"التدخل بالاحتلال" مصطلح ومفهوم مقترح فی إطار القانون الدولی -(*)-
"interference occupying" is a term and concept proposed in the framework of international law
|
عبد الستار حسین الجمیلی
کلیة الحقوق/ جامعة تکریت
Abdul Sattar Hussein Al Jumaili
College of law / University of Tikrit
Correspondence:
Abdul Sattar Hussein Al Jumaili
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 9/9/2012*** قبل للنشر فی 11/12/2012.
(*) Received on 9/9/2012 *** accepted for publishing on 11/12/2012.
Doi: 10.33899/alaw.2013.160740
© Authors, 2013, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
شهدت مرحلة انتهاء الحرب الباردة حالات تدخل واسعة فی عدد من الدول، من قبل أمریکا وحلفائها تحت عناوین ومبررات إنسانیة وسیاسیة، وصلت الى حدّ الاحتلال المباشر للدول وتغییر أنظمتها، لذلک وفی إطار هذه التدخلات تم رصد نوع جدید من التدخل أطلقنا علیه "التدخل بالاحتلال"، الذی حاولنا فی هذا البحث مناقشته کحالة تدخل جدیدة، وإمکانیة اقتراحه کـ"مصطلح" و"مفهوم" فی إطار القانون الدولی، وکممارسة جرى تبریرها والتسویغ لها فی إطار الشرعیة الدولیة والمنظمة الدولیة اللتان بنیتا على مبادئ ترفض کلّ أنواع الاحتلال واستخدام القوة بین أشخاص القانون الدولی، وذلک بهدف تقدیم مقاربة معرفیة وقانونیة وتعریف محدد لهذه الحالة، ومدى شرعیتها ،عبر الترکیز على حالات محددة لهذا النوع من التدخل الذی تجاوز الحدود المسموح بها فی القانون الدولی، بتنفیذ احتلال فعلی للدول وإسقاط کیاناتها وأنظمتها، کما حدث فی أفغانستان والعراق ولیبیا وربما فی دول أخرى محتملة کسوریة.
Abstract:
The stage of the end of the Cold War cases of interference and wide in a number of countries, by America and its allies under the headings of and justification for humanitarian and political, to the extent of direct occupation of the States and change their systems by force, so in the framework of these interventions have been monitoring a new kind of intervention we call "interference occupation" , which we tried in this research discussed a case new intervention, and the possibility of his proposal as a "term" and "concept" in the framework of international law and practice has been justified and the justification in the framework of international legitimacy and the international organization, which Benita on the principles of rejects all kinds of occupation and use of force among the people law international, in order to provide an approach of knowledge, legal and specific definition of the situation, and the extent of its legitimacy, by focusing on specific cases of this new type of intervention that exceeded the limits of intervention allowed in international law, the implementation of the occupation of physical states and drop entities and systems, as happened in Afghanistan, Iraq and Libya and possibly in other countries, a possible fractal.
المقدمة
اولا- مضمون البحث: شهدت مرحلة انتهاء الحرب الباردة حالات تدخل واسعة فی عدد من الدول، من قبل أمریکا وأوربا والأمم المتحدة، تحت عناوین ومبررات انسانیة، وصلت الى حدّ الاحتلال المباشر للدول وتغییر انظمتها بالقوة، لذلک فانّ "التدخل بالاحتلال" للدول وتحت مسوغات ومبررات عدة، الذی یقترحه الباحث هنا کـ"مصطلح" و"مفهوم"، یعدّ من المتغیرات البارزة التی تمّ رصدها فی مرحلة انتهاء الحرب الباردة، ارتباطاً بدور مجلس الأمن وتأثیرات انتهاء هذه الحرب على سلطاته فی حفظ السلم والأمن الدولیین، الذی کثیراً ما استخدمت قرارات هذا المجلس کغطاء لهذا النوع من السلوک الدولی، نصاً أو تأویلاً صراحة أو ضمنا.
ثانیا- أهمیة البحث: لذلک فانّ أهمیة البحث تکمن فی مناقشة حالة "التدخل بالاحتلال" وامکانیة اقتراحها کمصطلح ومفهوم وکظاهرة جدیدة فی إطار مفهوم التدخل بشکل عام، وکممارسة جرى تبریرها والتسویغ لها فی إطار الشرعیة الدولیة والمنظمة الدولیة اللتان بنیتا على مبادئ وقواعد معاصرة ترفض کلّ أنواع الاحتلال واستخدام القوة بین أشخاص القانون الدولی، وذلک من عدة جوانب وأطر معرفیة وقانونیة، فی محاولة لتقدیم مقاربة معرفیة وقانونیة وتعریف قانونی محدد لهذه الحالة ومدى شرعیتها وحدود انسجامها مع مفهوم التدخل، عبر الترکیز على حالات محددة لهذا النوع الجدید من التدخل الذی تجاوز حدود التدخل المسموح بها فی القانون الدولی، بتنفیذ احتلال فعلی للدول وإسقاط الکیانات والأنظمة القائمة فیها، کما حدث فی أفغانستان والعراق ولیبیا وربما فی دول أخرى محتملة کسوریة.
ثالثا- مشکلة البحث: فما هو "التدخل بالاحتلال" فی إطاره المعرفی الذی نقترحه؟ وما هی علاقته بمفهوم التدخل بشکل عام والتدخل الإنسانی بشکل خاص؟ ومدى وحدود مشروعیته؟ والمبررات التی جرى الترویج لها لاحتلال الدول؟ وانعکاس ذلک کله على تطورات القانون الدولی وتحولات البیئة القانونیة والسیاسیة الدولیة؟ هذه الأسئلة، التی تمثل إشکالیة البحث، ما یحاول الباحث الإجابة علیها منهجیا فی هذا البحث، انطلاقا من اهتمامه وتقدیره لأهمیة هذا الموضوع فی إطار ما یشهده المجتمع الدولی ومنظماته الدولیة والإقلیمیة من تحولات مسّت الکثیر من المفاهیم الراسخة فی القانون الدولی.
رابعا- منهجیة البحث: وقد تمت مناقشة البحث وفق منهج قانونی اعتمد المنهج التحلیلی والتاریخی والمقارن فی مناقشة موضوع البحث بهدف الخروج بنتائج قانونیة موضوعیة.
خامسا- خطة البحث: تم تقسیم هذه الدراسة منهجیا إلى ثلاثة مباحث رئیسیة وخاتمة تتضمن النتائج التی توصل إلیها الباحث وتوصیاته فی ضوء ذلک، وکما یأتی:
المبحث الأول/ مفهوم التدخل- توصیف عام.
المبحث الثانی/ ماهیة "التدخل بالاحتلال" ومدى مشروعیته- الإطار المعرفی والقانونی.
المبحث الثالث/ حالات "التدخل بالاحتلال"- دراسة حالة.
المبحث الأول- مفهوم التدخل- توصیف عام
کان التدخل الدولی ومازال مثار جدل وخلاف فقهى واسع فی إطار القانون الدولی، ومحلاً للشک من جانب دول العالم الثالث خصوصا، التی کانت موضوعا وهدفا لهذا التدخل، وذلک ارتباطا بالوقائع والمتغیرات الدولیة، والمرحلة التی أعقبت انتهاء الحرب الباردة التی شهدت تغیرا جذریا فی موازین القوى لصالح قطبیة أحادیة أمریکیة، وحالات واسعة من التدخل الدولی وصلت الى حدّ الاحتلال المباشر.
وقد انعکس هذا الخلاف فی تعریف التدخل وتقدیر مدى مشروعیته وحدوده، إذ ینصرف التدخل بحد ذاته، وفقا لتعریفه الواسع، إلى ایّ ممارسات خارجیة تؤثر فی الشؤون الداخلیة لدولة أخرى ذات سیادة، فی حین ینحصر وفقا لتعریفه الضیق، فی التدخل القسری بالقوة العسکریة فقط.
وفی کلّ الأحوال یعرّف التدخل بمعناه العام وفقاً للقانون الدولی، بأنه تعرض دولة للشؤون الداخلیة أو الخارجیة لدولة أخرى بطریقة استبدادیة، بقصد الإبقاء على الأمور الراهنة أو تغییرها، بحق أو من دونه، ولکنه فی الحالات کافة یمسّ الاستقلال الخارجی أو السیادة الإقلیمیة للدولة المعنیة.
وفی هذا المنحى عرّف شتروب التدخل بأنه (( تعرض دولة للشؤون الداخلیة أو الخارجیة لدولة أخرى دون أن یکون لهذا التعرض سند قانونی، بغرض الزام الدولة المتدخل فی أمرها على إتباع ما تملیها علیها ...الدولة أو الدول المتدخلة )).بینما عرّفه شارل روسو بأنّه ((عبارة عن قیام دولة بتصرف، بمقتضاه تتدخل الدولة فی الشؤون الداخلیة والخارجیة لدولة أخرى، بغرض اجبارها على تنفیذ أو عدم تنفیذ عمل ما))، أما أوبنهایم فقد عرّفه بأنّه " کلّ تدخل دکتاتوری لدولة فی شئون دولة أخرى، بهدف المحافظة على الأوضاع القائمة أو تغییرها فی تلک الدولة.
