انتقال الحق فی الدعوى المدنیة (*)-
Transferring of the right to a civil lawsuit
|
اجیاد ثامر نایف الدلیمی
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Ajyad Thamer Nayef Al-Dulaimi
College of law / University of Mosul
Correspondence:
Ajyad Thamer Nayef Al-Dulaimi
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 11/2/2013 *** قبل للنشر فی 27/2/2013.
(*) Received on 11/2/2013 *** accepted for publishing on 27/2/2013 .
Doi: 10.33899/alaw.2013.160734
© Authors, 2013, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
إن الحق فی الدعوى ینتقل إلى الخلف بوفاة السلف أو بتصرفه فی الحق الموضوعی بصرف النظر عن مباشرة الدعوى أو عدم مباشرتها من قبل السلف، إلا أن نشأة الحق فی الدعوى للسلف یرتبط بوجود مجموعة من الأرکان والشروط القانونیة التی یتعین توافرها قبل الحدیث عن انتقال الحق فی الدعوى، فضلاً عن أن هناک موانع تحول دون امکانیة انتقال العدید من الدعاوى، وهذه الموانع إما أن تکون شخصیة، ترجع إلى ارتباط محل الدعوى بشخص السلف، وإما أن تکون موضوعیة، ترجع إلى کون محل الدعوى غیر قابل للانتقال، فإذا توافرت أرکان الانتقال وشروطه، وانتفت موانعه، فإن الحق فی الدعوى ینتقل من السلف إلى الخلف حتى ولو زالت صفة السلف قبل رفعه للدعوى، لأن الحق فی الدعوى سابق فی وجوده على ممارسة الدعوى ومباشرتها.
Abstract
The right to claim turns back the death advances or Ptaamlh with the right objective apart from direct action or not conducted by the predecessor, but the emergence of the right in the case of advances associated with the presence of a group of staff and legal requirements that must be met before talking about transmission of the right in the lawsuit, as well as that there are barriers preventing the possibility of transmission of many of the suits, these barriers are either personal, due to the correlation matter of the proceeding a person advances, and either be objective, due to the fact that the matter of the proceeding is transmissible, if available corners transition and conditions, and no longerموانعه, the right in the lawsuit moves from the predecessor to the successor, even if still advances recipe before submitting it to the suit, because the right in the case earlier in his presence on the exercise of the case and conducted.
المقدمة
الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام على سیدنا محمد خاتم الأنبیاء وإمام المرسلین، وعلى آله وصحابته المکرمین، ومن اهتدى بهدیه إلى یوم الدین، وبعد: فسأقسم هذه المقدمة على الفقرات الآتیة:
أولاً. مدخل تعریفی بموضوع البحث:
یترتب على زوال صفة من نشأ له الحق فی الدعوى بعد ثبوته وقبل رفع الدعوى، انتقال الحق فی إزالة ما وقع من ضرر أو توقیه إلى الخلف، ویعنی هذا أن الحق فی الدعوى ینتقل إلى الخلف بزوال صفة مَنْ نشأ له الحق فیها، وهو السلف، حتى ولو لم یقم هذا الأخیر برفعها، إلا أن نشأة الحق فی الدعوى للسلف یرتبط بوجود مجموعة من الأرکان والشروط القانونیة التی یتعین توافرها قبل الحدیث عن انتقال الحق فیها، فإذا توفرت تلک الأرکان والشروط فإن الحق فی الدعوى ینتقل من السلف إلى الخلف حتى لو زالت صفة السلف قبل رفعها، لأن الحق فی الدعوى سابق فی وجوده على ممارسة الدعوى ومباشرتها.
وقد اکتفى المشرع بتحدید شروط قبول الدعوى من دون التعرض لشروط انتقال الحق رفعها فی المرحلة السابقة على رفعها من السلف، و لم یثبت اعتراف المشرع بوجود الدعوى مکتملة الشروط والأرکان فی المرحلة السابقة على رفعها، مما أثار الخلاف حول قابلیة انتقال الحق منها إلى الخلف أو وفاة من نشأ له الحق فی الدعوى قبل أن یستعمل هذا الحق، فضلاً عن أن تأثر التشریعات بالاتجاه الذی یرى أن الدعوى هی الحق الموضوعی ذاته توجد بوجوده وتزول بزواله، أدى إلى ظهور موانع تقلیدیة تحول من دون امکانیة انتقال الحق فیها من السلف إلى الخلف، وهذه الموانع منها ما یتعلق بارتباط الحق فی الدعوى بشخص السلف (موانع شخصیة)، ومنها ما یتعلق بطبیعة الحق الموضوعی محل الدعوى (موانع موضوعیة). ووقفت هذه الموانع عقبة فی طریق انتقال العدید من الدعاوى، ولاسیما الدعاوى التی لا یرجع سببها إلى اعتداء على حقوق موضوعیة داخلة فی ضمن عناصر الذمة المالیة.
ثانیاً. تساؤلات البحث:
ثمة تساؤلات عدیدة نحاول الاجابة عنها عبر هذا البحث، منها مدى قابلیة انتقال الحق فی الدعوى سواء أکان ذلک الانتقال بسبب التصرف القانونی فی الحق الموضوعی محل الحمایة أم بسبب الوفاة؟ وهل ینتقل الحق فی الدعوى إلى الخلف فی حالة عدم استعمال السلف هذا الحق قبل زوال صفته بالوفاة أو بالتصرف فی الحق موضوع الدعوى؟ وما شروط انتقال الحق فی الدعوى؟ وهل یقتصر انتقال الحق فی الدعوى على الدعاوى المتعلقة بحقوق مالیة أم یشمل الدعاوى التی تتعلق بحقوق غیر مالیة کالحقوق الأدبیة وحقوق الشخصیة التی تخرج عن دائرة المعاملات المالیة؟ وما مصیر الدعوى بعد رفعها من السلف هل تنقضی بوفاته أو بتصرفه فی الحق الموضوعی أم أن للخلف الحق فی متابعة السیر فیها؟ وهل تکفی القواعد العامة فی انتقال الحقوق الموضوعیة لانتقال الحق فی الدعوى أم أن الأمر یحتاج إلى تنظیم خاص؟ وهل ینتقل الحق فی الطعن إلى الخلف بزوال صفة السلف؟.
ثالثاً. مشکلة البحث:
إن الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً کما یذهب الفقه الحدیث، فإنها لا توجد إلا لمن توفرت له شروطها القانونیة، أما رفعها إلى القضاء فإنه لا یعد شرطاً لوجودها من الناحیة القانونیة، ولکن نتیجة لعدم وجود نص فی قانون المرافعات یؤکد وجود الدعوى فی المرحلة السابقة على رفعها من صاحب الحق فیها، أدى إلى إثارة خلاف حول مدى وجودها وانتقالها لزوال صفة من نشأ له الحق فیها فی هذه المرحلة، فضلاً عن أن تعریف المشرع العراقی للدعوى بأنها: "طلب شخص حقه من أخر أمام القضاء" زاد من شدة هذا الخلاف، لأنه ربط وجود الدعوى بوجود خصومة أمام القضاء، الأمر الذی یثیر التساؤل عما إذا کانت الدعوى لا توجد إلا بعد مباشرتها، أم أنها توجد حتى قبل رفعها إلى القضاء، إذ أنه زالت صفة من نشأ له الحق فیها من دون أن یرفعها إلى القضاء انتقلت إلى خلفه. وإذا کان هذا الرأی هو المقصود، فلماذا النص فی المادة الثانیة من قانون المرافعات العراقی على أن الدعوى هی طلب شخص حقه من أخر أمام القضاء، وهذا یعنی أن الدعوى لا توجد إلا فی حالة عرضها على القضاء.
ولذا فإن مشکلة البحث تکمن فی صدور أحکام قضائیة متناقضة عن القضاء العراقی فی موضوع انتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف، ذلک لأن المشرع العراقی وإن کان قد تناول بالتنظیم الحق فیها بسبب الوفاة فی حالة استعمال من نشأ له الحق فیها فی اثناء حیاته، أی فی حالة قیام من نشأ له الحق فیها برفعها قبل وفاته، إلا أنه لم ینظم شروط انتفال الحق فیها لوفاة فی حالة عدم استعمال من نشأ له الحق فیها حقه برفعها، أی فی حالة عدم قیام من نشأ له الحق فیها برفعها اثناء حیاته. کما أنه لم ینظم شروط انتفال الحق فیها بسبب تصرف من نشأ له الحق فیها فی الحق الموضوعی سواء قبل أو بعد رفعها من قبله، فضلاً عن أن المشرع العراقی وإن کان قد عالج انتقال الحق فی الطعن إلى الخلف بسبب وفاة من نشأ له الحق فی الطعن ،أی المحکوم علیه، إلا أنه لم یعالج حالة انتقال الحق فی الطعن إلى الخلف بسبب تصرف من نشأ له الحق فی الطعن فی الحق المتنازع علیه.
رابعاً. أسباب اختیار الموضوع وأهمیته:
إن موضوع انتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف لزوال صفة من نشأ له الحق فی الدعوى محل فراغ تشریعی فی ظل قانون المرافعات العراقی، وهو فی الوقت ذاته لم یحظ باهتمام الفقه العراقی لإیجاد الحلول المناسبة له، أما القضاء العراقی فقد صدرت عنه احکام متناقضة، ففیما یتعلق بانتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف لزوال صفة من نشأ له الحق فی الدعوى بالوفاة قبل أن یستعمل هذا الحق أی قبل رفعه للدعوى ظهر اتجاهان؛ الأول: یشترط إقامة الدعوى من الخلف إضافةً لترکة مورثه وإلا کانت الدعوى مردودة لانتفاء الصفة، أی لعدم توجه الخصومة، فالوارث لا یعد خصماً فی الدعوى على وفق هذا الاتجاه. والآخر: یشترط إقامة الدعوى من الخلف بصفته الشخصیة وإلا کانت الدعوى مردودة لانتفاء الصفة إذ لا یجوز اقامة الدعوى اضافةً للترکة لانعدام شخصیة المورث.
أما فیما یتعلق بانتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف لزوال صفة من نشأ له الحق فی الدعوى بالتصرف القانونی فی الحق الموضوعی بعد مباشرته فقد ظهر اتجاهان؛ یذهب الأول: یذهب إلى أن الخلافة الخاصة تفقد المتصرف (السلف) صفته فی الدعوى التی باشرها قبل انتقال الحق الموضوعی إلى الخلف، ویتعین على المحکمة أن تقضی برد الدعوى لتخلف شرط من شروط قبولها، إذ لا یترتب على انتقال الحق الموضوعی من السلف إلى الخلف انتقال الدعوى التی باشرها السلف إلى الخلف، ویذهب الثانی: یذهب إلى أنه بانتقال الحق الموضوعی إلى الخلف الخاص یفقد المتصرف (السلف) صفته فی الدعوى، لأن الصفة فیها هی تعبیر عن الصلة بین الشخص وموضوعها ولم یعد هناک أیة صلة بین السلف والحق المرفوعة به الدعوى لانتقاله إلى الخلف، ویتعین على المحکمة أن تقضی برد الدعوى عن السلف وتبلغ ذی الصفة، أی المتصرف إلیه (الخلف الخاص) لانتقال الحق فیها إلیه لکی یباشر بها.
فضلاً عن ذلک فإن هذا الموضوع على الرغم من أهمیته لم یلق العنایة الکافیة والدراسة التحلیلیة الواجبة من الباحثین وشراح القانون، لذا سنقوم بإبراز هذه الأهمیة عبر عرض المختلف الآراء الفقهیة وموقف التشریعات من هذا الموضوع وعرض تصور شامل لانتقال الحق فی الدعوى من السلف إلى الخلف سواءً أکان ذلک الانتقال بسبب التصرف القانونی فی الحق الموضوعی محل الحمایة أم بسبب الوفاة، لأقتراح ما نراه مناسباً من نصوص تعمل على سد النقص التشریعی الذی یکتنف هذا الموضوع حفاظاً على وحدة الأحکام القضائیة.
خامساً. منهجیة البحث:
سوف نعتمد فی دراستنا لموضوع انتقال الحق فی الدعوى على الجمع بین المنهج التحلیلی والمقارن والتطبیقی. فإعمالاً للمنهج التحلیلی سوف نقوم بتحلیل وشرح النصوص والآراء والقرارات. وشرحها سنقوم بدراسة هذا الموضوع دراسة مقارنة بین قانون المرافعات العراقی والمصری مع الإشارة إلى موقف القانون الفرنسی وبعض القوانین العربیة کلما تیسر ذلک ودعت الحاجة إلیه. ولم نقتصر فی دراستنا لهذا الموضوع على جوانبه النظریة فحسب، وإنما سنعمد إلى مزج الجانب النظری بالجانب العملی بأن نتعقب التطبیقات القضائیة بما یُتیح تسلیط الضوء على مواضع الخلل والنقص التی تعتری التنظیم التشریعی لهذا الموضوع لمعالجتنا.
سادساً. خطة البحث:
للإحاطة بالجوانب القانونیة لمشکلة البحث والإجابة عن التساؤلات المطروحة بشأنها اقتضت دراسة هذا الموضوع أن تکون خطة البحث مقسمة على مبحثین جرى تخصیص وخص الأول: لدراسة ماهیة انتقال الحق فی الدعوى المدنیة، وهو یقسم بدوره إلى ثلاثة مطالب، تناول الأول: مفهوم الدعوى المدنیة، وخصص الثانی: لمستلزمات انتقال الحق فی الدعوى المدنیة، فی حین تناول الثالث: صور انتقال الحق فی الدعوى المدنیة. اما المبحث وخص الثانی فقد تناول أحکام انتقال الحق فی الدعوى المدنیة، وقد قسمنا هذا المبحث على مطلبین، تناولنا فی الأول: موانع انتقال الحق فی الدعوى المدنیة، وخص الثانی: لآثار انتقال الحق فی الدعوى المدنیة، وانهینا بحثنا بخاتمة أوجزنا فیها أهم النتائج والتوصیات التی توصلنا إلیها عبر البحث.
المبحث الأول
ماهیة انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
المقصود بانتقال الحق فی الدعوى هو انحسار هذا الحق أو زواله عن شخص وثبوته لشخص آخر لزوال الصفة عن شخص (السلف) وثبوتها لشخص آخر (الخلف)، أی انتقالها من شخص لآخر. ولهذا فإن الحق فی الدعوى شأنه فی ذلک شأن أی مرکز قانونی آخر ینتقل بالخلافة. إذ یترتب على زوال صفة السلف انتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف بصرف النظر عما إذا کان السلف قد باشر الدعوى قبل وفاته أو تصرفه فی الحق الموضوعی أم لم یباشرها. ولذا فإن دراسة ماهیة انتقال الحق فی الدعوى المدنیة یقتضی بیان مفهوم الدعوى المدنیة وتحدید طبیعتها القانونیة بوصفها المحل الذی یرد علیه الانتقال، فضلاً عن بیان مستلزمات انتقال الحق فی الدعوى المدنیة، وهو ما نعرض له على وفق الآتی:
المطلب الاول: مــفهوم الــدعوى الــــمدنیة.
المطلب الثانی: مستلزمات انتقال الحق فی الدعوى المدنیة.
المطلب الثالث: صور انتقال الحق فی الدعوى المدنیة.
المطلب الأول
مفهوم الدعوى المدنیة
یتطلب البحث فی مفهوم الدعوى المدنیة بیان تعریفها لغةً واصطلاحاً، فضلاً عن تحدید طبیعتها القانونیة، لما لذلک من اثر فی فهم مدى قابلیتها للانتقال من السلف إلى الخلف، بوصفها المحل الذی یرد علیه الانتقال، وهو ما سنعرض له فیما یأتی:
الفـرع الأول: تعریف الـــدعوى المــدنیة.
الفرع الثانی: الطبیعة القانونیة للدعوى المدنیة.
الفرع الأول
تعریف الدعوى المدنیة
الدعوى فی اللغة العربیة اسم مصدر من ادعى شیئاً، إذ زعم أن له حقاً أو باطلاً، ولها فی اللغة العربیة إطلاقات متعددة، منها الحقیقی، ومنها المجازی، ولعل معظمها یرجع إلى معنى واحد هو: (الطلب). أما الدعوى فی اصطلاح الفقه الإسلامی؛ فهی: "قول مقبول عند القاضی یقصد به قائله طلب حق معلوم قبل غیره حال المنازعة أو دفعه عن حق نفسه"، أو هی "أخبار عن وجوب حق للمخبر على غیره عند حاکم لیلزمه به". وعرفت المادة (1613) من مجلة الأحکام العدلیة الدعوى بأنها: "طلب إنسان حقاً على غیره لدى الحاکم".
أما فی الاصطلاح القانونی؛ نجد أن المشرع العراقی قد عرفها بأنها: "طلب شخص حقه من آخر أمام القاضی". ویؤخذ على هذا التعریف أنه لا یمیز بین الدعوى والطلب القضائی أو المطالبة القضائیة، فالدعوى وسیلة قانونیة للحصول على حمایة القضاء للحقوق الموضوعیة، فی حین الطلب القضائی الإجراء الذی تقدم به الدعوى إلى القضاء ویترجم به الشخص عملیاً حقه فی الدعوى. والدعوى سابقة فی وجودها على المطالبة القضائیة، فهی وسیلة لحمایة الحق توجد دائماً سواء لجأ الشخص إلى القضاء أم لم یلجأ إلیه، بخلاف المطالبة القضائیة فهی لا توجد إلا بتقدیم طلب تبدأ به الخصومة القضائیة. فضلاً عن أنه یشترط لصحة المطالبة القضائیةأن تتوفر فیها الشروط الشکلیة التی نص علیها القانون، فی حین یشترط القانون فی الدعوى شروطاً مختلفة لقبولها تتمثل بالأهلیة والصفة والمصلحة، ولهذا الاختلاف بین الدعوى والمطالبة القضائیة آثاره التی تترتب علیه، فلا تلازم بین الدعوى والطلب، فقد تکون المطالبة القضائیة صحیحة فی ذاتها من دون أن تکون الدعوى مقبولة لتخلف شرط من شروط قبولها، والعکس صحیح فقد تبطل عریضة الدعوى –أی الطلب- لعدم استیفائها للشروط المطلوبة من دون أن یؤثر ذلک فی حق الشخص فی الدعوى، ومن ناحیة أخیرة یترتب على تخلف شروط المطالبة القضائیة إبطال عریضة الدعوى، فی حین یترتب على تخلف شروط قبول الدعوى عدم قبولها، أی ردها.
أما بالنسبة لموقف التشریعات المقارنة من تعریف الدعوى؛ فقد عرفها المشرع اللبنانی بأنها: (الحق الذی یعود لکل ذی مطلب بأن یتقدم به إلى القضاء للحکم له بموضوعه)، أما المشرع المصری فإنه لم یورد فی قانون المرافعات المدنیة والتجاریة تعریفاً لها، بخلاف المشرع الفرنسی الذی عرفها فی المادة (30) من قانون المرافعات الفرنسی بأنها: "حق مقدم الإدعاء فی أن یسمع القاضی موضوع إدعائه، لیبت فی صحة أو عدم صحة هذا الادعاء، وبالنسبة للخصم فالدعوى هی حقه فی مناقشة صحة هذا الادعاء". ویلحظ على هذا التعریف أن المشرع الفرنسی میز بین الدعوى والحق الموضوعی، وعَدَّ الدعوى حقاً إجرائیاًمستقلاً عن الحق الموضوعی، فهی حق للمدعی فی سماع دعواه، وحق للمدعى علیه فی مناقشة الإدعاء.
أما فی الاصطلاح الفقهی؛ فقد عُرِفَتْ الدعوى بأنها: (الحق فی الحمایة القضائیة)، وعُرِفَت بأنها: (إدعاء قانونی معین یطلب من القاضی الفصل فیه). وعرفها جانب آخر من الفقه بأنها: (وسیلة قانونیة یمکن بواسطتها الالتجاء إلى المحاکم للحصول على إقرار بالحق أو حمایته، شأنها فی ذلک شأن الوسائل القانونیة الأخرى کطرق التنفیذ والحق فی الحبس). فی حین یرى فریق آخر –وهو ما نرجحه- أن (الدعوى هی حق إجرائی مصدره قانون المرافعات).
