القانون الجنائی بین التبعیة والاستقلال -(*)-
Criminal law between dependence and independence
|
نوفل علی عبدالله الصفو
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Nofal Ali Abdullah Al-Safw
College of law / University of Mosul
Correspondence:
Nofal Ali Abdullah Al-Safw
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 16/10/2012*** قبل للنشر فی 10/12/2012.
(*) Received on 16/10/2012 *** accepted for publishing on 10/12/2012.
Doi: 10.33899/alaw.2013.160741
© Authors, 2013, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
ان التوجه الغالب فی الفقه یؤکد على ذاتیة القانون الجنائی وانکار تبعیته للقوانین الاخرى او استقلاله، اذ یرتبط القانون الجنائی ارتباطا وثیقا بفروع القانون الاخرى من اجل تحقیق اهداف النظام القانونی، ولا تعنی ذاتیة القانون الجنائی الانفصال أو الاستقلال التام ، إنما تعنی إن لهذا الفرع من فروع القانون طابعاً ذاتیاً خاصاً به فلا یتعارض مع غیره من فروع القانون فی تنظیم الحیاة فی المجتمع ، وان هذه الذاتیة هی امر لا ینفرد القانون الجنائی بها وحده، وانما هی مبدا عام ینطبق على جمیع فروع القانون ، اذ یطوع القانون الجنائی المصطلحات التی یستخدمها والتی تضمنتها قوانین اخرى (أتساعاً أو ضیقاً) على النحو الذی یحقق أهداف القانون الجنائی لکی تکون الحمایة الجنائیة للمصالح المختلفة لها فاعلیتها وقیمتها وتحقق الغایة منها،ویترتب على الاعتراف بذاتیة القانون الجنائی عدم تقیید القانون الجنائی بالمفهوم الفنی للمصطلحات القانونیة التی تنص علیها فروع القانون الاخرى وکذلک المفاهیم الشرعیة او الاجتماعیة لبعض المصطلحات .
ABSTRACT
The legal system inside the state provides protection for the vital interests through imposing a group of obligations which individuals and groups must observe.
The criminal law represents the active means for achieving this protection. It protect the essential interest
Of society.therefor, saying that there is protection in other law is no more than a supposition. In fact, there is no active protection save that contained in criminal legal rule. This protection is one resulting from the existence of a criminal rule whether before applying it.
It is found that the criminal law does not enjoy independence of other laws in the legal system
Rather it can be said that it enjoys a sort of subjectivity over other laws, which imparts a sort of peculiarity
To it in the roles which it applies for the sake of achieving its end.
المقدمــة
یوفر النظام القانونی فی داخل الدولة الحمایة للمصالح الجوهریة بفرض مجموعة من الالتزامات یجب على الأفراد والجماعات داخل الدولة مراعاتها ، ویمثل القانون الجنائی الوسیلة الفعالة لتحقیق هذه الحمایة ، فالقانون الجنائی یحمی المصالح الأساسیة للمجتمع ، فأن القول بأن هناک حمایة فی القوانین الأخرى یکون على سبیل الجواز أو الافتراض ، والحقیقة إنه لیس هناک حمایة فعالة سوى تلک التی تتضمنها القاعدة القانونیة الجنائیة ، وهذه هی الحمایة التی تترتب على وجود القاعدة الجنائیة سواء قبل تطبیقها أو بعده.
والجزاء الذی یتضمنه النموذج الإجرامی الذی حدده المشرع لمن یخالف شق التکلیف الذی یتضمنه النموذج الإجرامی هو الذی یضمن احترامه من قبل الأفراد .
وقد عرف البعض الحمایة الجزائیة بأنها: (الأثر الناتج عن تضمین القاعدة القانونیة جزاء مخالفتها سواء وقعت هذه المخالفة أم لم تقع) .
ویعبر المشرع عن إرادته فی فرض الحمایة القانونیة عبر النصوص التی تتضمن قواعد قانونیة ، وهذه القواعد القانونیة یمکن ردها إلى تقسیمات عدیدة یتبع کل تقسیم فیها فرعاً من فروع القانون ، وأساس هذا التقسیم هو المصلحة التی یحمیها القانون بقاعدته ، وقد تستأثر إحدى هذه القواعد بحمایة مصلحة من المصالح مثال ذلک انفراد القانون الإداری بتعریف فکرة المرفق العام ، ومن ناحیة أخرى قد تتعدد الحمایة القانونیة للمصلحة نفسها
مثال ذلک اشتراک کل من القانون المدنی والتجاری والجنائی فی معالجة الإثبات وحمایته. فالمصالح تتعدد بتعدد القواعد القانونیة، والعکس صحیح فالقواعد القانونیة تتعدد بتعدد المصالح، فقد یضطر الشارع الى تعداد اوجه الحمایة للمصلحة ذاتها، من دون ان یعد ذلک تکرارا ویتخذ هذا التعدد احدى صورتین :-
الاولى:- وفیها یوفر المشرع الحمایة للمصلحة بأکثر من نص من نصوص التجریم، فیتکفل کل نص منها بحمایة مصلحة جزئیة تدخل فی نطاق المصلحة الکلیة محل الحمایة الاصلیة مثال ذلک جرائم الاعتداء على المال والحیاة.
الثانیة:- یوفر فیها المشرع فی نص التجریم الواحد حمایة اکثر من مصلحة یربط بینها رابط معین، مثال ذلک جریمة الاعتداء على موظف فی اثناء تأدیة وظیفته، اذ ینطوی هذا الاعتداء على مساس بمصلحتین اولاهما سلامة جسم الانسان ،وتتمثل ثانیهما فی حمایة الوظیفة العامة.
وقد اختلفت الآراء الفقهیة حول تحدید الفرع الذی تتبع قواعده فی حالة تعدد الحمایة القانونیة لمصلحة ما او فی حالة تعریف مصطلح من المصطلحات التی ترد فی فرع من فروع القانون، ولا سیما إذا کانت القواعد الجنائیة إحدى القواعد المتزاحمة على حمایة تلک المصلحة او تعریف لذا المصطلح، لذلک ثار الخلاف فی الفقه حول القواعد الجنائیة بین التبعیة والاستقلال، وفیما إذا کانت القواعد والمصطلحات الجنائیة مستقلة عن فروع القانون الاخرى فلا ترتبط بها بأی نوع من انواع التعاون فتستقل بأحکامها وقواعدها ومصطلحاتها ولا تلزم بالمفهوم المحدد للمصطلحات الذی ورد فی القانون الاصلی، أم إنها تابعة لغیرها فلا تتضمن أی تکلیف او حکم وانما یقتصر دورها على عقاب من یخالف التکالیف التی تضمنتها قوانین اخرى فیکون القانون الجنائی قانونا جزائیا بحتا ولا یخالف ما تضمنته القوانین الاخرى من مصطلحات ، ام انه یتمتع بذاتیة تمنحه خصوصیة للقواعد والمصطلحات والاحکام التی یتضمنها فلا یکون تابعاً لغیره مقتصرا على فرض الجزاء ولا مستقلا عنها استقلالا تاما لا یتعاون فیه مع فروع القانون الاخرى فی ظل النظام القانونی .
لذا سوف نبین فی هذا البحث موضع القانون الجنائی بین التبعیة والاستقلال لفروع القانون الاخرى فی النظام القانونی، غایتنا فی ذلک الاجابة عن تساؤلات عدیدة من اهمها، هل یتمتع القانون الجنائی بالاستقلال التام عن القوانین الاخرى ام انه قانون تابع للقوانین الاخرى ؟ هل یتمتع القانون الجنائی بذاتیة عن فروع القانون الاخرى ؟ ما هو تأثیر ذاتیة القانون الجنائی على المفاهیم والمصطلحات التی یتضمنها ، وهل لذلک من اثر فی تحقیق غایاته واهدافه ؟ ماهی النتائج المترتبة على الاعتراف بذاتیة القانون الجنائی ؟
ومن اجل ذلک فقد انتهجنا فی بحثنا منهجا تحلیلیا نعرض فیه للآراء والنظریات الفقهیة التی بحثت فی الموضوع وموقف القانون الجنائی من ذاتیة بعض المصطلحات التی تضمنها القانون الجنائی ومدى تبعیته او استقلاله فی تحدید مفهومها، لذا قسمنا البحث فی هذا الموضوع إلى ثلاثة مباحث على وفق ما یأتی :-
المبحث الاول:- تعریف استقلال القانون الجنائی وتبعیته.
المبحث الثانی:- نظریات استقلال القانون الجنائی أو بتبعیته.
المبحث الثالث:- النتائج المترتبة على ذاتیة القانون الجنائی.
المبحث الأول
تعریف استقلال وتبعیة القانـون الجنائی
القانون الجنائی فرع من فروع القانون العام ، ویتکون القانون الجنائی من مجموعة من النصوص القانونیة، والنص الجنائی هو القالب الذی تصاغ فیه القاعدة الجنائیة، وهو اداة المشرع ووسیلته التی یضمنها القاعدة الجنائیة التی تمثل تطبیقا لمبدا الشرعیة الجنائیة، فالنص الجنائی هو الوعاء الذی یحتوی القواعد الجنائیة التی یفرض بها ارادته على المخاطبین بالقاعدة الجنائیة ویحدد السلوک المجرم، فالقاعدة الجنائیة هی نتاج قیام المشرع بإفراغ فحوى مبدا الشرعیة الجنائیة فی قالب النص الجنائی، فالجریمة واقعة انسانیة قانونیة نموذجیة، فهی انسانیة باعتبار انها حدث یرجع الى سلوک الفرد ویقع فی العالم الخارجی وتخالف قاعدة جنائیة یضمها القانون الجنائی، وهی واقعة قانونیة لان المشرع هو الذی ینظمها ویرتب علیها الاثار القانونیة، ولا تکتسب الجریمة تلک الصفة القانونیة الا اذا تحقق التطابق التام بین الواقعة المسندة الى الفرد والانموذج القانونی الذی تتضمنه القواعد الجنائیة التجریمیة ، و الجریمة واقعة نموذجیة اذ ان المشرع هو السلطة المختصة بخلق الجرائم عن طریق النص على نماذجها القانونیة المجردة فی القانون ، ولا توصف الواقعة الانسانیة بوصف الجریمة (اللامشروعیة الجنائیة) الا اذا طابقت الانموذج القانونی المجرد فی کافة ارکانه وعناصره والذی یقصد به الحد الادنى من العناصر المکونة واللازمة لوجود الجریمة ، وله کما لکل قانون استقلال من نوع معین فی علاقاته مع فروع القانون الأخرى ، وقد ثار الخلاف فی الفقه حول ذاتیة المفاهیم والمصطلحات التی ینص علیها القانون الجنائی ، فالقانون الجنائی کثیراً ما ینص على مصطلحات هی فی أصلها تضمنتها فروع القانون الأخرى کالقانون المدنی والإداری والتجاری ، ومثال ذلک مصطلح الحیازة والملکیة والموظف العام والمال والشیک والمال العام وغیرها من المصطلحات التی ینص علیها القانون الجنائی، لذا ثار الخلاف حول مدى استقلال القانون الجنائی أو تبعیته ، وحول تحدید طبیعة قواعده هل هی مجرد قواعد جزائیة ، أم إن لها وظیفة أخرى ؟
وقبل أن نبین التوجهات الفقهیة التی تنازعت الخلاف الدائر حول مدى استقلاله أو تبعیته، لابد من الإشارة إلى إن جانب من الفقه قد استعمل لفظی الذاتیة (Particularism) والاستقلال Autonomies)) بعدِّهما لفظین مترادفین على الرغم من إن هناک اختلاف بینهما، إذ یعنی الاستقلال الانفصال فی حین لا تعنی ذاتیة القانون الجنائی الانفصال أو الاستقلال التام، إنما تعنی إن لهذا الفرع من فروع القانون طابعاً ذاتیاً خاصاً به فلا یتعارض مع غیره من فروع القانون فی تنظیم الحیاة فی المجتمع.
