الحکم القضائی الباطل –دراسة تحلیلیة -(*)-
Null Judicial Judgement- analytical study
|
عواد حسین یاسین العبیدی
محکمة بداءة کرکوک الاتحادیة
Awad Hussein Yassin Al-Obeidi
Correspondence:
Awad Hussein Yassin Al-Obeidi
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 4/9/2013 *** قبل للنشر فی 13/3/2014.
(*) Received on 4/9/2013 *** accepted for publishing on 13/3/2014.
Doi: 10.33899/alaw.2018.160796
© Authors, 2018, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
یحتل موضوع ((الحکم القضائی الباطل)) أهمیة خاصة فی العمل القضائی. تتجلى هذه الأهمیة بغیاب نظریة واضحة ودقیقة عن بطلان الحکم القضائی الباطل فی قانون المرافعات المدنیة العراقی، وعدم وجود تقنین موحد ومتجانس یتناول حالات بطلان الحکم القضائی، وتحدید درجة بطلانه وبحث آلیات تصحیح الأحکام القضائیة وتحجیم أثر بطلان الحکم القضائی على حقوق الأفراد، والسعی إلى حصر بطلان الأحکام القضائیة فی أضیق نطاق، والتوسع فی تصحیح الأحکام الباطلة بالاتکاء على الغایات المرجوة من الأحکام القضائیة فی إنصاف المظلومین وإحقاق الحق، وتحقیق العدالة0وبث الثقة فی القضاء، وخلق الطمأنینة بین الأفراد واستقرار العمل القضائی.
Abstract
The topic "Null Judicial Judgement" occupies special importance in judicial work. Such importance is expressed by absence of an accurate and clear theory regarding the nullity of a null judicial judgement in the Iraqi civil procedure law and nonexistence of homogeneous and unified codification dealing with cases of judicial judgement nullity ,determining the degree of its nullity, researching the mechanisms of correcting judicial judgements, minimizing the effect of judicial judgement nullity on individuals, rights, seeking to narrow largely judicial judgements nullity, and expanding the rectification of null judgements by relying on the ends desired from judicial judge meant sin doing justice to the victims of injustice, enforcing rights, attaining justice, restoring confidence in judicial authorities, creating tranquility among individuals and making judicial work stable. تlactical applications of this method in the constitutions of Iraq over history ; the success factors hisyory
المقدمـة
أسهم القضاء فی مسیرته الطویلة فی بناء محطات عظیمة بثت صوراً مشرفة للعدالة القضائیة، ونأى بها عن الأفکار الفلسفیة المحضة للعدالة، مبتعداً عن صراع الأفکار المحتدم الذی اعتلى قمم الأبراج للمذاهب الفکریة الذی أبى أن یهبط إلى واقع الحیاة العملیة، فأفصح القضاء عن فلسفته الخاصة فی العدالة، ورَسم طریقتها المثلى، التی نبعت من خضم المعاناة الإنسانیة، وامتزجت فی إفرازات الحیاة الواقعیة، بعد تجرید العدالة من هالتها الفلسفیة التی لا تقدم ولا تؤخر، واستلهم جوهر العدالة لإعادة نشرها فی المجتمع بخلق الفرص المتساویة للخصوم فی التقاضی، وتقدیس حق التقاضی، وسلوک قواعد القضاء المعروفة، والمألوفة لحسم الدعاوى وربطها بأحکام قضائیة عادلة.
إن فطرة البشر مجبولة على النقص والقصور ولا یمکن الادعاء بالکمال، وإذ أن القضاة هم بشر وتجنبهم للخطأ فی العمل أمر شبه محال، فلابد من أن تأتی أحکام القضاء على هذا المنوال.
وبناء على ما تقدم فان الأحکام القضائیة فی أحیان کثیرة تصدر ویعتریها الخلل، أو یشوبها زلل قد یمس کیان الحکم القضائی مساً خفیفاً، وفی أحیان أخرى یزلزل کیان الحکم القضائی زلزالاً عظیماً یصدع کیانه، ویحدث تصدعاً فی بنیانه، ویکشف مواطن بطلانه0فما هو تأثیر بطلان الحکم القضائی على حقوق الأفراد؟
من هذه المعطیات آثرنا البحث فی ((الحکم القضائی الباطل دراسة تحلیلیة)) فکان علینا لزاماً بیان أهمیة الموضوع، وهدف الدراسة والمشکلة التی تعالجها ومنهجیتها وهیکلیتها (خطة البحث) وهذا ما سنتناوله تباعاً:
أولاً – أهمیة الموضوع:
یحتل موضوع ((الحکم القضائی الباطل)) أهمیة خاصة فی العمل القضائی0تتجلى هذه الأهمیة بغیاب نظریة واضحة ودقیقة عن بطلان الحکم القضائی الباطل فی قانون المرافعات المدنیة العراقی، وعدم وجود تقنین موحد ومتجانس یتناول حالات بطلان الحکم القضائی، وتحدید درجة بطلانه وبحث آلیات تصحیح الأحکام القضائیة وتحجیم أثر بطلان الحکم القضائی على حقوق الأفراد، والسعی إلى حصر بطلان الأحکام القضائیة فی أضیق نطاق، والتوسع فی تصحیح الأحکام الباطلة بالاتکاء على الغایات المرجوة من الأحکام القضائیة فی إنصاف المظلومین وإحقاق الحق، وتحقیق العدالة0وبث الثقة فی القضاء، وخلق الطمأنینة بین الأفراد واستقرار العمل القضائی0
ثانیاً – هدف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة محاولة بسیطة إلى تشخیص حالات بطلان الحکم القضائی، وتکشف عن أسباب بطلان الحکم القضائی من حیث الشکل والموضوع ورصد الآثار المترتبة على الحکم القضائی الباطل للبحث عن الحلول العملیة، العاجلة والعادلة بإتباع الموضوعیة العلمیة، وتشخیص موضع الخلل. بما یضمن حقوق الأفراد، ویحافظ على هیبة القضاء، ویعمل على إیجاد ثوابت وأسس صحیحة لاستقرار العمل القضائی0
ثالثا ً – مشکلة الدراسة:
لابد أن یکون الحکم القضائی السلیم خالیا ً من العیوب صحیحا ً فی شکله ومضمونه فإذا ما اعترى الحکم القضائی خللاً فی شکله ومضمونه، وشابه خللاً فی ارکانه واعتراه البطلان فهل یمکن تصحیح هذا الحکم القضائی، وما هی حالات البطلان التی یمکن سلخ صفة البطلان عن الحکم القضائی، وإعادة الحکم القضائی إلى سیرته الاولى، سلیما ً منتجا ً لأثاره وما هی معاییر التمییز بین الحکم الصحیح والحکم الباطل؟ وما یمیز الحکم القضائی الباطل، عن الحکم المعدوم؟ وهل أن بطلان الاحکام القضائیة لابد من أن تکون على وفق نصوص قانونیة أم هی محل اجتهاد للقضاء؟
رابعاً – منهجیة الدراسة:
للإجابة على فرضیات البحث تم الاستعانة بالمنهج التحلیلی للوصول إلى صحة الفرضیات المعتمدة فی هذه الدراسة بتحلیل النصوص القانونیة، أو الاطلاع على آراء فقهاء القانون والموازنة بین هذه الآراء مع التّوَسُع فی الجانب العملی لهذا الموضوع الذی یتمثل بالاستشهاد بالقرارات القضائیة القدیمة والحدیثة مع الترکیز على القرارات الحدیثة لإغناء الدراسة المعاصرة بالنصوص القانونیة والأحکام القضائیة.
خامسا ً– هیکلیة البحث ((خطَّة البحث))0
لقد تناولنا هذه الدراسة على وفق خطة بحث تتکون من مقدمة ومبحثین وخاتمة لأهم النتائج والتوصیات وعلى وفق الآتی :
المقدمة
المبحث الأول / ماهیة الحکم القضائی الباطل
المطلب الأول / مفهوم الحکم القضائی الباطل
المطلب الثانی / تمییز الحکم القضائی الباطل عن غیره من الاحکام0
المطلب الثالث / أسباب بطلان الحکم القضائی0
المبحث الثانی / شروط التمسک ببطلان الحکم القضائی وصوره وآثاره0
المطلب الأول / شروط التمسک ببطلان الحکم القضائی0
المطلب الثانی / صور التمسک ببطلان الحکم القضائی.
المطلب الثالث / الآثار المترتبة على بطلان الحکم القضائی.
الخاتمة والتوصیات
المصادر
المبحث الأول
ماهیة الحکم القضائی الباطل
قبل الخوض فی بیان ماهیة الحکم القضائی الباطل لا بد من التطرق إلى مفهوم الحکم وتمییزه عن غیره من الأحکام0لذا سنتناول هذا البحث فی ثلاثة مطالب نخص المطلب الأول لمفهوم الحکم الباطل، ونخص المطلب الثانی لتمییز الحکم الباطل عن غیره من الاحکام، ونخص المطلب الثالث لأسباب بطلان الحکم القضائی0
المطلب الأول
مفهوم الحکم القضائی الباطل
سنتناول مفهوم الحکم الباطل بتعریف الحکم الباطل فی اللغة وفی الاصطلاح الشرعی وتعریف الحکم الباطل فی الفقه القانونی0
الفرع الأول
التعریف بالحکم القضائی الباطل فی اللغة والاصطلاح الشرعی
للتعریف بالحکم لابد من نتناول تعریفه فی اللغة وفی الاصطلاح الشرعی وفی الفقه القانونی وهذا ما سنتناوله تباعا ً :
الحکم لغة : المنع یقال : حکم أصله : منع منعاً لإصلاح، والحکم بالشیء: أن تقضی به کذا، سواءً ألزمت ذلک غیره أم لم تلزمه، قال تعالى : {یَحْکُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنکُمْ ، وقال تعالى: {وَإِذَا حَکَمْتُم بَیْنَ النَّاسِ أَن تَحْکُمُواْ بِالْعَدْلِ، وفی الحدیث الشریف (( وبک حکمت)) أی رفعت الحکم إلیک والحکم إلا لک0قال الأزهری: الحکم القضاء بالعدل، واحتکم فلان فی مال فلان إذا جاء فیه حکمه0والمحاکمة : المخاصمة إلى الحاکم، والحاکم منفذ الحکم والجمع حکام، واحتکموا إلى الحاکم وتحاکموا بمعنى، والحکم مصدر قولک : حکم بینهم بحکم أی قضى وحکم له وحکم علیه0
البطلان فی اللغة :
بَطَل الشئُ ویُبْطُل یُطلاً ویُطُولاً وبُطْلانا: ذهبِ صناعاً وخُسْراً فهو باطل، وأبْطـَلَهُ هو: ویقال ذهب دَمهُ بُطـْلاً أی هَدَراً والباطل : نقیض الحق، والإبطالُ یقال فی إفساد الشْیءِ وإزالته حَقَّا کان ذلک الشیء أو باطلاً، قال تعالى: {لِیُحِقَّ الْحَقَّ وَیُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ کَرِهَ الْمُجْرِمُونَ، ویقال: بطل الشیء یبطـُل بُطـْلانا وبُطولا وبُطلانا بضم الأوائل فسد أو سقط حکمه فهو باطل، ویفهم من المعنى اللغوی للبطلان بان العمل الباطل هو عمل ضائع أو خاسر أو عدیم القیمة، والبطلان لغة الفساد وسقوط الحکم.