أمّا فی إطار الفقه العربی فقد عرّف الدکتور بطرس غالی التدخل (( أن تتعرض دولة للشؤون الداخلیة أو الخارجیة لدولة ضغطا علیها کی تلتزم باتباع سیاسة معینة أو کی تمتنع عن سیاسة معینة، ویبدو هذا التدخل فی صور متعددة من أبرزها: التدخل الدبلوماسی، والاقتصادی والمستتر والعسکری...))، وعرّفه الدکتور محمد المجذوب بأنه ((عمل غیر مشروع لا یستند الى مسوّغ قانونی... ویکون الغرض منه غالبا رغبة دولة قویة ذات أطماع فی املاء سیاسة معینة أو طلب أمر معین من دولة أضعف منها...)).
ومن خلال التعاریف المذکورة، یبدو أنّ أغلب الفقهاء یذهبون الى أنّ التدخل یکون من طرف دولة فی شئون دولة أخرى، وأنّه استبداد لا یستند على أساس قانونی ، بل یعتمد على قوة الدولة فی ممارسة الضغط بأشکاله المختلفة.
وقد کان التدخل أمراً مباحاً فی العصور التی سبقت التنظیم الدولی، أما فی عصر التنظیم الدولی، وقبل إنشاء الأمم المتحدة، فقد کان للدول حق اللجوء إلى القوة لتحقیق أهدافها انسجاماً مع الاعتراف ما للدول من سیادة مطلقة،لکن التدخل اقتصر خلال هذه المرحلة على حمایة حقوق الإنسان للأقلیات التی تشارک الدول المتدخلة أصولها العرقیة أو الدینیة أو اللغویة.. الخ.
وقد اتخذ التدخل فی هذه المرحلة مظهرینتدخل إنسانی غیر مسلح، ومن أمثلته الاتفاقیات المتبادلة لحمایة الأقلیات الدینیة، ومنها: اتفاقیة فیینا (1606) بین المجر وترانسلفانیا، حول الاعتراف للبروتستانت بحریة ممارسة شعائرهم الدینیة، ویؤخذ على هذه الاتفاقیات أنّها اقتصر على الدول الصغرى دون الدول الکبرى، وأن حمایة الأقلیات لم تکن إلا ذریعة للتدخل فی الشؤون الداخلیة للدول.
وتدخل إنسانی مسلح ، ومن أمثلته تدخل فرنسا عسکریاً فی سوریا عام 1860، نیابة عن القوى الکبرى لإنقاذ المارونیین خلال المعارک مع الدروز، وما یؤخذ على هذا التدخل المسلح من قبل الدول الأوربیة، هو اقتصاره على حمایة الأقلیات المسیحیة فی البلدان غیر المسیحیة.
وقد مال الفقه الغربی فی مجمله الى الاعتراف للدول الأوربیة بالتدخل فی شؤون غیرها لحمایة الأقلیات التی تشارکها أصولها فی العرق أو الدین، لکنه فی نفس الوقت لم یسمح بالتدخل فی شؤون الدول الأوربیة تحقیقاً لذات الأهداف، ومن أبرز هؤلاء الفقهاء، جروسیوس وفیتوریا وأوغسطین.
وبعد الحرب العالمیة الأولى حصل تطور کبیر فی مجال حمایة الأقلیات، فبعد أن أعطت الدول الأوربیة الکبرى لنفسها هذا الحق، عهد بها بعد الحرب العالمیة إلى عصبة الأمم، کمنظمة عالمیة، وبذلک صار موضوع الحمایة یهمّ سائر أعضاء الجماعة الدولیة مما ساعد على إرساء نظام دولی خاص لحمایة حقوق الأقلیات، ومن الأمثلة على ذلک:اتفاقیة الحلفاء مع بولندا بفرسای فی 28 حزیران1919 لحمایة الأقلیات، واتفاقیة السلام مع النمسا فی10 أیلول/1919.
وعلى الرغم من التطور الذی حصل فی نظام حمایة الأقلیات، إلاّ أنه ظل مقصوراً على حمایة الأقلیات دون حقوق سائر الأفراد، کما أنه اقتصر على حمایة أقلیات معینة دون باقی الأقلیات، وظلّ مرتهناً بإرادة الدول الأوربیة وحسب مصالحها الخاصة.
ومع إنشاء الأمم المتحدة عام 1945، ونص المادة (2/7) من المیثاق على عدم جواز تدخل المنظمة فی الشؤون التی تکون من صمیم السلطان الداخلی لدولة ما، صار مبدأ عدم التدخل یحکم العلاقات الدولیة بین المنظمة والدول، وفیما بین الدول نفسها .
وفی ضوء ذلک یتفق معظم الفقهاء على أن الأصل فی التدخل أنه عمل غیر مشروع، باعتباره تعرض دولة للشؤون الداخلیة أو الخارجیة لدولةٍ أخرى، ویرد على هذا الأصل استثناءان نصّ علیهما المیثاق هما: ما تضمّنه الفصل السابع من إجراءات، وحق الدفاع الشرعی بموجب م/51.
وللتدخل أنواع وصور مختلفة حسب الزاویة التی ینظر منها إلیه، فمن حیث طبیعته: یکون سیاسیا أو عسکریا أو اقتصادیا…والخ. ومن حیث شکله: یکون إما تدخلا مباشرا أو تدخلا غیر مباشر. ومن حیث القائمین به: یکون إمّا تدخلا فردیا، أو تدخل جماعی تقوم به منظمة أو عدة دول.
ومع انتهاء الحرب الباردة، شاع استخدام مفهوم التدخل الإنسانی کأحد صور التدخل، وکتعبیر عن التحولات التی بدأت تتبنى مفاهیم حقوق الإنسان والحمایة الإنسانیة وغیرها من القیم التی بدأت تأخذ مکانها على جدول أعمال النظام الدولی الجدید.
وفی هذا الاطار یعرّف التدخل الإنسانی، بأنه "لجوء شخص أو أکثر من أشخاص القانون الدولی إلى وسائل الإکراه السیاسیة أو الاقتصادیة أو العسکریة ..الخ ضد الدولة أو الدول التی ینسب إلیها الانتهاک الجسیم والمتکرر لحقوق الإنسان، بهدف حملها على وضع نهایة لمثل هذه الممارسات".
ومع أن مفهوم التدخل الإنسانی لیس مفهوماً حدیثاً، إذ ارتبط الحدیث عنه فی العلاقات الدولیة، بما عرف بمبدأ حمایة الأقلیات، خصوصاً بعد الحرب العالمیة الأولى، إلا أن صیاغته جاءت فی أواخر ثمانینات القرن الماضی حیث ظهر هذا المفهوم متزامناً مع ما عرف بالنظام العالمی الجدید، أما على مستوى الاستخدام الفعلی له فکان مع صدور القرار (688) فی 5 نیسان/1991 الخاص بحقوق الإنسان فی العراق، وتکرر نفس الأمر فی الصومال (1992) ورواندا (1994) ...الخ.
ویجد حق التدخل الإنسانی أسانیده القانونیة فی تطور القانون الدولی الإنسانی وقانون حقوق الإنسان اللذان یهدفان الى حمایة الإنسان وصیانة کرامته، فمع نشأة وتنامی القانون الدولی لحقوق الإنسان أصبحت حمایة هذه الحقوق شأناً دولیاً یلقی التزامات ویرتب المسؤولیة على عاتق الدول الأعضاء، کما أدى ذلک إلى الاعتراف المتزاید بما یسمى بحق التدخل فی شؤون دولة أخرى لحمایة حقوق الإنسان دون اکتراث بمبدأ السیادة الوطنیة، والذی سمی بحق التدخل الإنسانی.
وکان للتحولات التی شهدها النظام الدولی بعد انتهاء الحرب، لاسیّما تفجر النزاعات الداخلیة فی العدید من الدول، دورها الأساسی فی بروز ظاهرة "التدخل الإنسانی"، الذی أخذت الدعوات تطالب به تحت دعوى الدفاع عن حقوق الإنسان وحمایة الأقلیات وتأمین وصول المساعدات الإنسانیة.
