الإخلال بمبدأ المساواة فی القانون الجنائی
Failure to implement the principle of equality in criminal law
|
نوفل علی عبد الله الصفو
کلیة القانون / جامعة الموصل
Nofal Ali Abdullah Al-Safou
College of law / University of Mosul
Correspondence:
Nofal Ali Abdullah Al-Safou
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 11/8/2005 *** قبل للنشر فی 16/4/2006.
(*) Received on 11/8/2005*** accepted for publishing on 16/4/2006.
Doi: 10.33899/alaw.2006.160477e
© Authors, 2006, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
مقدمة
ان المساواة کانت وما زالت غایة سامیة ومطلباً مهماً تسعى الیه المجتمعات والشعوب الحرة کافة من اجل تحقیق العدالة بین الافراد فی المجتمع المتحضر ، فالمساواة فی حقیقتها اساس لقیم کثیرة منها العدالة ، لان العدالة تقتضی تحقیق المساواة بین جمیع افراد الشعب امام القانون ، وعدم التمییز بینهم فی تطبیقه امام القضاء ، لان العدالة تقترن دائماً بالقضاء ، لانه وسیلة تحقیق العدالة .
وقد أثار طابع عدم المساواة الذی کان یمیز الانظمة العقابیة القدیمة والقسوة البالغة فی العقاب العدید من مفکری القرن الثامن عشر ، فانکروا قسوة وجسامة العقوبات التی لا تتفق وادمیة الانسان ، وطالبوا بتخفیف حدة النظام العقابی برد العقاب الى اسس وضوابط تحول دون المبالغة والتحکم فی فرضه ، وبإقامة مساواة فی العقاب عن طریق الغاء القضاء الاستثنائی ، وقد مهدت اراء هؤلاء الفلاسفة والمفکرین الى تصحیح تجاوزات الانظمة العقابیة القدیمة ، الا ان هذا التصحیح کان من القوة بحیث حول القانون بسرعة من التحکم والاستبداد الى مساواة حسابیة لا تأخذ بنظر الاعتبار ظروف الجانی والجریمة ، وانما هی مساواة مجردة تقوم على اساس عدم التمییز بین الافراد بسبب اللغة او الجنس او الاصل او العقیدة ، الا ان هذا المفهوم التقلیدی لمبدأ المساواة یصطدم بالواقع العملی لان الافراد مختلفون ومتمایزون من حیث قدراتهم ومواهبهم وسماتهم الشخصیة ، لذلک فان المساواة الحسابیة بینهم على الرغم من التباین والاختلاف فی ظروفهم یؤدی الى عدم تحقق المساواة الحقیقیة الفعلیة ، لذلک اکتسب مفهوم المساواة بعداً جدیداً اوسع نطاقاً من المفهوم التقلیدی ، وهذا المفهوم الجدید یرتبط بتطور وظیفة واهداف القانون الجنائی ، فلم یعد المقصود بالمساواة تلک المساواة الحسابیة الجامدة القاصرة على التجریم والعقاب ، انما اتسع مفهومها لیشمل بالاضافة الى العقاب التأهیل الاجتماعی ، وذلک من خلال السعی الى تحقیق افضل سبل اصلاح وتأهیل المتهم . وعلى الرغم من حرص المشرع الجنائی على تقریر بعض الضمانات فی القانون الجنائی التی تهدف الى تحقیق المساواة الفعلیة الحقیقیة بین الخاضعین لاحکام القانون الجنائی ، فانه توجد حالات اخلال بمبدأ المساواة فی القانون الجنائی ، بعضها قد یکون معروفاً ومقصوداً من قبل المشرع لذلک لا یتدخل لتصحیحها نتیجة لاعتبارات معینة ، وبعضها لا یکون مقصوداً من قبل المشرع وانما تکون کامنة فی نصوص القانون الجنائی وتظهر اثناء التطبیق القضائی لتلک النصوص ولا تبررها ایة اعتبارات ولا تهدف الى تحقیق ایة غایات .
ومن اجل الاحاطة بموضوع الاخلال بالمساواة فی القانون الجنائی الذی تظهر اهمیته من اهمیة مبدأ المساواة وتحقیق العدالة وهی غایة وهدف کل قانون وخاصة القانون الجنائی لانه قانون مساواة ، لذلک فقد قسمنا بحثنا هذا الى مبحثین کما یأتی :
المبحث الاول : مفهوم مبدأ المساواة
المطلب الاول : المفهوم التقلیدی لمبدأ المساواة
المطلب الثانی : المفهوم الجدید لمبدا المساواة
المبحث الثانی : حالات الاخلال بمبدأ المساواة
المطلب الاول : حالات الاخلال المقصود بمبدأ المساواة
المطلب الثانی : حالات الاخلال غیر المقصود بمبدأ المساواة
المبحث الأول
مفهوم مبدأ المساواة
نتیجة للتوجه نحو حمایة الحریات وحقوق الانسان ، وکرد فعل على السلطة المطلقة التی کان یتمتع بها القاضی خاصة قبل قیام الثورة الفرنسیة ، فقد توجه القانون الجنائی نحو المساواة ، وقد کانت هذه المساواة شکلیة مجردة ومطلقة وواحدة بالنسبة لجمیع مرتکبی الجرم نفسه ، ففلاسفة القرن الثامن عشر عدوا هذه المساواة المطلقة تؤمن العدالة الکاملة ، وتحمی حقوق الافراد ، دون الاخذ بنظر الاعتبار ظروف الجانی ، الا ان التطبیق الفعلی للمساواة الحسابیة ، ادى الى الاجحاف بمبدأ العدالة ، وبعد تطور وظیفة القانون الجنائی بعد الدعوى التی جاءت بها المدرسة الوضعیة وانصار الدفاع الاجتماعی لتوسیع سلطة القاضی وللاخذ بنظر الاعتبار ظروف المجرم والجریمة لم یعد المقصود بالمساواة المساواة الحسابیة المجردة ، وانما وظف التنوع فی الجزاءات والاجراءات فی خدمة المساواة من اجل الوصول الى مساواة فعلیة حقیقیة تراعى فیها ظروف الجانی والجریمة ، واتسع نطاقها فلم یعد یقتصر على التجریم والعقاب وانما امتد لیشمل العقاب والتأهیل الاجتماعی من اجل اصلاح وتقویـم الجانی.
ومن اجل البحث فی مفهوم مبدأ المساواة ، فان الامر یقتضی البحث فی المفهوم التقلیدی لمبدأ المساواة ، والمفهوم الجدید لمبدأ المساواة ، لذلک فقد قسمنا هذا المبحث الى مطلبین ، کما یأتی :
المطلب الاول : المفهوم التقلیدی لمبدأ المساواة .
المطلب الثانی : المفهوم الجدید لمبدأ المساواة .
المطلب الأول
المفهوم التقلیدی لمبدأ المساواة
المساواة مشتقة من الفعل سوى ، والسواء (سوا) لغة هو العدل ، قال تعالى : (فانبذ الیهم على سواء)، وسواء الشیء هو وسطه ، قال تعالى : (فاطلع فرءاه فی سواء الجحیم)، والسواء هو المساواة مع الغیر کالقول وهما فی هذا الامر (سواء) او (سواءان) فهم (اسواء) و (سواسیة) ، وخلافه القول (لا یساویه) أی لا یعادله ، وتأتی بمعنى الاستواء من الاعوجاج کالقول هذا رجل سوى أی (مُستوٍ) و (استوى) من اعوجاج.
وقد عرف البعض المساواة بانها (محاولة لاعطاء الجمیع فرصاً مماثلة بقدر الامکان لینتفع کل منهم بما قد تکون بین یدیه من امکانات . ومن ثم تعنی ان کل فرد سیعمل حسابه فیما یتخذ من قرارات فی کل موضوع یمسه ، وان کل مکنه یقلدها القانون لمواطن غیره فی مثل ظروفه ستلصق به هو ایضاً ، وانه متى قرر المجتمع معاملة البعض معاملة تتمیز عن المعاملة التی یلقاها الاخرون فان تلک التفرقة یجب ان یکون لها سند من الصالح المشترک . فلیس مما یخرج عن معنى المساواة قط تغلیب الحاجات العاجلة على الحاجات غیر العاجلة لدى الاخرین) .
والمساواة فی صورتها المجردة او المثالیة تعنی عدم التمییز بین الافراد بسبب الاصل او اللغة او الجنس او الثروة او العقیدة ، لذلک فان الصلة بین المساواة وبین العدالة هی صلة وثیقة ومتینة ، فالمساواة فی حقیقتها وصف من اوصاف العدالة ، لان العدالة تقتضی تحقیق المساواة بین جمیع افراد الشعب امام القانون وعدم التفرقة بینهم متى ما اتحدت ظروفهم ومراکزهم القانونیة.
الا ان هذا المفهوم المثالی یصطدم بصورة واضحة بالواقع العملی فالافراد مختلفون ومتمایزون من حیث القدرات والمواهب والامکانیات والاستعداد الفطری والسمات الشخصیة الاخرى ، والثابت انه لا توجد مساواة طبیعیة لان الناس خلقوا متفاوتین خلقا وخُلقا ولا مساواة فی عرف الطبیعة الا من حیث بعض التکوین الاساسی والغرائز الفطریة، فقد کشف التنوع الکبیر للطبیعة البشریة عن عدد لا متناهی من التباین والاختلاف بین الافراد ، ولذلک فانه من اجل الوصول الى مساواة واقعیة وحقیقیة ، تشمل العدالة فیها الجمیع وتکون مؤثرة وفعالة بالنسبة للجمیع ، فانه یجب على المشرع الجنائی ان یأخذ فی اعتباره التباین والاختلاف بین المخاطبین باحکام القانون والتمایز بین الافراد من حیث قدراتهم وسماتهم الشخصیة وان یکیف النصوص القانونیة مع هذا الاختلاف للوصول الى المساواة الحقیقیة الواقعیة وعدم الاکتفاء بتحقق المساواة المثالیة المجردة التی لا تؤدی الى تحقیق العدالة.
فمبدأ المساواة لا یتعارض مع اختلاف المعاملة الجنائیة وفقاً لاختلاف المراکز القانونیة التی تتحدد فی ضوء الغایة من القانون او المصلحة العامة ، فالمشرع الجنائی له ان یقرر معاملة جنائیة مختلفة بقدر اختلاف الافعال ذات الطبائع المختلفة، فالمساواة المطلقة فی العقاب هی فی حقیقتها عدم مساواة .
اذن فالمساواة الحسابیة التی لا تفرق بین الخاضعین لاحکام القانون الجنائی لا یمکن ان تؤدی الى تحقیق العدالة المنشودة ، کما لا یمکن ان تتوافق مع مظاهر التنوع العقابی ومع تطور وظیفة القانون الجنائی . ولهذا یصح القول بان تنوع وسائل واهداف قانون العقوبات یتوافق مع مبدأ المساواة فی مفهومه الجدید ، بل ان هذا التنوع جعل المبدأ یضمن للجمیع فرصاً متساویة للتأهیل والاصلاح والتقویم ، فهذا التنوع فی القانون الجنائی یشکل اداة التفرید فی المعاملة الجنائیة التی تهدف الى تحقیق افضل فرص التأهیل الاجتماعی لکل فرد.
وقد کان القانون الجنائی یتبنى المساواة الشکلیة المجردة التی تقوم على المساواة الحسابیة فی العقاب ، ولم تکن هذه المساواة تختلف عن تلک التی تقررت فی النصوص ذات الطابع الدولی کاعلانات حقوق الانسان التی کانت تقضی صراحة بإخضاع جمیع المخاطبین باحکام القانون الجنائی لذات العقوبات والاجراءات فی ظروف متساویة.
