الطبیعة القانونیة لعقد نقل التکنولوجیا
The legal nature of the technology transfer contract
|
یاسر باسم ذنون السبعاوی صون کل عزیز عبد الکریم
کلیة القانون/ جامعة الموصل المعهد التقنی / قسم الإدارة القانونیة
Yasser Basem Thanoun Al-Sabawi Sonkel Aziz Abdel-Karim
College of Law / University of Mosul Technical Institute / Department of Legal Administration
Correspondence:
Yasser Basem Thanoun Al-Sabawi
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 27/2/2006 *** قبل للنشر فی15/4/2006,
(*) Received on 27/2/2006 *** accepted for publishing on 15/4/2006.
Doi: 10.33899/alaw.2006.160471
© Authors, 2006, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
مقدمة:
تعد عقود نقل التکنولوجیا ، من العقود الاکثر شیوعاً فی الوقت الحاضر ، لازدیاد الحاجة الى مواکبة التطور ، لاسیما اذا عرفنا ان هناک تبایناً واضحاً بین دول العالم فی مجال تقنیة المعلومات، حیث تسعى الدول النامیة للتخلص من مشاکلها الاقتصادیة لتجاوز حالة التخلف وتعویض حالة التأخیر معتمدة لتحقیق ذلک على نقل التکنولوجیا المتقدمة فی مختلف القطاعات الانتاجیة ، فظهرت هذه العقود التی ترکز فی جوهرها على عناصر معنویة (Morals) تتمثل فی معلومات أو مساعدة فنیة أو حقوق اختراع ، فتعمل على نقلها من الطرف الاول المجهز (Supplier) الى الطرف الثانی المتلقی (Recipient) . واهم ما تتمیز به هذه العقود هو تنوع صورها تبعاً لتنوع المحل ، فمن هذه العقود ما ینصب على نقل التکنولوجیا بجمیع عناصرها ، ومنها ما ینصب على عنصر معین أو اکثر من عناصرها أو یکون موضوعه تقدیم خبرة أو استشارة أو جهد معین وهذا یبدو بشکل واضح اذا کان الطرف الملتقی (Recipient) لا یملک القدرة على استیعاب واستخدام وتطویر التکنولوجیا المنقولة.
هذا التنوع الذی جعل من الصعوبة تحدید ماهیة العقد ، وبالتالی اسناده الى احد العقود المعروفة وتزداد هذه الصعوبة فی التشریعات التی غاب فیها التنظیم القانونی لاحکام هذا النوع من العقود کما هو الحال بالنسبة للتشریع العراقی ، ولتسلیط الضوء على هذه المسألة استعنا بالاحکام التشریعیة التی اوردها قانون التجارة المصری رقم (17) لسنة 1999 وذلک من خلال المبحثین التالیین :
المبحث الاول : ماهیة عقد نقل التکنولوجیا
- المطلب الاول : التعریف بعقد نقل التکنولوجیا .
الفرع الاول : المدلول اللغوی لاصطلاح التکنولوجیا .
الفرع الثانی : المدلول الاقتصادی لاصطلاح التکنولوجیا .
الفرع الثالث : المدلول القانونی لاصطلاح التکنولوجیا .
- المطلب الثانی : خصائص عقد نقل التکنولوجیا .
- المطلب الثالث : تمییز عقد نقل التکنولوجیا عن بعض الحالات المشابهة .
الفرع الاول : تمییز عقد نقل التکنولوجیا عن المعرفة الفنیة .
الفرع الثانی : تمییز عقد نقل التکنولوجیا عن عقد المشورة المعلوماتیة
المبحث الثانی : الطبیعة القانونیة لعقد نقل التکنولوجیا
- المطلب الاول : الاتجاهات الفقهیة العامة لتقسیم عقود نقل التکنولوجیا .
- المطلب الثانی : عقد نقل التکنولوجیا من العقود المسماة .
- المطلب الثالث : عقد نقل التکنولوجیا من العقود التجاریة .
الخاتمة (النتائج والتوصیات)
قائمة المصادر
المبحث الأول
ماهیة عقد نقل التکنولوجیا
ان بحث ماهیة عقد نقل التکنولوجیا ، یقتضی منا ان نوزع هذا المبحث الى ثلاثة مطالب، یتناول المطلب الاول التعریف بعقد نقل التکنولوجیا ، فی حین یتناول المطلب الثانی بیان خصائص هذا العقد ، اما المطلب الثالث فانه یتناول تمییزه عن بعض الحالات القانونیة المشابهة .
المطلب الأول
التعریف بعقد نقل التکنولوجیا
ابتداءً لابد من ملاحظة غیاب التنظیم التشریعی فی العراق ، لمثل هذا النوع من العقود المتعلقة بالملکیة الفکریة ، وذلک على صعید القانون المدنی والقانون التجاری وحتى قانون النقل ، فقد عرف النقل بانه العقد الذی یلتزم بمقتضاه شخص یسمى الناقل بأن ینقل شیئاً أو شخصاً من مکان الى اخر بوسائطه الخاصة مقابل اجرة معینة ، وعلى صعید التشریعات فقد عرفت المادة (5) من قانون النقل العراقی رقم (80) لسنة 1983 ، عقد النقل بانه "اتفاق یلتزم الناقل بمقتضاه بنقل شخص أو شیء من مکان الى اخر لقاء اجر معین" . وبعد ان تطرقنا لتعریف عقد النقل بوجه عام ، کان من الضروری تعریف عقد نقل التکنولوجیا بوجه خاص ، ذلک ان خیر مناهج البحث ما بدأنا فیه بتعریف الموضوع ، لنستبین حدوده ، ونرسم معالمه بوضوح ، والتعریف بعقد نقل التکنولوجیا بمعناه القانونی یتطلب تعریفه لغویاً واقتصادیاً وهذا ما سنتناوله على النحو الآتی :
الفرع الأول
المدلول اللغوی لاصطلاح التکنولوجیا
ان کلمة التکنولوجیا لیست عربیة الاصل وانما هی تتکون من مقطعین هما (Techne) وتعنی الفن أو الصناعة (Logos) وتعنی الدراسة أو العلم ، وفی اللغة الفرنسیة کلمة (Technique) وتعنی اسلوب اداء المهنة أو الصنعة وتطورت نسبیاً الى کلمة (Technologic) ویقصد بها علم الفنون والمهن أو علم الفنون والحرف أو علم الصناعة .
وفی اللغة العربیة ، فکلمة (Technology) لیست عربیة المنشأ ، إذ عربت الى کلمة التقنیة ، على اساس وجود تشابه فی اللفظ والمعنى بین الکلمتین العربیة والاجنبیة ، وذلک على اساس ان الکلمة العربیة لها اغلب حروف الکلمة الاجنبیة . فضلاً عن ذلک فإن کلمة التقنیة والاتقان مشتقة من الفعل تقن وإتقان الأمر أحکامه ، وأتقن الشیء أحکمه ، قال تعالى ((صُنْعَ اللَّهِ الَّذِی أَتْقَنَ کُلَّ شَیْءٍ)) ، والتقنیة هی تألیفة من العلمیات المستخدمة فعلاً فی انتاج سلعة معینة ، فی حین ان التکنولوجیا هی القدرة على انشاء أو اختیار التقنیات المختلفة من ناحیة ، وعلى اعدادها واستعمالها من ناحیة اخرى ، وبتعبیر آخر ، فإن التقنیات هی مجموعة من الاسالیب أو الانماط فی حین ان التکنولوجیا هی مجموعة من المعارف .
الفرع الثانی
المدلول الاقتصادی لاصطلاح التکنولوجیا
ان المدلول الاقتصادی لمصطلح التکنولوجیا ، یشیر الى مجموعة المعارف والطرق العلمیة اللازمة لتحویل عناصر الانتاج الى منتجات ، وتتضمن وظائف الانتاج والادارة والتنظیم معتمدة على العلم ومرتکزة على البحث والتطویر ، اما بالنسبة للعلاقة بین مصطلح العلم والتکنولوجیا ، فإن لکل منهما وظیفة معرفیة معینة اذا صح مثل هذا التعبیر، فالعلم هو معرفة "لماذا" اما التکنولوجیا فهی معرفة "کیف" وبتعبیر آخر ، فإن العلم هو نسق معرفی ینصب على البحث فی العلاقة السببیة العلمیة وعلاقاتها . بینما التکنولوجیا ، تنصب على الکیفیة التی تتعلق بتطبیق العلم فی مجال الانتاج بالمعنى الواسع . والعلم هو مصدر القوانین والنظریات العامة ، بینما التکنولوجیا هی عبارة عن تطبیق هذه النظریات والقوانین فی النشاطات الاقتصادیة والاجتماعیة المختلفة . کذلک ، فإن العلم هو نتاج فکری یتمثل فی خلاصة البحوث المجردة ، بینما التکنولوجیا هی نتاج عملی تولده البنیة الاقتصادیة والاجتماعیة والعلمیة فی المجتمع ، وخلاصة القول ، ان التکنولوجیا دون جدال هی مال من الناحیة الاقتصادیة .
والجدیر بالذکر ان منظمة (UNDO) قد عرفت المدلول الاقتصادی للتکنولوجیا باعتباره مجموعة المعارف والخبرات والمهمات اللازمة لتصنیع منتج أو عدة منتجات وانشاء مشروع لهذا الغرض .
