التکییف الشرعی لخصم الأوراق التجاریة دراسة فی ضوء موقف الشریعة الإسلامیة الغراء من عملیة الخصم والتخاریج الفقهیة
التی تقدم بها بعض الفقهاء المعاصرین لجعل هذه العملیة حلالاً
Shari'ah law adaptation of the deduction of commercial papers A study in the light of the position of the Islamic Shari'a law from the process of deduction and jurisprudence presented by some modern jurists to make this process halal
|
ندى زهیر الفیل
کلیة الحدباء الجامعة
Nada Zuhair El-Feel
Al-Hadba University College
Correspondence:
Nada Zuhair El-Feel
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 15/9/2005 *** قبل للنشر فی 2/10/2005.
(*) Received on 15/9/2005 *** accepted for publishing on 2/10/2005.
Doi: 10.33899/alaw.2006.160480
© Authors, 2006, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
مقدمة :
مما لا شک فیه أن الشریعة الإسلامیة لا تحرّم التعامل بالأوراق التجاریة من حیث المبدأ ، بل على العکس من ذلک ، إنها تقرر مبدأ کتابة وتثبیت الدیون فی محررات ووثائق شکلیة بصیغة معینة ، وتکاد تکون الأوراق التجاریة أهم هذه المحررات التی بمقتضاها یتعهد فیها الموقع أو یأمر شخصاً آخر بأدائه إلى شخصٍ ثالث مسمى مبلغاً محدداً من النقود خلال أجل قصیر ، لکن مع ذلک تقضی هذه الشریعة الغراء بتحریم کل عملیة ترد على هذه الأوراق ویکون من شأنها تحقیق الربا أیاً کانت الصورة التی یتخذها ، عمولة ، أو فائدة أو أجرة ، ولعل من بین هذه العملیات التی تنصب على الأوراق التجاریة وبعض السندات الأخرى القابلة للتداول عملیة الخصم التی تقوم بها المصارف التجاریة الیوم لمصلحة عملائها مقابل استقطاع مبلغ یشتمل على عناصر ثلاثة : الفائدة (سعر الخصم) ، العمولة ، مصاریف التحصیل .
مما تقدم فإن هذا البحث یهدف بشکل أساس للتعرف على موقف الشریعة الإسلامیة من عملیة الخصم ، ولماذا تقضی بتحریمها ؟ وما هو موقف الفقهاء المعاصرین تجاه ذلک ؟ وما هی التخاریج الفقهیة التی تقدموا بها فی التوصل إلى جعل هذه العملیة جائزة شرعاً ؟ وما هی البدائل والمقترحات التی قدمت فی هذا الصدد ؟ وما هو موقف المصرف العراقی الإسلامی من عملیة الخصم ؟
هیکلیة البحث :
من أجل الإجابة عن التساؤلات المتقدم طرحها ، فقد ارتأینا تقسیم هذا البحث وفق الخطة الآتیة :
تمهید .
المبحث الأول : موقف الشریعة الإسلامیة من عملیة الخصم .
المبحث الثانی : موقف الفقهاء المعاصرین واتجاهاته فی إیجاد التخاریج الفقهیة لجعل عملیة الخصم جائزة شرعاً .
الخاتمة وتتضمن النتائج والتوصیات .
تمهید :
الخصم عملیة مصرفیة ائتمانیة تزاولها المصارف التجاریة على نحوٍ واسع جداً، إذ إنها تمثل جزءاً مهماً من الائتمان المصرفی ، وهی تدخل ضمن الائتمان النقدی المباشر الذی تمنحه المصارف لعملائها بهدف توفیر السیولة النقدیة ووضعها تحت تصرفه مباشرةً أو تسدید التزامات یجب علیهم تسدیدها ، حیث یتم قید صافی أقیام الأوراق التجاریة المخصومة إیراداً للحسابات الجاریة الخاصة بهؤلاء العملاء.
وعملیة الخصم مصدرها الاتفاق (العقد) الذی لا بد أن تتوافر لتکوینه کل الأرکان الموضوعیة لإنشاء عقد من تراضٍ ومحل وسبب ، وهو عقد رضائی ینعقد بمجرد التطابق بین إرادتی المصرف الخاصم والعمیل طالب الخصم دون حاجة إلى إفراغ هذا التطابق فی شکل خاص . ویمکننا أن نلخص الخطوات التی تتم بها هذه العملیة بالشکل الآتی :
- یقوم المصرف بتعجیل قیمة ورقة تجاریة أو أی مستند آخر قابل للتداول إلى المستفید من هذه الورقة أو هذا السند قبل میعاد الاستحقاق الثابت فی هذه الورقة وفی مقابل ذلک ینقل المستفید من الخصم ملکیة هذه الورقة أو السند إلى المصرف ویلتزم أیضاً برد القیمة الاسمیة للورقة إلى المصرف إذا لم یستطع الأخیر استیفاءها من المدین الأصلی فی میعاد الاستحقاق .
- یستقطع المصرف مقابل قیامه بهذه العملیة مبلغاً یمثل مصاریف الخصم التی تتکون من سعر الخصم (الفائدة) والعمولة - إن کانت مشروطة – ومصاریف التحصیل وهذا یعنی أن المبلغ الذی یعجله المصرف هو عبارة عن القیمة الحالیة لا القیمة الاسمیة للورقة التجاریة المخصومة.