ویُعرّف الحکم الباطل فی الفقه الإسلامی بأنه (( الحکم الذی یصدره القاضی الجاهل الذی لا یستند إلى علم العلماء، وافق الحق أم لم یوافقه )) وعرف أیضا ً بأنه الحکم الصادر من قاض معروف عنه بالجور ولو وافق الحق ؛ إذ یسقط الجور عدالة القاضی فیصبح القاضی غیر صالح لمزاولة وظیفته ؛ لأن العدالة من شروط تولی القضاء.
الحکم القضائی فی الاصطلاح الشرعی:
عُرِف الحکم القضائی بأنه (( هو الفعل الذی یصدر عن القاضی ومن فی حکمه بطریق الإلزام لفصل الخصومة )) وعرفه بعض الفقهاء المسلمین المعاصرین بأنه (( فصل الخصومة بقول أو فعل یصدر عن القاضی ومن فی حکمه بطریق الإلزام ))، إذ یفصل الحکم الخصومة وینهی النزاع بین الأطراف، ویضع حداً للاختلاف بین المتنازعین أما بقول أو بفعل، وإن کانت هناک تعریفات عدیدة للحکم ذکرها الفقهاء المسلمون إلا أن تلک التعریفات تتفق فی المعنى وتختلف بالعبارة0
وعرفت المادة (786) من مجلة الاحکام العدلیة الحکم بأنه: (الحکم هو عبارة عن قطع القاضی المخاصمة وحسمه إیاها وهو على قسمین0القسم الأول: هو إلزام القاضی المحکوم به على المحکوم علیه بکلام کقوله : حکمت أو أعط ِ الشیء الذی أدعى به علیک ویقال له قضاء الالزام وقضاء الاستحقاق والقسم الثانی هو منع القاضی المدعی عن المنازعة بکلام کقوله : لیس لک حق أو أنت ممنوع عن المنازعة ویقال لهذا قضاء الترک).
والحکم فی اصطلاح الفقهاء هو: قطع القاضی المخاصمة وحسمه إیاها على المخصوص، وقید الوجه المخصوص هو لإخراج الصلح الذی یجری بین الخصمین.
إن التعریف الأقرب إلى حقیقة ماهیة الحکم هو الذی یعرف الحکم القضائی بأنه ((فصل الخصومة بقول أو بفعل یصدر عن القاضی ومن فی حکمه بطریق الالزام فالقول بان ((فصل الخصومة)) بیان لحقیقة الحکم فهو الحل الذی یقع فی نفس القاضی للنزاع القائم أمامه على تطبیق الأحکام الشرعیة على الوقائع المعروض علیه والعبارة بقول أو بفعل، لبیان الوسائل الدالة على الحکم، والقول بأنه ((یصدر عن القاضی)) یقصد به إخراج کل ما یصدر عن غیره ممن لیس لهم ولایة القضاء والقول بأنه (بطریقة الإلزام) هو إخراج کل فعل لیس على صفة الإلزام کسعی القاضی للمصالحة بین الخصوم، فإن هذا الفعل وإن کان یؤدی إلى حسم النزاع؛ إلا أنه لا یکون على سبیل الإلزام0
الحکم القضائی فی الاصطلاح القانونی0
"هی القرارات التی تصدرها المحکمة فی منازعة رفعت إلیها طبقاً لقانون المرافعات" ومن هذا التعریف یجب أن یتوفر فی الأحکام شرطین هما:
أولا ً: أن تصدر الأحکام من قبل السلطة القضائیة، التی تتشکل على وفق القانون0
ثانیا: أن تکون هذه الأحکام صادرة فی منازعة بین الخصوم ورفعت إلى المحکمة على وفق قانون المرافعات المدنیة.
لذا ذهب رأی من الفقه القانونی إلى الحکم بأنه لا یحوز الحجیة ولا یکون قطعیاً، إلا إذا صدر إثر نزاع بین الخصوم ما لم تکن المسألة التی صدر فیها الحکم من النظام العام وتعدّ مطروحة من تلقاء نفسها على المحکمة.
یتضح مما تقدم إن الحکم القضائی لابد من أن یصدر على وفق إجراءات معینة مع عدم إغفال الشکلیة فی إصدار الحکم القضائی وبخلاف هذا القول فان الحکم القضائی لا یستجمع شرائطه القانونیة، وفی هذا الاتجاه ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة بقرارها، ((لدى التدقیق والمداولة تبین أن الطعن التمییزی مقدم ضمن المدة القانونیة فقرر قبوله شکلاً وعند عطف النظر على الحکم الممیز وجد بأنه غیر صحیح ومخالف للقانون ذلک لأن محکمة استئناف دیالى الاتحادیة کانت قررت بتاریخ 19/7/2006 تأجیل الدعوى إلى یوم 26/7/2006 للتدقیق وفی هذا الیوم أفهمت ختام المرافعة وأصدرت حکمها الممیز لکن هذا الحکم وقع من قبل رئیس الهیئة القاضی (أ.ج.أ) وعضو الیسار (س م أ) ولم یوقعه القاضی (ص ع) عضو الیمین خلافاً لأحکام المادة (160/1) من قانون المرافعات المدنیة وبالتالی فإن ما أصدرته المحکمة آنفة الذکر لا یعدّ حکماً بالمعنى القانونی لتخلف أحد لشروط الشکلیة الملزمة الواجب توافرها فی الحکم علیه قرر نقض الحکم الممیز ..... وصدر القرار بالاتفاق فی 24/9/2006م)).
جاء فی قرار آخر لمحکمة التمییز الاتحادیة، ((لدى التدقیق والمداولة وجد أن محکمة بداءة النجف فی الجلسة المؤرخة 31/10/2006 أصدرت الحکم الممیز فی الدعوى خلافاً لأحکام المادة (160/1) من قانون المرافعات المدنیة حیث أن مسودة القرار للفقرة الحکمیة غیر موقعة من قبل القاضی الذی اصدر الحکم الممیز ولا تحمل اسم القاضی الذی اصدر الحکم لذا قرر نقضه وإعادة الدعوى لمحکمتها لإصدار الحکم السلیم فی الدعوى وفق أحکام المادة (160) مرافعات مدنیة وعلى أن یبقى الرسم التمییزی للنتیجة وصدر القرار بالاتفاق فی27/2/2007)).
نخلص مما تقدم إن معنى بطلان الحکم القضائی فی اللغة القانونیة لا یبتعد عن معناه من الناحیة اللغویة0لذا عرف بطلان الحکم القضائی بأنه هو: ((جزاء یرتبه المشرع أو تقضی به المحکمة بغیر نص إذا افتقد العمل القانونی أحد الشروط الشکلیة والموضوعیة المطلوبة لصحته قانونا ً ویؤدی هذا الجزاء إلى عدم فعالیة العمل القانونی، وافتقاده لقیمته المفترضة له فی حال صحته ))0
تعددت مذاهب البطلان فی الفقه القانونی التی یمکن إیجازها فی أربعة مذاهب، المذهب الأول : یرتب البطلان على أیة مخالفة إجرائیة ولو کانت تافهة احتراماً للشکل0والمذهب الثانی على نقیض المذهب الأول لا یرتب البطلان على المخالفة، بل یعد البطلان وسیلة تهدیدیة لحمل الخصم على احترام الشکل، ویترک للمحکمة تقدیر ما إذا کان الأمر یتطلب الحکم بالبطلان من عدمه0أما المذهب الثالث فهو وسط بین المذهبین السابقین فینیط بالشارع تحدید مواطن البطلان وعندئَذ لا یترک لمحکمة الموضوع التقدیر فعلیها أن توقع الجزاء، إذا نص الشارع ذلک، وعلیها أن تمتنع إذا أغفل النص على الجزاء، فلا بطلان بغیر ضرر فإذا لمست المحکمة أن تعیب الإجراء الذی رتب ضرراً فی حق الخصم قضت بالبطلان، وإلا أمسکت عنه0
المطلب الثانی
تمییز الحکم الباطل عن غیره من الأحکام
إن افتقاد الحکم القضائی لأحد شروطه الشکلیة أو الموضوعیة المطلوبة لصحته قانونا ً بجعله عیباً یقدح فی صحته درجة هذا العیب وتفاوته من حیث جسامته إذ قد یفضی إلى بطلان الحکم أو انعدامه علیه لابد من التمییز بین الحکم القضائی الباطل والحکم الصحیح ومن ثم بین الحکم القضائی الباطل والحکم المعدوم، لذا سنقسم هذا المطلب إلى فرعین نحاول أن نمیز فی الفرع الأول بین الحکم الباطل والحکم الصحیح ونحاول فی الفرع الثانی أن نمّیز بین الحکم الباطل والحکم المعدوم0
الفرع الأول
تمییز الحکم الباطل عن الحکم الصحیح
لقد سبق القول أن الحکم فی الاصطلاح الشرعی ((هو قول ملزم یصدر عن ولایة عامة أو الأخبار عن حکم شرعی على سبیل الإلزام))، ولم تتضمن القوانین المعاصرة ومنها القانون العراقی تعریفا ً للحکم القضائی وإنما تکلمت عن الحکم القضائی وکیفیة إصداره والبیانات اللازمة فیه، وقد تکلمت المادة (162) من قانون المرافعات المدنیة العراقی عن کیفیة إصدار الحکم والبیانات اللازم ذکرها من الحکم القضائی إذ نصت على: ((بعد النطق بالحکم ینظم فی مدى خمسة عشر یوما ً إعلام یبین فیه المحکمة التی أصدرته وتاریخ إصداره وأسماء الحکام الذین أصدروه وأسماء الخصوم وأسماء وکلائهم وإثبات الحضور والغیاب وخلاصة الدعوى وموجز ادعاءات الخصوم ودفوعهم وما استندوا إلیه من وقائع وحجج قانونیة والقرارات التی صدروها فیها ومنطوق الحکم وما بنی علیه من علل وأسباب والمواد القانونیة التی استند إلیها ویوقع من قبل الحاکم أو رئیس الهیأة ویختم بختم المحکمة))، فالحکم من الأعمال الإجرائیة عملی شکلی وتظهر الشکلیة فی أمرین هما : کتابته والنطق به.
وقد وردت فی الفقه القانونی المقارن تعریفات عدیدة للحکم القضائی فقد عرف الحکم القضائی بأنه ((القرار الصادر من محکمة فی حدود ولایتها القضائیة فی خصومة بالشکل الذی یحدده القانون وسواء کان صادرا ً فی موضوع الخصومة أم فی مسألة إجرائیة))، وعرف الحکم بأنه ((الحکم بمعناه الخاص، هو القرار الصادر من محکمة مشکلة تشکیلا ً صحیحا ً، ومختصا ً فی خصومة رفعت إلیها وفق قواعد المرافعات سواء أکان صادرا ً فی موضوع الخصومة أو فی شق منه أو فی مسألة متفرعة عنه )).
إن الغایة من ذکر هذه التعریفات الوصول إلى حقیقة الحکم القضائی الصحیح الذی یمکن بیان فکرته بصورة مبسطة بأن الحکم القضائی الصحیح هو الحکم الصادر من محکمة فی مشکلة تشکیلاً صحیحا ً فی حدود ولایتها فی خصومة مع مراعاة الشکل الذی یحدده القانون للأحکام0
أما الحکم الباطل فهو الحکم الذی یکون مشوبا ً بعیب سواء من ناحیة إصداره، فی إجراءاته الشکلیة، أو فی أسبابه الموضوعیة أو فقدانه لشروط الحکم القضائی الصحیح أو أرکانه وسنرکز فی المطلب الثالث من هذه الدراسة على الأسباب (الشکلیة والموضوعیة) لبطلان الحکم القضائی0
ومن الجدیر بالإشارة التمییز بین أرکان الحکم ومقومات وجوده وبین شروط انعقاده وذلک بصورة موجزة.
