المحاکم الجنائیة المدوّلة(*)
International Criminal Courts
|
عامر عبد الفتاح الجومر عبد الله علی عبو
کلیة القانون/ جامعة الموصل کلیة القانون/ جامعة الموصل
Amer Abdel Fattah Al Jomar Abdullah Ali Abbo
College of law / University of Mosul College of law / University of Mosul
Correspondence:
Amer Abdel Fattah Al Jomar
E-mail:
|
(*) بحث مستل من أطروحة الدکتوراه الموسومة "دور القانون الجنائی الدولی فی حمایة حقوق الانسان" ، مقدمة من کلیة القانون ، جامعة الموصل فی 16/3/2005 . أستلم البحث فی 5/3/2006 *** قبل للنشر فی23/4/2006.
(*) Received on 5/3/2006 *** accepted for publishing on 23/4/2006.
Doi: 10.33899/alaw.2006.160473
© Authors, 2006, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
مقدمة:
من الوسائل الحدیثة للقانون الدولی الجنائی لحمایة حقوق الإنسان من الانتهاکات الخطیرة هی المحاکم الجنائیة المدوّلة.
والمقصود بالمحاکم الجنائیة المدوّلة : هی المحاکم المنشأة بموجب معاهدة دولیة بین منظمة الامم المتحدة وحکومة الدولة التی ارتکبت فیها الجرائم الدولیة وتتکون من هیئات مشترکة (مختلطة) من القضاة المحلیین والدولیین ویتمتعون بسلطة قضائیة داخل الدولة التی حصلت فیها انتهاکات خطیرة لحقوق الإنسان والقانون الدولی الإنسانی وبموجب هذه السلطة لهم الحق فی محاکمة مرتکبی الجرائم الخطیرة مثل الإبادة الجماعیة والجرائم ضد الإنسانیة وجرائم الحرب .
فالمحاکم المدوّلة هی محاکم (هجینه) أو (مطعمّة) فی ترکیبتها ، حیث تتضمن عناصر من المقاضاة الداخلیة والإجراء الدولی.
اما عن سبب لجوء دول معینة وبمعاونة الامم المتحدة إلى هذا النوع من المحاکم مع أن هناک المحکمة الجنائیة الدولیة الدائمة التی تنظر فی الجرائم الدولیة ؟ والرد المنطقی على هذا السؤال هو إن هذا الأجراء قد طبق لسببین:
1.إن المحکمة الجنائیة الدولیة اختصاصها لا یمتد إلى الماضی ولا یسری بأثر رجعی وإنما من تاریخ نفاذ النظام الأساسی ولو لجأت هذه الدول إلى المحکمة الجنائیة فهذا یعنی عدم جواز مقاضاة مرتکبی هذه الجرائم ، لذلک فعن طریق هذه المحاکم یمکن تطبیق الأثر الرجعی على هذه الجرائم لأنه کما معروف الجرائم الدولیة لا تسقط بالتقادم.
2. إما السبب الثانی فأنة یتمثل فی افتقار هذه الدول إلى الموارد المالیة اللازمة لإنشاء هذه المحاکم وتحمل نفقاتها الضخمة، لذلک فان الامم المتحدة ستساهم فی جزء من هذه النفقات ،مما یعنی تخفیف بعض العبء على الحکومات الوطنیة فی هذه الدول.
وقد تم إنشاء ثلاث محاکم جنائیة مدولّة بهذه الطریقة فی سیر الیون وکمبودیا لمحاکمة (الخمیر الحمر) وتیمور الشرقیة وسنتکلم عنها فی ثلاث مباحث.
المبحث الاول:المحکمة الجنائیة المدوَلة فی سیرالیون.
المبحث الثانی:المحکمة الجنائیة المدوَلة فی کمبودیا.
المبحث الثالث:المحکمة الجنائیة المدوَلة فی تیمور الشرقیة.
المبحث الأول
المحکمة الجنائیة المدوّلة فی سیرالیون
منذ عام 1991 کان هناک حرب أهلیة اندلعت فی سیرالیون بین حکومتها وجبهة الوحدة الثوریة (RUF) واستمرت هذه الحرب إلى 22/5/1999 عندما وقع أطراف النزاع على اتفاقیة (لومی) للسلام الذی وقع بأشراف الامم المتحدة.
وعلى اثر ذلک قامت الامم المتحدة بإنشاء بعثة الامم المتحدة إلى سیرالیون من اجل المساعدة على تنفیذ اتفاقیة (لومی) ومساعدة نزع السلاح وإزالة حالة الطوارئ (التعبئة العامة) .
إلاّ أن اتفاقیة السلام ووقف إطلاق النار لم تحترم إذ اندلع القتال مجدداً بین الحکومة وقوات التمرد وقد أدت هجمات (RUF) على قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة واختطاف (500) منهم إلى زیادة المطالب الدولیة لإعادة قاعدة القانون فی سیرالیون من خلال وسائل وطرق القضاء الجنائی .
وعلى اثر ذلک طلبت حکومة سیرالیون من مجلس الأمن المساعدة فی مقاضاة المسؤولین عن انتهاکات حقوق الإنسان والقانون الدولی الإنسانی ، واستجاب مجلس الأمن لهذا الطلب بتفویض الأمین العام للتفاوض على إبرام اتفاق مع حکومة سیرالیون بشان إنشاء محکمة خاصة مستقلة ،کما طالبته بتقدیم تقریر عن مطلب الحکومة.
وکان السبب وراء طلب المساعدة هو أن هذا البلد (سیرالیون) بعد عقد من النزاع المسلح الدائم لم یکن قادراً من الناحیة المالیة على إقامة نظام جدید یمثل هذه المحاکمات وتنفیذه طبقاً للمعاییر الدولیة .
وهکذا غدت الحاجة إلى المساعدة الدولیة مطلباً مهماً لضمان صحة ومصداقیة أیة محاکمات قضائیة ، واصبح المجتمع الدولی راغباً فی إنشاء محکمة دولیة أخرى.