الفرع الثالث
المدلول القانونی لاصطلاح التکنولوجیا
ان مصطلح التکنولوجیا هو مصطلح حدیث النشأة ، وفی نفس الوقت یتسم بالغموض وعدم الدقة ، وقد ذاع انتشاره فی الدول النامیة ، على هذا الاساس فإن تحدید المدلول القانونی لهذا المصطلح ، کان مثار جدل لدى الفقه القانونی ، فقد عرفت الدکتورة سمیحة القلیوبی التکنولوجیا بانها "التطبیق الفعلی للابحاث العلمیة والوسیلة للحصول على افضل التطبیقات لهذه الابحاث" ، بینما یرى الدکتور محسن شفیق أنها "مجموعة معلومات تتعلق بکیفیة تطبیق علمیة أو اختراع ، أی انها الجانب التطبیقی للعلم وانه یطلق علیه فی الاصطلاح الدارج حق المعرفة" ، ومن الملاحظ ان هذا التعریف یتضمن خلطاً واضحاً بین حق المعرفة الـ Know-How والتکنولوجیا بالرغم من وجود فرق بینهما .
بینما یعرفها الدکتور حسن عباس بانها "افکار تتعلق بتطبیقات عملیة فی مجال الصناعة یترتب علیها تقدم واضح فی مستوى الفن الصناعی وذلک بالقیاس الى الحالة السابقة لاکتشاف الفکرة" ، ویلاحظ ان هذا التعریف یرکز فی جوهره ویتعلق ببراءة الاختراع اکثر منه تعریفاً للتکنولوجیا ، وبراءات الاختراع ، لا بل جمیع حقوق الملکیة الصناعیة لیست سوى عنصر من عناصر التکنولوجیا یقوم بجانبها عناصر اخرى ، کتلک المتعلقة بالخبرات المکتسبة باشخاص العاملین نتیجة للدرس والتدریب والتجارب ، وهذه لا تتعلق بتطبیقات علمیة فی مجال الصناعة ، الا ان توفر هذه الخبرات یعد مصدراً تکنولوجیا هاماً فی الوقت ذاته. فی حین ترى الدکتورة نداء کاظم محمد المولى بحق ، ان مفهوم التکنولوجیا من الناحیة القانونیة لا تخرج عن کونها "عناصر معنویة تعنی بلوغ درجة عالیة من المهارة فی جانب عملی معین استلزم تطورها بذل جهود مستمرة ونفقات مالیة کبیرة ، بحیث اصبحت موضوع انتفاع ضروری لازم فی الحیاة المعاصرة سواء من حیث الاستغلال أو الاستعمال لمن یحوزها، وبهذا المفهوم فإن التکنولوجیا تصبح محلاً للملکیة" .
ووفق هذا التعریف ، فإن التکنولوجیا تعد مالا معنویاً ، والرأی عندی ان المفهوم القانونی الدقیق للتکنولوجیا ، انها تعنی مجموعة المعارف المستخدمة فی انتاج السلع والخدمات وفی اختراع سلع جدیدة . ویجب الابقاء على الفرق بینها وبین العلم ، باعتبار الاخیر مجرد افکار مجردة ، فی حین ان الاولى تعد تصرفاً ونشاطاً .
وعلى هذا الاساس فإن الحائز لهذه الاموال المعنویة بشکل مشروع یمکنه نقلها الى من یحتاجها ویبدی استعداده لاکتسابه وحیازتها . فالتکنولوجیا هی محل للتملک وقد تکون مصدراً للربح فی حالة کونها محلاً للاستئثار .
وعلى الصعید الدولی ، فقد عرف مؤتمر الامم المتحدة للتنمیة والتجارة التکنولوجیا بأنها "کل ما یمکن ان یکون محلاً لبیع أو شراء أو تبادل وعلى وجه الخصوص براءات الاختراع والعلامات التجاریة والمعرفة الفنیة غیر الممنوح عنها براءات أو علامات أو القابلة لهذا المنح وفقاً للقوانین التی تنظم براءات الاختراع والعلامات التجاریة ، والمهارات والخبرات التی لا تنفصل عن اشخاص العاملین والمعرفة التکنولوجیة المتجسدة فی اشیاء مادیة وبصفة خاصة المعدات والآلات" .
فی حین عرفت المنظمة الدولیة لحمایة الملکیة الصناعیة التکنولوجیا بانها "کافة الطرق الصناعیة والمعرفة المکتسبة اللازمة لتشغیل واستغلال فن صناعی معین ووضعه موضع التنفیذ" ، بینما توسع المنظمة الدولیة للملکیة الفکریة الویبو (Wipo) ، من معطیات التکنولوجیا فتعرفها بأنها "المعرفة والخبرة المکتسبة لیست فقط للتطبیق العملی لتقنیة ما، بل ایضاً للاستغلال الاداری والمالی والتجاری والصناعی لمشروع ما"
ویلاحظ على التعریف الاول والثانی انه تنقصه الدقة والتحدید ، فقد رکز کلاهما على ما یصلح ان یکون موضوعاً أو عنصراً للتکنولوجیا ورأى فیه بیاناً لمفهومها ، دون اعطاء تعریف واضح لهذا المصطلح الحدیث ، اما تعریف منظمة الویبو ، فکان اکثر دقة من سابقه، الا انه رکز وبالدرجة الاساس على بیان نطاق تطبیق التکنولوجیا .
واستکمالاً لوحدة الموضوع ، فانه یتعین تعریف عقد نقد التکنولوجیا ، فقد عرفه بول روما بأن عقد نقل التکنولوجیا لا یخرج عن کونه "اتفاق یتعهد بموجبه شخص طبیعی أو معنوی بأن یجعل المتعاقد معه ینتفع بما فی حوزة المرخص من صیغ وطرق سریة خلال مدة معینة لقاء ثمن معین یتعهد المرخص له ببذله" ، وخصوصیة هذا التعریف انه یتیح الفرصة لمعرفة طبیعة العقد من الناحیة القانونیة ، کما یساعد على التمییز بینه وبین عقود أخرى تنطوی على محل یشابه المعرفة الفنیة ، مثل المساعدة الفنیة وبراءات الاختراع.
فی حین عرف الدکتور صلاح الدین الناهی عقد نقل التکنولوجیا بانه "عقد تمکین من الانتفاع من صیغ وطرق یحتفظ المرخص بسرها ، لامن الانتفاع بها" ، وهو بهذا التعریف یمیز بین امرین ، الاول ، ان المتلقی أی (المرخص له) ینتفع من صیغ وطرق معینة مع ضرورة الاحتفاظ بسریة تلک الطرق ، والثانی ، ان المتلقی ینتفع بالصیغ والطرق ذاتها دون ان یطلع على سریتها .
فی یذهب المحامی یونس عرب الى تعریفه بانه یعنی العملیة الفکریة التی تقوم ما بین مورد التکنولوجیا ومستوردها أو متلقیها ، اذ على المورد ان یتیح فرصة للمستورد للوصول الى معلوماته وخبراته ، کما ان علیه ان یقربها ویوفرها للمستورد ، وهذا یقتضی قیام تعاون وتبادل بینهما تمهیداً لاتمام هذا النقل .
فیوجد نقل للتکنولوجیا ، عندما یتمکن الطرف المتلقی لها ، من تنفیذ التکنولوجیا المستوردة، وذلک فی مرحلة اولى ، ومن إعادة إنتاجها ، وذلک فی مرحلة ثانیة ، ثم یصل الى مرحلة التجدید ، فحائز التکنولوجیا یقوم بنقلها فی مقابل معین ، بمعنى ان نقل التکنولوجیا عملیة تستخدم فیها قیمة الاستعمال أو المنفعة ، وکذلک قیمة المبادلة للتکنولوجیا المنقولة، وهذه الاخیرة بأعتبارها قیمة مبادلة ، تنقل من خلال شبکة تسیطر علیها فکرة السلطة والنفوذ ، وتعد سلعة من نوع خاص ، تکتسب مقابل عوض ، وبالتالی ، فإن لها سوقها الخاصة .
اما على الصعید التشریعی ، فلم نجد تعریفاً لعقد نقل التکنولوجیا ، الا فی قانون التجارة المصری الجدید رقم (17) لسنة 1999 ، فقد عرف عقد نقل التکنولوجیا بشکل خاص فی المادة (73) منه بانه "عقد نقل التکنولوجیا اتفاق یتعهد بمقتضاه (مورد التکنولوجیا) بأن ینقل بمقابل معلومات فنیة الى (مستورد التکنولوجیا) لاستخدامها فی طریقة فنیة خاصة لانتاج سلعة معینة أو تطویرها أو لترکیب أو تشغیل الات أو اجهزة أو لتقدیم خدمات ، ولا یعتبر نقلاً للتکنولوجیا مجرد بیع أو شراء أو تأجیر أو استئجار السلع ، ولا بیع العلامات التجاریة أو الاسماء التجاریة أو الترخیص باستعمالها الا اذا ورد ذلک کجزء من عقد نقل تکنولوجیا أو کان مرتبطاً به" ، وعلى هذا الاساس فإن عقد نقل التکنولوجیا هو کل اتفاق یتعهد بمقتضاه مورد التکنولوجیا بأن ینقل بمقابل معلومات فنیة الى مستورد التکنولوجیا لاستخدامها فی طریقة فنیة خاصة لانتاج سلعة معینة أو تطویرها أو لترکیب أو تشغیل الات أو أجهزة أو لتقدیم خدمات ، وان محل هذه المعرفة یمکن ان تتعلق بتکنولوجیا الانتاج والاستعمال وبتکنولوجیا الخدمات التی تشمل التنظیم والادارة .