وقد رافقت هذه الدعوات خلافات قانونیة وسیاسیة حول ما إذا کان ینبغی ممارسة التدخل، ومتى یمارس، ومن یمارسه، وتحت أی سلطة یمارس؟ وکان ذلک بمناسبة التدخل فی العراق والصومال والبوسنة وکوسوفو، حیث کان التبریر الذی أعطی لهذا التدخل، هو أن الدولة تتحمل مسؤولیة حمایة مواطنیها من المآسی التی یمکن تجنبها کالقتل الجماعی، ولکن عندما تکون هذه الدولة غیر راغبة أو غیر قادرة على فعل ذلک، فإنه یجب على المجتمع الدولی أن یتحمل تلک المسؤولیة.
وقد وجد هذا النوع من التدخل أرضیته المناسبة فی التحولات التی طرأت على مفهوم السیادة بعد انتهاء الحرب الباردة، لتبریر سیاسات لم تکن مقبولة من قبل، التی تتمثل بفکرة التدخل الدولی لحمایة حقوق الإنسان. فعلى الرغم من أن نص المادة (2/7) من المیثاق لا یعطی للمنظمة أو الدول حق التدخل فی الشؤون الداخلیة للدول، إلا أنه بعد انتهاء الحرب الباردة ونتیجة لرغبة بعض الأطراف فی توسیع دور المنظمة، لهذا السبب أو ذاک، جرت محاولات لإعادة النظر فی التقییم التقلیدی لشرعیة التدخل، وهو ما أدى إلى حدوث تحولات فی اتجاهات مجلس الأمن لصالح التدخل الإنسانی.
ومن ناحیة أخرى، وتحت ضغط الخلافات المحتدمة بین أنصار السیادة المطلقة وعدم التدخل وبین أنصار السیادة المقیدة والتدخل الإنسانی، اقترح البعض أن تکون المناظرة حول "مسؤولیة الحمایة الإنسانیة" ولیست مناظرة حول "الحق فی التدخل" على الرغم من أن هذه المسؤولیة تدین بها کل الدول إلى مواطنیها فی المقام الأول.
ویذهب البعض إلى أن هذه المقاربة المفاهیمیة باستخدام مصطلح "مسؤولیة الحمایة"، تمثل تحولاً فی التفکیر حول جوهر السیادة من السیطرة إلى المسؤولیة، ففی النظام الوستفالی (معاهدة وستفالیا 1648) کانت الصفة التی تحدد السیادة، هی قدرة الدولة على اتخاذ قرارات نافذة داخل حدودها، والذی عبر عنه میثاق الأمم المتحدة فی مبدأ المساواة فی السیادة، وقاعدة عدم التدخل التی تخول الدولة ذات السیادة بممارسة الولایة الحصریة والکاملة داخل حدود أراضیها، وعلى الدول الأخرى واجب مقابل یتمثل بعدم التدخل فی شؤونها الداخلیة.
إلاّ أن تجارب التدخل بعد انتهاء الحرب الباردة تفید بأنّ السلوک الدولی قد جرى بخلاف هذا المبادئ، وهو ما سبب تحولاً فی ثقافة حصانة السیادة إلى ثقافة أخرى تقوم على المساءلة الوطنیة والدولیة، وکذلک بتأثیر مفهوم الأمن الإنسانی، الذی أکد على حمایة الناس من الأخطار التی تهدد حیاتهم وکرامتهم الى جانب أمن الدول، وفی ضوء ذلک یؤکد البعض إلى أن هناک إقرار عام بأن سیادة الدولة تنطوی على مسؤولیة مزدوجة، تتمثل باحترام الدولة لسیادة الدول الأخرى على الصعید الخارجی، واحترام کرامة الناس الموجودین على أراضیها وحقوقهم الأساسیة على الصعید الداخلی.
ومن جانب آخر کان هناک جدل أکثر أهمیة، یتعلق بالتدخل الإنسانی الذی ینطوی على استخدام القوة فی بعض الحالات القصوى، حیث ذهب البعض إلى أنه حتى یمکن تبریر هذا النوع من التدخل یجب الوفاء بعدد من المبادئ، من بینها شرط السلطة الصحیحة، الذی یؤکد على أنه عندما یتعلق الأمر بتخویل التدخل العسکری لأغراض الحمایة الإنسانیة، فیجب أن تکون الأمم المتحدة هی المحطة الأولى للحصول على هذا التخویل، ولیس المحطة الأخیرة کما کان الأمر فی کوسوفو.
أما إذا کان مجلس الأمن غیر مستعد للعمل فی حالة تستدعی التدخل حقاً أو غیر قادر علیه، فیؤکد أصحاب هذا الرأی أن هناک حلان مؤسسیان متاحان: دراسة الجمعیة العامة للحالة فی دورة استثنائیة (الاتحاد من أجل السلم)، أو التدخل من قبل منظمة إقلیمیة ضمن حدودها الجغرافیة وذلک بموجب الفصل الثامن من المیثاق، بشرط الحصول على تفویض لاحق من مجلس الأمن، کما کان الحال فی تدخل الجماعة الاقتصادیة لغرب أفریقیا فی لیبیریا (1991) وفی سیرالیون (1997).
وفی إطار المناظرات التی جرت بصدد الموقف من التدخل الانسانی انقسم فقهاء القانون الدولی إلى ثلاثة اتجاهات رئیسیة: الاتجاه الأول یذهب الى عدم مشروعیة التدخل الإنسانی بدعوى أنه یمس بالسلامة والاستقلال الإقلیمیین للدولة، وفی هذا الاتجاه، یرى Ian Brownlie بعدم وجود أی غطاء شرعی لهذا التدخل فی المبادئ التی تحکم الأمم المتحدة والعلاقات الدولیة، لذلک فانّه یعدّ عملاً غیر مشروع، عدا حالتی الدفاع الشرعی، والدفاع الجماعی.
ومن الفقهاء العرب الذین عارضوا التدخل الإنسانی على أساس أنّ وراءه مصالح استعماریة، د. محمد سامی عبد الحمید، ود. بطرس غالی قبل أن یصبح أمینا عاما للأمم المتحدة.
وعلى الصعید الدولی، فإن الکثیر من دول العالم الثالث ترفض التدخل الانسانی بدعوى تعارضه مع السیادة الوطنیة، ویعطی الدول الکبرى فرصة الهیمنة على قدراتها السیاسیة والاقتصادیة.
أما الاتجاه الثانی فیذهب الى القول بمشروعیة التدخل الانسانی باعتباره من الأفکار الحدیثة نسبیاً فی القانون الدولی، ویجوز استخدامه إذا ما وقع انتهاک جسیم لحقوق مواطنی الدولة المتدخل ضدها، وقد تبنى هذا الرأی عدد من فقهاء القانون الدولی ورواد النزعة الانسانیة.
حیث یرى لیلک (Lillich) أن التدخل الإنسانی مقبول قانوناً ومنذ فترة جروسیوس وفاتیل، وتأکد ذلک من خلال الممارسات الدولیة، کما لاقى قبولاً من الأمم المتحدة، بدلیل أنها لم تشجب التدخل فی الکونغو لإنقاذ الرهائن، ولم تعتبر أی تدخل إنسانی آخر انتهاکاً للمادة 25/ع من المیثاق ، ویبین روسو أن الهدف من التدخل الإنسانی هو وقف العملیات المنافیة للإنسانیة، ومنع تجددها مستقبلاً.
وعلى الصعید الدولی، فانّ الدول الغربیة لا تجد حرجاً فی الاعتراف لنفسها بمراقبة حقوق الإنسان فی البلدان المختلفة، وبحق التدخل لدى الدول التی یدّعى بانتهاکها لحقوق الإنسان، وهو ما قامت به أمریکا منذ عهد رئیسها کارتر وترسخ أکثر بعد انتهاء الحرب الباردة، حیث اعترفت لنفسها بحق مراقبة حقوق الإنسان باستخدام کلّ الوسائل بما فیها القوة والاحتلال.
وهناک رأی یتوسط هذین الاتجاهین، یقیم هذا التدخل على أساس أخلاقی ولیس على أساس قانونی، حیث یشیر "ستانلی هوفمان"، إلى أن هذا التدخل مبرر من الناحیة الأخلاقیة عندما یهدد الاضطراب الداخلی الأمن الإقلیمی أو الدولی، أو عندما تقع انتهاکات جسیمة لحقوق الإنسان.
ومن استعراض تلک الآراء یتبین إن القول بشرعیة التدخل الإنسانی أو عدم شرعیته یعتمد على معرفة الظروف التی تحیط بمثل هذا التدخل من حیث الموضوع والوسائل والغایات، لذلک فإن الباحث یمیل إلى القول بشرعیة مشروطة للتدخل الانسانی کلما تعلق الأمر بحمایة حقوق الإنسان من الانتهاکات الجسیمة، وهذا الشرط یتمثل بحصر التدخل من قبل المنظمة الدولیة ووفق معاییر وحدود قانونیة وانسانیة صارمة، وعدم إطلاق ید الدول الکبرى لتتدّخل کما تشاء وفقا لمصالحها التی حولت المجتمع الدولی إلى غابة.
