاجیاً کان أم جراحیاً، بل علیه أن یبصر مرضاه بکل ما هو نادر الوقوع أو استثنائی.
یتضح مما تقدم ان حالة التبصیر المشدد تفرض على الطبیب التزاماً بتبصیر مریضه تبصیراً کاملاً حتى بتلک الأمور التی قد لا تقع إلا نادراً بل حتى بتلک الأمور التی قد یکون تحققها استثنائیاً وإعلامه بکل التعقیدات والآثار التی یمکن أن تترتب على العمل الطبی وکل ما یمکن أن یسببه من إزعاج أو ألم فضلاً عما یحتاج إلیه من فترة نقاهة وما یمکن أن ینتج عنه من تعطل عن العمل أو ممارسة النشاط الاجتماعی أو غیر ذلک.
واستناداً إلى هذا فقد قضت الدائرة المدنیة لمحکمة النقض الفرنسیة فی 17/11/1969 فی قرارٍ لها مقتضاه:
(أن الطبیب یکون مسؤولاً إذا أجرى عملیة جراحیة لسیدة تبلغ من العمر 66 عاماً من أجل إزالة الورم والتجاعید الموجودة فی أسفل عینها؛ إلا أن العملیة فشلت ونتج عنها عمى بعینها الیسرى بالرغم من اتباع الطبیب کافة الأصول الفنیة إلا أنه مع ذلک اعتبر مسؤولاً لعدم تنبیه المریضة بالاحتمالات الخطیرة لتدخله الجراحی حتى لو کانت هذه الاحتمالات نادرة الحدوث).
أن قیام مسؤولیة الطبیب بعدم إعلام المریض بالمخاطر الاستثنائیة على الرغم من اتباعه جمیع الأصول الفنیة والعلمیة بعمله قد یکون جدیراً بالتأیید فی نطاق عملیات التجمیل دون غیرها إلاّ أن هذا لا یمکن تعمیمه على غیره من حالات التدخل الجراحی أو العلاجی الأخرى لأنه سوف یشکل قیداً على إرادة الطبیب بالزامه بالإفضاء حتى بالمخاطر التی یعد وقوعها نادراً، لأننا لا نجد حاجة إلى إشغال ذهن المریض بها وإلا امتنع عن أی تدخل یعود لمنفعته، کما أن الفائدة المتوخاة من العلاج فی الغالب تعلو وتفوق المخاطر الناجمة عنه، إذا فالأمر نسبی یختلف من حالة لأخرى.
فلو ألزمنا الطبیب على سبیل المثال بتبصیر المریض بالوسائل العلمیة التی یستخدمها الطبیب من اجل اکتشاف العلة التی یعانی منها المریض کالتحلیلات والفحوص ومدى أهمیتها وخطورتها فی الوقت نفسه على سلامة بدنه مع إعلامه بالتطور الذی قد یؤول إلیه المرض إذا لم یتم علاجه کإصابته بمرض مزمن غیر قابل للشفاء، وطرائق العلاج وآثارها الجانبیة، أی مخاطرها ومخاطر عدم العلاج المؤکدة والمحتملة الوقوع ونسبة نجاح العمل الطبی ونسبة فشله فان إغراق المریض بکل هذا وذاک قد یؤثر فی إرادته ویدفعه إلى اتخاذ قرار غیر سلیم مما یؤثر سلباً فی صحته؛ وبعبارة أخرى یمکننا القول أن المبالغة بالتبصیر تؤثر سلباً فی المریض وتجعله یحجم عن العمل الطبی الذی قد یکون بأمس الحاجة الیه؛ لکن السؤال الذی یثار فی هذا النطاق هو:
هل یعنی هذا القول العزوف عن تشدید التبصیر بشکل مطلق؟!
للاجابة عن ذلک، یمکن القول بأن بعض الأعمال الطبیة غیر العلاجیة تستوجب التشدید بالتبصیر فیها کالتجارب الطبیة واستقطاع الأعضاء البشریة وزرعها والاجهاض غیر العلاجی وعملیات التجمیل غیر العلاجیة (الترفیه) أی بمعنى أن تشدید التبصیر لا یکون مطلقاً وإنما یقتصر على بعض الأعمال الطبیة دون غیرها وهذا ما سنتناوله فی المطلب الثانی من هذا المبحث.
المطلب الثانی
حالات تشدید الالتزام بالتبصیر
ابتداءً نقول أن تشدید التبصیر لا یعمم على کل الأعمال الطبیة، فهناک بعض الأعمال تفرض ذلک، خصوصاً الأعمال الطبیة التی تنطوی على طبیعة غیر علاجیة کالتجارب الطبیة، وعملیات استقطاع الأعضاء البشریة وزرعها، والإجهاض غیر العلاجی، وعملیات
التجمیل غیر العلاجیة (الترفیة) وهذه الحالات لم ترد محددة بنصوص قانونیة وإنما استنتجنا ذلک من خلال التمعن بالنصوص القانونیة التی نظمتها ومن الواقع العملی لمهنة الطب، إذ أن ما یقرب من 79.5% من الأطباء یدعون إلى تشدید التبصیر فی هذه الأعمال الطبیة ومن أجل الإلمام بذلک سوف نفرد لکل حالة من هذه الحالات فرعاً خاصاً.
الفرع الأول
تشدید الالتزام بالتبصیر فی نطاق التجارب الطبیة
نتیجةً للخطورة البالغة التی تنطوی علیها التجارب الطبیة وأثرها فی صحة الإنسان وحیاته لابد أن یلتزم الطبیب باحترام إرادة مریضه وذلک عن طریق تشدید الالتزام بالإفضاء علیه من اجل الحصول على رضاه المستنیر بالتجربة التی تجرى على جسمه، فهذا یفرض على الطبیب إعلام مریضه بالغایة من إجراء التجربة ومدتها والنتیجة المتوخاة من إجرائها ومخاطرها مع إعطاء الحق لمَنْ تجرى علیه التجربة برفض ذلک وسحب رضاه فی أیة لحظة.
اما موقف المشرع العراقی من التجارب الطبیة، فقد أجاز ضمناً التجریب الطبی فی الأحوال التی تکون الغایة من إجرائها هو شفاء المریض وذلک عندما أصدر قانون عملیات زرع الأعضاء البشریة رقم (85) لسنة 1986.
فی حین أن الدستور المصری الصادر فی 11/9/1971 قد نصت المادة (43) منه على أنه:
(لا یجوز إجراء أی تجارب طبیة أو علمیة على أی إنسان بغیر رضائه الحر)
بمعنى أنه یجیز إجراء التجارب الطبیة علاجیة کانت أم غیر علاجیة على
الإنسان مریضاً کان أم من الأصحاء بعد الحصول على رضاه الحر المستنیر، والدلیل
على ذلک هو العبارات التی جاء بها النص، فالمقصود بالتجارب الطبیة هی التجارب العلاجیة؛ أما العلمیة فیقصد بها التجارب غیر العلاجیة، کما أن عموم العبارة التی جاء بها النص (أی إنسان) تشمل الأشخاص الأصحاء والمرضى فهذا جدیر بالثناء مقارنةً
بموقف مشرعنا.
إلا أن جانباً من الفقه المصری ذهب إلى اتجاه آخر یقضی بحریة الطبیب فی اختیار طریقة العلاج ما دامت تؤدی إلى شفاء المریض، فمن حق الطبیب أن یطبق أسلوباً غیر تقلیدی وغیر معروف إذا کان فی ذلک مصلحة المریض، فالتجارب العلاجیة وجدت شرعیتها فی القانون المصری، فی حین أن التجارب غیر العلاجیة لم یرد فیها نص صریح لذلک یرى عدم مشروعیتها مما یستوجب مسؤولیة الطبیب المدنیة والجنائیة؛ إلا أننا نرى خلاف ذلک إذ ذکر النص التجارب الطبیة أو العلمیة، فلو قصد بذلک التجارب الطبیة العلاجیة لمّا ذکر العلمیة ضمن النص.
أما عن موقف المشرع الجزائری فقد نص فی المادة (18) من مدونة أخلاقیات الطب على أنه:
(لا یجوز النظر فی استعمال علاج جدید للمریض إلا بعد إجراء دراسات بیولوجیة ملائمة تحت رقابة صارمة أو عند التأکد من أن هذا العلاج یعود بفائدة مباشرة على المریض).
فهذا النص یحظر على الأطباء استعمال علاج جدید للمرضى على سبیل التجریب إلا بعد إجراء دراسات بیولوجیة تحت رقابة طبیة وبعد التأکد من فائدة العلاج للمریض، فروح النص تدل على ضرورة تشدید التبصیر فی هذا المجال إلا أنه اقتصر على المرضى دون الأصحاء کما هو الحال بالنسبة الى موقف مشرعنا .
أما المشرع الفرنسی فبموجب قانون (هوریت) الذی یسمى بقانون حمایة الأشخاص الذین یخضعون أنفسهم للبحوث الدوائیة والصادر فی 20/12/1988 فان مسألة التجارب الطبیة غیر العلاجیة على الإنسان لم تنظم تنظیما مباشرا، إنما اقتصر على تنظیم التجارب الخاصة باستعمال الأدویة الحدیثة والتی تجری بمعرفة الصیادلة المختصین على النحو الذی یکفل حمایة حق الإنسان فی سلامة جسده.
فی حین أن غالبیة الفقه والقضاء الفرنسیین لم تضفِ الشرعیة على التجارب غیر العلاجیة، فقد قضت محکمة النقض الفرنسیة بـأن:
(استخدام الأشعة من قبل الطبیب دون غرض علاجی بل لإجراء بحوث عدیمة الفائدة یجعل الطبیب مرتکباً لخطأ جسیم).
فمن خلال التمعن فی هذه النصوص القانونیة نلاحظ أن بعضاً منها یرکز على مشروعیة التجربة الطبیة من عدمها، فالمشرع العراقی فی المادة (22) من تعلیمات السلوک المهنی أشار إلى الحالة التی تعتبر فیها التجربة الطبیة عملاً جنائیاً، فی حین أن البعض الآخر یرکز على مسألة عدم الإضرار بالمریض وهو موقف المشرع الکویتی، إذ أقام مسؤولیة الطبیب فی حالة إجرائه لأیة تجربة أو أبحاث علمیة وکانت غیر معتمدة فنیاً وأدى ذلک إلى الإضرار بالمرضى، وآخر لم یتناول التجربة الطبیة غیر العلاجیة تناولاً مباشراً وصریحاً وهذا واضح من موقف المشرع الفرنسی اذ اقتصر تنظیمه على التجارب الخاصة باستعمال الأدویة الحدیثة ولم یتناول تناولا مباشرا التجارب الطبیة غیر العلاجیة، وآخر حدد الشروط الواجب توافرها فی إمکانیة استعمال علاج جدید للمریض على سبیل التجریب والذی تکرس بموقف المشرع الجزائری؛ تارکین مسألة فی غایة الأهمیة ألا وهی تبصیر المریض تبصیراً کافیاً وافیاً یجعل رضاءه مستنیراً یصدر عن بینة بکل المخاطر ومن ثم یبعده عن الأضرار التی قد یصاب بها عند عدم تبصیره وهذا ما انفرد به المشرع المصری عن بقیة القوانین الأخرى بعبارته (رضائه الحر).