وتتمیز عملیة الخصم عن العملیات المصرفیة الأخرى بما تحققه من منافع لکل من المصرف والعمیل على حدٍ سواء ؛ فی أنها تعدّ أداة مثمرة بالنسبة للمصرف وذلک بما تدره علیه من أرباح تتأتى من الفوائد والعمولات التی یتقاضاها من العمیل المستفید من الخصم ، کما أن العمیل یستطیع بوساطة هذه العملیة أن یحصل على مبالغ نقدیة عاجلة دون انتظار میعاد استحقاق هذه الأوراق بما یخدم مصالح تجارته تماماً ، کما أنها تزود المصرف بالعدید من الضمانات التی لا مثیل لها فی عملیات مصرفیة أخرى یتمکن من خلالها من الحصول على قیمة الورقة التجاریة ، وبعض من هذه الضمانات ینبع من التواقیع الموجودة على الورقة المخصومة ، والبعض الآخر ینبثق من عقد الخصم ذاته ، فضلاً عن الضمانات الإضافیة التی یستطیع المصرف أن یطلب من العمیل المستفید من الخصم تقدیمها إلیه کالمطالبة بتقدیم تأمین عینی أو کفالة شخص ، وإن وجود هذه الضمانات المتعددة یبرر أن الخصم عمل مصرفی لا خدمة مصرفیة ؛ فهو ینطوی على مخاطر عدیدة قد تواجه المصرف الخاصم مستقبلاً تتأتى من احتمال عدم إمکانیة استیفاء المبلغ المعجل ، وأخیراً تتمیز هذه العملیة عن غیرها من العملیات المصرفیة الأخرى بسهولة التنفیذ ؛ إذ تتم بواسطة التظهیر الناقل للملکیة – وإن کان هذا التظهیر یعدّ تنفیذاً جزئیاً للخصم –.
وعلى الرغم من أن التشریع العراقی ومعظم التشریعات العربیة عرفت الخصم إلاّ أن الطبیعة القانونیة الخاصة بها لا تزال موضع خلاف بین فقهاء القانون التجاری ؛ فالبعض من هؤلاء الفقهاء یبحثون عن الطبیعة القانونیة الخاصة للخصم فی أثناء قواعد قانون الصرف، فالخصم فی نظرهم هو عبارة عن تظهیر ناقل للملکیة متجاهلین حقیقة أن الأخیر هو وسیلة تنفیذ الخصم ولیس الخصم ذاته. والبعض الآخر من هؤلاء الفقهاء یتجه إلى ضرورة إسناد تلک الطبیعة إلى الأنظمة المصرفیة کونها عملاً مصرفیاً خاصاً وفریداً وذا طبیعة خاصة.
وأخیراً فإن هناک من الفقهاء من بحث عن الطبیعة القانونیة للخصم فی زوایا القانون المدنی ، فالبعض منهم عدّها حوالة حق مدنیة ، والبعض الآخر من اعتبرها شراءً ، بینما عدّها آخرون قرضاً ، ولم ینجح هذا الاتجاه طبعاً فی إعطاء التکییف القانونی الصحیح لهذه العملیة بسبب الجمود الذی تتصف به هذه القواعد والذی لا یستقیم تماماً مع ما تقتضیه المعاملات التجاریة عموماً والعملیات المصرفیة خصوصاً من سرعة وائتمان ، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإن هذه التکییفات لم توافق وجهة نظر الشریعة الإسلامیة ورأیها إزاء هذه العملیة ، إذ کانت لها مبرراتها القویة فی رفض وتفنید ما استند إلیه فقهاء القانون فی اعتبار هذه العملیة قرضاً أو شراءً أو حوالة حق مدنیة ، ولذلک وجدنا فی هذا البحث ضرورة الوقوف على ما استند إلیه فقهاء الشریعة الإسلامیة فی الرد على فقهاء القانون فی هذا الصدد انطلاقاً من تحریم هذه العملیة لانطوائها على الربا .
المبحث الأول
موقف الشریعة الإسلامیة من عملیة الخصم
الشریعة الإسلامیة تقضی بتحریم عملیة خصم الأوراق التجاریة ، وذلک بسبب اقترانها بالفائدة ، وتعتبرها من الأعمال المصرفیة التی تتعارض مع أحکامها القائمة على تحریم الربا. فقد قال تعالى فی محکم کتابه العزیز (الذین یأکلون الربا لا یقومون إلاّ کما یقوم الذی یتخبطه الشیطان من المس ذلک بأنهم قالوا إنما البیع مثل الربا وأحل الله البیع وحرم الربا).
والشریعة الغراء إذ اتخذت هذا المبدأ - أی مبدأ تحریم عملیة الخصم - ، فإنها لم تتأثر – کما أسلفنا - بأی تکییف قانونی قدمه فقهاء القانون التجاری لتحدید الطبیعة القانونیة لها فکان للشریعة الإسلامیة مبرراتها القویة تجاه من کیّف العملیة بأنها قرض ، وتجاه من عدّ العملیة شراء وأخیراً تجاه من عدّها حوالة حق – کما سبق القول - ، ولذلک ولغرض الإلمام بالتبریرات التی استندت إلیها الشریعة الإسلامیة فی تحریم الخصم لا بد لنا من التطرق بشکلٍ موجز إلى التکییف القانونی لهذه العملیة ، وفق الشکل الآتی :
أولاً. تکییف الخصم على أنه حوالة حق
ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن عملیة الخصم عبارة عن حوالة من العمیل إلى المصرف بحقٍ له ضد الغیر، فلو صحّ تکییف أنصار هذا الاتجاه على سبیل الفرض لا أکثر بأن الخصم حوالة حق فسوف تکون من وجهة نظر الفقه الإسلامی باطلة أیضاً ، وذلک (لفوات شریطة التساوی بین الدین المحال به والدین المحال علیه).
جاء فی مطالب أولی النهى فی باب الحوالة .
(یشترط فی الحوالة تماثل الدینین فی القدر ، (فلا یصح بقلیل على کثیر) کعشرة على خمسة ولا (عکسه) کخمسة على عشرة ، للاختلاف ، وتصح الحوالة بقلیل على قدره من کثیر بأن أحاله بخمسة على خمسة وعکسه ، بأن أحالهُ بخمسةٍ من العشرة على خمسة ولا یضّر اختلاف سبب الدینین ککون أحدهما من قرض والآخر من ثمن مبیع).
واشترط المالکیة فی الحوالة (أن یساوی الدین الذین على المحیل الدین الذی على المحال علیه فی القدر والصفة ، ومعنى التساوی فی القدر أنه لا یجوز أن یأخذ من المحال علیه أکثر مما یستحقه عند المحیل ، فإذا کان لشخص دین عند آخر قدره خمسة فأحاله المدیون على شخص له عنده عشرة فیجب أن یحیله بالخمسة فقط بحیث لا یأخذ أکثر منها ، لأنه إذا کان الدین قرضاً کانت الزیادة فی الحوالة ربا ، وإذا کان الدین ثمن سلعة باعها له فإنه وإن کان یصح أن یعطیه أکثر من ثمنها ولکنه یکون من باب بیع الدین بالدین الذی لم یرخص به).