المبحث الثانی- ماهیة "التدخل بالاحتلال" ومدى مشروعیته-
الإطار المعرفی والقانونی للمفهوم والمصطلح المقترح
فی المبحث السابق حاولنا تقدیم توصیف عام للتدخل الدولی بشکل عام والتدخل الانسانی بشکل خاص، وتبین فی هذا الاطار أنّ الأصل فی التدخل أنه عمل غیر مشروع ، وأن هناک استثناءات قلیلة ترد علیه نص علیها میثاق الأمم المتحدة تتمثل: بحالتی الأمن الجماعی والدفاع الشرعی المنصوص علیهما فی الفصل السابع والمادة/51 من المیثاق.
ومع انتهاء الحرب الباردة شهد المجتمع الدولی متغیرات نوعیة فی هیکل النظام الدولی وموازین القوى فیه ببروز القطبیة الأحادیة الأمریکیة ، وإعادة صیاغة بعض المفاهیم المستقرة فی القانون الدولی کالسیادة الوطنیة، ومبدأ عدم التدخل، ومنع استخدام القوة، وإشاعة مفاهیم جدیدة تعبر عن هذه المتغیرات ومن بین هذه المفاهیم "التدخل الانسانی" الذی أثار مناقشات وخلافات واسعة فی إطار فقه القانون الدولی وبین الدول والمنظمات ، سواء على مستوى التأصیل أو الممارسة أو المشروعیة.
حیث شهدت هذه المرحلة تکثیفا غیر مسبوق فی حالات التدخل الانسانی فی عدد من الدول تحت عناوین ومسوّغات وصور عدیدة، ومن بین هذه الدول: العراق (1991)، والصومال (1992)، ورواندا وهاییتی (1994)، وکوسوفو وتیمور الشرقیة (1999)، تطوّر هذا التدخل بعد أحداث 11 أیلول/2001، والتظاهرات وأعمال العنف التی عمّت الوطن العربی بدءا من عام 2010، الى احتلال مباشر للدول وإسقاط أنظمتها بالقوة، من غیر تفویض من مجلس الأمن او تأویل قراراته بما یخدم هذا النوع من التدخل.
فبدا هذا التدخل وکأنه یتماثل مع النماذج الاستعماریة المریرة التی کانت سائدة فی القرون الماضیة، التی تصوّر العالم، خصوصاً شعوب العالم الثالث التی کانت موضوعاً وضحیة لهذه الظاهرة العدوانیة، أنّه قد تخلص منها بعد الحرب العالمیة الثانیة، عبر تبنی میثاق الأمم المتحدة لعدد من المبادئ والقواعد الخاصة بتصفیة الظاهرة الاستعماریة، وبروز حرکة التحرر الوطنی فی مواجهة هذه الظاهرة.
حیث شغلت مسألة تصفیة الاستعمار الفصول(11، 12، 13) من المیثاق، وعدد من المبادئ والأهداف کان فی مقدمتها: حق الشعوب فی تقریر المصیر کأحد مقاصد الأمم المتحدة وأهدافها الأساسیة، ومبدأ المساواة السیادیة بین الدول، وحل المنازعات بالطرق السلمیة، وتحریم استخدام القوة أو التهدید بها، والامتناع عن التدخل فی المسائل التی تتعلق بالاختصاص الداخلی للدول.
وتدّعم هذا المنحى بصدور قرار الجمعیة العامة المرقم 1514 فی 14 ک1/1960، فی صورة "إعلان بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة"، الذی اعتبر إخضاع الشعوب للحکم والسیطرة الأجنبیة بمثابة إنکار لحقوق الإنسان الأساسیة، وینطوی على خرق للمیثاق ویعوق تنمیة العلاقات الودیة بین الشعوب مما یشکل تهدیداً للسلم والأمن الدولیین"، وکان من نتیجة ذلک، والتضحیات التی قدمتها حرکة التحرر الوطنی، أن استقلت أغلب الدول، باستثناء بعض الدول، مثل فلسطین المحتلة.
إلا أن التحولات التی طرأت على المجتمع الدولی مع انتهاء الحرب الباردة، والتی تمثلت خصوصا بسیادة القطبیة الأحادیة، والعولمة بتجلیاتها السیاسیة والأمنیة والقانونیة، کان لها تأثیرا مباشرا على کثیر من المفاهیم والقیم والمواقف التی سادت حقل القانون الدولی والعلاقات الدولیة، مثل السیادة والتدخل الإنسانی والعسکری وحقوق الإنسان وحرکة التحرر الوطنی وعدم الانحیاز...الخ.
الأمر الذی اقترن ببروز المخاوف من تجدد الظاهرة الاستعماریة بأدوات وأشکال حدیثة وتحت مبررات ومسوغات جدیدة، بدلاً من الآمال التی بدأت تراود البشریة بعد انتهاء الحرب الباردة فی أن تصبح المبادئ الأصلیة للمنظمة ومیثاقها أساس النظام الدولی الجدید، وقد زاد من حدّة هذه المخاوف وتکریسها أنّ الألفیة الثالثة التی اقترنت بدایاتها بتجدد هذه الآمال، قد شهدت ثلاث حالات احتلال (أفغانستان والعراق ولیبیا) ومحاولة احتلال سوریة، تحت مبررات ومسوغات عدیدة مهدت لها وقادتها ونفذتها القطبیة الأحادیة فی العالم (امریکا)، التی کانت قد بشرت مع انتهاء الحرب الباردة ببزوغ "نظام عالمی جدید" یقوم على القانون والعدالة والسلام والأمن والحریة، وفقاً لتعابیر الرئیس بوش الأب.
حالات الاحتلال تلک، التی تمّ رصدها من قبل الباحث– معرفیا وقانونیا- کمتغیر أساسی من متغیرات ما بعد انتهاء الحرب الباردة، أفرزت ظاهرة جدیدة فی إطار التدخل الدولی، أطلقنا علیه "التدخل بالاحتلال" الذی نقترحه هنا کـ "مصطلح" و"مفهوم" فی إطار القانون الدولی، وسنحاول قدر ما تسمح به حدود هذه الدراسة أن نقدم تعریفا ومقاربة أولیة لهذا المصطلح والمفهوم.
وبدون الخوض فی تفاصیل الفرق بین "المصطلح" و"المفهوم" ودلالتهما فی العلوم الاجتماعیة والمنطق، فانّ المقصود بالمفهوم فی العلوم الاجتماعیة بشکل عام یشیر الى تجرید عقلی یعبر عن ظاهرة محددة بهدف تلخیصها فی شکل مصطلح یثیر فی الذهن خصائص تلک الظاهرة، من أجل تسهیل التواصل بین المهتمین بها، أو بمعنى آخر هو "مجموع الصفات او الخصائص الموضحة لمعنى کلّی وعلى أساسه یقوم التصنیف والتعریف".
وعلیه فانّ المقصود بـالمفهوم وفق رؤیة الباحث فی هذه الدراسة هو "مجموعة الأفکار التی تحدد خصائص وعناصر موضوع أو ظاهرة معینة تنتمی الى حقل معرفی معین من الحقول المعرفیة للعلوم المختلفة"، بینما یقصد بــالمصطلح هو "تکثیف المفهوم بمجموعة من الکلمات الدالة على معناه وحدوده".
وفی هذا الاطار فان "التدخل بالاحتلال" کمفهوم یعنی من وجهة نظر الباحث، مجموعة الأفکار التی تضمنها هذا النوع الجدید من التدخل من حیث الماهیة والتوصیف القانونی والدوافع والأهداف والوسائل والمشروعیة والآلیات والشعارات وعلاقته بأنواع التدخل الأخرى، التی ستتم مناقشتها عند التعرض لمناقشة هذا المفهوم فی التطبیق والممارسة، وفی سیاق هذه المناقشة ستتم صیاغة "التدخل بالاحتلال" على شکل مصطلح ، على أمل تعمیق دراسته وتعمیمه والحدّ من مخاطره وآثاره مستقبلا.
ففی معرض تحذیره لأمریکا من عواقب التدخل العسکری فی سوریة، فرق هنری کیسنجر بین التدخل الانسانی، والتدخل الاستراتیجی، وذلک لأسباب تتعلق بمصلحة بلده أمریکا والثمن الفادح الذی دفعته بعد تورطها فی العراق وأفغانستان، والأضرار التی ألحقتها بدول مثل لیبیا ومالی وباکستان أو ما یمکن أن تلحقها بدول أخرى مثل سوریة ومصر والیمن وغیرها من الدول.