یتضح مما تقدم بأن الدعوى ما هی الا وسیلة (حق إجرائی) من وسائل الحمایة القضائیة للحقوق والمراکز القانونیة الموضوعیة، تثبت لکل من تتوفر لدیه شروط قبول طلب هذه الحمایة. وهذا یعنی أن الدعوى تستقل عن الحق الموضوعی، لأن الأخیر مصدره القانون الموضوعی فی حین أن الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً مصدره قانون المرافعات، لذا لا یشترط لوجود الحق فی الدعوى وجود حق موضوعی، لأن التأکد من وجود أو عدم وجود هذا الحق لن یتأتى إلا بعد الفصل فی موضوع الدعوى. لذا یمکن أن نتصور وجود دعاوى لا تستند إلى حق موضوعی کدعاوى الحیازة.
الفرع الثانی
الطبیعة القانونیة للحق فی الدعوى المدنیة
إذا کان الرأی قد استقرعلى أن الدعوى حقاً ولیست واجباً، فإن الفقهاء اختلفوا فی تحدید طبیعة هذا الحق، فقد ذهب فریق منهم إلى أن الحق فی الدعوى هو ذاته الحق الموضوعی المطلوب حمایته متحرکاً إلى القضاء، فالدعوى هی قوة الحق الکامنة فی دور العمل. فلا یمکن – على وفق هذا الاتجاه - تصور وجود حق موضوعی من دون دعوى تحمیه، وفی الوقت نفسه لا توجد دعوى من دون حق تستند إلیه، وأنه لا یمکن تصور نشأة دعوى قبل وجود الحق الذی تحمیه ولا یمکن تصور بقاءها قائمة بعد انقضائه، وأن محل الحق أو موضوعه هو ذاته محل الدعوى، فضلاً عن اتسام الدعوى بذات الأوصاف التی یتسم بها الحق الموضوعی الذی تحمیه فتکون عینیة أو شخصیة تبعا لذات الحق الموضوعی، وتتبعه فی طبیعته بحیث تعتبر عقاریة متى تعلقت بحق عینی على عقار وتعد منقولة فی غیر ذلک من الحالات، کذلک الحال بالنسبة إلى الدعاوى التی تقبل التجزئة والدعاوى التی لا تقبل ذلک، وفیما إذا کانت تتصل بشخص المدعی ولا تقبل الانتقال، أم لا تتصل به وتکون قابلة للانتقال إلى الخلف تبعاً لصفة الحق الموضوعی وطبیعته، فضلا عن أن لکل حق دعوى واحدة مهما کان مصدره، وأن الدعاوى شأنها شأن الحقوق الموضوعیة لا یمکن حصرها بعدد معین.
فی حین ذهب فریق آخر إلى أن الدعوى لیست حقاً منفصلاً أو مستقلاً عن الحق الذی تحمیه وفی الوقت نفسه هی لیست الحق ذاته الذی تحمیه متحرکاً إلى القضاء، بل هی عنصر من عناصره، لأنه الحق على وفق هذا الاتجاه مصلحة مادیة أو أدبیة یقرها القانون ویحمیها، فعنصرا الحق هما المصلحة والحمایة، ولذا فان الدعوى تدور وجوداً وعدماً مع الحق، لأنها جزء لا یتجزأ من الحق الموضوعی الذی تحمیه، ولذا فإن الحق الموضوعی لا یکتمل وجوده بغیر الدعوى، أی لا یکتمل إلا إذا کان لصاحبه سلطة الالتجاء إلى القضاء للذود عنه. وإذا کانت للدعوى مظاهر تختلف عن مظاهر الحق الموضوعی، فانه یجب أن لا نستبعد ما بینهما من ارتباط فالحق یرتکز على الدعوى لأنها تعبیر عن الحمایة التی تعد جزءا من الحق نفسه، ولکن الحق لیس کل شیء فی الدعوى، فلکل من الدعوى والحق نطاقه المستقل على الرغم من أن فکرة الحق متصلة بالدعوى اتصالاً وثیقاً لا سبیل إلى إنکاره ولکنها منفصلة عنه فی الوقت نفسه انفصالاً لا یمکن فی الواقع تجاهله، فالحق فکرة موضوعیة والدعوى فکرة إجرائیة ولکنهما یرتبطان ارتباط النتیجـة بالسبب.
إلا أن الفقه الإجرائی استقر على أن الحق فی الدعوى هو حق إجرائی مستقل عن الحق الموضوعی، وان الحق الموضوعی ما هو إلا حق مفترض قانوناً لوجود الحق فیها، وأن استعمال الشخص للحق فیها لا علاقة له بوجود أو عدم وجود الحق الموضوعی، إذ قد یکون للشخص حق موضوعی ولا یکون له حق إجرائی، وقد یکون له حق إجرائی من دون أن یکون له حق موضوعی.
فالحق فی الدعوى بوصفه حقاً إجرائیاً یختلف عن الحق الموضوعی من ناحیة السبب، لأنه سبب الدعوى هو النزاع بین الخصوم الذی یتمثل بحالة الاعتداء على الحق أو المرکز الذی یحمیه القانون، أی الحاجة إلى الحمایة القضائیة التی یکون مصدرها القانون الإجرائی العام سواء أکان مدنیاً أم إداریا أم جنائیاً، على العکس من سبب أو مصدره الحق الموضوعی الذی قد یتمثل بالعقد أو الإرادة المنفردة أو العمل غیر المشروع (الفعل الضار) أو الإثراء بلا سبب (الفعل النافع) أو نص القانون التی ینظمها القانون الموضوعی . کما وقد لا یتفق أشخاص الحق فی الدعوى مع أشخاص الحق الموضوعی بشکل دائم، فحق الملکیة یعد حقاً للمالک فی مواجهة الکافة، فی حین دعوى الملکیة - بوصفها حقاً إجرائیاً - ترفع فی مواجهة شخص معین هو المعتدی على هذا الحق، وکذلک فان المدعی فی دعوى المطالبة بالدین قد یکون شخصا آخر غیر الدائن، کما هو الحال فی الدعوى غیر المباشرة حیث یرفعها دائن الدائن، والدعاوى التی یباشرها الولی أو الوصی أو القیم فیما یتعلق بالصغیر أو القاصر أو المحجور. وأن استعمال الحق فی الدعوى منوط بتوفر شروط معینة حددها القانون، وهو ما یلزم توفرها وقت استعمال الحق فی الدعوى، إذ أن التشریعات الإجرائیة لا تعرف الاستعمال المؤبد للحق فی الدعوى کما هی الحال فی دعاوى الحیازة وغیرها من الحقوق الإجرائیة، فالقاصر أو عدیم الأهلیة مثلا قد یکتسب حقاً موضوعیاً، کما لو ورث مالاً أو أوصى له بعقار، ولکنه لا یملک المقاضاة للذود عنه، لان رفع الدعوى یستلزم توافر الأهلیة، أی أن الأهلیة شـرط للحق فی الدعوى ولیست شرطاً للحـق الموضوعی. فضلاً عن أن الحق فی الدعوى لیس غایة فی ذاته بل هو مجرد وسیلة قانونیة لتمکین الخصم صاحب الحق الموضوعی من الحصول على الحمایة القضائیة التی یمنحها المشرع لحمایة تلک الحقوق. ویتمیز الحق فی الدعوى من الحق الموضوعی من حیث الآثار القانونیة المترتبة علیه، إذ یُکْسِبْ الحکم الصادر فی الدعوى الحق الموضوعی قوة جدیدة لم تکن له فی السابق، فیصبح للخصم الذی حصل على الحکم أن یلاحق تنفیذه لدى دوائر التنفیذ عند الاقتضاء، فضلا عن أن الدعوى تؤکد هذا الحق بحجیة الحکم الصادر فیها، فعلى الرغم من ثبوت حق الدائن فإنه لا یمکن له أن ینفذ على أموال المدین إلا إذا استصدر حکما یلزم المدین بالأداء – وهو ما لا یتسنى إلا برفع الدعوى – فالدعوى إذاً تزود الحق بقوة لم تکن له من قبل، إذ یمکن أن یقال أن اثر الحق قبل الدعوى اضعف من أثره بعدها، فالدعوى تضیف شیئا إلى الحق لم یکن فیه، فلا یمکن القول أن اثر الدعوى هو نفسه الأثر الأصلی للحق ذاته. وقد یوجد الحق الموضوعی دون أن یکون هناک دعوى تحمیه کما فی الالتزام الطبیعی، فالدائن لا یملک فی هذه الحالة المطالبة بحقه إلا أن ذلک لا ینفی أن له حقاً – وان کان ناقصاً – بدلیل أن المدین إذا أوفى بالتزامه من تلقاء نفسه، فلا یمکن أن یقال أن الدائن قد تلقى منه تبرعاً، وإنما ما یقال عندئذ هو أن الدائن قد استوفى منه (حقه)، لذا فلا یمکن القول أن انتفاء الدعوى یؤدی إلى انتفاء الحق. کما أنه قد یوجد الحق فی الدعوى من دون أن یکون هناک حق موضوعی، کما فی دعاوى الحیازة إذ یتمسک المدعی بمرکز واقعی لیس له فیه أی حق قانونی موضوعی.
لذا یتضح أن الدعوى تعد حقاً إجرائیاً یتولى قانون المرافعات تنظیمه عبر تحدید شروط وجوده، ولیس من بینها وجود الحق الموضوعی، لأن التحقق من ذلک لا یتم إلا بعد الفصل فی موضوع الدعوى. وبتوفر شروط الحق فی الدعوى یکون للمدعی الحق فی نظر دعواه، ولکن لیس معنى هذا صدور حکم فی موضوع الدعوى لصالحه، وإنما قد یصدر فی غیر صالحه، وبدل هذا دلیل على استقلال الحق فی الدعوى عن الحق الموضوعی. ویترتب على اعتبار الدعوى حقاً إجرائیاً مستقلاً عن الحق الموضوعی الذی تحمیه مجموعة من النتائج نعرضها على النحو الآتی:
- إن الدعوى المدنیة حقاً ولیست واجباً: الدعوى لیست واجباً على مَنْ یعتدى على حقه، بل هی حق مقرر لصاحب الحق المعتدى علیه وله أن یقرر مباشرة الدعوى أو عدم مباشرتها. إذ بإمکانه أن یعزف عنها ویقرر عدم استعمالها لاعتبارات عدیدة یقدرها هو بنفسه، إما تجنباً لإضاعة الوقت والجهد، وإما لعدم قدرته على تحمل مصاریف التقاضی أو لکون المصاریف التی سیتکبدها لا تتناسب مع ما یعود علیة من رفع الدعوى، أو یقرر الاتفاق مع خصمه على وسیله أخرى یحصل بها منه على حقه فیسلک سبیل الصلح أو التنازل عن حقه.
- الدعوى حقاً یمکن التنازل عنه: فکما أن للمدعی الحق فی إقامة الدعوى أو عدم إقامتها، فإن له الحق بالتنازل عنها على وفق الضوابط التی ینص علیها القانون. فالدعوى تعد حقاً إجرائیاً ولذا فإن التنازل عن الدعوى جائز لأنه تنازل عن حق إجرائی شأنه فی ذلک شأن التنازل عن حق موضوعی. ویعد التنازل عن الحق الموضوعی تنازلاً عن الدعوى التی کانت مرصودة لحمایته
- الدعوى حقاً یقبل الانتقال: نظراً لکون الدعوى حقاً إجرائیاً، فإنها تکون قابلة للانتقال،ویحدث هذا الانتقال فی جانبها السلبی والإیجابی (عندما تکون قابلة للانتقال) على وفق القواعد القانونیة التی تتناسب مع طبیعتها باعتبارها حقاً ذا طبیعة إجرائیة، فبالنسبة إلى الورثة لا ینتقل إلیهم الحق فی الدعوى بوصفهم خلفاً عاماً للمورث إلا بعد وفاة مورثهم، فقد تتوافر لهم المصلحة کأحد شروط قبول الدعوى فی أثناء حیاة مورثهم، ومع ذلک لا تتوفر لهم الصفة (قبل وفاته) لکونهم ورثة محتملین، أما فی حالة وفاة المورث بعد تحقق سبب الدعوى، أی بعد وقوع الاعتداء أو التهدید أو الإنکار للحق أو المرکز القانونی (فی أثناء حیاته) أی بعد نشأة الحق فیها، فإن الورثة یخلفون مورثهم فی الحق فی الدعوى ویصبحوا هم أصحاب الحق فی إزالة ما وقع على مورثهم من ضرر أو توقیه بصرف النظر عن مباشرة أو عدم مباشرة المورث للدعوى طالما توافرت لهم الشروط التی یتطلبها القانون، وینطبق الحکم نفسه على الخلف الخاص (کالمشتری)، فلا تکون له صفة فی الدعوى قبل انتقال الحق الموضوعی إلیه وإن کانت له مصلحة فیها قبل ذلک.
المطلب الثانی
مستلزمات انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
لابد لانتقال الحق فی الدعوى المدنیة من السلف إلى الخلف أن تتوفر أرکانه فضلاً عن شروط إعماله، وهو ما سنبحثه على وفق الآتی:
الفرع الأول: أرکان انتقال الحق فی الدعوى المدنیة.
الفرع الثانی: شروط انتقال الحق فی الدعوى المدنیة.
الفرع الأول
أرکان انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
لا یتحقق انتقال الحق فی الدعوى إلا بتوفر ثلاثة أرکان أساسیة لا یغنی توفر أحداها عن الآخرین، وسنعرض لهذه الأرکان على وفق الآتی:
- ثبوت الحق فی الدعوى للسلف:
یجب التأکد ابتداءً من ثبوت الحق فی الدعوى للسلف عبر ثبوت الصفة له، لنتمکن من الحدیث عن انتقال الحق فی الدعوى، إذ لا یصح الحدیث عنه إذا لم تکن الصفة قد ثبتت ابتداءً للسلف، فالشخص یکتسب وصف الخصم بتوفر الصفة فی طلب الحمایة القضائیة وهی مرحلة سابقة على المطالبة القضائیة، لأنه المشرع عندما یحدد الحقوق والمراکز القانونیة التی یرید حمایتها، فأنه یحدد الأشخاص الذین یحق لهم طلب هذه الحمایة، وهذا ما یمیز انتقال الحق فی الدعوى من تصحیح الدعوى باختصام ذی الصفة، فإذا کانت الدعوى قد رفعت على غیر ذی صفة، أی کانت الخصومة غیر متوجهه، فبدلاً من عدم قبول الدعوى أجازت بعض التشریعات تأجیلها وتبلیغ ذی الصفة، وذلک تبسیطاً للإجراءات ومراعاةً من المشرع للمدعی الذی قد یصعب علیه تحدید صاحب الصفة فی الدعوى (المدعى علیه)، فضلاً عن أن تصحیح الصفة قد یأخذ صورة الإکمال، فی الفرض الذی یجب فیه اختصام أشخاص معینین فی الدعوى، کما هی الحال فی دعوى الشفعة، فإذا أغفل المدعی اختصام أی منهم جاز له إکمال الصفة المطلوبة لقبول الدعوى باختصام من أغفل اختصامه متى راعى فی ذلک المقتضیات القانونیة، ففی حالات التصحیح هذه فإننا لا نکون أمام صورة من صور انتقال الحق فی الدعوى عبر الخلافة فی الصفة، لأنه فی التصحیح یُختَصم الشخص الذی کان یجب اختصامه ابتداءً ویخرج من الدعوى من کان اختصامه خاطئً ولم تثبت له الصفة من الأساس، ولهذا فإن التصحیح – على عکس الخلافة – لیس له أثر رجعی، ولا تعد الدعوى قد استقامت إلا من وقت تصحیحها باختصام صاحب الصفة.
إذن یجب ابتداءً التأکد من ثبوت الصفة الموضوعیة العادیة لأطراف الحق الموضوعی المدعى به حتى نستطیع الحدیث عن انتقال الحق فی الدعوى، ویتطلب هذا أن ترفع الدعوى من ذی صفة على ذی صفة، بمعنى أن الدعوى یجب أن تتم بمعرفة صاحب الحق المعتدى علیه قبل الشخص الذی اعتدى على هذا الحق، أی أن الدعوى تنسب إیجاباً لصاحب الحق فی الدعوى، وسلباً لمن یوجد الحق فی الدعوى لمواجهته، ویعنی هذا أن الصفة الموضوعیة تتوفر لکل من یدعی استحقاقه لطلب الحمایة القضائیة نتیجة الاعتداء على حق أو مرکز قانونی یحمیه القانون. ولذا فإن کل من تثبت له الصفة الموضوعیة فی طلب الحمایة القضائیة یثبت له الحق فی الدعوى.
- انقضاء الحق فی الدعوى عن السلف:
ینقضی الحق فی الدعوى عن السلف بزوال صفته، إذ تزول الصفة عن السلف بوفاة الشخص الطبیعی، أو بإنقضاء الشخصیة القانونیة للشخص المعنوی لأی سبب من الأسباب کحل الجمعیة، أو تصفیة الشرکة أو تقسیمها أو اندماجها فی غیرها، کما تزول الصفة بتصرف السلف فی الحق المتنازع علیه، ویعتبر الغیر (المشتری مثلاً) خلفاً للخصم المتصرف فی خصوص الحق المتصرف فیه.
ولذا لا نکون أمام حالة من حالات انتقال الحق فی الدعوى إذا کان الواقع هو إکتساب شخص للصفة فی مباشرة إجراءات الخصومة مع بقاء هذه الصفة ثابتة لمن کانت له، فإذا کان الخصم قد باشر فی البدایة إجراءات الخصومة بنفسه، ثم عین له بعد ذلک محامیاً، فتوکیل المحامی لا یسلب عن الخصم الأصیل حق مباشرة الدعوى، فلا تعتبر هذه الحالة صورة من صور انتقال الحق فی الدعوى، لأن هذه الصفة ما زالت ثابتة للخصم وتعد على الرغم من إشتراک غیره فی الخصومة.
- انتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف:
ینتقل الحق فی الدعوى إلى الخلف لزوال صفة السلف وثبوتها للخلف تبعاً لانتقال الحق الموضوعی إلیه من السلف. فإذا ثبتت الصفة الموضوعیة للسلف بحصول الاعتداء على الحق أو المرکز القانونی ثم زالت عنه بسبب الوفاة أو التصرف فی الحق المتنازع فیه انتقل الحق فی الدعوى إلى الخلف تبعاً لانتقال الصفة إلیه من السلف، إذ تنتقل الصفة الموضوعیة إلى الخلف تبعاً لانتقال الحق المتنازع فیه إلیه من السلف، وینتقل الحق فی الدعوى تبعاً لانتقال الصفة الموضوعیة من الشخص الاعتباری المنقضی إلى الشخص الاعتباری الجدید الذی حل محله نتیجة اندماج شخص اعتباری فی شخص آخر.
ولذا لا نکون أمام حالة من حالات انتقال الحق فی الدعوى إذا کان کل ما حدث هو انحسار الصفة عن شخص لسبب ما وثبوتها له لسبب آخر مرة أخرى، فقد تنتهی الوکالة بالخصومة لفقدانه الخصم لأهلیة التقاضی بالحجر علیه ولکنها تثبت مرة أخرى للمحامی نفسه بموجب توکیل صادر من القیم الذی تم تعیینه لتمثیل المحجور علیه، وفضلاً عن ذلک فقد تنتهی صفة الولی فی النیابة عن القاصر ببلوغ هذا الأخیر سن الرشد، وعلى الرغم من ذلک یوکل الخصم الذی بلغ سن الرشد من کان ولیاً علیه من قبل لیکمل مباشرة الإجراءات، ففی مثل هذه الحالات لم یحدث انتقال للحق فی الدعوى، لأنها لم تنتقل من شخص لآخر، وإنما ما حدث هو تغییر فی الصفة فحسب، ففی الحالة الأولى تکون صفة المحامی فی مباشرة الإجراءات ثابتة له بموجب توکیل صادر من قبل القیم على الخصم بعد أن کانت ثابتة له بموجب توکیل صادر من الخصم نفسه، وفی الحالة الثانیة تکون صفة من کان ولیاً على الخصم القاصر ثابتة بموجب وکالة إتفاقیة صادرة له ممن بلغ سن الرشد بعد أن کانت ثابتة له بمقتضى القانون.