الفرع الثانی
تشدید الالتزام بالتبصیر فی عملیات استقطاع الأعضاء البشریة وزرعها
إن الحق فی سلامة جسم الإنسان هو مصلحة للفرد یحمیها القانون من اجل أن یبقى مؤدیاً لکل وظائف الحیاة وعلى النحو الطبیعی، فله الحق فی أن تظل أعضاء الجسم وأجهزته تؤدی وظائفها بصورة کاملة مع الاحتفاظ بکل أعضاء الجسم دون أی نقص یذکر، فکل فعل یؤدی إلى الانتقاص من هذه الأعضاء یعد ماساً بسلامة الجسم وتکامله، لکن هناک بعض الأشخاص المصابین بعلة وحیاتهم مهددة بالموت ولا تجدی معهم وسائل العلاج التقلیدیة، لذلک لم یکن أمام الأطباء والاختصاصیین سوى اللجوء إلى عملیات نقل الأعضاء البشریة وزرعها لإنقاذ حیاة هؤلاء المرضى، إلا أنه على الرغم من أهمیة هذه العملیات فی إنقاذ حیاة الإنسان تنطوی على مخاطر جمة خصوصاً بالنسبة إلى الشخص المعطی للأعضاء لأن ذلک لا یحقق له أیة فائدة علاجیة، ولخطورة هذه العملیات ولأنها لا تهدف إلى أغراض شفائیة بالنسبة إلى المعطی لابد من تسلیط الضوء على التزام الطبیب بتبصیر المعطی تبصیراً وافیاً مشدداً من أجل احترام إرادته، ومن ثم الحصول على رضاه المستنیر، فبالنسبة لموقف المشرع العراقی، فقد أضفى المشروعیة على عملیات زرع الأعضاء البشریة وذلک فی المادة الأولى من قانون عملیات زرع الأعضاء البشریة ذی الرقم (85) لسنة 1986 إذ نصت على أنه:
(یجوز إجراء عملیات زرع الأعضاء للمرضى بهدف تحقیق مصلحة علاجیة ...)
فالمشرع العراقی أجاز عملیات زرع الأعضاء البشریة، إلا أن ذلک مقید بشروط وهی أن تکون هناک مصلحة علاجیة للمریض وان تجرى العملیة من قبل الطبیب الجراح الاختصاصی وبرضاء المعطی المکتوب بعد موافقة ثلاثة أطباء اختصاصیین.
وقابله بالموقف ذاته المشرع المصری عندما أصدر القانون الخاص ببنک العیون ذی الرقم (103) لسنة 1962 إلا أنه لم یصدر قانونا آخر یشمل باقی أعضاء جسم الإنسان، فی حین أن الاتجاه الغالب بین الشراح یذهب إلى إباحة هذه العملیات بشروط معینة إما بالقیاس على بعض النصوص أو بالاستناد إلى فکرة المصلحة الاجتماعیة أو الضرورة.
فقد نصت المادة الثانیة من القانون المذکور على ما یأتی:
(بنک العیون یتلقى رصیده من مصدرین هما:
أ. عیون الأشخاص الذین یوصون أو یتبرعون بها.
ب. عیون الأشخاص التی یتقرر استئصالها).
فالمشرع المصری بهذا النص أجاز الایصاء والتبرع بالعین ویترتب على هذا نتیجة مهمة وهی أن نقل الأعضاء البشریة بین الأحیاء أمر جائز فالمشرع عندما أجاز التبرع بالعین وهی الجزء المهم فی الجسم فی أثناء الحیاة فانه یمکن اعمال القیاس هنا على بقیة أعضاء الجسم، وهذا ما أیده الفقه، لکن بعد توافر شروط معینة وهی رضاء المعطی الصریح والکتابی وان یکون ذلک لغایة علاجیة مشروعة دون الاضرار بالمعطی ، فضلا عن ذلک فانه یشترط فی الانسجة او العضو المستقطع ان یکون من النوع المتجدد والمزدوج.
کما ان المشرع الأردنی أجاز هذه العملیات باصداره قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان رقم (23) لسنة 1977
فقد نصت المادة (4/ ف أ) منه على أن:
(للأطباء الاختصاصیین فی المستشفیات المعتمدة من الوزیر نقل العضو من إنسان حی إلى آخر بحاجة إلیه………….....).
فالعبارة التی جاء بها النص تدل على مشروعیة عملیات نقل الأعضاء البشریة وزرعها ولکن على وفق شروط معینة، إذ یجب أن لا یقع النقل على عضو أساسی للحیاة وأن تقرر لجنة طبیة مکونة من ثلاثة أطباء عدم وجود خطر على حیاة المتبرع، فضلاً عن موافقة المتبرع الخطیة.
کما أجاز المشرع الجزائری فی قانون حمایة الصحة وترقیتها فی المواد
(161-167) عملیات نزع الأعضاء البشریة وزرعها مادامت تهدف إلى إنقاذ حیاة الإنسان وتخلصه من آلام المرض، فقد اشترط هذا القانون الرضاء الصریح المکتوب من المریض المستفید من العلاج وذلک بحضور رئیس المصحة الطبیة وحضور شاهدین لما للعملیة من مخاطر قد یتعرض لها المریض.
کما أجاز المشرع الفرنسی هو الآخر هذه العملیات بموجب القانون ذی الرقم
(94- 654) الصادر فی 29 یولیو 1994، کما نصت المادة (665/ف12) من قانون الصحة العامة الفرنسی على أنه:
(لایمکن تطبیق استقطاع عناصر الجسم البشری أو التبرع به إلا بعد الموافقة المسبقة منالمتبرع ...)
فاشترط المشرع الفرنسی رضاء المعطی المسبق وهذا إن دل على شیء فإنما یدل على مشروعیة هذه العملیات.
یتضح لنا مما سبق أن القوانین المقارنة مجمعة على مشروعیة عملیات استقطاع الأعضاء البشریة وزرعها بشروط معینة، فبعد أن بینا هذه المشروعیة لابد من تسلیط الضوء على مسألة التبصیر فی هذا النطاق وصورته أو شکله.
ففی عملیات استقطاع الأعضاء البشریة وزرعها نقف أمام شخصین الأول وهو المعطی الذی یتمتع بصحة جیدة، والثانی هو المتلقی الذی تدهورت صحته، فهذه المسألة تفرض على الطبیب التزاماً بالتبصیر لکن ثمة أسئلة تثار فی هذا المجال هی:
لمَنْ یکون التبصیر للمعطی أم للمتلقی ؟!
وتجاه مَنْ یشدد فی التبصیر تجاه المعطی أم المتلقی؟!
وما الصیغة التی یتم فیها التبصیر؟! أیکفی أن یکون التبصیر شفهیاً؟! أم تشترط فیه الکتابة؟!
للإجابة عن ذلک یمکن القول بأن الطبیب یلتزم بتبصیر کلٍ من المعطی والمتلقی، فلا یجوز أن یُّبصر أحدهما دون الآخر، فهو یلتزم تجاه المتلقی باخطاره بالمخاطر الممکنة والمتوقعة وإعلامه بالخطوط العریضة لحالته وطبیعة التدخل الجراحی دون الدخول فی التفاصیل الفنیة الدقیقة وذلک باعطائه معلومات مبسطة وواضحة بحیث یستطیع فی ضوئها اتخاذ قراره عن بینة وتبصر وعلم تام بواقع الحال.
کما یلتزم الطبیب باعلام المعطی بالنصیحة أیضاً والمخاطر التی یتحملها بسبب استئصال عضو من جسمه.
إذا، فالالتزام بتبصیر المریض فی مجال زرع الأعضاء یتطلب التوافق بین أمرین الأول احترام إرادته وحریته ، والثانی المحافظة على صحته، فاحترام ارادته فی التصرف فی تکامله الجسدی یفرض إخطاره بالمخاطر التی قد یتعرض لها، فی حین أن المحافظة على صحته؛ تفرض على الطبیب اتخاذ الحذر اللازم بعدم إدخال الرعب فی نفس المریض وذلک بتبصیره حتى بالمخاطر المحتملة والنادرة الوقوع بطریقة تتلاءم والحالة النفسیة للمریض نفسه.
ویلتزم الطبیب أیضاً بتبصیر المعطی إلا أن هذا الالتزام له خصوصیته وذلک لأسباب أن هذا الشخص لا یعانی من أی مرض وصحته جیدة فلابد من أن یتوسع الطبیب فی تبصیره لأن استقطاع العضو من جسده لا یحقق له أیة فائدة تذکر، بل قد یؤدی ذلک إلى الإضرار به، فیجب إحاطته علماً بالمخاطر المحتملة والمؤکدة الحدوث التی قد تصیبه جراء العملیة وإحاطته بالتعقیدات التی یمکن أن تقع مستقبلاً فضلاً عن الآثار الجانبیة لإجراء العملیة کتأثیراتها فی حیاته الاجتماعیة وحتى الاقتصادیة کمدى تأثیر إجراء هذه العملیة فی طاقته فی وأداء عمله وقدرته على الإنتاج فی المستقبل.
وبهذا نجد أن الطبیب ملزم بتبصیر کل من المعطی والمتلقی مع الأخذ بنظر الاعتبار بتشدید التبصیر تجاه المعطی دون المتلقی لأن العمل الطبی هنا لا یتضمن أیة فائدة علاجیة له مما یتطلب الحرص الوافی من أجل الحصول على رضائه المستنیر ولا یکون ذلک إلا بتشدید الالتزام بالاعلام تجاهه.
ومما یؤکد ذلک النصوص القانونیة التی عالجت عملیات استقطاع الأعضاء وزرعها فی اشتراطها لأخذ الموافقة الکتابیة للمعطی، فمثل هذا الاشتراط یقودنا إلى نتیجة مفادها هی تشدید الالتزام بالتبصیر بالنسبة إلى المعطی دون المتلقی ویقودنا فی الوقت نفسه إلى ضرورة اتخاذ التبصیر إطاراً شکلیاً ألا وهو الکتابة، إذ نصت المادة (2/ف أ) من قانون عملیات زرع الأعضاء البشریة العراقی على ما یأتی:
(أ. مَنْ یتبرع بها أو یوصی بها حال حیاته شریطة أن یکون کامل الأهلیة عند التبرع أو الایصاء وباقرار کتابی).
کما جاء فی المادة (12) من مشروع القانون المصری ما یأتی:
(تشکل لجنة من ثلاثة أطباء متخصصین یکون من واجبها إحاطة المعطی بطبیعة عملیة استئصال عضو منه أو جزء من هذا العضو ومخاطرها وکافة نتائجها المؤکدة والمحتملة وتتم هذه الإحاطة کتابةً).