وفی 4/10/2000 قدم الأمین العام تقریراً إلى مجلس الأمن حول مفاوضاته مع حکومة سیرالیون وقدم مع التقریر مسودة النظام الأساسی للمحکمة وللاتفاقیة مع حکومة سیرالیون.
وذکر الأمین العام فی تقریره أن هذه المحکمة الفریدة الناتجة عن معاهدة والتی تضم اختصاصات مختلطة وتشکیلاً مختلطاً سوف تکون لها حق مقاضاة الأشخاص المسؤولین عن الانتهاکات الخطیرة للقانون الدولی الإنسانی وقانون سیرالیون منذ 30/11/1996.
وقد أوضح الأمین العام فی تقریره طبیعة المحکمة وتکوینها وقد وافــــــق مجلس الأمن على معظم المقترحات التی قدمها الأمین العام ومع ذلک کان هناک مفاوضات طویلة بین مجلس الأمن والأمین العام حول بعض الأمور من أهمها الاختصاص الشخصی للمحکمة وخاصة الولایة القضائیة للمحکمة على الأطفال ، وکذلک تمویل المحکمة فی المستقبل ، وقد تم تبادل الرسائل بین الأمین العام والمجلس بهذا الخصوص.
وقد أسفرت الآراء التبادلیة إلى أن تکون الرؤیة الأخیرة للمحکمة تتمحور فی محکمة داخلیة (مدوّلة) منفصلة عن النظام القضائی الجنائی السیرالیونی تتم أدارتها من قبل الامم المتحدة وسیرالیون وبموجب النظام الأساسی یکون للمحکمة مقاضاة أولئک الذین یتحملون المسؤولیة الکبرى وخاصة أولئک القادة عن ارتکاب الجرائم وهددوا إقامة وتنفیذ عملیة السلام فی سیرالیون.
المطلب الأول
ملامح النظام الأساسی للمحکمة المدولّة
یتکون النظام الأساسی لهذه المحکمة من (25) مادة وضمت تکوین المحکمة واختصاصاتها (الشخصی والموضوعی والزمانی) وأحکام المسؤولیة الفردیة وإصدار الأحکام والعقوبات وتنفیذها ، حیث تتکون المحکمة من ثلاث هیئات :.
آ. الغرف وتتکون من غرفة أو اکثر وغرفة للاستئناف .
ب. مکتب المدعی العام.
جـ. التسجیل.
وتتکون الغرف من عدد من القضاة لا یقل عددهم عن (8) ولا یزید عن (11) ویکون توزیعهم کالآتی:
- ثلاثة قضاة فی غرفة المحاکمة تعین حکومة سیرالیون واحداً منهم وقاضیان یتم تعینهم من قبل الأمین العام للأمم المتحدة.
- خمسة قضاة فی غرفة الاستئناف تعین حکومة سیرالیون اثنین منهم وثلاثة قضاة یتم تعینهم من قبل الأمین العام.
ویقوم قضاة غرفة المحاکمة وغرفة الاستئناف باختیار رئیس یتولى إدارة الغرفة ویکون رئیس غرفة الاستئناف رئیساً للمحکمة المدولّة.
ویجب أن تتوافر فی القضاة المؤهلات المطلوبة لشغل هذا المنصب من حیث الخبرة فی مجال القانون الدولی الجنائی والقانون الدولی لحقوق الإنسان والقانون الدولی الإنسانی ومدة تعینهم هی ثلاث سنوات قابلة للتجدید.
أما المدعی العام فانه یتصرف کهیئة مستقلة للمحکمة الخاصة ولا یجوز أن یتسلم تعلیمات من أیة حکومة أو مصدر ویتم تعینه من قبل الأمین العام للأمم المتحدة ومده ولایته (ثلاث سنوات) قابلة للتجدید له ، ویکون له نائب یساعده فی أداء وظائفه.
أما التسجیل فیتولى الشؤون الإداریة للمحکمة ویتکون من المسجل وعدد کافٍ من الموظفین ویتم تعیین المسجل من قبل الأمین العام بعد التشاور مع رئیس المحکمة الخاصة لمدة (3 سنوات) قابلة للتجدید.
المطلب الثانی
اختصاص المحکمة المدوَلة
أما اختصاص المحکمة فلها ثلاثة أنواع من الاختصاصات الموضوعی والشخصی والزمانی:
فالاختصاص الموضوعی للمحکمة: فهو النظر فی انتهاکات القانون الدولی الإنسانی وقانون سیرالیون. وبذلک یخضع لاختصاص المحکمة الجرائم ضد الإنسانیة. وانتهاکات المادة الثالثة المشترکة لاتفاقیات جنیف لعام 1949 وبروتوکولها الإضافی الثانی لعام 1977. والانتهاکات الخطیرة الأخرى للقانون الدولی الإنسانی کالهجوم العمدی على المدنیین والمنشآت وبعثات حفظ السلام وتجنید الأطفال دون (15) سنة للمشارکة فی الأعمال العدائیة.
أما بخصوص قانون سیرالیون فالمحکمة یجوز لها مقاضاة الأشخاص الذین ارتکبوا الجرائم الآتیة بموجب القانون السیرالیونی :
آ. الجرائم المتعلقة بإساءة استخدام (البنات) بموجب قانون منع استخدام القسوة ضد الأطفال (1926) .
ب. الجرائم المتعلقة بتدمیر الممتلکات بموجب قانون الضرر لسنة (1861).
أما الاختصاص الشخصی: فالمحکمة لها مقاضاة الأشخاص الطبیعیین فقط ، والمسؤولین عن الانتهاکات الخطیرة للقانون الدولی الإنسانی ومن ضمنهم القادة الذین ارتکبوا هذه الجرائم والذین هددوا إقامة وتنفیذ عملیة السلام فی سیرالیون.