الفرع الثانی
شروط انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
تتنوع شروط انتقال الحق فی الدعوى إلى شروط تتعلق بالسلف، وبالخلف، وبمحل الدعوى وهو ما سنعرض له على وفق الآتی:
أولاً. الشروط المتعلقة بصاحب الحق فی الدعوى (السلف):
- إن ینشأ الحق فی الدعوى قبل زوال صفة السلف بوفاته أو بتصرفه بالحق الموضوعی محل الحمایة القضائیة، وینشأ الحق فی الدعوى بوقوع الاعتداء أو التهدید بالاعتداء على الحق أو المرکز الموضوعی. وبوقوع الاعتداء أو التهدید أو الانکار للحق أو المرکز الموضوعی ینشأ لصاحبه الحق فی ازالة هذا الاعتداء أو توقیه، أی ینشأ له الحق فی الدعوى.
- أن تتوفر الشروط التی یتطلبها القانون لوجود الحق فی الدعوى، وهذه الشروط تتمثل بالمصلحة والصفة والأهلیة. لأن الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً، فإنها لا توجد إلا لمن توافرت له شروطها القانونیة، أما رفعها أو عدم رفعها إلى القضاء فلا یعد شرطاً لوجودها. ولذا فإن قابلیة الدعوى للانتقال من السلف إلى الخلف لا یتوقف على استعمال السلف للدعوى قبل زوال صفته بالوفاة أو بالتصرف القانونی فی الحق الموضوعی، لأن الحق فی الدعوى حق إجرائی قابل للانتقال سواء زالت صفة من نشأ له الحق فی الدعوى قبل أو بعد رفعه للدعوى.
- أن ینتفی أی مانع من موانع وجود الحق فی الدعوى، فیجب مثلاً الا یکون قد فصل فی موضوع الدعوى بحکم سابق احتراماً لمبدأ حجیة الأحکام، إذ لا یجوز رفع الدعوى إلا مرة واحدة، فإذا رفعت مرة ثانیة حکم بردها لسبق الفصل فیها، لأنه حجیة الأحکام تعد من القرائن القانونیة القاطعة التی لا تقبل إثبات العکس((، فضلاً عن أن حجیة الأحکام تتعلق بالنظام العام لذا یتعین على المحکمة أن تقضی بعدم قبول الدعوى من تلقاء نفسها لسبق الفصل فیها، ویجوز للخصوم التمسک بسبق الفصل فی الدعوى فی أی دور من ادوار المحاکمة حتى ولو کان ذلک لأول مرة أمام محکمة التمییز. ویشترط لانتقال الحق فی الدعوى أن لا یکون السلف قد تنازل عن الحق أو المرکز الموضوعی محل الدعوى، وأن لا یکون قد اتفق على التحکیم أو الصلح بشأن الدعوى. ویشترط لانتقال الحق فی الدعوى بوصفه حقاً إجرائیاً أن یستعمل عبر مدة معینة، لأن هذا الحق یسقط بمرور الزمان المانع من سماع الدعوى إذا لم یستعمل عبر المدة المحددة له فی القانون، وهی کقاعدة عامة خمسة عشر سنة، تبدأ من تاریخ نشأة الحق فی الدعوى، أی من تاریخ الاعتداء أو التهدید بالاعتداء على الحق أو المرکز الموضوعی، ولیس من تاریخ نشأة الحق الموضوعی، لأنه الذی ینقضی بمرور الزمان هو الحق الإجرائی (الدعوى) ولیس الحق أو المرکز الموضوعی.
یتضح مما تقدم أن الحق فی الدعوى إذا نشأ للسلف وتوفرت شروط قبول الدعوى ولم یتحقق أی مانع من موانع قبولها، ثم زالت صفة السلف بالوفاة أو بالتصرف فی الحق الموضوعی، فأن الحق فی الدعوى ینتقل إلى الخلف بصرف النظر عن استعمال أو عدم استعمال السلف لحقه فی الدعوى، لان رفع الدعوى لا یعد مفترضاً لوجودها أو شرطاً من شروط قبولها.
ثانیاً. الشروط المتعلقة بالخلف:
لکی ینتقل الحق فی الدعوى إلى الخلف، یشترط فضلاً عن الشروط القانونیة السابق ذکرها بالنسبة إلى السلف، أن تثبت لمن ینتقل إلیه الحق فی الدعوى صفة الخلف.
وتثبت له هذه الصفة بوفاة المورث وتحقق شروط المیراث أو أسبابه وعدم وجود مانع من موانع المیراث، إذ یصبح خلفاً عاماً یخلف مورثه فی عناصر ذمته المالیة ومن بینها الحق أو المرکز الموضوعی المتنازع علیه، الذی یتمثل فی محل الدعوى، وفی حالة قابلیة هذا المحل للانتقال تتوافر للخلف (الوارث) الصفة فی الدعوى، وبتوفر هذه الصفة یستطیع الخلف رفع الدعوى التی نشأة لمورثه أو الاستمرار فی الدعوى التی باشرها مورثه. وتطبیقاً لذلک قضت محکمة التمییز بما یأتی: ( إن اتجاه محکمة الموضوع إلى ثبوت حق الورثة بأجر المثل من تاریخ انتقال الحقوق التصرفیة إلیهم بعد موت مورثهم اتجاه غیر صحیح، ذلک أن الوارث والمورث بحکم الشخص الواحد، فإذا ترتب حق للمورث ولم یستوفه حال حیاته ولم یسقطه بوجه قانونی فینتقل الحق للورثة، وحیث أن المحکمة أصدرت حکمها خلاف ما تقدم مما أخل بصحته لذا قرر نقضه). وقضت بأن: ( دعوى التخلیة المقامة على ورثة المستأجر الذی لم یجدد العقد صحیحة وإن لم تقم اضافةً للترکة لأن أثر العقد ینصرف إلى المتعاقدین والخلف العام دون الاخلال بقواعد المیراث ولیس فی العقد ولا فی وقائع الدعوى ما یمنع انصراف أثر العقد إلى الورثة).
وتثبت له هذه الصفة عندما یتلقى من سلفه ملکیة شیء معین بالذات أو حقاً عینیاً على هذا الشیء، إذ یصبح خلفاً خاصاً یخلف سلفه فی الشیء الذی انتقل إلیه کالمشتری الذی یعد خلفاً خاصاً للبائع والموهوب له الذی یعد خلفاً خاصاً للواهب والمرتهن الذی یعد خلفاً خاصاً للراهن، وبتوافر هذه الصفة مع توافر بقیة الشروط التی یتطلبها القانون ینتقل الحق فی الدعوى إلى الخلف. وتطبیقاً لذلک قضت محکمة التمییز بما یأتی: (... ولدى التدقیق والمداولة وجد أن المدعی کان قد اشترى الدار المرقمة ... وهی مستأجرة من قبل المدعى علیه، ثم حصل المدعی (المشتری) على حکم یقضی بالزام المدعى علیه (المستأجر) بإخلاء المأجور، وتبین أن المدعى علیه قد أحدث أضراراً بالدار المذکورة انفاً، فأقام المدعی هذه الدعوى مطالباً ایاه بالتعویض عنها، فدفع المدعى علیه بأن الأضرار حصلت عندما کانت الدار مملوکة للبائع وهو المالک الأول الذی استأجر منه الدار، ومن ثم فالحق فی المطالبة بالتعویض إنما یعود للبائع المالک الأول. وقد رفضت محکمة الموضوع هذا الدفع على اساس أن المدعی یعد خلفاً خاصاً للمالک السابق وقد انتقلت الیه جمیع الحقوق والالتزامات التی تخص المالک السابق، لذا یکون الحکم الممیز بالنظر إلى ما استند إلیه من أسباب صحیح وموافق للقانون قرر تصدیقه ورد الاعتراضات التمییزیة وتحمیل الممیز رسم التمییز وصدر القرار بالاتفاق).
یتضح من هذا القرار أن الحق فی الدعوى الذی نشأ للسلف (البائع) انتقل إلى الخلف الخاص (المشتری) على الرغم من أن السلف لم یستعمل حقه فی الدعوى قبل زوال صفته بالتصرف فی الحق الموضوعی.
ثالثا. الشروط المتعلقة بمحل الدعوى:
یتوقف وجود الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً على توفر شروطها القانونیة، فإذا توفرت تلک الشروط ونشأ الحق فیها بوقوع الاعتداء أو التهدید بالاعتداء على الحق أو المرکز الموضوعی، فإنها تقبل الانتقال من السلف إلى الخلف بصرف النظر عن استعمالها أو عدم استعمالها من قبل السلف، لأن رفعها إلى القضاء لا یعد شرطاً لوجودها أو لنشأة الحق فیها.
ولکن فی بعض الأحیان ینشأ الحق فی الدعوى للسلف وعلى الرغم من ذلک لا ینتقل إلى الخلف، کما قد یباشر السلف الدعوى قبل زوال صفته بالوفاة أو بالتصرف فی الحق الموضوعی وعلى الرغم من ذلک تنقضی ویکون مصیرها الرد ولا تنتقل إلى الخلف عاماً کان أو خاصاً، ویرجع السبب فی ذلک إلى أن محل الدعوى قد یکون عبارة عن حق أو مرکز لا یقبل الانتقال لارتباطه بشخص من تقرر له، أو لکونه حق غیر مالی أو حق من حقوق الشخصیة. وإذا کان محل الدعوى أو موضوعها هو ما یطلبه المدعی فی دعواه، وتهدف الدعوى إلى تحقیقه فإن هذا المحل یکون هو الأساس فی تحدید قابلیة الدعوى للانتقال من عدمه، فإذا کان محل الدعوى عبارة عن حق أو مرکز یقبل الانتقال، انتقلت الدعوى المتعلقة به إلى الخلف، أما إذا کان محل الدعوى عبارة عن حق أو مرکز روعی فی ثبوته شخص السلف فإن هذا الحق أو المرکز ینقضی بزوال صفة صاحبه، وبالتبعیة ینقضی حق الدعوى الذی یتعلق به.
المطلب الثالث
صور انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
یتخذ انتقال الحق فی الدعوى المدنیة صور عدیدة إلا أن أهمها هو انتقال الدعوى بسبب الوفاة وانتقالها بسبب التصرف القانونی الذی یرد على الحق محل الدعوى، إذ بموجبهما تزول الصفة عن السلف وتثبت للخلف سواءً أکان خلفاً عاماً أم خاصاً، وهو ما یدعونا إلى أن نعرض هذا المطلب على وفق الآتی:
الفرع الأول: انتقال الحق فی الدعوى بســبب الــوفاة.
الفرع الثانی: انتقال الحق فی الدعوى بسبب التصرف القانونی.
الفرع الأول
انتقال الحق فی الدعوى بسبب الوفاة
لا یتحقق انتقال الحق فی الدعوى فی هذا الفرض بالنسبة للشخص الطبیعی إلا بالوفاة (حقیقةً أو حکماً)، فبوفاة الشخص تنتقل جمیع حقوقه المالیة إلى ورثته، ویعنی هذا أن الوارث یقوم مقام المورث فی جمیع حقوقه ومنها الحق فی الدعوى.
فإذا توفى المورث قبل رفع دعواه، فإن الدعوى تنتقل إلى الوارث ویستطیع رفعها بوصفها دعوى نشأت لمورثه، لأن رفعها من قبل من نشأت له لا یعد شرطاً لوجودها أو لانتقالها بسبب الوفاة، ولکن یشترط لانتقال الحق فی الدعوى إلى الوارث، أن ینشأ الحق فی الدعوى للمورث مستوفیاً للشروط والارکان التی تطرقنا إلیها آنفاً، وأن تکون الدعوى من الدعاوى التی تقبل الانتقال بسبب الوفاة، أی أن یکون موضوعها حقاً من الحقوق الموضوعیة التی تقبل الانتقال أو الخلافة، لأنه إذا تعلق الأمر بحق من الحقوق المتعلقة بشخص المتوفى أو من الحقوق الملحقة بحقوق الشخصیة، کالحق فی السمعة أو فی الشرف أو فی الحیاة، فإنه لن ینتقل إلى الورثة ومن ثم لن ینتقل إلیهم الحق فی الدعوى المخصصة لحمایته وإنما ینقضی بوفاته.
کما لا خلاف على أنه إذا توفى الخصم فی أثناء سیر الخصومة التی تتعلق بحق من الحقوق الموضوعیة القابلة للانتقال، خلفه ورثته فی هذه الخصومة وأصبح للخلف الصفة ذاتها التی کانت لسلفه ومن ثم؛ ینتقل الحق فی الدعوى إلیهم، ولهذا جعل المشرع وفاة الخصم سبباً لإنقطاع الخصومة، حمایةً لورثة المتوفى الذین خلفوه فی الخصومة حتى لا تتخذ الإجراءات بغیر علمهم ویصدر الحکم ضدهم فی غفلة منهم من دون أن یتمکنوا من استعمال حقهم فی الدفاع. فإذا توفى الخصم فی أثناء نظر الدعوى وانقطعت الخصومة وکان موضوع الدعوى مما یتعلق بحق من الحقوق الموضوعیة التی یجوز انتقالها إلى الورثة، فإن الورثة یخلفون مورثهم فی الخصومة بعد تبلیغهم، فیزول سبب إنقطاع الخصومة وینتقل إلیهم الحق فی الدعوى وتصبح لهم ذات الصفة التی کانت ثابتة لمورثهم.
ولکی یخلف الوارث مورثه فی الخصومة التی کان الأخیر طرفاً فیها، فإنه یشترط أن یکون المدعى به فی هذه الخصومة حقاً من الحقوق الموضوعیة القابلة للانتقال، لأنه إذا تعلق الأمر بحق من الحقوق الملحقة بحقوق الشخصیة أو من الحقوق التی تتعلق بشخص المتوفى، فإنه لن ینتقل إلى الورثة، ومن ثم، لن ینتقل إلیهم حق الدعوى المتعلق به، وإنما ینقضی بموته لارتباطه بشخصه، فلا یکون هناک انتقال للحق فی الدعوى، لأنه لا یوجد أصلاً انتقال فی المرکز الموضوعی، إلا إذا کان المتوفى قد رفع بشأنه دعوى أمام القضاء قبل وفاته، کالتعویض عن الضرر الأدبی، إذ ینتقل هذا الحق إلى الورثة إذا تحدد مقدار التعویض بموجب حکم أو إتفاق، ومن ثم، ینتقل الحق فی الدعوى من السلف إلى الخلف، أما إذا کان قد توفى قبل أن یطالب به قضاءً أو یتفق على تحدیده رضاءً، فلا یحدث انتقال فی الحق الموضوعی، ومن ثم، فلا یکون هناک مجال للحدیث عن انتقال للحق فی الدعوى.
واستناداً إلى ما تقدم؛ فإن الحق فی الدعوى ینتقل إلى الخلف بوفاة السلف بصرف النظر عن مباشرة السلف للدعوى او عدم مباشرتها. ففیما یتعلق بانتقال الدعوى التی باشرها المورث قبل وفاته فإنها تنتقل إلى الوارث على النحو الذی بیناه آنفاً. أما فیما یتعلق بانتقال الدعوى التی نشأ الحق فیها للمورث قبل وفاته ولم یتمکن من رفعها، فإنها تنتقل إلى الوارث أیضاً ویستطیع رفعها بوصفها دعوى نشأت لمورثه، ولکن یتعین علیه أن یرفعها باسمه، لأن الصفة فیها انتقلت إلیه تبعاً لانتقال الحق الموضوعی، فإذا رفعها باسم المورث کانت غیر مقبولة لانتفاء صفة الأخیر بانتهاء شخصیته بالوفاة. وهذا هو اتجاه المشرع العراقی إذ نصت المادة (5) من قانون المرافعات على أنه: (یصح أن یکون أحد الورثة خصماً فی الدعوى التی تقام على المیت أو له, ولکن الخصم فی عین من أعیان الترکة هو الوارث الحائز لتلک العین).
أما بالنسبة لموقف الفقه العراقی؛ فقد ذهب جانب من الفقه وهو بصدد شرح هذه المادة إلى القول بأن القانون نصب من أحد الورثة خصماً نیابة عن الترکة، ولیس نیابة عن بقیة الورثة، لأن اقراره لا ینفذ بحق الورثة الأخرین إن لم یقروه على ذلک. ونعتقد أن هذا الرأی محل نظر، لأنه حق التقاضی لا یثبت إلا لمن اعترف له القانون بالشخصیة القانونیة طبیعیة کانت أم معنویة، والترکة لا تتمتع بالشخصیة القانونیة لکی ینوب عنها أحد الورثة. ویرى اصحاب هذا الاتجاه أن الحق فی الدعوى لا یتنقل إلى الوارث ومن ثم لیس له رفع الدعوى التی نشأة لمورثه بصفته الشخصیة وإنما یتعین علیه رفعها إضافة إلى ترکة مورثه. وهذا حسب الرأی محل نظر أیضاً، إذ لیس فی نص المادة (5) من قانون المرافعات ما یوجب اقامة الدعوى إضافةً للترکة، بل على العکس من ذلک، فقد عدة هذه المادة الوارث خصماً فی الدعاوى التی یکون للمورث فیها حقاً بذمة الغیر وفی الدعاوى التی یکون للأخیر حقاً فی ذمة المورث مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الوارث لا یلزم إلا فی حدود ما آل الیه من ترکة مورثه، وهو ما دفع أحد الباحثین إلى طلب تعدیل المادة (5) من قانون المرافعات بأن یضاف إلیها عبارة (إضافة للترکة) واقترح أن یکون نصها على وفق الآتی:( یصح أن یکون أحد الورثة خصماً فی الدعوى التی تقام على المیت أو له إضافة للترکة...).
وذهب جانب أخر من الفقه-وهو ما نرجحه- إلى القول بأن الحق فی الدعوى ینتقل إلى الورثة، ومن ثم، یصح لأحد الورثة أن یطالب بالدین جمیعه الذی للمتوفى بذمة المدین المدعى علیه، وبعد ثبوته یحکم بکل الدین للورثة جمیعهم، ولکن لیس للوارث المدعی أن یقبض إلا حصته. وأن لدائن المورث أن یقیم الدعوى على أحد الورثة، ولکن إقرار الوارث المدعى علیه لا یسری على بقیة الورثة، أی ورثة المدین، بل یلزم الوارث المدعى علیه بنسبة نصیبه من الترکة.
ولما تقدم؛ فإن الحق فی الدعوى ینتقل إلى الوارث بمجرد وفاة المورث، ومن ثم؛ یستطیع الوارث رفع الدعوى التی نشأت لمورثه بصفته الشخصیة دون حاجة إلى إضافتها إلى الترکة، لأن الصفة فی الدعوى التی نشأة للمورث تنتقل إلى الوارث تبعاً لانتقال الحق الموضوعی، وهو ما یذهب إلیه الرأی الراجح فی الفقه الإسلامی الذی یرى أن ملکیة الترکة ولو کانت مستغرقة بالدین تنتقل إلى الورثة بمجرد الوفاة، فیصبح الورثة خلفاً للمتوفى، وأن خلافتهم هذه تتحقق بالوفاة التی هی سبب التوارث، ولذا فإنهم یمتلکون الترکة من وقت وجود سبب المیراث، وهو وفاة المورث. ولذا فإن الاتجاه الذی یوجب إقامة الدعوى إضافةً للترکة محل نظر، لأنه لا یقر بانتقال الحق فی الدعوى إلى الوارث على الرغم من أن جمهور الفقه یذهب إلى أن الترکة وإن کانت مستغرقة بالدین تنتقل إلى الورثة بمجرد الوفاة، ومن ثم، لیس من المنطق أن ینتقل الحق الموضوعی بالوفاة من دون أن تنتقل الدعوى المخصصة لحمایته هذا من ناحیة ومن ناحیة ثانیة کیف یمکن التسلیم بانتقال الدعوى التی باشرها المورث إلى الوارث من دون الاقرار بانتقال الدعوى التی نشأ الحق فیها للمورث ولم یتمکن من مباشرتها لا سیما أنه المورث فی الحالتین قد زالت صفته بسبب الوفاة.