ما یهمّنا فی هذا التحذیر الذی جاء متأخرا أنّه یؤکد من جهة، خطورة المنحى الذی وصل الیه "التدخل الانسانی" حین تحول الى "تدخل استراتیجی" لتحقیق مآرب وأطماع خاصة وحمایة مصالح استراتیجیة تحت غطاء إنسانی، ومن جهة اخرى یمثل اعترافا مباشرا بهذا المنحى من أحد کبار منظری القرار فی الدولة الأولى فی العالم التی کانت وراء أغلب إن لم یکن جمیع حالات التدخل "الانسانی" الاستراتیجی بعد انتهاء الحرب الباردة، الأمر الذی یعزّز من القیمة القانونیة لمصطلح ومفهوم "التدخل بالاحتلال" الذی نقترحه، باعتباره تعبیرا عن عمق المتغیرات الجذریة التی یعیشها المجتمع الدولی فی هذه المرحلة، والمخاطر التی تحیط بمبادئ وقواعد القانون الدولی بمنحاه السلمی والانسانی.
فبعد سلسلة من عملیات "التدخل الانسانی" فی عدد من الدول خلال مرحلة التسعینیات، والتی شهدت فی حینها تباینا واسعا فی المواقف حول تطبیقات وحدود وشرعیة هذا التدخل، الذی جرى بعضه بدون تفویض دولی ، فیما تجاوز بعضه الآخر الشروط القانونیة الموضوعة له، وبعد أحداث 11 أیلول، بدأت امریکا وحلفائها ما اسمته "الحرب ضد الارهاب"، وکان مجلس الأمن محطتها الأولى حیث صدرت عدة قرارات وفق الفصل السابع اعتبرت الارهاب تهدیدا للسلم والأمن الدولیین، وأعطت غطاء دولیا لأمریکا وحلفائها لتنفیذ عملیات حربیة واسعة النطاق ضد حرکة طالبان بدعوى إیوائها لتنظیم القاعدة المتهم بمسؤولیته عن الهجوم الذی تعرضت له أمریکا فی 11 أیلول، انتهت هذه العملیات باحتلال أفغانستان بالکامل وتغییر نظامها السیاسی وحل وتفکیک مؤسساتها وکیانها بالکامل.
وفی إطار تداعیات هجوم 11 أیلول وتحت عنوان الحرب ضد الإرهاب، بدأت أمریکا نزاعاً آخراً مع العراق، لکن تحت مسوغات ومبررات أخرى، لینتهی هذا النزاع بغزو واحتلال العراق کاملاً فی 9 نیسان/2003، وتغییر نظامه السیاسی وتدمیر وتفکیک مؤسساته وکیانه، ثم صدور القرار 1483 فی 22 أیار/2003 الذی اعتبر القوات الأمریکیة والمتحالفة معها بمثابة سلطة احتلال.
وفی شباط 2011 وتزامنا مع أحداث المظاهرات والعنف التی عمّت الوطن العربی، تحرکت أمریکا وحلفائها، لإیجاد مبررات التدخل العسکری فی لیبیا وتغییر نظامها السیاسی بالقوة، متخذة من قرارات الجامعة العربیة أساسا لاستصدار قرارین من مجلس الأمن (1970و1973/2011) بفرض حظر جوی ثم البدء بهجوم شامل، کان من نتائجه احتلال لیبیا تحت حجة حمایة المدنیین والتغییر الدیمقراطی.
وفی اطار تحلیل القانون الدولی لاحتلال الدول الثلاث ومحاولات احتلال دول أخرى فان التباین بدا اکثر حدة وشمولا فی الجدل القائم حولها، فعلى الرغم من الاجماع على عدم قانونیة هجمات 11 أیلول، إلاّ أنه لم یقد الى إجماع مماثل على القضایا القانونیة التی أثارها ردّ فعل أمریکا ولجوئها الى استخدام القوة واحتلال أفغانستان.
وبالمثل نفسه فقد جاء قرار أمریکا بغزو واحتلال العراق بدون تفویض من مجلس الأمن، لیطلق العنان فی أمریکا لنفی أی صلة لمجلس الأمن بهذا الشأن، وتأکید عدم انطباق أحکام القانون الدولی على أمریکا،،بل ذهب البعض من الأمریکیین الى الترحیب بـ"موت الأمم المتحدة".
وبأشدّ صرامة فانّ المثالین اللیبی والسوری، وارتباطا بالأحداث فی الوطن العربی، یؤکدان بأن ثمة متغیرات عمیقة تجری فی إطار المجتمع الدولی باتجاه العودة به الى مراحل تصورت البشریة أنّها غادرتها لاسیّما بعد تشکیل الأمم المتحدة، إذ تطور "التدخل الانسانی" الذی ارتبط فی الذهن المجرد لفقهاء القانون الدولی (حتى وإن تحفّظ بعضهم علیه أو رفضه) وأصحاب النزعة الانسانیة، بالقیم والدواعی الانسانیة والأخلاقیة، تطوّر الى "تدخل استراتیجی" تحت عناوین "الدیمقراطیة وحقوق الانسان"، لتحقیق أهداف خاصة لأمریکا وحلفائها ممن تبنوا معها هذا النوع من التدخل.
فی ضوء هذا التطور الذی انتهى الیه التدخل الانسانی، بالاحتلال المباشر أو محاولة الاحتلال لعدد من الدول، فانّ المجتمع الدولی یواجه، من وجهة نظر الباحث، ظاهرة جدیدة فی إطار القانون الدولی والعلاقات الدولیة هی ظاهرة "التدخل بالاحتلال"، الذی یتضمن کمفهوم: إعادة إنتاج مرحلة الاستعمار لکن تحت غطاءات انسانیة ودیمقراطیة ودولیة لتبریر هذا النوع من التدخل، الذی یتخذ من الاحتلال وتغییر الأنظمة السیاسیة بالقوة وتفکیک البنى والأنماط الاجتماعیة والاقتصادیة والقانونیة والثقافیة ومؤسسات الدولة وکیانها، وسیلة لإعادة هیکلة المجتمع والدولة وفقا لرؤیة ومصالح ومعاییر وقیم وأهداف الدول الکبرى المتدخلة، ما یؤکد أنّ المجتمع الدولی، ودول العالم الثالث بالذات، بصدد موجة ثالثة من الاستعمار والهیمنة من قبل أمریکا وحلفائها، بعد مرحلتی الاستعمار المباشر والاستعمار الجدید، ومکمن الخطورة فی هذا النوع من التدخل أنّ مجلس الأمن قد أضفى مشروعیة سابقة أو لاحقة له، وبما یتعارض مع میثاق المنظمة والدور المنوط به فی حفظ السلم والأمن الدولیین.
ویختلف هذا النوع من التدخل عن انواع التدخل الأخرى، فهو یختلف عن التدخل الانسانی فی الوسائل والأهداف والغایات، فالتدخل الانسانی وان کان یستخدم القوة أو التهدید بها من قبل الطرف المتدخل ضد إرادة حکومة الدولة المستهدفة, لأسباب انسانیة, إلاّ أنّ هذا التدخل مشروط بوجود تفویض من مجلس الأمن, وأن یکون له استراتیجیة خروج واضحة, وألا یقود الى تهدید وحدة وسلامة أراضی الدولة المستهدفة به، بینما یفتقر التدخل بالاحتلال لهذه الشروط باعتباره تعبیرا عن مصالح الدول الکبرى المتدخلة ویقود الى تهدید وحدة وکیان الدولة المستهدفة.
کما یختلف عن التدخل العسکری التقلیدی وإن اتفقا فی وسائل القوة والقسر، فالتدخل العسکری یتسم بحالته المؤقتة وتحقیق أهداف محددة بدواعی واهداف التدخل، أما التدخل بالاحتلال فانه یتصف بطبیعته الدائمة وأهدافه الشاملة الساعیة لتغییر الأنظمة السیاسیة وکامل بنى الدولة والمجتمع.
وما یتعلق بمشروعیة هذا النوع من التدخل، فغالبیة الفقه والدول عارضته وحذّرت من اتساع نطاقه وتطبیقاته، واعتبرته انحرافا من قبل الدول الکبرى عن الحدود القانونیة التی رسمها القانون الدولی للتدخل الانسانی، وهو ما ظهر جلیا فی المواقف القانونیة والسیاسیة فی مواجهة احتلال أفغانستان والعراق ولیبیا ومحاولات احتلال سوریة، وهو ما ستتم مناقشته فی المبحث التالی.
واستنادا الى ذلک کلّه یمکن تعریف "التدخل بالاحتلال" کمصطلح على أنّه " نوع من أنواع التدخل الذی تقوم به الدول الکبرى تحت مزاعم إنسانیة وسیاسیة، بهدف احتلال الدول بالقوة المسلحة وتغییر أنظمتها السیاسیة وبناها الاجتماعیة والکیانیة بما ینسجم مع رؤاها ومصالحها، متخذة من قرارات مجلس الأمن الدولی السابقة أو اللاحقة غطاء لإضفاء المشروعیة على تنفیذ هذا النوع من التدخل"
المبحث الثالث/ حالات "التدخل بالاحتلال"- دراسة حالة.