کما نصت المادة (الرابعة/ف أ/3) من قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان الأردنی ذی الرقم (23) لسنة 1977 على:
(أن یوافق المتبرع خطیاً وهو بکامل إرادته وأهلیته على نقل العضو من جسمه ...)
ویعود الفضل للمشرع الفرنسی الذی یُّعد أول القوانین المقارنة التی دعت إلى تشدید الالتزام بالتبصیر تجاه المعطی وإفراغه بشکل کتابی.
یتضح لنا مما سبق أن جمیع القوانین المقارنة مجمعة على التبصیر الکتابی وهذا إن دل على شیء فإنما یدل على ضرورة تشدید الالتزام بالإفضاء فی نطاق عملیات زرع واستقطاع الأعضاء البشریة خروجاً على القواعد العامة، إذ أن الأصل فی التبصیر هو أن یکون شفهیاً.
الفرع الثالث
تشدید الالتزام بالتبصیر فی حالة الإجهاض غیر العلاجی
أن الإجهاض فی المجال الطبی نوعان: إجهاض علاجی، تلجأ إلیه المرأة الحامل لأن بقاء الجنین فی بطنها قد یودی بحیاتها أو قد یولد الجنین مشوهاً فیلجأ الأطباء إلى التضحیة بحیاة الجنین مقابل حیاة الأم وهذا النوع من الإجهاض یفرض على الطبیب تبصیر المریض بالمخاطر المؤکدة الحدوث، إلا أن هذا لیس هو التبصیر المشدد الذی نقصده فی هذا الفرع وبهذا فان التبصیر فی حالة الإجهاض العلاجی یخرج من نطاق بحثنا لأن هذا النوع من الإجهاض جائز شرعاً وقانوناًولا یفرض على الطبیب تشدید التبصیر، لذلک سوف نسلط الضوء على التبصیر فی حالة الإجهاض غیر العلاجی –النوع الثانی من الإجهاض- والذی
لا یرجى فیه شفاء المرأة الحامل من علةٍ ما، فتلجأ إلیه الکثیر من النساء الحوامل إما لأسباب اقتصادیة کالفقر والعوز، إذ قد لا تملک الأسرة الإمکانیة الکافیة لإعالة عدد کبیر من الأطفال أو لأسباب اجتماعیة کأن تحمل به المرأة سفاحاً فتخلصاً من العار تلجأ إلى عملیة الإجهاض، أو لأسباب أخرى کالمحافظة على مقاومتها ورشاقتها، أو لدواعی أخرى لا تقع تحت حصر، فهذا النوع من الإجهاض غیر مشروع لدى القوانین الوضعیة محل المقارنة والشرائع السماویة.
لذلک نرى أن مثل هذا الفرض یلزم الطبیب بتبصیر المرأة تبصیراً مشدداً یفوق تبصیره فی حالة الإجهاض العلاجی، وذلک لأسباب، أن هذا النوع من الإجهاض لیست الغایة المرجوة منه هو الشفاء، فعلیه أن یبصر المرأة تبصیراً طبیاً بذلک ویعلمها بأن هذا الأمر یخالف ما جاءت به الشرائع السماویة ویؤثر صحیاً فیها، وقد یؤثر ذلک فی نسلها مستقبلاً، بل قد یؤثر فی صحتها ویجعلها مهددة بخطر الموت، فعلیه أن یبصرها بجمیع المخاطر المؤکدة الحدوث وحتى المحتملة التی تقع فی أحوال نادرة واستثنائیة لانتفاء الغایة العلاجیة منه.
فهذا النوع من العمل الطبی لم ینظم قانوناً لأن غالبیة القوانین الوضعیة کرست اهتمامها فی الإجهاض العلاجی وحده تارکةً حالة الإجهاض غیر العلاجی فی زاویة النسیان.
والمشرع العراقی، لم ینظم هذه المسألة فی تعلیمات السلوک المهنی، إلا أن قانون العقوبات العراقی تناول ذلک لکن من الجانب الجنائی لا المدنی وذلک فی المواد
(417-419).
إلا أن المشرع الفرنسی فی قانون 31/12/1979 یعد هو الوحید الذی نظم هذه المسألة، حین أعطى الحریة للمرأة باللجوء إلى هذا النوع من الإجهاض لکنه لم یلزم الطبیب باجراء هذه العملیة إذا أبى ضمیره ذلک، فقد أعطى هذا القانون لکل امرأة حامل الحق فی طلب الإجهاض غیر العلاجی لکن وفقاً للشروط الآتیة:
1. یجب ان یتم ذلک قبل نهایة الأسبوع العاشر من الحمل.
2. على أن یتم العمل الطبی بوساطة طبیب اختصاصی وفی مستشفى عام أو خاص.
3. یفرض هذا النوع من الإجهاض على الطبیب التزاماً بتبصیر المرأة بالمخاطر الطبیة التی تتعرض لها على أن یسلمها ملفاً ارشادیاً یتضمن الوسائل الأخرى البدیلة للإجهاض، کالمساعدات التی تقدمها الدولة للأسرة والأمهات سواءً کُنَّ عازبات أم متزوجات فضلاً عما تضمنه التشریع الفرنسی باجازته لنظام التبنی خلافاً للقوانین العربیة الإسلامیة الأخرى.
4. بعد استکمال هذه الإجراءات، أعطى هذا القانون مهلة للمرأة الحامل وهی مدة أسبوع من تاریخ تقدیمها الطلب الأول لکی تحدد موقفها بانتهاء هذه المدة فاذا عدلت عن طلبها فبه، وإلا یجب علیها تقدیم طلب کتابی جدید.
بهذا نلاحظ أن المشرع الفرنسی بشروطه هذه یدعو إلى تشدید التبصیر تجاه المرأة الحامل والتی ترغب فی إجهاض جنینها لأغراض غیر علاجیة فهذا یفرض على الطبیب تبصیر الحامل بالمخاطر الصحیة التی یمکن أن تتعرض لها جراء هذه العملیة سواءً کانت مخاطر مؤکدة أم محتملة فیتم تبصیرها من خلال تخییرها بین أکثر من وسیلة من اجل العدول عن الإجهاض وذلک باعلامها بالمساعدات التی قد تقدمها الدولة للأم والأولاد، فضلاً عن نظام التبنی المعروف فی القانون الفرنسی إذ یساعد ذلک المرأة على الانتظار لحین ولادة الطفل ومن ثم تسلیمه لمنْ یرغب فی تبنیه دون أی ضرر یصیبها أو یصیب الجنین.
الفرع الرابع
تشدید الالتزام بالتبصیر فی عملیات التجمیل غیر العلاجیة (الترفیة)
لعملیات التجمیل صورتان، فهناک العملیات التقویمیة وهی ضروریة للحاجة الداعیة إلى إجرائها من أجل إزالة العیب البدنی سواءً أکان فی صورة نقص أم تلف أو تشوه، وهذا العیب قد یکون خلقیاً أی یولد مع الإنسان کالشق فی الشفة العلیا، والتصاق بعض أصابع الیدین أو الرجلین أو انسداد فتحة الشرج، وقد یکون العیب ناشئاً من الآفات المرضیة التی تصیب الإنسان کأورام الحویضة والحالب، وعیوب صیوان الإذن الناشئ عن الإصابة بمرض الجذام أو السل أو الزهری کما قد یکون العیب مکتسباً طارئاً کالتشوهات الناشئة عن الحروق أو کسور الوجه الشدیدة التی تقع بسبب حوادث السیر مثلاً.
أما الصورة الثانیة لعملیات التجمیل فهی التحسینیة أو جراحة الترف کما تسمى ویقصد بها:
جراحة تحسین المظهر للشخص الاعتیادی وغیر المصاب بعاهة جسمانیة أو تجدید الشباب.
ویراد من هذه العملیات تحسین المظهر دون وجود دوافع ضروریة تستلزم فعل الجراحة کتجمیل الأنف بتصغیره وتغیر شکله أو تجمیل الإذن بردها إلى الوراء إن کانت متقدمة، أو بشد تجاعید الوجه أو تجمیل الأجفان بسحب المادة الموجبة لانتفاخها نظراً لکبر السن وتقدم العمر.
وبصورة عامة، الطبیب یلتزم بالإفضاء تجاه مرضاه بکل عمل طبی لکن أیلتزم بتبصیر الشخص الخاضع لعملیات التجمیل التقویمیة والترفیة بنفس الدرجة، أم أنه یشدد فی تبصیره لأحدها دون الآخر؟!
للإجابة عن ذلک نرى أن الطبیب یلتزم بالتبصیر للشخص الخاضع لعملیات التجمیل بنوعیها تقویمیة کانت أم ترفیة، إلا أن درجة التبصیر هی التی تختلف، إذ یفرض العقد الطبی فی نطاق الجراحة التجمیلیة الترفیة على الطبیب تشدید التزامه بالتبصیر تجاه الشخص الخاضع لها وذلک لأن هذا الشخص لا یعانی من علةٍ ما أو مرض معدٍ، کما أنها لا تنطوی على الغایة العلاجیة الضروریة أی الشفاء.
إذ یلتزم الطبیب فی هذا المجال بالاعلان عن المخاطر المحتملة التی تصاحب هذه العملیة فضلاً عن إبراز المضاعفات التی یمکن أن تنتج عنها سواءاً فی أثناء إجرائه لها أو بعد انتهائه منها، کذلک یلتزم بالإفضاء عن الآثار والنتائج العرضیة التی قد تتخلف عنها، کما یلتزم ببیان النتائج التقریبیة للعملیة الجراحیة وبیان المدى الذی یمکن أن تعطیه دون مبالغة.
فالطبیب هنا بالتزامه هذا مقید بما تملیه مصلحة المریض الصحیة والنفسیة ومن ثم یلتزم باحاطته حتى بالأخطار النادرة الحدوث لأن التدخل الجراحی هنا یتعلق باصلاح عیب أو تشوه جسمانی لا ضرورة ولا استعجال فیه فی أغلب الأحوال.
فهذا النوع من العمل الطبی کبقیة الأعمال الطبیة یفرض على الطبیب التزاماً باقامة التناسب والتعادل بین أمرین، الأول: مخاطر العلاج، والثانی: الفائدة المرجوة منه، ولکن فی نطاق العملیات التجمیلیة الترفیة تبدو لنا خصوصیة هذه الجراحة لغیاب الغایة العلاجیة مما یضع لنا المبرر والأساس لتشدید التبصیر.
أما عن موقف المشرع العراقی من الجراحة التجمیلیة عموماً والتزام الطبیب بالتبصیر المشدد فی نطاقها خصوصاً، فلم یتناول هذه المسألة بالتنظیم المباشر على الرغم من أهمیتها وخطورتها البالغة فی الوقت نفسه.
تأسیساً على ما تقدم نجد لزاماً علینا فی هذا النطاق أن نسلط الضوء على موقف القضاء من هذه العملیات.