ثانیاً. تکییف عملیة الخصم بأنها بیع
وقد ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن المصرف لا ینظر أساساً إلى الحق الذی أدى إلى نشأة الورقة ، بل إلى الورقة ذاتها ، والى القیمة المالیة التی اکتسبتها من التواقیع الواردة علیها ، ولهذا یستوی فی نظره أن تمثل الورقة حقاً للساحب أم لا ، فمتى کانت هذه التواقیع قائمة وتمثل دیناً قائماً کان الخصم شراء للورقة المخصومة، وقد أید جانب من الفقه المصری هذا الاتجاه بقوله (إن المصرف یمتلک السند ویکسب کل الحقوق الناشئة عنه فله مطالبة الموقعین علیه ومنهم العمیل طالب الخصم ، ویکون رجوعه علیه على أساس السند ذاته ولیس على أساس الاتفاق القائم بینهما بوصفه مظهراً وهو رجوع یقوم على أساس ضمان الشیء المبیع).
فإذا اعتبرت عملیة الخصم على سبیل الفرض بیعاً أیضاً فأنها محرّمة لأنها تعد من البیوع المنهی عنها، للأسباب الآتیة :
- عملیة الخصم یدخلها ربا الفضل کما یدخلها ربا النسیئة أیضاً لأنها بیع نقد بجنسه متفاضلاً ، کما أن المصرف أقرض صاحب الأوراق التجاریة بفائدة مخصومة من الأصل نظیر الأجل وهذا ممنوع شرعاً،) فالبدلان إذا اتحدا وکانت من جنس واحد ومن نوع واحد کالذهب بالذهب مع التفاوت فی الأوصاف والقیم طبعاً – وإلاّ لما کان هناک معنى للتبادل - فهنا یخضع التبادل لشرطین اثنین ، التساوی فی الکم والفوریة فی التبادل لأن من شان التأجیل هنا أن یحمل فی باطنه فکرة محظورة ویحتمل أن یکون القصد هو القرض باسم البیع).
وجاء فی مطالب أولى النهى : فی باب الربا ، (یحرم بیع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعیر بالشعیر والتمر بالتمر والملح بالملح إلاّ مثلاً بمثل ، یداً بید ، فإذا اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا کان ید بید ولا یجوز بیع الجنس بجنسه مع العلم بالتساوی..) لحدیث الرسول (ص) عن عبادة بن الصامت عن النبی (ص) قال : (الذهب بالذهب مثلاً بمثل ، والفضة بالفضة مثلاً بمثل ، والتمر بالتمر مثلاً بمثل ، والبر بالبر مثلاً بمثل ، والملح بالملح مثلاً بمثل ، والشعیر بالشعیر مثلاً بمثل ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، بیعوا الذهب بالفضة کیف شئتم یداً بید ، وبیعوا البر بالتمر کیف شئتم ویداً بید ، وبیعوا الشعیر بالتمر کیف شئتم یداً بید).
وقال الإمام الغزالی رحمه الله فی باب الربا أیضاً : (… وعلى الصیرفی أن یحترز من النسیئة والفضل ، فأَن لا یبیع شیئاً من جواهر النقدین بشیء من جواهر النقدین إلاّ یداً بید وهو أن یجری التقابض فی المجلس… ).
وربا الفضل هو (عین مال على المعیار الشرعی وهو الکیل والوزن عند اتحاد الجنس، أما ربا النسیئة (ربا النساء) هو (فضل الحلول على الأجل وفضل العین على الدین فی المکیلین والموزونین عند اختلاف الجنس أو غیر المکیلین وغیر الموزونین عند اتحاد الجنس).
وجاء فی إعلام الموقعین :
(الربا نوعان : جلّی وخفی ، فالجلّی حرم لما فیه من الضرر العظیم والخفی حرّم لأنه ذریعة إلى الجلّی ، فتحریم الأول قصداً ، وتحریم الثانی وسیلة) (.. فأما الجلی فربا النسیئة ، وهو الذی کانوا یفعلونه فی الجاهلیة مثل أن یؤخر دینه ویزیده فی المال ، وکلما أخرّه زاد فی المال حتى تصیر المائة عنده آلافاً مؤلفة .. وأما ربا الفضل فتحریمه من باب سد الذرائع ، کما صرح به حدیث أبی سعید الخدری (t) عن النبی (r) : (ولا تبیعوا الدرهم بالدرهمین ، فإنی أخاف علیکم الرما ، والرما هو الربا فمنعهم من ربا الفضل لما یخافه علیهم من ربا النسیئة ، وذلک انهم إذا باعوا درهماً بدرهمین تدرجوا بالربح المعجل فیها إلى الربح المؤجل وهو عین ربا النسیئة وهذه ذریعة قریبة جداً ، فمن حکمة الشارع أن سدّ علیهم هذه الذریعة ومنعهم من بیع درهم بدرهمین نقداً ونسیئة..) .
- إن فی عملیة الخصم (ضَعٌ وَتَعَجُلْ) یقول إبن رشد : (أن یتعجل الرجل فی دَینهُ المؤجل عرضاً یأخذه وان کانت قیمته أقل من دینه . وعمده من لم یجز ضَعٌ وَتَعَجُلْ) انه شبیه بالزیادة مع نظرة المجتمع على تحریمها ، ووجه شبهه بها انه جعل للزمان مقداراً من الثمن بدلاً منه فی الموضعین جمیعاً ، وذلک انه هنالک لما زاد له فی الزمان زاد له عرضه ثمناً ، وهنا لما حطّ عنه الزمان حطّ عنه فی مقابلته ثمناً).