وفی تطور جدید سیکون للمحکمة سلطة قضائیة (على أی تجاوز من قبل المکلفین بحفظ السلام والکادر ذوی العلاقة فی سیرالیون عندما لا تکون الدولة المرسلة راغبة أو قادرة على المحاکمة، إذ الأولویة للدول المرسلة لتهذیب قطعاتها المکلفة بحفظ السلام وعند عدم قیامها بذلک تمارس المحکمة سلطتها القضائیة على هؤلاء الأشخاص إذا ما تم تخویلها من مجلس الأمن وبناء على اقتراح إحدى الدول.
أما الاختصاص الزمانی: فیشمل الجرائم المرتکبة فی سیرالیون منذ 30/1!/1996 ولم یتم تحدید تاریخ لانتهاء اختصاص المحکمة ، حیث کان النزاع مستمراً عند إنشاء المحکمة.
أما بشان المسؤولیة الجنائیة الفردیة فان ما یمیز المحکمة المدولّة فی سیرالیون أنها سلطة قضائیة لمقاضاة الأشخاص الذین تبلغ أعمارهم (15) فما فوق مع الأخذ بنظر الاعتبار عند محاکمة الأشخاص الذین تتراوح أعمارهم بین 15-18 سنة إمکانیة إعادة تأهیلهم وفق معاییر حقوق الإنسان وبصورة خاصة حقوق الطفل. وأحکام المسؤولیة الجنائیة الفردیة هی نفسها بالنسبة للمحاکم الدولیة الجنائیة ، إذ کل شخص خطط أو شارک أوامر أو ارتکب جریمة مشار إلیها فی المواد (2-4) سوف یکون مسؤولاً بصورة فردیة ولا یعفی المنصب الرسمی للشخص من تحمل المسؤولیة الجنائیة ولا یخفف من العقوبة المفروضة علیة .
فضلاً عن مسؤولیة الرئیس الأعلى وکذلک أوامر الرئیس الأعلى لا یعفی من المسؤولیة ویمکن أن تکون سبباً للتخفیف.
وبخصوص العلاقة بین المحکمة المدولّة والمحاکم الوطنیة ، فالمحکمة لها أسبقیة على المحاکم الوطنیة ویجوز أن تطلب فی أی مرحلة من مراحل الدعوى إحالة القضیة إلیها من قبل المحاکم الوطنیة.
وقد نص النظام الأساسی أیضاً على مراعاة معاییر المحکمة العادلة للمتهم. فضلا عن مبدأ عدم جواز محاکمة الشخص مرتین عن جریمة واحدة إلاّ إذا وصفت الجریمة التی حوکم علیها الشخص بأنها جریمة عادیة أو أن إجراءات المحکمة الوطنیة لم تتسم بالنزاهة والحیادیة.
کما أن منح (العفو) لأی شخص ارتکب إحدى الجرائم المشار إلیها فی المواد (2-4) لا یکون عقبة أمام المقاضاة.
أما بشان قواعد الإجراءات والإثبات أمام المحکمة فان القواعد الخاصة بالإثبات والإجراءات لمحکمة روندا سوف تکون واجبة التطبیق.
وبخصوص الأحکام فتصدر بأغلبیة أصوات القضاة فی غرفة المحاکمة أو غرفة الاستئناف ویصدر بصورة علنیة وبموجب قرار مدوّن مع ذکر الآراء المستقلة. ویکون للمحکمة إیقاع عقوبة السجن کأقصى عقوبة ولا یجوز أن تحکم بالإعدام .
کما یجوز لها أن تحکم بمصادرة الممتلکات والأموال التی تم الحصول علیها بصورة غیر شرعیة وإعادتها إلى مالکها الشرعی أو إلى دولة سیرالیون.
ویجوز استئناف حکم المحکمة أمام غرفة الاستئناف التی یجوز لها أن تعدل أو تلغی القرارات الصادرة عن غرفة المحکمة، کما یجوز طلب إعادة النظر فی الحکم من قبل المدعی العام أو المتهم لاکتشاف أدلة جدیدة.
وفیما یتعلق بتنفیذ الأحکام فیکون فی سیرالیون وإذا تطلبت الظروف فیکون تنفیذ العقوبة فی البلدان التی أبرمت اتفاقیة مع المحکمتین الدولتین الجنائیتین لیوغسلافیا وروندا اتفاقیة من اجل تنفیذ أحکامها، أوفی الدول التی أعلنت لمسجل المحکمة المدولّة عن استعدادها لتنفیذ الأحکام ویجوز أن تبرم المحکمة اتفاقیات مماثلة مع دول أخرى .
ویکون تنفیذ عقوبة السجن خاضعاً لقانون دولة التنفیذ ورقابة المحکمة المدولّة. وإذا کان قانون دولة التنفیذ یسمح بالعفو وتخفیف الحکم فعلى الدولة إبلاغ المحکمة بذلک ویجوز تطبیق العفو وتخفیف الحکم إذا قرر رئیس المحکمة المدولّة ذلک بعد التشاور مع القضاة.
واخیراً فان لغة العمل فی المحکمة هی اللغة الإنکلیزیة ، وعلى رئیس المحکمة رفع تقریر سنوی عن أعمال المحکمة إلى الأمین العام وحکومة سیرالیون.
المبحث الثانی
المحکمة الجنائیة المدوّلة فی کمبودیا
ارتکب (الخمیر الحمر) فی فترة حکم کمبوجیا الدیمقراطیة ابشع الجرائم الدولیة وانتهاکات القانون الدولی لحقوق الإنسان والقانون الدولی الإنسانی ما بین الفترة من 17/4/1975 .
ولم یکن هناک أی محاکمة لهؤلاء الأشخاص المسؤولین عن هذه الفضاعات ، حیث کان للخمیر الحمر السیطرة التامة على مقالید الحکم فی هذه الفترة ، وبعد سقوط نظام (بول بوت) زعیم الخمیر الحمر عام 1979 وذلک بعد غزو القوات الفیتنامیة لم تتم محاکمة هؤلاء الأشخاص بسبب اعتبارات دولیة وداخلیة.