لقد ارتبط "التدخل بالاحتلال" بحالات احتلال، افغانستان والعراق ولیبیا، ومحاولة احتلال سوریة، لذلک ومن أجل مزید من التأصیل المعرفی والقانونی لهذا المصطلح والمفهوم المقترح، فان الأمر یقتضی مناقشة حالات احتلال الدول الثلاث بقدر ما تسمح به حدود البحث.
أولا- حالة احتلال أفغانستان:
عقب سلسلة من الصراعات والحروب والتدخلات الدولیة والإقلیمیة التی شهدتها أفغانستان بعد انتهاء الحرب الباردة، أخذت القضیة الأفغانیة أبعاداً جدیدة مع الهجوم الذی تعرضت له أمریکا فی 11 أیلول/2001، واتهام تنظیم القاعدة المتواجد فی أفغانستان بمسؤولیته عن هذا الهجوم، والمطالبة بتسلیم مسؤوله "اسامة بن لادن" بدون تأخیر وأیة شروط وإلا فان أفغانستان ستتحمل العواقب.
وبعد یوم من الهجمات المذکورة أصدر مجلس الأمن الدولی قراره المرقم 1368 فی 12أیلول/2001، أدان فیه الهجوم واعتبره عملا من أعمال الارهاب وتهدیدا للسلم والأمن الدولیین، والى ذات المعنى ذهب القرار 1373 فی 28 أیلول/2001 ،الذی ألزم باتخاذ إجراءات اقتصادیة وسیاسیة معینة ضد الجناة والدول المشتبه فی مساعدتها لهم.
وقد وافقت طالبان على تسلیم بن لادن بشرط أن یحاکم أمام محکمة محایدة خارج أمریکا، وفی نفس الوقت أعطت لابن لادن الحق فی مغادرة أفغانستان طواعیة، إلا أن أمریکا رفضت ذلک وقامت بإرسال القوات وبناء التحالفات، لتبدأ بعد ذلک مع حلفائها الهجوم فی 7ت1/2001 الذی انتهى باحتلال معظم افغانستان فی 22ک1/2001وتدمیرها کدولة وتفکیک مؤسساتها وتغییر نظامها السیاسی.
وقد اختلفت الآراء بخصوص تقییم طبیعة هذه الحرب، حیث أکد البعض بأن الإجماع على عدم قانونیة هجمات 11أیلول ، لم یفض إلى إجماع مماثل على القضایا القانونیة التی أثارها الردّ على هذه الهجمات وبالخصوص لجوء أمریکا إلى استعمال القوة، فیما اعتبر البعض الآخر أن هذا الحدث یشکل ظاهرة جدیدة لا تتوافق مع الأطر والتصنیفات القائمة للقانون الدولی، باعتباره کان هجوما غیر مسبوق من قبل منظمة تعمل خارج سیطرة أی دولة، الأمر الذی یستدعی تفکیرا جدیدا فی طبیعة القانون الدولی وإعادة النظر فی بعض الافتراضات التی یقوم علیها نظامه.
وفی معرض تقییم قرارات مجلس الأمن ودوره، ذهب البعض إلى أن أیّا منها لم یصل إلى حدّ المطالبة بتسلیم المتهمین، ولم یخول أمریکا سلطة استعمال القوة، واقتصر دور المجلس على إصدار القرارات، ولم یکن له أی دور فی التصدی للنزاع أو محاولة حلّه فی إطار السلطات المخولة له.
وکذلک الأمر بالنسبة لأمریکا وبریطانیا فلم یطلبا ذلک مثلا فی خطابیهما إلى مجلس الأمن، فمع اتهامهما لأفغانستان بإیواء تنظیم القاعدة، إلا أنهما لم یدعیا بأن هذه الدولة مسؤولة وفقا للقانون الدولی عن الهجمات، لذلک یؤکد البعض بأنها ما کان ینبغی أن تکون هدفا للعمل العسکری.
ومن ناحیة أخرى أحال البعض احتلال أفغانستان إلى مجموعة من الأسباب السیاسیة والاقتصادیة والعسکریة، بینما اعتبره آخرون عودة بالقانون الدولی إلى القرنین الثامن عشر والتاسع عشر، فیما اعتبرت أمریکا على لسان ممثلیها بأن فضائلها هی التی تعرضت لهجوم ولیس نقائصها، وبالتالی بررت هذه الحرب بحق الدفاع الشرعی بموجب المادة 51 من المیثاق.
وبعد استعراض جانب من الآراء المعارضة والمؤیدة ومع أهمیة الحجج التی تقدم بها الطرفان، فانّه یمکن الخروج بموقف نقدی، یتلخص: بأنّه ما من شک بأن هجمات11 أیلول تنطبق علیها أرکان جریمة الإرهاب الدولی، إلاّ أنّه من ناحیة أخرى فانّ أمریکا قامت بشن الحرب بدون تخویل من مجلس الأمن الذی تمّ تهمیش دوره فی حدود إصدار القرارات التی فسرتها أمریکا بما یوافق سیاساتها ، وبالتالی فانّ تکییف هذه الحرب من وجهة نظر القانون الدولی أنها تعدّ عملا من أعمال العدوان وخروجا على الشرعیة الدولیة، ومن ناحیة ثالثة تعدّ هذه الحرب أول تطبیق لمتغیر رئیسی من متغیرات عالم ما بعد الحرب الباردة، أطلقنا علیه "التدخل بالاحتلال"، الذی تجاوز الکثیر من مبادئ ومفاهیم القانون الدولی کالسیادة ومبدأ عدم التدخل ومنع استخدام القوة فی العلاقات الدولیة.
ثانیا- حالة احتلال العراق:
تعود جذور القضیة العراقیة التی مهدت لاحتلال العراق إلى مجموعة من التداعیات الداخلیة والإقلیمیة والدولیة، کان فی مقدمتها: سجل الحکومة العراقیة فی مجال حقوق الإنسان، وقیامها باحتلال الکویت فی 2 آب/1990، وما ترتب علیه من فرض حصار اقتصادی وأمنی محکم، ثم سلوکها غیر العقلانی فی التشدد والحسابات الخاطئة فی إدارة هذا النزاع، وعدم مراعاة متغیرات ما بعد الحرب الباردة التی جرت لصالح هیمنة القطبیة الأحادیة الأمریکیة ومصالحها وتصوراتها وقیمها.
هذه العوامل الرئیسیة هی التی مهدت الأرضیة لأمریکا لتحویل انتباه المجتمع الدولی فی العام 2002 باتجاه ما ادّعته عدم امتثال العراق لقرارات مجلس الأمن، لتبدأ بعد ذلک الترویج لمبررات التدخل العسکری فی العراق، وهی: امتلاک العراق لأسلحة الدمار الشامل، وتحریر الشعب العراقی من الدیکتاتوریة وإحلال نظام دیمقراطی محلها، إلى جانب حجة ثالثة تم تداولها على نطاق ضیق، وهی وجود علاقة ما للعراق مع تنظیم القاعدة، لکن سرعان ما تم إهمالها.
فقد کان هناک ادعاء أمریکی- بریطانی بحیازة العراق لأسلحة الدمار الشامل، وبما یهدّد أمنهما القومی، ولیس لهما أن ینتظرا حتى یتعرضا للخطر، فکان قرارهما بأخذ زمام المبادرة والبدء بمهاجمة العراق تطبیقاً لاستراتیجیة الحرب الاستباقیة التی اعتنقتها أمریکا بعد 11 أیلول، وقد ارتبط هذا الادعاء بتصاعد مشکلة حیازة العراق لأسلحة الدمار الشامل مع استمرار سریان العقوبات التی کان مجلس الأمن قد فرضها عقب غزو الکویت، حیث تضمن قرار مجلس الأمن المرقم 687 فی 2 نیسان/1991 تعهداً من العراق بعدم حیازة أو إنتاج أسلحة دمار شامل أو ایة أنظمة فرعیة مساعدة.
وتصاعدت وتیرة هذه الأزمة مع دخول لجنة "أونسکوم"على خط هذا النزاع، حیث تفجرت الأزمة فی 12 ک2/1998 بین هذه اللجنة والعراق الذی قرر عدم التعاون معها ووقف عملیاتها، وبعد فترة من الشد والجذب قادت التداعیات بعد ذلک فی 16 ک1 1998 إلى توجیه أمریکا ضربات جویة وصاروخیة واسعة النطاق کانت موضع نقد شدید من الکثیر من فقهاء القانون الدولی.