وللحکم أرکان موضوعیة أو داخلیة تتعلق بمضمون الحکم هی (الإرادة والمحل والسبب) وأرکان شکلیة خارجیة وهی (القاضی) المطالبة القضائیة، شکل (الحکم) وهی أساس وجوده من دونها یتجرد الحکم من العناصر الجوهریة اللازمة لتکوینه، ویفقده صفة الحکم مما یعنی انعدامه فلا یرتب أی آثار قانونیة0
أما شروط الانعقاد أی صحة انعقاد صدور الحکم، فهی الشروط التی یستلزم القانون توفرها فی هذه الأرکان فإذا شاب الحکم عیباً مس صحته فإنه لا یؤثر فی وجوده بوصفه حکماً، ولا یحول من دون أداء وظیفته، ویترتب على هذا الحکم الآثار القانونیة إلا أن یقضی ببطلانه بالطعن فإذا مضت مدد الطعن بالحکم، وجب إقامة دعوى أصلیة بالبطلان0
وخلاصة القول أن الحکم القضائی الباطل هو الحکم المشوب بعیب عدم تطابق الحکم مع نموذجه القانونی، وأن یرتب القانون على هذا العیب عدم إنتاج الحکم لآثاره القانونیة التی تترتب علیه إذا کان صحیحا ً أی خالیا ً من عیبه أو عیوبه.
وبهذه المعاییر تتبلور فکرة التمییز بین الحکم القضائی الباطل والحکم القضائی الصحیح.
الفرع الثانی
تمییز الحکم الباطل عن الحکم المعدوم
یُعدّ الانعدام – نوعاً من أنواع البطلان فی القانون الخاص – من الأفکار التی تتمیز بحداثتها، ولعل من أبرز الذین ظهرت لدیهم هذه الفکرة بوضوح الفقیه الألمانی زخاری (Zachariae) عام 1827 فی شرح للقانون المدنی الفرنسی الذی کان مطبقا ً حین ذاک فی دول غرب الرین الألمانیة إذ لحظ أن الباب الرابع – المادة (180) وما بعدها – قد عدد الأسباب المختلفة لبطلان الزواج، ووضح أن القضاء قد أقر صراحة أن هذا التحدید قد جاء على سبیل الحصر ولیس المثال، ومن ثم فلا بطلان فی مسائل الزواج إلا بنص0
إلا أن الواقع العملی أفرز حالات لم ینص علیها القانون على البطلان وفی الوقت نفسه لا یستساغ القول بترک الزواج فیها قائما ً، کما فی حالة اتحاد جنس الزوجین، فنادى بفکرة الانعدام – رغبة منه فی المحافظة على قاعدة ((لا بطلان فی مسائل الزواج إلا بنص)) ممیزا ً بین شروط وجود التصرف ((RechticheWesen)) وشروط صحته (dergultigkierBedigungen) ومُقرا ً إن الانعدام کنوع من بطلان التصرف القانونی لا یحتاج إلى نص لتقریره، وذهب الفقیه جابیو إلى أن دیمولومب هو أول من قرر فکرة الانعدام إذا إنه أول من أعطى لاصطلاح الانعدام معناه الحقیقی.
إن مظهر الانعدام عدم الوجود ومظهر أو جزاء عدم الصحة هو البطلان، إذ یختلف الانعدام عن البطلان ؛لأن مصدرهما التباین بین عدم الوجود وعدم الصحة، وإن الحکم المعدوم لا یرتب أی أثر قانونی، ویترتب الانعدام بقوة القانون، وهو لا یقبل التصحیح؛ لأنه شیء غیر موجود ولا یقبل الافتراض.
وفی هذا الاتجاه ذهبت محکمة التمییز فی العراق إلى مبدأ نفاده ((القرار المعدوم لا تلحقه حصانة ولا یترتب علیه أی اثر قانونی فلا یجوز حجیة الاحکام))، لذا فإن الانعدام لا یحتاج إلى نص القانون علیه بخلاف البطلان فإن القاعدة تقول ((لا بطلان بدون نص))، ولا یحتاج أن المعدم إلى حکم بإعدامه؛ لأن المعدم لیس فی حاجة إلى من یعدمه، وإذا عرض الأمر على القاضی فإن القاضی لا ینفی الانعدام وإنما یقر الواقع ویستطیع کل ذی مصلحة أن یتمسک بالانعدام، وأن عرض للقاضی حکم منعدم فعلیه أن یقر الانعدام من تلقاء نفسه0
ولا شک أن فکرة الحکم المعدوم لا یقتصر نطاق تطبیقها على الاحکام المدنیة ولها حضور فی الاحکام الجزائیة، فقد ذهبت محکمة التمییز فی أحد قراراتها إلى مبدأ مفاده ((إذا ثبت من هویة الاحوال المدنیة أن المتهم لم یتم الثامنة عشر من العمر وکانت الهویة تستند إلى بیان ولادة فیکون تولده ثابت بموجب هویة الأحوال المدنیة ولا یغیر من ذلک شیء تقریر اللجنة الطبیة بتقدیر عمره وتکون محکمة الأحداث هی المختصة بمحاکمته واعتبار الحکم الصادر بحقه من محکمة الجنایات معدوما ً بالنسبة له))، مما یعنی أن الاحکام العامة فیما یتعلق بالاختصاص النوعی للمحاکم المدنیة ینسحب على الاختصاص النوعی فی محاکم الجزاء. فالحکم المعدوم لا أثر له ابتداء، ولا یظهر إلى الحیاة أی شیء یجعله موجوداً، کما ذهبت إلى ذلک محکمة النقض السوریة.
یُعد الحکم الذی یصدر خلافا ً للاختصاص النوعی للمحاکم حکما ًمعدوما ً وفی هذا الاتجاه ذهبت محکمة التمییز فی قرار لها إلى ((إذا نظرت محکمة الاستئناف الدعوى وأصدرت حکما ً فیها یعتبر معدوما ً ولا یترتب أی اثر قانونی لصدوره من محکمة غیر مختصة)).
أخذ الفقه القانونی بالتوسع فی فکرة الحکم المعدوم إذ یعد مخالفة الحکم القضائی لمبادئ الشریعة الإسلامیة من أسباب انعدام الحکم ؛لأن مصدر الأحکام الشرعیة الکتاب والسنة، والأحکام العقائدیة ثابتة لا تقبل التبدیل حتى قیام الساعة ولا یجوز مخالفتها، وإن صدر حکم على خلافها کان معدوما ًلا حجیة له مهما مضى علیه من زمن ویکفی جحده وإنکاره، فلا یعدّ هذا الحکم باطلا ً؛ لأن الحکم الباطل إن لم یطعن فیه حاز قوة الأمر المقضی وصار عنوانا ً للحقیقة التی تضمنها قضاؤه وهو ما تأباه قواعد الشریعة الإسلامیة، کالحکم الذی یقسم الترکة على خلاف الأنصبة الشرعیة وما تضمنته سورة النساء، وإذا کان هذا القول یصدق على المسائل التی ورد بشأنها نص محکم، فإن الأمر محل نظر واجتهاد فی المسائل التی لم یرد فیها نص محکم، فإن انتظمها نص فی القانون الوضعی کان هو الواجب التطبیق.
إن الأثر المترتب على مخالفة الحکم (( للنظام العام)) على حد تعبیر رجال الفقه القانونی هو انعدام الحکم ومن هذه الحالات حالة انعدام الخصومة بإقامة الدعوى على شخص میت، وفی هذا الاتجاه ذهبت محکمة استئناف کرکوک بصفتها التمییزیة ((لدى التدقیق والمداولة وجد أن القرار صحیح وموافق للقانون لما استند علیه من سبب وهو أن الحکم الصادر فی الدعوى المرقمة 1291 /ب / 2005 بتاریخ 9 / 6 / 2005 معدم لإقامتها على میت ... وصدر القرار بالاتفاق فی 12 / جمادی الآخرة / 1434هـ الموافق 22 / 4 / 2013م)).
لذا یمکن أن نخلص إلى ما یمیز الحکم القضائی الباطل عن الحکم المعدوم بالتعریف على حقیقة الحکمین بوساطة التعریفات التی وضعت لهما، فقد عرف الحکم القضائی الباطل بأنه هو ((الحکم القضائی المخالف للنموذج القانونی الذی رسمه المشرع، والذی شابه عیب فی شروط صحة انعقاده وقواعد إصداره أو بسبب إجراء باطل سابق بنی علیه، یؤثر فیه ولکن لا یعدمه، ویحوز حجیة الأحکام حتى وإن کان بطلانه متعلقا ً بالنظام العام ؛ وذلک عندما لا یطعن فیه)).
عرف الحکم المعدوم بحسب الاجتهاد القضائی بأنه ((هو الحکم الذی فقد رکناً جوهریا ً من أرکانه الرئیسة))، وعرف احد شراح قانون المرافعات المحکم المعدوم بأنه ((الحکم الذی افتقد منذ الأساس سببا ً جوهریا ً من أسباب تکوینه وهو بذلک تکوّن ولم یوجد.
عرفت محکمة التمییز فی العراق الحکم المعدوم فی احد قراراتها بأنه ((الحکم الذی لا یرتب أی أثر قانونی ولا تلحقه حصانه، ولا یزول عیبه بفوات میعاد الطعن بصدوره أی سبیل للتمسک بانعدامه)).
نخلص مما تقدم أن أهم مما یمیز الحکم القضائی الباطل عن الحکم القضائی المعدوم إن الحکم القضائی الباطل یجوز تصحیحه، ویجوز حجبه الأمر المقضی فیه ان لم یطعن فیه، ویکون بطلان الحکم القضائی بموجب نص یحکمه تطبیقا ً لقاعدة ((لا بطلان إلا بنص)) أما الحکم القضائی المعدوم فهو عدم والعدم لا یولد إلا العدم لذا لا اثر قانونی له ولا تلحقه حصانه ولا یفوت مدة الطعن فیه لذا یکون الحکم القضائی المعدوم من نتاج الفقه القانونی، واجتهاد القضاء.
المطلب الثالث
أسباب بطلان الحکم القضائی
لقد بیّن قانون المرافعات المدنیة العراقی فی الکتاب الثانی/ الأحکام وطرائق الطعن فیها، وفی الباب الأول/ الأحکام، وفی الفصل الأول / الأحکام العامة المواد (154- 160)، وفی الفصل الثانی/ إجراءات إصدار الحکم المواد (161- 163) آلیة إصدار الأحکام مما یتوجب مراعاة تلک النصوص عند إصدار الأحکام هذا من جهة ومن تحلیل تلک النصوص القانونیة یمکن التوصل إلى أسباب بطلان الحکم القضائی والتی یمکن إرجاعها إلى أسباب شکلیة وأسباب موضوعیة فضلا ً عن معرفة الآثار المترتبة على بطلان الحکم القضائی من جهة أخرى.
لذا سنتناول هذا المطلب فی فرعین نخص الفرع الأول للأسباب الشکلیة لبطلان الحکم القضائی، ونخص الفرع الثانی للأسباب الموضوعیة لبطلان الحکم القضائی.
