تجریم إفشاء الأسرار الوظیفیة-(*)-
Criminalize the disclosure of functional secrets
|
تمیم طاهر أحمد الجادر
کلیة القانون/ جامعة المستنصریة
Tamim Taher Ahmed Al-Jader
College of Law / University of Al-Mustansiriya
Correspondence:
Tamim Taher Ahmed Al-Jader
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 24/12/2013 *** قبل للنشر فی 4/6/2014.
(*) Received on 24/12/2013 *** accepted for publishing on 4/6/2014.
Doi: 10.33899/alaw.2018.160801
© Authors, 2018, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
تناول هذه الدراسة موضوع (تجریم الإفصاح عن الأسرار الوظیفیة)، مع الأخذ فی الاعتبار بالطبع أن الفعل نفسه - الذی یکشف عنه، للکشف عن أسرار غیر قانونیة کنت قد عهد إلیها بحکم وظیفتک یعتبر عملا إجرامیا وفقا للقانون الجنائی، ومن ثم فإن من واجب الموظف أو من هو تنفیذ خدمة عامة لحمایة وحفظ البیانات و/ أو الوثیقة التی یحدث لها أن یکون الوصول إلى ما إذا کان فی نسخة مطبوعة أو إلکترونیا. وعلاوة على ذلک، ستغطی هذه الدراسة أیضا الآثار القانونیة الناجمة عن الکشف غیر القانونی عن السریة الوظیفیة.
وتنبع أهمیة هذه الدراسة من إظهارها للقرارات المتعلقة بالأسس الموضوعیة لسریة هذه الوثائق وقاعدة البیانات من خلال وضع إطار موضوعی/ موضوعی. ویتضح أیضا أهمیة فرض المسؤولیة الجزائیة على التصدی للانتهاک الذی یرتکبه الکشف غیر المشروع من أجل الوصول إلى حمایة الملک العام والمصالح العامة وإنفاذ الثقة فی الخدمة العامة وأداء موظفی القطاع العام.
Abstract
The present study is an investigation into "Incriminating the revelation of official secrets". Of course it takes into account that the act itself _ being revealed, invdving the disclosure of illegal secrets with which you are entrusted by virtue of his post is a criminal act pursuant to the criminal law . Consequently , the duty of an official or whoever performs a public sexvice is protecting and preserving data and /or documents to which one may have access whether in a printed form or electronically .Moreover ,this study will deal with the legal effects resulting from the illegal disclosure of official secrets .
The significance . of the study springs from the uncovering of decisions pertaining to the objective foundations of the secrecy of these documents and data through laying an objective framework. The importance of the study is also demonstrated in imposing penal responsibitity on confronting the violation committed by illegal disclosure for attaining the protection of public property and public interests as will as permeating confidence down to public service and performance of public sector officials.
المقـدمــة
تسعى الدول الى کفالة حمایة أسرارها الوظیفیة ومواجهة أخطار إفشائها بصیاغة النصوص القانونیة التی تضمن عدم تعرضها للإفشاء والانتهاک، إذ أدى تنوع الأسرار وتعدد أسالیب خزن المعلومات أو الوثائق المحتویة على تلک الأسرار وحفظها، الى أتساع نطاق هذه الأسرار بصورة عامة وتنوع مصادرها سواء أکانت الأسرار التی تتعلق بالدولة أم الأسرار الخاصة بالأفراد.
وتبرز أهمیة هذا البحث فی أنه یوضح الأحکام الموضوعیة لسریة الوثائق والمعلومات الوظیفیة، وتبدو أهمیة فرض العقوبة الجزائیة عن انتهاک هذه الأسرار فی ضمان المصلحة العامة بتدعیم الثقة والائتمان فی وظائف الدولة وحسن أداء موظفیها وضمان فاعلیة العمل الوظیفی فی المرافق الحکومیة العامة، إذ یعد الموظف بمثابة مرآة الدولة ویتصرف باسمها ولأنه المؤتمن على حقوق الهیئة الاجتماعیة بما أُسند إلیه من الاختصاصات والسلطات بحسب موقعه الوظیفی، فإذا لم یکن الموظف أو المکلف بخدمة عامة على قدرٍ من النزاهة والأمانة ویقظة الضمیر، فأن مصالح المجتمع تصبح عرضة للإهمال والضیاع.
تتمثل مشکلة البحث فی تحدید ما یُعد من الأسرار الوظیفیة وما لا یعد کذلک، ولاسیما فی ظل عدم تصنیف هذه الأسرار وما اکتنف هذه المسألة من الغموض وعدم الوضوح وظهور الخلاف الفقهی حول نطاق هذه الأسرار، إذ وضعت نظریات عدیدة لتبین ذلک النطاق، وبیان أثر فعل الإفشاء فی المسؤولیة الجزائیة والمسؤولیات القانونیة الاخرى التی تنشأ عنه بحسب النصوص القانونیة التی تجرم وتمنع هذا الفعل فضلاً عن بحث نوعیة الجزاءات التی تترتب على إفشاء الأسرار الوظیفیة.
وسنبحث موضوع تجریم إفشاء الأسرار الوظیفیة فی ثلاثة مباحث: نتناول فی المبحث الاول تعریف السر الوظیفی وتحدیده، ونتطرق فی المبحث الثانی الى المسؤولیة عن إفشاء الأسرار الوظیفیة، ونبین فی المبحث الثالث الجزاءات التی تترتب على إفشاء الأسرار الوظیفیة.
المبحث الأول
مفهوم السر الوظیفی وتحدیده
إن ازدیاد نطاق الأسرار بصورة عامة، وظهور الأسالیب الحدیثة فی تخزین وحفظ المعلومات والوثائق، دفع المشرع الى مواجهة أخطار إفشاء هذه الأسرار ولاسیما الأسرار التی تتعلق بالوظیفة بصیاغة النصوص القانونیة التی تکفل حمایتها وعدم تعرضها للإفشاء لمصلحة یجدر حمایتها قانوناً، وترتب على أتساع نطاق الأسرار الوظیفیة وتنوعها أن أصبح من اللازم تحدید مفهومها، لذا سنقسم هذا المبحث الى مطلبین: نتناول فی المطلب الأول تعریف السر الوظیفی، ونوضح فی المطلب الثانی نظریات تحدید الأسرار الوظیفیة.