وتعنی ذاتیة القاعدة الجنائیة ان یحدد قانون العقوبات قواعد یلزم القضاء الجنائی بتطبیقها، وهی تختلف عن اولویة القاعدة الجنائیة التی یقصد بها تنظیم العلاقة بین القضاء الجنائی والقضاء المدنی على نحو یجعل للأول قدم السبق کما فی قاعدة ان الجنائی یقید المدنی او قاعدة ان الجنائی یوقف المدنی .
ویقصد استقلال القانون الجنائی بمعناه الفنی العلاقة بین القاعدة الجنائیة والقاعدة غیر الجنائیة حین تکون القاعدتان واجبتی التطبیق فی الوقت ذاته ، ولهذا الاستقلال ثلاثة أبعاد هی: الاستقلال العلمی والاستقلال التشریعی والاستقلال القاعدی.
أما الاستقلال العلمی ، فیقصد به استقلال قواعد القانون الجنائی فی نظریاته العلمیة إذ لا تستفید من النظریة العامة للقانون أو مبادئه العامة ، أو من النظریات التی تنشأ فی ظل غیره من القواعد القانونیة.
أما الاستقلال التشریعی ، فیتحقق بتجمیع القواعد القانونیة التی یتألف منها القانون الجنائی فی مدونة واحدة، إذ یکون لها استقلال تشریعی بالنظر إلى غیرها من القواعد القانونیة. أما الاستقلال القاعدی ، فیقصد به استقلال القاعدة الجنائیة فی بنائها القاعدی إذ یکون لها خصائص ومبادئ خاصة بها تجعلها خاضعة لمبادئ ونظریات خاصة ، وتجعل منها نظاماً قانونیاً متمیزاً .
ویمکن القول إن الاستقلال العلمی لقواعد القانون الجنائی بمفهومه السابق غیر متحقق، وهو لیس من المسلمات کما یذهب لذلک البعض ،لأنه لا یمکن لأیة قاعدة قانونیة أیاً کان الفرع الذی تتبعه إلا أن تستفید من المبادئ والقواعد التی تنشأ فی الفروع الأخرى للقانون، إذ فإنه لا یمکن للقواعد الجنائیة إلا أن تستعین بالقواعد العامة أو المبادئ العامة التی تضمنتها فروع القانون الأخرى. ولا یمکن القول أن قواعد القانون الجنائی تسمو على غیرها من القواعد القانونیة الأخرى ، إذ لیس للترفع والسمو مجال فی البحث العلمی، وإذا کان القصد هو السمو التشریعی ، فإن هذا السمو والترفع یتحقق لقواعد القانون الدستوری ، لأنه یشغل مرکز القانون الأساسی بالنظر إلى غیره من القوانین.
أما فیما یتعلق بالاستقلال التشریعی ، فعلى الرغم من إنه من المسلم به إن القانون الجنائی یتمتع بالاستقلال التشریعی ، فأن هذا الاستقلال غیر کافٍ فی حد ذاته للقول باستقلال القواعد القانونیة التی یعالجها التشریع الجنائی ، فالقانون الإداری مثلاً لم تقنن قواعده بعد ، ومع ذلک فإن له قواعد قانونیة مستقلة فی مواجهة غیرها، فضلاً عن ان التقنین قد یعجز عن ان یضم جمیع القواعد المستقلة بالفرع الذی یعالجه، ومع ذلک لا تفقد قواعده استقلالها، فضلا عن ان الاستقلال التشریعی لا یکفی للقول باستقلال القواعد القانونیة.
مما تقدم یمکن القول ان مصطلحی الاستقلال والذاتیة قد یستعملان بوصفها لفظین مترادفین، وهذا التوجه غیر دقیق لان مصطلحات الذاتیة والتبعیة والاستقلال لیست مترادفة، اذ تعنی التبعیة ان القانون الجنائی لا یتضمن الا الجزاء على مخالفة التکالیف التی تتضمنها قوانین اخرى ،اما الاستقلال فیعنی الانفصال فی حین لا تعنی ذاتیة القانون الجنائی التبعیة او الانفصال او الاستقلال التام، انما تعنی ان لهذا الفرع من فروع القانون طابعا ذاتیا خاصا به ،وان القانون الجنائی یتمتع بالذاتیة فی ظل النظام القانونی الواحد ، وانه لا یمکن التسلیم بالاستقلال العلمی لقواعد القانون الجنائی لأنه لا یمکن لأیة قاعدة قانونیة أیا کان الفرع الذی تتبعه الا ان تستفید من المبادئ والقواعد التی تنشا فی الفروع الاخرى للقانون . وان قواعد القانون الجنائی لا تسمو على غیرها من القواعد القانونیة الاخرى، اذ لیس للترفع والسمو مجال فی البحث العلمی على الرغم من تمییز قواعد القانون الجنائی لما لها من اهمیة فی حمایة المصالح القانونیة، وانه على الرغم من ان القانون الجنائی یتمتع بالاستقلال التشریعی ، فان هذا الاستقلال غیر کاف للقول باستقلال القواعد القانونیة للقانون الجنائی، فضلاً عن ان التقنین قد یعجز عن ان یضم کافة القواعد الجنائیة کافة ومع ذلک لا یعنی ذلک فقدانها لاستقلالیتها.
المبحث الثانی
نظریات استقلال أو تبعیة القانون الجنائی
ثار الخلاف فی الفقه حول الاستقلال القاعدی لقواعد القانون الجنائی ، وهل تستقل هذه القواعد فی بنائها القاعدی الذاتی أم تتبع غیرها فی ذلک إذ لا توجد إلا إذا وجدت قواعد أخرى غیرها تسبقها بحیث تعد القواعد الجنائیة مکملة لها ، أو ثانویة أو تابعة لغیرها ؟
وقد تنازعت هذا الخلاف ثلاث نظریات رئیسة، توجهت الأولى نحو التبعیة المطلقة للقانون الجنائی ، واتجهت الثانیة إلى القول بالاستقلال الذاتی لقواعد القانون الجنائی ، وتذهب الثالثة إلى أن تبعیة هذه القواعد تکون مقیدة أو إن استقلالها یکون نسبیاً ، لذا سوف نعرض لهذه النظریات الثلاثة فضلاً عن بیان نظریة النظام القانونی للفقیه دیلوجو عبر تقسیم هذا المبحث إلى أربعة مطالب على وفق الآتی:-
المطلب الاول:- نظریة تبعیة القانون الجنائی.
المطلب الثانی:- نظریة استقلال القانون الجنائی.
المطلب الثالث:- النظریة التوفیقیة .
المطلب الرابع:- نظریة وحدة النظام القانونی.
المطلب الأول
نظریة تبعیة القانون الجنائی
کان یعد الفقهاء عامة فی القرن التاسع عشر القانون الجنائی قانوناً تابعاً یسیر على خطى القوانین الاخرى ، ولیس له فی نظرهم کیان خاص مستقل به ، وکان هذا مذهب الفیلسوف (جان جاک روسو) الذی یقول ( ان القوانین الجزائیة لیست زمرة خاصة من القوانین ، وانما هی قوانین تتضمن معاقبة اوضاع تتضمنها القوانین الاخرى) .
وذهب بعض الفقهاء إلى إن القانون الجنائی للقانون وظیفة جزائیة بحتة ، فالمشرع الجنائی لا یفعل أکثر من النص على العقوبات الجنائیة للاعتداءات التی تقع على حقوق أو مصالح نصت علیها قواعد قانونیة أخرى کالقواعد المدنیة أو الإداریة ، لذا فإن المصطلحات والأفکار جمیعها التی ترد فی القانون الجنائی یجب أن یحدد مفهومها على وفق المفهوم الذی ورد فی القانون الأصل الذی استحدثت منه ، فإذا ورد مثلاً مصطلح المال المنقول أو الموظف العام ، فعلى الباحث الجنائی أن یلجأ إلى القانون المدنی أو الإداری لیحدد مفهوم تلک المصطلحات لتفسیر النص الجنائی على هدیها ولا یخرج علیها.
ویترتب على ذلک ان القانون الجنائی یتبع دائما ومن دون استثناء قواعد فروع القوانین الاخرى لان وظیفته تقتصر على عقاب من یخالف قواعد قانون اخر ، فعدم المشروعیة الجنائیة لا یتمیز عن غیره من صور عدم المشروعیة فی فروع القانون الاخرى، انما هو عام یشمل النظام القانونی.
وقد حمل لواء هذا الاتجاه الفقیه الألمانی بیندنج(Binding) ، ومن ثم تبعه الفقیه الألمانی بیلینج (Beling) ، والإیطالی جرسبینی (Grispigni) ، فقد أنکر بیندنج وجود ما یسمى بالقواعد الجنائیة ، لأن وظیفة هذا القانون جزائیة محضة ، وهو یفرق فی هذا المجال بین مسألتین هما : وجود قواعد غیر جنائیة تتولى تحدید التکلیف ، ووجود قانون جنائی یحدد العقاب فی حالة مخالفة هذا التکلیف ، لذا فإنه لا یتصور وجود قانون جنائی من دون أن تلازمه قاعدة غیر جنائیة یتکفل بحمایتها فی حالة عدم امتثال المخاطب بها للتکلیف الذی تتضمنه ، لذا فإن القاعدة غیر الجنائیة تکون أسبق من القاعدة الجنائیة. ویتفق الفقیه بیلینج مع هذا الرأی فیرى بالتلازم الحتمی بین القاعدة الجنائیة والقاعدة غیر الجنائیة ، لکن الفقیه جرسبینی یرى إن التلازم یکون بین التکلیف الجنائی والتکلیف غیر الجنائی ، لأنه یسلم بأن للقانون الجنائی قواعد قانونیة ، وإن هذه القواعد تتکون بدورها من شقین : شق التکلیف وشق الجزاء ، اذ تتکون القاعدة الجنائیة التجریمیة من شقین , شق التکلیف (شق التجریم) وهو امر او نهی یتوجه به المشرع الى المکلف بالخضوع للقاعدة القانونیة واطاعة مضمونها وهو الذی یتضمن الانموذج القانونی المجرد للجریمة وهو الذی یثبت صفة اللامشروعیة للواقعة نتیجة لتعارضها مع القاعدة القانونیة ،اذ یتم اثبات صفة اللامشروعیة للواقعة فی مرحلة سابقة تحقیق المسؤولیة الجنائیة على توقیع الجزاء ای فی شق التجریم الذی یحوی التزاما موجها للمخاطب بالقاعدة الجنائیة فی حین یتضمن شق الجزاء النتیجة القانونیة المترتبة على مخالفة هذا الالتزام ، إلا إنه یرى بأن کل تکلیف جنائی لابد من أن یتضمنه من تکلیف آخر غیر جنائی صراحة أو ضمناً ، لذلک فإن القواعد الجنائیة تکون تابعة لقواعد غیر جنائیة.