ثالثاً. تکییف الخصم على أنه قرض
ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن عملیة الخصم عبارة عن قرض وأن المصرف لم یقصد أن یکون مشتریاً للحق الثابت فی الورقة التجاریة ولا أن یکون محالاً به ، وإنما قصد الإقراض بفائدة ، فقبل انتقال ملکیة الورقة المخصومة إلیه على سبیل الضمان فإذا حلّ میعاد استحقاقها ولم یدفع أی من الملتزمین قیمتها فإن المصرف یعود على طالب الخصم بالقیمة وهو لا یکلف نفسه بملاحقة الملتزمین حتى النهایة ؛ فالمصرف یقرض العمیل طالب الخصم المبلغ الذی یعجله له عندما یظهر الأخیر إلیه ذلک ، لأن العمیل لا یلجأ إلى خصم الورقة التجاریة إلاّ عندما یکون بحاجة إلى نقود ، وإن المصرف لا یکتسب إلاّ حقوق الدائن المرتهن، فیکون له حیازة الورقة وتحصیل قیمتها عند الاستحقاق ، ومن ثمّ یجوز للمصرف أن یتقاضى سعر خصم یزید عن الفائدة الاتفاقیة. فإذا أخذ بهذا الاتجاه واعتبرت عملیة الخصم – على سبیل الفرض – قرضاً فإن عملیة القرض هذه ستکون محرمة أیضاً لوجود الفائدة ولأنها قرض جرّ منفعة للمقرض.
جاء فی منهاج الصالحین (… وأما خصم قیمة الکمبیالة لدى البنک نحو القرض بأن یقترض المستفید من البنک مبلغاً أقل من قیمة الکمبیالة الاسمیة ثم یحول البنک الدائن على موقعها بتمام قیمتها ، لیکون من الحوالة على البریء ، فهذا ربا محرّم لأن اشتراط البنک فی عملیة الاقتراض (الخصم) اقتطاع شیء من قیمة الکمبیالة إنما هو على سبیل الزیادة المحرّم شرعاً ولو لم تکن الزیادة بازاء المدة الباقیة بل بازاء قیام البنک ببعض الأعمال کتسجیل الدین وتحصیله ونحوها لأنه لا یحق للمقرض أن یشترط على المقترض أی نحو من أنحاء النفع الملحوظ فیه المال ..).
وجاء فی المغنی والشرح الکبیر : (….. کل قرض شرط فیه أن یزیده فهو حرام بغیر خلاف ، قال أبن المنذر : أجمَعوا على أن المُسلّف إذا شَرَطَ على المُستسلف زیادة أو هدیة فأسلف على ذلک أن أخذ الزیادة على ذلک ربا، وقد روی عن أبی ابن کعب وابن عباس وأبن مسعود انهم نهوا عن قرض جرّ منفعة..).
وجاء فی شرح الدرر البهیة (.. وأما کونه لا یجوز أن یجرّ القرض نفعـاً للمقرض ، فلحدیث أنس عن أبن ماجه أنه سئل عن الرجل یقرض أخاه المال فیهدی إلیه فقال : قال رسول الله (r) : (إذا أقرض أحدکم قرضاً ، فأهدى إلیه أو حمله على الدابة فلا یرکبها ولا یقبله إلا أن یقول جرّیٌ بینه وبین مثله).
مما تقدم یتبین أن الشریعة الإسلامیة تحرم الخصم بسبب الکسب الربوی (الفائدة) الذی یتقاضاه المصرف عنها ، فلو تجردت عملیة الخصم من هذا الکسب لأجیزت من الوجهة الشرعیة ، إلاّ أن السائد هو قیام المصارف التجاریة بعملیات الخصم دون الاکتراث بما تنطوی علیه من کسب ربوی ، على خلاف المصارف الإسلامیة التی ترفض التعامل بالخصم، کونها تقوم على الأسس الآتیة :
- استبعاد التعامل بالفائدة ، وهذا الأساس یشکل أهم معالم المصرف الإسلامی وبدونه یصبح لا شیء ، وأساس ذلک أن الإسلام یحرم التعامل بالربا .
- تقریر العمل کمصدر للکسب بدیلاً عن اعتبار المال مصدراً للکسب ، وان المال لا یلد المال ، وإن العمل هو الذی ینمی المال ویزیده ، ویعنی ذلک توجیه الجهد نحو التنمیة عن طریق الاستثمار والمشارکة التی تخضع لمعاییر الحلال والحرام التی حددها الإسلام .
- تصحیح وظیفة رأس المال فی المجتمع کخادم لمصالحه ولیس سیداً یتحکم فی البشر ، ویعنی ذلک ربط التنمیة الاقتصادیة بالتنمیة الاجتماعیة ، والأصل فی ذلک أن المصرف الإسلامی ینطلق من تصور الإسلام ومنهجه الخاص ، فهو دین الوحدة للجوانب المختلفة للحیاة ولا تنفصل عن بعضها البعض.
والمصرف العراقی الإسلامی للاستثمار والتنمیة هو عبارة عن شرکة مساهمة خاصة، تسیر أیضاً وفق النهج نفسه الذی تسیر علیه المصارف الإسلامیة فی البلدان الأخرى ، والقائم على (طرح فکرة التعامل بالفائدة جانباً ، والبحث عن أدوات أخرى للتمویل والاستثمار مثل المضاربات والمشارکات والمرابحات الإسلامیة).