وعلى الرغم من إقرار المشرع بانتقال الدعوى التی نشأ الحق فیها للمورث إلى الورثة بموجب المادة (5) من قانون المرافعات، إلا أن أحکام القضاء العراقی لم تستقر على مبدأ واحد بخصوص تحدید صاحب الصفة فی الدعوى التی نشأ الحق فیها للمورث، أی تحدید الخصوم فی الدعاوى التی ترفع للمطالبة بحقوق ترتبت للمورث فی ذمة الغیر أو للمطالبة بحقوق ترتبت للغیر فی ذمة المورث، إذ صدرت أحکام قضائیة متناقضة فی هذا الموضوع یمکن حصرها فی اتجاهین نعرض لهما على وفق الآتی:
الإتجاه الأول: التسلیم بانتقال الحق فی الدعوى إلى الوارث بسبب الوفاة:
یوجب هذا الاتجاه إقامة الدعوى من أو على الورثة بصفتهم الشخصیة مستندین فی ذلک إلى أن الترکة تنتقل إلى الورثة بمجرد الوفاة, ومن ثم، ینتقل الحق فی الدعوى إلیهم، فیصبحوا مالکین للترکة بالوفاة الأمر الذی یعنی وجوب رد الدعوى إذا کانت مضافة إلى الترکة لعدم توجه الخصومة، وتطبیقا لذلک قضت محکمة التمییز الاتحادیة بأن: "الحکم الممیز غیر صحیح ومخالف للقانون، لأن ترکة المتوفى تنتقل إلى ورثته بمجرد وفاته, وان مطالبة الوارث بحقه المتأتی من الترکة من الوارث الآخر لا تتطلب إضافة تلک المطالبة للترکة، بل تصح إقامة الدعوى بشأنها بصفته الشخصیة وحیث أن المحکمة ردت الدعوى لعدم توجه الخصومة فیکون حکمها قد جانب الصواب قرر نقضه"، کما قضت بأن:" الحکم الممیز غیر صحیح ومخالف للقانون, لأن المدعین أقاموا الدعوى للمطالبة بأجر المثل إضافة لترکة مورثهم فی حین کان یقتضی إقامتهم الدعوى بصفتهم الشخصیة لأنهم کسبوا حق التصرف بوفاة مورثهم باعتبارهم من أصحاب حق الانتقال". وقضت أیضاً بأن: (الحکم الممیز غیر صحیح ومخالف للقانون, لأن الوارث یکسب بطریق المیراث المنقولات والحقوق الموجودة فی الترکة عملاً بأحکام المادة 1106/1 من القانون المدنی وتنتقل تلک الحقوق إلیه بمجرد وفاة مورثه ومن ثم فإن قیام أحد الورثة بوضع الید على الترکة کلاً أو جزءً یعطی الحق لأی من الورثة الأخرین مطالبته باستحقاقه منها بصفته الشخصیة من دون حاجة إلى اضافتها لترکة مورثه...إذ قضت المحکمة قضت برد الدعوى لعدم توجه الخصومة خلاف ما تقدم مما أخل بصحة حکمها الممیز لذا قرر نقضه). وقضت بأن: (الحکم الممیز غیر صحیح ومخالف للقانون, لأن محکمة الاستئناف فسخت الحکم البدائی وردت الدعوى معللةً ذلک بأن المدعی لم یقم الدعوى اضافةً لترکة مورثه وأنه أقامها بصفته الشخصیة، وهذا النظر من المحکمة غیر صائب، لأن موجودات الترکة تنتقل من المورث إلى ورثته بمجرد الوفاة، ویصبح کل وارث مالکاً لحصته من موجوداتها ولا یتطلب الأمر للمطالبة بتثبیت عائدیة الموجودات للترکة أو المطالبة بحصة الوارث منها أو المطالبة بإزالة شیوعها اقامة الدعوى اضافةً للترکة بل یصح لکل وارث المطالبة بصفته الشخصیة ولهذا کان على المحکمة الاستئنافیة الخوض فی الدعوى موضوعاً، وحیث أن المحکمة اصدرت حکمها دون ملاحظة ذلک مما اخل بصحته لذا قرر نقضه).
الإتجاه الثانی: عدم التسلیم بانتقال الحق فی الدعوى إلى الوارث بسبب الوفاة:
یوجب هذا الاتجاه إقامة الدعوى إضافة للترکة، مستندین فی ذلک إلى أن أموال المورث تبقى على ذمته حکما إلى حین تسدید دیونه، ومن ثم، عدم انتقال الحق فی الدعوى إلى الورثة، الأمر الذی یعنی وجوب رد الدعوى إذا کانت مقامة على الورثة بصفتهم الشخصیة لعدم توجه الخصومة، وتطبیقا لذلک قضت محکمة التمییز الاتحادیة بأن: "أن الحکم الممیز غیر صحیح ومخالف للقانون لأن بیع العقار جرى فی حال حیاة مورث المدعین –المشتری- وإن المدعى علیه –الممیز- قبض ثمن العقار من المشتری (مورث الممیز علیهم)، لذا یعد الثمن بالنسبة للمدعین- الممیز علیهم- ترکة وکان علیهم إقامة الدعوى إضافة لترکة مورثهم وحیث أن الدعوى أقیمت بصفتهم الشخصیة فإنها تکون واجبة الرد ولعدم مراعاة محکمة الموضوع ما تقدم قرر نقض الحکم". وقضت بأن: " الحکم الممیز غیر صحیح ومخالف لأحکام الشرع والقانون ذلک لأن محکمة الموضوع لم تلاحظ أن عریضة الدعوى قد أقیمت من المدعین-الممیز علیهما- بصفتهما الشخصیة فی حین کان الواجب إقامتها إضافة لترکة مورثتهم لذا قرر نقض الحکم الممیز".
ونعتقد أن السبب الذی جعل القضاء یصدر أحکاماً ومتناقضة فی هذا الموضوع، هو عدم تحدید المشرع للوقت الذی تنتقل فیه ملکیة الترکة إلى الورثة، أهو عقب الوفاة مباشرةً أم بعد سداد الدین؟ فإذا قلنا أن ملکیة الترکة تنتقل إلى الورثة بعد الوفاة مباشرةً وجب إقامة الدعوى من أو على الورثة بصفتهم الشخصیة لأنهم أصبحوا مالکین للترکة بتاریخ الوفاة, ومن ثم، ینتقل إلیهم الحق فی الدعوى لثبوت الصفة فیها لهم، مما یعنی وجوب ردها إذا کانت مضافة إلى الترکة، أما إذا قلنا أن ملکیة الترکة لا تنتقل إلى الورثة إلا بعد سداد الدین وجب إقامة الدعوى إضافة للترکة، لأن أموال المورث تبقى على ذمته حکماً إلى حین تسدید دیونه، فلا ینتقل الحق فی الدعوى إلى الورثة إلا بعد تسدید دیونه، مما یعنی وجوب ردها إذا کانت مقامة على الورثة بصفتهم الشخصیة.
وسکوت المشرع العراقی عن تحدید وقت انتقال ملکیة الترکة للورثة یلزم القضاء الرجوع إلى أحکام الشریعة الإسلامیة استنادا إلى أحکام الفقرة الثانیة من المادة (1106) من القانون المدنی التی نصت على أن: (انتقال أموال الترکة تسری علیها أحکام الشریعة الإسلامیة). وبالرجوع إلى أحکام الشریعة الإسلامیة أن الفقهاء المسلمین قد اختلفوا فی تحدید الوقت الذی تنتقل فیه ملکیة الترکة إلى الورثة، وعلى وفق التفصیل الآتی:
أما ان تکون الترکة المدنیة تکون مستغرقة بالدین او غیر مستغرقة به, فإن کانت الترکة مستغرقة بالدین فالرأی الراجح عند الحنفیة والمالکیة والزیدیة وبعض الجعفریة والإمام ابن حنبل فی روایة عنه أنها تکون کلها مشغولة بالدین, فلا تنتقل ملکیتها إلى الورثة بل تبقى على حکم ملک المورث, لبقاء حاجته فی ماله إلى أن تسدد دیونه، ومن ثم، لا ینتقل الحق فی الدعوى إلى الورثة إلا بعد سداد الدیون، غیر أن أکثر فقهاء الشافعیة وبعض الجعفریة و ابن حنبل فی أشهر الروایات عنه یذهبون إلى أن ملکیة الترکة ولو کانت مستغرقة بالدین, تنتقل إلى الورثة بمجرد الوفاة محملة بالدیون, أی تکون الدیون متعلقة بها, لأنه الورثة هم خلفاء المتوفى, وان خلافتهم هذه تتحقق بالوفاة التی هی سبب التوارث, ولهذا فأنهم یمتلکون الترکة من وقت وجود سبب المیراث, وهو وفاة المورث، ومن ثم، ینتقل إلیهم الحق فی الدعوى من لحظة وفاة مورثهم. أما إذا کانت الترکة غیر مستغرقة بالدین فالرأی الراجح فی المذهب الحنفی هو أن الجزء المشغول من الترکة بالدین یکون على حکم ملک المتوفى, والجزء الذی لا یقابل الدین تنتقل ملکیته إلى الورثة وقت الوفاة، ویرى جمهور الفقهاء أن الدین غیر المستغرق لا یمنع ملک الوارث, ولذا فإنهم یقررون بأن ملکیة الترکة التی لا یستغرقها الدین تنتقل کلها إلى الورثة عقب الوفاة مباشرةً, وان على هؤلاء أن یقوموا بسداد الدین من الترکة إبراءً لذمة مورثهم لیخلص لهم الباقی میراثاً.
ولذا نجد أن أحکام القضاء العراقی قد تأثرت باختلاف الفقهاء المسلمین فی تحدید الوقت الذی تنتقل فیه ملکیة الترکة إلى الورثة, الأمر الذی أدى إلى صدور أحکام مختلفة و متناقضة عن القضاء العراقی وهو بصدد تطبیق أحکام المادة (5) من قانون المرافعات المدنیة, بحیث لم تستقر أحکامه على اتجاه معین فیما یتعلق بانتقال الدعوى التی نشأة للمورث.
وحلاً لهذا الإشکال وحفاظاً على وحدة الأحکام الصادرة عن المحاکم العراقیة واستقرارها نعتقد أن على المشرع العراقی إیراد نص یحدد فیه الوقت الذی تنتقل فیه ملکیة الترکة إلى الورثة, کما فعل عندما حسم جزءاً من هذا الخلاف فی المادة (189) من قانون التسجیل العقاری, التی جاء فیها: (یکسب الوارث حق الملکیة العقاریة وما فی حکمها من تاریخ وفاة المورث غیر انه لا یمکنه التصرف به إلا بعد تسجیله فی السجل العقاری)، ولذا یکون المشرع العراقی قد حدد بصراحة الوقت الذی تنتقل فیه الملکیة العقاریة وما فی حکمها إلى الورثة بتاریخ وفاة المورث، آخذاً بما ذهب إلیه الرأی الراجح فی الفقه الإسلامی الذی یرى أن ملکیة الترکة ولو کانت مستغرقة بالدین تنتقل إلى الورثة بمجرد الوفاة، ولذا فإنهم یمتلکون الترکة من وقت وفاة المورث, ومن ثم ینتقل إلیهم الحق فی الدعوى من تاریخ الوفاة.
الفرع الثانی
انتقال الحق فی الدعوى بسبب التصرف القانونی
لا یتعلق انتقال الحق فی الدعوى فی هذا الفرض بإنتقال حقوق السلف جمیعها إلى الخلف، وإنما بانتقال حق معین من السلف إلى الخلف أیاً کان نوع هذا الحق.
وهذا الانتقال قد یحدث نتیجة تصرف بین الأحیاء، کأن ینتقل مال معین من شخص إلى آخر بالبیع أو بالمقایضة، کما قد یحدث نتیجة تصرف مضاف إلى ما بعد الموت، حینما یوصی شخص لآخر بشیء معین یستحقه من ترکته بعد وفاته، ولا خلاف فی انتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف إن لم یکن السلف قد باشر الدعوى بشرط أن تکون متعلقة بحق یقبل هذا الانتقال، وقضت بهذا الاتجاه محکمة استئناف نینوى بصفتها التمییزیة بما یأتی: (... ولدى التدقیق والمداولة وجد أن طالب الکشف کان قد اشترى الدار المشید على جزء من القطعة المرقمة ...ألا أن الدار لم تسجل باسمه لتوقف مدیریة التسجیل العقاری فی الزهور عن العمل... وأن المطلوب الکشف ضده مشتری الجزء المتبقی من الارض قد اضر بداره اضراراً بلیغة بسبب الحفر لذا طلب اجراء الکشف لتثبیت تلک الاضرار. فقررت محکمة البداءة رد طلب الکشف. ولدى عطف النظر إلى القرار الممیز وجد أنه غیر صحیح ومخالفاً للقانون لأن طالب الکشف دفع فی جلسة... بأنه قد اشترى العقار موضوع الکشف بموجب عقد بیع خارجی، فکان المتعین على المحکمة أن تکلفه بإبراز العقد وإذا ثبت ذلک تکون الخصومة متوجهه لذا قرر نقض القرار).
ولکن الخلاف دب فیما لو باشر السلف الدعوى ثم زالت عنه الصفة بالتصرف فی الحق المتنازع فیه، فهل یؤدی زوال الصفة نتیجة لانتقال الحق الموضوعی فی هذا الفرض إلى انتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف الخاص؟.
یرى جانب من الفقه أن انتقال الحق الموضوعی یستتبع انتقال الحق فی الدعوى، فإذا نقل الدائن حقه (المتنازع علیه أی المرفوعة به الدعوى) إلى شخص آخر قبل صدور الحکم، فإن صفته ومصلحته فی الدعوى المرفوعة تزولان وتظهر صفة ومصلحتة صاحب الحق الجدید ویکون له مباشرة الدعوى.
وخلافاً لذلک؛ یرى جمهور الفقه أن انتقال الحق الموضوعی لا یترتب علیه انتقال الحق فی الدعوى المرفوعة بهذا الحق إلى السلف، فلا یحل الخلف محل سلفه فی هذه الخصومة، إذ أن المُتصرَف إلیه (الخلف الخاص) لا یخلف السلف (المُتصرِف) فی الخصومة المتعلقة بالحق الموضوعی الذی إنتقل إلیه، لأن مرکز الخصم مرکز إجرائی مستقل عن الحق الموضوعی. إلا إنهم إختلفوا بعد ذلک فی مصیر الخصومة التی کانت قد بدأت بشأن هذا الحق.
فذهب جانب منهم إلى أن السلف یبقى طرفاً فی هذه الخصومة وإن لم یعد طرفاً فی الحق الموضوعی، فلا ینتقل الحق فی الدعوى إلى الخلف الخاص. وإنما یحل السلف محل الخلف الخاص ویمثله قانوناً فی الخصومة، لأنه فی هذا الفرض یدافع عن مرکز قانونی لمصلحة الغیر، ویکون الحکم الصادر فی هذه الخصومة حجة على الخلف، لأنه یعد ممثلاً فیها بشخص السلف.
فی ذهب البعض الآخر إلى التمییز بین الخلافة الخاصة الناتجة عن تصرف بین الأحیاء والخلافة التی تنتج عن تصرف مضاف إلى ما بعد الموت (الوصیة)، ففی الفرض الأول یبقى السلف طرفاً فی الخصومة باعتباره ممثلاً للخلف، وفی الفرض الثانی لا تستمر الخصومة فی مواجهة السلف - وقد توفى- وإنما تستمر فی مواجهة خلفه العام (أی ورثته) بمعنى أن الحق فی الدعوى ینتقل إلیهم لا إلى الخلف الخاص.
وخلافاً لذلک؛ یرى جانب ثالث من أصحاب هذا الإتجاه أنه بانتقال الحق الموضوعی إلى الخلف الخاص یفقد المتصرف (السلف) صفته فی الدعوى مما یجعلها غیر مقبولة لتخلف شرط الصفة، ویجب على المحکمة أن تأمر بإخراج هذا الخصم (السلف) من الدعوى وتبلغ ذی الصفة، أی المتصرف إلیه (الخلف الخاص) بانتقال الحق فی الدعوى إلیه. ولا یسلم هذا الجانب من الفقه بالقول: أن السلف یبقى فی الخصومة بوصفه ممثلاً للخلف، إذ لا یوجد سند قانونی لهذا التمثیل، وإنما یمکن إبقاء السلف فی الخصومة إذا کان ملتزماً بالضمان وطلب الخلف الخاص إبقاءه فیها بوصفه ضامناً.
أما بالنسبة للمشرع العراقی؛ فإنه لم یعالج مسألة انتقال الحق فی الدعوى من السلف إلى الخلف بسبب التصرف القانونی، ولم نعثر على موقف للفقه العراقی بهذا الصدد، أما بالنسبة إلى موقف القضاء العراقی من هذه المسألة فقد ظهر اتجاهان؛ الأول: یذهب إلى أن الخلافة الخاصة تفقد المتصرف (السلف) صفته فی الدعوى التی باشرها قبل انتقال الحق الموضوعی إلى الخلف، ویتعین على المحکمة أن تقضی برد الدعوى لتخلف شرط من شروط قبولها، لأنه أن الصفة فی الدعوى هی تعبیر عن الصلة بین الشخص وموضوعها ولم یعد هناک أی صلة بین السلف والحق المرفوعة به الدعوى لانتقاله إلى الخلف، لا یترتب على انتقال الحق الموضوعی من السلف إلى الخلف انتقال الدعوى التی باشرها السلف إلى الخلف، وإن کان بإمکان هذا الاخیر أن یرفع دعوى جدیدة باسمه. وهذا ما قضت به محکمة التمییز الاتحادیة فی العدید من قراراتها، إذ قضت بما یأتی: ( ولدى عطف النظر على الحکم الممیز، الصادر عن محکمة استئناف دیالى المتضمن فسخ الحکم البدائی الذی قضى بإلزام المدعى علیه (المستأنف) بمنع معارضته للمدعی (المستأنف علیه) فی الانتفاع بالعقار المرقم ... والحکم برد الدعوى، وجد أنه صحیح وموافق للقانون، لأنه جاء اتباعاً لقرار النقض الصادر عن هذه المحکمة ... حیث ثبت من استمارة صورة السجل العقاری الدائمی للعقار موضوع الدعوى انتقال ملکیته إلى المدعو "ع. ن" بعد أن کان مسجلاً بموجب القید السابق باسم الممیز، وحیث أن الممیز ببیعه العقار لولده بعد صدور الحکم البدائی وقبل اکتسابه درجة البتات یکون قد تخلى عن خصومته بالدعوى اثناء النظر فی الطعن الاستئنافی ذلک أن دعوى منع المعرضة تقام من قبل المالک، فتکون دعواه واجبة الرد وهذا ما قضت به محکمة الاستئناف قرر تصدیقه....). وقضت بالآتی: (ولدى عطف النظر على الحکم الممیز وجد أنه غیر صحیح ومخالف للقانون، ذلک أن محکمة الاستئناف لم تتحقق من الدفع الذی أورده وکیل الممیز فی لائحته الاستئنافیة وکرره فی ضبط الجلسة المؤرخة 19/10/2008 على الرغم من أهمیته، إذ دفع بأن المدعیة وبعد اقامتها الدعوى باعت سهامها فی القطعة موضوع الدعوى وهذا الدفع فی حالة ثبوته تکون خصومه الممیز علیها غیر متوجهة، لذا کان یتعین على المحکمة طلب أخر صورة قید للقطعة للتأکد عما إذا کانت المدعیة لاتزال تملک سهامها فی القطعة من عدمه ولما کانت المحکمة لم تراع ذلک مما أخل بصحة حکمها الممیز لذا قرر نقضه...).