المطلب الأول
تعریف السر الوظیفی
لصعوبة التوصل إلى إعطاء تعریف جامع مانع للأسرار الوظیفیة، سعى الفقه للوصول الى إیجاد تعریف یحدد مفهوم هذه الأسرار ویرفع الغموض عنها، ویقصد بالسر فی اللغة: ما یکتمهُ الأنسان فی نفسه، والسر جوف کل شیء ولبه. وآسر الشیء: کتمهُ وأظهره وهو من الأضداد، وأسر إلیه حدیثاً أی أفضى إلیه، وفلان سر هذا الأمر إذا کان عالماً به، یقال (صدور الأحـرار قبور الأسـرار) ما یسرهُ الإنسان من أمره.
أما تعریف السـر فی الاصطلاح، فقد تعددت التعاریفات التی ساقها الفقه القانونی العربی لتحدید المقصود بالسر على نحو العموم، إذ عرفه احدهم بأنه: (أمر ما یتعلق بشخص المرء ویمس الدائرة الشعوریة الحساسة من نفسه بحیث یکون فی البوح به حرج کبیر). ویلحظ على التعریف المذکور أنه قصر مفهوم السر على ما یمس الشخص الطبیعی وأسراره فحسب، فی حین أن الأسرار لا تقتصر على الجانب الشخصی وإنما تدخل ضمن مفهومها الأسرار الوظیفیة. بینما عرفه اخر بأنه: (واقعة ینحصر نطاق العلم بها فی عدد محدود من الأشخاص إذا کانت ثمة مصلحة. یعترف بها القانون لشخص أو أکثر فی أن یظل العلم بها محصوراً فی ذلک النطاق).
ووضح الفقه الفرنسی عن السر بصورة عامة، بأن القانون لم یضع تعریفاً للسر الواجب کتمانه وإنما توجد وقائع یلزم أن یقتصر معرفتها على بعض الناس إذ یصبــح من غیـر الجــائز إذاعتـها على العامة.
أما الکتمان فی الاصطلاح، فهو إخفاء المعلومات التی تعتبر سراً وسترها عن الوصول لغیره سواء کان عدواً أم صدیقاً.
ومما سبق من تعریفات یمکننا القول بأن السر الوظیفی هو کل واقعة أو معلومة أو محرر معین یحوزها الموظف أو وصلت إلى علمه فی أثناء ممارسة الوظیفة أو بسببها أو بمناسبة قیامه بالعمل المکلف به رسمیاً وسواء کانت علاقته بالوظیفة دائمة أم مؤقتة، ویستوجب ذلک منه عدم الإفشاء للغیر، أما بحکم القانون، أو لمصلحة مشروعة، أو لحصول الضرر من الإفشاء، أو جرى العرف على الکتمان، إلا فی الأحوال المصرح بها قانوناً.
المطلب الثانی
نطاق السر الوظیفی
یعد السر محور الالتزام بعدم إفشائه، فواجب کتمان السر یدور وجوداً وعدماً مع وجوده ولم تحدد التشریعات المقارنة الأسرار الوظیفیة على سبیل الحصر، لذا اختلف نطاق تحدید السر الوظیفی ومجالاته من دولة لأخرى، ویرتبط هذا النطاق بالغرض الذی یسعى القانون إلى تحقیقه والدور الذی یناط بالدوائر الحکومیة أن تؤدیه، لذا تأرجحت آراء الفقهاء بشأن بیان الأسرار، فقد أخذ البعض بنظریة الضرر واعتمد البعض الآخر على إرادة المودع فی بقاء الأمر سراً، وأید قسم نظریة الأسرار بطبیعتها، وهذا ما سنتناوله فی ثلاثة فروع.
الفرع الأول
نظریة الضرر
یجد أصحاب هذه النظریة أن إفشاء الأسرار لا یکون جریمة إلا إذا کانت الوقائع المفشاة ضارة بالغیر أو بالوظیفة، إذ یعد السر هو کل ما یضر إفشاؤه بالسمعة والکرامة عموماً، وقرب البعض بین جریمة إفشاء الأسرار وجریمة السب لذا یجب أن یکون الإفشاء ضاراً بصاحب السر، واستند أنصار هذه النظریة إلى موضع هذه الجریمة بین الجرائم الماسة بالشرف والاعتبار، مما یعنی أنها تستلزم الإضرار بالمجنى علیه، وقد أخذ المشرع الإیطالی بهذه النظریة فی المادة (622) من قانون العقوبات التی تنص على أنه: ((... لا عقاب على الإفشاء إلا إذا ترتب علیه ضرر...)).
ولم تلق هذه النظریة قبولاً لدى عدید من الفقهاء، إذ علق بعض الفقه على النظریة بأنه مهما تکن طبیعة الإفشاء یجب المحافظة على الثقة فی الوظائف، ویهدف المشرع تأکید هذه الثقة، ولن تتحقق هذه الغایة إذا اقتصر العقاب على الإفشاءات الضارة فحسب، ولم یأخذ القضاء بهذه النظریة، تأسیساً على أن التجریم فی جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة لم ینظر فیه إلى الضرر بقدر ما ینظر فیه إلى ما یمثله الإفشاء من مخالفة وظیفیة.