وقد استند انصار هذه النظریة للأسانید الآتیة:-
اولا:- التلازم بین القواعد الجنائیة وغیرها من القواعد. اذ یذهب انصار هذه النظریة الى انه لا یتصور وجود قانون جنائی من دون ان تلازمه قاعدة غیر جنائیة، اذ ان کل فعل غیر مشروع جنائیا لابد ان یعد کذلک فی نظر قاعدة غیر جنائیة، فالجریمة فعل غیر مشروع فی نظر القانون الجنائی، ولابد ان یکون کذلک فی نظر فرع اخر من فروع القانون.
ثانیا:- اسبقیة القاعدة غیر الجنائیة على القاعدة الجنائیة. فالتکلیف غیر الجنائی یسبق دائما التکلیف الجنائی، وان هذه الاسبقیة منطقیة .
ثالثا:- الاستناد الى اسباب الاباحة، اذ یذهب انصار هذه النظریة الى انه یجب ان یکون هناک مؤاءمة بین فروع القانون ، فاذا جرد احدها الفعل من وصف عدم المشروعیة وجب على القانون الجنائی بدوره اباحته ویعده مشروعا جنائیا، وترجع هذه المؤاءمة للتبعیة المطلقة بین القانون الجنائی وغیره من افرع القانون المختلفة.
ویترتب على الأخذ بهذه النظریة إننا إذا أردنا أن نحدد مفهوم المصطلحات الواردة فی القانون الجنائی، فلابد من أن لا نخرج عن حدود المفاهیم التی حددتها القوانین التی ورد فیها المصطلح وان نلتزم بالتعریف الوارد فی ذلک القانون .
وقد تعرضت هذه النظریة للنقد ، اذ انتقدت الاسانید التی استند الیها مؤیدو هذه النظریة وکما یأتی :-
اولا:- انتفاء التلازم بین القواعد الجنایة وغیرها من القواعد غیر الجنائیة، فالقول بأن القانون الجنائی مجرد قانون جزائی بدون احکام لیس دقیقا اذ ان للقانون الجنائی وظیفة منشئة.
ثانیا:- انتفاء الحکمة من حتمیة التلازم، اذ ان هناک حالات عدیدة یبرز فیها القانون الجنائی وحده من دون ان تسبقه قواعد قانونیة اخرى کما هی الحال فی الشروع او الاتفاق الجنائی الذی لا یقترن بالتنفیذ، وفی حالات اخرى أو تعاصره یکون القانون الجنائی هو المتبوع ومثال ذلک فی حالة الدفاع الشرعی اذ تصبح القاعدة غیر الجنائیة تابعة للقاعدة الجنائیة
.ثالثا:- الخطأ فی الاستناد الى اسباب الاباحة، اذ استند انصار نظریة التبعیة فی تسویغ المؤاءمة بین فروع القانون الى التبعیة المطلقة بین القانون الجنائی وغیرة من فروع القانون، والراجح ان التبعیة تستلزم تدرجا بین فروع القانون المختلفة التی تنتمی لنظام قانونی واحد ولیس دقیقا بالتدرج بین فروع القانون المختلفة، فهی جمیعا تقوم على قدم المساواة باستثناء القانون الدستوری .
وقد انتقد البعض هذه النظریة بالقول ان القاعدة الجنائیة تتمیز من حیث طبیعتها بانها من قواعد القانون العام وبانها قاعدة آمرة وشرطیة وبان لها قوة جزائیة معززة لحکم قاعدة اخرى غیر جنائیة وهذا ما یعبر عنه بقوة القانون الجنائی الجزائیة المعززة ولهذه القوة وجهان:-
الوجه الاول: ان کل سلوک محظور فی قاعدة جنائیة لابد من ان یکون محظورا کذلک صراحة او ضمنا من قاعدة ما غیرها فی قانون اخر غیر القانون الجنائی وهذا ما یمکن ان یسمى بثنائیة حکم القاعدة الجنائیة.
الوجه الثانی: ان حظر السلوک الاجرامی طبقا للقاعدة غیر الجنائیة یعتبر من الناحیة المنطقیة سابقا على حظره فی القاعدة الجنائیة، وهذه الاسبقیة منطقیة ولا یلزم ان تکون زمنیة، فالقانون الجنائی بطبیعته یعتبر مدعما ومعززا بجزائه الخاص حکم الفروع الاخرى للقانون، وهذه القوة الجزائیة المعززة هی نتیجة منطقیة للدور الذی یؤدیه القانون الجنائی فی المجتمع ، ولم یفهم البعض هذه القوة الجزائیة على حقیقتها فلم یفرق بین ذاتیة القانون الجنائی وتبعیته فوصف القانون الجنائی بانه مکون من محض أجزیه بدون احکام وانه لا یفعل سوى ان یمد بالجزاء احکام قواعد القوانین الاخرى، ولکن هذا القول غیر دقیق اذ ان القاعدة الجنائیة لیست مکونة من شق الجزاء فقط وانما تتکون من شق اخر هو شق التکلیف، اضافة الى ان القانون الجنائی لیس مجرد ناقل لأحکام القواعد الاخرى غیر الجنائیة ، وانما یؤدی وظیفة انشائیة للقواعد له اهمیتها القصوى، فلیس صحیحا ان کل سلوک محظور فی ای قانون من القوانین یتناوله القانون الجنائی بالجزاء، فالقانون الجنائی لا ینقل قواعد غیره کما هی لیشملها بجزائه الجنائی دون تعدیل مضمونها ، انما العکس هو الصحیح ، اذ ان کل سلوک غیر مشروع فی نظر القانون الجنائی لابد ان یشترک معه فی هذا الاعتراف بعدم المشروعیة قانون اخر غیره من القوانین المختلفة للدولة ، اذ یمکن القول انه اذا کانت قوانین الدولة کلها تتمثل فی دائرة کبرى ، فان القانون الجنائی تمثله دائرة صغرى تشترک مع الدائرة الکبرى فی نفس المرکز ولکنها لا تتفق معها
فی نفس المحیط لکون محیطها اضیق.
وقدوجه لنظریة القوة الجزائیة المعززة للقانون الجنائی انتقادین ، اولهما ان القاعدة الجنائیة فی حظرها لسلوک ما کثیرا ما تسبق فی الزمن الوقت الذی تصدر فیه قاعدة اخرى غیر جنائیة تتناول بالحظر السلوک نفسه، لذلک لا یمکن ان توصف القاعدة حینئذ بانها تعزز قاعدة غیر جنائیة لم تصدر بعد ، وثانیهما ان هناک حالات یکون فیها السلوک محظورا من القاعدة الجنائیة وحدها دون ان یحظر فی قاعدة اخرى غیر جنائیة، ولکن هذین الاعتراضین مردود علیهما لانهما یغفلان طبیعة القاعدة الجنائیة ذاتها بوصفها قاعدة قانونیة ، فالقاعدة الجنائیة بالإضافة الى وظیفتها الامرة لها وظیفة اخرى یمکن تسمیتها بالوظیفة الوزنیة، إذ إن القاعدة الجنائیة بتجریمها السلوک تکون قد عبرت عن ارادتها فی اعتباره سلوکا غیر مشروع فی نظر القانون عموما، فما یکون جریمة یصبح فی نظر هذه القوانین من باب أولى سلوکا غیر مشروع لان الأکثر یحتوی دائما على الأقل، اما الانتقاد الثانی فیرد علیه بان لیس صحیحا وجود جریمة یکون الجزاء الجنائی هو الجزاء الوحید فیها ولیس لها جزاء غیره مقرر فی قانون اخر غیر جنائی، فکل جریمة أیا کانت لابد من اعتبارها سلوکا غیر مشروع طبقا لقانون اخر غیر القانون الجنائی، ولابد بالتبعیة من قابلیتها لتطبیق جزاء غیر جنائی على فاعلها هو الجزاء الذی یقرره ذلک القانون، فالقانون الجنائی من حیث طبیعة قواعده بالقیاس الى قواعد القوانین الأخرى، لا یتعدى الصور الاتیة:-
1-ان یکون السلوک محظورا جنائیا ومحظور کذلک بنص صریح فی قانون غیر جنائی.
2-ان یقتصر القانون الجنائی على بیان الجزاء ویحیل فی تحدید التکلیف لقانون غیر جنائی قائم فعلا او سوف یتم اصداره ( القاعدة الجنائیة على بیاض ).
3-ان یکون السلوک المحظور وجزاؤه محددین فی القانون الجنائی دون ذکر صریح لذلک السلوک فی غیر هذا القانون وانما تستخلص الصفة غیر المشروعة للسلوک بالنسبة لذلک القانون بصورة ضمنیة من القانون الجنائی ذاته.
4-ان تکون القاعدة غیر الجنائیة والمحرمة للسلوک واحدة ، وتتعدد مع ذلک القواعد الجنائیة الخاصة بالسلوک ذاته لتحدد له فی صوره المختلفة عقوبة تختلف باختلاف هذه الصور .
5-ان تکون القواعد غیر الجنائیة متعددة وتکون القاعدة الجنائیة واحدة لکونها قد جعلت من مخالفة تلک القواعد کلها جریمة واحدة .