فقد اکدت اعلانات حقوق الانسان المبدأ التقلیدی للمساواة الجنائیة ، فقد اکد الاعلان العالمی لحقوق الانسان الصادر سنة 1948 على المساواة القانونیة بصفة عامة ، فنص فی مادته الاولى على ان : (یولد جمیع الناس احراراً ومتساویین فی الکرامة والحقوق ، وهم قد وهبوا عقلاً وضمیراً وعلیهم ان یعاملوا بعضهم بعضاً بروح الاخاء) ، ونص فی المادة (2) على ان : (لکل انسان حق التمتع بجمیع الحقوق والحریات المذکورة فی هذا الاعلان ، دونما تمییز من أی نوع ، ولا سیما التمییز بسبب العنصر ، او اللون ، او الجنس ، او اللغة ، او الدین ، او الرأی سیاسیاً او غیر سیاسی ، او الاصل الوطنی او الاجتماعی او الثروة ، او المولد ، او أی وضع اخر) . ونص فی المادة (7) على انه : (الناس جمیعاً سواء امام القانون، وهم یتساوون فی حق التمتع بحمایة القانون دونما تمییز ، کما یتساوون فی حق التمتع بالحمایة من أی تمییز ینتهک هذا الاعلان ومن أی تحریض على مثل هذا التمییز) ، اما الاتفاقیة الاوربیة لحقوق الانسان الصادرة سنة 1950 فقد نصت فی المادة (14) على : (یکفل التمتع بالحقوق والحریات المقررة فی هذه المعاهدة دون تمییز ایاً کان اساسه : کالجنس او العرق او اللون او اللغة او العقیدة او الرأی السیاسی او غیره او الاصل القومی او الاجتماعی ، او الانتماء الى اقلیة قومیة ، او الثروة ، او المیلاد ، او أی وضع اخر) ، واشارت المادة (14) من الاتفاقیة الدولیة فی شأن الحقوق المدنیة والسیاسیة الصادرة سنة 1966 الى المساواة فی قانون الاجراءات الجنائیة فنصت على ان : (جمیع الاشخاص متساوون امام القضاء . ولکل فرد الحق عند النظر فی ایة تهمة ضده او فی حقوقه والتزاماته فی احدى القضایا القانونیة فی محاکمة عادلة وطنیة بواسطة محکمة مختصة ومستقلة وحیادیة قائمة استناداً الى القانون) ، کما کان من ضمن القضایا التی بحث بها المؤتمر الدولی الثانی عشر للجمعیة الدولیة لقانون العقوبات الذی عقد بمدینة هامبورج الالمانیة فی المدة من 16-22 أیلول سنة 1979 تناول فکرة المساواة فی الحقوق الاجرائیة بین اطراف الدعوى الجنائیة حیث قرر حق المتهم فی التمتع بمساواة حقیقیة اثناء مباشرة الاجراءات الجنائیة المختلفة ، وان تکفل له السبل الضروریة التی تمکنه من دحض ادلة الاثبات التی یقدمها الادعاء ، ووجوب اخبار المتهم بالحقوق المختلفة المکفولة له فی کل مرحلة من مراحل الاجراءات الجنائیة ، وان یکون لکل من ادین فی جریمة الحق فی ان یعاد بحث ادانته امام درجة قضاء اعلى وفقاً لما ینص علیه القانون .
کما حرصت الدساتیر على النص على مبدأ المساواة ، فقد حرصت الدساتیر العراقیة المتعاقبة على التأکید على مبدأ مساواة المواطنین امام القانون منذ القانون الاساسی العراقی الصادر عام 1925 الذی نص فی المادة (6) على ان : (لا فرق بین العراقیین فی الحقوق امام القانون وان اختلفوا فی القومیة والدین واللغة) ، ثم اکد هذا المبدأ فی المادة (18) بقوله : (العراقیون متساوون فی التمتع بالحقوق المدنیة والسیاسیة وفیما علیهم من الواجبات والتکالیف العامة . لا تمییز بینهم فی ذلک بسبب الاصل او اللغة او الدین …) ، کما اکد دستور 27 تموز عام 1958 مبدأ مساواة المواطنین فی الحقوق امام القانون ومساواتهم فی الواجبات العامة ، فقد نصت المادة (9) على ان : (المواطنون سواسیة امام القانون فی الحقوق والواجبات العامة ولا یجوز التمییز بینهم فی ذلک بسبب الجنس او الاصل او اللغة او الدین او العقیدة) ، کما نصت على ذات المبدأ المادة (19) من دستور 29 نیسان عام 1964، اذ نصت على ان : (العراقیون متساوون فی الحقوق والواجبات العامة بلا تمییز بسبب الجنس او الاصل او اللغة او الدین او أی سبب اخر …) ، وکذلک المادة (21) من دستور 21 ایلول عام 1968 ، ثم جاء الدستور العراقی الحالی الصادر فی 16 تموز 1970 لکی یؤکد فی المادة (19) منه مبدأ المساواة الذی تبنته من قبل الدساتیر العراقیة المتعاقبة ، فوفقاً لنص المادة (19) حاول الدستور عدم اغفال أی اساس یمکن اجراء تمییز ما استناداً الیه ، فهو قد حرم التمییز بین المواطنین على اساس الجنس او العرق او اللغة، وقد حرص الدستور العراقی على تأکید المبادئ العامة التی ترتبط ارتباطاً وثیقاً بالمساواة امام القانون الجنائی ، واهمها مبدأ شرعیة الجرائم والعقوبات ، فقد نصت المادة (21) من الدستور العراقی لسنة 1970 على انه : (لا جریمة ولا عقوبة الا بناء على قانون ولا تجوز العقوبة الا على الفعل الذی یعتبره القانون جریمة اثناء ارتکابه).
وقد تبنت القوانین الجنائیة الوضعیة مبدأ الشرعیة الجزائیة الذی تؤدی النتائج المترتبة علیه الى تحقیق المساواة الجنائیة ، فمبدأ الشرعیة یضمن تحقیق المساواة بین جمیع الناس امام القانون ، حیث ان حصر مصادر التجریم والعقاب فی القانون یعنی ان یفصل هذا القانون بین المشروع وغیر المشروع فیأمن افراد المجتمع العقاب عند قیامهم بالفعل المشروع على نحو یمکنهم من المساهمة فی نشاط المجتمع الذی ینتمون الیه ، وان الجمیع سواء امام هذا النص.
ویعرف مبدأ الشرعیة الجزائیة بانه (مبدأ اساسی فی القانون الجنائی مقتضاه انه لا یعد أی سلوک جریمة ولا تفرض علیه ایة عقوبة او تدبیر الا بسند شرعی من اثاره عدم رجعیة القانون وعدم جواز القیاس)، ویعد مبدأ الشرعیة دستور قانون العقوبات، ویقتضی هذا المبدأ ان تقوم سلطات الدولة الثلاث بمراعاته فی کل تصرفاتها واعمالها القانونیة ، فمن ناحیة لا یملک القاضی تجریم ما لم یرد نص بتجریمه ، او توقیع عقوبة لم یرد بها نص ، او استعمال القیاس ، فالقاضی لا یملک خلق جریمة جدیدة او عقوبة جدیدة لجریمة قائمة ، ومن ناحیة اخرى فان سلطة التجریم والعقاب تکون من اختصاص السلطة التشریعیة ، ولا تملک السلطة التنفیذیة مباشرة هذا الاختصاص دون تفویض ، وعلى السلطة التشریعیة ان تراعی عند وضع النص ان یکون محدداً ذا اثر مباشر فلا یرجع تطبیقه الى الماضی.
وتترتب على مبدأ الشرعیة الجزائیة نتائج عدة سواء من حیث التشریع او القضاء او التنفیذ ، وهی لا تعدو النتائج الاربع الاتیة ، قصر مصدر التجریم والعقاب على التشریع فقط، وعدم رجعیة القوانین الجنائیة على الماضی ، وتقید القاضی بقواعد معینة فی التفسیر الجنائی ، وحظر القیاس فی التجریم.
ویمکن القول ان مبدأ الشرعیة الجزائیة سواء فی روحه او فی نتائجه یسمح ضمنیاً بمبدأ المساواة ، وذلک لان مبدأ الشرعیة یصدر عن مفهوم العمومیة والتجرید للقانون ، اذ ان مبدأ المساواة یکشف عمومیة قانونیة العقوبات ، وان التجرید فی القانون یعنی استبعاد الاخلال بالمساواة.
الا ان المساواة التی نبین علاقتها بمبدأ الشرعیة هی لیست المساواة الطبیعیة او المساواة الاجتماعیة ، إذ لا توجد مساواة طبیعیة او اجتماعیة بین الافراد لان الناس خلقوا متفاوتین خلقاً وخلقا ، کما انهم درجات فی الغنى والحسب والنسب وفی طرق کسب المعیشة وفی ملذاتهم والامهم ، وانما المساواة القانونیة ، وهی مساواة الناس جمیعاً امام القانون من ناحیة الحقوق والواجبات والحمایة القانونیة ، وهی بهذا المعنى تکون قرینة الحریة ومن عناوین الحقوق الانسانیة الاساسیة.
وقد حرص المشرع الجنائی على تقریر ضمانات معینة بهدف تحقیق مساواة فعلیة حقیقیة بین المخاطبین بالقاعدة الجنائیة الموضوعیة والاجرائیة ، فقد صحح قانون العقوبات بعض حالات الاخلال بالمساواة الفعلیة ، ویتجسد هذا التصحیح فی صور عدیدة اهمها حمایة الضعفاء نفسیاً او عضویاً ، وفی تحذیر اصول المجنی علیهم ، اذ یضع الضعف الذی یصاحب بعض الافراد کصغار السن والمصابین بنقص او قصور فی قواهم العقلیة فی وضع غیر متساو مع الاخرین الامر الذی دفع المشرع الجنائی الى مراعاة هذا الامر لضمان مساواة فعالة للجمیع.