وبعد أحداث 11 أیلول التی استثمرتها أمریکا بطریقة أثارت نقاشات واسعة فی القانون الدولی، تصاعدت حدة النزاع بتطبیق ما سمی "بالعقوبات الذکیة" التی تجاوزت مجرد تدمیر أسلحة الدمار الشامل إلى إعلان أهداف سیاسیة واضحة تتمثل بتغییر نظام الحکم فی العراق، رغم انه لم یرد ضمن الشروط التی تضمنها القرار 687/1991، وتعارضه مع منطق القانون الدولی.
وفی إطار هذه الأوضاع المتصاعدة، استصدرت أمریکا قرار مجلس الأمن المرقم 1441 فی 8 ت2/2002 الذی تحول العراق بموجبه، کما یقول البعض، إلى دولة ناقصة السیادة لما تضمنه من قیود والتزامات، کما کان موضع خلاف قانونی وسیاسی فی التفسیر حتى بالنسبة لحلفاء أمریکا.
وقد صاحبت عملیة تنفیذ هذا القرار تبادل للاتهامات، ما دفع أمریکا وحلفائها إلى محاولة استصدار قرار یسمح باستخدام القوة ، وبعد الاخفاق فی ضمان موافقة مجلس الأمن على تغییر الحکومة العراقیة، ادعت أمریکا بأنها لا تحتاج إلى هذا التفویض بدعوى الاستناد على قرارات سابقة صادرة عن المجلس تعطیها حق شن الحرب، وبالذات القرارین 687/1991 و 1441/2002.
وبعد أن منح الکونغرس الأمریکی فی 7 تشرین الأول 2002 تفویضا للرئیس بوش بشن هجوم عسکری على العراق، بدأ الهجوم صباح یوم 20 آذار/2003 بضربات جویة وصاروخیة ثم بریة، انتهت باحتلال العراق کاملاً فی 9 نیسان وتدمیر کامل مؤسساته وبناه التحتیة والمجتمعیة، الذی تم تکییفه کحالة احتلال بموجب القرار 1483 فی 22 أیار/2003، ثم خفف هذا التکییف إلى قوة متعددة الجنسیات بموجب قرار مجلس الأمن 1546 فی 16 حزیران/2004.
وفی ضوء بطلان مزاعم ومبررات احتلال العراق بموجب تقاریر فرق التفتیش الدولیة أمام مجلس الأمن، وتقریر المدیر العام للوکالة الدولیة للطاقة الذریة، ونتائج المسح الذی أجرته أمریکا وحلفائها، وما أسفر عن الغزو من احتلال غیر مشروع للعراق وتدمیر دولته ومؤسساته ونهب لثرواته وارتکاب جرائم دولیة ضد شعبه، فقد أکد الفقه الدولی فی غالبیته على أن العراق لم یشکل تهدیداً لأمریکا سواء بخطر داهم أو فوری مما کان سیتطلب الدفاع عن النفس تحسباً لهذا الخطر، ومن ثم ینهدم الأساس القانونی أو الواقعی الذی کان یمکن أن یخولها استخدام القوة ضد العراق.
وبناءً على ذلک فإن الاتجاه الغالب فی فقه القانون الدولی والذی یمیل إلیه الباحث، یؤکد بأن التکییف القانونی للتدخل العسکری فی العراق بدون تفویض دولی من مجلس الأمن، یتمثل بأن احتلال العراق یشکل عدواناً وفقاً لمبادئ القانون الدولی ومیثاق الأمم المتحدة، وینطبق علیه وصف العدوان الوارد فی قرار الجمعیة العامة رقم 3314 لسنة 1974 الخاص بتعریف العدوان، ومن جهة أخرى یمثل احتلال العراق تطورا فی التدخل الانسانی إلى نمط جدید فی العلاقات الدولیة بعد انتهاء الحرب الباردة تراجعت فیه معاییر وقواعد القانون الدولی لصالح أسالیب وحالات جدیدة من التدخل وصلت إلى حدّ الاحتلال المباشر لبعض الدول،أطلقنا علیه " التدخل بالاحتلال".
ثالثا- حالة احتلال لیبیا:
بعد سنوات طویلة من النزاع اللیبی– الغربی، الذی تعود جذوره إلى الاتهامات الغربیة للیبیا بأنها وراء تدمیر طائرتین أمریکیة وفرنسیة فی عامی /1988و1989، ولجوء أمیرکا إلى تحریک مجلس الأمن واتهام لیبیا بالإرهاب عبر إصدار عدد من القرارات من بینها القرار 731 فی 21 ک2/1992، وبعد فترة من الشد والجذب وموافقة لیبیا على شروط رفع العقوبات عنها مقابل تسلیم المتهمین، ثم رفع هذه العقوبات بموجب قرار مجلس الأمن المرقم 1506 فی 12 أیلول 2003.
بعد سنوات النزاع تلک، وفی شباط 2011 تحرکت أمریکا وحلفائها من جدید، تزامنا مع أحداث المظاهرات التی عمّت الوطن العربی، ومن بینها لیبیا التی اندلعت فیها الأحداث فی 17 شباط/2011،حیث بدأت هذه الدول بتوجیه الانتقادات والتهم وسط حملة دبلوماسیة واعلامیة واسعة.
فقد أدانت وزیرة الخارجیة الأمریکیة کلینتون، ما قالت إنه "سفک غیر مقبول للدماء" فی لیبیا، فیما وصف الرئیس أوباما ما أسماه المعاناة فی لیبیا بأنها عمل مشین وخارج عن الأعراف الدولیة، مؤکدا أنه یدرس مع مستشاریه عدة خیارات للتعامل مع الأزمة، بینما اشار وزیر الدفاع الأمریکی جیتس، الى أنّ فرض منطقة حظر جوی فوق لیبیا تستلزم بدایة تدمیر الدفاعات الجویة اللیبیة، أمّا جامعة الدول العربیة فقد جمدت فی 23 شباط عضویة لیبیا وحضور ممثلیها اجتماعات القمة العربیة القادمة ، ودعت بعد ذلک مجلس الأمن الدولی لفرض حظر جوی على لیبیا بحجة حمایة المدنیین.
فیما طالب رئیس الوزراء البریطانی کامیرون مجلس الأمن الدولی بإصدار قرار شامل بخصوص لیبیا، بینما أشار وزیر خارجیة فرنسا جوپیه أن "الناتو أراد تولی القیادة العسکریة للعملیات، وقد قبلنا ذلک.. یتعین علیه الآن أن یقوم بدوره، وهو ما لم یتم حتى الآن بالقدر الکافی ".
أمّا الحکومة اللیبیة فقد أکدت بأنّ اجهزتها الأمنیة والعسکریة إنمّا کانت تدافع عن نفسها أمام محاولات المتظاهرین اقتحام مراکزها، وأنّها لم تستخدم الذخیرة الحیة إلاّ بعد أن حصل المتظاهرون على السلاح، وأنّ الضحایا الذین سقطوا کان الکثیر منهم من عناصر هذه الأجهزة الأمنیة والعسکریة، واتهمت أمریکا وحلفائها بالسعی الى احتلال لیبیا والسیطرة على ثرواتها النفطیة وتقسیم البلاد، کما أبدت استعدادها لوقف اطلاق النار، وإجراء حوار مع المعارضة ووضع دستور للبلاد وإجراء انتخابات برلمانیة ورئاسیة، إلاّ أنّ الدعوات تلک قوبلت جمیعها بالرفض من قبل المعارضة وأمریکا وحلفائها.
کلّ تلک التطورات قادت الى التدخل العسکری فی لیبیا الذی لم یکن أمرا یسیرا ، ومن ثم فقد کان تدخل الناتو فی تلک الأزمة بحاجة الى مرجعیة إقلیمیة ودولیة لتبریر هذا العمل، وهو ما وفره قرار الجامعة العربیة رقم 7298 بتاریخ 2 مارس 2011 الذی طلب من مجلس الأمن فرض حظر جوی ، وإقامة مناطق آمنة فی الأماکن التی زعم انها تتعرض للقصف، أمّا المرجعیة الدولیة فقد وفرها صدور قراری مجلس الأمن 1970 و1973 /2011 ، ومضمونهما إحالة الوضع فی لیبیا إلی المحکمة الجنائیة الدولیة، وحظر الأسلحة والسفر، وتجمید الأصول اللیبیة، وإقامة منطقة حظر طیران جوی.
ومع أنّ قراری مجلس الأمن لم یجیزا أیّ استخدام للقوة، وعلى الرغم من أنّ أغلب الدول قد عارضت الحرب على لیبیا وطالبت بالتحرک الدبلوماسی والمفاوضات، إلاّ أنّ التدخل العسکری بدأ فی آذار 2011، بتحالف تقوده أمریکا مع عدد من الدول من بینها فرنسا وبریطانیا وقطر وترکیا بدعوى تنفیذ قرار مجلس الأمن1373 الصادر فی 17 آذار 2011 بفرض منطقة حظر طیران، وفی 19 آذار بدأت العملیات العسکریة بالتعاون مع الجماعات الحلیفة على الأرض، طالت السکان المدنیین والبنى التحتیة، بما فیها مراکز المواد الغذائیة والمیاه والطاقة، وکان من نتائج هذا الهجوم العسکری احتلال لیبیا تحت حجة حمایة المدنیین والتغییر الدیمقراطی.