الفرع الأول
الأسباب الشکلیة لبطلان الحکم القضائی
هناک أسباب شکلیة عدیدة لبطلان الحکم القضائی ومن هذه الأسباب ما یأتی:
أولاً: سماع الخصم فی غیبة الآخر0
إن من الأصول الثابتة فی القضاء هو عدم جواز بناء الحکم على أقوال أحد الخصوم من دون سماع أقوال الخصم الآخر0وتمثل هذا القول فی مبدأ مهم جداً فی فقه القضاء مفاده ((أنه لا یجوز ان یحکم على شخص بدون أن تسمع المحکمة دفاعه)) لذا شرع طریق من طرائق الطعن بالأحکام فی حالة إصدار الحکم بغیاب أحد الخصمین وهو طریق (الطعن بالحکم الغیابی)، ونظمت أحکام هذا الطعن فی قانون المرافعات المدنیة العراقی فی الباب الثانی/ طرق الطعن بالأحکام/ الفصل الثانی/ الاعتراض على الحکم الغیابی المواد (177-184).
وقد عرفت الشریعة الاسلامیة الغراء مبدأ المواجهة بین الخصوم قولا ً وعملا ً، ویستدل على ذلک بما روی عن علی ابن أبی طالب (t) أنه قال: بعثنی رسول الله (r) إلى الیمن قاضیا ً، فقلت یا رسول الله ترسلنی وأنا حدیث السن ولا علم لی بالقضاء، فقال: إن الله سیهدی قلبک ویثبت لسانک، فإذا جلس بین یدیک الخصمان فلا تقضین حتى تسمع من الآخر کما سمعت من الأول فإنه أحرى أن یتبین لک القضاء0قال : فما زلت قاضیا ً أو شککت فی قضاء بعد0
وتناول الفقهاء المسلمون هذا المبدأ تحت عنوان ((القضاء على الغائب))، إذ روی عن عمر (رض) أنه أتاه رجل قد فقئت عینه، فقال له عمر: تحضر خصمک، فقال له یا أمیر المؤمنین أما بک من الغضب إلا ما أرى؟ فقال له عمر: فلعلک قد فقأت عینیَّ خصمک معاً فحضر خصمه قد فقئت عیناه معاً، فقال عمر: إذا سمعت حجة الآخر بان القضاء، فیستدل مما تقدم إذا لم یحضر الخصم لم یصح الحکم، و ذهب الفقه الإسلامی إلى أن غیاب الخصم لا یُعدّ اعترافا ً منه بالدعوى، ولا تصدیقاً فیما ادعاه، ویمکن تلخیص آراء العلماء فی الحکم الغائب فی ثلاثة آراء هی:
الرأی الأول:
یجوز القضاء على الغائب سواء أکان فی حق من حقوق الله تبارک وتعالى أم فی حق مشترک، وهذا قول الحنفیة.
الرأی الثانی:
یجوز القضاء على الغائب فیما هو حق لآدمی ویمنع القضاء علیه فیما هو حق لله تعالى وهو قول الجمهور.
الرأی الثالث:
یجوز القضاء على الغائب سواء کان حق لله تعالى أم حق للعبد وهذا القول للظاهریة.
والرأی الراجح هو قول الجمهور، وهو جواز الحکم على الغائب لقوة أدلته، ورجاحة حججه؛ ولاجتماع السواد الأعظم من الفقهاء المسلمین على العمل به.
إن المرجح فی نظر القضایا والمخاصمات جمیعها إلى أحکام الشریعة الاسلامیة فهی الأصل والاساس المعتمد فی أحکام القضاء القضاء لذا استخلص الفقهاء المسلمون أصلا ً عظیما ً من أصول القضاء وهو ((بناء الاحکام على المصادر الشرعیة وتأصیلها)).
وإن هذا الأصل فی القضاء مازلنا نلمس أثاره فی أحکام قضائنا العراقی فقد ذهبت محکمة التمییز فی قرارها إلى: ((وحیث أن اتخاذ القاضی القرار فی موضوع الدعوى وعلى عریضتها مباشرة قبل استیفاء الرسم والجمع بین طرفی الدعوى وفق الطریقة التی رسمها القانون وقبل إجراء المرافعة وسماع أقوال الخصوم یعتبر خطأ قانونیاً فاحشاً فیکون القرار الممیز مخالفاً للقانون ویتعین نقضه لذلک قرر نقضه....)).
ثانیاً: إصدار الحکم قبل ختام المرافعة0
نصت المادة (156) مرافعات مدنیة على :((اذا تهیأت الدعوى لإصدار الحکم تقرر المحکم ختام المرافعة، ثم تصدر حکمها فی ذات الیوم أو تحدد للنطق به موعداً آخر لا یتجاوز خمسة عشر یوماً من تاریخ تفهیم ختام المرافعة))، ان هذا النص القانونی صریح بعدم جواز إصدار الحکم قبل ختام المرافعة0ومن التطبیقات القضائیة ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة فی أحد قراراتها إلى،: ((....الحکم غیر صحیح ومخالف للقانون ذلک لأن محکمة الموضوع أصدرت حکمها الممیز دون ان تقرر ختام المرافعة فی الجلسة المؤرخة 7/11/2006 کما توجب ذلک المادة (156) من قانون المرافعات المدنیة .....)).
ثالثاً : علانیة النطق بالحکم0
نصت المادة (161) مرافعات مدنیة على أن: ((یتلى منطوق الحکم علناً بعد تحریر مسودته وکتابة أسبابه الموجبة فی الجلسة المحددة لذلک، ویعتبر الطرفان مبلغین به تلقائیاً، إذا کانت المرافعة قد جرت حضوریاً حضر الطرفان أم لم یحضراً فی الموعد الذی عین لتلاوة القرار))، وتوجب المادة المذکورة على القاضی أو رئیس المحکمة تلاوة منطوق الحکم فی الجلسة علناً حضر الطرفان أو احدهما أو لم یحضرا.
رابعاً : التوقیع على مسودة الحکم0
ورد هذا الحکم فی الشق الأخیر من المادة (162) مرافعات مدنیة: (...ویوقع – أی الحکم– من قبل القاضی أو رئیس الهیأة ویختم بختم المحکمة))، إن هذه المادة صریحة بوجوب توقیع مسودة الحکم من القاضی إذا کان منفرداً أو رئیس الهیئة إذا کانت المحکمة مشکلة من هیئة، مثلا ً قد تکون هیئة استئنافیة0ویوجب خلو الحکم من توقیع قاضی المحکمة أو رئیس الهیئة بطلان الحکم.
فقد ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة فی قرارها: (( .... ان مسودة القرار للفقرة الحکمیة غیر موقعة من القاضی الذی اصدر الحکم الممیز ولا تحمل اسم القاضی الذی اصدر الحکم لذا قرر نقضه......)).
ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة فی قرار لها ((....وعند النظر على الحکم الممیز وجد أنه غیر صحیح ومخالف للقانون، حیث أصدرت محکمة استئناف دیالى الاتحادیة حکمها بعدد (7/ س /2009 وتاریخ 24/2/2009 ووقعه رئیس الهیأة القاضی (خ) وعضو الیمین القاضی (ص) ولم یوقعه عضو الیسار القاضی (هـ) خلافاً لأحکام الفقرة (1) من المادة (160) من قانون المرافعات المدنیة رقم 83 لسنة 1969 وبالتالی فلا یعد حکماً بالمعنى القانونی للسبب أعلاه لذا قرر نقضه ..... وصدر القرار بالاتفاق فی 25/ ربیع الثانی / 1430هـ الموافق 21 /4/2009م)).
خامساً/ المداولة والنطق بالحکم0
نصت المادة (158) مرافعات مدنیة ((تصدر الأحکام بالاتفاق أو بأکثریة الآراء، فإذا تشعبت الآراء وجب على العضو الأقل درجة أن ینضم إلى أحد الآراء لتکوین الأکثریة)) ونصت المادة (160/2) على ((2- یدون العضو المخالف رأیه وأسباب مخالفته، ولا ینطبق بالمخالفة وتحفظ بإضبارة الدعوى ولا تعطى منها صور)).
ولدت فکرتا المداولة فی الأحکام والرأی المخالف بعد تطور قانونی طویل وأساسهما القانونی المادة (15)، من ذیل قانون أصول المحاکمات العثمانی الصادر فی 2 رجب سنة 1296هـ والذی بقیَ نافذاً فی العراق حتى سنة 1956، ثم صدر بعد ذلک قانون أصول المرافعات المدنیة والتجاریة رقم (88) لسنة 1956 ونصت المادة (128/2) منه على أن: ((تکون المذاکرة سریة ولا یجوز ان یشترک فیها إلا حکام هیئة المحکمة)) ونصت المادة (129/3) منه على أن ((توقع هیئة المحکمة على الحکم الذی تصدره بعد أن یدون العضو المخالف أسباب مخالفته قبل تفهیم الحکم للطرفین)) وقد الغی القانون الأخیر بالقانون الحالی النافذ رقم 83 لسنة 1969 المعدل.
لم یرد فی قانون المرافعات المدنیة النافذ نص قانونی یوجب أن تکون المداولة سریة بین القضاة. وذهب أحد شراح قانون المرافعات المدنیة المعاصرین أن عدم نص المشرع العراقی على سریة المداولة بین القضاة هو أن المشرع یعتقد التناقص ((بین سریة المداولة وبین تدوین الرأی المخالف، بینما لا تناقض فی ذلک؛ لأن سریة المداولة إنما تکون أثناء المداولة بین القضاء ولیس عند النطق بالحکم علنا؛ لأن القانون هو الذی سمح للقاضی المخالف بتدوین مخالفته التی لا یجوز النطق بها أو إعطاء نسخ منها إلى الخصوم أو غیرهم بل تبقى محفوظة فی اضبارة الدعوى))، ومن التطبیقات القضائیة ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة فی قراراها: ((ولدى عطف النظر على الحکم الممیز وجد أنه غیر صحیح ومخالف للقانون من الناحیة الشکلیة لعدم تقید المحکمة بأحکام الفقرة (الثانیة) من المادة (160) من قانون المرافعات المدنیة إذ لم تبین فی مسودة الحکم الممیز اسم العضو المخالف ولم یدون مخالفته بعد صدور الحکم بالأکثریة لذا قرر بنقض الحکم .... وصدر القرار بالاتفاق فی 19/4/2006)).
سادساً: تسبیب الحکم.
نصت المادة (159/1) من قانون المرافعات المدنیة على: ((1- یجب ان تکون الأحکام مشتملة على الأسباب التی بنیت علیها وان تستند إلى أحد أسباب الحکم المبینة فی القانون))، إن خیر شرح لهذه المادة هو ما أوردته الأسباب الموجبة لتشریعها ولتشریع المادة (160) التی تلیها إذ جاء فیها: ((وقد ذهب القانون إلى التشدید فی تسبیب الأحکام قبل إصدارها وقبل النطق بها وذلک لحمل القضاة على ألا یحکموا فی الدعوى على أساس فکرة مبهمة لم تتضح معالمها، مجملة غابت أو خفیت تفاصیلها، وان یکون الحکم دائماً نتیجة أسباب واضحة محصورة، جرت على أساسها المداولة بین الحکام قبل النطق بها فإذا لم تودع الأسباب قبل تلاوة الحکم فی یوم صدروه فإن معنى ذلک أن القاضی قد نطق بالحکم قبل أن یتدبر أسبابه أو أن الهیئة قد أصدرت الحکم قبل أن تتفق علیه وتستقر عقیدتها على أساس معین فیه، لذا یکون الحکم قد خلا من الضمانة التی یحرص علیها الشارع)).