وبالنظر إلى أنه لا یتعامل بالفوائد نهائیاً ، فإنه لا یقوم بخصم الأوراق التجاریة باعتبارها من الأعمال المصرفیة التی تتعارض مع أحکام الشریعة الإسلامیة ، وهذا واضح من مفهوم المخالفة لمنطوق نص الفقرة / 13 من البند ثانیاً من المادة / 4 من عقد تأسیس المصرف المذکور حیث جاء فیها : (ثانیاً: یقوم المصرف بعد إستحصال موافقة البنک المرکزی العراقی …… 13- کل الأعمال المصرفیة الأخرى التی لا تتعارض مع أحکام الشریعة الإسلامیة)، بینما یقوم بفتح وإصدار الاعتمادات المستندیة وقبول الودائع بأنواعها دون فائدة کالحسابات الجاریة وحسابات الادخار (التوفیر) والأمانات وذلک بتاریخ معین وإصدار خطابات الضمان وحفظ الأمانات فی الخزائن الخاصة وتقدیم وقبول التأمینات الشخصیة والعینیة بما فی ذلک (الرهون) وقبول الأوراق التجاریة والمالیة لحفظها وتحصیل الحقوق المترتبة علیها لحساب أصحابها ودفع وتحصیل الصکوک وأوامر وأذونات الصرف ما لم تکن متضمنة فوائد ربویة أو محظوراً شرعیاً وعملیات تخزین البضائع المقدمة من العملاء ضماناً لقروضهم وعملیات التخزین الأخرى کافة والقیام بأعمال إنماء الاستثمار .. وکل الأعمال المصرفیة الأخرى التی لا تتعارض مع أحکام الشریعة الإسلامیة) .
ولنا أن نتساءل فی هذا الصدد ألاّ یستطیع المصرف العراقی الإسلامی أن یخصم أوراقاً تجاریة لعملائه دون أن یتقاضى أیة فائدة عن ذلک ؟
نرى إمکانیة ذلک ، ولکن بعد التأکد من توفر المعاییر التی تعتمدها المصارف الإسلامیة عند اتخاذ القرارات الاستثماریة والتمویلیة ، کالمعاییر المتعلقة بالشخص طالب الخصم ؛ معیار الشخصیة والقدرة والکفاءة وتلک المتعلقة بالمصرف الإسلامی ذاته کالسیولة والظروف الاقتصادیة والسیاسیة والمتطلبات القانونیة.
وجوابنا هذا یمکن إسناده إلى ما یأتی :
- من الأنشطة التی یقوم بها المصرف وفقاً للفقرة /2 من البند ثانیاً من المادة /4 من عقد تأسیسه ….. (قبول الودائع بأنواعها بدون فائدة کالحسابات الجاریة وحسابات الادخار (التوفیر) ….) بمعنى أن المصرف لا یعطی أیة فائدة عن هذه الودائع الجاریة ، وهو فی الوقت نفسه یحرص بشکل أساسی على استغلال واستثمار أموال المودعین هذه فی العدید من أوجه نشاطه الاستثماری ، فلو فرضنا أن أحد هؤلاء المودعین تقدم إلى المصرف الإسلامی بورقة تجاریة وطلب خصمها وتعجیل قیمتها قبل موعد الاستحقاق ، وهو موعد لا یتجاوز فی جمیع الأحوال ستة أشهر ، ألیس من العدل وفقاً لقاعدة الغرم بالغنم أن یقبل المصرف تعجیل قیمة هذه الورقة دون تقاضی سعر خصم أو فائدة خصم ؟ ألاّ یتوجب على المصرف أن یفید عمیله عند حاجته للنقود مثلما یستفاد هو من نقوده وقت الرخاء ؟
- ومن الأنشطة التی یقوم بها هذا المصرف أیضاً وفقاً للبند ثامناً من المادة / 4 من عقد تأسیسه هو (منح القروض للأفراد والهیئات والمؤسسات والأشخاص المعنویة وله منح قروض تخصص لتنفیذ مشروعات ذات نفع عام) وبالطبع فإن هذا القرض سیکون قرضاً حسناً ، فهو لا یمکن أن یتقاضى عنه أیة فوائد وإلاّ دخل المصرف فی نطاق الاستثمار المحرم شرعاً لانطوائه على الربا ، ألا یعدّ ذلک تناقضاً فی موقف المصرف؟ یمنح قروضاً لعملائه بدون فائدة ویحرم خصم الأوراق التجاریة لانطوائه على الفائدة ؟ ألا یکون باستطاعة المصرف أن یخصم لعملائه أوراقهم التجاریة بدون فائدة کما یفعل تماماً بالنسبة لمنح القروض ،خاصة أن الخصم کالقرض لا یعدّ باطلاً من وجهة نظر الشریعة الإسلامیة من حیث المبدأ لأن الباطل هو ذلک النفع الربوی الذی لو تجردت منه عملیة الخصم لغدت مقبولة شرعاً ؟
المبحث الثانی
موقف بعض الفقهاء المعاصرین واتجاهاتهم فی إیجاد التخاریج الفقهیة لجواز خصم الأوراق التجاریة
حاول بعض الفقهاء المعاصرین إیجاد تخاریج فقهیة لجعل خصم الورقة التجاریة جائزة شرعاً منطلقین من فکرة تتلخص بأن الحوالة التجاریة هی من الأدوات الائتمانیة التی لا یمکن للمصارف الاستغناء عنها أولاً والدور المهم الذی تؤدیه فی تسویة الدیون دولیاً ثانیاً، حیث یقول (د. محمد عبدالله العربی) – بعد إقراره بان خصم الحوالة التجاریة هو صورة من صور القرض الربوی – فی هذا الصدد : (أننا إذا کنا نستطیع أن نقول للعالم الإسلامی امتنع عن الربا ونستطیع بذلک أن نطّهر جمیع معاملاتنا المصرفیة من الفائدة الربویة لتحل محلها شرکة المضاربة فإننا لا نملک فرض هذا الحکم على البلاد غیر الإسلامیة التی نتعامل معها ، وما دمنا مضطرین إلى التعامل مع هذه البلاد فی عقد قروض لتمویل بعض نشاطنا الإنتاجی، وفی استیراد سلع لم نصل بعد إلى إنتاجها فلا مناص من التغاضی عن دور الربا الذی یشوب معاملاتنا معه ، وذلک تطبیقاً للقاعدة الشرعیة (الضرورات تبیح المحظورات) ، ومن هذه المعاملات الحوالة التجاریة التی أصبحت أداة تمویل دولیة ولها سوق عالمیة یشتری فیها المستوردون الحوالات التجاریة المدوّن فیها عملة بلاد المصدرین للوفاء بدیونهم إلى هؤلاء المصدرین ، وأصبحت المصارف والبورصات تتعامل بهذه السفتجة المدون فیها عملات دول مختلفة للوفاء بمطالب التجارة الدولیة ، لذلک لا أرى بُداً من أن أقرر هنا – مکرهاً لا مختاراً – جواز استمرار معاملاتنا المصرفیة الخارجیة على الوضع الربوی القائم على الحوالات التجاریة بالذات لا مناص من التغاضی عن وصمة الربا فی تداولنا السوقی للحوالات التجاریة سواء کانت مسحوبة منا لصالح مصدرین أجانب أو مسحوبة لصالحنا من مصدرین أجانب).