وقد استبعد المشرع من نطاق هذا العقد مجرد بیع أو شراء أو تأجیر السلع باعتبار ان المحل الرئیسی لتلک العقود هو شیء اخر ، خلاف نقل المعرفة والمعلومات الفنیة ولا یعتبر نقلاً للتکنولوجیا عقود بیع العلامات التجاریة أو الاسماء التجاریة أو التراخیص باستعمالها.
المطلب الثانی
خصائص عقد نقل التکنولوجیا
ابتداءً ، یلاحظ ان تحدید خصائص عقد نقل التکنولوجیا ، یقتضی وجود صیاغة تشریعیة لهذا النمط من العقود ، ونظراً لغیاب هذه الصیاغة التشریعیة ، فلیس من سبیل الا الاستعانة بالاحکام التشریعیة التی اوردها قانون التجارة المصری ، والتی یمکن فی ضوئها تحدید الخصائص الممیزة لهذا النوع من العقود وعلى النحو الآتی :
1. عقود نقل التکنولوجیا من العقود التی تتم عبر شبکات الانترنت : تنص المادة (72) من قانون التجارة المصری على انه "تسری احکام هذا الفصل على کل عقد لنقل التکنولوجیا لاستخدامها فی جمهوریة مصر العربیة سواء اکان هذا النقل دولیا یقع عبر الحدود الاقلیمیة لمصر ام داخلیاً ، ولا عبرة فی الحالتین لجنسیة اطراف الاتفاق أو لحال اقامتهم . 2. کما تسری احکام هذا الفصل على کل اتفاق لنقل التکنولوجیا یبرم بعقد مستقل أو ضمن عقد آخر".
لا خلاف فی ان العقود المدنیة عامةً ، والعقود التجاریة خاصةً ، تتم بایجاب وقبول متطابقین ، وهو امر بدیهی یقتضیه تعریف العقد ، وقد یکون التعاقد بین حاضرین وقد یکون بین غائبین ، ونظراً لقیمة الوقت فقد یتم العقد بالمراسلة أو بالتلفون ، وقد یتم بوسائل الاتصالات الحدیثة ولاسیما شبکة الانترنت .
2. عقد نقل التکنولوجیا من العقود الملزمة للجانبین : نص قانون التجارة المصری فی المادة (73) من ذات القانون على انه "عقد نقل التکنولوجیا اتفاق یتعهد بمقتضاه (مورد التکنولوجیا) بأن ینقل بمقابل معلومات فنیة الى (مستورد التکنولوجیا) لاستخدامها فی طریقة فنیة خاصة لانتاج سلعة معینة أو تطویرها …" .
فمن خلال هذا النص یتضح لنا أن عقد نقل التکنولوجیا هو من العقود الملزمة للجانبین التی تنشئ منذ لحظة ابرامها التزامات متقابلة فی ذمة کلا الطرفین المتعاقدین وهما (المورد والمستورد) ، فالتزامات کل منهما تعتبر سبباً للالتزامات المتعاقد الاخر ، وبالتالی اذا أبطل التزام احد الطرفین أو انقضى لای سبب من الاسباب بطل ایضاً التزام الاخر وانقضى ، واذا امتنع احدهما عن تنفیذ التزاماته جاز للطرف الاخر ان یتمسک بالدفع بعدم التنفیذ أو یطلب فسخ العقد ، ویترتب على التقابل بین هذه الالتزامات ان یکون لکل منها محل متمیز عن محل التزامات الطرف الآخر ، فمحل التزام المورد هو تمکین المستورد من الانتفاع بعناصر التکنولوجیا ، بینما محل التزام المستورد ، وهو اداء المقابل المتفق علیه بالعقد ، ویؤدی الاخلال بای التزام متولد عن هذا العقد الى قیام دعوى المسؤولیة عن العقد ، وتعتبر نتیجة طبیعیة لهذه الخاصیة .
3. عقد نقل التکنولوجیا من العقود الشکلیة : تنص المادة (74) فی الفقرة (1) من ذات القانون على انه "1- یجب ان یکون عقد نقل التکنولوجیا مکتوباً والا کان باطلاً".
اذا کانت القاعدة العامة فی العقود هی قاعدة الرضائیة ، أی ان العقد ینعقد بمجرد توافر ارکانه الثلاثة وهی التراضی والمحل والسبب ، أی انه یتم بمجرد تطابق الارادتین دون حاجة الى افراغ الارادة فی شکل خاص ، الا ان المشرع قد یخرج عن هذه القاعدة العامة بشکل صریح ، فیلزم لانعقاد العقد ، اضافة الى توافر الارکان الثلاثة الاولى ، رکن رابع هو رکن الشکلیة ، وهذا هو حال عقد نقل التکنولوجیا ، فقد جعل منه المشرع المصری عقداً شکلیاً ، لا ینعقد الا اذا توافرت ارکانه الاربعة وعند تلک اللحظة تترتب علیه اثاره القانونیة
4. عقد نقل التکنولوجیا من عقود المعاوضة : تنص المادة (82) من ذات القانون المذکور آنفاً على انه "1- یلتزم المستورد بدفع مقابل التکنولوجیا والتحسینات التی تدخل علیها فی المیعاد والمکان المتفق علیهما . 2- یجوز ان یکون المقابل مبلغاً اجمالیاً یؤدی دفعة واحدة أو على دفعات متعددة ، کما یجوز ان یکون المقابل نصیباً من رأس المال المستثمر فی تشغیل التکنولوجیا أو نصیباً من عائد هذا التشغیل ، 3- ویجوز ان یکون المقابل کمیة معینة من السلعة التی تستخدم التکنولوجیا فی انتاجها أو مادة اولیة ینتجها المستورد ویتعهد بتصدیرها الى المورد".
یتضح من خلال هذا النص ان عقد نقل التکنولوجیا یعد من عقود المعاوضة، وهذا الاخیر هو العقد الذی یأخذ فیه المتعاقد مقابلاً لما اعطاه ، فهذا النص یؤکد على العوض لا باعتباره المقابل الذی یلتزم المستورد بدفعه الى المورد فحسب ، وانما باعتباره رکناً من ارکان العقد ، فهو من عقود المعاوضة لان کلاً من طرفی العقد یحصل على مقابل لما یلتزم بمقتضاه ، فالتمکین من الانتفاع بخدمات نقل التکنولوجیا هو العنصر الجوهری الاول فی هذا العقد ، والمقابل أو العوض هو العنصر الجوهری الثانی فی هذا العقد ایضاً . وبتعبیر آخر فإن المقابل النقدی لعقد نقل التکنولوجیا هو عبارة عن مبلغ من النقود یقوم متلقی التکنولوجیا أی المستورد بدفعه للمورد کمقابل للمعرفة الفنیة التی نقلها الیه المورد والتحسینات التی ادخلها على التکنولوجیا موضوع العقد .
5. عقد نقل التکنولوجیا من عقود المدة : تنص المادة (86) من قانون التجارة المصری على انه "یجوز لکل من طرفی عقد نقل التکنولوجیا بعد انقضاء خمس سنوات من تاریخ العقد، ان یطلب انهاؤه أو اعادة النظر فی شروطه بتعدیلها بما یلائم الظروف الاقتصادیة العامة القائمة، ویجوز تکرار تقدیم هذا الطلب کلما انقضت خمس سنوات ما لم یتفق على مدة اخرى".
یتبین من خلال هذا النص ان عقد نقل التکنولوجیا ، یعتبر من عقود المدة ، فالمدة تعتبر عاملاً جوهریاً فی العقد ، وهذا یجعل منه عقداً زمنیاً ، ویستغرق تنفیذ هذا العقد مدة خمس سنوات وبهذا یختلف عقد نقل التکنولوجیا باعتباره من العقود الزمنیة عن العقود الفوریة التنفیذ ، إذ لا یؤدی الزمن فیها دوراً جوهریاً ، وعنصر الزمن لا یمکن فصله عن عنصر التمکین بالانتفاع بالنقل أو عنصر المقابل للنقل ، فالتمکین من الانتفاع بالنقل لا یتصور الا أن یکون ممتداً فی الزمان ، والمقابل یحسب على اساس مدة الانتفاع ، والعقود الزمنیة اما ان تکون مستمرة التنفیذ أو تکون دوریة التنفیذ ، ویدخل عقد نقل التکنولوجیا فی دائرة العقود المستمرة التنفیذ ، لان التمکین بالانتفاع بنقل التکنولوجیا یتحقق خطوة خطوة ، ولیس فی فترات دوریة .
ویلاحظ على هذا النص انه یعتبر من قبیل القواعد القانونیة المکملة والمفسرة لارادة المتعاقدین ، فقد اعطى المشرع للمتعاقدین حریة انهاء العقد أو اعادة النظر فی شروطه، وذلک بما یلائم الظروف الاقتصادیة المستجدة ، وبغض النظر عن مدة العقد على انه یجوز تکرار هذا الطلب کلما انقضت مدة خمس سنوات الا اذا اتفق المتعاقدان على مدة اخرى .