فبالنسبة إلى القضاء المصری، قضت محکمة النقض المصریة بقرار لها جاء فیه:
(جراح التجمیل وان کان کغیره من الأطباء لا یضمن نجاح العملیة التی یجریها إلا أن الإفضاء والعنایة المطلوبة فیه أکثر منها فی أحوال الجراحة الأخرى اعتباراً بأن جراحة التجمیل لا یقصد منها شفاء المریض من علة فی جسمه، وإنما إصلاح تشویه لا یعرض حیاته لأی خطر).
کما قضت بقرار آخر جاء فیه:
(قیام مسؤولیة طبیب التجمیل لعدم إطلاع الخاضع لها بما قد یتعرض له من مخاطر، والتی وقعت بالفعل وأصیب بندبة فی رقبته).
بهذا نلاحظ أن القرارین جدیران بالتأیید لأنهما أقاما المسؤولیة على جراح التجمیل بتشدید مسؤولیته بالعنایة والإفضاء فی القرار الأول؛ ولإخلاله بالتزامه بتشدید تبصیر الخاضع للعملیة بالآثار المؤکدة؛ فضلاً عن النادرة الحدوث فی القرار الثانی.
أما عن موقف القضاء الفرنسی، فقد قضت محکمة باریس فی قرار لها جاء فیه:
(قیام مسؤولیة طبیب التجمیل رغم عدم ارتکابه خطأً طبیاً وقیامه بمراعاة أصول الفن والعلاج بعد تعریض الفتاة لأشعة (رونتجن) بهدف إزالة الشعر من ذقنها إلا أنها أصیبت بحروق ظاهرة على وجهها لإخلاله بتنویر الفتاة بآثار استخدام هذه الأشعة).
وبهاذا یمکننا القول أن کلاً من عملیة إزالة الشعر من ذقن الفتاة وإزالة التجاعید من جبهة السیدة وتجمیل الأنف تدخل تحت نطاق عملیات التجمیل الترفیة وهذا یفرض على الطبیب تشدید التزامه بالتبصیر لأن الغایة من إجرائها لیس الشفاء فعلى الطبیب تبصیر الخاضعین لها بکل المخاطر والمضاعفات مؤکدة کانت أم استثنائیة وتبقى هذه مسألة وقائع.
المبحث الثالث
التبصیر المخفف
سوف نتناول فی هذا المبحث الاعتبارات والأسس التی یقوم علیها تخفیف التزام الطبیب بتبصیر مرضاه والحالة التی تندرج تحت هذا التخفیف فضلاً عن مصدر التبصیر بصورة عامة وذلک فی ثلاثة مطالب، مخصصین المطلب الأول: لاعتبارات التخفیف، والثانی: لحالته والمتمثلة بالمریض المیؤوس من شفائه، والثالث: لمصدر التبصیر.
المطلب الأول
اعتبارات تخفیف الالتزام بالتبصیر
ذهب الفقه إلى ضرورة تخفیف التزام الطبیب بتبصیر مرضاه، باعتباره الحالة الثانیة للتبصیر، وذلک لاعتبارات عدیدة:
1. الاعتبار الأول: العقد الطبی من عقود الثقة
فبمجرد قبول المریض للعلاج یعنی ذلک أنه یثق بطبیبه فهذه الثقة یجب أن تکون کاملة دون شرط أو قید حینها یجب أن یترک المریض طبیبه یتصرف کما یشاء بسبب جهل المریض بالمسائل الطبیة الدقیقة، فضلاً عن ضعفه بسبب ما یعانیه من حالة مرضیة تجعله لا یستطیع أن یشارک الطبیب فی اتخاذه للقرار الحاسم للمرض، وإنما الطبیب هو الذی یبحث، ویعمل ما فیه مصلحته شأنه فی ذلک شأن الوصی فی علاقته بالقاصر.
2. الاعتبار الثانی: التبصیر قیداً على عمل الطبیب
یستند الفقه إلى اعتبار آخر هو إلزام الطبیب بإخبار المریض بکل الأسالیب العلمیة والعلاج ومبرراته ومخاطره کل ذلک یجعل الطبیب مقیداً ویتعذر علیه ممارسة عمله بالفاعلیة المطلوبة لأن دور الطبیب لیس تبصیر المریض بطریقة تجعله عبئاً ثقیلاً على عاتقه، فالأولى هو التخفیف بالتبصیر تجاه المرضى کی لا یؤثر ذلک سلباً فی عمل الأطباء.
3. الاعتبار الثالث: نسبیة المخاطر
ان الکثیر من أسرار الجسم البشری لم تکتشف بعد کما أن المخاطر التی یمکن أن تحدث لبعض الأشخاص قد لا تحدث لغیرهم وأن الکثیر من المخاطر قد لا تعرف مسبقاً فالإسهاب بتبصیر المریض قد یؤدی إلى نفوره من العلاج ورفضه فی الوقت الذی قد لا یتعرض لمثل هذه المخاطر مما یؤثر سلباً فی صحته وثقته بطبیبه.
4. الاعتبار الرابع: الطبیب أقدر على تحقیق مصلحة المریض
على اعتبار أن الطبیب من أهل العلم والمهنی الذی لا یجوز لأیة مشاعر، بل حتى مشاعر الشفقة أن تؤثر فی عمله وفی رؤیته العقلانیة، فالطبیب هو الذی ینظر إلى المرض فی حقیقته بأکبر قدر من الموضوعیة، فهو الأستاذ الذی تتیسر له فرصة شفاء المرض، وهذه الفرصة هی التی تتحقق بجانبه دون غیره، فمن مصلحة المریض أن یقر بعدم قدرته على تقدیر الأمور تقدیراً سلیماً فی خصوص صحته وحیاته وأن یسلم ذلک لطبیبه الذی یتصرف دوماً تجاه مصلحة المریض وهذا لا یتطلب من الطبیب الإفصاح عن کل ما یتعلق بحالة المریض الصحیة وما تتطلبه من تداخلات طبیة لازمة، فارادة الطبیب یجب أن تحجب إرادة المریض والتسلیم بهیمنة الطبیب على مرضاه.
المطلب الثانی
حالة التبصیر المخفف تجاه المریض المیؤوس من شفائه
قبل الحدیث عن حالة المریض المصاب بمرض لا یرجى شفاؤه والتی تتطلب التخفیف بالتبصیر لابد من الإشارة إلى بعض الحالات المرضیة البسیطة والتی تتطلب التخفیف بالتبصیر أیضاً والتی یصاب بها الإنسان وتفترض علم الناس کافة بمخاطرها وآثارها ومعالجتها کحالة المصاب بالأنفلونزا والمصاب بارتفاع ضغط الدم وغیرهما من الأمراض الأخرى التی لا تقع تحت حصر، فضلاً عن حالة المریض السریع التأثر وهذا یخضع لتقدیر الطبیب المعالج وفراسته؛ فعندما یرى الطبیب أن تبصیر المریض الواسع یؤثر فی نفسیته ومن ثم یؤثر فی تقبله للعمل الطبی علاجیاً کان أم جراحیاً فان هذا الأمر یفرض علیه التخفیف فی التبصیر. أما عن حالة المریض المصاب بمرض یعدّ شفاؤه میؤوساً منه کالمریض المصاب على سبیل المثال بمرض الإیدز أو السرطان، فهذان المرضان لحد الآن لم یکتشف العقار الناجح فی علاجهما ومن ثم فان النتیجة الطبیعیة للمصاب بهما هی الموت، لکن السؤال الذی یمکن أن یطرح فی هذا المجال هو:
ما مدى التزام الطبیب بتبصیر مریضه، أیفرض تشدید التبصیر على المریض؟! أم التخفیف فیه؟!
إن حالة المریض المصاب بمرض لا یرجى الشفاء منه تفرض على الطبیب تبصیره بحالته تبصیراً مخففاً وذلک من اجل المحافظة على حالته النفسیة ومعنویاته وذلک بأن یبث فیه روح الأمل مفضیاً إلیه بالمخاطر المتوقعة الحدوث دون المخاطر الاستثنائیة النادرة، کما یفرض ذلک على الطبیب التزاماً بعدم إعلامه بأن حالته میؤوس منها والنتیجة الطبیعیة لها هی وفاته لأن الموت والحیاة بید الله وحده لا یملکه غیره ولا یعلمه إلا هو، کما أن الإفضاء إلیه بمثل هذا الأمر یؤثر فی نفسیته تأثیراً کبیراً قد یمنعه من الاستجابة للعلاج؛ وفضلاً عن ذلک فان أخلاقیات هذه المهنة تفرض على الأطباء رفع الروح المعنویة للمرضى لکن یجب على الطبیب أن یراعی فی الوقت نفسه عدم الکذب على المریض، لأن العقد الطبی کما نعلم من عقود الثقة فلا یمکن الجمع بین نقیضین الثقة والکذب لذلک یجب على الطبیب الإفضاء بحالة المریض لأهله أو لأقاربه أو لأی شخص آخر قریب منه مع إشعار المریض بخطورة الحالة دون أن ینتزع منه کل أمل للشفاء وذلک من أجل فسح المجال للمریض بترتیب ما یراه مناسباً من أمور دینه ودنیاه.
لکن إذا کانت الغایة من الکذب هو مصلحة المریض هل یعدّ ذلک أمراً مشروعاً؟!
فی هذا المجال تجدر الإشارة إلى أن هناک ما یسمى بالکذب التفاؤلی الذی من شأنه رفع الروح المعنویة ومراعاة حالة المریض النفسیة ومن ثم فان هذا النوع من الکذب یکون مبرراً، لأن هدفه الأساسی هو مصلحة المریض إذ أن الکذب الذی یقع من الطبیب نوعان:
نوع یهدف من ورائه إخفاء المرض عن المریض وآخر یهدف إلى تشویه الحقیقة بهدف دفع المریض إلى قبول العلاج وهذا لایقصد من ورائه مصلحة المریض إنما یسعى به إلى تحقیق مصلحة الطبیب بدفع المریض إلى التعاقد.
فالنوع الأول یکون مشروعاً خلافاً للنوع الثانی، لأن المعیار الذی یحکم به مشروعیة الکذب من عدمه هو مصلحة المریض، هذا ما أکدته محکمة باریس فی قرار لها جاء فیه:
(إعفاء الطبیب من المسؤولیة رغم کذبه العمد على المریض باخفائه حقیقة المرض العضال علیه، لأن ذکر الحقیقة لن یکون له أثر ایجابی ولا تستلزمه طبیعة العلاج).
فالقضاء الفرنسی أعفى الطبیب من أیة مسؤولیة بالرغم من کذبه المتعمد على المریض ما دامت غایته هو مصلحة المریض بالدرجة الأساسیة.
فالاتجاه الأول هو الراجح لأن المریض المصاب بمثل هذه الأمراض التی لا یرجى الشفاء منها تتطلب حالته رفع الروح المعنویة لدیه بالتبصیر المخفف وبهذا نأمل من مشرعنا ایراد نص بهذا الخصوص یقضی بأن:
(یلتزم الطبیب بتبصیر مریضه بحقیقة مرضه إلا إذا کان المرض ممیتاً فیلتزم بالتبصیر تجاه أهله والمقربین له).