اذ اتجهت التشریعات الجنائیة الى تشدید العقوبة فی حالة کون المجنی علیه عاجزاً عن الدفاع عن نفسه ، وقیام الجانی باستغلال هذه الحالة لارتکاب الجریمة ، الامر الذی یدل على خطورة الفاعل ، فقد نصت المادة (135/2) من قانون العقوبات العراقی ذی الرقم (111) لسنة 1969 على انه : (یعتبر من الظروف المشددة العامة ارتکاب الجریمة بانتهاز فرصة ضعف ادراک المجنی علیه او عجزه عن المقاومة او فی ظروف لا تمکن الغیر من الدفاع عنه) ، فالمشرع العراقی اخذ بنظر الاعتبار حالة المجنی علیه فی الظروف التالیة :
1- ضعف ادراک المجنی علیه
2- عجزه عن المقاومة
3- کون المجنی علیه فی ظروف لا تمکن الغیر من الدفاع عنه
اذ یشدد المشرع العراقی العقاب على الجرائم التی تقع على المجنی علیه صغیر السن، وذلک لعجزه عن رد الاعتداء والمقاومة لصغر سنه وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه ، وفضلاً عن الظرف المشدد العام الذی تضمنته المادة (135/2) عقوبات عراقی ، فان المشرع قد نص على ظروف مشددة خاصة فی جرائم الاعتداء على القاصرین شدد فیها العقوبة على مرتکب الفعل الذی یستغل صغر سن المجنی علیه، کما شدد المشرع عقوبة الجرائم المرتکبة فی حالة عجز المجنی علیه عن المقاومة ، وذلک من اجل منح الشخص العاجز عن المقاومة حمایة اضافیة تتمثل فی خوف الجانی من شدة العقوبة التی تلحقه من ارتکاب الجریمة ، ومن الامثلة على عجز المجنی علیه عن المقاومة هو الاعتداء على جرحى الحرب. کما خص المشرع العراقی بموجب قانون رعایة الاحداث ذی الرقم (76) لسنة 1983 الاحداث بضمانات عدیدة لحمایتهم ، منها جعل محاکمة الحدث فی جلسة سریة خشیة من التأثیر فی نفسیة الحدث او فی مستقبله، کما اخذ المشرع بنظر الاعتبار فقد الادراک او الارادة المعاصر لوقت ارتکاب الجریمة ، فجعل من الجنون او عاهة العقل مانعاً من موانع المسؤولیة الجنائیة، وفرق المشرع بین المتهمین العادیین وبین الذین لهم سلطة خاصة تضعهم فی مرکز قوة بالنسبة للذین یخضعون لهم ، فشدد عقوبة الفاعل الذی یتمتع بهذه السلطة واستغلها فی ارتکاب جریمته على الخاضع له ، مثال ذلک تشدید عقوبة الجرائم المخلة بالاخلاق والاداب العامة اذا کان الجانی من اقارب المجنی علیه الى الدرجة الثالثة او کان من المتولین تربیته او ملاحظته او ممن له سلطة علیه. کما أدى قانون الاجراءات الجنائیة دوراً مهماً فی تحقیق المساواة الفعلیة من خلال القواعد التی قررها المشرع لضمان حیاد القاضی وتقریر حق الاستعانة بمحام ، فالمحکمة هی الجهة الوحیدة التی نصبتها الدولة لکی یلجأ الیها الافراد لحل خصوماتهم ، دون ان تکون لهم الخیرة فی اختیار القاضی الذی ینظر فی الدعوى ، لذلک فان حیاد القاضی من الشروط الاساسیة لتحقیق المساواة والعدالة فی الدعوى وللاطمئنان الى عدالة الحکم الصادر فی القضیة ، وقد عرف حیاد القاضی بانه (ان ینظر الحاکم فی القضیة المعروضة علیه بصورة موضوعیة مجردة بحیث لا تؤثر فی حکمه مصلحته او أی تأثیر اخر یخل بمهمته فی احقاق الحق)، وقد نصت العدید من قوانین الاجراءات الجنائیة على حالات عدم صلاحیة القاضی للنظر فی الدعوى، اما قانون اصول المحاکمات الجزائیة العراقی ذی الرقم (23) لسنة 1971 فانه لم ینص على حالات رد القاضی او تنحیه عن النظر فی القضیة ، وان کان قد اجاز نقل الدعوى من محکمة الى محکمة اخرى اذا کان ذلک یساعد على حمایة الامن ، او على ظهور الحقیقة، الا ان عدم وجود نص فی قانون اصول المحاکمات الجزائیة العراقی لرد القضاة وتنحیهم لا یعنی عدم اعمال هذه المبادئ فی الدعوى الجزائیة وانما یتم الرجوع فی حکم هذه المسألة الى القواعد العامة ، فیتم تطبیق احکام قانون المرافعات المدنیة المرقم (83) لسنة 1969 ، باعتباره المرجع لقانون اصول المحاکمات الجزائیة فیما لا نص فیه، ولذلک فانه یتم تطبیق احکام النصوص المتعلقة برد القضاة وتنحیهم التی نص علیها قانون المرافعات المدنیة.
ویقتضی تحقیق مبدأ المساواة ان تشمل العدالة الجمیع وکفالة حق الدفاع لأطراف الدعوى کافة وخاصة المتهم ، وذلک لان کفالة هذا الحق یعد من الضمانات الاساسیة لتحقیق المحاکمة العادلة للمتهم ، ویقصد بحق الدفاع (تمکین الشخص من درء الاتهام عن نفسه ، اما باثبات فساد دلیل خصمه ، او بإقامة الدلیل على نقیضه وهو البراءة)، فالاتهام اذا لم یقابله الدفاع یعد ادانة لا اتهاماً ، وان احترام حق الدفاع یقتضی من المشرع ان یأخذ فی اعتباره عدم قدرة المتهم على الاستعانة بمحام لضعف قدرته الاقتصادیة ، الامر الذی یقتضی تدخل المشرع لانتداب محام لهذا المتهم تحقیقاً للعدالة وضماناً للمساواة بین اطراف الدعوى وحمایة لحق المتهم والمجتمع ، لان اهدار هذا الحق قد یؤدی الى افلات المجرم الحقیقی او ادانة البریء ، وهذا یلحق الضرر بالمجتمع الذی تهمه تبرئة البری اکثر من افلات المجرم ، لذلک فقد حرصت قوانین الاجراءات الجنائیة على تأکید حق کل متهم بجنایة فی الاستعانة بمحام یختاره للدفاع عنه ، فاذا لم یستعن بمحام على نفقته وبناء على اختیاره ینتدب محام للدفاع عنه تحدد المحکمة اتعابه عند الفصل فی الدعوى وتتحملها.
المطلب الثانی
المفهوم الجدید لمبدأ المساواة
مـــع نهایـــة القـــرن التاســـع عشـــر ، تطـــورت وظیفـــة القانـــون الجنائـــی تطـــوراً سریعـــاً تحـــت تأثیـــر المدرســـة الوضعیـــة ثـــم انصار الدفاع الاجتماعی، وقد ترک هذا التطور اثاره
الواضحة المتمثلة فی فکرة التفرید التی لا یمکن ان تتجسد الا من خلال تنوع وسائل واهداف القانون الجنائی للحد من المساواة التوزیعیة الالیة بین المخاطبین باحکامه ، وقد وظف هذا التنوع فی وظیفة قانون العقوبات الحدیث فی خدمة المساواة، فالعقوبة الحدیثة ذات الطابع الانسانی الساعیة الى دور اجتماعی من خصائصها المساواة فی العقوبة ، ولکنها المساواة تجاه القانون، وتجاه غایة العقاب ، وهو اصلاح المجرم ، أی ما یسمیه البعض المساواة النفسیة تجاه العقوبة ولیست المساواة الحسابیة، فمبدأ المساواة فی مفهومه الجدید یتسع نطاقه لیشمل الى جانب المساواة فی العقاب المساواة فی التأهیل ، ویمکن تدارک الاختلاف والتباین الکبیر بین الاوضاع والاشخاص عن طریق التنوع فی وسائل التحقیق والتدابیر التی یستطیع القاضی بفضلها اتخاذ القرار المناسب لکل مجرم، فالتطور والتنوع فی الاجراءات والتدابیر والعقوبات الذی تضمنه القانون الجنائی یتوافق مع المفهوم الجدید للمساواة ، لانه یضمن فرصاً متساویة للتأهیل لجمیع المجرمین . واذا کان المشرع هو الذی یحدد الجزاء المقرر للجریمة ، فان القاضی هو من یمارس السلطة التقدیریة الممنوحة له بتطبیق هذه الجزاءات فی الحدود والقدر الذی یراه ملائماً فی تحقیق الغایات المرجوة منها ، ففی عصرنا الراهن اصطبغت مهمة القاضی الجنائی بصبغة اجتماعیة ، بحیث اصبح یشارک مشارکة ایجابیة فی سیاسة الدفاع الاجتماعی عن طریق التفرید العلمی والواقعی للعقوبة ، مما وسع من نطاق وظیفته بحیث صارت مهمته اجتماعیة انسانیة قوامها دراسة شخصیة مرتکب الجریمة دراسة موضوعیة ، ومعرفة ظروفه واحواله لکی یصل الى الاسباب التی دفعته الى ارتکاب الجریمة، مما یمکنه من اختیار ما هو ملائم من جزاء ، فالسیاسة العقابیة الحدیثة تهدف الى تفرید العقاب ، بغیة توقیع العقوبة المناسبة لجسامة الجریمة ولشخصیة مرتکبها ، ویحدد القانون نطاق سلطة القاضی التقدیریة التی یمارس عن طریقها التفرید ، ففی مجال قانون العقوبات یتمتع القضاء بسلطة فی تقدیر العقوبة ، وهذه السلطة التقدیریة تعد وسیلة من الوسائل التی تدخل فی ممارسة الدولة لسلطة توقیع العقاب ، فمجال التقدیر لا یکون الا استعمالاً لسلطة ، وذلک عندما یرخص القانون للسلطة القضائیة بحریة التقدیر.
ومن اجل تحقیق المساواة الفعلیة عن طریق التفرید ، فان هذا التفرید یقتضی تمتع القاضی الجنائی بسلطة واسعة لاختیار ما یلائم کل مجرم من حیث نوع ومقدار العقوبة من بین العقوبات التی یحددها المشرع فی النص القانونی، فالنظام العقابی الذی یحدد مقدار العقوبة بصورة مطلقة ، اذ یکون لکل جریمة مقدار واحد من العقاب ، ولیس للقاضی الا ان یقضی به متى ثبتت ادانة المتهم ، هو نظام قد عفا علیه الزمن ، لانه لا یستجیب لمقتضیات العدالة التی تقتضی تناسباً دقیقاً بین العقوبة فی نوعها ومقدارها واسلوب تنفیذها من ناحیة ، وشخصیة المجرم فی ظروفها وبواعثها الى الاجرام من ناحیة اخرى، فالعمل التشریعی والعمل القضائی فی تحدید العقوبة مرتبطان ، ومکملان لبعضهما البعض ، فاذا کان العمل القضائی لا یتصور بغیر عمل تشریعی سابق یستند الیه ویستمد منه حدوده وقواعده ، فان العمل التشریعی الذی لا یکمله عمل قضائی هو جهد نظری عاطل عن المنفعة الاجتماعیة، فالشارع یدرک انه لا یستطیع ان یحقق المساواة الفعلیة والتناسب العادل بین العقوبة وشخصیة کل مرتکب للجریمة ، لانه لا یعرف المجرمین باشخاصهم ، ویستحیل علیه ان یحصر ظروفهم او ان یراعی کل الاعتبارات التی تحقق الجزاء العادل والملائم لکل منهم ، لذلک فقد ترک الامر للقاضی ، لانه وحده القادر على مراعاة تلک الاعتبارات، وعلى هذا الاساس فان التطبیق القضائی للعقوبة بهذه الصورة هو من جنس التحدید التشریعی لها ، الا ان الفارق بینهما هو ان التحدید التشریعی عام مجرد ، بینما التطبیق القضائی لها هو خاص واقعی، وقد عرف البعض السلطة التقدیریة بانها (القدرة القانونیة لممثل الحکومة ، القاضی ، المدعی العام ، الشرطة ، فی ممارسة اختیاره فی صنع القرار)، وعرفها اخرون بانها (هی عملیة تطبیق النصوص القانونیة المجردة فی مجال یترک فیه المشرع للقضاء حریة التقدیر فی حدود التنظیم القانونی)، فسلطة القاضی التقدیریة هی اذن قدرة القاضی على الملاءمة بین ظروف الجانی والجریمة وبین العقوبة التی یقررها فیها عند تطبیقه للنصوص القانونیة المجردة فی مجال یترک فیه المشرع للقضاء حریة التقدیر فی حدود التنظیم القانونی ، ومن خلال هذه السلطة الممنوحة للقاضی ، یستطیع تحقیق المساواة بین الجناة من خلال اخذه بنظر الاعتبار ظروف الجانی والجریمة عند تقدیر العقوبة ، لان المساواة المطلقة فی العقوبة رغم الاختلاف فی ظروف بواعث مرتکبی الجرائم ، هو فی ذاته عدم مساواة، وتجد سلطة القاضی الجنائی التقدیریة فی تعدد صور ارتکاب الواقعة الاجرامیة سبباً لوجودها ، لان المغایرة تتطلب الاختلاف فی التقدیر وهو ما لا یستطیع المشرع تحدیده مسبقاً نتیجة للتطور المستمر فی المجتمع ، لذلک فانه یترک تقدیر ذلک الامر للقاضی ضمن حدود معینة، وتظهر سلطة القاضی الجنائی التقدیریة بشکل واضح فی الحالات التی یحدد فیها المشرع للعقوبة حدین اقصى وادنى تارکاً للقاضی سلطة تحدید العقوبة الملائمة فی ما بین هذین الحدین بما یؤدی الى تحقیق التفرید القضائی الامثل للعقوبة ، وکذلک فی الاحوال التی یجیز فیها المشرع النزول عن الحد الادنى استعمالاً لظروف الرأفة ، وفی حالة وقف تنفیذ العقوبة ، الا ان المشرع قد یحدد بصدد بعض الجرائم العقوبة على نحو لا یسمح فیه بسلطة وهو ما یبدو فی حالات النص على عقوبة حدیة کالاعدام ، او فی حالة قیام المشرع بتحدید العقوبة تحدیداً قاطعاً عندما یضع معیاراً لا یسمح بادنى سلطة تقدیریة ، وهو ما یحصل عندما یحدد المشرع العقوبة بشکل یتناسب مع جسامة الضرر المادی للسلوک الاجرامی کما فی حالة الغرامات النسبیة.