یتضح من القرارین المذکورین آنفاً أن السلف فقد صفته فی الدعوى التی باشرها قبل التصرف فی الحق الموضوعی للخلف، ولذا قضت المحکمة برد الدعوى لانتفاء شرط من شروط قبولها من دون أن تقرر ادخال صاحب الصفة الجدیدة أو تبلیغه-الخلف الخاص- لکی یصحح أو یکمل الخصومة فی الدعوى. ونعتقد أن هذا الاتجاه منتقد إذ لیس من المعقول أن ینتقل الحق الموضوعی من دون أن تنتقل الدعوى المرصودة لحمایته، لا سیما وأن القانون لا یمنع من انتقال الدعوى للخلف، فضلاً عن أن هذا الاتجاه قد یلحق الضرر بالخلف الخاص لا سیما وأن رد الدعوى فی هذه الحالة یعنی زوال آثرها فی قطع التقادم، ومن ثم؛ إذا اراد الخلف رفع الدعوى مجدداً فإنه قد یصطدم بمرور الزمان المانع من سماع الدعوى وفی ذلک من الضرر ما لا یخفى.
ویذهب الاتجاه الثانی؛ إلى القول بأن انتقال الحق الموضوعی إلى الخلف الخاص یفقد السلف صفته فی الدعوى ویتعین على المحکمة أن تقضی برد الدعوى عن السلف وتبلغ ذی الصفة، أی الخلف الخاص لانتقال الحق فی الدعوى إلیه لکی یباشر الدعوى. وقضت بهذا الاتجاه محکمة التمییز الاتحادیة بما یأتی: (ولدى عطف النظر على الحکم الممیز الصادر عن محکمة بداء الموصل الذی قضی برد دعوى المعترض اعتراض الغیر الاصلی بسبب عدم توجه الخصومة، لکون العقار موضوع الدعوى قد بیع بالمزایدة العلنیة من قبل مدیریة تنفیذ الموصل لعدم تسدید المعترض ما ترتب بذمته من دیون لصالح شرکة ما بین النهرین وقد سجل العقار باسم الشرکة المذکورة ملکا ًصرفاً، غیر صحیح ومخالف للقانون، ذلک أن محکمة الموضوع لم تلاحظ أن مساحة العقار الکلیة هی 676 م2 وان المعترض علیة اعتراض الغیر الاصلی قد تجاوز على مساحة 231 م2 وسجلها باسمه استناداً للقرار 527 لسنة 1985، وأن شرکة ما بین النهرین بما لها من دین فی ذمة المعترض اعتراض الغیر الاصلی قد حجزت على المساحة المتبقة من العقار والبالغة 454 م2 واشترتها بالمزایدة العلنیة عن طریق مدیریة تنفیذ الموصل وسجلت المساحة المذکورة باسم شرکة ما بین النهرین، وبما أن المعترض اعتراض الغیر یطلب استرداد مساحة 231م2 لتصبح مساحة العقار 676م2 لذا فان مصلحة الممیز (المعترض اعتراض الغیر الاصلی) تبقى قائمة فی السیر فی الدعوى وتکون خصومته متوجهة ولکنها ناقصة فکان المتعین على محکمة الموضوع الاستجابة لطلب الممیز بإدخال شرکة ما بین النهرین شخصاً ثالثاً فی الدعوى إلى جانب المعترض اعتراض الغیر اکمالاً للخصومة... لذا قرر نقض الحکم الممیز...).
إن هذا الاتجاه على الرغم من أنه افضل من الاتجاه الاول، لأنه اوجب على محکمة الموضوع ادخال الخلف الخاص شخصاً ثالثاً فی الدعوى بناء على طلب السلف الأمر الذی یعد اعترافاً بانتقال الحق فی الدعوى من السلف إلى الخلف، إلا أنه لا یلبی الطموح لأنه لا یعالج الفروض جمیعها ویثیر التساؤل الآتی ما هو الحکم إذا لم یطلب السلف ادخال الخلف الخاص شخصاً ثالثاً فی الدعوى، وان المحاکم لا تلتزم بسابقة قررتها ولا تتقید بها غیرها من المحاکم فی الدعاوى المماثلة، فضلاً عن أن محکمة التمییز حرة فی العدول عن المبادئ التی قامت علیها قراراتها السابقة، لذا فأن الأمر یحتاج إلى تدخل من المشرع بإیراد نص یجیز انتقال الحق فی الدعوى ونقترح أن یکون بالصیغة الآتیة: (1- ینتقل الحق فی الدعوى من السلف إلى الخلف بسبب الوفاة من تاریخ وفاة المورث، وبسبب التصرف القانونی من تاریخ انتقال الحق الموضوعی.2- یشترط لانتقال الدعوى أن یکون محلها من الحقوق المالیة القابلة للانتقال وأن لا یکون من حقوق الشخصیة أو الحقوق اللصیقة بشخص السلف.3- ینقطع السیر فی الدعوى بحکم القانون بانتقال الحق الموضوعی المرفوعة به الدعوى من السلف إلى الخلف ما لم تکن المحکمة قد قررت افهام ختام المرافعة، وتستأنف المحکمة السیر فی الدعوى بحضور الخلف الجلسة المحددة للمرافعة أو بتبلیغه بناء على طلب الطرف الاخر، وتبطل عریضة الدعوى بحکم القانون إذا استمر قطع السیر فیها مدة شهرین من تاریخ القرار الصادر بقطع السیر فیها).
المبحث الثانی
أحکام انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً مصدره قانون المرافعات، فإن وجودها یتوقف على توفر شروط قبولها، وفی حال نشأة الحق فیها بسبب الاعتداء أو التهدید بالاعتداء على الحق الموضوعی، فإنها تقبل الانتقال إلى الخلف بزوال صفة السلف بالوفاة أو بالتصرف فی الحق الموضوعی بصرف النظر عن مباشرتها أو عدم مباشرتها من السلف. ولکن قد ینشأ الحق فی الدعوى للسلف وتتوفر شروط قبولها إلا أنها لا تنتقل إلى الخلف لوجود مانع من الموانع التی تحول من دون انتقالها. وفی حالة انتفاء هذه الموانع فإن الدعوى تنتقل ویترتب على هذا الانتقال اثار عدة، ولهذا فإن طبیعة هذا المبحث تقتضی تناوله فی مطلبین على وفق الآتی:
المطلب الأول: مـــوانع انتقال الحـق فی الدعوى المدنیة.
المطلب الثانی: آثار انتقال الحق فی الدعوى المدنیة.
المطلب الأول
موانع انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
إذ تعد الدعوى القضائیة من أهم الوسائل الإجرائیة المخصصة لإشباع رغبات الأفراد تجاه الحمایة القضائیة، إذ لا ینشأ الحق فیها إلا عند توفر شروطها المنصوص علیها فی قانون المرافعات، إلا أن مدى قابلیتها للانتقال إلى الخلف لا یقتصر على توافر شروط قبولها ونشأة الحق فیها بالاعتداء أو التهدید بالاعتداء على الحق أو المرکز الموضوعی، وإنما یتطلب الأمر فضلاً عن ذلک أن ینتفی أی مانع من موانع انتقالها. ولذا فإن قابلیة الدعوى للانتقال قد تعترضه موانع منها ما یتعلق بارتباط الدعوى بشخصیة السلف، ومنها ما یتعلق بطبیعة محل الدعوى، وللوقوف على تلک الموانع ارتأینا عرض هذا المطلب على وفق الآتی:
الفـرع الأول : الموانع الشخصیة من انتقال الحق فی الدعوى المدنیة.
الفرع الثانی: الموانع الموضوعیة من انتقال الحق فی الدعوى المدنیة.
الفرع الأول
الموانع الشخصیة من انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
الأصل أن تنتقل الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً إلى الخلف بوفاة السلف أو بتصرفه فی الحق الموضوعی بصرف النظر عن مباشرة الدعوى أو عدم مباشرتها من السلف طالما نشأ له الحق فیها وتوافرت له شروط قبولها. إلا أن هذا الأصل ترد علیه بعض الاستثناءات التی تقف عقبة فی طریق انتقال عدید من الدعاوى، وعند البحث فی سبب عدم انتقالها نجد أنه یرجع إلى ارتباط محل الدعوى بشخص السلف. ولهذا فإن لشخصیة السلف أثر فی الحیلولة من دون إعمال فکرة انتقال الحق فی الدعوى، وعلى وجه الخصوص فی المسائل التی لا یمکن تقدیرها إلا منه شخصیاً أو کانت متعلقةً بوصفه أو قدرته على إدارة شؤونه، وهو ما یدعونا إلى أن نعرض هذا الفرع على وفق الآتی:
أولا: تنازل السلف عن حق الدعوى:
لما کانت الدعوى المدنیة حقاً إجرائیاً، فإن من خصائص هذا الحق أنه یتسم بإمکانیة التنازل عنه، فإذا تنازل المدعی (السلف) عن حقه فی إقامة دعوى جدیدة لحمایة الحق محل النزاع، فهو بذلک یجرد حقه الموضوعی من أیة حمایة قضائیة، فتنقضی بذلک الخصومة تبعاً لتنازل المدعی عن حقه فی الدعوى، إذ أنه أسقط حقه فی طلب الحمایة القضائیة، والقاعدة هی أن الساقط لا یعود، إذ یؤدی التنازل إلى حسم النزاع، وهو تصرف بالإرادة المنفردة، یتضمن تضحیة من جانب واحد، هو الطرف الذی تنازل عن حقه فی الدعوى، بشرط أن تتوفر فی المتنازل شروط التصرف القانونی الصادر عن جانب واحد، وأهمها أن یکون آهلاً للتصرف بالحق موضوع الدعوى، وأن لا یتعارض هذا التنازل مع النظام العام أو الآداب العامة، وألا یتعلق به حق الغیر. ویؤدی التنازل عن الدعوى إلى انقضاء الخصومة بصفة تبعیة نتیجة لانقضاء الحق فی الدعوى، وأنه یحول من دون إمکانیة رفع الدعوى مجدداً وإلا حکم بعدم قبولها، إذ أنه یثیر دفعاً بعدم القبول، لتنازل المدعی عن حقه فیها، فضلاً عن أن التنازل یؤدی إلى استنفاد ولایة المحکمة فیما یتعلق بموضوع النزاع، فلا یکون بإمکانها الفصل فی موضوع الدعوى التی تم التنازل عنها، وینتج التنازل عن الدعوى أثره القانونی بمجرد صدور التعبیر عن المتنازل، من دون حاجة إلى صدور قرار من المحکمة بإثبات التنازل.
یتضح مما تقدم أن تنازل السلف عن حقه فی الدعوى یمنع الخلف من رفع الدعوى بذات النزاع، لأن صاحب الصفة ألأصلیة قد أسقط حقه فی الدعوى والساقط لا یعود، ولذا فإن الحق فی الدعوى لا ینتقل إلى الخلف لسبق التنازل عنه من قبل السلف. وإذا رفع الخلف الدعوى على الرغم من التنازل کان للمدعى علیه أن یتمسک فی مواجهته بالدفع بالتنازل عن الدعوى فیکون ذلک مانعاً من سماع الدعوى فی حالة قبوله.
ثانیا: الدعاوى المتعلقة بالحقوق الماسة بشرف الشخص وحیاته الأدبیة:
یترتب على کون الحقوق الماسة بشرف الشخص وعدها حقوقاً غیر مالیة عدم قدرة الفرد على المساس بهذه الحقوق بحریة مطلقة، فهی کقاعدة عامة تخرج عن دائرة المعاملات، ومن ثم؛ لا یمکن انتقالها إلى الغیر، أیاً کان السبیل إلى ذلک، إذ لا یصح التنازل عنها أو التصرف فیها بأی وجه من أوجه التصرف، ولا یجوز الحجز علیها، لأن الحجز علیها غالباً ما یکون لغرض بیعها وهذا ما یتنافى مع طبیعتها، لأنها لا تعد جزءً من الذمة المالیة الأمر الذی یترتب علیه عدم قابلیتها کقاعدة عامة للانتقال إلى الورثة. مثال ذلک؛ المطالبة بالتعویض عن جریمة وقعت على السلف، فإذا کان من شأن المطالبة البحث فی شخصیة السلف والخوض فی عرضه وشرفه، وفضل السلف عدم مباشرة الدعوى، فلا یعد مهملاً فی المطالبة بحقوقه، ومن ثم، لیس للخلف أن یرفع الدعوى للمطالبة بالتعویض عن تلک الجریمة. والمطالبة بالتعویض عن الضرر الأدبی قبل أن یتحدد مقداره قضاءً أو اتفاقاً مع المضرور، وحق الواهب فی الرجوع فی هبته لعذر مقبول، وتکمن علة إخراج الحقوق المالیة التی تمس حیاة السلف الأدبیة من نطاق انتقال الحق فی الدعوى، فی أن المطالبة بحق من هذه الحقوق إنما یقوم على اعتبارات لا یقدرها سوى السلف شخصیاً.
یتضح مما تقدم أن الحق فی الدعوى لا ینتقل إلى الخلف إذا تعلق الأمر بحق من حقوق الشخصیة، لأن الصفة فی الدفاع عن هذه الحقوق تقتصر على أصحابها. ویعنی هذا أن ارتباط الدعوى بشخص من تقررت له یقف عقبة أمام انتفال الدعوى ویمثل مانعاً شخصیاً من موانع انتقالها.
ثالثا: الدعاوى المتعلقة بالحقوق الماسة بحریة السلف فی إدارة شؤونه:
وترمی هذه الحقوق إلى تمکین الشخص من مزاولة نشاطه وتأدیة دوره فی الحیاة کحق السلف فی إدارة أمواله، أو بیع محاصیله، أو إیجار عقاره، إذ لیس للخلف أن یطالب بإلغاء عقد الإیجار الذی أبرمه سلفه، لکی یبرم عقداً آخر بأجر أعلى، أو التذرع بسوء إدارة السلف لأمواله، والمطالبة بنزع الإدارة منه، أو قبول الخلف إیجاباً بصفقة، مهما کانت رابحة. ویقال فی تسویغ إخراج الحقوق التی تمس حریة السلف فی تصریف شؤونه وإدارتها من نطاق انتقال الحق فی الدعوى، أنها لیست حقوقاً، وإنما هی مجرد رخص لا شأن للخلف فی استعمالها، إذ تقتصر الصفة فیها على من تقررت له، إذ یؤدی السماح للخلف باستعمالها إلى سلب السلف حریته فی إدارة شؤونه، وإخضاعه لنوع من الوصایة.
وسبب عدم انتقال الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً فی الحالات المذکورة آنفاً انما یرجع إلى طبیعة الحق أو المرکز الموضوعی الذی لم یتقرر کما اسلفنا إلا لاعتبارات شخصیة تتعلق بشخص من تقرر له، ولهذا فإن هذا الحق أو المرکز لا ینتقل إلى الخلف لارتباطه بشخص السلف، ومن ثم؛ فأن الدعوى المرصودة لحمایة هذا الحق لا تنتقل إلى الخلف لارتباطها بشخص منْ تقررت له وهو السلف، فهو صاحب الصفة فی هذه الدعوى وشخصیته محل اعتبار فیها. ویعنی هذا أن ارتباط الدعوى بشخص من تقررت له یقف عقبة أمام انتقال الدعوى ویمثل مانعاً شخصیاً من موانع انتقالها. ومثال هذه الدعاوى دعوى التفریق التی یقیمها الزوج على زوجته والدعوى التی یرفعها الزوج طالباً فیها إلزام زوجته بالمطاوعة، فإذا زالت صفته فی الدعوى بوفاته قبل حسم الدعوى، فأن الدعوى تنقضی ولا تنتقل إلى الورثة لارتباطها بشخص السلف. کذلک الحال فی دعوى الرجوع فی الهبة التی ترتبط الصفة فیها بشخص الواهب الذی قام بالتبرع بماله، وکان یهدف من وراء ذلک تحقیق غرض معین، وفی مقابل ذلک یستقل وحده بتقدیر الاعتبارات التی یراها إساءة لإحسانه، ویستطیع التعبیر عن ذلک بدعوى الرجوع فی الهبة لاسترداد المال الموهوب، ویظهر هنا أثر ارتباط الصفة بشخص الواهب، سواء فی اتخاذ القرار برفع الدعوى أو بالعفو عن الموهوب له، فإذا زالت صفته قبل مباشرته للدعوى، انقضى الحق فیها فلا یستطیع خلفه من بعده طلب الرجوع فی الهبة.
الفرع الثانی
الموانع الموضوعیة من انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
تقتضی القاعدة العامة فی انتقال الحق فی الدعوى بأن هذا الحق ینتقل إلى الخلف بوفاة السلف أو بتصرفه فی الحق الموضوعی محل الحمایة بصرف النظر عما إذا کان السلف قد استعمل حقه فی الدعوى من عدمه، لأن رفع الدعوى إلى القضاء لا یعد شرطاً لنشأة الحق فیها کما لا یعد مفترضاً لوجودها أو شرطاً لقبولها. إلا أن هذه القاعدة ترد علیها بعض الاستثناءات التی تحول دون امکانیة انتقال الحق فی الدعوى إلى الخلف، وعند البحث فی سبب ذلک نجد أنه یرجع إلى الطبیعة غیر المالیة لمحل الدعوى.
ولذا فإن عدم ارتباط الحق الموضوعی- بوصفه محلاً للدعوى- بشخص من تقرر له لا یکفی لانتقال الدعوى إلى الخلف، وإنما یشترط فضلاً عن ذلک أن یکون هذا الحق من الحقوق القابلة للانتقال، وهو یکون کذلک إذا کان من الحقوق المالیة التی تدخل ضمن الذمة المالیة للسلف فضلاً عن کونه من الحقوق التی یجوز حوالتها والتنازل عنها وأن یکون قابلاً للحجز علیه، فإذا کان کذلک کان قابلاً للانتقال وانتقلت الدعوى التی تحمیه إلى الخلف تبعاً لانتقاله، فالدعوى لا تقبل الانتقال إلا إذا کان محلها قابلاً للانتقال. ومن أمثلة الدعاوى التی تنتقل إلى الخلف تبعاً لانتقال الحق دعوى استرداد الودیعة التی تنتقل إلى الخلف بسبب عدم تنفیذ الودیع لالتزام برد الودیعة، فإذا توفى المودع وجب على الودیع رد الودیعة إلى الورثة، وإذا تصرف المودع فی الودیعة لمشتر أو لموهوب له وجب على الودیع رد الودیعة للمتصرف له، لأن الحق فی الرد انتقل الیه، ویترتب على انتقال الحق فی رد الودیعة إلى الخلف عاماً کان أو خاصاً انتقال الحق فی دعوى رد الودیعة الیه بالتبعیة.
ولذا یشترط لانتقال الدعوى أن یکون الحق المطلوب حمایته ذو طبیعة مالیة، أی قابل للتقویم بالمال عند الاعتداء أو التهدید بالاعتداء علیه أو إنکاره، ویشترط أن یکون قابلاً للتنازل عنه والحجز علیه، ولکن لا یشترط أن یتحقق القاضی من وجود الحق الموضوعی لقبول الدعوى من الخلف لأن وجود هذا الحق لا یعد شرطاً لوجود الدعوى أو لقبولها، ولکن یتعین علیه أن یتحقق ابتداءً من کون الحق المطالب به من الحقوق التی یعترف بها القانون ویحمیها، ذلک أن التحقق من وجود الحق أو عدم وجوده لا یتم إلا بعد الفصل فی موضوع الدعوى.