فالاعتبارات الدولیة (الحرب الباردة) کانت وراء عدم تحرک المجتمع الدولی لتقدیم هؤلاء إلى المقاضاة الدولیة بل استمرت الامم المتحدة بالاعتراف بحکومة المنفى لکمبوجیا الدیمقراطیة کممثل شرعی لشعب کمبودیا وسمحت لها باحتلال موقعها أی مقعد کمبودیا فی الجمعیة العامة .
أما الاعتبارات الداخلیة فالسیاسة الحکومیة الغامضة والمتناقضة التی قامت بمحاکمة قادة الخمیر الحمر (بول بوت واینج ساری) غیابیاُ بتهمة قتل ثلاثة ملایین نسمة وتدمیر الدیانة والاقتصاد ، ثم بعد ذلک منح عفو وحصانة من المقاضاة (المحاکمة) وذلک باسم المصالحة الوطنیة مما أدى إلى تمتع أولئک المسؤولین عن الجرائم بالحصانة والإفلات من العقاب.
التحرک نحو محاکمة الخمیر الحمر :
فی 21/6/1997 وبعد اکثر من عشرین عاماً من الشلل الدولی بوجه الحصانة (الإفلات من العقاب) طلبت الحکومة الکمبودیة المساعدة من الامم المتحدة فی محاکمة المسؤولین عن الانتهاکات الخطیرة خلال فترة عهد الخمیر الحمر من 17/4/1975-6/1/1979 وقد اتخذت الجمعیة العامة على اثر ذلک القرار (52/135) الخاص بإنشاء لجنة خبراء برئاسة (السیر نیینام ستیفن) من استرالیا لجمع الأدلة وتحدید طبیعة الجرائم المرتکبة والأشخاص المسؤولین عنها ومدى إمکانیة محاکمتهم أمام سلطة قضائیة دولیة أو أمام سلطة قضائیة داخلیة دولیة تحت رقابة دولیة.
وعند دراسة الخیارات القانونیة والأسلوب الأنسب لمحاکمة المتهمین فضلت اللجنة الخیار الأول وهو إنشاء محکمة دولیة.
ولم تؤید اللجنة التوصیة الخاصة بإنشاء محکمة داخلیة دولیة تحت رقابة دولیة إذ استنتجت اللجنة بان تفشی الفساد والتأثیر السیاسی على القضاء وافتقار القضاء الکمبودی إلى المعاییر الدولیة للقضاء الجنائی التی نصت علیها الاتفاقیة الدولیة للحقوق المدنیة والسیاسیة،إضافة إلى تأثیر القوى السیاسیة فی کمبودیا على القضاء تحول دون إنشاء المحکمة بهذه الطریقة .
لکن الحکومة الکمبودیة لم تتفق مع توصیات اللجنة حول إنشاء محکمة دولیة،وقد وجهت رسالة إلى الأمین العام فی 3/3/1999 أکدت فیه ضرورة التعامل مع قضیة محاکمة الخمیر الحمر بصورة دقیقة وجیدة وخاصة إن کمبودیا بحاجة إلى السلام والمصالحة الوطنیة وان إنشاء محکمة دولیة لمحاکمة قادة الخمیر الحمر سوف یشیر الذعر بین الضباط السابقین منهم وربما یؤدی ذلک إلى نشوب حرب أهلیة وحرب العصابات.
ومن هنا بدأت حلقة أخرى من المفاوضات بین الامم المتحدة وکمبودیا حول بعض المسائل خلال الفترة من (1999-2000) ومن أهم العقبات التی أدت إلى تعثر المفاوضات إجراءات إصدار لوائح الاتهام والتوصل إلى الأحکام ،وقرارات العفو والقرارات الخاصة بمحامی الدفاع الأجانب والقواعد الإجرائیة ،واخیراً اللغة الرسمیة التی تستخدم فی المحکمة.
ولکن المشکلة الرئیسیة کانت حول طریقة إنشاء المحکمة ، حیث تمسکت کمبودیا بسلطة تعیین القضاة وان القضاة الکمبودیین لابد أن یکونوا الأغلبیة وان یکون هناک إنشاء لغرف غیر عادیة (خاصة) تعتبر جزءاً من النظام القانونی الکمبودی .
وفی مقابل ذلک أکدت الامم المتحدة أهمیة ضمان الإجراءات التی تجلب الأشخاص المسؤولیة إلى القضاء ، وهذا یشکل أحد المعاییر الدولیة للقضاء والعدالة وهو ما لا یمکن إنجازه إلاّ من خلال محکمة دولیة فضلاً عن ضرورة وجود ضمانات حول إلقاء القبض على المتهمین وعدم وجود عفو مع تعیین مدعیین عامیین دولیین وتعیین قضاة أجانب ، ولکن عندما لاحظت الامم المتحدة إصرار کمبودیا على رفض المحکمة الدولیة وافقت اخیراً على إنشاء محکمة (مدولّة) ضمن النظام القانونی الکمبودی بمشارکة کمبودیة ودولیة.
وکخطوة أولى لإنشاء هذه المحکمة تم التوصل إلى مذکرة تفاهم بین الأمین العام والحکومة الکمبودیة فی تموز (2000) یتضمن مسودة مذکرة التفاهم مشروعاً لصیغة أو شکل المحکمة المدولّة ثم تصبح هذه المسودة على شکل اتفاقیة نهائیة بین الامم المتحدة والحکومة الکمبودیة بعد أن یکون هناک سن لقانون الغرف غیر العادیة والمصادقة علیه وفقاً للإجراءات الدستوریة الکمبودیة .