ومن التخاریج الفقهیة الفاسدة التی طرحت فی مجال جعل خصم الحوالات التجاریة بفائدة عملیة جائزة شرعاً هی :
أولاً . قد ُیرى أن خصم الورقة التجاریة یکون حلالاً إذا اتخذ صورة أخرى وهی أن یتفق الدائن مع المصرف على مبلغ یترکه من الدین جُعلاً له على التحصیل ، ویأخذ منه باقی الدین قرضاً بلا فائدة . وعند حلول الأجل یحصّل المصرف على قیمة الورقة التجاریة لحساب الدائن ویأخذها تسدیداً لدینه وللجُعل الذی التزم به الدائن ، أما إذا تعذّر تحصیل الدین کأن أفلس المدین یعود المصرف على الدائن بقیمة القرض فحسب ، ولم یستحق الجُعل ، وبهذه الکیفیة یکون الخصم جائزاً شرعاً ، إذ مرجعه إلى أنه تحصیل للدین نظیر جُعل على التحصیل مع دفع باقی الدین قرضاً بلا فائدة ، ولا شیء غیر ذلک فهو جائز شرعاً والجُعالة صحیحة فی الشریعة . وهی عبارة عن مکافأة یحددها الشخص مسبقاً على عمل یود تحققه ، کمن یلتزم بجُعل معین لمن یرد علیه متاعه أو یبنی له هذا الحائط أو یحفر هذا البئر حتى یصل إلى الماء أو یعالج المریض حتى یبرأ ، والأصل فی مشروعیة الجعالة قول الله عزّ وجل (ولمن جاء به حمل بعیر وأنا به زعیم).
ویرد على هذا الرأی بأن تحصیل الحوالة التجاریة نظیر جعل هو عبارة عن حیلة للقرض بالربا کبیع العینة ، وهو أن یبیع التاجر سلعته بثمن إلى أجل ثم یشتریها من المشتری بأقل من الثمن الذی باعها به ، والمثل إذا باع التاجر بنقد ثم اشتراها بأکثر منه نسیئة فلا یجوز لان ذلک یتخذ وسیلة الربا.
ثانیاً. ورّب قائلٍ یقول (بإلغاء الفائدة من عملیة خصم الأوراق التجاریة والاستعاضة عنها بتدبیر آخر تفادیاً للوقوع فی محظور الربا ، ویتمثل ذلک فی خصم الکمبیالة من غیر أخذ الفائدة عنها لکن بشرط أن یقدم المستفید من هذا الخصم قرضاً إلى المصرف یساوی قیمة الفائدة –الملغاة - لمدة طویلة یتفق علیها ، وقد تصل إلى خمس سنین مثلاً، وبذلک یحصل المصرف على مبلغ مساوٍ لما ألغاه من الفائدة ولکن لا یملکه وإنما یعیده لأصحابه عند انتهاء المدة ، بعد أن یکون قد استفاد منه فی استثماراته طوال تلک المدة وحصل على منافع لا تقل عن الفائدة التی ألغاها فی القرض الأول الذی قدمه على شکل خصم الورقة التجاریة وانه لیس فی ذلک أی مانع شرعی لأنه لیس من الربا).
ویرد على ما تقدم بأنه تخریج غیر صحیح ، لأن هذا قرض جرّ نفعاً وهو غیر جائز، یقول إبن قدامة فی ذلک صراحة (وأن شرط فی القرض أن یؤجره داره ، أو یبیعه شیئاً ، أو أن یقرضه المقترض مرة أخرى لم یجز، لحدیث الرسول علیه الصلاة والسلام عن أیوب عن عمرو بن شعیب عن أبیه عن جده ، قال : (نهى رسول (r) عن بیع وسلف وعن شرطین فی بیع واحد وعن بیع ما لیس عندک وعن ربح ما لم یضمن).
ثالثاً. وربما ُیرى أن الفرق بین القیمة الاسمیة للورقة التجاریة والقیمة المخصومة بها هو من قبیل الإبراء وإسقاط العمیل بعض حقه على سبیل الهبة ولیس على سبیل المبادلة بعوض، وهذا الوصف لا یتماشى مع طبیعة خصم الورقة التجاریة کعملیة تجاریة ولا ینهض کتبریر اقتصادی لخصم الورقة بأقل من قیمتها الاسمیة ، والتجارة فی الفکر الإسلامی هی تقلیب المال بالمعاوضة لغرض الربح واحترز الفقهاء بلفظ (المعاوضة) لتخرج التصرفات على سبیل الهبة أو التبرع من النشاط التجاری ، ولا شک فی أن نیة صاحب الورقة لیست الإبراء وإسقاط جزء من حقه على سبیل الهبة والتبرع للمصرف لکنه دفع الفائدة - الفرق بین القیمة الاسمیة للورقة والقیمة المخصومة بها - مقابل عوض هو عدم الانتظار حتى یحین میعاد استحقاق الورقة وعدم الانتظار لیس بمال حتى یعد عوضاً ومما لاشک فیه أیضاً أن العمیل لیس مختاراً فی دفع الفائدة من عدمه.
وحیث إن هذه التخاریج لم تفلح فی جعل عملیة خصم الأوراق التجاریة حلالاً ، لذا حاول بعض آخر من الفقهاء المحدثین تقدیم بعض الاقتراحات الإسلامیة کبدائل لخصم الورقة التجاریة بفائدة تتلخص بما یأتی :
- أن یقوم المصرف بصرف قیمة الورقة المحررة للمستفید کاملة بالشروط الآتیة :
آ. أن تکون قائمة الحساب أو المستند الدال على موضوع الحوالة التجاریة مرفقاً بها للتأکد من أنها لیست من حوالات المجاملة .