وبناء على ما تقدم؛ فإن قابلیة الدعوى للانتقال لا یکون إلا عبر النظر إلى محلها، وهو ما یطلبه الخلف فی دعواه، فإن کان قابلاً للانتقال إلیه من السلف انتقلت الدعوى المرصودة لحمایته بالتبعیة، أما إذا کان هذا المحل غیر قابل للانتقال فإن الدعوى المتعلقة به لا تنتقل إلى الخلف.
وإذا کان الأصل أن الدعوى تنتقل تبعاً لانتقال الحق المطلوب حمایته، إلا أنه لیست کل الحقوق قابلة لإعمال تلک الفکرة وهو ما یدعونا لأن نعرض لها على النحو الآتی:
أولاً: الدعاوى التی تتعلق بحقوق غیر مالیة:
تصنف الحقوق إلى أقسام متعددة على وفق أسس مختلفة من أبرزها تقسیم الحقوق إلى حقوق مالیة وحقوق غیر المالیة، فالحقوق المالیة هی التی تکون ذوات طابع مالی، أی لها قیمة مالیة، مما یعنی أنها داخلة فی دائرة التعامل ویمکن تقویمها بالنقود کالحقوق العینیة والحقوق الشخصیة، أما الحقوق غیر المالیة فهی الحقوق التی لا یمکن تقویمها بالنقود مما یعنی خروجها من دائرة التعامل، وهى على ثلاثة أصناف؛ حقوق سیاسیة وحقوق لصیقة بالشخصیة وحقوق اسرة، وتتمیز هذه الحقوق بأنها حقوق لا یجوز التصرف فیها أو التنازل عنها أو نقلها للغیر أو الحجز علیها، لأنها لا تقبل التقویم بالمال ومن ثم لا تدخل فی الذمة المالیة للشخص.
وللحقوق غیر المالیة خصائص تمیزها من غیرها من الحقوق؛ فهی حقوق لا یجوز التنازل عنها، فلا یجوز مثلاً للأب أن ینزل عن حقه فی الولایة على أبنائه، ولا للأم أن تنزل عن حقها فی حضانة صغیرها، کما أنها حقوق غیر قابلیة للتصرف فیها، فلا یجوز مثلاً أن تکون محلا لعقد من العقود کالبیع أو الهبة فضلاً عن أنها لا تنتقل بصفة عامة بالمیراث، واخیراً فإن هذه الحقوق لا یجوز الحجز علیها، لأن الحجز یؤدى إلى بیع محل الحجز جبراً عن الشخص، وهذه الحقوق لا یجوز التعامل علیها أصلا، ذلک أن الذى ینتقل من الشخص الى غیره هی تلک العناصر التی تکون جزءاً من الذمة المالیة، والحقوق غیر المالیة لا تدخل فی العناصر الایجابیة للذمة المالیة للشخص، فضلاً عن أن انتقال الحقوق غیر المالیة محظور لارتباطها الذى لا ینفک بشخص صاحبها فلا یتصور مثلاً ان ینقل انسان الى أخر حقة فی الحیاة أو حریة عقیدته أو صفته کزوج.
واستناداً إلى ما تقدم؛ فإن الحقوق غیر المالیة لا تدخل فی ذمة السلف، ومن ثم، لا تکون قابلة للانتقال، ویترتب على عدم انتقال هذه الحقوق إلى الخلف عدم انتقال الدعاوى المتعلقة بها إلى الخلف ایضاً. ویرجع سبب عدم انتقال هذه الدعاوى إلى عدم قابلیة محلها أو موضوعها للانتقال وهو ما یعنی توفر المانع الثانی من موانع انتقال الدعاوى، فضلاً عن توفر المانع الاول من موانع انتقال الدعاوى آلا وهو ارتباط الحق غیر المالی بشخص صاحبه الاصلی، مما یعنی أن الصفة فی الدفاع عن هذه الحقوق مقصورة على صاحبها فحسب، ومن ثم فإن المطالبة بحمایة مثل هذه الحقوق یجب أن تکون من قبل من تقررت له، کونها من الحقوق التی تتطلب صفة خاصة فی الدفاع عنها، وهذه الصفة تثبت لأصحاب هذه الحقوق حصراً، کون شخصیتهم محل اعتبار فیها. ولذا یمکن القول أن عدم انتقال الدعاوى التی تنشأ لحمایة حقوق غیر مالیة یرجع إلى توافر مانعی الانتقال.
ثانیا: الدعاوى التی تتعلق بحقوق غیر قابلة للحجز:
الأصل أن أموال المدین جمیعها تکون قابلة للحجز علیها، لأنها کلها ضامنة للوفاء بدیونه، ومن ثم یجوز التنفیذ علیها، إلا إذا وجد نص یقضی بخلاف ذلک، وتکمن علة إخراج الدعاوى المتعلقة بالحقوق غیر القابلة للحجز من نطاق تطبیق فکرة إنتقال الحق فی الدعوى إلى انتفاء مصلحة الخلف فی المطالبة بها، لأنه لیس له التنفیذ علیها، کونها لا تدخل فی الضمان العام المقرر للسلف على أموال مدینه. ولذا لیس لخلف الدائن أن یطلب التنفیذ على أموال أو حقوق لا یجوز الحجز علیها، لأن هدف الحجز هو بیع المال المحجوز بالمزایدة العلنیة جبراً على المدین، وهذه الأموال والحقوق منع المشرع حجزها أو بیعها لاعتبارات انسانیة أو اجتماعیة أو اقتصادیة یراها أو لاعتبارات تتعلق بطبیعة تلک الحقوق. فلا یجوز للمحکمة مثلاً أن تستجیب لخلف الدائن عاماً کان ام خاصاً بوضع الحجز الاحتیاطی على المسکن الکافی لسکن المدین أو عقاره الذی یتعیش من وارداته إلا إذا کان الدین ناشئاً عن ثمنه، وإذا وقع الحجز الاحتیاطی علیه کان للمدین عند تنفیذ الحکم أن یتمسک بحقه بعدم جواز حجزه وعلى دائرة التنفیذ أن تقرر رفع الحجز عنه. ولا یجوز للمحکمة أن تقبل دعوى قسمة الحائط المشترک التی یقیمها خلف أحد الشریکین ولا دعوى تملیک الحصة الشائعة فیه استقلالاً أو حجزها من قبل دائنی أحد الشریکین بصورة مستقلة عن العقار نظراً لأن ملکیة الحائط المشترک ملکیة شائعة شیوعاً اجباریاً. وکذلک الحال بالنسبة للطریق الخاص المشترک إذ لا تجوز قسمته ولا بیعه مستقلاً، ولیس لدائنی أحد الشریکین التنفیذ على حصته الشائعة فی الطریق الخاص المشترک مستقلة عن العقار الذی یملکه.
وبناء على ما تقدم؛ فإن الدعوى بوصفها حقاً اجرائیاً لا تنتقل إلى الخلف إلا إذا کان محلها حقاً من الحقوق القابلة للحجز.
ثالثا: الدعاوى المتعلقة بحق من حقوق الشخصیة:
إذا تعلقت الدعاوى بحق من حقوق الشخصیة امتنع انتقالها إلى الخلف إذا ما زالت صفة السلف، لأنه حقوق الشخصیة تعد حقوقاً غیر مالیة، فلا یجوز تقدیر قیمتها بالنقد، ومن ثم، فإنها تخرج عن دائرة المعاملات، و لاتسامها بالطابع المعنوی أو الأدبی، والذی یترتب علیه عدم اعتبارها أموالاً. ویترتب على اعتبار حقوق الشخصیة حقوقاً غیر مالیة عدم جواز التصرف فیها، ومن ثم، لا یمکن أن تکون هذه الحقوق محلاً لأی إتفاق أو تصرف قانونی، بمقابل أو بدونه، و لا یجوز الحجز علیها لأن الحجز على هذه الحقوق غالباً ما یکون لغرض بیعها وهو ما یتنافى مع طبیعة هذه الحقوق، فضلاً عن أن حقوق الشخصیة لا تنتقل بالمیراث، فإذا توفی الشخص انتقلت حقوقه المالیة جمیعها إلى ورثته بعد القیام بالإجراءات المنصوص علیها قانوناً، ولما لم تکن حقوق الشخصیة ذات طابع مالی، فإنها لا تدخل فی ذمة المتوفى المالیة، فهی تدور مع شخصیة الإنسان وجوداً وعدماً، فتنقضی بانتهاء شخصیة صاحبها، ومن ثم؛ فإن هذه الحقوق لا تنتقل إلى الورثة سواء کان ذلک عن طریق المیراث أو الوصیة. ویعنی هذا أن الدعاوى المتعلقة بحقوق الشخصیة لا تنتقل إلى الخلف بسبب محلها الذی یعد حقاً من الحقوق غیر المالیة التی لا یجوز الحجز علیها أو التصرف فیها فضلاً عن أن هذه الحقوق من الحقوق التی ترتبط بشخص صاحبها.
یتضح مما تقدم أن عدم انتقال الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً فی الحالات المذکورة آنفاً انما یرجع إلى الطبیعة غیر المالیة لمحل الدعوى أو موضوعها، ویعنی هذا أن عدم قابلیة الحق للانتقال بسبب طبیعته غیر المالیة یؤدی إلى عدم انتقال الدعوى المرصودة لحمایته إلى الخلف. فالطبیعة غیر المالیة لمحل الدعوى تقف عقبة أمام انتفال الدعوى وتعد مانعاً موضوعیاً من موانع انتقالها.
المطلب الثانی
آثار انتقال الحق فی الدعوى المدنیة
یراد بآثار انتقال الحق فی الدعوى المدنیة آثار الانتقال على سیر الإجراءات والدعوى عموماً، لأن الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً، فإنها تقبل الانتقال إیجابیاً إلى خلف الطرف الإیجابی، لکی یتمکنوا من رفع الدعوى التی نشأت لسلفهم أثناء تمتعه بالصفة ولم یتمکن من رفعها أو للاستمرار فیها بعد أن رفعها قبل زوال صفته، فضلاً عن أنها قد تکون قابلة للانتقال سلبیاً إلى خلف الطرف السلبی لکی یتمکنوا من الدفاع فیها، لذا سنعرض لهذا المطلب على النحو الآتی:
الفرع الأول: آثار الانتقال الایجابی للحق فی الدعوى المدنیة.
الفرع الثانی : آثار الانتقال السلبی للحق فی الدعوى المدنیة.
الفرع الأول
آثار الانتقال الایجابی للحق فی الدعوى المدنیة
إذا زالت صفة من نشأ له الحق فی الدعوى بالوفاة أو بالتصرف فی الحق محل الحمایة، فإن الحق فی الدعوى یبقى قائماً وینتقل إلى الخلف، سواء باشر السلف دعواه قبل زوال صفته أو لم یباشرها، وهذا ما یدعونا إلى تناول هذا الفرع فی الفقرتین الآتیتین:
أولا: زوال صفة السلف قبل مباشرته للدعوى:
إذا زالت صفة السلف قبل رفع الدعوى التی نشأ له الحق فیها، کان لخلفه رفع هذه الدعوى، ولکن إذا تعدد خلفائه فلا بد من التفریق بین الدعوى التی یکون محلها قابلاً للانقسام علیهم وبین تلک التی لا یقبل محلها هذا الانقسام، لذا نبحث انتقال الدعوى ایجاباً فی حالة عدم تعدد الخلفاء، ثم انتقالها فی حالة تعددهم على وفق الآتی:
- فی حالة عدم تعدد الخلفاء:
لکی تکون الدعوى قابلة للانتقال یجب أن ینشأ الحق فیها للسلف فی أثناء تمتعه بالصفة، وفی حالة قابلیتها للانتقال ینتقل الحق فیها إلى الخلف دون توقف على مباشرتها أو عدم مباشرتها من السلف، فإذا زالت الصفة عن الأخیر قبل رفع الدعوى، فإن الدعوى تنتقل إلى الخلف ویستطیع رفعها باعتبارها دعوى نشأت لسلفه، لأن رفعها من قبل من نشأت له لا یعد شرطاً لوجودها أو لانتقالها، وإذا ما قرر الخلف رفع الدعوى، فإنه یخضع للقواعد نفسها والشروط التی کان سیخضع لها سلفه لو رفعها قبل زوال صفته. ولکی تکون عریضة الدعوى صحیحة ومقبولة یجب أن یرفعها الخلف باسمه وبما له من صفة ومصلحة فیها، ویشترط احترام موعد رفعها، لأن زوال صفة السلف قبل مباشرة دعواه التی نشأت قد تؤثر على شروط مباشرتها باسم الخلف، من حیث المصلحة والصفة والمواعید.
فمن حیث المصلحة؛ فإن الخلف لکی یتمکن من الحصول على الحمایة القضائیة، عن طریق رفع الدعوى التی نشأت لسلفه، لابد له من اللجوء إلى القضاء بعریضة یحررها باسمه إلى المحکمة المختصة، ویشترط لقبول هذه العریضة أن تتوفر للخلف مصلحة جدیة من رفع الدعوى، لأن المصلحة کما تعد شرطاً لقبول دعوى السلف فإنها تعد شرطاً لقبول دعوى الخلف.
أما فیما یتعلق بالصفة؛ فإن الصفة تعد شرطاً من شروط قبول الدعوى سواء بالنسبة لمن نشأ له الحق فی الدعوى أو بالنسبة لمن یخلفه فی هذا الحق، فإذا أراد الخلف رفع الدعوى التی نشأت لسلفه، تعین علیه تقدیم العریضة باسمه فی مواجهة من اعتدى أو هدد بالاعتداء على الحق أو المرکز الموضوعی محل الحمایة، لأن الصفة فی الدعوى ما هی إلا تعبیراً عن الجانب الشخصی فی الدعوى، وهی تقتضی وجود علاقة مباشرة بین أطراف الدعوى ومحلها أو موضوعها، وهذه الصفة تثبت للخلف بانتقال محل الدعوى إلیه إذ یصبح بهذا الانتقال أحد طرفی الحق أو المرکز الموضوعی الذی انتقل إلیه وکنتیجة لهذا الانتقال تنتقل إلیه الصفة فی الدعوى، ویعنی هذا أن الصفة فی الدعوى تتوافر للخلف بمجرد زوال صفة السلف بسبب انتقال محل الدعوى إلى الخلف.
أما بالنسبة لموعد رفع الدعوى؛ فإن الدعوى یجب أن ترفع عبر المدة المحددة لها قانوناً، فإذا لم تباشر خلال هذه المدة فإنها تنقضی بمضی المدة، ویبدأ حساب مدة مرور الزمان المانع من سماع الدعوى من وقت نشأت الحق فی الدعوى للسلف، أی من وقت بدء الاعتداء أو التهدید بالاعتداء على الحق أو المرکز القانونی للسلف، بحیث تضم مدة السلف إلى مدة الخلف. ویعنی هذا أن مدة مرور الزمان لا تتأثر بزوال صفة السلف، لان هذه المدة عندما تبدأ بالسریان فی الوقت الذی ینشأ فیه الحق فی الدعوى للسلف، فإن سریانها یستمر فی مواجهة الخلف، ولکن یرد على هذه القاعدة استثناء مفاده أن مدة مرور الزمان المانع من سماع الدعوى تتأثر بزوال صفة من نشأ له الحق فی الدعوى، إذ یقف حساب المدة کلما وجد مانع یتعذر معه رفع الدعوى.
- فی حالة تعدد الخلفاء:
إذا زالت صفة السلف قبل رفع الدعوى وکان له خلفاء عدیدین، فإن الدعوى وإن کانت تنتقل إلیهم إلا أن مباشرتها بینهم مجتمعین أو منفردین یتوقف على مدى قابلیة محلها للانقسام.
ففیما یتعلق بالدعاوى التی یکون محلها قابلاً للانقسام؛ یجوز لکل واحد من الخلفاء أن ینفرد لوحده برفع الدعوى، ومن ثم فإن الحکم الصادر فی هذه الدعوى لا یحتج به على باقی الخلفاء، لأنهم لم یکونوا أطرافاً فی الخصومة التی انتهت بصدور الحکم فی موضوعها. فمثلاً لو کان السلف دائناً وزالت صفته وکان الدین قابلاً للانقسام، یکون لکل واحد من الخلفاء الحق فی رفع الدعوى منفرداً للمطالبة بنصیبه من الدین.
وهکذا فإن قابلیة محل الدعوى للانقسام یعطی لکل واحد من الخلفاء الحق فی رفع الدعوى منفرداً، ومن ثم فإن الحکم الذی یصدر فی هذه الدعوى لا یکون حجة إلا بین أطرافها، فلا یجوز الطعن فیه إلا ممن صدر ضده تطبیقاً لقاعدة نسبیة حجیة الاحکام ونسبیة الإجراءات القضائیة.
اما فیما یتعلق بالدعاوى التی یکون محلها غیر قابل للانقسام؛ فإذا زالت صفة السلف قبل رفع الدعوى التی نشأت له، وکان له خلفاء عدیدین وارادوا مباشرتها تعین علیهم أن یقوموا برفعها مجتمعین، لأن محل الدعوى غیر قابل للتجزئة أو الانقسام، ومن ثم؛ فهو لا یحتمل إلا حلاً واحداً بالنسبة للجمیع، لأن وحدة الحل من مقتضیات المحل غیر القابل للتجزئة تفادیاً لصدور أحکام متعارضة أو أحکام لا یمکن تنفیذها تنفیذاً جزئیاً. ولکن ما الحل إذا اراد احدهم رفع الدعوى وامتنع الباقون؟ نعتقد أن بإمکان الخلف رفع الدعوى منفرداً إذا امتنع غیره من رفعها، ولکن یتعین علیة أن یطلب من المحکمة إدخال باقی الخلفاء أشخاصاً ثالثة فی الدعوى إلى جانبه وعلى المحکمة أن تستجیب لطلبه وتقرر ادخالهم.ولکن ما الحل إذا قررت المحکمة ادخالهم إلى جانب المدعی وأصبحوا طرفاً فی الدعوى إلا أنهم امتنعوا أو امتنع بعضهم عن الحضور، وطلب المدعى علیه إبطال عریضة الدعوى عن المتغیب منهم استناداً لأحکام المادة (56/2) من قانون المرافعات العراقی؟ فهل ترفض المحکمة هذا الطلب وتستمر فی نظر الدعوى؟ أم تقرر الاستجابة للطلب وتبطل عریضة الدعوى عن المدعی الذی تغیب عن حضور المرافعة؟ وإذا قررت ذلک ما مصیر الدعوى؟ أتستمر بنظرها على الرغم من أن محلها غیر قابل للتجزئة؟ أم تقرر إبطالها أیضاً عن باقی الحاضرین؟ أم تقرر ردها لعدم توجه الخصومة ای لانتفاء الصفة؟
ان لا تستطیع المحکمة الاستمرار فی نظر الدعوى ویتعین علیها ردها، لأن موضوعها أو محلها غیر قابل للتجزئة أو الانقسام، لکی تتفادى صدور حکم لا یمکن تنفیذه، ویعنی هذا أنه لیس للمحکمة رد الدعوى لعدم توجه الخصومة أو لانتفاء الصفة، لأن الصفة تعنی الصلة بین الشخص وموضوع الدعوى، وبما أن کل واحد من الخلفاء له صله بموضوع الدعوى، فإن شرط الصفة یکون متوفراً فیمن یشترک فی رفعها. ولکن هذا الحل لا یحقق العدالة فضلاً عن أن اللجوء إلى القواعد المتعلقة بالشیوع لا یفی بالمطلوب، لأنه حتى وإن نعد الدعوى من اعمال الإدارة، فإنه لا یجوز لأحد الخلفاء أن ینفرد بها، ذلک أن القانون المدنی یتطلب للقیام بها توافر الاغلبیة المطلقة التی یتم حسابها على أساس قیمة الأنصبة. ولذا نرى أن الأمر بحاجة إلى تدخل المشرع لحمایة حقوق الخلف فی الدعاوى التی تنتقل إلیه ویکون محلها غیر قابل للتجزئة ونقترح أن یکون النص بالصیغة الآتیة: (1- إذا انتقل الحق فی الدعوى إلى اشخاص عدیدین وکان الحق محل الدعوى غیر قابل للتجزئة أو الانقسام جاز لکل واحد منهم رفع الدعوى منفرداً للمطالبة بأداء الالتزام کاملاً.2- لا یجوز للمحکمة أن تحدد موعداً لنظر الدعوى المشمولة بأحکام الفقرة 1 من هذه المادة إلا إذا طلب المدعی إدخال باقی الخلفاء أشخاصاً ثالثة فی الدعوى ودفع عنهم الرسم القانونی، وإذا لم یقم بذلک عبر ثلاثین یوماً من تاریخ دفع الرسم تعتبر عریضة الدعوى مبطله بحکم القانون.3- لیس للمدعى علیه أن یطلب ابطال عریضة الدعوى إلا إذا تخلف المدعون جمیعهم عن حضور الجلسة المحددة للمرافعة، و لا یجوز للمحکمة أن تقرر إبطال عریضة الدعوى إلا بناء على طلب المدعین کافة.4- لیس للمدعی الذی تخلف عن الحضور الطعن فی الحکم الصادر فی الدعوى بطریق الاعتراض على الحکم الغیابی).