ویمکن نظام السلطة النسبیة فی تقدیر العقوبة القاضی من تحقیق التفرید الامثل للعقوبة عن طریق ما یملکه من سلطة تقدیریة فی اختیار ما یلائم کل مجرم من حیث نوع ومقدار العقوبة، وهذا الاختلاف فی المعاملة العقابیة مع اختلاف ظروف الجانی والجریمة تحقیقاً للغایة المرجوة من العقاب وهی اصلاح المجرم ، هو ما یصطلح على تسمیته بتفرید العقاب ، ویقصد به تنوع العقوبة من حیث الکم والکیف للتناسب مع جسامة الجریمة وخطورة الجانی، فلا یکون العقاب عاماً موحداً الى کل من اقترفوا جرماً واحداً ، ولکنه یختلف من فرد الى اخر على وفق الاختلافات فی الشخصیة والدوافع وسائر الظروف التی تدفع الى ارتکاب الجریمة، والتفرید انواع ، فهناک التفرید التشریعی، والتفرید القضائی، والتفرید التنفیذی.
ویعد التفرید القضائی التفرید الحقیقی الاهم من بین الانواع الثلاث لتفرید العقوبة ، لان ممارسة سلطة القاضی الجنائی التقدیریة تتجسد باوضح صورها فی التفرید القضائی ، او کما یقول الدکتور محمود نجیب حسنی بان الاعتراف بسلطة القاضی التقدیریة یعنی الاعتراف بالتفرید القضائی، فهو وحده القادر على تجسید وتحقیق المساواة الفعلیة وذلک عن طریق الوسائل المتعددة التی یضعها المشرع تحت تصرف القاضی لتکون أساساً لمعاملة جنائیة فعالة فی مواجهة الاجرام ، وهذا یقتضی تمتع القاضی بسلطة واسعة لاختیار ما یلائم کل مجرم من حیث نوع ومقدار العقوبة من بین العقوبات التی یحددها المشرع فی النص القانونی، فالعدل هو فی نهایة الامر فی ید القاضی الذی یختاره التشریع ، اکثر مما هو فی ید التشریع الذی یطبقه القاضی.
ویعتمد التفرید القضائی على وسائل متعددة ومتنوعة یضعها المشرع تحت تصرف القاضی لتحقیق فرص التقویم والاصلاح ، وقد تتقرر هذه الوسائل فــــــی مرحلة المحاکمة ، او فی مرحلة تنفیذ العقوبة ، ومن اهمها نظام وقف تنفیذ العقوبة
ونظام الاختبار القضائی، ونظام الافراج الشرطی، ونظام البارول.
وقد اکدت السیاسة الجنائیة الحدیثة منح القاضی سلطة تقدیریة واسعة ، على الرغم من تأکیدها على ضرورة الحیلولة دون جعل هذه السلطة تحکمیة ، وذلک یتحقق من خلال الزام القاضی بممارسة هذه السلطة الممنوحة له فی حدود الضوابط التی تحددها، وقد عبرت عن ذلک الاتجاه خیر تعبیر التوصیات التی تضمنتها قرارات المؤتمرین السابع، والثامنلقانون العقوبات ، واهم تلک التوصیات :
1- ان مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات الذی یشکل ضمان جوهری للحریة الفردیة لا یمنع منح القاضی سلطة تقدیریة .
2- لا یجوز اعتبار السلطة الممنوحة سلطة تحکمیة ، وانما یجب ان تمارس فی نطاق قانونی ، طبقاً للمبادئ العامة للقانون وبما یحول دون التحکم .
3- لتوفیر السلطة المقررة للقاضی یجب ان یضع القانون تحت تصرفه مجموعة منوعة من العقوبات والتدابیر ، بغیة تمکینه من اختیار العقوبة او التدابیر الاکثر ملاءمة .
4- ینبغی مراعاة شخصیة المجرم عند تحدید العقوبة او التدبیر ، لذا یلزم النص على وجوب بحث هذه الشخصیة ، وتنظیم اضبارة خاصة باجراءته ونتائجه من قبل القاضی بالتعاون مع الاخصائیین.
وفی ضوء ما تقدم یمکن القول ان السلطة النسبیة الممنوحة للقاضی الجنائی المعاصر فی تحدید العقوبة هی سلطة تقدیر Pouvoir Dappreciation ولیست سلطة تحکمیة Pouvoir Arbitraire ، فالقانون لا یمنح القاضی قوة خلاقة ، بل یعد دوره تأکیداً لارادة المشرع ، اذ لیس من حقه مسایرة افکاره الخاصة فی تقدیر الحکم ، لان الحکم الجنائی لا یجوز ان یکون حقلاً للافکار الشخصیة ، واذا کان المشرع قد منح القاضی حریة تفرید العقاب بالوسائل القانونیة المتعددة التی وضعها تحت تصرفه ، فلیس معنى هذا تمتع القاضی بحریة التصرف فی هذه الوسائل تبعاً لاهوائه الذاتیة کحریته فی التصرف فی شئونه الخاصة، وانما یتحدد نطاق الحریة الممنوحة له فی هذا الشأن بالغایة الحقیقیة للقانون وبما یؤدی الى تحقیق المصلحة الاجتماعیة. وتمیل قوانین العقوبات الحدیثة الى اعطاء المزید من حریة التقدیر للقاضی الجنائی بخاصة بعدما لفتت المدرسة الوضعیة الانظار الى اهمیة دراسة شخصیة المجرم ، وهذه الدراسة لا یمکن ان یلم بکل جوانبها الا القاضی وحده .
المبحث الثانی
حالات الاخلال بالمساواة فی القانون الجنائی
تبین لنا من بحثنا فی مفهوم المساواة فی القانون الجنائی ، أن مفهوم المساواة الجنائیة یرتبط ارتباطاً وثیقاً بتطور وظیفة القانون الجنائی ، فاکتسب هذا المفهوم مفهوماً جدیداً یتوافق مع تنوع وسائل واهداف القانون الجنائی ، فلم یعد المقصود بالمساواة تلک المساواة الحسابیة الجامدة القاصرة على التجریم والعقاب ، بل اتسع مضمونها لیشمل بالاضافة الى العقاب التأهیل الاجتماعی ، وذلک من خلال السعی الى تحقیق افضل سبل اصلاح وتأهیل المتهم من اجل تقویمه وتهذیبه ، الامر الذی یدفعنا الى القول ان عدم تحقق المساواة الحسابیة فی بعض الحالات انما هو فی حقیقته تحقیق للمساواة الفعلیة الحقیقیة فیها . وقد حرص المشرع على وضع العدید من الضمانات التی تحقق المساواة فی القانون الجنائی ، الا انه مع ذلک توجد حالات تمثل خروجاً على مبدأ المساواة فی القانون الجنائی لم یتدخل المشرع لتصحیحها ، مما یثیر التساؤل عن الاسباب التی تجعله یتدخل لتصحیح بعض حالات الاخلال بمبدأ المساواة تحقیقاً لاعتبارات معینة یمکن تبریرها فی احوال معینة ویصعب ذلک فی احوال اخرى ، فالاخلال بمبدأ المساواة قد یتمثل فی حالات مقبولة من المشرع فیدرک المشرع هذا الاخلال ویقبله عن قصد من اجل تحقیق غایات معینة ، وقد یتمثل فی حالات غیر مقصودة لا یقصدها المشرع ولا یسعى الى قبولها ، لذلک فقد قسمنا هذا المبحث الى مطلبین ، کما یأتی :
المطلب الاول : حالات الاخلال المقصود بمبدأ المساواة .
المطلب الثانی : حالات الاخلال غیر المقصود بمبدأ المساواة .
المطلب الأول
حالات الاخلال المقصود بمبدأ المساواة
قد یکون خطر الاخلال بالمساواة معروفاً ومقبولاً من المشرع ، فلا یرى ضرورة للتدخل لتصحیح هذا الاخلال نتیجة لاعتبارات عدیدة قد لا یتلاءم بعضها مع مبدأ المساواة ، الا انه مع ذلک یبقى هذا الاخلال مقبولاً من المشرع تحقیقاً لتلک الاعتبارات التی یراها المشرع جدیرة بالحمایة ، ویتخذ هذا الخروج عن مبدأ المساواة مظاهر عدیدة اهمها صورة الحصانات التی یقررها المشرع الجنائی لبعض الاشخاص الطبیعیین والاشخاص المعنویة، الا اننا سوف لا نبحث فی هذه المظاهر لخروجها عن حدود بحثنا الذی یقتصر على البحث فی حالات الاخلال بمبدأ المساواة وهی الاساس الذی تستند الیه هذه المظاهر ، وسوف نبحث فی هذا المطلب فی حالات الاخلال المقصود بمبدأ المساواة ، ومن حالات الاخلال بالمساواة امام القضاء الجنائی التی یقبلها المشرع عن ادراک حالات الضعف النفسی او العضوی وحالات الاعفاء من العقاب. فقد بینا سابقاً ان المشرع قد راعى الضعف الذی یصاحب بعض الافراد کصغار السن والمصابین بنقص او قصور فی قواهم العقلیة فوضعهم فی وضع غیر متساوٍ مع الاخرین لضمان المساواة الحقیقیة للجمیع ، وقد بینا ان عدم المساواة الحسابیة بین الافراد فی هذه الحالات لا یعد اخلالاً بمبدأ المساواة لانه یؤدی الى تحقیق المساواة الفعلیة للجمیع .