یعرف التسبیب فی الفقه القانونی: ((هو بیان الأسباب الواقعیة والقانونیة التی قادت القاضی إلى الحکم الذی نطق به))، وذهبت محکمة التمییز الاتحادیة فی قراراها، ((......ولدى عطف النظر على الحکم الممیز وجد بأنه غیر صحیح ومخالف لأحکام القانون؛ لان محکمة البداءة لم تتبع قرار النقض الصادر من هذه المحکمة کما أن حکمها جاء خالیاً من الأسباب القانونیة التی حملت المحکمة على رد الدعوى وهذا لا یجوز قانوناً استناداً لصراحة المادة (159/فقرة/1،2) من قانون المرافعات المدنیة والتی أوجبت على المحکمة عند إصدارها حکمها النهائی بیان الأسباب التی استندت إلیها لان التسبیب یعتبر من عناصر ومقومات الرکن الشکلی فی الحکم القضائی، فالحکم غیر المسبب یفتقد لروح القانون وجوهره....)).
سابعاً: إغفال ذکر بیانات الحکم0
نصت المادة (162) على: ((بعد النطق بالحکم ینظم فی مدى خمسة عشر یوماً إعلام یبین فیه المحکمة التی أصدرته وتاریخ إصداره وأسماء القضاة الذین أصدروه وأسماء الخصوم وأسماء وکلائهم واثبات الحضور والغیاب وخلاصة الدعوى وموجز ادعاءات الخصوم ودفوعهم وما استندوا إلیه من وقائع وحجج قانونیة والقرارات التی سبق صدروها فیها ومنطوق الحکم وما بنی علیه من علل وأسباب والمواد القانونیة التی استند إلیها، ویوقع من قبل القاضی أو رئیس الهیئة ویختم بختم المحکمة)).
لقد أوردت المادة المذکور البیانات المطلوب إدراجها فی الحکم القضائی، وهی بیانات مهمة جداً وضروریة، ویجعل إغفال هذه البیانات الحکم الصادر عرضة للنقض ،وعدم الاعتداد به قانوناً0فقد ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة فی قراراها، إلى: ((....وللرجوع إلى الحکم الممیز فقد وجد أن محکمة البداءة عند إصدارها قرار الحکم فقد أغفلت تشکیلة المحکمة کما ذکرت فی أعلى المسودة للقرار تاریخ 8/5/2007 وضمنت مسودة القرار شطب وتغییر فی التاریخ وکون الحکم غیر منظم وحیث أن اختلاف التواریخ فی القرار یجعل من القرار غیر معروف التاریخ وبالتالی لا یمکن الرکون إلیه قرر نقض الحکم .... وصدر القرار بالاتفاق فی 25/ شعبان 1429هـ الموافق 27/8/2008م)).
یتضح مما تقدم أن َإصدار الحکم القضائی من دون مراعاة الشکلیة التی أوجبها القانون بجعل الحکم القضائی مشوباً بالبطلان، ولا یکون الحکم القضائی مستوفیاً للشروط القانونیة وحریاً بالنقض وعدم الاعتداد به.
الفرع الثانی
الأسباب الموضوعیة لبطلان الحکم القضائی
لم ینظم المشرع العراقی فی قانون المرافعات المدنیة بشکل واضح ومحدد الأسباب الموضوعیة لبطلان الحکم القضائی على النحو الذی فصل فیه القول فی الأسباب الشکلیة لبطلان الحکم والقضائی، لذا یمکن التوصل إلى الأسباب الموضوعیة لبطلان الحکم القضائی على وفق النحو الآتی :
أولا ً:إن یکون القاضی مستوفیاً لشروط التعیین کافة0
یتوجب ابتداءً لممارسة العمل القضائی على أنواعه المختلفة أن یکون القاضی قد استوفى شروط التعیین کافة. وقد اختلفت النظم القانونیة فی العالم فی طریقة تعیین القضاة.
أما فی العراق فیشترط فیمن یُعیّن قاضیاً أو نائباً للمدعی العام أن یکون خریج المعهد القضائی ومتزوجاً (المادة (18) من قانون المعهد القضائی رقم (33) لسنة 1976)، وحددت المادة (السابعة) من قانون المعهد القضائی الشروط المطلوبة للتعیین، لرفد القضاء بعناصر ذات کفاءة وتجربة فی الاطلاع على تطبیقات أحکام القانون إذ جاءت الفقرة (ثالثاً) من قانون رقم (16) لسنة 1988، باستثناء مهم من قانون المعهد القضائی رقم (33) لسنة 1976 ونصت على أنه ((یجوز تعین المحامی قاضیاً بمرسوم جمهوری إذا أمضى مدة ممارسة فی مهنة المحاماة لا تقل عن عشر سنوات، ولم یتجاوز عمره الخامسة والأربعین استثناء من شروط التخرج من المعهد القضائی)).
یعین المتخرج من المعهد القضائی بمرسوم جمهوری بوظیفة قاض ٍإذا کان من المؤهلین للقضاء، وبوظیفة نائب مدع عام اذا کان من المؤهلین لهذه الوظیفة، بالراتب والصنف والدرجة التی یستحقها بموجب شهادته وخدمته وممارسته والقدم الممنوح له بموجب أحکام هذا القانون، وتعد مدة الدراسة فی المعهد القضائی للتعیین وتحدید الراتب بالنسبة لغیر الموظف المادة (17) من قانون المعهد القضائی.
من التطبیقات القضائیة فیما یتعلق بضرورة توفر شروط التعیین فی القاضی ما ذهبت إلیه محکمة التمییز الاتحادیة بقرارها ((....وعند عطف النظر على القرار الممیز المرقم 40/ل. ق.ع/2007 والمؤرخ فی 4/7/2007 فقد لوحظ بأنه صحیح وموافق للقانون حیث أن الممیز عین قاضیاً من قبل قائد القوات الأمریکیة فی محافظة بابل فی 22/5/2003 بعد سقوط النظام السابق فی 9/4/2003 وبعد ترشیحه بطریقة الانتخاب من محامی المحافظ وان محافظ بابل اصدر أمراً بعدد 130 فی 29/5/2003 بتعیینه قاضیاً وباشر بوظیفته القضاء نتیجة لذلک ثم قررت لجنة المراجعة القضائیة المشکلة بالأمر المرقم (15) لسنة 2004 الصادر عن سلطة الائتلاف وبالمذکرة الصادرة فی 19/3/2004 عدم صلاحیته للتعیین..)).
لذا فإن صدور الحکم من قاض لا تتوفر فیه شروط التعیین یجعل الحکم القضائی باطلاً لأسباب موضوعیة.
ثانیاً: اختصاص القاضی فی إصدار الحکم0
لا یکفی أن یکون القاضی مستجمعاً لشروط التعیین لیصح حکمه بل یجب أن یکون القاضی مختصاً بإصدار الحکم، وإلا کان حکمه باطلا ً0والاختصاص قانوناً هو ((الصلاحیة المعینة للمحکمة والتی تخولها النظر فی قضیة معینة)).
قد یعطی القانون الاختصاص لمحکمة وکما أنه یمکن أن یعطیها للجنة کما هی الحال بالنسبة للجان القضائیة فی هیئة دعاوى الملکیة بموجب المادة (5) من القانون رقم 13 لسنة 2010، وقد یعطى الاختصاص للجان تختص بالفصل فی منازعات زراعیة.
بناءً على ما تقدم لا یمکن لقاضی محکمة البداءة أن یتصدى للفصل فی دعاوى الأحوال الشخصیة ما لم یکن مخولاً بذلک، ولا یمکن لقاضی منطقیاً أن ینظر فی دعاوى المنطقة المجاورة0
ثالثاً : الصلاحیة الشخصیة للقاضی فی إصدار الحکم.
لبث الثقة فی عدالة القضاء، ولإعطاء الخصوم ضمانات تکفل حقوقهم فقد نص قانون المرافعات المدنیة العراقی على حالات یمکن عند تحقیقها أو تحقیق بعضها أن یطلب أحد الخصوم رد القاضی فقد نصت المادة (91) ((لا یجوز للقاضی نظر الدعوى فی الأحوال الآتیة:
إذا کان زوجا ً أو صهراً أو قریباً لأحد الخصوم إلى الدرجة الرابعة.
إذا کان له أو لزوجه أو لأحد أولاده أو أحد أبویه خصومة تقوم مع احد الطرفین أو مع زوجه أو احد أولاده أو احد أبویه.
إذا کان وکیلا ً لأحد الخصوم أو وصیاً علیه أو قیماً أو وارثاً ظاهراً له، أو کانت له صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة بوکیل احد الخصوم أو الوصی أو القیم علیه أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشرکة التی هی طرف فی الدعوى أو احد مدیریها.
إذا کان له أو لزوجه أو لأصوله أو لأزواجهم أو لفروعه أو أزواجهم أو لمن یکون هو وکیلا عنه أو وصیاً أو قیماً علیه مصلحة فی الدعوى القائمة.
إذا کان قد أفتى أو ترافع أحد الطرفین فی الدعوى أو کان قد سبق له نظرها قاضیاً أو خبیراً أو محکماً أو کان قد أدى شهادة فیها)).
تعد المادة (91) بفقراتها الخمس الأسباب التی لا یجوز للقاضی إذا ما توفر سبب من الأسباب فی شخصه أن ینظر الدعوى المعروضة علیه ویلزم فی هذه الحالة الطلب تحریریاً إلى رئیسه المباشر لإحالة الدعوى إلى قاض آخر للنظر فیها.
ووضحت المادة (92) الحکم الذی یترتب على عدم احتجاب القاضی عن نظر الدعوى فی الحالات الواردة فی المادة (91) إذ نصت على ((إذا نظر القاضی الدعوى فی الأحوال المذکورة فی المادة السابقة واتخذ إجراءات فیها، أو أصدر حکمه بها یفسخ ذلک الحکم أو ینقض وتبطل الإجراءات المتخذة فیها)). وسبب هذا الحکم أن نظر القاضی للدعوى مع توفر سبب من الأسباب المنصوص علیها فی المادة (91) یمنعه من رؤیتها یعد مخالفة صریحة لنص أمر یتعلق بالنظام العام.
ونصت المادة (93) مرافعات على حالات أخرى یجوز فیها رد القاضی ((یجوز رد القاضی لأحد الأسباب الآتیة:-
إذا کان أحد الطرفین مستخدماً عنده، أو کان هو قد اعتاد مؤاکلة أحد الطرفین أو مساکنته، أو کان قد تلقى منه هدیة قبیل إقامة الدعوى أو بعدها.
إذا کان بینه وبین أحد الطرفین عداوة أو صداقة یرجح معها عدم استطاعته الحکم بغیر میل، إذا کان قد أبدى فیها رأیا قبل الأوان)).
المبحث الثانی
شروط التمسک ببطلان الحکم القضائی وصوره وآثاره
لابد أن یکون بطلان الحکم القضائی بوجود مصلحة (عامة، أو خاصة) مما یقتضی توفر شروط للتمسک ببطلان الحکم القضائی، وهناک صوراً یتخذها بطلان الحکم القضائی لذا سنتناول المبحث فی ثلاثة مطالب نخص المطلب الاول لشروط التمسک ببطلان الحکم القضائی ونخص المطلب الثانی لصور التمسک ببطلان الحکم القضائی. ونخص المطلب الثالث لآثار الحکم القضائی الباطل.