ثانیا: زوال صفة السلف بعد مباشرته للدعوى:
تزول صفة السلف فی اثناء سیر الخصومة إما بالوفاة وإما بالتصرف فی الحق محل الدعوى. ففیما یتعلق بزوال صفة السلف فی اثناء سیر الخصومة بالوفاة؛ فقد اقر المشرع بانتقال الحق فی الدعوى إلى الورثة ونظم هذا الانتقال، إذ قرر قطع السیر فی الخصومة فی حالة وفاة السلف لحمایة ورثة المتوفى الذین أصبحوا أطرافاً فی الخصومة بانتقال محل الدعوى إلیهم کنتیجة لوفاة مورثهم، لکی یعلموا بوجود الدعوى ولا تتخذ الإجراءات من دون علمهم، أو یصدر الحکم فی غفلة منهم دون أن یتمکنوا من استعمال حقهم فی الدفاع. ولذا فإن وفاة أحد الخصوم أثناء سیر الخصومة لا تضع حداً للدعوى، إذ یجوز متابعتها من ورثته بوصفهم قد تلقوا بحکم القانون الحقوق والواجبات المتعلقة بالترکة. وتطبیقاً لذلک قررت محکمة استئناف نینوى بصفتها التمییزیة بأن: "وفاة المورث لا یسقط حق ورثته بالسیر فی الدعوى والحکم لهم وأن خصومتهم تبقى صحیحة وقائمة".
وقطع السیر فی الدعوى حالة مؤقتة قررها المشرع لحمایة ورثة المتوفى، ومن ثم فهی لا تبقى إلى ما لا نهایة فأما أن یتم استئناف السیر فی الدعوى من جدید وإما أن تنقضی من دون الحکم فیها، حیث تستأنف المحکمة السیر فی الدعوى إذا حضر جلسة المرافعة وارث المتوفى وباشر السیر فیها، کذلک تستأنف المحکمة السیر فی الدعوى بتبلیغ الورثة بناء على طلب الطرف الآخر أو بتبلیغ هذا الأخیر بناء على طلب الورثة. وإذا لم تستأنف الدعوى سیرها واستمر الانقطاع مدة ستة أشهر من دون عذر مقبول، فإن عریضة الدعوى تبطل بحکم القانون.
اما فیما یتعلق بزوال صفة السلف فی اثناء سیر الخصومة بالتصرف فی الحق محل الدعوى؛ فإن المشرع العراقی لم یعالج مسألة انتقال الحق فی الدعوى من السلف إلى الخلف بسبب التصرف القانونی وهو موقف منتقد على النحو الذی بیناه آنفاً.
الفرع الثانی
آثار الانتقال السلبی للحق فی الدعوى المدنیة
یکون انتقال الحق فی الدعوى سلباً عندما ینتقل الحق فی الدفع بوصفه دعوى من المدعى علیه إلى خلفه، فضلاً عن انتقال الحق فی الطعن الیهم، وهو ما سنبینه فیما یأتی:
أولا: أثر الانتقال السلبی للحق فی الدعوى فی حق الدفع:
أن الحق فی الدفع وان کان مقرراً لمصلحة المدعى علیه، إلا انه فی الحقیقة مقرر لمصلحة الخصمین معاً، إذ یقتضی تحقیق مبدأ المساواة تخویل الخصمین الحق فی تقدیم الدفوع التی تهدف إلى منع الحکم لمصلحة الخصم الآخر. إلا أن مدى تمتع الخلف بحقوق الدفاع - أثراً لانتقال الحق فی الدعوى بصورته السلبیة - یختلف بحسب الصورة التی یتخذها الدفع.
فالدفوع الموضوعیة، هی الدفوع التی یتوجه بها الخصم إلى الحق المدعى به، عن طریق الزعم بسقوطه أو انقضائه أو الادعاء بإنکار وجوده، فهی تشمل کل دفع یترتب على قبوله من القاضی رد أو رفض طلبات الخصم الآخر. وهذه الدفوع، إما أن تکون دفوعاً سلبیة تقتصر على إنکار الخصم للوقائع المدعاة أو إنکار آثارها القانونیة، وإما أن تکون دفوعاً ایجابیة تقوم على تأکید وقائع معینة تمنع نشوء الحق، کالدفع ببطلان العقد، أو تأکید واقعة لها تأثیر کبیر على الحق المدعى به، کالدفع بالمقاصة أو الوفاء أو الإبراء، إذ تنتقل هذه الدفوع إلى الخلف إذا توفرت شروط الانتقال وانتفت موانعه ولا یقع على عاتق الخلف إذا ما زالت صفة السلف إثبات الدفوع السلبیة، فی حین یقع علیه عبء إثبات الدفوع الایجابیة، وتتمیز الدفوع الموضوعیة بجواز إثارتها فی أی حال تکون علیها الدعوى حتى أمام محکمة الاستئناف.
أما الدفوع الشکلیة، فهی تبدو فی صورة اعتراض الخلف على الإجراءات القضائیة عن طریق تأکید واقعه تؤثر فی وجودها أو صحتها أو سیرها من دون التعرض لموضوع الخصومة بقصد تفادی الحکم فی الموضوع بصفة مؤقتة. والأصل أن تفصل المحکمة فی الدفوع الشکلیة قبل الفصل فی موضوع الدعوى، لأن الفصل فی الدفع الشکلی قد ینأى بالمحکمة عن التعرض لموضوع الدعوى. کما یتعین على المحکمة فی حال تعدد الدفوع الشکلیة، أن تفصل أولا بالدفع المتعلق بشکل عریضة الدعوى وتبلیغاتها، ثم تتحقق من صحة الخصومة وتوجهها، ثم تتصدى لبحث الدفع بعدم الاختصاص الولائی، ثم تتعرض للدفع بعدم الاختصاص النوعی، ثم للدفع بعدم الاختصاص المکانی، ثم تتصدى لباقی الدفوع الإجرائیة. وتنتقل هذه الدفوع الشکلیة إلى الخلف، ومن ثم؛ یحق له أن یعدل فی أثناء نظر الدعوى عما یکون قد قدمه سلفه من دفوع تتعلق بالإجراءات بشرط أن یکون ذلک قبل أن تفصل المحکمة فی تلک الدفوع، و لا یحق للخلف إبداء الدفع الشکلی المتعلق بعدم الاختصاص المکانی أو التنازل عنه بعد تقدیمه، لأن فی مباشرة السلف للدعوى ما یفید قبوله لاختصاص المحکمة التی تنظر الدعوى، ومن ثم، لا یکون للخلف إمکانیة الدفع بعدم الاختصاص، ومن ثم لیس له التنازل عن هذا الدفع الذی لم یثبت له بالأساس.
وإذا کانت المحکمة قد سبق وان أعطت قرارها بخصوص مسألة إجرائیة، فإن هذا القرار یستنفد ولایتها، کما لو کانت قد فصلت فی الدفع المقدم إلیها بعدم الاختصاص الذی قدمه المدعى علیه (السلف) فی الدعوى بعدم الإجابة أو ردت الدفع ببطلان التبلیغ، فإن ذلک یسقط حق الخلف فی إبداء دفع إجرائی جدید للتمسک بهذه المسألة مجدداً، لأن القرارات الإجرائیة القطعیة تسری بحق الخلف على الرغم من أن هذه القرارات لا تحوز حجیة الأحکام، ویرجع ذلک إلى أن المحکمة تستنفد ولایتها بالنسبة إلى المسألة التی فصلت فیها بقرار قطعی ولا یجوز لها المساس بالقرار الذی أصدرته من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصوم أو اتفاقهم.
أما الدفع بعدم القبول، فهو وسیلة یتمسک بها الخصم للاعتراض على حق الدعوى عن طریق إنکار توفر شروط قبول الدعوى بهدف الحصول على الحکم قبل الفصل فی الموضوع، وهذا الدفع لا یوجه إلى ذات الحق المدعى به ولا إلى إجراءات الخصومة، وإنما یهدف إلى إنکار وجود الحق فی الدعوى لعدم توافر الشروط التی یتطلبها القانون لقبول الدعوى، فإذا فقدت الدعوى احد شروط قبولها، کما لو کانت المصلحة غیر قانونیة أو لم یکن للمدعی صفة فی إقامتها، أو أقیمت الدعوى قبل الأوان، کما لو کان الحق محل الدعوى معلقاً على شرط أو کان قد سبق الحکم فی الدعوىأو أن الدعوى قد أقیمت بغیر الطریق القانونی المحدد لأقامتها، فإنه یمکن للخلف فی حالة انتقال الحق فی الدعوى بصورته السلبیة إلیه الدفع بعدم قبول الدعوى فی هذه الحالات.
ولذا فإن للخلف بوصفة خصماً، حق التمسک بأوجه الدفاع والدفوع المتعلقة بالدعوى، حیث یجوز له تقدیم الدفوع الشکلیة والدفع بعدم القبول التی یستطیع أن یتمسک بها سلفه حتى لو لم یتمسک بها الأخیر، إلا أن ذلک مقید؛ بألاّ یکون الخصم الأصلی (السلف) قد أسقط حقه فی التمسک بالدفوع التی یرید الخلف تقدیمها أو التمسک بها، کأن یکون السلف قد دخل فی أساس الدعوى وقدم دفوعه فیها، إذ یعد ذلک تنازلاً عن تقدیم الدفوع الشکلیة المتعلقة بعدم اختصاص المحکمة المکانی وبطلان التبلیغات، وألاّ یکون السلف قد تمسک بالدفوع التی یرید الخلف التمسک بها وقررت المحکمة رفض تلک الدفوع، أما الدفوع الموضوعیة، فللخلف التمسک بها بشرط أن تتوفر فیها شروط الانتقال وتنتفی عنها موانعه.
نخلص مما تقدم، إلى أن الاثر المترتب على انتقال الحق فی الدعوى یعطی للخلف بعد زوال الصفة عن سلفه، حق التمسک بالدفوع الشکلیة والموضوعیة والدفع بعدم القبول وتقدیمها على وفق التنظیم القانونی الذی أورده المشرع لهذه الدفوع، بوصفه خصماً ذی صفة فی الدعوى تخوله التمتع بمراکز قانونیة إجرائیة، بشرط عدم سبق التمسک بها أو التنازل عما لا یتعلق منها بالنظام العام من السلف.
ثانیا: أثر الانتقال السلبی للحق فی الدعوى فی حق الطعن:
بمجرد صدور الحکم فی الدعوى ینشأ الحق فی الطعن للمحکوم علیه سواء کان مدعیاً أو مدعىً علیه، وسواء کان قد ادخل فی الدعوى أو تدخل فیها، فإذا زالت صفته فإن الحق فی الطعن ینتقل إلى خلفه کأثر لانتقال الحق فی الدعوى بصورته السلبیة إذا توفرت شروط الانتقال بأن یکون السلف طرفاً فی الخصومة التی صدر فیها الحکم المراد الطعن فیه، وأن یکون خاسراً للدعوى برد طلباته جمیعها أو برد بعضها أو بإلزامه بشیء من طلبات خصمه، وأن لا یکون قد أسقط حقه فی الطعن اسقاطاً صریحاً أمام المحکمة أو بورقة مصدقة من الکاتب العدل، وأخیراً یجب أن یکون الحق محل الحکم الصادر بحق السلف قابلاً للانتقال إلى الخلف لطبیعته المالیة وعدم ارتباطه بشخص السلف، إلا أن انتقال الحق فی الطعن یختلف بحسب السبب الذی أدى إلى زوال صفة من نشأ له الحق فی الطعن (السلف) وذلک على وفق الآتی:
- زوال صفة المحکوم علیه (السلف) بالوفاة:
إذا زالت صفة المحکوم علیه (السلف) بالوفاة فی اثناء مدة الطعن؛ فإن المشرع قد أقر بانتقال الحق فی الطعن إلى ورثته بوصفه حقاً نشأ لسلفهم حیث نصت المادة (174) من قانون المرافعات العراقی على أن: (1. تقف المدد القانونیة إذا توفى المحکوم علیه ... بعد تبلغه بالحکم وقبل انقضاء المدد القانونیة للطعن.2. لا یزول وقف المدة إلا بعد تبلیغ الحکم إلى الورثة أو احدهم فی آخر موطن کان للمورث ... .3. تجدد المدة بالنسبة لمن ذکروا فی الفقرة السابقة بعد تبلیغ الحکم المذکور على الوجه المتقدم.).
واستناداً إلى هذا النص؛ إذا زالت صفة المحکوم علیه (السلف) بعد تبلغه بالحکم وقبل انقضاء المدة القانونیة للطعن، فإن هذه المدة تقف، ولا یزول وقفها إلا إذا قام المحکوم له بتبلیغ الحکم إلى ورثة المتوفى. ویهدف المشرع من وقف المدة فی هذه الحالة إلى حمایة ورثة المتوفى الذین انتقل إلیهم الحق فی الطعن، إذ قد یجهلون وجود الدعوى وصدور الحکم فیها فتنقضی المدة المحددة للطعن فی غفلة منهم ومن ثم یسقط حقهم فی الطعن. وبعد تبلیغ الورثة بالحکم الصادر ضد مورثهم یکون لهم رفع الطعن بوصفه حقاً نشأ لسلفهم.
- زوال صفة المحکوم علیه (السلف) بالتصرف فی الحق المتنازع علیه:
إذا زالت صفة المحکوم علیه (السلف) بالتصرف فی الحق المتنازع علیه فی أثناء مدة الطعن؛ فإن الفقه یذهب إلى أن الحق فی الطعن ینتقل إلى الخلف سواء کان خلفاً عاماً کالورثة، أو خلفاً خاصاً کالمشتری، شریطة أن تکون الخلافة قد تحققت بعد صدور الحکم، لأن القاعدة العامة تقضی بأن أثر الحکم القضائی لا یمتد إلى أطراف الخصومة فحسب وانما یمتد ایضاً إلى خلفهم- سواء أکانوا من الخلف العام أم من الخلف الخاص- ومن ثم یکون لهؤلاء کقاعدة عامة الطعن فی الحکم الصادر بحق سلفهم. فالمشتری مثلاً یعد خلفاً للبائع ویحل محله فیما للعین من حقوق وما علیها من التزامات، ومن ثم؛ یملک الطعن فی الحکم الصادر ضد البائع إذا آل إلیه الحق المتنازع علیه بعد صدور الحکم فی الدعوى ویتعین علیه رفع الطعن باسمه لیس باسم البائع، وإلا کان الطعن غیر مقبول لرفعه من غیر ذی صفة. ویعد الموهوب له والمحال له خلفاً للواهب أو المحیل، ومن ثم؛ یملک الطعن فی الحکم الصادر على هؤلاء إذا انتقل إلیه الحق المتنازع علیه بعد صدور الحکم ضد سلفه.
أما بالنسبة إلى موقف المشرع العراقی؛ فی إنه لم ینظم انتقال الحق فی الطعن إلى الخلف لتصرف السلف فی الحق المتنازع علیه اثناء سریان مدة الطعن، ولم یتطرق الفقه الإجرائی العراقی لهذه المسألة، أما القضاء العراقی فقد صدرت عنه احکام متعارضه فی هذا الخصوص، ولذا ندعو المشرع العراقی إلى معالجة هذه المسألة للحفاظ على وحدة الأحکام القضائیة واستقرارها بإضافة فقرة أخرى إلى المادة (174) من قانون المرافعات والنص فیها على انتقال الحق فی الطعن إلى الخلف الخاص على غرار انتقال الحق فی الطعن للخلف العام الذی ورد فی الفقرة الأولى من المادة ذاتها، ونقترح أن یکون النص المقترح الفقرة (4) من المادة (174) وأن یکون بالصیغة الآتیة: (ینتقل الحق فی الطعن إلى الخلف الخاص إذا آل إلیه الحق المتنازع فیه من المحکوم علیه فی مدة الطعن). یتضح من هذا النص أن الحق فی الطعن ینتقل إلى الخلف الخاص إذا انتقل إلیه الحق المتنازع فیه من المحکوم علیه بعد صدور الحکم فی الدعوى، لأن حجیة الأحکام لا تمتد إلى الخلف الخاص إلا إذا کان الحکم الصادر فی مواجهة السلف سابقاً على اکتساب الخلف الخاص للحق المتنازع فیه، لأن صفة الخلف الخاص فی الطعن لا تثبت إلا إذا کان الشیء محل النزاع قد انتقل إلیه بعد صدور الحکم.
الخاتمة
بعد أن انتهینا من کتابة هذا البحث توصلنا إلى جملة من النتائج والتوصیات نبینها بحسب ما یأتی:
أولاً. النتائج:
- إن یقصد بانتقال الحق فی الدعوى هو انحسار هذا الحق أو زواله عن السلف وثبوته للخلف لزوال صفة السلف وثبوتها لشخص الخلف.
- یتوقف وجود الدعوى بوصفها حقاً إجرائیاً على توفر شروطها القانونیة، فإذا توفرت تلک الشروط ونشأ الحق فیها، فإنها تنتقل إلى الخلف بصرف النظر عن استعمالها أو عدم استعمالها من السلف، لأن رفعها إلى القضاء لا یعد شرطاً لوجودها أو لنشأة الحق فیها.
- إذا توفى المورث قبل رفع الدعوى، فإنها تنتقل إلى الورثة ویستطیعون رفعها بوصفها دعوى نشأت لمورثهم، لأن رفعها من قبل من نشأت له لا یعد شرطاً لوجودها أو لانتقالها بسبب الوفاة، کما لا خلاف على أنه إذا توفى الخصم أثناء سیر الخصومة التی تتعلق بحق من الحقوق الموضوعیة القابلة للانتقال، خلفه ورثته فی هذه الخصومة وأصبح للخلف ذات الصفة التی کانت لسلفه.
- تفق الخلافة الخاصة المتصرف (السلف) صفته فی الدعوى التی باشرها قبل انتقال الحق الموضوعی إلى الخلف الخاص، ویتعین على المحکمة أن تقضی برد الدعوى لتخلف شرط من شروط قبولها، ولا یترتب على انتقال الحق الموضوعی من السلف إلى الخلف انتقال الدعوى التی باشرها السلف إلى الخلف.
- لا تکون قابلیة الدعوى للانتقال إلا من عبر النظر إلى محلها، فإن کان قابلاً للانتقال انتقلت الدعوى المرصودة لحمایته بالتبعیة، أما إذا کان هذا المحل غیر قابل للانتقال فإن الدعوى التی تتعلق به لا تنتقل إلى الخلف.