وعلى اثر ذلک قامت الجمعیة الوطنیة فی کمبودیا بسن القانون الخاص بالغرف غیر العادیة والموافقة علیه فی 2/1/2001 فی الجلسة التشریعیة الثانیة والمصادق علیها بدون تحفظ من مجلس الشیوخ فی 15/1/2001 ثم أحیل إلى المجلس الدستوری للمصادقة علیه فکان اقتراحه هو تعدیل عقوبة الإعدام (بالسجن مدى الحیاة) وعلى اثر ذلک قامت الجمعیة الوطنیة بتعدیل المادة الثالثة من القانون الجنائی لعام 1956 التی تنص على عقوبة الإعدام فی الجلسة التشریعیة السادسة فی 11/7/2001 المصادق علیها من مجلس الشیوخ فی 23/7/2001 وتم المصادقة النهائیة من المجلس الدستوری على القانون فی 7/8/2001.
وتمت إحالة القانون إلى الملک (سیهانوک) للمصادقة علیه وبالفعل تم ذلک فی 10/8/2001.
ویتکون قانون المحکمة المدولّة من (48) مادة موزعة على (17) فصل،ویحمل رقم (KNS/RKM/0801/12).
المطلب الأول
تکوین المحکمة المدوّلة
تتکون المحکمة بموجب قانون إنشاء الغرف غیر الاعتیادیة من ثلاث غرف موزعة على ثلاثة محاور:
المحور الأول : تضم قاعة المحکمة باعتبارها محکمة درجة أولى وتتکون من خمسة قضاة ثلاثة قضاة کمبودیین وقاضیین دولیین اثنین.
أما المحور الثانی : فهی محکمة الاستئناف وتتکون من سبعة قضاة أربعة کمبودیین وثلاثة قضاة دولیین.
أما المحور الثالث: فهی المحکمة العلیا وتتکون من (9) قضاة خمسة کمبودیین وأربعة دولیین، ورئاسة الغرف الثلاث فأنة یکون مقتصراً على الکمبودیین.
أما تعیین القضاة فیکون بالنسبة للقضاة الکمبودیین من قبل المجلس الأعلى للقضاء الذی یقوم بتعیین (12) قاضیاً کمبودیاً للعمل فی الغرف غیر العادیة أما القضاة الدولیین فیقدم الأمین العام للأمم المتحدة قائمة بأسماء لا تقل عن (12) مرشحاً للقضاة الدولیین إلى المجلس الأعلى الذی سوف یعین (9) منهم کقضاة أصلیین و ثلاثة احتیاط.
وتصدر القرارات بالإجماع إذا أمکن فی الغرف الثلاث وإذا لم یمکن ذلک فیصدر بالشکل الآتی (فی غرفة المحاکمة بأغلبیة (4 قضاة) فی محکمة الاستئناف بأغلبیة (5 قضاة) فی الغرفة غیر العادیة للمحکمة العلیا بأغلبیة (6 قضاة).
والسبب فی اتباع هذه الآلیة هو أن القضاة الکمبودیین یشکلون الأغلبیة لذلک لا یمکن اتخاذ قرار ما لم یوافق علیه واحد من القضاة الدولیین فی الأقل.
والى جانب الغرف الثلاث هناک هیئة التحقیق التی تتکون من قاضٍ دولی وقاضٍ کمبودی ویکونان مسؤولین بصورة مشترکة عن التحقیقات بموجب الأدلة التی یحصلون علیها من مصادر مختلفة ویعملون بموجب الإجراءات الکمبودیة ویجوز اتباع القواعد الإجرائیة المقامة على المستوى الدولی.
وهناک أیضاً مکتب الادعاء العام والذی تتکون أیضاً من مدعٍ عام کمبودی ومدعٍ عام دولی مسؤولین عن إصدار الاتهام طبقاً للأجراء الکمبودی ،کما یمکنهم ویمکن اتباع القواعد الإجرائیة المقامة على المستوى الدولی.
وأی خلاف بین قضاة التحقیق أو المدعیین العامین یکون حله عن طریق (غرفة المحاکمة) التی تتکون من خمسة قضاة ،ثلاثة کمبودیین واثنان دولیین وهؤلاء القضاة الخمسة الاضافیون مهمتهم حل النزاع بین القضاة الدولیین والکمبودیین أو بین المدعیین العامین والمحققین ویتم اختیارهم بنفس طریقة اختیار القضاة فی الغرف الثلاث. وهناک أیضاً الجهاز الإداری للمحکمة (دائرة الإدارة).
المطلب الثانی
اختصاصات المحکمة المدولّة
الاختصاص الزمانی:
اختصاص المحکمة محدد بالنظر بالجرائم المرتکبة خلال فترة عهد کمبودیا الدیمقراطیة ما بین 17/4/1975 إلى 6/1/1979.
أما الاختصاص الموضوعی:
فبموجب المادة الثالثة یکون للمحکمة المدولّة حق النظر فی جرائم القتل والتعذیب والاضطهاد الدینی کانتهاکات للقانون الجنائی الکمبودی لسنة 1956 وبموجب المادة الرابعة تنظر المحکمة فی جرائم الإبادة الجماعیة وفقاً لاتفاقیة منع ومعاقبة جریمة الإبادة لعام 1948.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغالبیة العظمى من جرائم الخمیر الحمر کانت إبادة جماعیة ومع ذلک لم ینطبق علیها الاتفاقیة المذکورة لأنه کما قلنا سابقاً فی شرح جریمة الإبادة إنها مقتصرة على طوائف معینة (دینیة،اثنیة،عرقیة،قومیة) ، والجرائم التی ارتکبها الخمیر الحمر کانت ضد المجامیع الاجتماعیة والسیاسیة والطبقات المثقفة التی کانت تخالفها فی الرأی، وهی مستبعدة من جریمة الإبادة لذلک لم توصف بأنها إبادة إنما جرائم ضد الإنسانیة.
وبموجب المادة الخامسة یکون للمحکمة سلطة النظر فی الجرائم ضد الإنسانیة التی ارتکبت کجزء من هجوم منظم وواسع النطاق ضد السکان المدنیین .
وتنظر المحکمة بموجب المادة (السادسة) فی الانتهاکات الجسیمة لاتفاقیات جنیف فی 12/8/1949 .