واذا کانت التشریعات الجنائیة الحدیثة قد اولت الاحداث الجانحین معاملة خاصة لحداثة سنهم ، فان اغلبها لم یأخذ فی اعتباره حالات اخرى کسن الشیخوخة ، فمثل هؤلاء المسنین تضعف لدیهم قابلیة التحکم فی تصرفاتهم ویصیب الضعف والوهن مختلف اعضاء الجسم بما فیها الدماغ الذی هو القوة المتحکمة فی تصرفات الانسان ، ومع ذلک لم یفرد المشرع قواعد خاصة تضمن حمایته اذا کان مجنیاً علیه بتشدید العقاب على الجانی ، او بالاخذ بالظروف المخففة وتخفیف العقاب علیه اذا کان متهماً ، وهذا الاغفال لحالة المسن بعدم الاخذ بنظر الاعتبار ضعفه العقلی والعضوی لا یؤدی الى تحقیق المساواة الفعلیة بین الافراد .
وفیما یتعلق بموقف المشرع العراقی ، فعلى الرغم من ان المشرع العراقی لم ینظم حمایة المسنین بموجب قانون خاص کما فعل مع الاحداث اذ افرد المشرع قانوناً خاصاً بهم هو قانون رعایة الاحداث رقم (76) لسنة 1983 ، او بموجب نصوص خاصة کما فعل مع فاقد الادراک او الارادة لجنون او عاهة فی العقل او جرحى الحرب، الا انه یمکن القول ان حمایة المسنین فی القانون العراقی تخضع للقواعد العامة ، اذ نصت المادة (135/2) عقوبات عراقی على تشدید العقوبة على مرتکب الجریمة الذی ینتهز فرصة ضعف ادراک المجنی علیه او عجزه عن المقاومة او کون المجنی علیه فی ظروف لا تمکن الغیر من الدفاع عنه ، وهذا الظرف المشدد العام یشمل حالة المسنین لعجزهم عن المقاومة ولضعف ادراکهم الذی قد یستغله الجانی لارتکاب جریمته ، اما فیما یتعلق بتخفیف العقاب علیه اذا کان متهماً ، فیمکن تخفیف عقوبة المتهم کبیر السن بموجب السلطة التقدیریة الممنوحة للقاضی الجنائی بموجب الظروف القضائیة المخففة ، وهذه الظروف هی اسباب للتخفیف تخول القاضی فی نطاق قواعد حددها القانون الحکم بعقوبة تقل عن الحد الادنى المقرر للجریمة ، ولم یحدد الشارع الظروف المخففة القضائیة ولم یضع ضوابط تعین القاضی على استخلاصها ، بل ترک ذلک کله لفطنته وحسن تقدیره ، فهی غیر محددة عدداً وغیر معروفة مضموناً ، والقانون العراقی لم یذهب الى تعداد الظروف القضائیة المخففة او حصرها ، لذلک فان للقاضی ان یستمدها من کل ظروف الجریمة واحوالها وملابساتها ، ومن ضمنها الظروف الشخصیة للمجرم کالشیخوخة ، وقد ذهبت محکمة التمییز فی قرار لها الى اعتبار کون المحکوم علیه یزید عمره على الستین عاماً وانه فلاح ساذج ظرفاً مخففاً یؤدی الى تخفیف محکومیته.
واذا کانت اغلب التشریعات الجنائیة لم تنص صراحة على مراعاة کبر سن الجانی بموجب نصوص خاصة ، الا ان بعض التشریعات قد اخذت بنظر الاعتبار السن فی مراحله المتاخرة ، کالقانون البرتغالی الذی یوجب تخفیف العقوبة اذا تجاوز سن الجانی سبعین عاماً (م39/3)، والقانون الفرنسی الذی انتهج منهجاً اکثر تنظیماً وفعالیة فی حمایة المسنین ، اذ یتمیز نظام العقوبات فی قانون العقوبات الفرنسی الجدید لسنة 1992 بمنح القاضی سلطة کبیرة فی تفرید العقوبة ، وقد اکد التقنین هذا الاتجاه بالنص صراحة فی المادة (132-24) عقوبات على انه : (فی الحدود المقررة فی القانون ، ینطق القضاء بالعقوبات ، ویحدد نظامها تبعاً لظروف ارتکاب الجریمة ، وشخصیة الجانی) ، وهو بهذا یأخذ بمعیار مزدوج لتحدید المعاملة العقابیة للجانی ، متمثلاً فی ظروف الجریمة ، وشخصیة الجانی ، وقد اخذ المشرع الفرنسی فی اعتباره سن الشیخوخة ، على اعتبار ان الضعف الناتج عن تقدم العمر یضع الشخص فی وضع غیر متساو مع الاخرین ، مما یبرر اظهار نوع من الرحمة والتسامح معه، ولذلک فانه لا یحکم بالاکراه البدنی ضد الذین بدأوا ببلوغ سن الخامسة والستین لحظة الحکم بالادانة، ویخفف هذا الاکراه لصالح الذین بلغوا بالفعل الخامسة والستین من عمرهم، فالهدف الاساسی لوضع قانون العقوبات الفرنسی الجدید هو حمایة الانسان ، وتزداد جرعات هذه الحمایة بالنسبة لبعض طوائف المجنی علیهم الاکثر ضعفاً ، اذ یلاحظ من قراءة نصوص قانون العقوبات الفرنسی الجدید انه قد رکز الحمایة على ثلاث طوائف من المجنی علیهم وهم :
1- الاحداث . اذ اقام التشریع الجدید تفرقة دقیقة بین المراحل المختلفة للطفولة ، وذلک لحرص المشرع الفرنسی على توفیر حمایة جنائیة اکبر للطفولة ، وذلک ببیان الجرائم التی تقع على الطفل فی مراحله المختلفة ، او اعتبار صغر السن ظرفاً مشدداً للعقاب ، وقد قسم القانون الجدید عمر الحدث الى خمسة اطوار : (أ) الطفل ، (ب) الطفل الحدث ، (ج) الحدث، (د) الحدث الذی لا یزید عمره عن 15 سنة ، (هـ) الحدث الذی تجاوز عمره 15 سنة وهی الفترة ما بین ست عشرة سنة ونهایة الثمانی عشرة سنة حیث یصبح الحدث بالغاً .
2- طائفة الاشخاص الاکثر ضعفاً من غیرهم ایا کان سبب ضعفهم ، ویدخل فی هذه الطائفة کبر السن ، والمرض ، والاصابة بالعاهات ، والضعف الجسمی او العقلی ، وحالة الحمل، فقد وفر المشرع لهذه الطائفة نفس الحمایة الجنائیة التی وفرها للحدث الذی لا یتجاوز عمره خمس عشرة سنة ، فقد اعتبر ان ضعف المجنی علیه یعد ظرفاً مشدداً للعقاب بصفة عامة ، وتشدد العقوبة اذا وقعت الجریمة على المجنی علیه بصورة معتادة ویظهر هذا التشدید فی جرائم القتل العمد، وجرائم الاعتداء على سلامة الجسم او العقل، وفی جرائم العرض، ویشترط لتشدید العقاب فی هذه الحالة ان تکون حالة الضعف ظاهرة او معروفة لدى الفاعل .
3- طائفة من الاشخاص یعدون هدفًا لارتکاب الجریمة ضدهم ، فبعض المهن تجعل اصحابها اکثر عرضة من غیرهم للاعتداء ، وهذا یتطلب توفیر حمایة اکبر لهم ، ومثال ذلک الجرائم التی تقع على القاضی او المحلف ، او المحامی او الموظف العام او المکلف بخدمة عامة ، اثناء ممارسته مهام وظیفته او بمناسبتها ، معتبراً ان صفة هؤلاء الاشخاص تعد ظرفاً مشدداً للعقاب، ویشترط لاعمال الظرف المشدد فی هذه الحالة ان تکون صفة المجنی علیه ظاهرة او معروفة للفاعل ، واشار القانون الفرنسی الجدید الى طائفة اخرى من المجنی علیهم ، اعتبر صفتهم الخاصة ظرفاً مشدداً للعقاب ، ویتمثل افراد هذه الطائفة فی الشاهد ، والمجنی علیه فی الجریمة ، والمدعی المدنی ، وقد ربط المشرع تشدید العقاب بالغرض من ارتکاب الجریمة ضد هؤلاء الافراد ، وهو اما منعهم من کشف الجریمة ، او من تقدیمهم شکوى ، او من الادلاء بالشهادة امام القضاء ، او ان یکون الدافع لارتکاب الجریمة ضدهم هو کشفهم للجریمة او تقدیمهم الشکوى ، او الشهادة امام القضاء.
اما فیما یتعلق بحالات الاعفاء من العقاب ، فتتضمن التشریعات الجنائیة نوعین من الاعذار القانونیة، اعذار قانونیة مخففة ، واعذار قانونیة معفیة من العقاب ، اما الاعذار المخففة فتعرف بانها (احوال وافعال وعناصر تبعیة تضعف من جسامة الجریمة وتکشف عن درجة خطورة فاعلها ، خصها الشارع بالنص الصریح ، توجب تخفیف العقوبة الى اقل من حدها الادنى المقرر قانوناً ، او الحکم بتدبیر یلائم تلک الخطورة)، ومن الاعذار القانونیة المخففة العامة فی القانون العراقی ، عذر الباعث الشریف، وعذر الاستفزاز، وعذر نقص الادراک او الارادة، اضافة اعذار مخففة خاصة نص علیها المشرع بخصوص بعض الجرائم.
ولا تشکل الاعذار القانونیة المخففة اخلالاً بمبدأ المساواة على الرغم من عدم المساواة الحسابیة فی العقاب بین المتهمین المرتکبین نفس الجریمة ، وذلک لاختلاف ظروف الجریمة الواحدة من حالة لاخرى ، اضافة لاختلاف ظروف المتهمین ، اذ ان خطورة الجانی ومدى قابلیته للاصلاح تتفاوت بین مرتکبی ذات الجریمة ، ولذلک فان القاضی یحدد لکل مجرم العقوبة التی تتناسب مع ظروفه ، فاختلاف ظروف الجانی والجریمة من حالة لاخرى تبرر اختلاف العقاب بینهم وعدم المساواة الحسابیة المجردة بین الجناة ، لذلک فان ذلک لا یعد اخلالاً بقاعدة المساواة فی العقوبة ، فالمعنى الحقیقی للمساواة هو تماثل العقوبة عند تماثل الظروف والاوضاع ، ومن ثم لا تعارض بین مبدأ المساواة فی العقوبة ومبدأ تفریدها ، فالهدف من المبدأین واحد وهو تحقیق التناسب فی العقوبة من جهة والجریمة وفاعلها من جهة اخرى ، ولذلک فان الاعذار المخففة للعقوبة تتوافق مع مبدأ المساواة فی مفهومه الجدید.
اما الاعذار القانونیة المعفیة فهی اسباب ینص علیها القانون ومن شأنها ان تعفی المجرم من العقاب ، وهی لا تؤثر فی ارکان الجریمة ولا تمحو مسؤولیة الجانی عنها ، انما ینصب اثرها على العقوبة فقط ، وللاعذار المعفیة طابع الاستثناء ، باعتبارها تنتج اثراً على خلاف الاصل ، لذلک کان متعیناً ان یحددها القانون على سبیل الحصر ، فلا عذر الا فی الحالات التی یحددها القانون ، ویرتبط بهذا الطابع الاستثنائی وجوب ان تفسر نصوصها تفسیراً ضیقاً.