المطلب الثانی
نظریة استقلال القانون لجنائی
یتوجه أنصار هذه النظریة إلى أن القاعدة الجنائیة لها استقلالها المطلق بالنظر إلى غیرها، ویسوغون وجهة نظرهم بتحلیل کل من القاعدة الجنائیة وغیرها من القواعد ، فقد توصلوا إلى إن التکلیف الجنائی یختلف عن غیره من التکالیف، لأنه یعنى بتحدید السلوک المعاقب علیه تحدیداً دقیقاً، فضلاً عن تحدید ما یقترن به من ظروف، ویختلف طرفا الرابطة القانونیة التی تنشئها القاعدة الجنائیة عن أطراف الرابطة التی تنشئها القاعدة الإداریة أو المدنیة، فتکون الدولة بصفتها شخصاً معنویاً والجانی أطراف الرابطة القانونیة التی تولدها الجریمة، ویستند انصار هذه النظریة على حجتین اولاها تحلیلیة والثانیة عملیة، فمن ناحیة ینفرد التکلیف الجنائی عن غیره من سائر انواع التکالیف، فیحدد السلوک الذی یودی لقیام الجریمة، تتضمن النصوص الجنائیة تتضمن قواعد جنائیة ولکن لیس کل القواعد الجنائیة کلها عنصری التجریم والجزاء او یجتمع فیها العنصرین , فالنص الجنائی هو القالب الذی تصاغ فیه القاعدة الجنائیة سواء وردت هذه القاعدة کاملة بشقیها(تامة) ام وردت مجزاءة (موزعة)، فاذا کان من المتصور وجود نصوص غیر کاملة او غیر مستوعبة، الا انه لا یمکن تصور وجود قواعد جنائیة ناقصة او غیر کاملة او غیر تامة، لان القاعدة الجنائیة الاساسیة تتکون دائما من شقین تکلیف وجزاء، والاصل ان یتضمن النص الجنائی قواعد جنائیة تامة یجتمع فیها شقّی التجریم والجزاء فی نص جنائی واحد وان یتقدم شق التجریم شق الجزاء، ولا تتضمن القواعد الجنائیة کلها نماذج قانونیة انما التی تتضمن هذه النماذج هی القواعد الجنائیة الاساسیة المستقلة المجرمة الایجابیة, اما القواعد الجنائیة التابعة فأنها لا تتضمن نماذج قانونیة، تنقسم النصوص الجنائیة بالنظر لاحتوائها على نماذج الجرائم الى نصوص اساسیة وتسمى بالنصوص الام ونصوص مساعدة وتسمى بالنصوص التبعیة, تنقسم النصوص الجنائیة بالنظر لاجتماع عناصر القاعدة الجنائیة الى نصوص تامة کاملة ونصوص غیر تامة غیر مستوعبة.
ویبین الرکن المعنوی الذی یجب توفره فی مرتکب الجریمة، لتحدید ما قد یتصل به من ظروف، ومن الناحیة التطبیقیة یسوغ الفقه استقلال القانون الجنائی بالقول أن الغایات التی تهدف إلیها القاعدة الجنائیة تختلف عن غیرها فی القواعد التی تضمنتها فروع القانون الأخرى، وأن طبیعة الجزاء الجنائی تختلف عن طبیعة أی جزاء آخر مقرر فی فروع القانون الأخرى.
إلا إنه على الرغم من المزایا التی تحسب لنظریة الاستقلال المطلق ومنها إفساحها المجال أمام القانون الجنائی والقضاء الجنائی فی بعض الأحیان لوضع قواعد جدیدة ، فأن هذه النظریة قد عرض لها النقد ، فقد انتقدها جانب من الفقه بالقول إن الاستقلال المطلق لا تفسیر له إلا القول أن القانون الجنائی لا یکترث بسائر الفروع القانونیة التی تعمل معه فی داخل نظام قانونی واحد، وهذا سوف یؤدی إلى تصدع النظام القانونی، لذا ینبغی أن یکون هناک تعاون وتناسق بین فروع القانون المختلفة، وأن تتضافر فیما بینها للوصول إلى الغایات المشترکة التی تهدف إلى تحقیقها.
المطلب الثالث
النظریة التوفیقیة
تتجه هذه النظریة إلى إن القانون الجنائی فی علاقته بفروع القانون الأخرى یعد مستقلاً فی بعض الأحیان ، وتابعاً أحیاناً أخرى لهذه القواعد ، إذ تتخذ القاعدة الجنائیة أحد الفروض الثلاثة الآتیة :-
- وجود القاعدة الجنائیة بشکل منفرد فی مجال التجریم من دون أن تشارکها قاعدة أخرى فی حمایة المصلحة ، وهنا تکون القاعدة الجنائیة لها استقلالها القاعدی المطلق.
- قد توجد القاعدة الجنائیة بوصفها جزءاً من النظام القانونی، مع وجود قاعدة قانونیة أخرى تتبع نظاماً قانونیاً آخر، فتقوم القاعدة الجنائیة بتجریم مخالفة التکلیف الذی حددته القاعدة الأخرى، وفی هذه الحالة تصبح القاعدة المحمیة جنائیاً تابعة للنظام القانونی العام، بعد أن کانت تتبع النظام قانونی معین، مثال ذلک حمایة القاعدة الجنائیة لشق التکلیف فی قاعدة مدنیة تحظر الاعتداء على حق الملکیة.
- اقتصار دور القاعدة الجنائیة على مجرد العقاب، ویتحقق ذلک حینما تضفی القاعدة الجنائیة جزاءها على شق التکلیف فی قاعدة أخرى تتبع فرعاً آخر من فروع القانون، فیقتصر دور القاعدة الجنائیة على تحدید الجزاء فحسب، فتکون لها صفة تبعیة صرفة.
وعلى الرغم من صحة الفرض الأول الذی تقوم علیه هذه النظریة نظراً لأنه من الممکن تحدید بعض القواعد الجنائیة التی تنفرد بحمایة مصلحة معینة، فأنها قد تعرضت للنقد فی فروضها الأخرى ، إذ لا یمکن التسلیم بوجود قواعد قانونیة محایدة لا تتبع نظاماً قانونیاً معیناً ، وإن القول بوجود قواعد جنائیة یقتصر دورها على تحدید الجزاء فقط یؤدی إلى الوقوع فی الخطأ نفسه الذی وقع فیه أصحاب نظریة التبعیة المطلقة ، إذ إن کل جزاء لابد وأن یحمی تکلیفاً ، ولا یمکن تصور وجود الجزاء مجرداً عن قاعدة قانونیة تحدد التکلیف.
والأصل أن یتضمن النص الجنائی قواعد جنائیة تامة یجتمع فیها شقی التجریم والجزاء فی نص جنائی واحد فیکون النص تاما مستوعبا وکاملا، الا ان القاعدة الجنائیة قد توجد مجزأة (موزعة) بین اکثر من نص تشریعی فی قانون واحد او قوانین مختلفة، فتکون الصیاغة مجزأة او موزعة بین اکثر من نص، فالمشرع هو الذی یتولى توزیع القاعدة الجنائیة الموزعة على نصین جنائیین، فیتضمن احد النصوص شق التجریم فیکون نص تجریمی بحت، فی حین یتضمن نص اخر نافذ وحال ومحدد شق جزاء مخالفة ذلک التکلیف فیکون نص جزائی بحت.
ویذهب جانب من الفقه الى تسمیة النص الذی یحوی أحد عناصر القاعدة الجنائیة بالنص الجنائی الناقص او غیر الکامل، ویذهب جانب آخر من الفقه لتسمیته بالنص غیر المستوعب، فی حین ینتقد البعض هذه التسمیة بالقول انه لا یمکن التسلیم بوجود قواعد جنائیة ناقصة او غیر کاملة او غیر تامة، لان القاعدة الجنائیة شانها فی ذلک شان القواعد القانونیة جمیعها تتکون دائما من شقین تکلیف وجزاء، وقد لا یستوعب النص القاعدة الجنائیة بأکملها وانما تتوزع عناصر القاعدة الجنائیة بین اکثر من نص، والادق تسمیة القاعدة الجنائیة التی لا یستوعبها نص واحد بالقاعدة الجنائیة الموزعة، ونجد انه لا یوجد خلاف حقیقی بین الآراء السابقة فالرای الاخیر یرفض تسمیة القاعدة الجنائیة الموزعة بالقاعدة الناقصة او غیر الکاملة فی حین یتفق مع الآراء السابقة فی وجود نصوص غیر کاملة او غیر مستوعبة ومع ذلک فنحن نؤید استخدام مصطلح (النصوص الموزعة او غیر المستوعبة) لکی لا یفسر استخدام مصطلح النصوص الناقصة الى افتقاد القاعدة الجنائیة لاحد شقیها وان لم یتضمنه النص ذاته، فالنص الجنائی هو القالب الذی تصاغ فیه القاعدة الجنائیة وقد یکون تاما اذا اجتمعت فیه عناصر القاعدة الجنائیة، وقد یکون غیر تام اذا لم تجتمع فیه عناصر القاعدة.
ویجب التمییز بین النصوص غیر المستوعبة او غیر التامة وبین صورة اخرى یطلق علیها الفقه تسمیة( القاعدة على بیاض )، إذ یحدد المشرع شق الجزاء فی النص الجنائی ویحیل فی نفس الوقت الى قانون اخر غیر القانون الجنائی لتحدید شق التکلیف الذی لا یکون قد وجد او حدد لحظة وضع القاعدة على بیاض، فشق التکلیف لا یکون قد وجد لحظة وضع القاعدة على بیاض فیتولى المشرع فی القاعدة غیر المستوعبة توزیع شقی التکلیف والجزاء على نصیین جنائیین فی قانون واحد او قوانین مختلفة ولکنها متعاصرة ، وشق التکلیف الذی تکتمل به القاعدة على بیاض یرد دائما فی قانون اخر لاحق غیر القانون الجنائی سواء کان قانونا او لائحة او قرارا طالما انه صدر بناء على قانون، وتکون القاعدة الجنائیة فی هذه الحالة بمثابة قاعدة على بیاض تکملها القاعدة غیر الجنائیة، فتجزئة القاعدة الجنائیة ووضع قواعد جنائیة على بیاض لا یتنافى مع مبدا الشرعیة الجنائیة لأنه کان بناء على قانون .
المطلب الرابع
نظریة وحدة النظام القانونی
فی ظل النظریات الثلاثة السابقة ، کان للفقیه الإیطالی دیلوجو (Delogu) رأیه فی هذه المسألة ، إذ یفرق بین فرضین اولها: إن القاعدة الجنائیة قد تکون وحدها التی تحمی المصلحة محل الحمایة إذ لا تشارکها قاعدة أخرى بذلک ، فتنفرد القاعدة الجنائیة فی هذه الحالة فی حمایة هذه المصلحة، مثال ذلک الاتفاق الجنائی. وثانیها: ان تتداخل القاعدة الجنائیة مع قاعدة أخرى غیر جنائیة فی معالجة مرکز من المراکز ، وفی هذه الحالة إما أن یتدخل المشرع لتغلیب تکییف على آخر عبر تحدیده مدى اعتماد القاعدة الجنائیة على غیرها من القواعد غیر الجنائیة ، وإما أن یسکت، وفی هذه الحالة یفسر سکوته على إن للقاعدة الجنائیة استقلالها فی مواجهة غیرها من القواعد، وینبنی هذا الاستقلال على أساس المساواة بین فروع القانون جمیعها ، لا على أساس تبعیة أحد الفروع لفرع آخر ، وإذا کانت هناک تبعیة بین فروع القانون فإنما تکون السیادة للقانون الدستوری والتبعیة لما عداه من فروع القانون. وإن هذا الاستقلال بین فروع القانون هو استقلال یقوم على التعاون بین الفروع، تعاوناً یقتضیه مبدأ وحدة النظام القانونی.