وهذه الانتهاکات کما هو معروف تتطلب وجود نزاع دولی ، وهذا لم یکن موجوداً فی کمبودیا عدا حالات معینة من المناوشات بین الخمیر الحمر والقرى التایلندیة أما ممارسات الخمیر الحمر فی الداخل ضد المدنیین فتنطبق علیها المادة الثالثة المشترکة من اتفاقیات جنیف وانتهاکات قوانین وعادات وأعراف الحرب باعتبارها نزاع مسلح داخلی ولکن لم یشر قانون المحکمة إلى ذلک،ویعلل لجنة الخبراء ذلک بان انتهاکات المادة الثالثة والانتهاکات الأخرى لم تظهر بکونها جرائم حرب بموجب القانون الدولی العرفی فی عام 1975.
لذلک جاءت المادة السادسة تشیر إلى الانتهاکات الجسیمة فقط، ومع ذلک هناک رأی یذهب إلى القول إن إدخال هذه الانتهاکات فی السلطة القضائیة للمحکمة یعنی إدخال جرائم الحرب من قبل الأشخاص من دول أخرى خلال فترة کمبودیا الدیمقراطیة التی کانت فی حالة عداء مع (تایلند ولاوس واخیراً فیتنام التی هاجمت کمبودیا عام 1979)، وهذا یعنی تحویل انتباه المحکمة إلى الأفعال التی ارتکبت من قبل هذه الجهات عن البشاعات التی ارتکبها الخمیر الحمر لذلک یفضل عدم إدخال جرائم الحرب فی قانون المحکمة.
وتنظر المحکمة أیضاً بموجب المادة السابعة فی جریمة تدمیر الممتلکات الثقافیة والحضاریة خلال النزاع المسلح طبقاً لاتفاقیة لاهای لعام 1954 التی صادقت علیها کمبودیا عام 1962 وقد تم تدمیر معظم الإرث الحضاری خلال عهد الخمیر الحمر .
واخیراً بموجب المادة الثامنة تنظر المحکمة فی الجرائم ضد الأشخاص المحمیین دولیاً طبقاً لأحکام اتفاقیة فینا لعام (1961) حول العلاقات الدبلوماسیة.
الاختصاص الشخصی :
یخضع لولایة المحکمة القادة الکبار وأولئک المسؤولون عن الجرائم الدولیة والانتهاکات الجسیمة للقانون الدولی الإنسانی والاتفاقیات الدولیة والأعراف المعترف بها والقانون الجنائی الکمبودی ،ولا یوجد هناک مقاضاة جماعیة لکادر الخمیر الحمر على مستوى أدنى وإنما القادة الکبار فقط.
وقد أشار قانون المحکمة أیضاً المسؤولیة الجنائیة الفردیة وأحکامها تتطابق مع ما شرحناه سابقاً فی المحاکم الأخرى من مسؤولیة الرئیس وعدم الدفع بالمنصب الرسمی وأوامر الرئیس لا یعفی من العقاب.
وتجدر الإشارة هناک إلى قانون المحکمة جاء خالیاً من الإشارة إلى مبدأ عدم جواز محاکمة الشخص عن الجریمة مرتین ، وهذا المبدأ یسمح أحیانا للمحکمة بإعادة المحاکمة إذا کانت صوریة لمساعدة الشخص ، وهذا ما ینطبق محاکمة (اینج ساری) التی حوکم فی ظروف مثیرة للجدل ، کان یمکن مع إدخال هذا المبدأ فی قانون المحکمة إعادة محاکمته مرة أخرى.
ولکن الامم المتحدة انتبهت إلى وجود حالات عفو ممنوحة خلال المصالحة الوطنیة والذین سلموا أنفسهم للحکومة أو تم محاکمتهم محاکمة صوریة کما هو الحال لـ (اینج ساری) وحصلوا على العفو لذلک أرادت الامم المتحدة معالجة عدم وجود (مبدأ عدم جواز محاکمة الشخص مرتین)، بإصرارها على انه لا یکون لهؤلاء الأشخاص أی حصانة من أیة ملاحقة قضائیة وبالفعل أشار قانون المحکمة (سوف لا تطلب الحکومة الملکیة فی کمبودیا أی عفو أو سماح لأی من الأشخاص الذین یقاضون عن الجرائم فی المواد (3،4،5،6،7،8) ، وهذا یعنی عدم جواز استخدام الملک لصلاحیاته الدستوریة لمنح العفو، وکذلک یعنی إخضاع کل الأشخاص من الذین تمت مسامحتهم عن الجرائم والذین استفادوا من محاکمة صوریة.
کما نص قانون المحکمة على مراعاة مبدأ المحاکمة العادلة.واستئناف قرار غرفة المحاکمة أمام غرفة الاستئناف والطعن أیضاً فی قرار غرفة الاستئناف أمام غرفة المحکمة العلیا.
أما بشأن الأمور التنظیمیة الاخرىللمحکمة، فأن القضاة الدولیین یتمتعون بالامتیازات والحصانات بموجب معاهدة فینا لعام 1961 والکادر الکمبودی یتمتع ایضاً بالحصانة عما یصدر عنهم من أفعال وأقوال.
وحول نفقات المحکمة فتتحمل الحکومة الکمبودیة نفقات الکادر الإداری الکمبودی والکادر القضائی أما الکادر الإداری والقضائی الدولی فتتحمل الامم المتحدة نفقاتها ورواتبها.
وتجدر الإشارة أخیرا إلى انه بعد سن قانون المحکمة بموجب مذکرة التفاهم الدولی فی تموز (2000) بین الأمین العام وحکومة کمبودیا ومصادقة الملک على هذا القانون رحبت الجمعیة العامة بهذه الخطوات واعدت المسودة النهائیة لاتفاق الامم المتحدة وحکومة کمبودیا حول إنشاء المحکمة المدولّة وأشارت إلى ذلک فی دورتها (57) بموجب القرار (57/228) وهی تتکون من 32 مادة جاءت مطابقة لبنود قانون إنشاء الغرف غیر العادیة فی کمبودیا وجاهزة للتوقیع علیها من قبل الحکومة والأمم المتحدة.