ب.أن یکون للعمیل المستفید حساب جارٍ فی المصرف .
جـ.أن یکون هذا الحساب فی المتوسط السنوی ( لا یقل عن نسبة معینة من قیمة الحوالة التجاریة تحددها نظم المصرف حرصاً على سلامة العملیات المصرفیة)
2. یقدم (د. محمد عبدالله العربی) اقتراحاً إسلامیاً بدیلاً لتقدیر القیمة الحالیة للحوالة بعیداً عن نظام الخصم بالفوائد الربویة على أساس أن فقهاء المالکیة أجازوا تقویم دین التجارة المؤجل بقیمة حالیة تختلف عن القیمة الاسمیة على أساس المبادلة فی السوق الحرة وعوامل العرض والطلب ، وتتم عملیة التقویم على مرحلتین متتالیتین :
- المرحلة الأولى : تحدید الکمیة السلعیة التی تشترى بالأجل بالقیمة الاسمیة للحوالة - الدین المؤجل - فی تاریخ استحقاقها .
- المرحلة الثانیة : تحدید القیمة البیعیة بالنقد لتلک الکمیة السلعیة ، وتکون القیمة التی تصل إلیها هی القیمة الحالیة للحوالة فی تاریخ التقدیم.
3. دخول المصرف شریکاً ممولاً للعملیة التجاریة التی استخدمت فیها الورقة التجاریة ، وقد یُردّ على هذا الاقتراح بأن هذا الأسلوب قد یمکن تطبیقه فی بعض العملیات التی یمکن حصر أرباحها بشکلٍ مستقل وواضح دون بعضها الآخر ، أو دون معظم العملیات التی تستخدم فیها الأوراق التجاریة ، وحیث لا یجوز التمییز فی المعاملة بین العملاء تبعاً لمدى إمکانیة حصر الأرباح الناجمة عن العملیة المموّلة بالقرض مقابل الورقة التجاریة ، بل من المفروض أن یلتزم المصرف فی أدائه لهذا الشکل من نشاطه أسلوباً موحداً.
4. جواز الأخذ بعملیة الخصم شریطة ألاّ یتضمن التعامل بها إتفاقاً على الربا ، أو بمعنى آخر یُعجل المصرف کل قیمة الورقة التجاریة مجاناً بدون استقطاع أیة فائدة ، وهو بدیل إسلامی بالتأکید لتجرده من الکسب الربوی تماماً ، وهذا هو رأینا کما تقدم .
الخاتمة :
من کل ما تقدم نخلص إلى ما یأتی :
- إن الشریعة الإسلامیة الغراء لم تحرّم عملیة الخصم إلاّ لأنها تقترن بذلک الکسب الربوی (الفائدة) ، فلو تجردت هذه العملیة من هذا الکسب أصبحت حلالاً .
- لم تنجح التخاریح الفقهیة التی تقدم بها بعض الفقهاء المعاصرین لجعل هذه العملیة جائزة شرعاً ؛ فالربا یبقى لصیقاً بعملیة الخصم أیاً کان التخریج الفقهی أو الاقتراح أو البدیل المقدم من هؤلاء الفقهاء وبالتالی فهی تخاریج فاسدة لم تتمکن من الخروج من دائرة الربا التی حرمها الباری عزّ وجل فی محکم کتابه العزیز (یا أیها الذین آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقی من الربا إن کنتم مؤمنین فإن لم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله وإن تبتم لم رؤوس أموالکم لا تظلمون ولا تظلمون)، وحدیث الرسول الکریم (r) فی هذا الصدد عن الشعبی عن النعمان بن بشیر قال : (سمعت رسول الله (r) یقول : الحلال بیّن والحرام بیّن وبین ذلک أمور مشتبهات لا یدری کثیر من الناس أمنَ الحلال هی أم من الحرام ، فمن ترکها إستبرأ لدینه وعرضه …).
- ارتأیت من هذا البحث أن یکون دعوة مخلصةً موجهة إلى المصرف العراقی الإسلامی فی إدخال عملیة خصم الأوراق التجاریة (بدون فائدة) ضمن العملیات والأنشطة المصرفیة التی یقوم بها وفق سقف معین من المبالغ لا یمکن تجاوزه أولاً وبشروط محددة لا بد من توافرها فی العمیل طالب الخصم ثانیاً کأن یشترط فی هذا العمیل أن یکون من العملاء المعروفین بالسمعة التجاریة الحسنة والملاءة المالیة الکافیة ، أو أن یکون من العملاء الذین لدیهم ودائع على سبیل القرض لدى المصرف ذاته الذی سیقوم بعملیة الخصم لأن المصارف الإسلامیة تقوم باستثمار أرصدة الحسابات الجاریة تحت الطلب على ضمانها وبهذا تکون عوائد هذا الاستثمار خالصة لها ، فکما یستفاد المصرف من هذه الودائع علیه أن یفید أصحابها فی وقت حاجتهم إلى النقود بأن یخصم لهم أوراقهم التجاریة دون فائدة .
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English) and References (English)
Firstly. Books Fiqh:
1. Ibn Rushd al-Qurtubi, The Beginning of Al-Mujtahid and the End of the Frugal, Part II, Egypt, 1966.
2. Ibn al-Qayyim al-Jawziyya, the flags of the signatories of the Lord of the Worlds, part two, Dar al-Fikr, Beirut, without a year printed.
3. Mr. Saber, Jurisprudence of the Sunnah, III, Peace, War and Transactions, I 1, Dar Al Fikr for Printing, Publishing and Distribution, Beirut, Lebanon, 1421H-2001.
4. Suyuti al-Rehibani, the demands of Awali al-Nuha to explain the end of the end, c3, Damascus, 1961.
5. The Shokani, The Illuminating Dirars Explanation of the magnificent Dharr, c2, Beirut, Lebanon, 1978-1939
6. Abdulrahman Al-Jazairi, Jurisprudence on the four schools of thought, c3, Department of Transactions, Dar al-Kuttab al-Alami, Beirut, Lebanon, 1988.