ویذهب الاستاذ Delogu الى ان فروع القانون جم تقوم على قدم المساواة، فمن ناحیة نجد ان القاعدة الجنائیة لیس لها صفة تبعیة لان لها غایاتها الخاصة، وان تماثلت المصلحة التی تحمیها مع مصالح مماثلة تحمیها فروع القانون الاخرى، ولا یصح القول باستقلال القاعدة الجنائیة لان هذا الاستقلال یعنی عدم اکتراث القاعدة الجنائیة لما تتضمنه القواعد القانونیة الاخرى من احکام ومصطلحات، لذا فانه ینادی بالارتکاز لفکرة النظام القانونی التی تؤدی الى التنسیق بین التکییفات القانونیة على وفق فروع القانون المختلفة لذا فی اطار وحدة النظام القانونی ولیس تبعیة القانون الجنائی .
ویؤید الدکتور عبد الفتاح الصیفی هذا الرأی، فیذهب إلى إن کل قاعدة قانونیة، جنائیة کانت أم غیر جنائیة، تتکون من شقین: تکلیف وجزاء، وإن هذین الشقین یختلفان من قاعدة لأخرى ، فالجزاء الجنائی یختلف عن غیره من حیث الغایة والهدف، ویختلف عن غیره من الجزاءات من حیث الکم والکیف، لذلک فإن موقف المشرع تجاه هذه المسألة لا یخلو من أحد أمرین: فهو أما أن یحدد مضمون التکلیف بشکل لا یختلف فیه عن غیره من القواعد الأخرى، وهنا نکون بصدد تعدد ظاهری للحمایة القانونیة، لأنه على الرغم من تطابق التکلیفین إذ یوجد إختلاف بین القاعدتین من حیث أطرافها، فهما نظراً للقاعدة الجنائیة الدولة والجانی، بینما أطراف القاعدة غیر الجنائیة هما الدولة بصفتها نظاماً قانونیاً ومرتکب الفعل غیر المشروع، أو أحد الأفراد ومرتکب الفعل غیر المشروع. وأما أن یحدد المشرع مضمون التکلیف بشکل مستقل، وهنا یظهر استقلال القاعدة الجنائیة، إذ یلجأ القاضی إلى غایات القانون الجنائی وأهدافه لتحدید هذا المضمون.
ویتوجه الرأی الغالب فی الفقه إلى تأکید على ذاتیة القانون الجنائی وإنکار تبعیته للقوانین الأخرى، إلا إن هذه الذاتیة التی یتمتع بها القانون الجنائی لا تعنی الاستقلال، إذ مما لا ریب فیه إن القانون الجنائی یرتبط ارتباطاً وثیقاً بفروع القانون الأخرى، لأنها کلها فی الاصل فروع شجرة واحدة، او افراد اسرة واحدة تقوم على التعاون فیما بینها لتحقیق اهدافها.
ونحن نتفق مع هذا الاتجاه ، فنرى أن للقانون الجنائی ذاتیته فی مواجهة فروع القانون الأخرى ، إلا إن هذه الذاتیة تقوم على التعاون بین فروع القانون کافة لتحقیق أهداف النظام القانونی ، فکما سبق وأن بینا فأن ذاتیة القانون الجنائی لا تعنی الانفصال أو الاستقلال او التبعیة وإنما تعنی إن لهذا الفرع من فروع القانون طابعاً ذاتیاً خاصاً به إذ لا یتعارض مع غیره من فروع القانون ، ویتعاون معها فی تنظیم الحیاة فی المجتمع ، لذا فإن الذاتیة هی أمر لا ینفرد بها القانون الجنائی لوحده ، إنما هی مبدأ عام ینطبق على فروع القانون جمیعها.
المبحث الثالث
النتائج المترتبة على ذاتیة القانون الجنائی
تبین لنا مما تقدم إن الرأی الراجح فی الفقه یتوجه نحو هجر نظریة استقلال القانون الجنائی أو تبعیته وتبنی نظریة ذاتیة القانون الجنائی، ویترتب على تأکید على هذه الذاتیة نتائج عدیدة ، وأهم هذه النتائج ما یأتی :-
أولاً : - عدم تقید القانون الجنائی بالمدلول الفنی للمصطلحات او التعابیر التی نصت علیها فروع القانون الأخرى او المفهوم الشرعی .
لذا نتفق مع ما ذهب إلیه البعضمن إن المفاهیم والمصطلحات التی تخص القانون المدنی والتجاری والإداری وغیرها من فروع القانون التی یستخدمها المشرع الجنائی مثل الملکیة والحیازة والمال والموظف والشیک وغیرها ، لا یستقل بتحدیدها القانون الأصیل الذی وردت فیه هذه المصطلحات ، ولا یقف المفسر لنصوص القانون الجنائی منها موقفاً سلبیاً ، فإذا کان لأحد التعابیر فی فرع من فروع القانون مفهوم ضیق لا یکفی لضمان الحمایة اللازمة للمصلحة التی یهدف المشرع الجنائی إلى حمایتها ، فإنه لا یلتزم بهذا المفهوم الضیق ولا یتقید به، إنما یتم تحدید هذه التعابیر وتفسیرها فی البدء وفقاً للمعنى المحدد لها فی القانون الأصلی، ثم یطوع هذا التفسیر (أتساعاً أو ضیقاً) على النحو الذی یحقق أهداف القانون الجنائی لکی تکون الحمایة الجنائیة للمصالح المختلفة لها فاعلیتها وقیمتها وتحقق الغایة منها، إذ یحرص الشارع على التنسیق بین الحمایة التی یکفلها القانون الجنائی ، والحمایة التی تکفلها القوانین الأخرى التی قررت هذه الحقوق وحددت أحکامها ، من أجل توفیر حمایة قانونیة شاملة للمصلحة محل الحمایة.
مثال ذلک تظهر ذاتیة القانون الجنائی من حیث عدم تقییده بمفهوم المال فی القانون المدنی، فیتوجه جانب من الفقه إلى إن مفهوم المال فی القانون الجنائی أوسع من مفهومه فی القانون المدنی ، إذ إن موضوع الاعتداء فی جرائم الاعتداء على الأموال هو کل شیء له قیمة معینة سواء کانت هذه القیمة مادیة أم معنویة مادام یمکن حیازته، إذ یبسط القانون الجنائی حمایته على المال أیاً کانت طبیعته وسواء کان داخل دائرة التعامل أم خارجها ، فی حین إن القانون المدنی قد توجه إلى تقسیم الأموال إلى أموال داخلة فی دائرة التعامل وأخرى خارجة عنها لتحدید ما تجوز حیازته وما لا تجوز.
وعلى الرغم من ذلک فان القانون المدنی یدخل فی مفهوم المال کل ما یجیز التعامل به قانونا کالکحول او لحم الخنزیر او المخدرات او غیرها من الاشیاء وان لم تعد مالا متقوما على وفق المفهوم الشرعی اذا نظم التعامل بها قانونا فتعد اموالاً على وفق أحکام القانون المدنی وتتمتع بالحمایة المدنیة فیلزم التعویض من الحق الضرر بهذه الاموال على وفق هذا المفهوم یکون القانون المدنی متفقا مع المفهوم الجنائی للمال ومختلفا مع المفهوم الشرعی للمال، فقد عرف الفقهاء المال شرعا بتعاریف عدیدة اختلفت فی ألفاظها وتقاربت فی معانیها، لأن الشارع لم یحدد له معنى خاصاً کما حدد معانی غیره من الألفاظ کالزکاة. إذ یطلق لفظ المال شرعاً على (کل ما یمکن أن یتملکه الإنسان وینتفع به بشکل ما على الوجه المعتاد)، ویطلق على (کل ما له قیمة یباع بها وإن قلت ، ویلزم متلفه بها)، وقد عرفت مجلة الأحکام العدلیة المال بأنه : ((ما یمیل إلیه طبع الإنسان ویمکن ادخاره إلى وقت الحاجة)).
والأشیاء التی ینتفع بها الإنسان على ثلاثة أنواع : 1. الأعیان : وهی الأشیاء المادیة التی لها مادة. 2. المنافع : وهی الفائدة المرجوة من الأعیان. 3. الحقوق : وهی کل مصلحة تثبت للإنسان على أساس الشارع ، وقد تکون متعلقة بمال کحق الشرب ، وقد لا تکون متعلقة بمال کحق الزوج على زوجته.
وقد اتفق الفقهاء على عد الأعیان من الأموال إذا أمکن حیازتها والانتفاع بها ، واتفقوا على عدم عد الحقوق المتعلقة بغیر المال من الأموال ، فی حین اختلفوا فی الحقوق المتعلقة بالمال، والمنافع، ویذهب جمهور الفقهاء إلى عدِّها من الأموال ، لأن کل ما له قیمة مالیة فی عرف الناس یعد مالاً، لذا هو یشمل الأعیان والمنافع والحقوق المتعلقة بالمال.
ولا یرى الشارع الإسلامی کل مال صالحاً للانتفاع به ، وإنما یقسم المال بحسب صلاحیته للانتفاع به وعدم صلاحیته إلى مال متقوم وغیر متقوم.
- المال المتقوم : هو کل ما له قیمة ویضمنها متلفه عند اعتدائه علیه ، وهو لا یعد کذلک إلا إذا تحقق فیه شرطان :
أ. الإحراز ، فالسمک فی الماء لا یعد مالاً متقوماً لعدم حیازته ، فإذا ما تم اصطیاده یعد مالاً متقوماً.
ب. إمکان الانتفاع به، بأن یجیز الشارع الانتفاع به على وجه ما حالة السعة والاختیار. وقد أشارت مجلة الأحکام العدلیة إلى ذلک بقولها : ((المال المتقوم یستعمل فی معنیین: الأول بمعنى ما یباح الانتفاع به ، والثانی بمعنى المال المحرز ، فالسمک فی البحر غیر متقوم وإذا اصطید صار متقوماً بالإحراز)).
- المال غیر المتقوم : وهو المال الذی لم یتحقق فیه أحد الشرطین السابقین ، فالمیتة والخنزیر والدم والخمر لا یدخل شیء منها فی مسمى المال شرعاً ، لأن وجه الانتفاع بها غیر معتد به فی حکم الشریعة الإسلامیة، ودلیل ذلک قوله تعالى : )حرمت علیکم المیتة والدم ولحم الخنزیر وما أهل لغیر الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردیة والنطیحة وما أکل السبع إلا ما ذکیتم(.