وقد أثار التدخل العسکری فی لیبیا مجموعة من المشکلات القانونیة التی تتعلق بتجاوز الناتو لمهمته المزعومة بفرض منطقة حظر جوی وتقدیم المساعدات الإنسانیة، وذلک بقیامه بقصف مواقع مدنیة وحکومیة. کذلک لم تحدد قرارات مجلس الأمن الأطراف المنوطة بالعملیات فی لیبیا ،الأمر الذی أثار الحدیث عن ازدواجیة المعاییر الدولیة، ففی الوقت الذی تتحدث فیه الدول الغربیة عن انتهاکات حقوق الإنسان فی لیبیا واستهداف المدنیین فإنها غضّت الطرف عن حالات أخرى مماثلة أو أکثر سوءا.
وفی السیاق نفسه طرح البعض الآخر مجموعة من الأسئلة، من قبیل: هل کان تدخل المجلس بإصدار القرارین ضروریا للحد من العنف فی لیبیا؟ وما السبب الذی منع المجلس من ممارسة نفس المنطق لحمایة المدنیین فی غزة والتدخل فی رواندا ؟ وما مدى شرعیة وخطورة تولی دولة أو حلف تطبیق قرارات مجلس الأمن فی غیاب قوات عسکریة دائمة تقودها الأمم المتحدة؟ وما مدى شرعیة التدخل لأغراض إنسانیة بوسائل عسکریة تقود إلى إحداث کوارث إنسانیة أخرى لا تقل خطورة عن تلک القائمة؟ وکیف یمکن خلق نوع من التوازن بین مبادئ القانون الدولی المرتبطة بعدم التدخل فی شؤون الدول وعدم استعمال القوة العسکریة أو التهدید بها وتسویة المنازعات الدولیة سلمیا، وبین فرض احترام حقوق الإنسان التی تؤکد علیها المواثیق والإعلانات الدولیة المرعیة کسبیل لتحقیق السلم والاستقرار؟.
ومن وجهة نظر الباحث فان التدخل العسکری فی لیبیا ، یشیر من جانب إلى أنّ تکییف هذه الحرب من وجهة نظر القانون الدولی أنها عمل من أعمال العدوان کما هو الحال بالنسبة لأفغانستان والعراق، ومن جانب آخر یشیر إلى تجاوز الحدود القانونیة المرسومة للتدخل الإنسانی، إلى احتلال الدول تحت مسوغات ومبررات إنسانیة وسیاسیة، ما یؤکد "التدخل بالاحتلال" کظاهرة تطور إلیها التدخل الإنسانی بعد انتهاء الحرب الباردة وهیمنة القطبیة الأحادیة على معاییر القانون الدولی والشرعیة الدولیة.
الخاتمة/ النتائج والتوصیات
اولا- النتائج: بعد استکمال مناقشة موضوع البحث خرج الباحث بالنتائج الآتیة:
1- إن القاعدة فی التدخل وفقا للرأی الراجح أنه عمل غیر مشروع، واقتصر قبل عصر التنظیم الدولی على حمایة رعایا الدولة المتدخلة أو حمایة الأقلیات التی تشترک معها فی الأصل أو الدین.
2- وقد ترسخت هذه القاعدة مع عصر التنظیم الدولی، خصوصا بعد تشکیل الأمم المتحدة، وذلک لتعارض التدخل مع المبادئ الأساسیة التی بنیت علیها المنظمة، والتی نصّ علیها میثاقها کقواعد ملزمة، وفی مقدمتها: المساواة فی السیادة، وعدم التدخل فی الشؤون الداخلیة للدول، ومنع التهدید بالقوة أو استخدامها ، وورد استثناء على هذه القاعدة فی حالتین فقط: تدخل الأمم المتحدة المنصوص علیه فی الفصل السابع، وحالة الدفاع الشرعی بموجب المادة/51 من المیثاق.
3- بعد انتهاء الحرب الباردة وتغیر هیکل النظام الدولی وموازین القوى فیه لصالح هیمنة القطبیة الأحادیة التی حاولت إعادة خریطة العالم وفقا لرؤاها ومصالحها، بدأ الترویج لما سمّی بـ "التدخل الانسانی"، حیث شهد العالم حالات تدخل واسعة تحت عناوین إنسانیة وسیاسیة مزعومة، کحمایة حقوق الانسان ونشر الدیمقراطیة، تطورت الى حدّ الاحتلال المباشر الذی راحت ضحیته ثلاث دول هی: أفغانستان، العراق، ولیبیا، ومحاولة احتلال دولة رابعة هی سوریة.
4- وفی إطار هذا التطور فی آلیات ووسائل وأهداف "التدخل الانسانی"، رصدنا نوعا جدیدا من التدخل، أطلقنا علیه "التدخل بالاحتلال" واقترحناه کـ "مفهوم" و"مصطلح" جدید فی إطار القانون الدولی، وحاولنا فی المبحثین الثانی والثالث تقدیم مقاربة معرفیة وقانونیة لهما.
5- وفی ضوء ما قدمناه من مقاربة وتعریف للمفهوم والمصطلح، ودراسة حالات الاحتلال الثلاث تلک، خرجنا بعدة ملاحظات تمثل عناصر أو خصائص لهذا النوع الجدید من التدخل بناء على التشابه الکبیر فی حالات الاحتلال تلک، وأهمها:
أ. إنّ هذا التدخل قادته الدول العظمى الأولى فی العالم وبالتعاون مع بعض الدول الکبرى الأخرى.
ب. استخدم هذا التدخل مبررات وغطاءات إنسانیة وسیاسیة واحدة تقریبا: الارهاب وأسلحة الدمار الشامل وتهدید الأمن القومی الأمریکی والغربی، انتهاک حقوق الانسان، والدیمقراطیة.
ت. استخدام القوة القصوى بما فیها أسلحة الدمار الشامل، والغزو الشامل للدول الثلاث.
ث. التدمیر الشامل للبنى التحتیة المادیة والاجتماعیة، وتغییر الأنظمة السیاسیة بالقوة، وتفکیک الدولة ومؤسساتها خصوصا الأمنیة والعسکریة والفنیة، ومحاولة إعادة هیکلتها وتغییر أنماط الحیاة والقیم فیها بما ینسجم مع المصالح والقیم والرؤیة الأمریکیة والغربیة.
ج. جرى التوظیف المکثف للإعلام والحروب النفسیة، عبر الصورة المفبرکة والخبر المصنوع.
ح. جرى هذا النوع من التدخل من دون أی تفویض دولی من الأمم المتحدة، وتم فرض مشروعیة لاحقة على هذا الاحتلال وبأثر رجعی، لتبریر هذا النوع من التدخل.
خ. جرى هذا التدخل ضد دول عربیة واسلامیة محدّدة (العراق ولیبیا، وسوریة التی تجری محاولة لاحتلالها) و(أفغانستان).
6- وفی ضوء هذا التوصیف فانّ "التدخل بالاحتلال"، یمثّل انتهاکا لمبادئ وقواعد القانون الدولی، ویشکلّ تطورا خطیرا فی العلاقات الدولیة یعید البشریة من جدید الى مرحلة الاستعمار المباشر، تحت غطاءات إنسانیة وسیاسیة مزعومة، یجری الترویج لها بما یشبه الغطاءات الحضاریة التی جرى الترویج لها سابقا لتبریر الاستعمار التقلیدی، ومکمن الخطورة فی هذا النوع من التدخل أنه یستخدم مبادئ وقواعد القانون الدولی وتأویلها بما یحقق أهدافه التی تمثل الموجة الثالثة للاستعمار.
ثانیا-التوصیات: إنّ "التدخل بالاحتلال" الذی تم اقتراحه کمفهوم ومصطلح یمثل مقاربة أولیة من الباحث، وهو یأمل أن یتم التوسع فی مناقشة وتأصیل هذه الظاهرة من قبل من هم أقدر من المختصین فی القانون الدولی والعلاقات الدولیة، لکشف آلیات وأهداف هذه الظاهرة التی تعرّض دول العالم الثالث، خصوصا الدول العربیة والاسلامیة، للعبودیة والهیمنة والاستغلال من جدید.. وفی هذا الاطار یدعو الباحث المراکز البحثیة القانونیة والسیاسیة الى عقد الندوات وتقدیم الدراسات حول هذه الظاهرة، بما یوسع مدارک الرأی العام لمنحى ومخاطر هذا النوع من التدخل.
The Author declare That there is no conflict of interest