وأما عن موضع هذه الجریمة بین جرائم القذف والسب، فیوضح الفقه اختلاف عناصر الجریمتین، إذ لاتقاس نیة الضرر بینهما، ونجد جانب من الفقه لعدم وجود أرتباط بین هذه الجریمة وجرائم الفصل الرابع من قانون العقوبات العراقی التی تتعلق بالسب والقذف سوى کون جمیع هذه الجرائم تدخل ضمن الجرائم القولیة والکتابیة، ولم یأخذ المشرع العراقی بهذه النظریة فی المادة (437) من قانون العقوبات العراقی، ولم تنص هذه المادة على وجوب حصول الضرر بالنسبة لجریمة إفشاء السر الوظیفی بینما فی المادة (237) من قانون العقوبات استفاد من هذا المعیار حیث غیر الوصف القانونی لجریمة افشاء السر من جنحة الى جنایة اذا ترتب على ذلک الحاق ضرر بالدولة. ویؤدی معیار هذه النظریة إلى حصر نطاق السر وعدم التوسع فیه إذ تشمل الحالات التی تظهر أنها تندرج تحت وصف الأسرار، فضلاً عن إن الضرر لیس من أرکان هذه الجریمة، ولم یُؤخذ بها فی القانون الفرنسی وإنما افرد فصلاً خاصاً لجریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة ومستقلاً عن السب والقذف، ولم یأخذ القانون الأردنی بهذه النظریة أیضاً.
الفرع الثانی
نظریة الأسرار المودعة
تقوم هذه النظریة على أساس الإرادة، أی إرادة صاحب السر فی إظهاره للآخرین أم لا، سواء أکان صاحب السر الشخص العادی أم المعنوی کدوائر الدولة، وقد ذهب أنصار هذه النظریة إلى القول بأن تعریف السر یدخل فیه رکن خاص هو إرادة المودع فی بقاء الأمر سراً، وینبغی وجود تعبیر صریح عن هذه الإرادة لکی تکون الواقعة سراً، وبحسب هذه النظریة فإن نطاق السر الوظیفی یتحقق إذا ما أودعت الجهات الإداریة فی الدولة الأسرار إلى موظفیها على أساس إنها ضمن أسرارها الوظیفیة التی ینبغی المحافظة علیها.
ویذهب أنصار هذه النظریة، إلى أنه عندما لا یکون قصد صاحب السر ظاهراً، فینبغی الاعتداد بإرادته الضمنیة لذا أطلق البعض علیها أسم (نظریة إیداع الثقة والائتمان)، وقد جرى القضاء الفرنسی على وفق هذه النظریة فی بدایة الأمر، فقرر فی أحد أحکامه: ((کل ما یعهد به على أنه سر))، کما یستند أنصار النظریة کذلک إلى ما عبرت عنه النصوص التشریعیة، التی تتحدث عن الأسرار المودعة مثل نص المادة (378) من قانون العقوبات الفرنسی القدیم والمادة (310) من قانون العقوبات المصری، فهی تلزم الأشخاص الذین أشارت إلیهم بعدم إفشاء الأسرار التی أودعت إلیهم، وحقیقة الأمر أن الإیداع الصریح أو الإفضاء لا یکون مطلوباً بحد ذاته فمن الممکن أن ترتکب الجریمة أیضاً ولو لم یتم التعبیر عن السر بالقول أو الکتابة إذ یلتزم الموظف بالکتمان لکل ما یراه أو یفهمه من المعلومات أو الوثائق السریة، وقد تعرضت هذه النظریة للنقد، إذ رکزت على صاحب السر أکثر من السر ذاته، ولا تفسر وجوب المحافظة على ما یعرفه الأمین من أسرار فی أثناء ممارسته الوظیفة أو ما یکتشفه بالخبرة والاستنتاج والذی لا یکون صاحب هذا السر عالماً به.
وقضت محکمة النقض الفرنسیة، بأن الصمت وحفظ السر لایقتصر على ما یودع من الأسرار بل کل ما یمکن أن یسمعه أو یستنتجه صاحب الوظیفة وغیره، وسلک المشرع الإیطالی مسلک المشرع الفرنسی نفسه فی قانون العقوبات الجدید بعدم اعتماد هذه النظریة فی المادة (622) من قانون العقوبات الإیطالی لسنة 1930، والمشرع الأردنی فی المادة (355/3) من قانون العقوبات، والمشرع العراقی فی المادة (437) من قانون العقوبات. أما موقف المشرع المصری، فالظاهر من عبارة: ((...مودعاً إلیه بمقتضى صناعته أو وظیفته سر خصوصی...)) الواردة فی المادة (310) توحی بأنه یمیل إلى الأخذ بهذه النظریة، فقد وصفت السر بأنه مودع، أی جعلت العلاقة بین المتهم بالإفشاء والمجنى علیه علاقة ودیعة من نوع خاص موضوعها السر، ولکن الفقه المصری غیر متفق مع اتجاه القانون فی ذلک.
لذا فإن ما تصدره دوائر الدولة والوزارات من التعلیمات التی تنظم بها الجوانب السریة فی العمل الوظیفی، لا یمکن أن تعد أسراراً مودعة لدى الموظف، فهی لیست من قبیل التعاقد معه على الالتزام بها، فضلاً عن أن علاقته بالدولة هی علاقة تنظیمیة ولیست عقدیة الامر الذی تکون معه هذه الاسرار غیر مشمولة بالحمایة الجنائیة بموجب منطوق هذه النظریة.
الفرع الثالث
نظریة طبیعة الأسرار أو نوعیتها
لا یشترط أصحاب هذه النظریة أن یکون السر الوظیفی أو المهنی قد عهد أو أفضی به إلى صاحب الوظیفة أو المهنة على أنه سر ویطلب کتمانه منه، بل یُعد سراً کل أمر یکون بطبیعته أو على وفق الظروف المحیطة به حتى لو لم یشترط صاحب السر عدم إفشائه بصورة صریحة.
وبحسب هذه النظریة یلزم الموظف العام بکتمان أسرار الوظیفة، وإن لم تشملها التعلیمات الإداریة أو أوامر الرؤساء الإداریین إلى الموظفین بضرورة حفظ المعلومات والوثائق، لأنها تتضمن خصائص طبیعیة تضفی علیها طابع الصفة السریة، لذا یرى الفقهاء، أنه یعد سراً کل أمر وصل إلى علم صاحب الوظیفة حتى لو لم یفضِ به إلیه، کما فی حالة وصوله إلى علم الموظف بطریق الاکتشاف والاستنتاج.