کما تتضح ذاتیة القانون الجنائی عبر عدم تقیده بمفهوم المال العام الوارد فی القانون المدنی فیرى البعض، إذ یختلف مفهوم المال العام فی القانون الجنائی عن مفهومه فی القانون المدنی، وإن هذا یعد نتیجة منطقیة لذاتیة القانون الجنائی، فالمشرع الجنائی قد توسع فی مفهوم المال العام، إذ أصبح مفهومه یشمل فضلاً عن الأموال العامة التی حددها القانون المدنی أموالاً أخرى لا تعد على وفق أحکام القانون المدنی من الأموال العامة ، لأنه لا یمکن للقانون الجنائی أن یقصر حمایته على الأموال المخصصة للمنفعة العامة فحسب، لذا لم تستخدم النصوص التجریمیة عبارة أموال عامة، بل استخدمت عبارة أموال الدولة لکی تشمل أموال الدولة کافة سواء کانت مخصصة للنفع العام أم لم تکن کذلک.
وتظهر ذاتیة القانون الجنائی ایضا فی بیان مفهوم الامراض العقلیة واهمها الجنون الذی یعرف
بانه انعدام الکفاءة العقلیة والانسجام النفسی الداخلی الذی یعرقل الانتاج الفردی او حرکة
الجهاز الاجتماعی، والجنون هو زوال العقل وفسادویعرف الجنون فی الشریعة الاسلامیة بانه اختلال القوة الممیزة بین الامور الحسنة والقبیحة المدرکة للعواقب بان لا یظهر اثارها وتتعطل افعالها لنقصان جبل علیه دماغه فی اصل الخلقة وهو اما ممتد او غیر ممتد. کما عرف بانه زوال العقل او اختلاله او ضعفه، وهو تعریف یشمل الجنون والعته وغیرها من الحالات المرضیة والنفسیة التی تؤدی لانعدام الادراک.
ویفضل فقهاء القانون استعمال تعبیر الجنون للدلالة على اشد انواع المرض العقلی، فهو مظهر جنائی لعدید من الحالات التی تختل بها القوى العقلیة على نحو قد لا یقع تحت حصر، الا ان الحقیقة هی ان القانون قد حدد للجنون مفهوما اوسع من مفهومه الطبی، لذا تحاول التشریعات الجزائیة ان توضح بالطرائق التشریعیة شتى بان المقصود بالجنون لیس معناه الطبی، فقد تجنبت بعض التشریعات ذکر کلمة (الجنون) اصلا مکتفیة بتعابیر (عاهة العقل) او (الخلل العقلی) او (الاضطرابات العقلیة) ، فی حین اردف بعضها کلمة الجنون بعبارة عاهة العقل کقانون العقوبات المصری، او اضافة عبارة (او لأی سبب اخر یقرر العلم انه یفقد الادراک او الارادة) کقانون العقوبات العراقی.
وتجدر الاشارة الى ان الجنون قد یکون عاما شاملا للقوى الذهنیة للمصاب جمیعها او معظمها کالشلل الجنونی العام وفی هذه الحالة قد یکون الجنون مستمرا او مستغرقا وقت المریض کله وهو ما یعرف بالجنون المطبق الذی یصاحب الانسان منذ ولادته، او یکون طارئا علیه ویکون مستمرا إذ یزیل العقل والتمییز ویسقط الادراک کلیا ویسمى بالجنون الممتد، وقد یکون الجنون متقطعا یأتی المریض على شکل نوبات تفصل بینها اوقات صحو وافاقة ویسمى بالجنون غیر الممتد او المتقطع. وقد یکون الجنون متخصصا أی یتعلق بجانب فحسب من النشاط الذهنی فتسیطر على المریض فی نطاقه فکرة فاسدة فی حین تکون سائر جوانب النشاط الذهنی الاخرى عادی.
یتضح مما تقدم ضرورة التمییز بین المفهومین القانونی والطبی للعاهة العقلیة بشکل عام، وذلک لان المفهوم القانونی لا یعنى بما تکون علیه هذه العاهة من طبیعة مرضیة او تحت ایة طائفة من الامراض تنتمی، وانما یهتم باستجلاء اعراضها وکشف درجة تأثیرها على الملکات الذهنیة المکونة لقدرة الشخص على الادراک والاختیار، وینضوی مصطلح الجنون تحت مصطلح العاهة العقلیة ولیس مرادفا له وان ما ذهبت الیه التشریعات الجنائیة من استخدام مصطلح الجنون مصطلحاً عاماً وشاملاً یحیط بأنواع الامراض العقلیة والنفسیة کافة وللتعبیر عن امتناع المسؤولیة الجزائیة هو محل انتقاد، إذ إن لفظ الجنون فی مفهوم الطب العقلی لم یعد شاملا لکل للاضطرابات العقلیة کلها التی تصیب الانسان.
ولا تقتصر ذاتیة القانون الجنائی بعدم تقیده بالمفاهیم والمصطلحات الواردة فی القوانین الاخرى انما تمتد لتشمل التعابیر والمصطلحات الشرعیة والاجتماعیة ، مثال ذلک ما یتعلق بتجریم الأفعال الماسة بالآداب والاخلاق العامة، ففیما یتعلق بالقوانین الجنائیة الوضعیة فأنها تقف من تجریم الأفعال الماسة بالعرض والآداب العامة عند حدود اقل اتساعاً من الحدود التی تقف عندها المعالجة الشرعیة والاجتماعیة لهذه الافعال، اذ لا یتبنى القانون الجنائی المفهوم الأخلاقی المطلق لفکرة صیانة العرض وتلک الحال بالنسبة للمفهوم الشرعی، فمن الأفعال ما یعد خطیئة دینیة ورذیلة أخلاقیة ولکنه لا یخضع لنص تجریم قانونی فیعد فعلاً مباحاً من الناحیة القانونیة مع وجود قاعدة لا جریمة ولا عقوبة الا بناء على قانون، لأن قواعد الدین او الاخلاق تخاطب فی الإنسان ضمیره وتحاسبه بالتالی على ما یخفیه، فی حین لا یجوز للقانون ان یتدخل بعقابه الا فی الحدود التی یمکن فیها إقامة الدلیل على انتهاک أوامره ونواهیه، وهذا ما لا یمکن الوصول الیه الا عبر وسائل یمقتها المجتمع کالتجسس على أسرار الناس وخفایاهم مما یؤدی الى حصول الضرر الذی یفوق الفائدة المرجوة من تطهیر الخلق الفردی.
تعد التشریعات الجزائیة الوضعیة نقاء العرض وصیانته حقاً فردیاً، لذا فقد استبعد المشرع الجزائی من حیث المبدأ الممارسات الجنسیة الإرادیة أغلبها فلم یتدخل فی تجریمها بوصفها تتم بالرضا المعتبر قانوناً، لأنها تدخل فی نطاق ما یسمى بالحریة الجنسیة، واقتصر تدخل المشرع الجزائی على وفق المفهوم الاجتماعی لحمایة العرض عندما تکون الممارسات الجنسیة غیر المشروعة قد تمت مع انعدام الرضا او عندما تکون الإرادة غیر معتبرة قانوناً، کما لو وقعت تلک الممارسة بالحیلة او بالإکراه المادی او المعنوی او کان المجنی علیه لا یملک قانوناً أهلیة الرضا، فی حین ان الشریعة الإسلامیة تهدف الى حمایة العرض فی ذاته حرصاً منها على الأخلاق العامة وصیانة للفضیلة ، لذا فقد حرمت الممارسات الجنسیة غیر المشروعة کافة وان کانت تلک الممارسة برضاء أطرافها ، لذا کان نطاق حمایتها اکثر اتساعاً من الحمایة التی تقررها القوانین الوضعیة.
اما فیما یتعلق بموقف القوانین الوضعیة الحدیثة ولا سیما بالسیاسة التشریعیة الخاصة بجرائم العرض، فالمفهوم القانونی للعرض یختلف عن المفهوم الأخلاقی، اذ لا یجرم القانون کل فعل یتصل بالحیاة الجنسیة، وانما یحصر جرائم الاعتداء على العرض فی نطاق ضیق ، عندما یشکل الفعل اعتداء على الحریة الجنسیة للفرد.
ویمکن ان نلحظ ایضا ذاتیة القانون الجنائی فی اختلاف مفهوم مصطلح الموظف فی القانون الجنائی عنه فی القانون الاداری، إذ لا یقتصر مفهومه فی قانون العقوبات على معناه الضیق فی القانون الإداری، اذ یختلف مفهومه فی القانون الجنائی عنه فی القانون الإداری، وهذا یعود إلى اختلاف طبیعة کل من القانونین وأهدافهما ، فالقانون الإداری ذو طبیعة تنظیمیة یهدف إلى تنظیم العلاقة بین الشخص والحکومة من حیث الحقوق والواجبات، أما القانون الجنائی، فهو ذو طبیعة جزائیة غایته حمایة الحقوق والحد من الجریمة.
لذا فقد توسع القانون الجنائی فی مفهوم الموظف العام لیشمل الأشخاص جمیعهم الذین یباشرون على وفق القانون جزءاً من اختصاصات الدولة بما یتلاءم والمصلحة المراد حمایتها بالشکل الذی یحقق غایة المشرع الجنائی. فقد توسع الفقه الجنائی فی مفهوم الموظف إذ أصبح المفهوم الجنائی أکثر شمولاً من مفهومه الإداری، فقد عرفه البعض بأنه : ((کل شخص یعمل فی مواجهة الأفراد بأسم الدولة أو أحد الأشخاص المعنویة العامة ویمارس إزاءهم فی صورة طبیعیة تستدعی ثقتهم أحد الاختصاصات التی خولها القانون لمرفق عام تدیره الدولة أو الشخص المعنوی العام إدارة مباشرة))، وعرفه البعض الآخر بأنه : ((کل شخص من الأفراد احتاجت إلیه الحکومة فی أداء واجباتها العامة وتنفیذ أوامرها فخولته جزءاً من سلطاتها العامة)).
وهذا المفهوم واسع إذ لا یتقید بالمعاییر الإداریة، إذ لا یشترط أن یشغل الموظف وظیفة دائمة، بل یکفی أن یشغل وظیفة مؤقتة ، فالموظف الفعلی یعد موظفاً عاماً، ویعد موظفاً عاماً کل شخص تباشر الدولة عن طریقه جانباً من اختصاصها، ولو کان ما یربطه بها هو أحد عقود القانون الخاص مثال ذلک الخبیر الأجنبی الذی تستعین به الدولة، إذ من غیر الجائز إداریاً تعیینه فی وظیفة دائمة. وقد عبرت بعض القوانین الجنائیة بشکل صریح عن عدم تبنیها للفکرة الإداریة للموظف العام. إذ یمکن أن نلحظ عبر الرجوع إلى التشریعات الجنائیة بصدد تعریف الموظف وجود ثلاثة اتجاهات :-
أ. الاتجاه الأول :
وفیه لا یورد المشرع الجنائی تعریفاً للموظف تارکاً ذلک للفقه، کالتشریع الجنائی العراقی.