وقد تمیز موقف المشرع الجزائری من غیره من القوانین المقارنة الأخرى التی لم تأخذ هذه الحالة بعین الاعتبار فی نص المادة (51) من مدونة أخلاقیات الطب والتی
جاء فیها:
(یمکن إخفاء تشخیص مرض خطیر عن المریض لأسباب مشروعة یقدرها الطبیب)
أی بمعنى أنه یمکن للطبیب أن لا یفضی للمریض المصاب بمرض لا یرجى الشفاء منه أو خطیر کما وصفه المشرع الجزائری بحقیقة مرضه وذلک لأسباب مشروعة یقدرها الطبیب ألا وهی مراعاة حالة المریض النفسیة ومعنویاته وهذا الاتجاه أقره القضاء
الفرنسی أیضاً.
وقد قضت محکمة استئناف لیون فی قرار لها مقتضاه:
(أن الالتهاب الوریدی الناشئ عن الحقن بدواء لعلاج مرض عقلی یمثل نتیجة غیر متوقعة الحدوث، فلا یسأل الطبیب عن عدم قیامه باخطار المریض بها).
بهذا أقرت محکمة استئناف لیون التبصیر المخفف وذلک باعلام المریض بالمخاطر المؤکدة دون المحتملة الاستثنائیة فقد جعلت هذه المحکمة الالتهاب الوریدی مسألة استثنائیة ونادرة الحدوث، فهذا لا یلزم الطبیب بتبصیر المریض بها ومن ثم فانه لن یسأل عن عدم إعلام المریض بهذه الحالة النادرة.
یتضح لنا من کل ما تقدم أن للتبصیر حالتان، الأولى: وهی حالة التشدید بالتبصیر والثانیة: هی حالة التخفیف بالتبصیر ولکلا الحالتین اعتبارات تقوم علیها.
المطلب الثالث
مصدر الالتزام بالتبصیر
نود أن نشیر فی هذا المطلب إلى الأساس والمصدر الذی یستند إلیه الطبیب بتبصیر مرضاه، فقد اختلفت الآراء بهذا المجال إلى ثلاثة اتجاهات.
الاتجاه الأول:
یرى أصحاب هذا الاتجاه أن أساس التزام الطبیب بتبصیر مرضاه هو
أحقیة الإنسان فی المحافظة على سلامة جسمه بوصفه حقاً من الحقوق الخاصة به ویمثل الإخلال به مساساً خطیراً بهذا الحق، لأن حق الإنسان وحریته على جسمه یعدان من مسائل النظام العام.
وتجدر الإشارة إلى أن الحق فی سلامة الجسم له ثلاثة عناصر أولها الحق فی التکامل الجسدی وثانیها الحق فی الاحتفاظ بالمستوى الصحی للجسم وثالثها الحق فی السکینة الجسدیة، فالتزام الطبیب بتبصیر مرضاه تبصیراً کافیاً وأمیناً وواضحاً یأتی وفقاً لهذا الاتجاه من المحافظة على هذه العناصر مجتمعةً.
فعلى الرغم من أن هذا الاتجاه فیه جانب من الصحة فانه لا یکفی وحده لتحدید أساس ومصدر التزام الطبیب بتبصیر مرضاه.
الاتجاه الثانی:
یرى أصحاب هذا الاتجاه أن أساس التزام الطبیب بتبصیر المرضى لا یمکن أن یعزى إلا إلى العقد الطبی المبرم بین الطبیب والمریض.
لکن مع تقدیرنا لهذا الاتجاه إلا أنه محل نظر لأن الاستناد الیه یقودنا إلى نتیجة مفادها أن التزام الطبیب بتبصیر مرضاه یحصل حین ابرام العقد الطبی بین الطبیب والمریض ولیس سابقاً فی وجوده للعقد، فی حین أن الواقع یرفض مثل هذه النتیجة لأن الطبیب یبقى ملتزماً بتبصیر مرضاه سواءً أکان هناک عقد بینه وبین المریض أم انعدم العقد بین طرفیه، فهذا الالتزام یلقى على عاتق الطبیب فی جمیع الفروض باستثناء بعض الحالات النادرة کحالة الضرورة والاستجعال إذ یعفى الطبیب فی هذه الحالة من التبصیر.
الاتجاه الثالث:
ذهب جانب فقهی آخرإلى القول بأن أساس ومصدر التزام الطبیب بتبصیر مرضاه هو أخلاقی مهنی، إذ أن حالة الضعف المزدوج التی یعانی منها المریض کونه جاهلاً بخبایا الطب وتقنیاته مقارنةً بالطبیب صاحب الخبرة، فضلاً عن ما یعانیه من آلام نتیجة المرض تدفعه إلى قبول مخاطر التدخل الطبی هنا تقتضی أخلاقیات مهنة الطب من الطبیب الالتزام بتبصیر المریض لیسعفه فی اتخاذ قراره عن بصیرة إما بقبول العمل الطبی أو رفضه.
فمن خلال استعراضنا للاتجاهات الفقهیة التی قیلت حول مصدر الالتزام بالتبصیر نجد أنه یستند إلى أساسین:
الأول: أخلاقی مهنی، إذ أن أخلاقیات مهنة الطب تفرض على الطبیب تقدیم خدماته الطبیة بکل إخلاص وتفانٍ ومطابقة لمعطیات العلم الحدیثة وهذا بدوره یفرض على الطبیب الاجتهاد لإفادة مریضه بمعلومات واضحة وصادقة وأمینة عن حالته المرضیة وآثارها للحصول على موافقته الحرة والمتبصرة.
الثانی: هو أن العقد الطبی المبرم بین الطبیب والمریض یفرض على عاتق الأول التزاماً بالتبصیر وذلک استناداً إلى الثقة التی تجمع الطبیب بمریضه، إذ یسلم الأخیر جسده للأول لثقته بمقدرته وکفاءته على تخلیصه من الألم والمعاناة وایصاله إلى شاطئ الأمان کی ینعم بصحة جیدة، فهذه الثقة المنبثقة من العقد الطبی تفرض على عاتق الطبیب تبصیر المریض من أجل أن تتوازن کفتا العقد، فضلاً عن هذا فان من شروط صحة العقد هو أن تنفى الجهالة فیه وهذا یفرض على الطبیب تبصیر المریض بکل ما یتعلق بنوع المرض الذی یعانی منه وعلاجه وآثاره وحتى تکالیف العلاج.
بهذا یمکننا القول بأن أساس الالتزام بالتبصیر هو عقدی، إذ یجد سنده فی العقد الطبی القائم على المصداقیة والثقة وأخلاقی مهنی، فیجد سنده فی التعلیمات والقوانین الخاصة بمهنة الطب، فهو إلزام والتزام فی الوقت نفسه، فهو إلزام لأن القوانین الوضعیة نصت علیه، والتزام لأنه یعد من الالتزامات الأساسیة التی یفرضها العقد الطبی.
المبحث الرابع
المسؤولیة المدنیة الناشئة عن الإخلال بالالتزام بالتبصیر
على الرغم من أن التشریعات المقارنة متفقة على ضرورة قیام الطبیب بتبصیر مرضاه فإنها لم تشر إلى الأثر المترتب على عدم قیام الطبیب بتنفیذ التزامه بالتبصیر کما أنها لم تبین الفکرة التی تؤسس علیها المسؤولیة الناجمة عن عدم تبصیر المریض.
هذا یقتضی منا تسلیط الضوء على مسألتین ضمن إطار هذا المبحث وهما أساس المسؤولیة، وعبء إثبات عدم التبصیر وعلى من یقع على الطبیب أم على المریض؟! وذلک بتقسیم هذا المبحث إلى مطلبین تناول فی الأول أساس المسؤولیة وفی الثانی عبء إثبات عدم التبصیر.
المطلب الأول
أساس المسؤولیة
کمبدأ عام یلتزم الطبیب بتبصیر مرضاه فی العقد الطبی، ومتى أخل بالتزامه هذا نهضت مسؤولیته هذا ما أکدته محکمة النقض الفرنسیة فی قرارٍ لها صدر فی 20/9/1997 جاء فیه:
(إن کل عدم تبصیر وحذاقة من الطبیب یثیر مسؤولیته).
لکن ما هو أساس هذه المسؤولیة؟ کی نحدد أساس مسؤولیة الطبیب عن عدم تبصیر مرضاه لابد أن نبین فیما إذا کان التزام الطبیب بالتبصیر التزاماً بوسیلة أم التزاماً بنتیجة ؟!
وإذا کنا فی کثیر من موضوعات المسؤولیة نستطیع أن نعرف مسبقاً طبیعة التزام المدین فیها وهل هو التزام بنتیجة (بغایة) أم التزام بوسیلة (بعنایة) إلا أنه فی مسؤولیة الأطباء فان المسألة لیست بهذه السهولة إذ أن التزام الطبیب من حیث الأصل هو التزام ببذل عنایة لا تحقیق غایة، هذا ما أکدته تعلیمات السلوک المهنی للأطباء فی العراق، کما أکده قرار قضائی لمحکمة النقض الفرنسیة الصادر فی 20/6/1980 الذی جاء فیه ما یأتی:
(لا یلتزم الطبیب بأن یشفی المریض بل أن یعالجه لیس بأی علاج بل بکل عنایة وانتباه وفقاً للأصول العلمیة الثابتة).
کما ویمکن القول أن شفاء المریض لا یقع على عاتق الطبیب وحده بل یتوقف على عوامل واعتبارات لا تخضع دائماً لسلطان الطبیب أو الجراح کمناعة الجسم ودرجة استعداده للمرض وحالته من حیث الوراثة والمناعة وإصابته بأمراض أخرى، فضلاً عن قصور العلوم الطبیة التی قد تقف عاجزة عن علاج الکثیر من الأمراض. وفی کثیر من الحالات لا یفعل الطبیب أکثر من تخفیف الألم أو تأجیل المصیر المحتوم.
من هذا، ومن خلال تطرقنا إلى حالتی التبصیر المشدد والمخفف یمکننا التوصل إلى النتیجة الآتیة باعتبارها أساساً لمسؤولیة الطبیب عن عدم تبصیر المریض:
فی الحالات التی یلتزم فیها الأطباء بتشدید التبصیر تجاه المرضى کحالة التجارب الطبیة، وعملیات استقطاع الأعضاء البشریة وزرعها وعملیات التجمیل غیر العلاجیة، والإجهاض غیر العلاجی، نجد من الضروری عد التزام الطبیب بتبصیر الخاضع لهذه الأعمال الطبیة التزاماً بنتیجة وذلک لأنها تنطوی على مخاطر بالغة على صحة الإنسان وأغلبها یخلو من الغایة العلاجیة، فالتزام الطبیب بالتبصیر هو التزام بنتیجة إلا أن النشاط الذی یبذله فی التبصیر لتحقیق النتیجة ما هو إلا مجرد وسیلة، لأنه لم یکن التبصیر هو المقصود بذاته، إنما هو وسیلة لضمان حمایة المریض وسلامته، فهو وسیلة لهذا الضمان ولیس غایة بذاته، وعلیه إذا لم تتحقق النتیجة نهضت مسؤولیة الطبیب تجاه المریض نتیجة لخطئه المفترض، وهذا الخطأ غیر قابل لإثبات العکس ومن ثم لیس بامکان الطبیب أن یدرأ عنه المسؤولیة إلا بالسبب الأجنبی الذی حال دون تحقیق النتیجة المرجوة من التدخل الطبی.