المطلب الأول
شروط التمسک ببطلان الحکم القضائی
یتطلب الأخذ بالبطلان النسبی بالضرورة التمسک بهذا البطلان ولکن هل لکل شخص التمسک بهذا البطلان أم هناک شروط خاصة للتمسک ببطلان الحکم القضائی؟ وهناک شروط ًخاصة لابد من توفرها فیمن یتمسک ببطلان الحکم القضائی لذا یمکن إرجاع هذه الشروط إلى شرطین أساسین سنتناولهما فی فرعین:
الفرع الأول
وجود مصلحة للتمسک بالبطلان
إن من البدهیات فی قانون المرافعات المدنیة أن قبول أی طلب أو دفع لابد من أن تکون لصاحبه فیه مصلحة قائمة یقرها القانون، فالدعوى بالأصل هی ((طلب شخص حقه من آخر أمام القضاء)) المادة (2) مرافعات مدنیة. والدفع هو ((الإتیان بدعوى من جانب المدعی علیه تدفع دعوى المدعی وتستلزم ردها کلاً أو بعضاً)) المادة ( 8/1) مرافعات مدنیة. ویراعى فی الدفع ما یراعى فی المادة (8/2). فی الدعوى، ومن أهم شروط قبول الدعوى هو وجود المصلحة، فیشترط فی الدعوى أن یکون المدعى به مصلحة معلومة وحالة ممکنة ومحققة0المادة (6) مرافعات مدنیة والمصلحة هی ((الفائدة العملیة التی تعود على رافع الدعوى من الحکم له بطلبه، فحیث لا تعود من رفع الدعوى فائدة على رافعها فلا تقبل دعواه))، ولابد من أن تستند المصلحة إلى مرکز قانونی، إذ تجیء الدعوى لحمایة هذا الحق أو المرکز القانونی0ومما یعرف بالمصلحة القانونیة، ففی الأحکام العامة فی البطلان أنه یحق لکل ذی مصلحة أن یتمسک بالبطلان. ((المادة (141) من القانون المدنی العراقی)).
الفرع الثانی
إن لا یکون من یتمسک بالبطلان هو المتسبب بالبطلان
لیس لمن تسبب فی البطلان أن یتمسک به، فسواء أکان البطلان للإهمال فی التزام وجه الصواب فی مباشرة الإجراء أم کان العمد بالغش والرغبة فی الإضرار عملاً بالقاعدة الأصولیة إذ أنه لا یجوز لمرتکب الغش أن یستفید من غشه، حتى ولو کان مضروراً من هذا التعیب، بل کان الإجراء مقررا ً لمصلحته.
ومن التطبیقات القضائیة ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة فی قرار لها إلى: ((....أما طعن الممیزة بمدى مشروعیة تملک الممیز علیه لعقاره فانه خارج عن نطاق هذه الدعوى وتحقیقاتها طالما أن سند العقار یشیر إلى أنه مملوک له وإن ما مدون فی السجلات العقاریة والسندات الصادرة بموجبها حجة على الناس کافة ولا یطعن فیها الا بالتزویر (م10/من قانون التسجیل العقاری النافذ) وان یکون الطاعن ذو مصلحة فی الطعن علیه قرر تصدیق الحکم الممیز ورد اللائحة التمییزیة وتحمیل الممیز رسم التمییز)).
وذهبت محکمة التمییز فی قرار لها ((...أن عقد الهبة عقد شکلی لا یتم إلا بتسجیله بدائرة التسجیل العقاری وفق المادة (602) من القانون المدنی فإذا ثبت أن الواهب أنکر تقدیمه أی بیان لمدیریة التسجیل العقاری کما أن البیان المعزى تقدیمه لا یحمل توقیع الواهب حتى تصح نسبته إلیه قانونا ً هذا بالإضافة إلى وجود حکم قضائی لم یتمسک فیه المدعى علیه بمعاملة الهبة تکون الدعوى التی یتمسک فیها المدعی بوجود هبة لا أساس لها وبالتالی ترد...)).
یتضح جلیاً من قراءة أحکام القضاء العراقی أن التمسک ببطلان الحکم القضائی لابد من ان تتوفر فیه شروط خاصة ومن هذه الشروط وجود مصلحة، والا یکون من یتمسک بالبطلان هو المتسبب بالبطلان.
المطلب الثانی
صور التمسک ببطلان الحکم القضائی
یمکن ارجاع صور التمسک ببطلان الحکم القضائی إلى صورتین سنتناولهما فی فرعین نخص الفرع الأول للتمسک ببطلان الحکم القضائی فی صورة دفع ونخص الفرع الثانی للتمسک ببطلان الحکم القضائی فی صورة دعوى0
الفرع الأول
التمسک ببطلان الحکم القضائی فی صورة دفع
عرفت المادة (8/1) من قانون المرافعات المدنیة الدفع بأنه: ((هو الإتیان بدعوى من جانب المدعى علیه، تدفع دعوى المدعی وتستلزم ردها کلا ً أو بعضاً))، ویتضح بقراءة الفقرة (1) من المادة (8) أن الدفع تم تعریفه بوصفه دعوى إذ یُعد الدفعّ ((الإتیان بدعوى))؛ إلا أن هذا التعریف لم یسلم من سهام النقد، فقد وجه بعض شراح قانون المرافعات المدنیة انتقادات قویة لهذا التعریف الذی وصف (الدفع) بکونه (دعوى).
تلخصت حجج أصحاب هذا الاتجاه بأن الدفع لا یقتصر مفهومه على الدعوى وإنما هو فی حقیقته وسیلة یلجأ إلیها المدعی علیه للرد على طلبات المدعی سواء أکانت موجهة لموضوع الحق المدعی به، أم یتعلق بالخصومة، أم بالإجراءات القضائیة. وقالوا: الدفع هو کل ما یجیب به الخصم على دعوى خصمه0
تناول المشرع العراقی فی قانون المرافعات المدنیة (الدفوع) فی الباب السادس فی المواد من (73) إلى (80) والدفوع کما عرفها فقه المرافعات المدنیة یمکن تصنیفها على ثلاثة أنواع هی:
النوع الأول/ الدفوع الموضوعیة0
هی الوسائل التی یلجأ إلیها المدعى علیه لیثبت أن دعوى خصمه على أساس غیر قانونی، وهی دفوع تتعلق بأساس الدعوى وموضوعها0ولا تحصر هذه الدفوع، وتتعدد تبعاً لتعدد مواضعات الدعاوى، ویترتب على قبولها رد دعوى المدعی کلاً أو جزءً ومن أمثلتها الدفع بانقضاء الدین المطالب به فی الدعوى بالوفاء أو الإبراء أو المقاصة.
النوع الثانی/ الدفوع الشکلیة.
یقصد بها الدفوع التی یطعن فیها الخصم بعدم قانونیة إجراءات الدعوى قبل الدخول فی أساسها وموضوعها، وهی أما دفوع لا تتعلق بالنظام العام ویقتصر حق التمسک بها على الخصم، ومثلها الدفع بعدم اختصاص المحکمة المکانی، أو الدفع بعدم قانونیة التبلیغات، أو دفوع شکلیة تتعلق بالنظام العام کالدفوع بعدم اختصاص المحکمة الوظیفی أو النوعی أو القیمی، وتقضی به المحکمة من تلقاء نفسها ولو لم یدفع به الخصوم.
النوع الثالث/ الدفوع بعدم قبول الدعوى.
یتضمن هذا الدفع رد الدعوى لعدم توفر الشروط العامة فیها کالدفوع بعدم توجه الخصومة، والدفع بسبق الفصل فی الدعوى، والدفع بالتقادم، والدفع بانقضاء المدة المحددة للطعن بالاعتراض أو بالاستئناف. وتمثل هذه الدفوع مرکزاً وسطاً بین الدفوع الموضوعیة والدفوع الشکلیة.
الفرع الثانی
التمسک ببطلان الحکم القضائی فی صورة دعوى
عرفت المادة (2) من قانون المرافعات المدنیة الدعوى بأنها: ((طلب شخص حقه من آخر أمام القضاء)) ومن تحلیل هذه المادة تتضح عناصر الدعوى وهی: ((أ- طلب، ب- وان یقدم الطلب إلى القضاء وبالتالی تخرج الطلبات التی تقدم للإدارة عن هذا المعنى، ج- وان یستحصل الشخص حقه عن طریق القضاء))، ومن الفقهاء المحدثین من عرف الدعوى بأنها: ((وسیلة قانونیة یتوجه بها الشخص إلى القضاء للحصول على تقریر حق له أو حمایته أو تمکینه من الانتفاع به أو تعویضه من هذا الانتفاع)).
ویکون التمسک ببطلان الحکم القضائی بدعوى؛ إذ تنص المادة (160/3) من قانون المرافعات المدنیة نصت على: ((3- الحکم الذی یصدر من المحکمة یبقى مرعیا ومعتبرا ما لم یبطل أو یعدل من قبل المحکمة نفسها أو یفسخ أو ینقض من محکمة أعلى وفق الطرق القانونیة ))0وقد ذهبت محکمة التمییز فی قراراها إلى: ((....ولایة المحکمة تنتهی بإصدارها الحکم الحاسم فی الدعوى)).
ان الحکم متى ما صدر مستوفیاً لشروطه على وفق الإجراءات القانونیة فیبقى مرعیاً من المحکمة التی أصدرته، إذ یمتنع علیها إجراء أی تعدیل علیه بالإضافة أو الحذف أو غیره، إذ بصدور الحکم تکون ولایة المحکمة على الدعوى قد رفعت ،ولا یمکن لها تعدیل الحکم، ویبقى الحکم مرعیاً ،ویحوز قوة الأمر المقضى به قبل الکافة0
من التطبیقات القضائیة ذهبت محکمة التمییز فی قرارها إلى مبدأ مفاده ((إذا تضمن القرار الصادر من المحکمة فی دعوى التظلم تعرض إلى أصل الحق المتنازع فیه وتضمن إفشاء للرأی الأوان مما ینضوی تحت حکم الفقرة (3) من المادة (93) من قانون المرافعات المدنیة فیتعین قبول طلب رد القاضی)).
یجب التقید بالأسباب الموضوعیة لبطلان الحکم القضائی عند إصدار الحکم القضائی وإلا فان الحکم القضائی یعدّ باطلاً وأن الأسباب الموضوعیة لبطلان الحکم القضائی منها ما یتعلق بشخصیة القاضی وضرورة ابتعاده عن مواطن الشبهات، وبث الثقة فی القضاء بتکریس مبدأ حیاد القضاء ونزاهته الذی هو ضمانة لا غنى عنها فی الوصول إلى حکم عادل.
المطلب الثالث
الآثار المترتبة على بطلان الحکم القضائی
لقد سبق القول أن أسباب بطلان الحکم القضائی هی (شکلیة وموضوعیة) لذا نحاول بیان الآثار المترتبة على بطلان الحکم القضائی بالتعرف على تلک الآثار بحسب التقسیم الذی تم اعتماده مما یتوجب تقسیم هذا المطلب إلى فرعین نخص الفرع الأول لأثر بطلان الحکم القضائی المترتب على تخلف الأسباب الشکلیة ونخص الفرع الثانی لأثر بطلان الحکم القضائی المترتب على تخلف الأسباب الموضوعیة الخاصة ببطلان الحکم القضائی.
الفرع الأول
الآثار المترتبة على بطلان الحکم القضائی لأسباب شکلیة
لابد من ان تکون فلسفة التقاضی واضحة المعالم، قلیلة الإجراءات تهجر الشکل الجامد، ولا تلوذ بالشکل إلا مضطرة تصون به الحق، وتدفع به الباطل ما وجدت إلى ذلک سبیلا ً، مما یتماشى مع احد أهداف قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 الذی جاء فی المادة(4) منه التی نصت على: ((تبسیط الشکلیة إلى الحد الذی یضمن المصلحة العامة ولا یؤدی إلى التفریط بأصل الحق المتنازع فیه)) فمواطن العدل بمضمونه وفحواه وان التشریعات الإجرائیة هی آلیة الطریق والأداة ،ویجب ان تکون أداة طیعة ومطیعة ذلولا اعدل لعدل سهل المنال، مأمون الطریق، لا یحفل بالشکل ولا یلوذ به الا مضطراً یصون به الحق أو یرد الباطل)).