وعلة العذر المعفی هی اعتبارات نفعیة مستمدة من سیاسة العقاب مبناها تقدیر الشارع ان المنفعة الاجتماعیة التی یحققها عدم العقاب تفضل على المنفعة التی یحققها توقیع العقاب ، فیقرر المشرع بناء على ذلک الاعفاء من العقاب تحقیقاً للمنفعة الاهم اجتماعیاً، وبعض هذه الاعتبارات التی تقوم علیها الاعذار المعفیة قد لا یتلاءم مع مبدأ المساواة ، ومع ذلک فان الشارع قد نص علیها تحقیقاً لتلک الاعتبارات ، فقد یتم التضحیة بمبدأ المساواة فی سبیل الاعفاء من العقاب کمکافأة لمن یقوم بالتبلیغ عن بعض الجرائم او من اجل التعرف على بقیة الجناة والقبض علیهم ، ومنها اعفاء من ارتکب جریمة من جرائم تقلید او تزویر الاختام او السندات او الطوابع او تزییف العملة وتزویر اوراق النقد والسندات المالیة وتزویر المحررات الرسمیة اذا اخبر بها السلطات العامة قبل اتمامها وقبل قیام السلطات بالبحث والاستقصاء عن مرتکبها وعرفها بفاعلیها الاخرین ، ویعفى من العقوبة ایضاً کل من ارتکب جریمة من جرائم التقلید او التزییف او التزویر اذا اتلف مادة الجریمة قبل استعمالها وقبل الشروع فی البحث عن مرتکبیها ، وکذلک اعفاء الراشی او الوسیط من العقوبة اذا بادر بابلاغ السلطات القضائیة او الاداریة بالجریمة او اعترف بها قبل اتصال المحکمة بالدعوى، وکذلک یعفى من العقوبة من بادر من الجناة بابلاغ السلطات العامة بکل ما یعلمه عن الجرائم المخلة بامن الدولة الخارجی او المخلة بأمن الدولة الداخلی اذا حدث الابلاغ قبل البدء فی تنفیذ الجریمة وقبل البدء فی التحقیق ، ویجوز للمحکمة الاعفاء من العقوبة اذا حصل البلاغ بعد تنفیذها وقبل البدء فی التحقیق ، او اذا سهل المخبر للسلطات العامة اثناء التحقیق او المحاکمة القبض على احد مرتکبی الجریمة ، وقد یرجع الاعفاء من العقاب الى توافر صلة القرابة بین الجانی وبین من تقرر الاعفاء لمصلحته مراعاة للروابط الاسریة ، وصلة القرابة تشمل قرابة الدم وقرابة المصاهرة ، وقد اضاف الیها المشرع الفرنسی فی التقنین الجدید العلاقة بین الخلیل وخلیلته ، وهذه الحالة الاخیرة لا یمکن القبول بها فی قوانینا ، وقد یرجع الاعفاء من العقاب الى تغلیب الالتزام بعدم افشاء السر المؤتمن علیه الشخص على التزامه المستمد من نص التجریم .
وقد یفسر هذا الاخلال بمبدأ المساواة بصعوبة اثبات هذه الجرائم المهمة التی ترتکب فی الخفاء وتتجرد من المظاهر المادیة التی تلفت نظر السلطات العامة الیها ، الامر الذی دفع المشرع الى التضحیة بمبدأ المساواة فی العقاب وذلک تشجیعاً لمرتکبی هذه الجرائم الخطیرة التی تتسم بخطورة اثارها فی المصلحة العامة فاعفى من العقاب من یقوم بالابلاغ عنها تحقیقاً للمنفعة الاهم اجتماعیاً وهی منع ارتکاب هذه الجرائم او معرفة مرتکبیها .
ونحن لا نتفق مع من یرى ان هذه الاعذار المعفیة لا یمکن تبریر الاعتبارات التی تقوم علیها وتجعلها تمس بمبدأ المساواة على اعتبار ان هذه الجرائم لیست هی الوحیدة التی تثیر صعوبات فی الاثبات ، وان الاستثناءات على قاعدة المساواة لن تساعد او تسهم فی بسط نفوذ وهیبة التشریع، اذ ان موقف المشرع یمکن تبریره بالنظر الى خطورة هذه الجرائم وجسامة اثارها فی المصلحة العامة وفی امن الدولة ، فضلاً عن ان المشرع لم یطلق هذه الاعذار المعفیة بغیر شروط ، وانما حدد فیها شروطاً معینة لا بد من توافرها للاستفادة من العذر المعفی ، واغلب هذه الشروط یتعلق بحدوث التبلیغ قبل القیام بالجریمة مما یؤدی الى منع ارتکاب هذه الجرائم الخطرة وتحقیق منفعة اجتماعیة اهم واعظم من العقاب على جریمة واقعة فمنع وقوع الجریمة اولى من العقاب علیها فی حالة وقوعها ، وان هذه الاعذار المعفیة المحددة على سبیل الحصر لا تمس بنفوذ وهیبة التشریع ، لانها مقررة اصلاً بموجب تشریع، فلا عذر الا فی الحالات التی یحددها القانون ، لذلک یمکن القول ان حمایة المصلحة العامة تبرر الاخلال بمبدأ المساواة عند اعفاء الجناة من العقاب فترجح حمایة المصلحة العامة على تحقیق المساواة فی هذه الحالات للاعتبارات التی وضحناها سابقاً .
یتبین مما تقدم ان هناک حالات فی القانون الجنائی تمثل خروجاً عن مبدأ المساواة لم یتدخل المشرع لتصحیحها اهمها حالات الضعف النفسی او العضوی وحالات الاعفاء من العقاب ، وان عدم تدخل المشرع فی تصحیح الاخلال بمبدأ المساواة فی هذه الحالات هو مقصود ، لان المشرع یقبلها عن ادراک واختیار تحقیقاً لاعتبارات معینة تبرر هذا الاختلاف فی المعاملة ومراعاة لاختلاف ظروف الجانی والجریمة فی کل حالة ، فصغر سن الجانی او کبر سنه او الضعف العقلی او النفسی للجانی یبرر اخضاعه لمعاملة خاصة او لقوانین خاصة تراعى فیها حالته ، وحمایة المصلحة العامة وتحقیق المنفعة الاجتماعیة یبرر الاعفاء من العقاب فی بعض الجرائم .
المطلب الثانی
حالات الاخلال غیر المقصود بمبدأ المساواة
تعد القاعدة الجنائیة الخلیة الاولى للنظام القانونی الجنائی والمصدر الاساسی للتشریع الجنائی ، ویمکن تعریفها بانها (تعبیر یفرض به المشرع ارادته على اعضاء الجماعة ویحدد فیه انواع السلوک – ارتکاباً کان ام امتناعاً – التی یعدها جرائم ، کما یوضح الجزاءات القانونیة التی یرتبها على مخالفة هذه الارادة)، وتتمیز القاعدة الجنائیة بالخصائص العامة للقاعدة القانونیة ، فهی قاعدة عامة ومجردة ، فهی لا ترتبط بحالات فعلیة بل تضع تنظیماً موضوعیاً للسلوک تنطوی فیه هذه الحالات الواقعیة ، وتتصف ایضاً بالمساواة ، فالجمیع سواء اما القانون ، وهی قاعدة امرة وشرطیة ولها قوة جزائیة وهی من قواعد القانون العام.
وتجرد القاعدة الجنائیة یؤدی الى استبعاد خطر الاخلال بالمساواة بین المخاطبین باحکام القاعدة الجنائیة الموضوعیة ، الا ان التجاوز فی التجرید قد یؤدی بصورة غیر مباشرة الى تنوع غیر منطقی للحلول القضائیة ، ففی حالات معینة یکون خطر الاخلال بالمساواة کامناً ومستتراً فی صلب نصوص قانون العقوبات دون ان یقصد المشرع هذا الخطر ودون سعی من جانبه الى قبوله ، ومن حالات الاخلال بالمساواة امام القضاء الجنائی التی لم یقصدها المشرع ، رجعیة قانون العقوبات الاصلح للمتهم ، والتفسیر القضائی الدقیق لبعض النصوص الجنائیة ، والشروع فی الجریمة.
فالاصل ان القواعد الجنائیة لا تطبق الا على الافعال التی تقع بعد تاریخ نفاذها ، ولا تطبق على ما سبق ذلک من افعال ، فقاعدة عدم رجعیة النصوص الجزائیة الموضوعیة تعنی ان نص التجریم لا یسری الا على الافعال التی ترتکب بعد لحظة نفاذه ، ولا یسری على الافعال التی ارتکبت قبل نفاذه، وقاعدة عدم رجعیة القانون على الماضی لیست مطلقة وانما ترد علیها استثناءات هی القانون التفسیری ، والنص الصریح ، والقانون الاصلح للمتهم، اذ یسمح المشرع لهذه القواعد فی حالات معینة ان تسری على الماضی اذا کانت اصلح للمتهم وهو ما یعرف (برجعیة القوانین العقابیة الاصلح للمتهم) ، وقد عرفت محکمة النقض المصریة القانون الاصلح للمتهم بانه (القانون الذی ینشئ للمتهم مرکزاً او وضعاً یکون اصلح له من القانون القدیم)، وعلة هذا الاستثناء ان سلطة المجتمع فی توقیع العقاب محدودة بحدود فکرتی الضرورة الاجتماعیة والفائدة الاجتماعیة ، فان لم تکن للعقوبة ضرورة او فائدة فلا محل لتوقیعها ، واذا الغى القانون الجدید العقوبة او خفف منها فذلک اعتراف من الشارع بعدم جدواها ، فلا تبریر للاصرار على توقیعها. ومع ذلک فان مبدأ المساواة قد یخل به عند تطبیق القانون الاصلح للمتهم بتجرد وتعمیم فی بعض الحالات ، فقد یحدث ان ترتکب جریمتان من شخصین فی یوم واحد ، فیحکم على احدهما بالادانة قبل العمل بالقانون الجدید ، بینما لا یکون قد حکم على الاخر لسبب او لأخر فیشمل بالقانون الاصلح للمتهم ، وهذا من شأنه الاخلال بالمساواة بین المخاطبین باحکام القانون الجنائی ، ولا سبیل لتصحیح هذا الاخلال الا عن طریق العفو الجزئی ، او عن طریق التدخل التشریعی، ومن صور التدخل التشریعی ما نص علیه المشرع العراقی فی المادة (2/3-4) من قانون العقوبات التی تقرر: (3- واذا صدر بعد صیرورة الحکم نهائیاً قانون یجعل الفعل او الامتناع الذی حکم على المتهم من اجله غیر معاقب علیه یوقف تنفیذ الحکم وتنتهی اثاره الجزائیة ولا یمس هذا بأی حال ما سبق تنفیذه من العقوبات ما لم ینص القانون الجدید على خلاف ذلک وعلى المحکمة التی اصدرت الحکم ابتداءً ان تقرر وقف تنفیذ الحکم بناءً على طلب من المحکوم علیه او الادعاء العام . 4- اما اذا جاء القانون الجدید مخففاً للعقوبة فحسب جاز للمحکمة التی اصدرت الحکم ابتداءً اعادة النظر فی العقوبة المحکوم بها على ضوء احکام القانون الجدید وذلک بناءً على طلب المحکوم علیه او الادعاء العام).