6. عقد نقل التکنولوجیا من العقود التی تتمیز بخصوصیة المحل فیها : ان التکنولوجیا تعتبر محل العقد فی عقد نقل التکنولوجیا ، بمعنى آخر ان التکنولوجیا تعتبر الاداء الذی اتجهت له ارادة طرفی الالتزام ، وان هذا الاداء اما ان یکون عملاً أو امتناعاً عن عمل أو نقل حق عینی ، وفی الحالة الاولى والثانیة یکون مظهر وجوده هو مکان القیام به ، ویبدو هذا الأمر واضحاً فی عقود التدریب والبحث، حیث ینتقل عمال وفنیو المتلقی أی المستورد الى منشآت المجهز أی المورد أو العکس، وکالتزام العامل بالامتناع عن افشاء اسرار المهنة ، اما اذا کان محل الالتزام هو نقل حق الملکیة أو أی حق عینی اخر کمعلومات أو معرفة ، فاننا نکون وفق القواعد العامة امام فرضیتین لا ثالث لهما :
- الفرضیة الاولى : ان ینصرف قصد المتعاقدین الى التعامل على شیء موجود فی الحال، مثال ذلک عقود الهندسة والمساعدة الفنیة .
- الفرضیة الثانیة : ان ینصرف قصد المتعاقدین الى التعامل فی شیء لم یکن موجوداً فی الحال ولکنه ممکن الوجود فی المستقبل کما هو الحال فی عقود البحث والتطویر . وفی هذه الحالة الاخیرة لا یشترط فی المحل ان یکون موجوداً وقت التعاقد ، فینعقد العقد صحیحاً ، طالما انه قابل للوجود .
وهذا یعنی ان خاصیة الجدة التی تمتاز بها المعرفة الفنیة تکون قائمة على عناصر موجودة ، مع اضافة تحسینات عملیة أو تفصیلیة تدخل فی صناعة محددة. ومعیار التجدید فی هذه الحالة هو معیار ذاتی ، اذ یقاس بمستوى التکنولوجیا الموجودة فی المشروعات الاخرى. وخاصیة الجدة هذه قد تکون مطلقة فیکون لها طابع الاختراع ، وقد تکون نسبیة أی لا تکون المعرفة جدیدة تماماً ، غیر ان اتفاقیة الجوانب المتصلة بالتجارة فی الملکیة الفکریة (تریبس) لم تأخذ بالجدة النسبیة ، انما اشترطت ان تکون الجدة مطلقة من الناحیة الموضوعیة والشکلیة .
اما من حیث تعیین محل العقد تعیناً نافیاً للجهالة الفاحشة والغرر ، فمعروف ان الاشیاء المعینة بالذات یتم تعیینها اذا کانت موجودة فی مجلس العقد ، اما اذا کانت غیر موجودة، فإن المتعاقدین اللذین تعاملا على شیء غیر موجود فانه یکون لهم خیار الرؤیة أو خیار التجربة أو خیار التعیین ، وهذا کله وفقاً للقواعد العامة فی النظریة العامة للالتزام .
غیر أن کل هذه القواعد لا تنطبق على محل عقد نقل التکنولوجیا ، والسبب فی ذلک هو ان طبیعة المحل وخصائصه لا تسمح بهذا التطبیق ، فمحل عقد نقل التکنولوجیا یتمثل بالمعرفة الفنیة ، بید ان التساؤل الذی یطرح نفسه فی هذا المجال : هل المعرفة الفنیة وباعتبارها محلاً لهذا العقد قابلة للانتقال للغیر ؟ جواباً عن ذلک نقول ان المعرفة الفنیة وکمحل للعقد یمکن ان تنتقل للغیر وذلک باعتبارها أی مال من الاموال قابل للتعامل به ، فلا یحول دون ذلک الا اذا اوجد نص فی القانون یقضی بخلاف ذلک أو کان الفعل مخالفاً أو للنظام العام والاداب العامة .
المطلب الثالث
تمییز عقد نقل التکنولوجیا عن بعض الحالات المشابهة
نود ان بین فی هذا المطلب الفرق بین مفهوم التکنولوجیا عموماً والمعرفة الفنیة خصوصاً ، باعتبار هذه الاخیرة تشکل محلاً لعقد نقل التکنولوجیا ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، نحاول بیان الفرق بین عقد نقل التکنولوجیا وعقد المشورة المعلوماتیة ، وهذا یقتضی ان نوزع هذا المطلب الى فرعین على النحو الآتی :
الفرع الأول
تمییز عقد نقل التکنولوجیا عن المعرفة الفنیة
تعد المعرفة الفنیة عنصراً من عناصر التکنولوجیا ، وتمثل المحور الرئیسی لعملیات نقل التکنولوجیا على الصعید الدولی ، لکن ثمة فرق دقیق جداً بین التکنولوجیا والمعرفة الفنیة، فالخبرة هی وعاء یحوی المعرفة الفنیة اضافة الى عناصر اخرى کالمساعدة الفنیة وبراءات الاختراع والتراخیص الصناعیة والعلامات التجاریة ، وکل من هذه العوامل یمکن ان تکون محلاً لعقد نقل التکنولوجیا .
وجدیر بالذکر ان المعرفة الفنیة لها مفهومان ، الاول فی المجال الفنی ، والثانی فی المجال القانونی ، ففی المجال الفنی تختلف المعرفة الفنیة عن غیرها من المعارف التکنولوجیة، وذلک من حیث العناصر المادیة التی تضمها والتی تؤثر فی اسلوب نقلها . فالتکنولوجیا مجموعة معارف تتجسد فی اشیاء مادیة کالوثائق والعدد والآلات والانسان ذاته، وعلى هذا الاساس تختلف اداة النقل ، فهی فی عقود نقل التکنولوجیا تتمثل فی عقود مختلفة کعقد البیع والمقاولة والبحث والهندسة . بینما فی المعرفة الفنیة وبمعناها الفنی فانها تتجسد فی عاملین رئیسین ، الاول ، الوحدة الانتاجیة (المتمثلة بالعناصر المادیة) ، والثانی ، هو العقول والایدی. ومن ثم فإن عملیة نقلها تتم من خلال عقود تختلف من حیث الطبیعة والاسلوب ، کعقود التدریب مثلاً سواء کان التدریب داخل وحدات المصدر أو کان من خلال الانتقال الى وحدات المستورد .
اما عن المفهوم القانونی للمعرفة الفنیة ، فیلاحظ انه محل خلاف بین الفقه والقضاء، اذ یعرف الفقیه الالمانی د. یرمنجر المعرفة الفنیة من الناحیة القانونیة إنها "کل المعلومات التقنیة التی تمثل اثراء تقنیاً والتی تفتقر المعرفة بها على دائرة ضیقة من الاشخاص" .
فی حین یذهب الاستاذ (ماک دونالد) فی تعریفه للمعرفة الفنیة فیقول بانها "عبارة عن معلومات فنیة لها میزتان ، الاولى انها سریة والثانیة انها تعطی لصاحبها افضلیة على منافسیه" .
وعلى صعید القضاء ، فقد اشار الدکتور حسام محمد عیسى ، الى ان القضاء الامریکی، قد اصدر بعض القرارات التی تتضمن مفهوماً قانونیاً للمعرفة الفنیة ، ففی قرار صادر عام 1962 ، عرف القضاء الامریکی المعرفة بانها "الاسالیب والطرق الصناعیة والمعارف والخبرات المرتبطة بها". وبهذا المعنى یأخذ القضاء الانکلیزی ، اذ یرى أن المعرفة الفنیة هی اشیاء تختلف عن المعارف السریة . فهی الاسلوب أو الطریقة التی یؤدی بها الشخص الماهر عمله ومن خلالها یعبر عن خبرته ومهارته . فالمعرفة لا تنقل بمجرد اتباع ارشادات مکتوبة ، انما تنقل من خلال اسلوب الشخص الخبیر وتطبیقه لهذه الارشادات .
ومن خلال کل ما تقدم ، یتضح لنا أن المعرفة الفنیة تتحلل الى عنصرین اساسین هما المعرفة والخبرة ، فالاولى أی المعرفة ، تعد العنصر المعنوی لمجمل المعارف المکتسبة، فهی محل استغلال متى ما امکن الانتفاع بها . بینما تعنی الثانیة أی الخبرة ، التطبیق العملی ، وتتضمن سلسلة من التجارب الى ان تنتهی بالسر الصناعی ، ویمکن ان نعدها العنصر المادی للمعرفة .
وجدیر بالذکر انه "یجب التمییز بین السر الصناعی والمعرفة من حیث المضمون، فالمعرفة الفنیة قیمة اقتصادیة قابلة للتعرف بها ، بینما السر الصناعی یقتصر على المالک، ونادراً ما یمکن التصرف به ، وقد یشکل عنصراً من عناصر المعرفة الفنیة ، عندما یمکن نقلها بعد ان تتجسد باحد عواملها ، ومن ثم یتم نقلها بالاسلوب المناسب ، اما بعقود التدریب أو البحث أو الاستشارة الفنیة" .