ب. الاتجاه الثانی :
وفیه یحدد المشرع الجنائی صفة الموظف العام فی قانون العقوبات نظراً إلى جرائم معینة على الرغم من عدم تعریفه للموظف العام ، ولا یؤخذ بهذا التحدید بالنسبة إلى الجرائم الأخرى ، ومن أمثلة هذه التشریعات قانون العقوبات المصری.
جـ. الاتجاه الثالث :
وفیه یضع المشرع الجنائی تعریفاً عاماً للموظف العام یؤخذ به فی الجرائم جمیعها ولا یقتصر على طائفة معینة ، ومن أمثلة هذه التشریعات قانون العقوبات الیمنی.
وأما قانون العقوبات العراقی فأنه على الرغم من أن المشرع الجنائی لم یعرف الموظف العام فی نصوصه فأنه قد عرف المکلف بالخدمة عامة ویعد الموظف من ضمن فئات المکلفین بالخدمة العامة ، فقد نصت المادة (19 ف2) من قانون العقوبات على أن : ((2-المکلف بخدمة عامة : کل موظف أو مستخدم أو عامل أنیطت به مهمة عامة فی خدمة الحکومة ودوائرها الرسمیة وشبه الرسمیة والمصالح التابعة لها أو الموضوعة تحت رقابتها ویشمل ذلک رئیس الوزراء ونوابه والوزراء وأعضاء المجالس النیابیة والإداریة والبلدیة کما یشمل المحکمین والخبراء ووکلاء الدائنین (السندیکیین) والمصفین والحراس القضائیین وأعضاء مجالس ادارة ومدیری ومستخدمی المؤسسات والشرکات والجمعیات والمنظمات والمنشآت التی تسهم الحکومة أو إحدى دوائرها الرسمیة أو شبه الرسمیة فی مالها بنصیب ما بأیة صفة کانت. وعلى العموم کل من یقوم بخدمة عامة بأجر أو بغیر أجر.
ولا یحول من دون تطبیق أحکام هذا القانون بحق المکلف بخدمة عامة انتهاء وظیفته أو خدمته أو عمله متى وقع الفعل الجرمی أثناء توافر صفة من الصفات المبینة فی هذه الفقرة فیه)).
وتورد النصوص العقابیة بشکل عام مصطلح (موظف) فضلاً عن مصطلح (المکلف بخدمة عامة) فی حین إن نص المادة (19 ف2) یشیر إلى إن الموظف یدخل ضمن فئات المکلفین بخدمة عامة ، مما یؤدی إلى القول بأن کل موظف هو مکلف بخدمة عامة، لذا نرى إن ذکر مصطلح (موظف) قد جاء زائداً فی هذه النصوص ، لأن الإشارة إلى المکلف بخدمة عامة سوف تغنی عن ذکر الفئات التی تدخل ضمن تعریفه على وفق النص المادة السابقة ، لذلک فأننا ندعو المشرع العراقی إلى إزالة الالتباس الذی قد یحدث نتیجة لتکرار المصطلحات فی حین إن الإشارة إلى أحدها یغنی عن الإشارة إلى غیرها.
یتضح مما تقدم إن المفهوم الجنائی للموظف أوسع من مفهومه الإداری، إذ یدخل فی مفهومه کل من له سلطة یقوم بها نیابة عن الدولة، أو من کلفته الدولة بممارسة جزء من نشاطها تجاه الجمهور، سواء کان ذلک بصفة دائمة أم مؤقتة ، بأجر أو بغیر أجر. لذا یمکن القول إن المشرع الجنائی قد أخضع فئات متعددة لأحکامه على وفق أسس مختلفة على وفق الآتی:-
- إذ استلزم توفر العنصر الشکلی فی بعض الفئات کاشتراط التعیین فی وظیفة عامة على وفق ما تقرره القوانین أو الأنظمة التی تحکم قواعد التوظف کموظفی المصالح الحکومیة.
- فئات أخرى أخضعها لأحکامه على أساس صدور قرار أو أمر من جهة قضائیة أو إداریة تباشر العمل استناداً إلیه کما هی الحال بالنسبة إلى الحراس القضائیین والمحکمین والخبراء.
- فئات أخرى أخضعها لأحکامه أخذاً بنظریة الوضع الظاهر وفکرة الضرورة ، وهو ما اصطلح على تسمیته بالموظف الفعلی.
- فئات أخرى تمارس أعمالها باسم الدولة سواء کانت تربطها بالدولة علاقة تنظیمیة أم لا، وهی الفئات التی أشارت إلیها المادة (19 ف2) بنصها : ((… وعلى العموم کل من یقوم بخدمة عامة بأجر أو بغیر أجر)).
ثانیاً :- إن تعدیل فروع القانون الأخرى لا یرتب تعدیلاً مماثلاً فی القانون الجنائی ، إذ لا یرتب تعدیل المسائل المشترکة بین القانون الجنائی وبقیة فروع القانون الأخرى تعدیلاً مماثلاً فی القانون الجنائی لأنه فی الاصل لا یلزم بمفهوم المصطلح الذی یحدد فی القانون الاصیل ، بل إنه فی حدود القانون الجنائی ذاته لا یرتب تعدیل المصطلح مثال ذلک مفهوم المال والموظف العام فی باب من الأبواب تعدیلاً بشأنهما فی بقیة الأبواب تأکیداً لذاتیة نصوص القانون الجنائی ذاته.
ثالثاً :- اختلاف الإجراءات المقررة لقانون العقوبات عن تلک الإجراءات المقررة لبقیة فروع القانون الأخرى، فالدعوى المدنیة تقام امام المحاکم المدنیة فی الاصل ویباشرها من لحقه الضرر او من یمثله قانونا وله حق التنازل عن الدعوى فی ایة مرحلة کانت علیها وتسری على الدعوى المدنیة احکام قانون المرافعات العراقی رقم (83) لسنة 1969، وکذلک بالنسبة للدعوى الانضباطیة التی تحرک نتیجة للجریمة التأدیبیة امام مجالس الانضباط او لجان الانضباط على وفق قواعد واجراءات تختلف عن تلک المتبعة امام المحاکم الجنائیة والتی تنشا نتیجة لارتکاب الجریمة ویقوم الادعاء العام نیابة عن المجتمع بمباشرتها والسیر فیها حتى اصدار الحکم فیها ولیس له التنازل عنها وتخضع الدعوى الجزائیة لأحکام قانون اصول المحاکمات العراقی رقم (23) لسنة 1971.
الخاتمـة
فی ختام بحثنا فی موضوع القانون الجنائی التبعیة والاستقلال نستخلص الاستنتاجات والتوصیات الاتیة :-
اولا- لا یمیز جانب من الفقه بین مصطلحی الاستقلال والذاتیة وانما تستعمل بوصفها لفظین مترادفین، وهذا التوجه غیر دقیق لان مصطلح الاستقلال یعنی الانفصال فی حین لا تعنی ذاتیة القانون الجنائی الانفصال او الاستقلال التام، انما تعنی ان لهذا الفرع من فروع القانون طابعا ذاتیا خاصا به وان القانون الجنائی یتمتع بالذاتیة فی ظل النظام القانونی الواحد ولیس الاستقلال.
ثانیا- لا یمکن التسلیم بالاستقلال العلمی لقواعد القانون الجنائی والتی یقصد منها عدم الاستفادة من المبادئ العامة للقانون او نظریاته العامة لأنه لا یمکن لأیة قاعدة قانونیة أیا کان الفرع الذی تتبعه الا ان تستفید من المبادئ والقواعد التی تنشا فی الفروع الاخرى للقانون .
ثالثا- لا تسمو قواعد القانون الجنائی على غیرها من القواعد القانونیة الاخرى، اذ لیس للترفع والسمو مجال فی البحث العلمی على الرغم من تمییز قواعد القانون الجنائی لما لها من اهمیة فی حمایة المصالح القانونیة، واذا کان القصد هو السمو التشریعی فان هذا السمو یتحقق لقواعد القانون الدستوری لأنه یشغل المرکز الأساسی للقانون بالنسبة لغیره من القوانین.
رابعا- على الرغم من ان القانون الجنائی یتمتع بالاستقلال التشریعی اذ تجمع قواعده القانونیة فی تشریع واحد، فان هذا الاستقلال غیر کاف للقول باستقلال القواعد القانونیة للقانون الجنائی، فضلاً عن ان التقنین قد یعجز عن ان کافة القواعد الجنائیة کافة ومع ذلک لا یعنی ذلک فقدانها لاستقلالیتها.
خامسا- اختلف الفقه حول الاستقلال القاعدی لقواعد القانون الجنائی وقد تنازع الاختلاف نظریات رئیسة، توجهت الاولى نحو التبعیة المطلقة للقانون الجنائی فتکون وظیفته جزائیة بحتة فینص على العقوبات الجزائیة للتکالیف التی تنص علیها قواعد قانونیة غیر جنائیة، واتجهت الثانیة الى الاستقلال المطلق لقواعد القانون الجنائی لاختلاف اطراف الرابطة القانونیة واختلاف الغایة التی تهدف القاعدة الجنائیة لتحقیقها، وتذهب النظریة الثالثة الى التوفیق بین النظریتین السابقتین فتذهب الى ان تبعیة القواعد الجنائیة تکون مقیدة ولیست مطلقة او ان استقلالها یکون نسبیا ولیس مطلقا، فی حین یذهب الفقیه دیلوجو الى ان فروع القانون جمیعها تقوم على قدم المساواة لذا ینادی بالارتکاز لفکرة النظام القانونی التی تؤدی الى التنسیق بین التکییفات القانونیة على وفق فروع القانون المختلفة وذلک فی اطار وحدة النظام القانونی ولیس تبعیته او استقلاله.
سادسا- نتفق مع التوجه الغالب فی الفقه الذی یؤکد على ذاتیة القانون الجنائی وانکار تبعیته المطلقة للقوانین الاخرى او استقلاله، اذ یرتبط القانون الجنائی ارتباطا وثیقا بفروع القانون الاخرى لتحقیق أهداف النظام القانونی، ولا تعنی ذاتیة القانون الجنائی الانفصال أو الاستقلال التام، إنما تعنی إن لهذا الفرع من فروع القانون طابعاً ذاتیاً خاصاً به فلا یتعارض مع غیره من فروع القانون فی تنظیم الحیاة فی المجتمع ، وان هذه الذاتیة هی امر لا ینفرد القانون الجنائی بها وحده، وانما هی مبدا عام ینطبق على فروع القانون جمیعها، اذ یطوع القانون الجنائی المصطلحات التی یستخدمها والتی تضمنتها قوانین اخرى (أتساعاً أو ضیقاً) على النحو الذی یحقق أهداف القانون الجنائی لکی تکون الحمایة الجنائیة للمصالح المختلفة لها فاعلیتها وقیمتها وتحقق الغایة منها.