وبالنسبة للقانون الفرنسی، فأن الظاهر من نص المادة (226/13)، أنه لم یورد أیة محددات من ناحیة النطاق الموضوعی لسریة المعلومات والوثائق، وجاء النص بصیغة عامة ومطلقة یدل على أنه یمیل إلى تأیید هذه النظریة، وتعزز عبارة: ((الإفشاء لمعلومات ذات طبیعة سریة...)) الواردة فی المادة من ذلک. ولا یوجد فی المادة (622) من قانون العقوبات الإیطالی ما یشیر فیه إلى الأخذ بهذه النظریة. وأما بالنسبة لقانون العقوبات المصری، فکما بینا سابقاً أنه اعتمد نظریة الأسرار المودعة وخالفه فی ذلک الفقه، إذ یتجه الفقه إلى ضرورة الأخذ بنظریة طبیعة الأسرار.
ویضفی القانون الجنائی الأردنی، الصفة السریة على الأمور یوعدُّها سریة بطبیعتها ولم یظهر أیة شروط للسر، ویتضح ذلک بنص المادة (355/3) من قانون العقوبات، إذ تضمنت: ((حصل بحکم وظیفته أو مرکزه الرسمی على أسرار رسمیة وأباح هذه الأسرار لمن لیس له صلاحیة الاطلاع علیها ...)).
أما بالنسبة لاتجاه القانون الجنائی العراقی، فهناک من یجد أنه تبنى نظریة طبیعة أو نوعیة الأسرار، مما یدل على ذلک الاتجاه عدم ورود أیة عبارة صریحة فی النصوص العراقیة، تدل على الإیداع، ویلحظ عند الرجوع إلى المادة (437) من قانون العقوبات أنه قد ورد فیها: ((کل من علم بحکم وظیفته أو مهنته أو صناعته أو فنه أو طبیعة عمله بسر فأفشاه فی غیر الأحوال المصرح بها قانوناً...))، ولا یشترط هذا العلم أن یأتی عن بالإیداع، وإنما جاء اللفظ مطلقاً، فقد یحصل العلم بالاستنتاج أو بأیة طریقة أخرى ما دام العلم قد حصل بحکم الوظیفة، ویتبین مما سبق، أن هذه النظریة تدعم المصلحة العامة فی سیر العمل الوظیفی بشکل سلیم ومنتظم، والثقة فی ما یقوم به الموظف من أعمال لصالح الوطن والأفراد، فضلاً عن أن هذه النظریة تشمل ما تُلزم به الإدارة موظفیها من عدم إفشاء أسرار الوظیفة بموجب التعلیمات، وما یحصل علیه الموظف بالاکتشاف وما شابه ذلک، أی أنها توسع من نطاق السر ولاسیما مع ما نجده من التطور فی أسالیب تداول المعلومات.
المبحث الثانی
طبیعة المسؤولیة التی تنشأ عن إفشاء الأسرار الوظیفیة
تتحقق المسؤولیة القانونیة للموظف عند تمام أرکان جریمة إفشائه للأسرار الوظیفیة التی اطلع علیها بحکم وظیفته، وتتعدد أنواع هذه المسؤولیة التی تنشأ عن هذه الجریمة بحسب ما یخضع له الموظف من الالتزام بالقوانین والتعلیمات التی تمنع هذا السلوک، فهی أما أن تکون مسؤولیة جزائیة تنتج عن ارتکاب فعل إفشاء الأسرار المجرم بموجب قانون العقوبات، أو تکون مسؤولیة انضباطیة على وفق القانون المنظم للواجبات الوظیفیة والأعمال الإداریة لضمان أداء هذه الواجبات بصورة صحیحة، وأخیراً تنشأ المسؤولیة المدنیة (التقصیریة) لجبر الضرر، وینصرف معنى المسؤولیة القانونیة بمفهوم مبسط إلى أنها تفید المؤاخذة أو تحمل التبعیة، ویکون الشخص مسؤولاً عن فعله سواء أکان إیجابیا أم سلبیاً إذا ما خالف به قواعد القانون، فالغرض من فرض المسؤولیة إیقاع الجزاء المحدد فی القواعد القانونیة بوصفه أثراً للفعل المخل بتکلیف تلک القواعد، فهذه الأخیرة تعد بمثابة المعیار لبیان صور المسؤولیة فهی قد تکون مسؤولیة جزائیة أو انضباطیة أو مدنیة، ویمکن أن تقام مسؤولیة الموظف عن فعل الإفشاء بواحدة من هذه الصور المذکورة، ومن الجائز أن تنهض مسؤولیته عن ذلک الفعل بأنواعها الثلاثة مجتمعة إذ یکون الفعل المخالف للقانون الذی اقترفه قد حقق فی الوقت نفسه جریمة جنائیة ومخالفة انضباطیة وعملاً مضراً یستوجب التعویض عن المسؤولیة المدنیة، لذا سنتناول أنواع المسؤولیة القانونیة التی تنشأ عن تجریم إفشاء الأسرار الوظیفیة فی ثلاثة مطالب.