الفرع الثانی
تمییز عقد نقل التکنولوجیا عن عقد المشورة المعلوماتیة
یعرف عقد المشورة المعلوماتیة "بانه ذلک العقد الذی یعتمد على اداء معین للمستشار المتخصص والذی یضع العمیل ثقته فیه بقصد الحصول على انظمة معلومات متطورة تعکس خبرته فی تحلیل المعلومات التی یتلقاها من العمیل وتخزینها فی جهاز الحاسب الآلی والذی یقوم بمعالجتها آلیاً طبقاً للغة الحاسب الآلی التی یعرفها خبیر البرمجة (المستشار) واخراجها من احدى وحدات الاخراج لهذا الجهاز فی شکل برنامج تطبیقی یکفل تحقیق نتائج تتفق والغایة التی یبحث عنها العمیل من وراء ابرامه لهذا العقد" .
فجوهر هذا العقد هو المشورة التی یجب ان یتضمنها البرنامج التطبیقی الذی یعبر عن خلاصة فکر خبیر البرمجة واستعانته بالتکنولوجیا المعاصرة ((جهاز الحاسب الآلی)) الذی یوجه آلیاً ، جملة من الایعازات التی تفهمها الحاسبة بلغتها الوحیدة لتخرج فی صورة البرنامج التطبیقی الذی هو جوهر المشورة والذی یعکس خبرة المستشار وتفوقه فی مجال المشورة .
ولما کان عقد المشورة المعلوماتیة ، یعتمد على مجموعة من المعلومات یقدمها المستشار لعمیله من خلال تکنولوجیا المعرفة التی یملکها وادواتها التقنیة ، فقد ذهب جانب من الفقه الى القول بأن عقد المشورة المعلوماتیة هو صورة من صور عقد نقل التکنولوجیا . مستندین فی تبریر وجهة النظر هذه الى وجود مجموعة من العناصر الجوهریة المتشابهة بینهما وفی مقدمتها ان موضوع عقد نقل التکنولوجیا هو انشاء التزام فی ذمة احد المتعاقدین بأن ینقل ما لدیه من معرفة فنیة الى المتعاقد الآخر نظیر مقابل مادی ، وهذا هو جوهر عقد المشورة المعلوماتیة .
فضلاً عن ان المعرفة الفنیة تشکل محلاً لعقد نقل التکنولوجیا ولعقد المشورة المعلوماتیة ، اضافة الى الاجر یعتبر احد الالتزامات الاساسیة لعقد نقل التکنولوجیا وهذا هو شأن عقد المعلوماتیة . اضافة الى ان عبارة (Know How) تتضمن الان عنصراً ذهنیاً یتمثل بالمعرفة والخبرة. ومن ثم فالنشاط الذهنی الذی یقوم به المستشار من خلال فهم آلیات الحاسب الالی ولغته وکیفیة معالجته للمعلومات آلیاً ، ومن ثم تسلیم البرنامج المعلوماتی متضمناً هذه المعرفة الفنیة والذهنیة ، فإن کل ذلک یسمح بالقول بوصف ادائه فی عقد المشورة بانه من قبیل عقود نقل التکنولوجیا .
اذا کان ما تقدم ذکره یمثل عناصر مشترکة بین عقد المشورة المعلوماتیة وعقد نقل التکنولوجیا، بحیث یبعث على الاعتقاد بأن الاول ما هو الا صورة من هذا الاخیر ، فإن اوجه الاختلاف بینهما تبدو واضحة ویمکن ایجازها بما یلی :
1. اذا کان منتج (المصدر) التکنولوجیا یدخل فی اعتباره عند تقدیره للمقابل تلک الخسائر التی تتحقق من اقتسامه لسوق التسویق لهذه التکنولوجیا بینه وبین المتنازل له (المستورد) ، فانه على عکس ذلک ، یدخل المستشار فی اعتباره عند تقدیر اجره مدى نجاح معرفته الفنیة وابداعه الفکری من خلال نجاح برنامجه فی تحقیق اهدافه فی تحسین انتاجیة المشروع وتسویقه . وان التنافس هنا غیر وارد ، ونجاح العمیل لا یعنی فقدان المستشار لعملائه ، کما هو الحال بالنسبة للنجاح الذی یصادف المتنازل له (المستورد) فی استغلال التکنولوجیا ، حیث ان الوجه الاخر لهذا النجاح یعنی فقدان منتج التکنولوجیا ، لعملائه فی تسویق سلعته.
2. اذا کان عقد نقل التکنولوجیا یتضمن نقل اسرار التکنولوجیا والتنازل عنها للمرخص له (المستورد) وطرق استیعابها ، فإن هذه المسألة تبعد المقارنة بین هذا العقد وعقد المشورة. فالمستشار لا ینقل الى عمیله ایة اسرار تکنولوجیة ، وکل ما فی الامر انه یوجهه من خلال برنامجه – (سواء البرامج التطبیقیة أو التشغیلیة) – الى اختیار افضل مساعدة فی بعث الحیاة مرةً اخرى فی مشروعه وانتشاله من عثرته .
المبحث الثانی
الطبیعة القانونیة لعقد نقل التکنولوجیا
یتنازع تحدید الطبیعة القانونیة لعقد نقل التکنولوجیا ، اتجاهات رئیسیة ثلاثة ، الاول یمثل الاتجاهات الفقهیة العامة لتقسیم عقود نقل التکنولوجیا ، وهذا بدوره انقسم فی هذا الامر الى اتجاهین اساسیین ، هما تقسیم عقود نقل التکنولوجیا بحسب الشروط التقییدیة الواردة فیها، والآخر هو تقسیمها بحسب محل العقد أی مضمون الالتزام الرئیسی فیها ، اما الاتجاه الثانی فیذهب فی تحدید طبیعتها القانونیة على اساس انها نوع من انواع العقود المسماة ، اما الاتجاه الثالث فیرى ان عقد نقل التکنولوجیا هو نوع من انواع العقود التجاریة ، وعلى هذا الاساس، فإن هذا المبحث یتوزع الى ثلاثة مطالب یتناول کل مطلب منها اتجاهاً على حدة على النحو الآتی :
المطلب الأول
الاتجاهات الفقهیة العامة لتقسیم عقود نقل التکنولوجیا
ذهب جانب من الفقه الى ان مصطلح عقد نقل التکنولوجیا ، هو فی حقیقة الامر ، لیس الا مجموعة من العقود المتنوعة والمتباینة ، لکل منها طبیعته القانونیة الخاصة، ونظامه القانونی المتمیز ، وعلى هذا الاساس ، نجد ان بعضاً منها لیس الا عقد بیع أو ایجار أو مقاولة . لابل ان البعض من عقود نقل التکنولوجیا ، هو فی حقیقة الامر ، لیس الا مرکباً عقدیاً ، من مجموعة من العقود المترابطة مع بعضها البعض ، وذلک على غرار عقد الفندقة. اما ما یجمع عقود نقل التکنولوجیا على تنوعها وتباینها ، انها تؤدی الى نقل المعارف التکنولوجیا من الطرف الاول الى الطرف الثانی فی العقود وذلک باعتباره اثراً من الآثار المترتبة علیها سواء ترتب هذا الاثر بصفة اصلیة أو تبعیة
وهذه الاتجاهات الفقهیة العامة انقسمت فی تحدید الطبیعة القانونیة لهذا النوع من العقود الى اتجاهین اساسین هما :
- الاتجاه الاول : الشروط التقییدیة : وقد تبنت هذه الاتجاه منظمة الأنکتاد، وقد کان له اثر کبیر على تشریعات نقل التکنولوجیا فی الدول النامیة ، فبموجب هذا الاتجاه یکون الاهتمام بشکل رئیسی بالشروط التقییدیة التی تفرضها الشرکات متعددة الجنسیات على المشروعات المتلقیة للتکنولوجیا فی الدول النامیة .
فقد بدأ اعتباراً من اواخر الخمسینات ومطلع الستینات الاهتمام الدولی بالتنظیم القانونی لنقل التکنولوجیا ، وتولت هیئات دولیة واقلیمیة مهمة التوصل الى صیغ نموذجیة مقبولة لعقود نقل التکنولوجیا ، وفی هذا الصدد فإن اهم الجهود تتمثل بما قدمته وبذلته منظمات وهیئات أربع من هیئات الامم المتحدة ، الاول ، مؤتمر الامم المتحدة للتنمیة (أنکتاد) منذ العام 1962 ، وجهود مؤتمر الامم المتحدة للتنمیة الصناعیة (یونیدو) منذ عام 1965 ، وجهود لجنة الامم المتحدة للتجارة الدولیة (یونسترال) منذ عام 1966 ، وجهود المنظمة العالمیة للملکیة الفکریة (الوایبو) لعام 1967 .