المبحث الثالث
المحکمة الجنائیة المدوّلة فی تیمور الشرقیة
کانت تیمور الشرقیة مستعمرة برتغالیة لسنوات طویلة، وأصبحت منذ عام (1960) إقلیما لا یتمتع بالحکم الذاتی تحت الإدارة البرتغالیة وبإشراف الامم المتحدة وفی عام (1975) تم غزوها من قبل إندونیسیا وتم إعلان إن تیمور الشرقیة هی المحافظة (27) لـ (إندونیسیا) فی 17/7/1976 ومع المطالبات العدیدة من قبل الامم المتحدة لانسحاب إندونیسیا منها واحترام حق تقریر المصیر إلا أن ذلک لم یتم ، وفی عام 1999 وبعد تغیر نظام الحکم فی إندونیسیا وافقت على إجراء استفتاء عام بإشراف الامم المتحدة یسمح للشعب التیموری الحق فی تقریر مصیره ومستقبله وفی 30/8/1999 صوت (78.5%) من التیموریین الشرقیین ضد البقاء مع إندونیسیا فاندلعت على إثر ذلک أعمال العنف بصورة مأساویة فی کل أنحاء تیمور الشرقیة من قبل معارضی الانفصال وبدعم من الحکومة الاندونوسیة وارتکبت أعمال القتل والاختطاف والاغتصاب وتدمیر الممتلکات وسرقة المساکن وحرق المراکز العسکریة والمساکن المدنیة بهدف التهجیر القسری ،على اثر ذلک اتخذ مجلس الأمن قراراً بإرسال قوة دولیة إلى هناک وصلت فی 20/9/1999 وفی 25/10/1999 تم تشکیل( إدارة انتقالیة ) للأمم المتحدة (UNTAET) وتولت إدارة الأمور هناک ممارسة السلطة التشریعیة والتنفیذیة ، وبعد استقرار الأمور کان لا بد من التفکیر بطریقة للتعامل مع البشاعات المرتکبة فکان هناک دعوات من المنظمات غیر الحکومیة ولجنة تقصی الحقائق الذی شکلها الأمین العام و قرار من المجلس الاستشاری الوطنی أیضاً فی تیمور الشرقیة فی حزیران عام (2000) تطالب کلها بإنشاء محکمة دولیة.
بدأت (UNTAET) باستشارة المجلس الاستشاری الوطنی باتخاذ الخطوات الفعلیة لإنشاء نظام لمقاضاة الجرائم الدولیة فی تیمور الشرقیة فأصدرت عدة لوائح منها اللائحة (1/1991) و (3/1999) ثم اللائحة التنظیمیة رقم (11/2000) وهی الخاصة بتنظیم عمل المحاکم فی تیمور الشرقیة إذ أشار القسم العاشر من هذه اللائحة إلى إنشاء هیئة قضائیة مدوّلة تکون تابعة لمحکمة مقاطعة دیلی ویکون لها سلطة قضائیة فی النظر بالجرائم الخطیرة المرتکبة فی تیمور الشرقیة قبل 25/10/1999 وعلى اثر ذلک قامت (UNTAET) بإصدار اللائحة التنظیمیة الخاصة بتنظیم المحکمة الجنائیة المدّولة للنظر فی الجرائم الخطیرة المرقمة (15/2000).
المطلب الأول
تکوین المحکمة الجنائیة المدوّلة
بموجب اللائحة التنظیمیة رقم (15/2000) فان هذه المحکمة المدوّلة التی أدخلت ضمن محکمة مقاطعة دیلی هی محکمة مختلطة أی تتشکل من قضاة دولیین وتیموریین شرقیین ، حیث تتکون من قاضیین دولیین وقاضٍ واحد من تیمور الشرقیة ، ولکن فی الحالات الخاصة والمهمة تتکون المحکمة من (خمسة قضاة) ثلاثة دولیین واثنین تیموریین، اما طریقة اختیارهم وتقسیمهم فیکون بموجب اللائحة التنظیمیة (3/1999) واللائحة (11/2000) القسم العاشر ، حیث یتم التقسیم من قبل المدیر الانتقالی بعد توصیة مقدمة من لجنة الخدمات القضائیة.
المطلب الثانی
اختصاصات المحکمة المدوَلة
بخصوص اختصاصات المحکمة الجنائیة المدوّلة ،فبموجب اللائحة (15/2000) فان لها اختصاص موضوعی وشخصی وزمانی.
أما الاختصاص الموضوعی ،فقد أشار القسم العاشر من اللائحة التنظیمیة المرقم (11/2000) إلى إنشاء هیئة قضائیة للنظر فی الجرائم الخطیرة (أ-الإبادة . ب- جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانیة. د- القتل . هـ- الجرائم الجنسیة . د- التعذیب) ، وقد جاءت اللائحة (15/2000) لتؤکد هذا الاختصاص فقد نصت على اختصاص المحکمة المدوّلة بالنظر فی جرائم الإبادة الجماعیة وفقاً لتعریف هذه الجریمة فی اتفاقیة عام 1948والجرائم ضد الإنسانیة التی اشترطت اللائحة أن تکون الأفعال المکونة لهذه الجرائم جزء من هجوم واسع النطاق ومنهجی مع وجود عنصر السیاسة ویبدو اشتراط هذا العنصر هو لإثبات مسؤولیة الحکومة الاندوسیة التی تدخلت لدعم المیلیشیات التی کانت وراء أعمال العنف عام (1999) والتی کانت ترفض الانفصال.