المطلب الأول
المسؤولیة الجزائیة
لم یتفق الفقه على تعریف موحد للمسؤولیة الجزائیة، واعتمد أغلب فقهاء القانون الجنائی التعریف الذی ساقه الفقه الفرنسی لها، الذی یفید بأن المسؤولیة الجزائیة: (التزام بتحمل النتائج القانونیة المترتبة على توافر أرکان الجریمة وموضوع هذا الالتزام هو العقوبة أو التدبیر الاحترازی الذی یُنزله القانون بالمسؤول عن الجریمة)، ویشترط لقیام المسؤولیة الجزائیة عن إفشاء الأسرار الوظیفیة، تحقق الجریمة بأرکانها المشتملة على مادیات الفعل وارتباطها بالقصد الجرمی للفاعل، إذ تُعد جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة هی الواقعة المنشئة لهذه المسؤولیة، أما عن الشرط الآخر لقیامها فهو توفر العناصر المتطلبة فی مرتکب الجریمة لکی یعد أهلاً لتحمل المسؤولیة وإنزال الجزاء به، أی صلاحیة الشخص لترتب المسؤولیة علیه، وتتمثل هذه العناصر فی الإدراک وحریة الاختیار، ویتحقق الإدراک فی جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة لدى الموظف بقدرته على فهم ماهیة أفعاله وعناصرها والوقائع التی تشتمل علیها، على نحو یکون فیه عالماً بما یُفشی ومریداً للفعل ونتیجته المتمثلة فی کشف الأسرار وذیوعها، وعلمه بخطورة فعله على المصالح الاجتماعیة مما قد یعرضها للضرر. أما الإرادة فی هذه الجریمة فهی تُمکّن الموظف من توجیه قواه النفسیة نحو الاختیار بإرادة ارتکاب فعل الإفشاء بعد أن تصارعت فیه العوامل الدافعة للجریمة والعوامل المانعة منها، مما یدل على وجود قدرة الاختیار لدى الجانی أی أنه حر فی أفعاله ومن ثم ترتب المسؤولیة علیه کونه قد اختار اقتراف جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة من دون أکراه أو اضطرار فی نقله الأسرار للغیر، ویترتب على انتفاء الإدراک وحریة الاختیار عدم قیام المسؤولیة الجزائیة للموظف فی هذه الجریمة، أما إذا کان إفشاء الأسرار الوظیفیة ونقلها للغیر قد حصل من الموظف تحت تأثیر الإکراه أو ارتکب الجریمة للضرورة أو لخطر محدق به لم یستطع منعه، فإنه فی هذه الأحوال لا یُسأل جزائیاً، على أساس إن الإکراه وحالة الضرورة یعدمان الرضا والاختیار، فلیس کل سلوک یصدر من الإنسان یخالف به القانون یقع تحت وطأة المسؤولیة والجزاء علیه، فکون السلوک أهلاً للمساءلة عنه شخصیاً یعد من ضروریات هذه المسؤولیة، وفی هذه الحال ترتبط المسؤولیة بشخص الفاعل لا الفعل نفسه.
ویلزم لقیام المسؤولیة الجزائیة عن جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة، أن تتوفر صفة الموظف أو المکلف بخدمة عامة فی شخص مرتکبها، لأن هذه الصفة من العناصر المهمة لقیام المسؤولیة الجزائیة بالنسبة لهذه الجریمة، سواء أکان موظفاً دائمیاً أم مؤقتاً، فالأحکام التی تنطبق على الموظف الدائم تسری نفسها علیه إذا کان وجوده فی الوظیفة بصفة مؤقتة.
لذا لا تنشأ المسؤولیة الجزائیة للموظف عن إفشائه للأسرار الوظیفیة ما لم تسند الجریمة مادیاً إلیه، ویبرز ذلک بتحقق ارتکابه لفعل الإفشاء عن قصد منه ویمثل هذا القصد الإسناد المعنوی ما بین نفسیته وواقعة الإفشاء، فضلاً عن توفر الأهلیة المطلوبة لتحمل المسؤولیة والجزاء على نحو الأصل العام وذلک بتمتعه بالإدراک وحریة الاختیار، وفیما یتعلق بوقت ارتکاب هذه الجریمة، أی من جانب النطاق الزمنی لحدوثها وعلاقة المسؤولیة الجزائیة بذلک، فإن قیام الموظف بإفشاء الأسرار الوظیفیة قد یحصل منه بعد انتهاء علاقته بوظیفته، فهل من الجائز أن یُسأل الموظف قانوناً عن ذلک الإفشاء؟
من الثابت أن صفة الموظف أو المکلف بخدمة عامة فی جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة تعد بمثابة الرکن الخاص فی هذه الجریمة، وتعد هذه الأخیرة من ضمن جرائم الفاعل الخاص على أساس أن هذه الصفة داخلة فی تکوین النص القانونی لجریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة وتعد جزءاً من ملابسات الرکن المادی لهذه الجریمة، وتحقق هذه الصفة الرکن المادی مع بقیة العناصر المتطلبة لهذه الجریمة کما أوجبته النصوص الجزائیة المقارنة، ومن ثم لا یکون الشخص الذی زالت عنه هذه الصفة مسؤولاً جزائیاً عن جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة بهذا الوصف، وهذا ما ذهب إلیه فقهاء القانون الجنائی، فالأصل عندهم أنه إذا کان القانون یشترط لقیام الجریمة وجود صفة خاصة فی فاعلها کصفة الموظف، فلا تقع جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة فی وقتٍ لم تکتسب فیه هذه الصفة بعدُ، ولا فی زمن تکون فیه صفة الفاعل الخاص قد زالت عن الشخص بشکل حقیقی ورسمی.
ویجد البعض من الفقهاء خلاف ما تقدم، بجواز مساءلة الموظف جزائیاً عن الإفشاء الحاصل بعد زوال صفته، لأنه الحظر الجنائی عن فعل إفشاء الأسرار یسری من ناحیة النطاق الزمنی على وقائع الإفشاء جمیعها التی یمکن أن تقع مستقبلاً من الموظف أو المکلف بخدمة عامة ولا عبرة لاستمرار الرابطة الوظیفیة أو زوالها، إذ ینسجم هذا الحکم مع روح القانون، ولعل هذا الرأی یراد منه الأخذ بالحسبان العلة التشریعیة من تجریم إفشاء الأسرار وهو حمایتها من الانتهاک بالإفشاء وضرورة کتمانها تجاه العلانیة. ویتبین من ذلک أن جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة ما دامت تُعد من ضمن جرائم الفاعل الخاص فإنها لا تقع عند زوال هذه الصفة من الشخص لأی سبب کان، وعلى أیة حال تخضع المسألة لسلطة محکمة الموضوع.