وحدیثاً قررت المادة (40) من جملة مبادئ فی حقل مراقبة الممارسات غیر المشروعة فی التراخیص العقدیة ، تمثل اساساً مهماً لمواجهة الشروط الجائرة فی تعاقدات وتراخیص نقل التکنولوجیا ، فقد نصت المادة المذکورة على انه "1- توافق البلدان الاعضاء على انه قد یکون لبعض ممارسات أو شروط منح التراخیص للغیر فیما یتعلق بحقوق الملکیة الفکریة المقیدة للمنافسة اثار سلبیة على التجارة ، وقد تعرقل نقل التکنولوجیا ونشرها . 2- لا یمنع أی من احکام هذا الاتفاق البلدان الاعضاء من ان تحدد فی تشریعاتها ممارسات أو شروط الترخیص للغیر التی یمکن ان تشکل فی حالات معینة اساءة لاستخدام حقوق الملکیة الفکریة أو التی لها اثر سلبی على المنافسة فی السوق ذات الصلة . وحسبما تنص علیه الاحکام الواردة اعلاه، یجوز لای من البلدان الاعضاء اتخاذ تدابیر ملائمة تتسق مع الاحکام الاخرى المنصوص علیها فی هذا الاتفاق لمنع هذه الممارسات أو مراقبتها ، ویجوز ان تشمل هذه التدابیر مثلاً منع اشتراط عودة الحق فی براءات اختراع ناجمة عن التراخیص الى المرخص ولیس المرخص له ، ومنع الطعن فی قانونیة الترخیص أو منع اشتراط الترخیص القسری بمجموعة من الحقوق بدلاً من حق واحد ، فی اطار القوانین واللوائح التنظیمیة المتصلة بذلک فی أی من الدول الاعضاء" .
ویتضح من خلال النص المذکور آنفاً أن هناک اتفاقاً دولیاً على الامور التالیة :
1. ان القیود المفروضة فی بعض اتفاقیات نقل التکنولوجیا وتراخیص الملکیة الفکریة سیکون لها اثر سلبی على التجارة العالمیة وستؤدی الى عرقلة نقل ونشر التکنولوجیا.
2. للدول الاعضاء حق تحدید الممارسات أو الشروط ذات الاثر السلبی ولها حق اتخاذ التدابیر لمنعها أو مراقبتها .
3. یحق حظر اشتراط عودة الحق فی براءات اختراع ناجمة عن التراخیص الى المرخص.
4. یحق منع الطعن فی قانونیة الترخیص .
5. یحق منع اشتراط الترخیص القسری بمجموعة حقوق بدلاً من حق واحد .
وهذا هو موقف المشرع المصری من الشروط التقییدیة وذلک ما اکدته المادة (75) من قانون التجارة المصری الجدید ، رقم (17) لسنة 1999 .
- الاتجاه الثانی : محل العقد : تزعم هذا الاتجاه الاستاذ فیلیب کان Philippe kaha ، اذ ذهب الى تقسیم عقود نقل التکنولوجیا بحسب محلها ، أی حسب مضمون الالتزام الرئیسی فیها، وقال بانها تکون على نوعین هما :
1. عقود اکتساب التکنولوجیا التی یکون محلها الرئیسی ، نقل المعارف والقدرات التکنولوجیا، وهی عقود التنظیم وعقود التدریب وعقود المساعدة الفنیة ، وعقود البحث .
2. والى عقود تنتج اثاراً فی مجال نقل التکنولوجیا دون ان تکون هذه الآثار هی المحل الرئیسی للعقد، وهی عقود الترخیص فی استغلال براءات الاختراع ، وعقود بیع العدد والآلات، وعقد تسلیم المفتاح وانشاء وبیع المجمعات الصناعیة أو عقود الخدمات الهندسیة .
ویلاحظ على هذا الاخیر ، انه قد رکز اهتمامه على تحلیل وتصنیف عقود نقل التکنولوجیا من حیث مدى فعالیتها ، فی تمکین الطرف المتلقی من اکتساب التمکن التکنولوجی، وما یستلزمه ذلک من السیطرة الکاملة على جوانب التکنولوجیا المنقولة کافة، وذلک على اساس ان اکتساب التمکن التکنولوجی ، هو الهدف الاساس الذی تسعى الى تحقیقه الدول النامیة .
ویلاحظ على الاتجاه الاول ، انه ظل محتفظاً بالاهتمام لمنع الممارسات التقییدیة لمصدری التکنولوجیا ، اذ ان هذا الاتجاه ینظر الى التکنولوجیا باعتبارها قیمة مبادلة واغفل النظر الیها باعتبارها قیمة استعمال . الامر الذی ادى الى الابتعاد عن طرح قضایا نقل التکنولوجیا ، ومنها قضیة اکتساب التمکن التکنولوجی واستیعابها والسیطرة علیها .
اما الاتجاه الثانی ، فیلاحظ علیه ان اعتبار هذا العقد من عقود نقل التکنولوجیا من عدمه ، لا یتوقف على ما اذا کان الالتزام بتقدیم المعونة الفنیة اصلیا أو تبعیاً ، وانما یتوقف على مضمون هذا الالتزام ، أی على طبیعة الاداءات التی یلتزم بها مورد التکنولوجیا ومضمونها ، وعلى مدى الدور الایجابی الذی یؤدیه المتلقی (المستورد) فی تحدید مضمون هذه الاداءات ، وعلى هذا الاساس فانه یکون عقد شراء السلع الرأسمالیة من افضل ادوات نقل التکنولوجیا واقلها خطورة على استغلال المشروع المتلقی للتکنولوجیا .
المطلب الثانی
عقد نقل التکنولوجیا من العقود المسماة
لاشک ان التنوع فی الالتزامات الناشئة عن عقد نقل التکنولوجیا ، یجعل من الصعب تقریب هذا العقد من احد العقود المسماة . وقد یکون من المغری النظر الى هذا العقد باعتباره متضمناً لمجموعة من العقود المتجاورة (کعقد مقاولة وعقد بیع وعقد ترخیص وعقد تدریب…) وخاصةً اذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ، ان الاطراف رغم اتفاقهم على غایة واحدة للتعاقد فانهم فی الغالب یتجهون الى تجزئة العقد الى مجموعة من الاداءات المتمیزة .
وبعبارة اکثر بساطة نحن ازاء نموذج لعقد مرکب ، ومن ثم فإن تکییفه یثیر نفس المشکلة التی یثیرها امر تکییف هذه الطائفة من العقود . واذا جارینا منطق النظریات الفقهیة السائدة فی هذا الصدد ، فإن مقتضى الاخذ بنظریة الجمع هو تطبیق مرکب أو خلیط من القواعد القانونیة على هذا النمط العقدی ، یجمع بین قواعد المقاولة (تشیید المبانی واعمال الهندسة المدنیة…) . وقواعد البیع (تورید المعدات والمهمات والتجهیزات اللازمة)، وقواعد الایجار (الترخیص فی استغلال التکنولوجیا) . اما تطبیق نظریة التغلیب وقاعدة تبعیة الفرع للأصل فانه قد یؤدی بحسب وجهة النظر ، اما الى اضفاء وصف البیع على العقد فی جملته وذلک اذا ما نظر الى قیمة الاداء الخاص بتورید الآلات والمعدات کقیمة تعلو باقی قیم الاداءات الاخرى ، أو یؤدی الى تکیفیه کعقد مقاولة تغلیباً لقیمة العمل فی العملیة بالنظر الى باقی الاداءات .
وبهذا الصدد یلاحظ ، ان العقود تکون على نوعین ، هی العقود المسماة والعقود غیر المسماة ، والعقد المسمى هو ما کان له تنظیم قانونی خاص تحت اسم معین ، ذلک ان القانون قد یورد احکاماً لطوائف من العقود تحمل اسماء معینة. هذه العقود هی ما جرى الاصطلاح على تسمیتها بالعقود المسماة . اما العقود غیر المسماة فهی العقود التی لم یورد لها المشرع احکاماً خاصة بها وانما یخضع نشوءها واحکامها للقواعد العامة المقررة لجمیع العقود . فالعبرة فی کون العقد مسمى هو وجود التنظیم القانونی المباشر لهذا العقد، فاذا اوجد کان عقد مسمى وان لم یوجد کان عقد غیر مسمى .
وعلى هذا الاساس یقرر جانب من الفقهاء الفرنسیین ، أن طبیعة هذا النمط من العقود –عقود نقل التکنولوجیا- یعد عقد مقاولة ، على اعتبار ان هذا العقد –عقد المقاولة- لا یقتصر المحل فیه على البناء أو المنشآت الثابتة ، وانما قد یکون اشیاء منقولة مختلفة . الا ان هذا التکییف لا یستقیم قانوناً ، لان القانون المدنی الفرنسی یخلط بین عقد الایجار وعقد المقاولة وعقد العمل ، ومع ذلک فقد یطغى عقد المقاولة على جانب کبیر من عقود نقل التکنولوجیا ، کما هو الحال فی عقد تسلیم المفتاح . وقد تکون هذه العقود عقود بیع أو أی عقد بسیط اخر محله التکنولوجیا أو احد عناصرها فقط . وایاً کان الامر فإن التکنولوجیا أو عناصرها التی تعرف بالمعرفة الفنیة (Know-How) هما محل وسبب عقد نقل التکنولوجیا، اذ ان هذه الاخیرة لا تبرم الا للحصول على تلک التقنیة .
وعلى خلاف وجهة النظر السابقة للفقهاء الفرنسیین من ان عقد نقل التکنولوجیا هو من عقود المقاولة ، ترى الدکتور نصیرة بوجمعة ، بأن عقد نقل التکنولوجیا هو عقد غیر مسمى، فمن خلال تحلیل هذا العقد الى اجزائه تبین بانه خلیط من مجموعة من العقود فهو عقد غیر مسمى لانه عبارة عن مرکب عقدی .