7. Al-Ghazali, Revival of the Sciences of Religion, Volume II, Damascus, Darwish, without a year printed.
8. Muhammad Baqir al-Sadr, the non-Islamic bank in Islam, thesis to compensate for usury and study of all aspects of banking activities in light of Islamic jurisprudence, Dar al-Ma'aref Publications, Lebanon, 1978.
9. Maqdisi, the singer and the great narrator, C4, Dar al-Fikr al-Arabi, Beirut, Lebanon, 1392 e-1972.
Second. Commercial Law Books:
10. Dr. Hassan Abdullah Al Amin, Cash Bank Deposits and Investments in Islam, 1, Dar Al Shorouk Publishing and Distribution, Jeddah, 1403H, 1983.
11. Hussein Mohammed Samhan, Islamic Banking Operations (Concept and Accounting), Shams Press, Amman, Jordan, without a year printed.
12. Dr. Zakaria M. Al-Faleh Al-Qudah, Salam and Mudaraba of Facilitation Factors in Islamic Law, 1, Amman, 1984.
13. Sami Hassan Ahmed Mahmoud, Banking Development in Accordance with Shari'a Law, II, Jordan, 1982.
14. Dr. Samiha Al-Qalioubi, Commercial Law (Banking and Commercial Papers), Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 1986.
15. Dr. Shawky Ismail Shehata, Islamic Banks, Dar Al Shorouk, Jeddah, 1977.
16. Dr. Abdul-Salam Leftah Said, Financial Mathematics for Long-Term Operations, Compound Interest, Book II, Baghdad, 2001, pp. 34 et seq.
17. Dr. Abdul Aziz Ibrahim Badawi, Saudi Commercial and Marine Systems (Business, Trader, Commercial Companies, Commercial Papers, Banking Operations), Dar Al-Fikr Al-Arabiya, Cairo,
18. Dr. Abdul Fadil Mohammed Ahmed, Commercial Contracts and Banking Operations in accordance with the provisions of the Egyptian Trade Law No. 17 of 1999, Mansoura, Egypt, 2001
19. Dr. Abdullah Abdul Rahim Al-Abbadi, The Position of Sharia from Contemporary Islamic Banks, Publications of the Modern Library, Sidon, Beirut, 1981.
20. Dr. Aziz Al-Ukaili, Explanation of Commercial Law, C2, (Commercial Papers, Banking Operations), Amman, 2002.
21. Dr. Ali Baroudi, Contracts and operations of commercial banks, Knowledge facility in Alexandria, without a year printed.
22. Dr. Ali Jamal Aldin Awad, Legal Operations of Banks, Dar al-Nahda al-Arabiya, 1981.
23. Dr. Ali Jamal Aldin Awad, Legal Operations of Banks, Without Place to Print, 1969.
24. Dr. Strange Beauty, Banks and Islamic Finance Houses, 1, Jeddah, 1398 AH.
25. Dr. Ghassan Qalawi, Islamic banks a modern necessity Why? And how? , Dar al-Maqbi for Publishing and Publications, Damascus - Syria, 1418 AH, 1998.
26. Dr. Mohammed Hassan Al-Jabr, Commercial Contracts and Banking Operations in Saudi Arabia, Riyadh, No year printed.
27. Dr. Muhammad Abdullah Al-Arabi, Lectures in Islamic Systems, Contemporary Banking Transactions and the View of Islam, Cairo, 1965.
28. Dr. Mamdouh Al-Rashedat, Lectures in Financial and Banking Legislation, Amman, 2001.
29. Dr. Mustafa Kemal Taha, Al-Waseet in Commercial Law, C2, (Commercial Papers, Commercial Contracts, Banking Operations, Bankruptcy), Alexandria, 1971.
30. Dr. Yusef Yacoub Sarkhwa, Legal Operations of Banks, I, Kuwait, 1988.
Third. Research:
31. Dr. Ahmed Said Barakat, Banking Activity from a Legal Direction in the Legislation of Arab Countries, Journal of the Union of Arab Banks, No. 17.
32. Dr. Abdulrahman Zaki Ibrahim, Commercial Contracts under Islamic Shariah, Research published in Afaq Economic Journal, Volume 22, No. 88, Year 2001.
33. Dr. Othman Bakr, The Growth and Challenges of the Islamic Banking Industry (article), Journal of the Union of Arab Banks, Volume 21, No. 244, April, 2001.
34. Dr. Faleh Abdulkarim Al-Shaikhli, Journal of Economic Studies, No. 3, second year, 2000.
35. Mohsen Habib Saleh, Murabaha, Al-Rashid Bank Magazine, Issue 7, 2002, p.
Fourthly. Messages and Settings:
36. Nada Zuhair El-Fil, The Opponent (Comparative Legal Study), PhD thesis submitted to the Faculty of Law, University of Mosul, 2004.
37. Yassin Ahmed Ibrahim Dardakha, Theory of Gharar in Islamic Law (Comparative Study), PhD thesis submitted to the Faculty of Sharia and Law, Al-Azhar University, 1393 AH-1973.
Fifthly. Laws:
38. Iraqi Trade Law No. 30 of 1984.
39. The Moroccan Trade Code of 1996.
40. The Tunisian Commercial Magazine No. 129 of 1959.
41. UAE Commercial Transactions Law No. 18 of 1993.
42. The new Egyptian Trade Law No. 17 of 1999.
VI. Foreign sources:
43. Georges Ripert, Droit Commercial, L. G. D. J. Paris.
44. Jean Claudes, Grosliere Escompte, Reportere de, Droit Commercial, Dalloze, 31 / aout, 1998.
45. Jean Louis Rives Lange, et Monique, Contamine-Raynaud, 4 eme edition, Dalloze, Paris, 1986.
Seventh. Web sites:
46. www.al baraka. Com / resource Fatawi, Commercial doc 4.htm /.
Eighth. Interviews:
47. Personal interview with Mr. Farouk Humaid Zine El Abidine, Account Manager, Iraqi Islamic Bank for Development and Investment, Baghdad, 9/9/2002.