سابعا- یترتب على الاعتراف بذاتیة القانون الجنائی عدم تقیید القانون الجنائی بالمفهوم الفنی للمصطلحات القانونیة التی تنص علیها فروع القانون الاخرى (مثال ذلک مصطلح المال والموظف والمال العام والشیک ) فضلاً عن المفاهیم الشرعیة او الاجتماعیة لبعض المصطلحات (مثال ذلک مفهوم العرض )، وانما یتم تطویع هذه المفاهیم (اتساعا او ضیقا) على النحو الذی یحقق اهداف وغایات القانون الجنائی التی تختلف عن اهداف القوانین الاخرى وغایاتها لکی تکون الحمایة الجنائیة للمصالح المختلفة لها فاعلیتها وتحقق الغایة منها، اضافة الى ان تعدیل فروع القانون الاخرى لا یترتب علیه تعدیلا مماثلا فی القانون الجنائی، بل انه فی حدود القانون الجنائی ذاته قد لا یترتب على تعدیل مفهوم او مصطلح ما فی باب من ابواب القانون تعدیلا فی الابواب الاخرى الا اذا نص القانون على ذلک، فضلاً عن اختلاف الاجراءات الجنائیة المقررة لقانون العقوبات عن تلک الاجراءات المقررة لفروع القانون الاخرى.
ثامنا- ندعو المشرع الجنائی الى التأکید على ذاتیة القانون الجنائی وذلک عبر ضرورة تحدید وبیان مفهوم او تعریف بعض القواعد والمصطلحات التی یتضمنها القانون الجنائی التی لاتعد فی اساسها مصطلحات جنائیة وانما اشارت الیها او تضمنتها قوانین اخرى کالقانون الاداری او التجاری او المدنی او تضمنتها احکام الشریعة الاسلامیة بصورة دقیقة تزیل عدم الوضوح او عدم التحدید فی المفهوم الامر الذی یؤدی الى عدم تحقیقها لغایات القانون الجنائی على الرغم من توجه التشریعات الجنائیة الى الابتعاد عن ایراد التعاریف خوفا من ان لا یکون التعریف جامعا مانعا، فمثلا لم یعرف المشرع الجنائی العراقی مصطلح الموظف فی حین کان تعریفه لمصطلح المکلف بخدمة عامة (المادة 19 ف2 عقوبات عراقی ) منتقدا وغیر دقیق فی ان تطبیق احکام جرائم الوظیفة العامة تحتاج لبیان وتحدید دقیق لهذه الصفة بوصفها رکنا مفترضا فی الجریمة ، ومثال ذلک ایضا ان المشرع الجنائی العراقی على الرغم من عدم تبنیه لأحکام الشریعة الاسلامیة مصدراً مباشراً من مصادر التجریم فانه لم یحدد فی النصوص التی عالج بموجبها احکام جریمة زنا المحارم ( المادة 385 عقوبات عراقی ) المقصود بالمحارم الامر الذی یفهم منه انه قد احال فی ذلک الى احکام الشریعة الاسلامیة التی جرمت هذه الجریمة على وفق أسس مختلفة عن الاسس التی جرم على اساسها المشرع العراقی جریمة الزنا ولا سیما وجریمة الزنا بالمحارم الامر الذی یصعب معه تبنی المفهوم ذاته لتلک المصطلحات لاختلاف اساس التجریم، فهل یقتصر مصطلح المحرم على قرابة النسب فحسب ام یمتد لیشمل قرابة المصاهرة او الرضاعة ؟ ذلک امر یحتاج الى بیان وتحدید من المشرع الجنائی، فضلاً عن من المصطلحات التی نجد ضرورة تدخل المشرع لبیان وتحدید وتطویع مفهومها مهتدیا فی هذا التحدید بذاتیة القانون الجنائی لتحقیق غایاته واهدافه التی تختلف عن غایات القوانین الاخرى وأهدافها.
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
Firstly: Books
1- Dr. Jalal Tharwat, Department of Special, Part II, Crimes against money transfer, University House for Printing and Publishing, Alexandria, 1984.
2- Sheikh Ali Al-Khayyif, Rulings on Shari'ah Transactions, Al-Sunna Muhammadiyah Press, 1954.
3. Sheikh Ali Al-Khayyif, Royal in Islamic Law, Al-Jablawi Press, Cairo, 1969.
4- Ahmed Faraj Hussein, The Royal and Theory of Contract in Islamic Law, University House, 1986.
5- Dr. Badran Abul-Enein Badran, Islamic Law History and Theory of Property and Contracts, University Youth Foundation, Alexandria, (BT).
6- Abu Hassan Ali bin Abi Bakr bin Abdul Jalil Al-Rashdani Al-Margheani, Al-Hidayah Explanation of the beginning of the end, C4, Mustafa Al-Babi Halabi Press, Cairo, (BT).
7 - Jalal al-Din ibn Abd al-Rahman al-Suyuti, Asbah and isotopes, Issa Al-Babi Al-Halabi Press, Cairo, (BT).
8- Dr. Rafiq Mohamed Salam, Criminal Protection of Public Money, Comparative Study, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 1994.
9 - Al-Qarafi, Differences, C3, Dar al-Ihia Arabic Books, I, 1947.
10- Dr. Ramses Behnam, The General Theory of Criminal Law, Al-Ma'aref Establishment, 3, Alexandria, 1968.
11- Dr. Ramses Behnam, Crime, Offender and Punishment, 1976.
12- Dr. Abdel Rahman Hussein Ali Allam, Criminal Protection of Human Rights in an Enabling Environment, Nahdet Al Sharq Library, Cairo, Palestine.
13- Abdulrahman Al-Jourani, The Misappropriation of Public Funds in Iraqi Legislation and Judiciary, Al-Jahez Press, Baghdad, 1990.
14- Dr. Abdel-Azim Morsi Wazir, The Assumed Conditions in Crime, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1983.
15- Dr. Abdul Fattah Mustafa Al-Saifi, Conformity in Criminalization, Alexandria, 1968.
16- Dr. Abdel Fattah Mustafa Saifi, Criminal Code, Eastern Company for Publishing and Distribution, Beirut, 1967.
17. d. Abdul Muhaiman Bakr, The Mediator in Explaining the Kuwaiti Penal Code, Special Section, Kuwait University Press, 1, 1972-1973.
18- Dr. Issam Afifi Hussein Abdel Basir, Division of the criminal base, Dar al-Nahda al-Arabiya, I, 2003.
19- Dr. Essam Afifi Abdelbaseer, The Crisis of Criminal Law and its Treatment, Dar Abu al-Majd Press, 1, Cairo, 2004.
20- d. Fawzia Abdel Sattar, Explanation of the Penal Code, Special section, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1982.
21- Dr. Mamoun Mohamed Salama, Penal Code, Special Section, Part I, Crimes against Public Interest, Arab Thought House, Cairo, 1988.
22- Dr. Mohamed Ali Swailem, adaptation of the criminal case, University Press House, Alexandria, 2010.
23 - Mohamed Mustafa Shalaby, Introduction to the definition of Islamic jurisprudence and the rules of ownership and contracts, the House of Arab Renaissance, Beirut, 1969.
24 - Muhammad Yusuf Musa, Money and Theory of the Contract in Islamic Law, I 1 (b. M), 1952.
25- Dr. Mahmoud Mahmoud Mustafa, Explanation of the Penal Code, Special section, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, I 8, 1984.
26- Dr. Mahmoud Naguib Hosni, Explanation of the Lebanese Penal Code, General Section, 1968.
27- Dr. Murad Rushdi, The General Theory of Embezzlement in Criminal Law, Nahdet Al Sharq Library, 1, 1976.
28- Mustafa Radwan, Crimes of public funds, jurisprudence and jurisprudence, World of Books, 2, Cairo, 1970.
29 - Muawad Abdul Tawab, the mediator in explaining the crimes of vandalism, destruction and fire, University Press House, Alexandria, 1989.
30- d. Abdel Moneim El-Hefny, Encyclopedia of Psychiatry, vol. I, Madbouli Library, 2, Cairo, 1999.
31. Dr. Kamel Saeed, Madness and Mental Disorder and its Impact on Criminal Responsibility, University of Jordan, I 1, Jordan, 1986.
32. Ahmed Fathi Bahnasi Criminal Responsibility in Islamic Jurisprudence, Second Edition, Halabi and Associates, Cairo, 1969.
33- Abdelkader Odeh, Islamic Criminal Legislation Compared to Positive Law, Volume 1, Dar Al-Turath Library, Cairo, 2003.
34- Dhari Khalil Mahmoud, The Impact of Mental Impairment in Criminal Responsibility, Legal Research Center, Baghdad, 1982.
35- Dr. Maher Abdul Shweish Aldra, Explanation of the Penal Code, Special Section, Ministry of Higher Education and Scientific Research, 2, Mosul University, 1997.
36. d. Mahmoud Naguib Hosni, Explanation of the Penal Code General Department, Dar al-Nahda al-Arabiya, I5, Beirut, 1982.
37. d. Mahmoud Naguib Hosni, Explanation of the Penal Code, Special section, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1988,
38. d. Abdelmahmin Bakr, Special section in the Penal Code, Dar al-Nahda al-Arabiya, I 7, Cairo, 1977.
39. d. Mohammed Zaki Abu Amer, Penal Code Special section, Al-Tuni Press, I 2, 1989.
40. d. Mohamed Zaki Abu Amer, Criminal Protection for Presentation in Contemporary Legislation, Art for Printing and Publishing, 1985.
41 - Mohamed Amin bin Abdeen, the footnote of Ibn Abidin, the response of the chosen Ali Durr Mukhtar, explaining the enlightenment of Ibn Abidin, c. 4, the printing press, Cairo, (BT).
42- Mohamed Hamed Al-Gamal, public employee, jurisprudence and jurisprudence, c1, Modern Thought House for Printing and Publishing, I 1, Cairo, 1958.
43 - Muwafaq al-Din Ibn Qudaamah, and Shams al-Din Ibn Qudaamah al-Maqdisi, the singer and the great narrator, c 5, Dar al-Kitab al-Arabi, Beirut, 1972.
44- Muwaffaq al-Din Abdullah bin Ahmad bin Qudaamah al-Maqdisi, al-Maqna ', 2, Salafi printing press, b. T.
Secondly: Research
1- Dr. Hassanein Ibrahim Saleh Obaid, The Idea of Interest in the Penal Code, National Criminal Code, Vol. II, Vol. XVII, July 1974.
2- Dr. Abdulwahab Homed, Contemporary Perspectives on the Independence of Criminal Law, Kuwait Journal of Rights, 3rd issue, twenty-fourth year, 2000.
3- Dr. Mamoun Mohamed Salameh, Employee Crimes Against Public Administration in the Light of the Informative Approach, Journal of Law and Economics, First Issue, Year 39, 1969.
Thirdly: Laws
1 - Iraqi Penal Code No. (111) for the year 1969.
2 - Egyptian Penal Code No. (58) for the year 1937.
3- Yemeni Penal Code (12) for the year 1994.
4. Iraqi Civil Code No. 40 of 1951.