وقد یؤدی التفسیر الدقیق للنصوص الجنائیة الذی یحظر القیاس فی نصوص التجریم الى الاخلال بالمساواة بین المخاطبین باحکام القانون الجنائی ، فالتفسیر هو تحدید المعنى الذی یقصده الشارع من الفاظ لجعله صالحاً للتطبیق على وقائع الحیاة، والتفسیر قد یکون ضیقاً وذلک عندما یکون هناک تطابق بین الغایة من القاعدة وبین المعنى الحرفی للالفاظ المستخدمة والمستفاد مباشرة من هذه الالفاظ دون غیرها من المعانی التی تحتملها الالفاظ نفسهاوهذا التفسیر الضیق یعنی حظر القیاس فی نصوص التجریم ، فلا یجوز للقاضی الجنائی ان یقیس فعلاً لم یرد نص بتجریمه على فعل ورد نص بتجریمه ویمد حکم الثانی على الاول لاتحادهما فی العلة ، لتعارض ذلک مع مبدأ شرعیة الجرائم والعقوبات ، ومثال ذلک حالة من یستأجر سیارة معدة للایجار مع علمه انه یستحیل علیه دفع الثمن ، اذ تدخل المشرع لتجریم هذه الافعال بموجب نصوص خاصة لانه لا یمکن اخضاع هذه الحالات للعقاب بالقیاس على احکام السرقة او النصب او خیانة الامانة ، وذلک لانها لا تتضمن اختلاساً لمال منقول مملوک للغیر دون رضاه لکی تخضع لاحکام السرقة ، ولا تتضمن وجود اعمال احتیالیة لکی تخضع لاحکام جریمة الاحتیال ، ولا تتضمن عقداً من عقود الامانة لکی تخضع لاحکام جریمة خیانة الامانة ، وحیث انه لا یجوز القیاس فی نصوص التجریم على الرغم من اتحاد العلة ، لذلک لم یستطع القضاء اخضاع هذه الحالات للعقاب على اساس القیاس ، لذلک تدخل المشرع لتجریم هذه الحالات بموجب نصوص خاصة الحقها المشرع العراقی بجریمة السرقة ، ومع ذلک فانه توجد حالات لا تخضع لهذه النصوص مثال ذلک حالة من یستخدم سیارة اسعاف فانه لا یخضع لاحکام هذه النصوص لان سیارة الاسعاف لیست معدة للایجار ، وقد قضت الغرفة الجنائیة بمحکمة النقض الفرنسیة بتبرئة شخص کان قد استخدم سیارة اسعاف دون دفع الاجرة، ولیس امام القاضی الجنائی لکی یحقق المساواة فی العقاب فی مثل هذه الحالات الا وسیلتان ، فهو اما أن یلجأ الى تفسیر القانون وفقاً للنهج الغائی وذلک من خلال استخلاص الغایة من القاعدة الجنائیة ، او ان یلجأ الى التفسیر بطریق القیاس بشرط ان یکون امتداد النص لمصلحة المتهم ، وکذلک حالة من یستعمل بدون حق مالاً منقولاً مملوکاً للغیر دون ان یکون قاصداً اختلاس ذلک المال وانما ینصرف قصده الى مجرد استعمال ذلک المال الذی یکون غیر قابل للاستهلاک کالمرکبات على اختلاف انواعها والاجهزة الکهربائیة وغیرها من الاموال ، اذ لا تخضع هذه الحالة لنصوص السرقة لان الجانی لا ینوی تملک تلک الاموال فلا توجد لدیه نیة تملک المال على الرغم من قیامه باختلاسه ، لذلک فقد تدخل المشرع لتجریم هذه الافعال بموجب نصوص خاصة ، اذ جرى النص على هذه الجریمة فی کل من قانون العقوبات الاردنی واللبنانی والسوری ، اما قانون العقوبات المصری فقد قصر هذه الجریمة على السیارات فقط دون غیرها من الاموال المنقولة، وکذلک الحال بالنسبة للقانون الجزائی العربی الموحد .
اما المشرع العراقی فلم یجرم هذه الافعال الامر الذی یعد نقصاً تشریعیاً اذ لا تخضع هذه الافعال لنصوص جریمة السرقة لانعدام نیة تملک المال ، کما لا تخضع لنصوص الجرائم الملحقة بالسرقة وخاصة نصوص المواد (449 ، 450) عقوبات ، فالمال فی هذه الحالة لم یتم استئجاره او لم یعد للایجار لکی یخضع لنص المادة (449) عقوبات ، وکذلک فهو لیس بمال ضائع او وقع فی حیازة الجانی خطأ او بطریق الصدفة لکی یخضع لنص المادة (450) عقوبات ، لذلک نرى ضرورة معالجة هذا النقص التشریعی ولذلک نقترح اضافة النص الآتی الى الجرائم الملحقة بالسرقة فی قانون العقوبات العراقی : (من استعمل بدون حق شیئاً للغیر بدون نیة تملکه یعاقب بالحبس وبالغرامة او باحدى هاتین العقوبتین) .
اما فیما یتعلق بالشروع ، فیعرف القانون الشروع بانه البدء فی تنفیذ فعل اذ نصت المادة (30) من قانون العقوبات العراقی على تعریف الشروع حیث جاء فیها :(وهو البدء فی تنفیذ فعل بقصد ارتکاب جنایة او جنحة اذ اوقف او خاب اثره لاسباب لا دخل لارادة الفاعل فیها.)، الا ان المشرع لم یبین متى یعتبر العمل بادئاً فی التنفیذ ولم یوضح الخصائص التی تمیزه عن الاعمال التحضیریة ، وذلک لاهمیة النتائج المترتبة على هذا التمییز ، حیث یعتبر الاول شروعاً وهو معاقب علیه بینما لا تعد الاعمال التحضیریة شروعاً وانما تدخل فی نطاق الاعمال المباحة ولا عقاب علیها ، وقد اثارت هذه المسألة خلافاً کبیراً فی الفقه ، فلم یتم الاتفاق على معیار لهذه التفرقة واختلفوا الى عدة آراء یمکن ردها الى مذهبین احدهما یعتد بطبیعة الفعل ویعرف بالمذهب المادی ، والآخر یعتد بقصد الفاعل ویعرف بالمذهب الشخصی.
وان توجه المشرع فی عدم وضع معیار للتمییز بین البدء فی التنفیذ والاعمال التحضیریة ادى الى تنوع وتعدد توجهات الاحکام القضائیة فی هذه المسألة وتأثیر ذلک فی عدم المساواة بین المخاطبین باحکام القانون الجنائی ، فقد اخذت محکمة النقض المصریة فی بعض احکامها بالمذهب المادی، فی حین اخذت احکام اخرى بالمذهب الشخصی ویمیل الفقه المصری الى ترجیح المذهب الشخصی، اما فیما یتعلق بتوجه القضاء العراقی فیجری قضاء محکمة التمییز العراقیة على هدى نص المادة (30) التی عبرت صراحة عن تبنی المشرع العراقی للمذهب الشخصی فی مجال الشروع ، اذ لا یشترط فی احکامها لتکییف الواقعة على انها شروع ان یأتی الفاعل فعلاً یدخل فی تکوین الرکن المادی للجریمة ، بل یکفی لان یعد المتهم شارعاً فی ارتکاب جریمة ان یبدأ بتنفیذ فعل سابق مباشرة على تنفیذ الرکن المادی لها ومؤد الیها حتماً ، وهذا ما یمکن ملاحظته من خلال احکام محکمة التمییز.
وان تنوع التوجهات القضائیة واختلافها فی تحدید معیار الشروع عند عدم تحدید او تبنی المشرع لمعیار محدد للتفرقة بین ما یعد عملاً تحضیریاً لا عقاب علیه وما یعد بدءاً فی التنفیذ یعاقب علیه یکشف عن طابع تحکمی لدى القضاء الامر الذی یشکل تهدیداً مباشراً لمبدأ المساواة امام القضاء الجنائی .
یتضح مما سبق ان المبالغة فی تطبیق احکام القواعد الجنائیة بشکل متجرد من قبل القضاء الجنائی قد یؤدی بصورة غیر مباشرة الى تنوع غیر منطقی للحلول القضائیة ، ویؤدی الى ظهور حالات من الاخلال بمبدأ المساواة لم یقصد المشرع وجودها عند وضعه للقاعدة الجنائیة ولا یقبل بوجودها لعدم وجود أی اعتبارات تبررها او مصالح تهدف الى تحقیقها ، انما هی حالات من الاخلال بمبدأ المساواة غیر مقصودة تظهر فی الواقع عند لجوء القضاء الى اسلوب التفسیر الضیق او المقید للنصوص القانونیة ، فی حین یجب الا یکون للمفسر هدف سوى الکشف عن قصد الشارع وفقاً لرأی الفقه، فان اقتنع بان ما یقول به یطابق قصد المشرع فلا اهمیة بعد ذلک لکون هذا التفسیر قد جاء ضیقاً او واسعاً ، فما طابق هذا القصد هو التفسیر الصحیح للنص .
الخاتمة :
بعد الانتهاء من البحث فی موضوع الاخلال بمبدأ المساواة فی القانون الجنائی ، نتطرق فی هذه الخاتمة لعرض اهم الافکار الرئیسیة التی اشتمل علیها البحث ، واهم النتائج الاساسیة التی توصلنا الیها .
1- ان مفهوم المساواة الجنائیة یرتبط ارتباطاً وثیقاً بتطور وظیفة القانون الجنائی ، فاکتسب هذا المفهوم مفهوماً جدیداً یتوافق مع تنوع وسائل واهداف القانون الجنائی ، فلم یعد المقصود بالمساواة تلک المساواة الحسابیة الجامدة القاصرة على التجریم والعقاب ، التی تعنی فی صورتها المثالیة عدم التمییز بین المخاطبین باحکام القانون الجنائی بسبب الاصل او اللغة او الجنس او الثروة او العقیدة ، انما اتسع مفهومها لیشمل فضلاً عن العقاب التأهیل الاجتماعی ، وذلک من خلال السعی الى تحقیق افضل سبل اصلاح وتأهیل المتهم من اجل تقویمه وتهذیبه .
2- حرص المشرع الجنائی على تقریر بعض الضمانات فی القانون الجنائی تهدف الى تحقیق مساواة فعلیة حقیقة بین الخاضعین لاحکام القانون الجنائی ، فقد صحح قانون العقوبات بعض حالات الاخلال بالمساواة الفعلیة ویتجسد هذا التصحیح فی صور عدیدة اهمها حمایة الضعفاء نفسیاً او عضویاً ، وفی تحذیر اصول المجنی علیه ، اذ تتجه التشریعات الجنائیة الى تشدید العقوبة فی حالة کون المجنی علیه عاجزاً عن الدفاع عن نفسه ، وقیام الجانی باستغلال هذه الحالة لارتکاب الجریمة.
3- نؤید القرارات التی نص علیها المؤتمر الدولی الثانی عشر للجمعیة الدولیة لقانون العقوبات الذی دعا الى اقرار حق المتهم فی التمتع بمساواة حقیقیة اثناء مباشرة الاجراءات الجنائیة المختلفة ، وان تکفل له السبل الضروریة التی تمکنه من دحض ادلة الاثبات التی یقدمها الادعاء ، ووجوب اخبار المتهم بالحقوق المختلفة المکفولة له فی کل مرحلة من مراحل الاجراءات الجنائیة ، وان یکون لکل من ادین فی جریمة الحق فی الطعن امام درجة قضاء اعلى وفقاً لما ینص علیه القانون .
4- ان النظام الجنائی یتضمن العدید من مظاهر الاخلال بمبدأ المساواة الفعلیة بین المخاطبین باحکام القاعدة الجنائیة فالمشرع قد یخرج بوعی وادراک عن مبدأ المساواة تحقیقاً لاعتبارات معینة یراها جدیرة بالحمایة ، ویتخذ هذا الخروج صورة الحصانات التی یقررها المشرع الجنائی لبعض الاشخاص الطبیعیین والاشخاص المعنویة ، مثال ذلک الحصانة البرلمانیة والحصانة القضائیة .