إذاً، إذا أخل الطبیب بالتزامه بالتبصیر المشدد فی نطاق الأعمال الطبیة التی تتطلب ذلک تنهض مسؤولیته على أساس الخطأ المفترض الذی لا یقبل إثبات العکس إلا بالسبب الأجنبی.
أما فی الحالات التی یکون فیها المریض مصاباً بأمراض بسیطة أو بأمراض مستعصیة لا یرجى شفاؤها، یتطلب ذلک من الطبیب التبصیر المخفف وذلک لأن النوع
الأول من الأمراض یکون بسیطاً ومن ثم لا داعی لإشغال ذهن المریض بمعلومات وأمور هو فی غنى عنها خاصةً وأنه على علم بنوع المرض وأعراضه وآثاره لأنه من الأمور التی تقضی علم الکافة بها، أما فی النوع الثانی من الأمراض فان مصارحة المریض بها لا یجدی نفعاً بل قد یکون أثر التبصیر سلبیاً فیه فما على الطبیب إلا التخفیف بالتبصیر تجاه المریض رفعاً لمعنویاته ومراعاةً لحالته النفسیة، بهذا نجد من الضروری عد التزام الطبیب بتبصیر مرضاه فی هذه الفروض التزاماً بوسیلة أو ببذل عنایة، فاذا لم یبذل الطبیب العنایة اللازمة یکون قد أخطأ تجاه المریض والعنایة المطلوبة هی عنایة الشخص المعتاد، لکن هنا تبرز مشکلة هی أن معیار الرجل المعتاد لا یأخذ إلا بالظروف الخارجیة المحیطة بالفاعل کظرف الزمان والمکان والبعد أو القرب من العمران أو وجود مراکز صحیة قریبة، أما الظروف الداخلیة فلا یؤخذ بها.
فالأمر فی نطاق المسؤولیة الطبیة یتطلب أکثر من ذلک لأن التخصص یعد عاملاً مهماً فی تقدیر مسؤولیة الطبیب وعلیه فمن الضروری أن یؤخذ بنظر الاعتبار مسألة عامل المستوى المهنی للطبیب لأن هناک فرقاً بین الطبیب العام والطبیب الأخصائی، إذ لا یتساوى الإثنان فی العنایة التی تتطلب من کل واحد منهما وبهذا فان المعیار السلیم للعنایة المطلوبة من الطبیب فی تنفیذ التزامه بالتبصیر المخفف هو معیار طبیب من مستواه المهنی وجد فی الظروف الخارجیة نفسها التی وجد فیها الطبیب الفاعل.
استناداً إلى ما تقدم إذا لم یبذل الطبیب العنایة اللازمة فی التبصیر المخفف تجاه المرضى المصابین بأمراض بسیطة أو بأمراض ممیتة ولم یقم ببذل الجهود اللازمة للوصول إلى إقناع المریض بالتدخل الطبی لضمان سلامته یکون قد أخطأ وخطؤه هذا لا یفترض فی جانبه بل هو خطأ ثابت لکن بامکانه أن ینفی عنه المسؤولیة وذلک بأن یثبت أنه قد بذل الجهد والعنایة اللازمة منه (عنایة الطبیب المعتاد) أو باثباته للسبب الأجنبی أو خطأ المریض ذاته.
إذاً متى أخل الطبیب بالتزامه بالتبصیر المخفف فی نطاق الأعمال الطبیة التی تتطلب تخفیفاً بالتبصیر تنهض مسؤولیته تجاه المریض على أساس الخطأ الثابت مع الاحتفاظ بحقه فی درء المسؤولیة عنه باثباته للسبب الأجنبی أو خطأ المریض أو باثباته أنه قد بذل العنایة المطلوبة منه.
وبهذا یعد التزام الطبیب بالتبصیر تجاه المریض فی الحالات التی تتطلب التشدید التزاماً بنتیجة، بینما یعد التزامه بالتبصیر فی الحالات التی تتطلب التخفیف التزاماً بوسیلة وفی الحالة الأولى یکون أساس مسؤولیة الطبیب هو الخطأ المفترض بینما فی الحالة الثانیة یکون أساس مسؤولیة الطبیب هو الخطأ الثابت.
وتجدر الإشارة فی هذا النطاق إلى أن القضاء الأمریکی کان له موقف فی هذا المجال فاستندت المحاکم الأمریکیة فی إقامة مسؤولیة الطبیب عن إخلاله بتبصیر المریض الى إحدى النظریتین الآتیتین:
النظریة الأولى: نظریة الإکراه البدنی، وتقضی هذه النظریة بأن مباشرة الطبیب للعمل الطبی تجاه مرضاه دون تبصیره ایاهم یشکل عملاً من أعمال العنف البدنی وما یشدد من قسوة هذا العمل هو التباین، وعدم التعادل بین طرفی العقد الطبی، الطبیب (صاحب الخبرة) والمریض (عدیم الخبرة فی المجال الطبی) وهذا ما قضت به محکمة استئناف کالیفورنیا فی قرارٍ لها جاء فیه:
(أن للکشف على المریض من قبل طبیبه المختص دون تبصیر یشکل ذلک إکراهاً مادیاً یستوجب المسؤولیة حتى ولو لم یقم المریض باثبات الضرر الذی لحق به).
فمن وجهة نظرنا المتواضعة نجد أن إقامة مسؤولیة الطبیب عن إخلاله بتبصیر المریض على أساس الإکراه البدنی اتجاه غیر مبرر، فهل یُعد مجرد اخلال الطبیب باعلام مریضه بطبیعة المرض الذی یعانی منه وطبیعة العمل الطبی المزمع تقدیمه له إکراهاً بدنیاً؟! وکیف یمکن أن تقام مسؤولیة الطبیب دون أن یثبت المریض الضرر الذی أصابه من عدم تبصیره ؟! وما هو معیار تطبیق هذه النظریة ؟! کل هذه الأسئلة تضعف من الأساس الذی تقوم علیه هذه النظریة.
أما النظریة الثانیة فهی نظریة الإهمال، إذ تؤسس مسؤولیة الطبیب وفقاً لهذه النظریة على أساس الإهمال المنسوب إلى الطبیب فی عدم تبصیره لمرضاه، ومعیار الإهمال هذا یحدد وفقاً لما هو مطلوب من الطبیب الاعتیادی وما تقتضیه الظروف، وهذه النظریة لاقت تأییداً أکثر من سابقتها على اعتبار أن وصف مسلک الطبیب بعدم تبصیر مرضاه بأنه إکراه بدنی یعد أمراً غیر مقبول من الناحیتین النظریة والعملیة لأن مجرد التصریح للطبیب بمزاولة مهنة الطب لا یجعل منه متعدیاً على أساس العمد وکان الاولى فی تحدید اساس مسؤولیة الطبیب عن عدم تبصیر مرضاه الاخذ بنظر الاعتبار طبیعة الاعمال الطبیة ذاتها فیما إذا کانت تتطلب التشدید او التخفیف بالتبصیر کما اسلفنا.
المطلب الثانی
عبء إثبات الالتزام بالتبصیر
وفقاً للقواعد العامة یقع على عاتق المتضرر (المریض) إثبات الإخلال بالالتزام بالتبصیر وهذا لا یخلو من الصعوبة التی یواجهها المریض فی إثبات هذا التقصیر خصوصاً بعد أن علمنا صعوبة تحدید مدى هذا الالتزام تحدیداً دقیقاً باعتباره أحد مظاهر احترام إرادة المریض؛ إلا أن الفقه اختلف فی هذه المسألة فی اتجاهین، الأول: ویلقی عبء إثبات عدم التبصیر على المریض وحده، والثانی: یلقی ذلک على عاتق الطبیب ولکل منهما ما یبرره:
الاتجاه الأول:
ذهب جانب من الفقه إلى أن عبء إثبات خطأ الطبیب الناجم عن عدم التبصیر یقع على عاتق المریض على اعتبار أن الالتزام بالتبصیر ما هو إلا جزء من الالتزامات العامة التی یفرضها العقد الطبی وما على الطبیب إلا الالتزام بتقدیم العنایة المطلوبة والمطابقة للمعطیات العلمیة فهو التزام ببذل عنایة ومن ثم یقع على عاتق المریض إثبات عدم تبصیره وذلک باقامة الدلیل على أن الطبیب قد أخلَّ بالتزامه العقدی بتزویده بالمعلومات الصحیحة والکافیة عن طبیعة التدخل الطبی المزمع القیام به أو العلاجات التی یصفها له والأخطار التی یتعرض لها.
وهذا ما أکدته محکمة النقض المصریة فی قرار لها مقتضاه:
أن التزام الطبیب هو التزام ببذل عنایة خاصة وأن المریض إذا أنکر على الطبیب بذل العنایة الواجبة بالتنبیه والإعلام فان عبء اثبات ذلک یقع على عاتق المریض، إلا أنه إذا أثبت هذا المریض واقعة ترجح إهمال الطبیب فانه یکون بذلک قد أقام قرینة قضائیة على عدم تنفیذ الطبیب لالتزامه ینتقل عبء الإثبات بمقتضاها إلى الطبیب ویتعین علیه لکی یدرأ المسؤولیة عن نفسه أن یثبت قیام حالة الضرورة التی من شأنها أن تنفی عنه وصف الإهمال.
کما تبنت محکمة النقض الفرنسیة هذا الاتجاه أیضاً إذ قضت فی قرار لها صدر فی 1986 جاء فیه:
(ان عدم إعلام المریض من قبل طبیبه بالعملیة الجراحیة ونتائجها یستلزم هذا من المریض إثبات ذلک لإقامة المسؤولیة على الطبیب).
وحتى القضاء الأمریکی ألقى عبء إثبات عدم التبصیر على المریض أیضاً لأنه هو الطرف المکلف باثبات إخلال الطبیب بالتزامه بالتبصیر بحقیقة حالته ومخاطر التدخل الطبی على اعتبار أن المساس بجسم المریض یستلزم تبصیره ومتى أدعى المریض أن الطبیب قد قصر فی التزامه هذا یتعین علیه إثبات ذلک ومتى نجح فی إثبات ما یدعیه هنا ینتقل عبء الإثبات إلى الطبیب وهکذا.