بناء على ما تقدم فان خلو الحکم القضائی الباطل من بعض الشروط الشکلیة لا یبطل إذ ما حقق الغرض المنشود وهو تحقیق العدالة وإعادة الحق إلى أهله، ومن ثم یمکن معالجة هذا الخلل فی أحیان معینة أما فی حالة وجود غموض فی الحکم المنفذ لا یمنع من تنفیذ باتباع الطریق الذی رسمته المادة (10)، من قانون التنفیذ رقم (45) لسنة 1980 المعدل وان کان الأمر لا یخلو من إشکالات عملیة جمة فی الواقع العلمی.
فی هذا الاتجاه ذهبت محکمة التمییز فی قراراها ((.....إذا وجد المنفذ العدل غموضاً فی الحکم وطریقة تنفیذه فبإمکانه الاستیضاح عن ذلک من المحکمة التی أصدرته استناداً لأحکام ((المادة (10) من قانون التنفیذ)) وعلیه قرر نقض القرار الممیز وإعادة الاضبارة التنفیذیة إلى مدیریة تنفیذ الکرادة للسیر فیها وفق ما تقدم .......)) وصدر القرار بالاتفاق فی 3/11/1993))، ویترتب على ما تقدم إن غموض الحکم لا یُعد سببا ً من أسباب بطلانه.
أما إذا کان بطلان الحکم القضائی لسبب شکلی لا یمکن إصلاحه فهنا یتوجب إبطال الحکم والإجراءات المتخذة من القاضی المختص. وبهذا الاتجاه ذهبت محکمة استئناف کرکوک الاتحادیة بصفتها التمییزیة بقرارها، ((ولدى عطف النظر على القرار الممیز الصادر من قاضی البداءة بصفته المنفذ العدل فقد وجد أنه غیر صحیح ویخالف أحکام القانون ذلک لصدروه دون ملاحظة أن محضر وضع الید لم یوقع من قبل قاضی البداءة بصفته المنفذ العدل وبذلک فانه یعتبر باطلا ً وان الإجراءات اللاحقة تعتبر باطلة هی الأخرى لذا نقض القرار الممیز وإعادة الإضبارة تعتبر باطلة هی الأخرى لذا قرر نقض القرار الممیز وإعادة الاضبارة إلى محکمة البداءة لإتباع ما تقدم .... وصدر القرار بالاتفاق فی12/ جمادى الأخر/1434هـ الموافق 22/4/2013)).
ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة فی قرارها إلى: ((..... ولدى عطف النظر على الحکم الممیز وجد أنه غیر صحیح ومخالف للقانون من الناحیة الشکلیة لعدم تقیید المحکمة بأحکام الفقرة الثانیة من المادة (160) من قانون المرافعات المدنیة إذ لم یتبین فی مسودة الحکم الممیز اسم العضو المخالف ولم یدون مخالفته بعد صدور الحکم بالأکثریة لذا قرر نقض الحکم الممیز .... وصدر القرار بالاتفاق فی 19/4/2006)).
ویتطلب بطلان الحکم القضائی لأسباب شکلیة تصحیح الحکم وأعماله ما وجد إلى ذلک سبیلاً.
الفرع الثانی
الآثار المترتبة على بطلان الحکم القضائی لأسباب موضوعیة
یُعدّ بطلان الحکم القضائی لمخالفته للأسباب الموضوعیة من حیث الاختصاص الوظیفی أو صلاحیته القاضی لمباشرة العمل القضائی هو الجزاء العادل، والأثر البارز لمخالفة المحکمة لاختصاصها، ولتجاوز القاضی النصوص القانونیة التی وضعت أولاً لحمایة القاضی، ولإبعاده عن مواطن الشبهات، وللحافظ على نزاهة القضاء، وبث الثقة فیه، واطمئنان الأفراد على حقوقهم.
من التطبیقات القضائیة ذهبت محکمة التمییز فی قرارها إلى: ((....... ولدى عطف النظر على القرار الممیز وجد بالنظر للأسباب التی استند الیها جاء موافقاً للقانون لان ما نسب للقاضی/ الممیز علیه هو انابته المعاون القضائی فی محکمة الأحوال الشخصیة فی الاعظمیة لإجراء الکشف على البیت الشرعی اثناء نظره إحدى الدعاوى وعدم قیامه هو بإجراء الکشف حسبما یتطلبه القانون وان ما نسب للقاضی المذکور لا یشکل مخالفة لواجباته المنصوص علیها فی المادة السابعة من قانون التنظیم القضائی رقم (160) لسنة 1971 بحیث یستوجب مساءلته عنه انضباطیاً سیما وإنه لم یثبت أنه اتخذ القرار المذکور بدافع یبعث الشک والریبة وإنما یجعله محل مساءلة إداریة کما یعرض ذلک قراره للنقض لدى الطعن به تمییزاً.........)).
ذهبت محکمة التمییز بقرار آخر لها، إلى: ((..... لا یجوز لقاضی الموضوع اتخاذ قرار على عریضة الدعوى برفض الطلب لعدم الاختصاص المکانی، وإنما یترتب على المحکمة تسجیل الدعوى وتبلیغ الطرفین بیوم المرافعة فان دفع المدعى علیه بعدم اختصاص المحکمة المکانی تنظر فی هذا الدفع وتصدر القرار المقتضی .... وصدر القرار بالاتفاق فی 14/4/1986)).
هنا قد یسأل سائل ما هو مصیر القرار المتخذ من دون إکمال إجراءات التبلیغ؟ أجابت محکمة التمییز الاتحادیة عن هذا السؤال القانونی فی احدى قراراتها، ((...یعتبر القرار قد شابه البطلان إذا أجرت المحکمة المرافعات دون إجراء التبلیغ ....)).
من التطبیقات القضائیة التی تتعلق باختصاص المحکمة الوظیفی ذهبت محکمة التمییز الاتحادیة بقرار لها إلى: ((..... ولدى عطف النظر على الحکم الممیز فقد وجد أنه غیر صحیح ومخالف للقانون حیث أن قرار مجلس قیادة الثورة المنحل المرقم (1301) لسنة 1981 تضمن إطفاء الحقوق التصرفیة من قبل اللجنة المشکلة بموجبه وأن قرار اللجنة المذکورة قابلا ً للطعن فیه لدى محکمة البداءة خلال ستین یوماً من تاریخ التبلیغ بقرار الإطفاء وبذلک تکون محکمة البداءة غیر مختصة فی إطفاء الحقوق التصرفیة على العقار موضوع الدعوى وکان على المحکمة رد الدعوى لعدم الاختصاص وحیث ان المحکمة قد سارت فی الدعوى وصدرت حکمها الممیز فتکون المحکمة قد أصدرت قراراً بموضوع غیر مختصة فیه وظیفیاً علیه قرر نقض الحکم الممیز ..... وصدر القرار بالاتفاق فی 25/ربیع الثانی / 1427هـ الموافق 22/5/2006م))، وذهبت محکمة التمییز فی قرار لها، إلى: ((إذا اصدر الحکم المطعون فیه خلافاً لقواعد اختصاص المحاکم التی هی من النظام العام یکون قد احتوى على خرق للقانون لذا یقبل الطعن فیه لمصلحة القانون)).
نخلص مما تقدم إن القضاء العراقی اتجه إلى بطلان الاحکام القضائیة عند مخالفتها للنظام العام على الرغم من أنه لا یوجد تعریف جامع مانع لمفهوم النظام العام، إذ لا یمکن حصر النظام العام فی دائرة محددة لا تختلط أو تتدخل مع غیرها لأنه هذه الفکرة – فکرة النظام العام – هی فکرة مرنة، تضیق وتتسع بحسب الظروف فی کل مجتمع فلا یمکن وضع قاعدة ثابتة تحدد النظام العام بصورة مطلقة، ولم یفرق المشرع العراقی بین (البطلان المطلق أو الوجوبی) البطلان المتعلق بالنظام العام والبطلان (النسبی او الجوازی) البطلان المتعلق بالمصلحة العامة ؛ لأنه یعدّ البطلان درجة واحدة ومصداق ذلک ما جاء بالمادة (160/3) من قانون المرافعات المدنیة ((3- الحکم الذی یصدر من المحکمة یبقى مرعیا ً ومعتبرا ً ما لم یبطل أو یعدل من قبل المحکمة نفسها أو یفسخ أو ینقض من محکمة أعلى منها وفق الطرق القانونیة)) فقد ورد لفظ الإبطال مطلقاً.
الخاتمــة
أولاً: النتائج
- لم یکن تعریف الحکم القضائی الباطل محل اتفاق بین فقهاء القانون، ولا تبتعد التعریفات التی وضعت للحکم القضائی الباطل کثیراً عن معناه اللغوی0
- لقد تبنى الفقه القانونی التقسیم الثنائی للبطلان ((نسبی ومطلق)) وسعى الفقهاء جاهدین إلى التقلیل من حالات ((البطلان النسبی)) للأحکام القضائیة والعمل على تصحیح الأحکام الباطلة قدر الإمکان بالنظر إلى مآل الحکم ونتائجه وغض النظر عن حالات البطلان البسیطة إذا ما وصل الحکم القضائی الباطل إلى مبتغاه فی إحقاق الحق.
- یمکن تصنیف أسباب بطلان الحکم القضائی إلى صنفین ((أسباب شکلیة)) و((أسباب موضوعیة)) إذ یحاط بطلان الحکم الغیابی لأسباب شکلیة بقدر من المرونة، بعدم الترکیز على الشکلیة الجامدة؛ لأن المشرع یتعامل الیوم مع الشکلیة على أنها وسیلة لتحقیق غایة، وهی تحقیق العدل وإشاعة الثقة والاطمئنان فی القضاء، لذا فانه جعلها تتسم بسمتین لازمتین لتحقیق هذا الهدف السامی وهما بالمرونة والنظر إلیها على أنها وسیلة ولیست غایة بحد ذاتها.
- للقضاء العراقی بصمة واضحة، وکلمة مسموعة، وصولة مشهودة فی الوقوف بحزم حیال التهاون فی مراعاة حقوق الأفراد وتجاوز حدود القانون، وأصول العمل القضائی، لذا یکون القضاء ضمانة حقیقیة وفعالة للوصول إلى الحقوق، وأصبح القضاء حارسا ً أمینا ً یسهر على تطبیق القانون، وأصبحت محکمة التمییز الاتحادیة تباشر رقابتها على المحاکم من دون ملل أو کلل.
ثانیاً: التوصیات
- ضرورة إعادة دراسة المواد الخاصة ببطلان الحکم القضائی وتقنینها بشکل جدید یعمل على إعطاء نظریة واضحة لبطلان الأحکام القضائیة فی قانون المرافعات المدنیة العراقی ببیان حالات البطلان وأنواعه والآثار المترتبة على کل نوع.
- حث القضاء على التوسیع فی تصحیح الأحکام القضائیة الباطلة بطلاناً نسبیاً ما وجد إلى ذلک سبیلاً بالنظر إلى مآل الأحکام ونتائجها وتجاوز ما اعتراها من عیب بسیط إذا ما حقق الحکم القضائی الغایة المنشودة منه وهی تحقیق العدالة.