المطلب الثالث
عقد نقل التکنولوجیا من العقود التجاریة
ذهب جانب من الفقه الى القول بأن عقد نقل التکنولوجیا من العقود التجاریة التی تخضع فی احکامها الى القواعد الخاصة بالعقود التجاریة المنظمة فی القانون التجاری کأصل عام ، والى قواعد القانون المدنی الخاصة بنظریة العقد ، فیما لم یرد بشأنه قاعدة خاصة فی القانون التجاری ، واساس هذا الاتجاه هو وجود نص صریح فی قانون التجارة المصری رقم (17) لسنة 1999 اذ ورد ضمن نصوصه تنظیم خاص ضمن الفصل الاول لعقد (نقل التکنولوجیا) حیث عالجت المواد (72) الى (87) الاحکام المنظمة لهذا العقد، اذ حددت المادة (72) منه فی فقرتها الاولى نطاق سریان التنظیم القانونی للعقد اذ یشمل النقل سواء کان دولیاً یقع عبر الحدود المصریة أو داخلیاً ، وبغض النظر عن جنسیة اطراف العقد أو محل اقامتهم أو موطنهم . وتبریر سریان هذه الاحکام على العقود الدولیة والداخلیة وعلى حدٍ سواء ، هو الحیلولة دون التحایل على احکامه ، ولاسیما انه قد یتصور ان مثل هذه العقود لا تبرم الا مع جهات خارج مصر ، الامر الذی یضفی علیها الطابع الدولی ، الا انه احیاناً قد یلجأ المورد الاجنبی للتکنولوجیا –تهرباً من احکام القانون- الى نقل التکنولوجیا الى المشروعات المصریة عن طریق مشروعاتها العاملة بالفعل فی مصر ومن المادة نفسها فی فقرتها الثانیة حدد نطاق تطبیق هذه الاحکام على کل اتفاق لنقل التکنولوجیا یبرم بعقد مستقل . بحیث یکون الالتزام بنقل المعارف التزاماً رئیسیاً فی العقد أو ضمن عقد آخر یکون فیه الالتزام بنقل التکنولوجیا تابعاً لالتزام رئیسی .
وبما ان عقد نقل التکنولوجیا من الممکن ان یقع بین اطراف دولیة فقد حاول المشرع المصری حمایة المصلحة الوطنیة من خلال تنظیم ما یسمى بالشروط التقییدیة بنص المادة (75) من القانون المذکور ، فقسم هذه الشروط الى قسمین فاخضع البعض منها لنظام البطلان وجعل بطلان البعض الآخر أمراً جوازیاً للمحکمة .
فاما القسم الاول ، الذی یشمل الشروط التی اعتبرها المشرع باطلة بطلاناً مطلقاً فهی:
1. کل شرط یضع قیداً على حریة المستورد فی تحدید حجم الانتاج سواء کان ذلک بوضع حد أقصى أو حد أدنى لحجم الانتاج أو تحدید ثمن المنتج أو کیفیة توزیعه أو تصدیره.
2. کل شرط یلزم المستورد بشراء معدات الانتاج أو مکوناته أو المواد الاولیة أو قطع الغیار من المورد وحده أو من المنشآت التی یعینها دون غیرها ، وهذه الشروط اطلق علیها شرط الشراء الاجباری .
اما القسم الثانی ، فیشمل الشروط التی اخضعها المشرع لنظام البطلان الجوازی :
وهی الشروط التی تقید من حریة المستورد فی استخدام التکنولوجیا أو تطویرها ، وهی شروط تعوق امکانیة اکساب المشروع المستورد الرکن التکنولوجی ، وتحول دون تحقیق الاستغلال التکنولوجی فی المستقبل . مثل شرط حظر ادخال تحسینات على التکنولوجیا لتلائم ظروف منشأة المستورد . اذ یشترط حظر الحصول على تکنولوجیا اخرى مماثلة أو منافسة فضلاً عن تلک الشروط التی تفرض على المستورد استعمال علامات تجاریة معینة أو تلزمه باشراک المورد فی الادارة ، وکذلک الشروط التی تمکن المورد من التدخل فی اختیار العاملین لدى الطرف المستورد .
وبهذا الاتجاه یکون المشرع المصری قد اتخذ موقفاً وسطاً بین التشریعات الاخرى التی اعتبرت هذه الشروط کلها باطلة بطلاناً مطلقاً ، منطلقةً فی ذلک بالآثار التی تترتب على هذه الشروط ، ولاسیما ما تلحقه من اضرار جسیمة بمصالح المشروعات المستوردة للتکنولوجیا من جهة ، وما تلحقه من اضرار بالاقتصاد الوطنی من جهة اخرى .
وانطلاقاً من مبدأ الحفاظ على المصلحة الوطنیة فقد جعل المشرع المصری الفصل فی المنازعات التی تنشأ من عقد نقل التکنولوجیا من اختصاص المحکمة المصری، ویعد القانون المصری هو القانون الواجب التطبیق على المنازعات ویعد کل اتفاق على خلاف ذلک باطلاً.
واذا کان المشرع المصری قد حسم الخلاف حول طبیعة عقد نقل التکنولوجیا باعتباره من العقود التجاریة المنظمة بنصوص صریحة ، فإن الامر یختلف بالنسبة للقانون العراقی ، ولاسیما فی ظل غیاب التنظیم التشریعی لمثل هذه العقود .
فالسؤال الذی یرد فی هذا المجال ، هل یمکن اعتبار عقد نقل التکنولوجیا عقد تجاری فی ظل القانون العراقی ؟ للاجابة عن هذا السؤال یجب ان نعرف متى یعتبر العمل تجاریاً . فبالرجوع الى احکام قانون التجارة العراقی وبالاخص المادتین (5) و (6) منه ، نجد ان المشرع قد اورد الاعمال التجاریة على سبیل الحصر ، وقد اعتمد المشرع العراقی على معیار المضاربة (قصد تحقیق الربح) فی المادة (5) کأساس للتمییز بین ما یعد عملاً تجاریاً وما لا یعد کذلک ، الا انه من جانب اخر، قرر تجاریة اعمال اخرى بالنظر الى طبیعتها وبصرف النظر عن صفة القائم بها أو نیته ، کالاعمال المتعلقة بالاوراق التجاریة . هذا الى جانب کون الاعمال التجاریة التی تمارس بقصد الربح والتی سردها القانون یتضمن اغلبها وبالضرورة مفهوم المشروع التجاری وتداول الثروة . الامر الذی یدل على ان المشرع العراقی اخذ باکثر من معیار للعمل التجاری اخذاً بالاعتبار متطلبات الواقع العملی والتطور المتلاحق للنشاط التجاری . وبالاطلاع على النصوص القانونیة نجد انها جاءت خالیة من الاشارة الى عقد نقل التکنولوجیا باسمه المعروض امامنا ، الا انه قد اعتبر نقل الاشیاء أو الاشخاص من قبیل الاعمال التجاریة بصریح الفقرة (9) من المادة (5) من قانون التجارة العراقی ، فعقد النقل عمل تجاری بحکم القانون ویتجسد هذا العمل بتغییر (Replacement) مکان الاشیاء أو الاشخاص فهو یستند والحالة هذه على فکرة الحرکة والتداول ، وقد سبق وان اشرنا الى تعریف عقد النقل فهو اما یرد على الاشیاء أو على الاشخاص . والسؤال هنا هل یعد عقد نقل التکنولوجیا من قبیل عقد نقل الاشیاء ؟ للاجابة على هذا السؤال نقول بانه سبق ان تناولنا فی هذا البحث معنى کلمة (تکنولوجیا) من النواحی اللغویة والاقتصادیة والقانونیة ، ووجدنا أن التکنولوجیا هی من قبیل الاموال المعنویة ذات القیمة الاقتصادیة العالیة . وبالتالی فهی تصلح ان تکون محلاً للحقوق المالیة ، وعلى هذا الاساس فإن التکنولوجیا تعتبر من قبیل الاشیاء ولاسیما اذ عرفنا ان القاعدة العامة تقضی بأن کل الاشیاء تصلح ان تکون محلاً للحقوق المالیة ، الا اذا کانت تخرج من التعامل بطبیعتها أو بحکم القانون .
وبالرجوع الى احکام عقد نقل الاشیاء ومقارنتها بعقد نقل التکنولوجیا ، نجد انها تکاد تکون متقاربة سواء من حیث خصائص العقد أو من حیث مدى انطباق التزامات اطراف عقد نقل الاشیاء مع التزامات عقد نقل التکنولوجیا ونظراً الى خصوصیة المحل فی هذا النوع من العقود فانه یمکن القول بأن عقد نقل التکنولوجیا هو صورة من صور عقد نقل الاشیاء ولکنه عقد من نوع خاص . وعلیه یعتبر من العقود التجاریة التی تخضع لقواعد القانون التجاری کأصل عام وقواعد القانون المدنی فیما لم یرد بشأنه نص صریح ، ونظراً للاهمیة التی یتمتع بها هذا النوع من العقود ولخصوصیة المحل فیه ولغیاب التنظیم التشریعی لها نقترح على المشرع العراقی تنظیم احکام عقد نقل التکنولوجیا ضمن العقود التجاریة اسوةً بموقف المشرع المصری مع الترکیز على ما یأتی :
1. اعتبار عقد نقل التکنولوجیا من العقود الشکلیة .