کما إن المحکمة تنظر فی جرائم الحرب وقد جاءت بأربع طوائف من جرائم الحرب (الانتهاکات الخطیرة لاتفاقیات جنیف ، الانتهاکات لأعراف والقوانین الواجبة التطبیق فی النزاع الدولی وانتهاکات المادة الثالثة المشترکة واخیراً انتهاک القوانین والأعراف الواجب تطبیقها فی النزاعات المسلحة غیر الدولیة) ویبدو إن هذه الشمولیة لجرائم الحرب بکل صورها هو بسبب طبیعة النزاع فی تیمور الشرقیة إذ کانت ذات طبیعة مختلطة إذ إن غزو القوات الاندونوسیة لتیمور الشرقیة ذات الإدارة البرتغالیة عام (1975) اعتبر نزاعاً دولیاً لانتهاکها میثاق الامم المتحدة والقانون العرفی ، ثم بعد ذلک فی فترة الاستفتاء عام 1999 کان النزاع داخلیاً بین المیلیشیات المؤیدة والمعارضة للانفصال عن إندونیسیا) ،کما إن للمحکمة اختصاص النظر فی جرائم التعذیب والقتل والجرائم الجنسیة .
إما الاختصاص الشخصی للمحکمة :
فهو یسری على الأشخاص المسؤولین عن الجرائم الخطیرة التی ارتکبت فی تیمور الشرقیة قبل 25/10/1999 وهذا یعنی أن کل الأشخاص المسؤولین عن هذه البشاعات یجب أن یتحملوا المسؤولیة الجنائیة وان کان الرأی السائد أن المحکمة سوف تنتهج نهج محکمة کمبودیا فی الترکیز على القادة وجعلهم الهدف الرئیس. إما الاختصاص الزمانی للمحکمة فقد میزت اللائحة التنظیمیة (15/2000) بین الجرائم من حیث الاختصاص الزمنی فبالنسبة للجرائم الثلاث الأولى (الإبادة – وضد الإنسانیة وجرائم الحرب) فان اختصاص المحکمة یکون بأثر رجعی إلى ما قبل 25/10/1999 أی منذ عام 1975 عند احتلال تیمور الشرقیة أما بالنسبة لجرائم (التعذیب والقتل والجرائم الجنسیة) فان اللائحة حددت اختصاص المحکمة فی الفترة بین 1/1/1999 إلى 25/10/1999.
وتطبق المحکمة القانون التیموری المنظم بموجب القسم الثانی والثالث من اللائحة التنظیمیة (1/1999) وکذلک المعاهدات والأعراف الدولیة ومبادئ القانون الدولی العامة ومبادئ القانون الدولی التی تنظم النزاعات المسلحة.
ومن المبادئ الواجب تطبیقها من قبل المحکمة مبدأ (عدم جواز محاکمة الشخص عن ذات الجریمة مرتین)، ومبدأ المسؤولیة الجنائیة الفردیة ومبدأ عدم تقادم الجرائم المنصوص علیها فی اللائحة (15/2000) وأفردت اللائحة قسماً خاصاً لمسؤولیة الرؤساء وعدم الاحتجاج بالأوامر العلیا للتهرب من المسؤولیة الجنائیة.
الخاتمة :
فی نهایة هذا البحث الذی تناول موضوع المحاکم الجنائیة المدوَلة،فقد توصلنا الى الاستنتاجات التالیة:
1. ان جلوس القضاة المحلیین والدولیین معاً کهیئة للنظر فی الجرائم الدولیة تمثل طریقة جدیدة للمجتمع الدولی لمواجهة سیاسة الإفلات من العقاب.
2. إن مفهوم المحاکم المدوّلة یعنی تطبیق المعاییر الدولیة للمحاکمة العادلة ومراعاة حقوق المتهم والمجنی علیه والشهود.
3. من خلال المحاکم المدوّلة سیکون هناک نقل للخبرة الدولیة القضائیة والجنائیة للقضاة والمدعیین العامین الدولیین إلى داخل الدول ولاشک أن هناک من الدول التی هی بحاجة فعلاً إلى هذه الخبرة .
4. المحاکم المدوّلة تقلل من مخاطر عدم الحیادیة (الانحیاز) والتی تظهر بوضوح عندها یکون تشکیل المحکمة التی تنظر فی الجرائم الخطیرة مقتصراً على القضاة المحلیین الذین یکونون جزءاً من السکان المتضریین.
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English) and References (English)
First: Arab Sources:
1. Dr. Mahmoud Sherif Bassiouni, International Humanitarian Law, Interferences, Gaps and Ambiguity, Research published in the book of international humanitarian law, Prepared by a group of specialists, Dar Al Mustaqbal Al Arabi, Cairo, First edition 2003.
2. United Nations Document (S / 1999/777), on the Lomé Peace Agreement between the Government of Sierra Leone and the Revolutionary Movement (RUK).
3. The United Nations Document (S / RES / 1315) in 2000 concerning the conciliation between the Secretary-General of the United Nations and the Government of Sierra Leone for the establishment of the International Criminal Court.
4. The United Nations document (S / 2000/915), which contains the report of the Secretary-General to the Security Council on his negotiations with the Government of Sierra Leone for the establishment of the International Tribunal.
5. Letter from the President of the Security Council to the Secretary-General on 22 December 2000 (S / 2000/234).
6. Letter of the Secretary-General to the President of the Security Council on 12 January 2001 (S / 2001/40).
7. Letter from the President of the Security Council to the Secretary-General 31 January 2001 (S / 2001/95).
8. Report of the Committee of Experts established by General Assembly resolution 52/135 on the establishment of a criminal court in Sierra Leone.
Second: Foreign sources:
1. Draft agreement between the united nations and the royal government of cambodia concerhing the prosectution under cambodin law of crimes committed during the period of democratic kampuchea, 17 march, 2003.
2. John Margo: Is there justification for an international criminal tribunal for east timor. http: // www. murdoch. Edu. Au / elaw / standards / autinor /
3. Regulation, No. 2000/15, on the establishment of panels with exclusive jurisprudence over serious criminal offences.
4. Suzannah linton: combodia, East timor and sierra leone: Experiments in international justice. http: //www.jsmp. Mini bub. Org./report/linton crim law.pdf, 2000
5. United Nations Transnational administration in East timor / Regulation, No. 2000/11, on the organization of courts in East Tiomr, 6 March, 2000.