- ضرورة تبنى حکمة المشرع العراقی فی قانون الإثبات وتحقیق أهم أهدافه التی ضمنها فی المادة (4) من قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل فی تبسیط الشکلیة إلى الحد الذی یضمن المصلحة العامة ولا یؤدی إلى التفریط بأصل الحق المتنازع فیه. وعدم الاستتار خلف الشکلیة الجامدة التی لا تبقی ولا تذر للعمل القضائی أیة مرونة وترهق کاهل البشر.
إن هذه المحصلة الموجزة هی اجتهادات شخصیة تقبل الخطأ والصواب والمجتهد یجتهد فیصیب أو یخطأ ویتعلم من خطأه والکمال لله تعالى وحده{وَفَوْقَ کُلِّ ذِی عِلْمٍ عَلِیمٌ}.
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
Secondly: Books Hadith
1. Imam Abu Dawood Sulayman Ibn Al-Ash'ath Al-Sijistani Al-Azadi, Sunan Abi Dawood, 1, 2, 3, Dar Al-Ma'arafa for Printing, Publishing and Distribution, Beirut, Lebanon, 2001 (Book: The Book of Judgments, Chapter: What was stated in the judge R. between the two adversaries until the end of the era of the Prophet (peace and blessings of Allaah be upon him) The Prophet (peace and blessings of Allaah be upon him) said: Beirut, Lebanon, 2009. (Book: Judgments, Bab: The Modern Judges); Imam Muhammad bin Ali bin Mohammed al-Shawkani, Volume IV, C8, previous source, p. 286. (Book: Al-Qadiyya and the provisions, Chapter: sitting the two adversaries in the hands of the ruler and settling between them, Hadith: 3895); Imam Muhammad bin Ismail Al-Sannani, Lebanon, 2007 (Book: Judiciary, Chapter: Judges, Hadith: 1392).
2. Sulayman ibn al-Ash'ath (d. 275 AH), Sunan Abi Dawood, c. 3, investigation by Mohamed Mohiuddin Abdel Hamid, Mustafa Mohamed Press, Cairo.
Third: Books Islamic jurisprudence
1. Mark Burhanuddin Abu Al-Wafaa Ibrahim Shams Al-Din Mohammed bin Farhoun Al-Yamari Al-Maliki, the insight of the rulers in the assets of the districts and the curricula of the judgments, came out of his monograph and commented on it and wrote his poems, Sheikh Jamal Maraashly, two volumes in one volume, 2001.
2. Dr. Abdul Aziz Ali Salman Al-Madi, Judiciary and Judgment of the Absent in Islamic Jurisprudence, 1, Dar Al-Fath for Studies and Publishing, Amman, Jordan, 1432H -2011.
3. Dr. Adnan bin Mohammed bin Ateeq al-Dikailan, Jurisdiction in Islamic Jurisprudence, I 1, Dar Al-Jawzi House for Publishing and Distribution, Saudi Arabia, 1429.
4. Ali bin Ahmed bin Said Andalusian, the deceased (456 e), known as Ibn Hazm, local, printing Almnairiya, Cairo, 1347 e.
5. Mohammed Habib Tijkani, The General Theory of Judiciary and Evidence in Islamic Law Comparisons of Positive Law, Moroccan Publishing House, Dar Al-Sha`al Al-Kahlal Al-A'aliya, Afaq Arabiya, joint publication, without edition, and date printed.
6. Dr. Muhammad al-Zujaili, Judicial Organization in Islamic Jurisprudence, Comparative Study, I 2, Dar Al-Fikr, Damascus, Syria, 2002.
7. Dr. Mohammed Naim Yassin, The Theory of the Suit between Islamic Law and Civil and Commercial Procedures Law, 3, Dar Al-Nafais Publishing and Distribution, Amman, Jordan, 2005.
8. Dr. Mohi Hilal Al-Sarhan, General Theory of the Judiciary in Islam, Center for Research and Islamic Studies, Sunni Endowment Office, Baghdad, 2007.
Fourth: Legal books
1. Dr. Ahmed Abu Al Wafa, Civil and Commercial Pleadings, Dar Al-Nahda Egypt, 1975.
2. The Law of Evidence and the Evidence Law, Al-Ma'aref Establishment, 1, Alexandria, 1968.
3. Theory of Judgments in Civil Procedure Law, Al-Ma'arif Establishment, 6, Alexandria, Egypt, 1989.
4. Dr. Adam Wahib al-Nadawi, The Philosophy of Litigation Proceedings in the Civil Procedure Law, Higher Education Press, 1, Baghdad, 1987.
5. Advisor Anwar Tolba, The Absence and Absence of Judgments, The Modern University Office, Alexandria, Egypt, 2012.
6. Dr. Ajyad Thamer Nayef Al-Dulaimi, Revocation of the Civil Procedure for Neglect of Procedural Obligations, A Comparative Analytical Study, 1, Bayt al-Hikma, Baghdad, 2012.
Daoud Samra, Explanation of the Law of Jurisprudence, al-Rushaid Press, 4, Baghdad, 1947.
7. Dr. Ramzi Taha Poet, Inclusion of invalidity in administrative decisions, comparative study, I 3, the Egyptian Book House, Cairo, 1997.
8. Judge Shehab Ahmed Yassin / Lack of Judgments, I 1, Al-Aatek Book Manufacturing Company, Cairo, Legal Library, Baghdad, 2010.
9. Diaa Shit Khattab, Al-Wakiz in explaining the Civil Procedure Law, Al-Ani Press, Baghdad, 1973.
10. The Art of Judiciary, Institute of Arab Research and Studies, Baghdad, 1404 H-1984.
11., Explanation of Iraqi Civil and Commercial Procedures Law, Al-Ani Press, Baghdad, 1969.
12. Abdul Jalil Barto, Explanation of the Principles of civil and commercial proceedings Islamic Company for Printing and Publishing, Baghdad, 1957.
13. Dr. Abdul Razzaq Al-Sanhoury, Explaining the New Civil Law Volume I, Theory of Commitment in General, Sources of Obligation, Halabi Publications, vol. 3, Beirut, Lebanon, 2000.
14. Dr. Abdul Majid al-Hakim, summarized in the Civil Law, Sources of Commitment, C1, I 5, Nadim Press, Baghdad, 1974.
15. Judge Awad Hussain Yaseen Al-Obaidi, Jurisdiction in Disputes of Agricultural Lands, Al-Jil Al-Arabi Library, Mosul, I, 2, 2012.
16., Explanation of the Juvenile Welfare Act No. 76 of 1983, I 1, The Generation Generation Library, Mosul, 2012.
17. Judge Dr. Abdul Ghafoor Mohammed Ismail Al-Bayati, Principles and Principles in the Islamic Judiciary and its Impact on the Laws of Reality, 1, Dar Al-Kuttab Al-Alami, Beirut, Lebanon, 2014.
18. Abdulrahman Al-Alam, Explanation of Civil Procedure Law No. 83 of 1969 with the Legal Principles of the Decisions of the Iraqi Court of Cassation, on the Articles of Law, I 2, C3, Publisher Al-Aatek Book Industry, Cairo, National Library, Baghdad, 2008.
19, Explanation of Civil Procedure Code No. 83 of 1969 Amended, I 2, C 1, Publisher Al-Aatek Book Industry Cairo, Legal Library Baghdad, 2009.
20. Judge Medhat Al-Mahmoud, Explanation of the Code of Civil Procedure, I 1, Applied Study, Baghdad, 2005.
21. Dr. Mohamed Said Abdel Rahman, The Judicial Judgment and its Rules of Publication, A Comparative Analytical and Structural Study, University Thought House, Alexandria, 2008.
22. Lawyer Mohamed Abdel Rahim Anbar, Lawyer Farid Mohamed Anbar, Al-Wakiz in the theory of invalidity, Comparative Jurisprudence Study between the Legislation of the Arab States and Islamic Law, I, No Place of Publication, 1981.
23. Dr. Yousef Mohammed Al-Masarwa, Causation of the Judgments in accordance with the Civil Procedure Law, II, Dar Al-Thaqafa for Publishing and Distribution, Amman, Jordan, 1431 H-2010.
Fifth: Master's Thesis
1. Saddam Khazal Yahya, The Legal System of False Judgment, Comparative Study: Master Thesis, Introduction to the Faculty of Law, University of Mosul, 2009.
Sixth: Published Research
1. Ahmed Abu Alofa, The Causes of Judgments, Research published in the Journal of Law for Economic Legal Research, No. (2,1), seventh year 1965.
2. Diaa Shit Khattab, Dissenting Opinion in Judicial Rulings, Research published in the Journal of Judiciary Issued by the Iraqi Bar Association, 1st and 2nd Issue, Forty-sixth Year, Baghdad, 1991.
3. Judge Awad Hussein Yassin al-Obeidi, Implementation of the mysterious judicial rulings and scientific problems, research published in the Journal of Tikrit University of Legal and Political Sciences No. (2), the year 2 Dhu al-Hijjah 1431 H / 2010.
Seventh: Research on the Internet (Web)
1. Mustafa Mohammed Aboud Al-Qara Ghuli, The Bad Judgment and the Bad Judgment, article published on the site Last visit (15/11/2013)
http://www.uobabylon.edu.iq/uobColeges/service_showrest.aspx?f...
2. Seeing: Ahmad Abu al-Zayn, The Bad Ruling Between Jurisprudence and Ijtihad, Research Available on the Website
http: // www. Justice - lawhome. com / vb / showthresd.php? t = 21761
Last visit 15/11/2013.
Eighth: Judgments
1. Court of the Federal Court of Cassation, Civil Procedure Code, preparation of lawyer Khalil Ibrahim Al-Mashahdi, Mutia Al-Jahiz, Baghdad, 1990.
2. Legal Principles in the Judiciary of the Federal Court of Cassation, Civil Proceedings, Prepared by Judge Lefta Hamel Al-Ajili, i. Baghdad, 2012.
Ninth: Periodicals
1. Judicial Bulletin issued by the Supreme Judicial Council in Iraq.
2. The body of justice is issued by the Ministry of Justice of the Republic of Iraq.
3. Legal Bulletin prepared by lawyers Daoud Salman Al-Janabi and Basem Mohammed Al-Khafaji.
4. Journal of Legislation and Judiciary issued by the Committee for the Support of the Independence of the Judiciary.
5. Journal of Judiciary Issued by the Iraqi Bar Association.
X. Laws
1. Civil Law No. 40 of 1951.
2. Civil Procedure Code No. 83 of 1969 Amended.
3. Law of Evidence No. 107 of 1979.
Eleventh: Dictionaries of Language
1. Abu al-Fadl Gamal al-Din Muhammad ibn Makram bin Masur Afriq al-Masri, San'a al-Arab, 4, Dar Sader for Printing and Publishing, Beirut, Lebanon, 2005.
2. Ismail bin Hammad al-Jawhari, Dictionary of the Sahih, Dictionary (Arabic-Arabic), 3, taken care of by Mamoun Khalil Sheha, Dar al-Maarifah, Beirut, Lebanon, 1429.
3. The mark of Abu al-Qasim al-Husayn ibn Muhammad ibn al-Husayn ibn al-Husayn ibn Muhammad ibn al-Husayn ibn al-Husayn ibn Muhammad ibn al-'Azfahani.
4. Al-Ragheb Al-Asfahani, Vocabulary of the Holy Quran, Achieving: Safwan Adnan Daoudi, Vanguards of Light, Qom, Iran, 1337 AH.
5. Ahmed bin Mohammed Ali al-Fayoumi al-Maqri, the illuminating lamp, the dictionary, (Arabic - Western) Dar al-Hadith Cairo, 1424 AH - 2003 AD.