وبهذا قضت محکمة ولایة (Maine) الأمریکیة فی عام 1977 بما یفید هذا المعنى إذ ألزمت المریض باثبات عدم کفایة المعلومات التی ذکرها له الطبیب وأن قبوله بالعلاج کان مستنداً إلى هذه المعلومات وأن ما لحقه من أضرار ترجع إلى قصور طبیبه فی التبصیر.
وبهذا فان إثبات المریض ذلک یقیم المسؤولیة على الطبیب فینتقل عبء الإثبات على الطبیب، لکن یستطیع الأخیر فی مثل هذه الفروض أن یدرأ عنه المسؤولیة من خلال إثباته أن حجبه المعلومات استهدف بالدرجة الأولى مصلحة المریض العلاجیة، أو أن الخطر کان تافهاً ومن ثم لم تکن هناک حاجة إلى الکشف عنه؛ أو ثبت أن الخطر یعد من الأمور التی تقضی علم الناس کافة بها؛ أو یثبت أن حالة المریض تدخل ضمن إطار الضرورة والتی تعفی الطبیب من التبصیر أصلاً؛ کما قد یحصل أن یطلب المریض من طبیبه عدم تبصیره بحقیقة حالته وأوجه الخطر فی علاجه فاذا ما أثبت الطبیب ذلک انتفت مسؤولیته.
بهذا نلاحظ أن جانباً من الفقه و القضاء قد ألقى عبء إثبات عدم التبصیر على المریض وحده؛ فی حین أن جانباً آخر ذهب إلى إلقاء عبء إثبات القیام بالتبصیر على الطبیب لا المریض وهذا هو الاتجاه الثانی.
الاتجاه الثانی:
وتبناه جانب آخر من الفقه، إذ جعل عبء إثبات التبصیر على الطبیب وحده، فمن وجهة نظرهم یعد إلقاء عبء الإثبات فی هذه المسألة على المریض أمراً غیر منطقی لأنه سوف یتحمل حینئذ إثبات واقعة سلبیة هی عدم إعلامه بمخاطر ونتائج العمل الطبی لذلک یعد من الأجدر إلقاء هذا العبء على الطبیب نفسه کی یثبت إما الوفاء بهذا الالتزام أو أن هناک سبباً أجنبیاً منعه من ذلک کحالة الضرورة مثلاً.
فبعد أن تبنت محکمة النقض الفرنسیة مسألة إلقاء عبء إثبات عدم التبصیر على المریض عادت وفی قرارٍ آخر لها صدر فی 25/2/1997 وألقت بموجبه عبء الإثبات على الطبیب وحده، اذ جاء فی فحوى القرار أن:
بامکان الطبیب أن یبرهن واقعة ایجابیة بتبصیره للمریض بدلاً من أن یبرهن المریض واقعة سلبیة تصعب علیه.
یتضح لنا من کل ما تقدم ان الفقه، و القضاء اختلفا فی تحدید الشخص الذی یقع علیه عبء إثبات عدم التبصیر، فتارة ألقى ذلک على المریض، وتارة أخرى على الطبیب فکان لکل منهما ما یبرر موقفه هذا.
ومن وجهة نظرنا المتواضعة لانحبذ ترجیح أحد الاتجاهین على الآخر،فالمسألة فیها شیء من التفصیل، فبعد أن تطرقنا إلى حالتی التبصیر المشدد والمخفف وبینا الحالة التی یعد فیها التزام الطبیب بنتیجة والتزامه بوسیلة، من هذا المنطلق یمکننا تحدید الطرف الذی یقع علیه عبء الإثبات، فمادام ان التزام الطبیب بالتبصیر فی الحالات التی تقتضی التشدید هو التزام بنتیجة، فمتى اخل الطبیب بالتزامه هذا أی انه قام بالعمل الطبی المتفق علیه
إلا أن النتیجة المرجوة من العقد لم تتحقق نهضت مسؤولیته وعبء الإثبات یقع على عاتق الطبیب لا المریض، أما فی الأحوال التی اعتبرنا فیها التزام الطبیب بالتبصیر المخفف بوسیلة (ببذل عنایة) فانه یجعل على المریض الذی یدعی انه قد أصیب بضرر بسبب خطأ الطبیب عن عدم تبصیره أن یثبت هذا الخطأ أی أن یثبت الانحراف الذی وقع فی سلوک هذا الطبیب عن سلوک طبیب فی نفس مستواه المهنی، بذلک نأمل من مشرعنا تنظیم نص قانونی بهذا الشأن یقضی بأن:
(یقع عبء إثبات التبصیر فی حالات التشدید فیه على عاتق الطبیب، ویقع عبء إثبات عدم التبصیر على عاتق المریض فی حالات التخفیف منه).
الخاتمة :
النتائج والمقترحات :
1 - العقد الطبی هو من العقود المبرمة بین الطبیب والمریض أو من ینوب عنه ومحله جسم الإنسان فیلتزم بمقتضاه الطبیب ببذل عنایة أو تحقیق غایة بحسب طبیعة العمل الطبی بعد الحصول على الرضا الحر المستنیر بمقابل أو دون مقابل .
2 -لم ینظم المشرع العراقی العقد الطبی سواءً بقانون طبی خاص أو ضمن العقود المسماة بصورة عامة، کما أنه لم ینظم مسألة تبصیر المریض أو الحصول على رضاه بصورة خاصة على الرغم من أهمیة هاتین المسألتین لما للتبصیر من أهمیة لا تنکر فی نطاق هذا العقد من جهة، ورضاء المریض من جهة أخرى، إذ لم یهتم مشرعنا بوضع قواعد خاصة تنظم الأهلیة الطبیة، أی السن أو درجة الإدراک التی یعتد بها بارادة الشخص سواء فیما یتعلق بقبوله بالعمل الطبی أو رفضه، بل اهتم المشرع بالجانب المادی (المالی) وذلک بحمایة أموال القصر وعدیمی الأهلیة وأقام نظاماً قانونیاً للولایة أو الوصایة من أجل المحافظة على أموال القاصر والصغیر والمجنون، ولم یأخذ بعین الاعتبار صحة هؤلاء الأشخاص وسلامتهم البدنیة التی لا تقل أهمیة عن أموالهم، بل أن أهمیتها تفوق الجانب المالی.
3 - من الالتزامات الأساسیة التی یفرضها العقد الطبی هو التزام الطبیب باحترام إرادة مرضاه وهذا یمکن تحدیده بمظهرین، الأول: احترام إرادة المریض بتبصیره سواءً فی تشخیص علته، أو فی علاجه، وحتى فی المرحلة اللاحقة للعلاج مع الأخذ بنظر الاعتبار التشدید بالتبصیر فی حالات معینة والتخفیف منه فی حالات أخرى، الثانی: احترام إرادة المریض بالحصول على رضاه أو رضاء من ینوب عنه
4 - نأمل أن ینظم المشرع العراقی مسألة فی غایة الأهمیة ألا وهی مسألة تبصیر المریض مع الأخذ بنظر الاعتبار المسائل الآتیة:
أ. النص على تبصیر المریض عند تشخیص علته وذلک بنص خاص یقضی بما یأتی:
(على الطبیب أن یبصر مرضاه بطریقة ملائمة فی مرحلة التشخیص الطبـی بحالته).
ب. النص على تبصیر المریض عند علاج علته وذلک بنص یقضی بأنه:
(إذا استوجبت حالة المریض التدخل العلاجی أو الجراحی فیقع على عاتق الطبیب الجراح أو المعالج تبصیر مرضاه البالغین تبصیراً کافیاً وافیاً، وتبصیر من ینوب عنهم إذا کانوا غیر واعین أو غیر راشدین).
ج. التأکید على تبصیر المریض فی المرحلة اللاحقة على العلاج وذلک بنص خاص یقضی بأن:
(یلتزم الطبیب بتبصیر مرضاه بجمیع مراحل العمل الطبـی وحتى المرحلة اللاحقة على العلاج بمعلومات صادقة وواضحة وملائمة لهم آخذاً بنظر الاعتبار کل حالة على حدة وإلاّ تقام مسؤولیته تجاه المرضى).
فهذه النصوص أکدت على ضرورة تبصیر المریض بمراحل العمل الطبی کافة ابتداءً بالتشخیص والعلاج، وحتى المرحلة اللاحقة على العلاج.
5 - ضرورة ایراد نص یمیز بین أنواع الأمراض وطرائق علاجها لتقدیر مدى حریة الطبیب فی اختیاره لطریقة العلاج، ومدى مشارکة المریض فی هذا الاختیار یقضی بما یأتی:
(تفرض علاقة الأطباء بمرضاهم التقیید بما یأتی:
أ. أن یراعی الطبیب قدر الإمکان إرادة المریض عند علاجه.
ب. أن یمیز الطبیب بین أنواع الأمراض وطرق العلاج عند تقدیم خدماته الطبیة).
وذلک لأن الأمراض نوعان، فهناک الأمراض البسیطة، والأمراض الخطیرة أو سریعة العدوى، ففی النوع الأول من المرض إذا امتنع المریض عن الامتثال للوسیلة التی حددها الطبیب لمعالجته قد لا یؤثر فی صحته أو صحة المجتمع فما على الطبیب إلا احترام إرادة مریضه.
أما إذا کان المرض خطیراً، فان ذلک یفرض على الطبیب اتباع الوسیلة وطریقة العلاج التی یراها ملائمة لمکافحة المرض وایقاف سریانه؛ وبهذا الفرض لا تقوم مسؤولیته لأن تدخله هذا یحقق مصلحة المریض أولاً، ومن ثم مصلحة المجتمع بأسره.
6 - ایراد نص یقضی بضرورة إلزام الطبیب بتبصیر مریضه تبصیراً وافیاً فی نطاق التجربة الطبیة غیر العلاجیة یقضی بأن:
(أ. یفرض العقد الطبـی فی نطاق التجارب الطبیة بتبصیر الخاضع لها وبآثارها تبصیراً وافیاً وکتابیاً على أن تجرى فی مراکز بحث علمیة أو مستشفیات تخصصیة.
ب. یشدد الطبیب فی تبصیره هذا سواءً کان الخاضع للتجربة الطبیة من الأصحاء أو من المرضى).
7 - نأمل من مشرعنا ایراد نص یلزم فیه الطبیب بتبصیر المرأة الحامل التی ترغب فی إسقاط جنینها لأغراض غیر الشفاء تبصیراً کافیاً وافیاً مع تنویرها بوجود دور الدولة لرعایة الأیتام حفاظاً على صحتها أولاً، ومن ثم حفاظاً على صحة الجنین وحیاته ثانیاً على أن یکون النص بالشکل الآتی:
(أ. یحظر على الأطباء إجهاض المرأة الحامل إلا إذا کان لضرورة علاجیة ویکون کذلک فی حالتین:
1. إذا کان بقاء الحمل یضر بصحة الأم ضرراً جسیماً.
2. إذا ثبت بالفحوصات الطبیة الدقیقة أن الجنین سیولد مصاباً بتشوه بدنی أو عقلی مع مراعاة أحکام الشریعة الإسلامیة.