- الأصل أن تنتقل الدعوى إلى الخلف بوفاة السلف أو بتصرفه فی الحق الموضوعی بصرف النظر عن مباشرة الدعوى أو عدم مباشرتها من السلف. إلا أن هناک موانع تحول من دون امکانیة انتقال العدید من الدعاوى، وهذه الموانع إما أن تکون شخصیة، ترجع إلى ارتباط محل الدعوى بشخص السلف، وإما أن تکون موضوعیة، ترجع إلى کون محل الدعوى غیر قابل للانتقال.
- إذا زالت الصفة عن السلف نتیجة لانتقال الحق فی الدعوى، جاز للخلف التمسک بالدفوع الشکلیة والموضوعیة والدفع بعدم القبول وتقدیمها وفقاً للتنظیم القانونی الذی أورده المشرع لهذه الدفوع، بوصفه خصماً ذا صفة فی الدعوى تخوله التمتع بمرکز قانونی إجرائی، بشرط عدم سبق التمسک بها أو التنازل عما لا یتعلق منهما بالنظام العام من السلف.
- إذا زالت صفة المحکوم علیه (السلف) بالوفاة فی مدة الطعن انتقل الحق فی الطعن إلى ورثته بوصفه حقاً نشأ لمورثهم.
- عند تعدد الخلفاء الذین انتقل إلیهم الحق فی الدعوى، فإن انفراد أحدهم فی رفع الدعوى یتوقف على مدى قابلیة محلها للانقسام، فإن کان کذلک کان لأحد الخلفاء رفع الدعوى منفرداً ولکن لا یحتج بالحکم الصادر فیها إلا فی مواجهته.
ثانیاً. التوصیات:
- لما کان انتقال الحق فی الدعوى من شأنه توفیر الوقت والجهد والنفقات ویحول من دون تراکم الدعاوى أمام المحاکم لکونه یضمن استمرار سیرها لحین إصدار الحکم الحاسم فیها، یمنع تکرار الدعوى أمام القضاء مما یحول من دون إصدار أکثر من حکم فی القضیة الواحدة الأمر الذی یجعل منه وسیلة وقائیة تمنع تعارض الأحکام، ویعمل على حسن سیر العدالة وسرعة ادائها ویحقق مبدأ الاقتصاد فی الإجراءات، لذا ندعو المشرع العراقی إلى صیاغة نص یکون بمثابة قاعدة عامة لانتقال الحق فی الدعوى، ونقترح أن یکون بالصیغة الآتیة: (1. ینتقل الحق فی الدعوى من السلف إلى الخلف بسبب الوفاة من تاریخ وفاة المورث، وبسبب التصرف القانونی من تاریخ انتقال الحق الموضوعی.2. یشترط لانتقال الدعوى أن یکون محلها من الحقوق المالیة القابلة للانتقال وأن لا یکون من حقوق الشخصیة أو الحقوق اللصیقة بشخص السلف.3. ینقطع السیر فی الدعوى بحکم القانون بانتقال الحق الموضوعی المرفوعة به الدعوى من السلف إلى الخلف ما لم تکن المحکمة قد قررت افهام ختام المرافعة، وتستأنف المحکمة السیر فی الدعوى بحضور الخلف الجلسة المحددة للمرافعة أو بتبلیغه بناء على طلب الطرف الآخر، وتبطل عریضة الدعوى بحکم القانون إذا استمر قطع السیر فیها مدة شهرین من تاریخ القرار الصادر بقطع السیر فیها.4. للخلف حق التمسک بالدفوع جمیعها على وفق التنظیم المقرر لها قانوناً، ما لم یسقط حق التمسک بها أو یکون السلف قد تنازل عما لا یتعلق منهما بالنظام العام).
- لا بد من منح کل خلف على حدة فی حالة تعددهم الحق فی رفع الدعوى ذات المحل غیر القابل للتجزئة أو الانقسام کلما کانت هنا مصلحة ما تعود على سائر الخلفاء ویسعى الخلف منفرداً إلى تحقیقها، وضمان عدم غش أو تواطؤ الخلف الذی یبادر برفع الدعوى. ولذا نرى أن الأمر بحاجة إلى تدخل المشرع لحمایة حقوق الخلف فی الدعاوى التی تنتقل إلیه ویکون محلها غیر قابل للتجزئة ونقترح أن یکون النص بالصیغة الآتیة: (1.إذا انتقل الحق فی الدعوى إلى عدة اشخاص وکان الحق محل الدعوى غیر قابل للتجزئة أو الانقسام جاز لکل واحد منهم رفع الدعوى منفرداً للمطالبة بأداء الالتزام کاملاً.2. لا یجوز للمحکمة أن تحدد موعداً لنظر الدعوى المشمولة بأحکام الفقرة 1 من هذه المادة إلا إذا طلب المدعی إدخال باقی الخلفاء أشخاصاً ثالثة فی الدعوى ودفع عنهم الرسم القانونی، وإذا لم یقم بذلک عبر ثلاثین یوماً من تاریخ دفع الرسم تعتبر عریضة الدعوى مبطله بحکم القانون.3. لیس للمدعى علیه أن یطلب ابطال عریضة الدعوى إلا إذا تخلف المدعون جمیعهم عن حضور الجلسة المحددة للمرافعة، کما لا یجوز للمحکمة أن تقرر إبطال عریضة الدعوى إلا بناء على طلب المدعین کافة.4. لیس للمدعی الذی تخلف عن الحضور الطعن فی الحکم الصادر فی الدعوى بطریق الاعتراض على الحکم الغیابی).
- ندعو المشرع العراقی إلى تنظیم انتقال الحق فی الطعن إلى الخلف بسبب تصرف السلف فی الحق المتنازع علیه فی اثناء سریان مدة الطعن من أجل الحفاظ على وحدة الأحکام القضائیة واستقرارها بإضافة فقرة أخرى إلى المادة (174) من قانون المرافعات والنص فیها على انتقال الحق فی الطعن إلى الخلف الخاص على غرار انتقال الحق فی الطعن للخلف العام الذی ورد فی الفقرة الأولى من المادة ذاتها، ونقترح أن یکون النص المقترح الفقرة (4) من المادة (174) وأن یکون بالصیغة الآتیة: (ینتقل الحق فی الطعن إلى الخلف الخاص إذا آل إلیه الحق المتنازع فیه من المحکوم علیه فی مدة الطعن).
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
Firstly: Books:
1. Dr. Ibrahim Al-Shuraie, the title of defense in front of the judiciary, University House, Alexandria, 2008.
2. Dr. Ibrahim Saad, Special Judicial Law, C2, Knowledge Establishment, Alexandria, 1980.
3. Dr. Ibrahim Saad, Special Judicial Law, C1, Knowledge Foundation, Alexandria, 1974.
4. Dr. Agyad Thamer Nayef al-Dulaimi, The symptoms of the civil lawsuit, the Arab generation, Mosul, 2001.
5. Dr. Ahmed Abu Al-Wafa, Theory of Judgments in the Law of Pleadings, Knowledge Establishment, Alexandria, 1980.
6. Dr. Ahmed Abu Al-Wafa, Theory of defenses in the law of pleadings, knowledge facility, Alexandria, 1991.
7. Dr. Ahmed El Sayed Sawi, Waseet in explaining the law of pleadings, Dar al-Nahda, Cairo, 2004.
8. Ahmed bin Mohammed bin Ali bin Hajar al-Hitmi, the masterpiece of the need for explanation of the curriculum, Volume IV, I 2, Dar al-Kuttab al-Alami, Beirut-Lebanon, 2005.
9. Dr. Ahmed Ali Al-Khatib, Explanation of the Personal Status Law Rulings on inheritance, Directorate of Books for Printing and Publishing, University of Mosul, 1982.
10. Dr. Al-Ansari Al-Nidani, Waiver of the Right to Proceed, University House, Alexandria, 2009.
11. Dr. Al-Ansari Hassan Al-Nidani, Judicial Solicitor, New University House, Alexandria, 2001.
12. Elias Abu Eid, The Theory of the Case in Civil Procedure, Halabi, Lebanon, 2010.
13. Abu al-Fadl Gamal al-Din Muhammad Ibn Makram, son of the African-Egyptian perspective, C5, Dar Sader, 6, Beirut, Lebanon, 2008.
14. Dr. Tawfiq Hassan Faraj, Introduction to Legal Sciences, University House, 3, Beirut, 1987.
15. Dr. Hossam El-Din Kamel El-Ahwany, Principles of Law, Dar El-Nahda El Arabia, Cairo, 1975.
16. Dr. Khalil Gregg, lectures on the theory of suit, Nofal Foundation, Beirut, 1980.
17. Dr. Ramzi Saif, the mediator in explaining the law of pleadings, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1961.
18. Dr. Ramadan Abu Al-Saud, the mediator in explaining the introduction of civil law - the general theory of the right, the University House, Beirut, 1985.
19. Dr. Saadoun al-Qashtini, Judgments, C1, I 2, Al-Ma'aref Press, Baghdad, 1976.
20. Dr. Saeed Mubarak, Provisions of the Implementation Law No. 45 of 1980, Al-Aak, I 3, Cairo, 2009.
21. Dr. Said Mubarak and d. Adam Wahib al - Naddawi, Civil Proceedings, University of Mosul, 1984.
22. Salim Rustam Baz, Sharh al-Majalla, Dar Al-Arabiya Revival of the Arab Heritage, 3, Beirut, 1305 AH.
23. Sadeq Haidar, Explanation of Civil Procedure Law, lectures given to students of the Iraqi Judicial Institute, Baghdad, 1986.
24. Dr. Salah Al-Din Al-Nahi, Al-Jazeez in civil and commercial proceedings, Al-Ahlia Publishing and Publishing Company, Baghdad, 1962.
25. Diaa Shit Khattab, Al-Wajeez in explaining the law of pleadings, Al-Ani Press, Baghdad, 1973.
26. Diaa Shit Khattab, Research and Studies in Civil Procedure Law No. 83 of 1969, League of Arab States, Cairo, 1970.
27. Dr. Abbas Aboudi, Explanation of Civil Procedure, Dar al-Thaqafa, Jordan, 2006.
28. Dr. Abbas Aboudi, Explanation of the provisions of the Code of Civil Procedure Comparative and enhanced study of judicial applications, Dar al-Kitab for printing and publishing, University of Mosul, 2000.
29. Dr. Abdel Basset Ghali, Explanation of the Code of Civil Procedure, Dar Al-Fikr, Cairo, 1965.
30. Dr. Abdel Basset Ghali, Principles of Pleadings, Arab Thought House, Cairo, 1980.
31. Dr. Abdul Tawab Mubarak, The Foundations of the Civil Judiciary, Dar al-Nahda al-Arabiya, I, Cairo, 2005.
32. Abdul Jalil Barto, Explanation of the Code of Civil and Commercial Procedure, Islamic Company for Printing and Publishing, Baghdad, 1957.
33. Dr. Abdul Hai Hijazi, Introduction to the Study of Legal Sciences, C2, Kuwait University, 1970.
34. Abd al-Rahman al-Alam, Explanation of Civil Procedure Law, C1, Al-Ani Press, Baghdad, 1970.
35. Abdul Rahman Al-Alam, Explanation of the Civil Procedure Code, C2, Al-Ani Press, Baghdad, 1972.
36. Dr. Abdul Razzaq Al-Sanhoury, Mediator in Civil Law Exploration, C3, Theory of Commitment in General, Volume II, The Effects of Commitment, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1958.
37. Dr. Abdul Razzaq Al-Sanhoury, The Mediator on Civil Law, Part 7, Volume 1, Contracts on Work, Al-Ma'aref Establishment, Alexandria, 2004.
38. Dr. Abdul Karim Zaidan, The Judicial System in Islamic Law, Al-Ani Press, Baghdad, 1984.
39. Dr. Abdul Moneim Al-Sharqawi Fathi Wali, Civil Proceedings, Dar al-Nahda, Cairo, 1983.
40. Dr. Al-Qasas, the succession in procedural status, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1996.
41. Dr. Fathi Wali, Mediator in the Law of Civil Judiciary, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1993.
42. Dr. Fathi Wali, Theory of nullity in the law of pleadings, Knowledge Institution, Alexandria, 1959.
43. Mohammed Ashmawi and Dr. Abdul Wahab Ashmawi, Rules of Pleadings in Egyptian and Comparative Legislation, C2, Model Printing Press, Cairo, 1957.
44. Dr. Mohamed Hussein Mansour, The Theory of Truth, Knowledge Establishment, Alexandria, 1998.
45. Dr. Muhammad Labib Shanab, al-Wajiz in original rights in the original, without place of publication, 1999.
46. Dr. Mohamed Mahmoud Ibrahim, Al-Wajeez in the Proceedings, Arab Thought House, Cairo, 1983.
47. Dr. Mahmoud El Sayed El Tahyawy, Proceedings, University House, Alexandria, 2003.
48. Dr. Mahmoud El Sayed El Tahyawy, Indirect Action, University House, Alexandria, 2010.
49. Dr. Mahmoud Al - Sayed Al - Tahiwi, Negative Conditions of the Right to Proceed, University House, 2010.
50. Dr. Mahmoud El Sayed El Tahiwy, The Extraordinary Qualitude and its Implications in the Litigation, New University House, Alexandria, 2003.
51. Dr. Mahmoud El - Sayed El - Tahiwy, Conditions of Acceptance of the Judicial Case in the Egyptian and Comparative Law of Courts - Comparative Analytical Study, University House, Alexandria, 2010.
52. Dr. Mahmoud Mohamed Hashim, Civil Judiciary Law, C2, Arab Thought House, Cairo, 1981.
53. Dr. Mustafa Abdelhamid Adawi, Al-Wakiz in the Agency Contract, Hamada Press, Egypt, 1997.
54. Munir al-Qadi, Explanation of the Code of Civil Procedure, Al-Ani Press, Baghdad, 1957.
55. Dr. Mamdouh Abdel-Karim Hafez, Explanation of the Code of Civil Procedure of Iraq, C 1, Al-Azhar Press, I 1, Baghdad, 1972.
56. Dr. Nabil Ibrahim Saad, Introduction to the Theory of Truth, Halabi Publications, Beirut, 2010.
57. Dr. Nabil Omar, Origins of Civil Proceedings, Knowledge Establishment, I, Alexandria, 1986.
58. Dr. Nabil Omar, Functional Integration of Procedural Works, University House, Alexandria, 2001.
59. Dr. Nabil Ismail Omar, Paying No Admissions, University House, Alexandria, 2004
60. Dr. Nabil Omar, The Right to Take Action, Knowledge Establishment, Alexandria, 1989.
61. Dr. Wagdy Ragheb, Principles of Civil Debate, 1, Arab Thought House, Cairo, 1978.
62. Wagdy Ragheb, Principles of Civil Judiciary, Arab Renaissance House, Cairo, 2001.
Secondly: Theses and dissertations:
1. Birk Faris Hussein Al-Jubouri, Personal Rights and Civil Protection - Comparative Study, Master Thesis, Faculty of Law, University of Mosul, 2004.
2. Dr. Abdul Moneim Al-Sharqawi, Theory of Interest in the Case, PhD thesis submitted to the Faculty of Law Cairo University, 1947, printed by the library of Abdullah Wahba, Cairo, 1949.
Thirdly: Researches:
1. Sheikh Ahmed Ibrahim, the estate and related rights and inheritance, research published in the Journal of Law and Economics, the seventh year, the number of March, without a year printed.
2. Dr. Ahmed Hashish, Consider the Arrest Was Not, Research published in the journal Laws of Laws, 1991.
3. Sheikh Hamed Effendi Al-Emadi Damascene Hanafi, the strongest statement in the definition of the case, the investigation of d. Abdul Nasser Abu Al-Basal, Al-Balqa Research and Studies, No. 1, vol. V, 1997.
4. Judge Hijab Ibrahim Al-Sabawi, The Dispute in the Lawsuits Concerning the Legacy, Research published in Al-Rafidain Journal of Law, issued by the Faculty of Law / University of Mosul, No. 47, year 16.
5. Dr. Mahmoud Mohamed Hashem, Exhaustion of the jurisdiction of the civil judge, research published in the law magazine, issued by the Bar Association of Egypt, No. 5-6, year 61, 1981.
6. Dr. Wajdi Ragheb Fahmi, The Right to Appeal directly to the Rulings of Accelerated Suspension Applications, published in the Journal of Legal and Economic Sciences, issued by the Faculty of Law / Ain Shams University, 17 th year, 1975.
7. Dr. Wagdy Ragheb, Studies in the Legal Center of the Deduction before the Civil Judiciary, Research published in the Journal of Legal and Economic Sciences, issued by the Faculty of Law / Ain Shams University, p.
8. Dr. Wagdy Ragheb, Towards a general idea of the temporary judiciary in the law of pleadings, research published in the Journal of Legal and Economic Sciences issued by the Faculty of Law / Ain Shams University, p. 1, year 15.
Fourthly: Court decisions:
1. Ibrahim Al-Mashahadi, Legal Principles in the Court of Cassation, Department of Civil Law, Central Workers' Press, Baghdad, 1988.
2. Lawyer Abdul Aziz al-Suhail, Judgments of the Iraqi Judiciary on Civil Law Articles, C1, Wafsit Publishing House, Tadamon, Baghdad, 1962.
3. Salman Bayat, Iraqi Civil Judiciary, C1, Al Ahlia Publishing and Publishing Company, Baghdad, 1962.
Fifthly: Laws:
1. The Iraqi Civil Code No. (40) for the year 1951 amended.
2. Iraqi Civil Procedure Law No. (83) of 1969 Amended.
3. Iraqi Evidence Law No. (107) for the year 1979 amending.
4. Iraqi Execution Law No. 45 of 1980.
5. Iraqi Personal Status Law No. (188) for the year 1959 amended.
6. Iraqi Real Estate Registration Law No. 43 of 1971.
7. Egyptian Civil and Commercial Procedures Law No. 13 of 1968.
8. The Egyptian Civil Code No. 131 of 1948.
9. Egyptian Evidence Law No. 25 of 1968.
10. Lebanese Civil Procedure Law No. 90 of 1983.
11. Jordanian Civil Law (43) of 1976.
12. Jordanian Civil Procedure Law No. 24 of 1988.
13. The Jordanian Execution Law No. 25 of 2007.
14. Syrian Law of Procedure No. 84 of 1953.
15. The Syrian Civil Code No. 84 of 1949.
16. French Civil Procedure Code No. 1123 of 1975.
Sixthly: Unpublished Judicial Decisions:
Decisions of the Federal Court of Cassation:
1. Resolution No. 1296 and 1297 / M / 2000 of 17 August 2000.
2. No. 2471 / M / Moved / 2000 on 25/2/2001.
3. Resolution No. 2172 / M2 / 2005 on 22/2/2006.
4. Resolution No. 620 / Civil Transmitted / 2005 on 20/7/2005.
5. Resolution number 2476 / S / 1/2005 on 17/12/2005.
6. Decision No. 568 / Appellate Body Real Estate / 2006 on 23/3/2006.
7. Decision No. 407 / M2 / 2006 on 15/6/2006.
8. Decision No. 655 / Appeals Board Transferred / 2008 on 16/7/2008.
9. Decision No. 111 / Appellate Body Property / 2008 on 13/1/2009.
Appeals Court decisions as discriminatory:
1. Resolution number 868 / v. B / 4 August 1997.
2. Resolution number 240 / T. B / 2004 on 26 May 2004.
References (French)
Seventhly: French sources:
- JEAN VINCENT : Procédure civile, dix-neuvième, édition Dalloz, Paris, 1978.
- JEAN VINCENT et SERGE GUINCHARD: Procédure civile, 24 éd, édition Dalloz, Paris, 1999.
- RENE MOREL : Traite élémentaire de Procédure civile, 2éd, édition Sirey, Paris, 1949.
- SOLUS HENRY et PERROT ROGER : Droit judiciaire prive, Tome. 3, édition Sirey. 1991.
- SOLUS HENRY ET PERROT ROGER : Droit judiciaire prive, Tome. 3, édition Sirey, Paris, 1961.