المطلب الثانی
المسؤولیة الانضباطیة
لا ریب فی أن خروج الموظف بأفعاله على مقتضى واجباته الوظیفیة وعدم مراعاة احترامه للقوانین والتعلیمات والنزول عند أحکامها، یوجب مساءلته انضباطیا عن تلک الأفعال، إذ یتمتع الموظف بمرکز تنظیمی یتیح له الاطلاع على الأسرار الوظیفیة والوصول إلى معرفتها تتعلق بدائرته التی یعمل فیها ومن ثم یتحتم علیه عدم انتهاک هذه الأسرار بالإفشاء، ولم تتطرق القوانین المنظمة لأحکام الوظیفة العامة إلى تعریف المسؤولیة الانضباطیة بشکل مباشر، أما الفقه فهو الآخر لم یحدد تعریفها ولکنه أورد تعریفات عدیدة بصدد الجریمة الانضباطیة، وقد عُرّفت بأنها، إخلال الموظف بواجباته الوظیفیة مما یستوجب مسؤولیته الانضباطیة.
فإذا توفر فی الفعل الصادر من الموظف وصف الذنب أو الإثم الوظیفی، فإن المسؤولیة الانضباطیة تنشأ ضده، فتقوم هذه المسؤولیة على أساس الخطأ الوظیفی الذی یقع من الموظف أی بمعنى الإخلال بالواجبات الوظیفیة، ویدخل ضمن تلک الواجبات عدم إفشاء الأسرار الوظیفیة، والهدف من قیام هذه المسؤولیة هو ضمان سیر العمل بشکل مستقر ومُرضٍ فی دوائر الدولة.
وقد تباینت آراء الفقه بصدد أرکان هذه المخالفة الانضباطیة الصادرة من الموظف، فقد ذهب بعضهم إلى أنها تتکون من رکنین هما: الموظف المزمع تأدیبه، والخطأ أو الذنب الإداری الواقع منه، بینما ذهب البعض الآخر إلى أنها تتکون من الرکنین المادی والمعنوی أو الأدبی، فی حین ذهب رأی ثالث إلى أنها تشتمل على ثلاثة أرکان هی: صفة الموظف، الرکن المادی و الرکن المعنوی کما علیه الرأی الغالب منهم. وهناک من الباحثین من أبدل رکن الصفة بالرکن الشرعی، مسوّغاً ذلک بأن هذه الصفة مما یتطلب وجودها عند إثارة المسؤولیة الجزائیة عن جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة ضد الموظف من دون المخالفة الانضباطیة، لأنه لا یتصور وقوع المخالفة الانضباطیة من غیر الموظف أو المکلف بخدمة عامة.
وتتجسد المخالفة الانضباطیة المنشئة للمسؤولیة، فی ارتکاب الموظف للفعل المادی، أی الإخلال الصادر منه لواجب وظیفی معین مثل القیام بفعل یحظر علیه إتیانه أو امتناعه عن واجب منوط به إنجازه، أو یظهر الفعل فی خروجه على التعلیمات والأوامر المتبعة داخل جهة عمله وقد بینت ذلک أحکام القضاء الإداری، ومن الضروری أن یتخذ فعل الموظف المخالف وجوداً ظاهراً له یمکن تلمسه لقیام مادیات تلک المخالفة، وهو ما یتمثل فی القول أو المشافهة أو الکتابة فی کشف الأسرار الحاصلة من الموظف أو المکلف بخدمة عامة، بشکل یَخرُج به عن واجب کتمان الأسرار الوظیفیة المنصوص علیه فی القوانین المنظمة لأحکام الوظیفة المقارنة، فإذا ما قام الموظف بذلک التصرف وأفشى أسرار دائرته وأظهرها لغیر ذی صفة فی تلقیها فإنه یُسأل انضباطیا عن مخالفته إزاء ذلک الواجب.
وتقوم المسؤولیة الانضباطیة التی تنشأ عن إفشاء الأسرار الوظیفیة على عنصرین هما: صفة الموظف والفعل المادی أی المخالفة الانضباطیة الصادرة عنه، إذ تنهض هذه المسؤولیة بمجرد خروج الموظف على مقتضى الواجب الوظیفی المتمثل فی وجوب کتمان هذه الأسرار، سواء أرتکب هذه المخالفة عن عمدٍ وإرادة أم لمجرد إهماله أم عدم مراعاة القوانین والأنظمة التی تمنع انتهاک الأسرار الوظیفیة بالإفشاء.
المطلب الثالث
المسؤولیة المدنیة (التقصیریة)
تدور المسؤولیة المدنیة (التقصیریة) للموظف عن إفشائه للأسرار الوظیفیة بوصفه قاعدة عامة مع الضرر الحاصل من الإفشاء وجوداً وعدماً، لذا تنشأ مسؤولیة الموظف التقصیریة عن إضراره بالغیر لفعل الإفشاء الذی یصیب الدولة أو الأشخاص الذین تعنیهم الأسرار المنتهکة إذا کان ضرر الإفشاء نتیجة طبیعیة له، والمراد بالغیر فی نطاق هذه الجریمة الدائرة الحکومیة أو المؤسسة العامة التی یمارس الموظف عمله الوظیفی داخلها، وقد یکون الفرد المتعامل مع هذه الدوائر للحصول على خدمة معینة منها، وإذا لم یحصل الضرر جراء ذلک السلوک فلا مسؤولیة مدنیة تقوم تجاه الموظف. وتنشأ المسؤولیة التقصیریة وتترتب على إخلال الموظف بالتزام یوجبه القانون، وهو عدم إفشاء الأسرار الوظیفیة إذا ترتبتْ على ذلک الإفشاء أضرار معینة، فتکون المسؤولیة فی هذه الحالة عن العمل غیر المشروع والضار الذی أتاه الموظف متمثلاً فی کشف الأسرار لغیر ذی صفة ومن ثم انتشارها بین الأفراد. وتعنی المسؤولیة التقصیریة، التزام الشخص بتعویض الضرر الناشئ عن فعله الشخصی أو عن فعل من هم تحت رعایته أو رقابته من الأشخاص أو الأتباع.