ب. لا یجوز للأطباء إسقاط الجنین لأسباب غیر علاجیة إلا حسب الشروط الآتیة:
1. أن لا یکون الحمل قد أتم أربعة الأشهر.
2. أن تتم العملیة بمعیة هیکل طبـی متخصص.
3. تنظیم محضر بذلک قبل إجراء العملیة.
4. موافقة الزوجین معاً، أما إذا لم تکن المرأة متزوجة فیجب الحصول على موافقتها ورأی طبیب اختصاصی بذلک.
ج. یلتزم الطبیب بالإفضاء عن کل المخاطر المؤکدة والمحتملة النادرة فی حالة الإجهاض غیر العلاجی).
8 - التأکید على إعطاء جراحة التجمیل الترفیة خصوصیة تفرض على الطبیب تشدید تبصیره تجاه الخاضع لها وذلک بنص یقضی بأن:
(1. یلتزم الطبیب بتبصیر الشخص الخاضع لعملیات التجمیل التقویمیة والترفیة بآثارها ومـخاطرها.
2. یشدد التزامه بالتبصیر فی نطاق العملیات الترفیة وآثارها ومـخاطرها المؤکدة الوقوع والنادرة لانتفاء الغایة العلاجیة فیها وإلا أقیمت علیه المسؤولیة.
3. یجب أن یأخذ التبصیر فی عملیات التجمیل الترفیة شکلاً مکتوباً).
9 - النص على التخفیف بالتبصیر تجاه المریض المصاب بمرض ذی وقع بسیط أو المصاب بمرض لا أمل فی شفائه منه وذلک لرفع الروح المعنویة لدیه وزرع روح الأمل فی نفسه بنص یقضی بأن:
(یلتزم الطبیب بتبصیر مریضه بحقیقة مرضه إلا إذا کان المرض ممیتاً فیلتزم بالتبصیر تجاه أهله والمقربین منه).
10 - نأمل أن یضع مشرعنا العراقی نصاً یحدد فیه الحالات التی تستوجب التشدید بالتبصیر تجاه المریض والتخفیف منه یقضی بـ:
(1. یلتزم الطبیب بتبصیر مرضاه مع مراعاة ما یأتی:
أ. تشدید التبصیر فی نطاق التجارب الطبیة وعملیات استقطاع الأعضاء البشریة وزرعها والإجهاض غیر العلاجی وعملیات التجمیل غیر العلاجیة وغیرها من الأعمال الطبیة التـی تنطوی على خطورة بالغة.
ب. تخفیف التبصیر فی الأحوال التـی یکون شفاء المریض فیها لا أمل فیه).
11- النص على مسألة عبء إثبات التبصیر ونأمل أن یکون بالشکل الآتی:
(یقع عبء إثبات التبصیر فی حالات التشدید فیه على عاتق الطبیب، ویقع عبء إثبات عدم التبصیر على عاتق المریض فی حالات التخفیف منه).
12 - نأمل أن یأخذ المشرع العراقی بنظر الاعتبار السن الذی یعتد فیه لرضاء المریض بالعمل الطبی وذلک بنص یقضی بما یأتی:
(1. لایجوز إجراء أی تدخل علاجیاً کان أم جراحیاً إلا بعد الحصول على رضاء المریض المستنیر مع الأخذ بنظر الاعتبار ما یأتی:
أ. من اجل الاعتداد برضاء المریض یجب أن یکون بالغاً لسن الرشد اذا کان العمل الطبی من النوع الخطیر ویقدم بمقابل.
ب. یکفی البلوغ اذا کان العمل الطبی من النوع البسیط ویقدم دون مقابل.
2. إذا کان التدخل الطبی جراحیاً، فیجب على الطبیب أن یحصل على الرضاء المکتوب للمریض).
The Authors declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
Sources :
1. Ahmed Salim Dhari Jubouri, Insurance from Civil Liability in the Medical Field, Master Thesis submitted to the Faculty of Law, Baghdad University, 2001.
2. Dr. Hayyam Al-Masarwa, Legal Regulation of Human Organ Transplantation, Dar Al-Maaishah for Publishing and Distribution, 1, Amman, Jordan, 2000.
3.D. Ahmed Shawki Mohamed Abdel Rahman, the content of the commitment of the professional professional, research published in the specialized group on the legal responsibility of professionals.
4. Ismail Abu Bakr, The Position of the Islamic Shari'a on Aborting Aborted Embryos, Research published in Al-Rafidain Journal of Law, issued by the Faculty of Law, University of Mosul, Vol. I, 8th Year, Issue 18, 2003.
5. Dr. Akram Mahmoud Hussein, The Principle of Civil Product Liability, Research published in Rafidain Law Journal, Issue 6, Year 1999.
6. Anas Ghannam Jabara Al-Hiti, The Human Right to Preserving the Integrity of the Body, Master's Thesis Introduction to Nahrain University, Faculty of Law, 2002.
7. Prof. Ibrahim Mahmoud Wajih, Forensic Medicine and Toxicology, University Medical Book, No Place to Print, 1993.
8. Professor Mikali Al-Hawari, Medical Responsibility for Abortion in Islamic Law and Positive Laws, published in the Encyclopedia of Legal Thought.
9. Mr. Mohamed El-Sayed Omran, The Physician's Commitment to Respect Scientific Data, University Culture Foundation, Alexandria, 1992. Suheir Montaser, Commitment to Advice, Dar Al-Nahda Al Arabiya.
10. Lawyer Mahmoud Zaki Shams, The Disciplinary Liability of Physicians in Arab Legislation, 1, Khaled Ibn Al-Walid Press, Damascus, 1999.
11. Advisor Badawi Ali, professional obligations of the doctor in the eyes of Algerian law, research published in the Encyclopedia of Legal Thought, c.
12. Iman Mohammed Taher Abdullah Al-Obaidi, Commitment to Safety in the Contract of Sale - Comparative Analytical Study, Master Thesis submitted to the Faculty of Law, University of Mosul, 2003.
13. Birk Fares Jabouri, Personal Rights and Civil Protection, Master Thesis submitted to the Faculty of Law, University of Mosul, 2004.
14. Dr. Jaber Mahjoub Ali, Role of Will in Medical Work, 1, Scientific Publishing Council, Kuwait, 2000.
15. a. Dr.. Jafar al-Fadhli, Commitment to advice, safety and caution in the contract of the contract - an analytical study, research published in the magazine Rafidain of Rights, No. 13, year 2002.
16. Dr. Hossam El-Din Kamel El-Ahwany, The Legal Problems Caused by Human Organ Transplants, Ain Shams University Press, 1975.
17. Dr. Hassan Al-Qazwini, The Art of Plastic Surgery, Dar Al-Maarifah Library, Beirut, 1974.
18. Dr. Hassan Zaki El-Abrachi, The responsibility of doctors and civil surgeons, Publishing House of the Egyptian Universities Cairo.
19. Dr. Hassan Ali Al-Thunon, Al-Mabsout in Civil Liability, The Mistake, C2, Al-Azza Press, Baghdad, 2001.
20. Riyadh Ahmad Abdul Ghafoor Al-Ani, Plastic Surgery and the Responsibility of the Emerging Physician, Master Thesis submitted to Nahrain University, Faculty of Law, 2002.
21. Zina Zuhair Mohamed Shit, Responsibility of the Criminal Doctor for Plastic Surgery, Master Thesis submitted to the Faculty of Law, Mosul University, 2001.
22. Dr. Sami Badi Mansour, Medical Responsibility According to the Law of 22 February 1994 the Medical Literacy Law, published in the specialized group on the professional liability of professionals.
23. Dr. Suheir Montaser, Commitment to Advice, House of Arab Renaissance, without a year printed.
24. a. Dr.. The doctor's commitment to the patient's knowledge, the content and the limits and the reward of the breach, research published in the Encyclopedia of Legal Thought, C1, issued in Algeria, 2002.
25. Dr. Atef Abdel Hamid Hassan, Responsibility and HIV / AIDS, Arab Renaissance House, Cairo, 1998.
26. Dr. Abdulrahman bin Hassan al-Nafisa, Issues in Fiqh, Research published in the Journal of Contemporary Juristic Research, published in the Kingdom of Saudi Arabia, the ninth year, number 35, 1418 e.
27. Dr. Abdul Wahab Omar Al - Batrawi, in Medicine and Law, No Place to Print, 1992.
28. Faraj Saleh Al-Huraish, The Position of the Law on Modern Medical Applications, Al-Jamriya Publishing House and Distribution, No Place of Printing, 1996.
29. Dr. Qais bin Mohammed Al-Sheikh Mubarak, Rulings on Medical Permission in Islamic Law, PhD thesis submitted to the University of Islamic Sciences, Saudi Arabia, 1997.
30. Dr. Qais bin Mohammed Al-Sheikh Mubarak, the provisions of medical ear in Islamic law, a doctoral thesis submitted to the University of Islamic Sciences, Saudi Arabia, 1997.
31. Dr. Maher Abdul-Shawish Al-Durra, Explanation of the Penal Code - Special section, Dar al-Kutub for printing and publishing, Mosul, 1988.
32. Dr. Magdy Hassan Khalil, The Effectiveness of Patient Satisfaction in the Medical Contract, Research published in the Journal of Legal and Economic Sciences, No. 1, Year 43, 2001.
33. Dr. Mohsen al-Bayeh, A recent look at the error of the doctor responsible for civil liability, Al-Galaa library, Mansoura.
34. Dr. Mohamed Ibrahim Desouki, Legal Aspects of Negotiation and Contract Management, General Research Department, 1995.
35. Dr. Mohamed Hussein Mansour, Medical error in treatment, research published in the specialized group on the legal responsibility of professionals, medical responsibility, C1, Halabi Publications, Beirut, 2000.
36. Dr. Mustafa Abdel Hamid Adawi, The Right of the Patient to Accept or Refuse Treatment - A Comparative Study, Without Place to Print, Cairo, 2000.
37. Dr. Munther Al-Fadl, Medical Responsibility in Plastic Surgery - Comparative Study, I 2, Dar Al-Thaqafa Publishing House, Amman-Jordan, 1995.
38. Dr. Mansoor Mustafa Mansour, Patient's Rights on the Physician, Research published in the Journal of Law and Law, No. 12, Fifth Year, Kuwait, 1981.
39. Nael Abdel Rahman Saleh, The Criminal Responsibility of the Doctor in Jordanian Law, Research published in Dirasat Journal, Vol 26, no. 1, 1999.40. Dr. Naguib Mohammed Said Al-Salawi, Criminal Protection of Man from Medical Experiments, Master Thesis Presented to the Faculty of Law, Mosul University, 1999. Mohammed Ali Al-Bar, Medical Responsibility and the Ethics of the Physician, 1, Dar Al-Manara Publishing and Distribution, Saudi Arabia, 1995.41. Haitham Al-Masarwa, Abdul-Mahdi Aedab Boaatah, Collection of Health Legislation in the Hashemite Kingdom of Jordan, 1, Dar Al-Hamed Publishing and Distribution, Amman-Jordan, 2000.