2. الاشارة الى قواعد تبطل الشروط التعسفیة والمقیدة التی ترد فی هذه العقود .
3. النص على اعتبار القانون العراقی هو القانون الواجب التطبیق على کل المنازعات التی تنشأ بصدد هذه العقود ، والنص على اختصاص المحکمة العراقیة للفصل فی المنازعات الناشئة عنها.
الخاتمة :
وتتضمن أهم النتائج والتوصیات :
النتـــائج :
1. عقد نقل التکنولوجیا : هو کل اتفاق یتعهد بمقتضاه مورد التکنولوجیا بأن ینقل بمقابل معلومات فنیة الى مستورد التکنولوجیا لاستخدامها فی طریقة فنیة خاصة لانتاج سلعة معینة أو تطویرها أو لترکیب أو تشغیل الالات أو اجهزة أو لتقدیم خدمات .
2. یعد عقد نقل التکنولوجیا من عقود المعاوضة الملزمة للجانبین الشکلیة ومن عقود المدة التی تتمیز بخصوصیة المحل والتی تتم عبر شبکة الانترنیت .
3. وجدنا ان من الضروری التمییز بین عقد نقل التکنولوجیا وبین بعض الحالات المشابهة له فافردنا له مطلباً خاصاً للتمییز بین عقد نقل التکنولوجیا وکل من المعرفة الفنیة من جهة، وعقد المشورة المعلوماتیة من جهة اخرى ، فانتهینا الى ان المعرفة الفنیة تشکل محلاً لعقد نقل التکنولوجیا، أما عقد المشورة المعلوماتیة فهو یختلف عن عقد نقل التکنولوجیا فی ان المستشار فیه یوجه عمیله من خلال برنامجه الى اختیار افضل مساعدة ولا ینقل ایة اسرار تکنولوجیة ، فی حین عقد التکنولوجیا یتضمن نقل اسرار التکنولوجیا والتنازل عنها للمرخص له وطرق استیعابها من جهة . ومن جهة اخرى ، فإن المستشار یدخل فی اعتباره عند تقدیر اجره مدى نجاح معرفته الفنیة وابداعه الفکری فی حین ان المنتج مصدر التکنولوجیا یدخل فی اعتباره عند تقدیره للمقابل الخسائر التی تتحقق من اقتسامه لسوق التسویق لهذه التکنولوجیا بینه وبین المتنازل له .
4. عقد نقل التکنولوجیا من العقود الدولیة لانها غالباً ما تبرم بین اشخاص من جنسیات مختلفة ، وبالتالی تعتبر مسألة تحدید القانون الواجب التطبیق وتحدید الاختصاص القضائی من ابرز المسائل التی قد تنشأ عن ابرام هذه العقود .
5. بالرغم من الاهمیة التی تتصف بها هذه العقود الا ان المشرع العراقی لم یتناول هذه العقود بالتنظیم على العکس من بعض التشریعات العربیة التی نظمت احکامها بالتفصیل کما هو الحال فی التشریع المصری .
6. لاحظنا ان هناک ثلاثة اتجاهات فی تحدید الطبیعة القانونیة لعقد نقل التکنولوجیا فالاتجاه الاول ، یتمثل بالاتجاهات الفقهیة العامة لتقسیم عقود نقل التکنولوجیا ، والثانی ، یرى ان هذه العقود هی من العقود المسماة ، والثالث ، یعتبره من العقود التجاریة ، واستنتجنا ان هذه العقود هی صورة من صور عقد نقل الاشیاء وبالتالی هی من العقود التجاریة .
التوصیــات :
نقترح على المشرع العراقی تنظیم احکام عقد نقل التکنولوجیا ضمن العقود التجاریة المسماة الواردة فی قانون التجارة رقم (30) لسنة 1984 ، اسوة بالمشرع المصری والاستفادة من المعالجات القانونیة الخاصة بهذه العقود ، مراعیاً ما یأتی :
1. النص على شکلیة هذه العقود .
2. الاشارة الى قواعد تبطل الشروط التعسفیة والمقیدة التی ترد فی هذه العقود .
3. النص على اعتبار القانون العراقی هو الواجب التطبیق على کل المنازعات التی تنشأ بصدد هذه العقود ، واعتبار المحاکم العراقیة هی المختصة للفصل فی المنازعات الناشئة عنها.
The Authors declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
Firstly. Arabic Books:
1. The mark of Sheikh Abdullah al-Alayeli, in the language and science, the first volume of the letter (A-Y), the preparation and classification: Nadim Maraashli, Osama Marashli, I, publisher Dar Arabic, Beirut, 1974.
Second. Legal Books:
1. Ibrahim Al-Manji, Technology Transfer Contract, i 1, Distribution of the Knowledge Establishment, Alexandria, 2002.
2. Ibraheem Sayed Ahmed, Contract of Transfer of Technology and jurisprudence, 1, University University, Cairo, 2004.
3. Dr. Ahmed Mahmoud Saad, Towards Establishing a Legal System for the Contract of Informational Consultations (Automated Processing of Data by Computer), 1, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 1995.
4. Dr. Akram Yamalki, d. Basem Mohammed Saleh, Commercial Law, First Section (Business and Merchant), University Press, Baghdad, 1982.
5. Dr. Mr. Anas Al-Sayed Attia Soliman, Legal Guarantees for the Transfer of Technology to Developing Countries and their Related Projects (Study in the Legal Framework of the Main International Technology System), Arab Renaissance, Cairo, 1996.
6. Dr. Basem Mohammed Saleh, Commercial Law (First Section), I 2, Baghdad University Press, 1992.
7. Dr. Jalal Ahmed Khalil, The Legal System for the Protection of Inventions and Technology Transfer to Developing Countries, Kuwait, 1983.
8. Dr. Hossam Mohamed Issa, Technology Transfer, A Study in the Legal Mechanisms of International Dependence, Dar Al Mustaqbal Al Arabi, 1978.
9. Dr. Hassan Abbas, Industrial Property or the Road to Developing Countries' Transition to the Technology Component, World Intellectual Property Organization Publications, Geneva, 1976.
10. Dr. Hassan Ali Al-Dhon, Right of Ownership, Al-Ani Library, Baghdad, 1958
11. Dr. Hassan Ali Al-Dinon, The General Theory of Obligations, (Sources of Obligation - Provisions of Obligation - Proof of Obligation), Al Mustansiriya University, 1976.
12. Dr. Salah al-Din Abdul-Latif Al-Nahi, Al-Wakiz in Industrial and Commercial Property, 1, Dar Al-Furqan, Jordan, 1983.
13. Dr. Abdul Hay Hijazi, The General Theory of Commitment, C1, Sources of Commitment, Kuwait University Press, Faculty of Law, 1982.
14. Dr. Abdel Fattah Mourad, Explanation of Commercial and Civil Contracts, I 1, Cairo, 2000.
15. Dr. Abdul Majeed al-Hakim, Abdul Baqi al-Bakri and Muhammad Taha al-Bashir, Al-Wakiz in the theory of commitment in the Iraqi civil law, 1, sources of obligation, Dar al-Kutb for printing and publishing, Mosul, 1980.
16. Dr. Abdel Moneim Farag Al-Sada, Original Rights in Origin, Publisher Dar al-Nahda al-Arabiya, Beirut, 1982.
17. Farouk Ali Hanafawi, Encyclopedia of Computer Law and Information Systems, First Book (Software Law), Modern Book House for Printing and Publishing, Cairo, 2001.
18. Dr. Kamal Kassem Tharwat, Al-Wajeez in explaining the contract of the contractor contract, c 1, Baghdad, 1976.
19. Dr. Mohsen Shafiq, Legal Transfer of Technology, Center for Research and Legal Studies and Legal Vocational Training, Faculty of Law, Cairo University Press and Publications, 1984.
20. Dr. Kadhim Mohammed Al Mawla, Legal Effects of Technology Transfer Contracts, 1, Dar Wael Publishing and Distribution, Amman, Jordan, 2003.
Third. Theses:
1. Montazer Mohammed Mahdi, Legal System for the Contract of Informational Consultations, PhD Thesis, Faculty of Law, Nahrain University, 2004.
2. Dr. Nasira Bouhja Saadi, Technology Transfer Contracts in International Exchange, PhD, Alexandria University, 1987.
3. Yousef Abdul Hadi Al-Akayabi, The Legal System of Contracts for the Transfer of Technology in the Field of Private International Law, PhD Thesis, Zagazig University, 1989.
Fourthly. Research and articles:
1. Dr. Samiha al-Qalioubi, Evaluation of Contract Conditions, Research published in Contemporary Egypt Journal, Issue 406-1986.
2. Dr. Yasir Basim Thunoon, The Legal Nature of Electronic Computing Programs and Means of Protecting Them, Research published in Al-Rafidain Journal of Law, Faculty of Law, University of Mosul, Vol. I, No. 10, No. 24, 2005.
3. Attorney Younis Arab, contracts for the transfer of technology and the position of its conditions restricting competition in accordance with Jordanian and Egyptian law, an article published on the following website:
www.arabaw.org/download/technology-transfer-contracts.doc.
V. Laws:
1. The Iraqi Civil Code No. 40 of 1951.
2. Iraqi Trade Law No. 30 of 1984.
3. Iraqi Transport Law No. 80 of 1984.
4. Egyptian Trade Law No. 17 of 1999.