لذا یُفترض فی تصرفات الموظف عدم إضرارها بدائرته الرسمیة أو الأفراد استناداً للقواعد العامة، ویخضع الموظف والمکلف بخدمة عامة لأحکام المسؤولیة التقصیریة للفعل الضار، أی السلوک المجرم الصادر منهما وهو فعل إفشاء الأسرار، إذ یُسأل الموظف عن عمله الشخصی أسوة بأی شخصٍ أخر, ویتحدد نطاق المسؤولیة التقصیریة للموظف بأن یکون ما أتاه من فعل الإفشاء الذی یوصف بأنه ضارٌ وغیر مشروع قد حصل فی أثناء تأدیة وظیفته أو بسببها، أو استغلاله للوظیفة فی ارتکاب ذلک الفعل لتحقیق منفعة له أو قصد به نفع شخص آخر، فهذا الاستغلال هو الذی هیأ له فرصة ارتکاب مثل هذا النوع من السلوک المحظور، إذ لولا الوظیفة وما یسّرته له من معرفة الأسرار والاطلاع علیها لما استطاع ارتکاب ذلک السلوک وتسبب بأضرار للجهة الحکومیة التی یعمل الموظف لحسابها، ومن ثم یکون الموظف مسؤولاً عن الضرر الذی أحدثه بسلوکه المجرم.
ویمثل فعل إفشاء الأسرار على أنواعها المختلفة، سواء أکانت إداریة أم حکومیة أم أسرار التحقیقات والاستدلالات خطأً مدنیاً ینحرف به فاعله عن سلوک الشخص المعتاد، لذا یسوغ عندئذ للدائرة الحکومیة أو المؤسسة العامة التی ینتسب إلیها الموظف بعمله أن تقاضیه أمام المحاکم عن جریمته، التی نتج عنها ضرر قد لحقها لاستحصال حقها فی التعویض استناداً للمسؤولیة التقصیریة الشخصیة، على أساس إن ذلک الخطأ قد وقع منه فی أثناء تأدیة وظیفته أو فی حالة وقوع الإفشاء خارج المدة المحددة لممارسة العمل الوظیفی إذا کان بسبب الوظیفة. ولا یقتصر حق المضرور فی إثارة المسؤولیة واقتضاء التعویض على المطالبة التی یقوم بها الشخص المعنوی تجاه الموظف التابع لها. فمن المعروف إن الأسرار قد تتعلق بخصوصیات الأفراد عند تعاملهم مع الموظفین فی الدوائر الرسمیة والمؤسسات الحکومیة، ولذا یحق للأفراد إثارة مسؤولیة الموظف ومن ثم الحصول على التعویض، إذا ما أفشى الموظف المختص بإنجاز معاملات المواطنین بعض أسرارهم الشخصیة للغیر، التی تجسد حقهم فی الخصوصیة.
یتحلل مفهوم الخطأ التقصیری أو المدنی إلى عنصرین هما: العنصر المادی وهو التعدی، والعنصر المعنوی وهو الإدراک. بالنسبة للعنصر المادی أی التعدی، المقصود منه تجاوز الحق والحدود التی یوجب القانون على الأشخاص الالتزام بها وعدم التعدی علیها بالسلوک المحظور، الذی یستوی أن یکون متعمداً أو غیر متعمد، ویتحقق الخطأ التقصیری فی هذه الجریمة عندما یقوم الموظف بإفشاء المعلومات أو الوثائق السریة العائدة لجهة عمله بصورة یتعدى فیها على حق دائرته الحکومیة فی عدم ذیوع أسرارها، التی تحرص هذه الجهة على کتمها لصالح الأفراد والدولة ککل، فضلاً عن أن عدم کشف الأسرار الوظیفیة للغیر یمثل التزاماً حرم انتهاکه قانون العقوبات ومنع انتهاکه بالإفشاء، مما یؤدی هذا السلوک المنحرف إلى الإضرار بمصالح الدوائر والمؤسسات الحکومیة بصورة أو بأخرى.
أما العنصر المعنوی، فهو الإدراک بمعنى ما یمتلکه الموظف من القدرة على فهم ماهیة فعل الإفشاء الصادر منه، وما یترتب على هذا الفعل من النتائج التی قد تشکل خطورة على المصالح الاجتماعیة للمؤسسات الحکومیة والأفراد وقد تصیبها بالضرر، فکون الإدراک عنصراً فی الخطأ التقصیری یفید التمییز، إذ یظهر مما سبق إن الخطأ فی المجال المدنی یتماثل مع الخطأ الجنائی فی بعض العناصر، ویستفاد من ذلک التقارب إن ما ینتهی إلیه القاضی الجنائی ویحکم به بصدد ثبوت الواقعة المجرمة ضد الجانی بتحقق الفعل بقصد جرمی أو تبرئته منه، یستوجب من القاضی المدنی أن یتقید بالنتیجة التی توصل إلیها القاضی الجنائی ویأخذ بها بالنسبة للحکم بالتعویض فی دعوى إفشاء الأسرار الوظیفیة.
ویعد شرط رکن الضرر شرطاً جوهریاً فی المسؤولیة التقصیریة ولا یکتفى لقیامها ضد الموظف عن إفشائه الأسرار الوظیفیة ارتکاب الفعل الخاطئ، بل یجب أن یقترن هذا الفعل بالضرر، ومن دونه تنعدم المسؤولیة ولا یُستَحق التعویض، فالضرر المترتب على الجریمة هو سبب الدعوى المدنیة، ویتمثل الضرر بالأذى الذی یصیب الشخص فی حق من حقوقه أو فی مصلحة مشروعة له أو فی ماله أو اعتباره وغیر ذلک، وهو فی هذه الجریمة الشخص المعنوی أی الجهات الحکومیة التی یعمل فیها الموظف المفشی للسر أو الأفراد فیما یخص الأسرار التی تتعلق بهم، وینقسم ضرر جریمة الإفشاء إلى نوعین هما: مادی، وأدبی، أما الضرر المادی فی فعل إفشاء الأسرار، فهو ما یصیب الأموال بمعنى آخر الخسارة التی تلحق بالدائرة الحکومیة صاحبة الأسرار فی أموالها کما فی إفشاء أسرار مناقصات العقود التی تبرم لصالحها، فی حین یراد بالضرر الأدبی، حق الدوائر الحکومیة فی کسب الثقة بمستوى أعمالها، فالثقة المفترضة فی مؤسسات الدولة تقتضی ألا تکون عرضة للإخلال بها بالأفعال المضرة کالإفشاء لتوفیر ما یحتاجه المواطن من المنافع إذ قد یجر الإفشاء إلى الفساد فی أعمال الإدارة، وتعد مسألة تقدیر تحقق الضرر من عدمه مسألة موضوعیة یترک الفصل فیها لقاضی الموضوع.