5- ان المشرع قد وضع تحت تصرف القضاء العدید من الوسائل لتحقیق وتجسید اهداف السیاسة الجنائیة الحدیثة فی التفرید بما یحقق فعالیة کبیرة ومؤثرة بالنسبة للجانی والمجتمع ، اذ توسع نطاق السلطات التی یتمتع بها القاضی لکی یکون بامکانه مراعاة ظروف الجانی والجریمة عند تقدیره للعقاب المناسب .
6- ان الاخلال بمبدأ المساواة فی القانون الجنائی قد یکون معروفاً ومقبولاً من المشرع فی بعض الحالات ، ولا یرى ضرورة للتدخل لتصحیح هذا الاخلال نتیجة لاعتبارات عدیدة، اذ توجد حالات فی القانون الجنائی تمثل خروجاً عن مبدأ المساواة لم یتدخل المشرع لتصحیحها اهمها حالات الضعف النفسی او العضوی وحالات الاعفاء من العقاب ، وان عدم تدخل المشرع لتصحیح هذه الحالات هو مقصود ، لان المشرع یقبلها عن ادراک واختیار تحقیقاً لاعتبارات معینة تبرر هذا الاختلاف فی المعاملة .
7- توجد حالات من الاخلال بمبدأ المساواة فی القانون الجنائی تظهر نتیجة المبالغة فی تطبیق احکام القواعد الجنائیة بشکل متجرد من قبل القضاء الجنائی الذی قد یؤدی بصورة غیر مباشرة الى تنوع غیر منطقی للحلول القضائیة وهذا الاخلال لم یقصده المشرع ولا یقبل بوجوده لعدم وجود ایة اعتبارات تبررها او مصالح تهدف الى تحقیقها ، انما هی حالات من الاخلال غیر مقصودة تظهر فی التطبیقات القضائیة نتیجة للجوء القضاء الى اسلوب التفسیر الضیق او المقید للنصوص القانونیة .
8- ان التفسیر الدقیق للنصوص الجنائیة الذی یحظر القیاس فی نصوص التجریم ادى الى ظهور حالات غیر معاقب علیها بموجب النصوص الامر الذی یؤدی الى الاخلال بالمساواة بین المخاطبین باحکام القانون الجنائی ، الامر الذی دفع المشرع لتجریم بعض هذه الحالات بموجب نصوص خاصة لانه لا یمکن اخضاع هذه الحالات للعقاب بموجب القیاس على احکام جرائم اخرى کجرائم السرقة او الاحتیال او خیانة الامانة ، ومع ذلک توجد حالات لا تخضع لهذه النصوص ولم یتدخل المشرع لتجریمها کحالة من یستعمل بدون حق مالاً منقولاً مملوکاً للغیر دون نیة تملکه ، وهذا یعد نقصاً تشریعیاً یجب معالجته ولذلک اقترحنا اضافة النص الآتی الى الجرائم الملحقة بالسرقة فی قانون العقوبات العراقی : (من استعمل بدون حق شیئاً للغیر بدون نیة تملکه یعاقب بالحبس وبالغرامة او باحدى هاتین العقوبتین) .
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English) and References (English)
The Holy Quran
First: Books, Letters and Research:
1 - Dr. Ahmed Fathi Sorour, Constitutional Criminal Law, I 2, Dar Shorouk, Cairo, 2002.
2 - Dr. Ahmed Fathi Sorour, Criminal Policy, article published in the Journal of Law and Economics, Faculty of Law, Cairo University, the first issue, year 39, 1969.
3 - Ahmed Shawki Omar Abu Qtaba, Equality in Criminal Law, 4, Dar al-Nahda Arab, Cairo, 2002-2003.
4- Dr. Akram Nashat Ibrahim, The Legal Limits of the Criminal Judge's Authority in Appreciation of Punishment, Dar Al-Sha'ab Publishing House, 1965.
5- Dr. Mr. Mohamed Hassan Sherif, General Theory of Criminal Evidence, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 2002.
6- Dr. Hassanein Ibrahim Saleh Obaid, The General Theory of Mitigating Conditions, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 1970.
7- Dr. Hussein Jamil, Towards a unified penal law for the Arab countries, Cairo, 1964.
8. Dr. Hussein Jamil, Human Rights and Criminal Law, Center for Arab Research and Studies, Cairo, 1972.
9- Dr. Raouf Obeid, Principles of the General Department of Punitive Legislation, I4, Dar Al-Fikr Al-Arabi, Egypt.
10- Dr. Ramses Behnam, Crime, Criminal and Punishment, 1976.
11- Dr. Subhi Al-Mahmassani, Staff and Human Rights, 1, Dar Al-Tealun al-Milim, Beirut, 1979.
12- Dr. Talal Abdul Hussein Al-Badrani, Criminal Jurisdiction, PhD thesis presented to the Faculty of Law, Mosul University, 2002.
13- Dr.Abdulhamid Al-Shawaribi, aggravating and mitigating circumstances, University Publications House, Alexandria, 1986.
14- Dr. Abdul Ghani Bassiouni Abdullah, The Principle of Equality before the Judiciary and the Right to Litigation, The Knowledge Establishment in Alexandria.
15- Dr. Abderrahmane Mohamed Abu Touta, The Foundations of Punishment, EGLA Publications, Malta, 2001.
16- Dr. Abdul Fattah Murad, Practical Criminal Investigation in Islamic Law and Positive Law, University Youth Foundation, Alexandria, 1989.
17- Dr. Issam Afifi Abdel Basir, The Crisis of Criminal Legitimacy and its Means of Treatment, 1, Abu Al-Majd Publishing House, Cairo, 2004.
18- Dr. Ali Rashed, Criminal Law Introduction and Principles of General Theory, I 2, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1970.
19- Dr. Ali Rashed, Summary of Penalties and the Phenomenon of Individual Punishment, Cairo, 1949.
20- Dr. Fakhri Abdul-Razzaq Al-Hadithi, The Legal Excuses for Extinction of Punishment, University of Baghdad, 1979.
21- Dr. Fakhri Abdul Razzaq Al-Hadithi, Explanation of the Penal Code, General Department, Baghdad, 1992.
22. Louis Maalouf, Linguistic in Language, Literature and Science, I 19, Catholic Press, Beirut.
23- Dr. Maher Abdul Shwaish Al-Durra, General Provisions of the Penal Code, Dar Al-Hikma for Printing and Publishing, Mosul, 1990.
24- Dr. Malik Duhan al-Hassan, Introduction to Law Study, C1, University Press, Baghdad, 1972.
25- Dr. Mamoun Mohamed Salama, Penal Code, General Department, Arab Thought House, Cairo, 1979.
26- Dr. Mamoun Mohamed Salama, The Limits of the Criminal Judge's Authority in the Application of Law, Dar Al-Fikr Al-Arabi, Cairo, 1975.
27. Mohsen Naji, General Provisions of the Penal Code, I 1, Al-Ani Press, Baghdad, 1974.
28- Mohammed bin Abi Bakr bin Abdul Qader Al-Razi, Mukhtar Al-Sahah, Dar Al-Resala, Kuwait, 1983.
29- Dr. Mohamed Abou El Ela Akeeda, Modern Trends in the New French Penal Code, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 2004.
30- Dr. Mahmoud Abu Zeid, the lexicon in Criminology, Legal Meeting and Punishment, Dar Al-Kitab for Printing, Publishing and Distribution, Cairo, 1987.
31- Dr. Mahmoud Mahmoud Mustafa, Explanation of the Penal Code, General Section, I 9, Cairo University Press, 1974.
32- Dr. Mahmoud Naguib Hosni, Explanation of the Lebanese Penal Code, General Section, 2, Dar al-Naqri for Printing, Beirut.
33- Dr. Mahmoud Naguib Hosni, Explanation of the Penal Code, General Section, I 5, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1982.
34- Dr. Naim Attieh, The General Theory of Individual Liberties, National Publishing and Publishing House, Cairo, 1965.
35- Nawfal Ali Abdullah Al-Safo, The Judicial Power of the Judge on Penalty Reduction, Comparative Study, Master Thesis submitted to the Faculty of Law, University of Mosul, 1996.
36- Dr. Yahla Al-Aris, Personality of Sanctions of Ta'zir in Islamic Law Comparative Study, Dar Al-Falah Publishing, Beirut, 1997.
37- Dr. Samir Anwar Ali, The Criminal Base, Comparative Study of the General Assets of Criminal Law, 1969.
Second: Agreements and Charters:
1. Universal Declaration of Human Rights of 1948.
2. The European Convention for the Protection of Human Rights and Fundamental Freedoms, 1950.
3. International Convention on Civil and Political Rights, 1966.
Third: The set of judicial decisions and decisions:
1 - Journal of Judiciary, first issue, the 45th year, 1990.
2. The Court of Cassation, Egypt, 28, 1978.
3 - Journal of Law, 4, 1923.
Journal of Law, S4, 1922.
5. Set of Legal Rules, C2, 1931.
6. Set of Legal Rules, C4, 1939.
7. Judicial Bulletin, No. 4, Second Year, 1973.
8. Judicial Bulletin, third issue, fourth year.
9 - The group of judicial judgments, second issue, sixth year, 1975.
10 - Group of Judgments, number three, sixth year, 1975.
Fourth: Laws:
1- Iraqi Basic Law of 1925.
2. The Iraqi Constitution of 1958.
3- The Iraqi Constitution of 1964.
4. The Iraqi Constitution of 1968.
5. The Iraqi Constitution of 1970.
6. The Egyptian constitution of 1971.
7. The Syrian Constitution of 1973.
8- Tunisian Constitution of 1959.
9. United Arab Emirates Constitution of 1971.
10. The Lebanese Constitution.
11. Jordanian Constitution.
12 - Iraqi Penal Code No. (111) for the year 1969.
13. Iraqi Criminal Procedure Law No. 23 of 1971.
14- The Juvenile Welfare Act No. 76 of 1983.
15 - Iraqi Civil Procedure Code No. (83) for the year 1969.
16. Egyptian Penal Code No. 58 of 1937.
17. Egyptian Criminal Procedure Code No. 150 of 1950.
18 - Egyptian juvenile law number (31) for the year 1974.
19. The Jordanian Penal Code No. (16) of 1960.
20- Jordanian Criminal Procedures Law No. (9) of 1961.
21. The Syrian Penal Code No. 148 of 1949.
22. The Syrian Criminal Procedure Code No. 113 of 1950.
23. The Lebanese Penal Code No. 40 of 1948.
24. The Lebanese Criminal Procedure Law of 1948.
25 - Federal Penal Code of the United Arab Emirates No. (3) for the year 1987.
26. Libyan Criminal Procedure Code.
27. Consolidated Arab Penal Code.
28. The new French Penal Code of 1992.
29. French Code of Criminal Procedure, 1958.
Fifth: Foreign sources:
1. Jean Roche: Libertes Publiques, 4 edition, Dalloz, 1976.
2. Jean Pradel: Lindividualisation de La Sanction, essai dun bilan a La veille dun nouveau code penal, R.S.C, 1977.
3. David W. Neubauer: Americas Courts and Criminal Justice System, 5 ed, Wadswarth Publishing Company, 1996.
4. BoSvehssoh: Criminal Justice Systems in Europe, Sweden, 1995.
5. Harvey Wallace, Cliff Robenson: Principles of Criminal Law, Longman Publishers, USA, 1996.
6. Garcon: code penal Annote, T1, Librairie de Recueil Sirey, 1952.