المبحث الثالث
الجزاءات المترتبة على إفشاء الأسرار الوظیفیة
یعد فرض الجزاء على الموظف الأثر المترتب على قیام جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة التی جرمها القانون، فهو تدبیر یتخذ بصورة قهریة مع المسؤول عن فعله، لذا یمکن أن یشتمل الجزاء المترتب على جریمة إفشاء الأسرار على أکثر من صورة فی الوقت عینه، بما وضعه القانون لهذا الفعل من الجزاءات الجنائیة والانضباطیة والتعویضات المدنیة، وللوقوف على هذه الجزاءات نقسم هذا المبحث على ثلاثة مطالب: نتناول فی الأول الجزاء الجنائی، وفی الثانی الجزاء الانضباطی، وفی الثالث الجزاء المدنی.
المطلب الأول
الجزاء الجنائی
یُجمع الفقه الجنائی، بأن العقوبة تعنی، جزاءً جنائیاً یتضمن إیلاماً مقصوداً یقره القانون ویوقعه القاضی على من تثبت مسؤولیته عن الجریمة، ویأتی هذا الجزاء تنفیذاً لحکم قضائی یصدر من محکمة مختصة، لتکون الغایة المرجوة منه ردع المحکوم علیه أی الموظف المرتکب لجریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة وتحذیر غیره من الموظفین لغرض تجنب هذا الفعل المؤثر على مصالح الدولة والأفراد لیقابل هذا الجزاء الضرر الواقع من هذه الجریمة أو اختلال الثقة المفروضة فی وظائف الدولة وأمانة موظفیها، وتُصنّف جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة بحسب جسامتها لدى غالبیة التشریعات الجنائیة، بأنها من نوع الجنح، بید إنها قد تصبح جنایة إذ یؤخذ بنظر الاعتبار محل السر الذی یکون سبباً لتشدید الجزاء لهذه الجریمة، أما عن موقف القوانین الجنائیة المقارنة من فرض الجزاءات المحددة لإفشاء الأسرار الوظیفیة فإنه یتسم بالاختلاف، فبالنسبة للمشرع الفرنسی فأنه فی قانون العقوبات الجدید لسنة 1994، شدد العقوبة على جنحة إفشاء الأسرار لتصبح الحبس لمدة سنة والغرامة (100.000) فرنک فرنسی، على النقیض مما قرته المادة (378) من قانون العقوبات القدیم، إذ ورد فی المادة (226/13)، أنه: ((الإفشاء لمعلومات ذات طبیعة سریة ... بحسب الوظیفة ... یعاقب بالحبس سنة والغرامة 100.000 فرنک))، ویظهر من هذا التعدیل أن الاتجاه الحدیث فی قانون العقوبات الفرنسی یمیل نحو التشدید فی فرض الجزاء على هذه الجریمة.
أما المشرع المصری، فترک الاختیار للقاضی عند تطبیقه لنص المادة (310) من هذا القانون بین عقوبة الحبس التی لا تزید على ستة أشهر أو الغرامة التی لا تتجاوز خمسمائة جنیه مصری، ولکن من دون أن یلجأ القاضی إلى الجمع بین هاتین العقوبتین. وقد حدد المشرع المصری الحد الأعلى لعقوبة الحبس أو الغرامة، إلا أنه یلحظ بأن هذه العقوبات بسیطة إذا ما قورنت مع ما وضعه المشرع الفرنسی لجریمة إفشاء الأسرار من عقوبات.
بالنسبة لموقف المشرع العراقی، فقد حدد عقوبة جریمة إفشاء الأسرار الوظیفیة بالحبس مدة لا تزید على سنتین بغرامة لا تزید على مائتی دینار، أو بإحدى هاتین العقوبتین، ویلحظ أن القانون العراقی جعل عقوبة هذه الجریمة تخیریة للقاضی تخضع لسلطته التقدیریة، فهو یقدر من ملابسات ووقائع الدعوى تقدیر فرض العقوبتین کلیهما أو یختار أحداهما، لذا یتمتع القاضی فی القانون العراقی بقدر من الحریة أوسع مقارنة مع القانون الفرنسی, وقد وضع قانون العقوبات العراقی الحد الأعلى لعقوبة الحبس بعدم تجاوزها السنتین، أما الحد الأدنى لعقوبة الحبس وکذلک الغرامة فقد ترکهُ القانون لسلطة محکمة الموضوع، ولما کانت عقوبة الجنحة هی الحبس الشدید أو البسیط، فإنه للقاضی أن یوقع على الموظف المفشی لأسرار دائرته الحکومیة الحبس الشدید لأکثر من سنة، لأن الجانی فی جریمة الإفشاء قد استغل صفته بوصفه موظفاً أو مکلفاً بخدمة عامة فی أرتکاب هذه الجریمة، وتعد هذه الصفة من الظروف المشددة العامة الواردة فی المادة (135) من قانون العقوبات العراقی وأقرت بذلک أیضاً أحکام القضاء العراقی، ولکن هذا الحکم جوازیاً لمحکمة الموضوع، لها أن تأخذ به، أو تکتفی بالعقوبة المقررة فی النص المجرم لهذا السلوک.
المطلب الثانی
الجزاء الانضباطی
یؤدی عدم التزام الموظف بکتمان المعلومات والوثائق السریة الخاصة بالدائرة الحکومیة أو المؤسسة التی ینتمی إلیها وإفشائها الى قیام مخالفته لهذا الالتزام الذی أوجبه القانون، ومن ثم یترتب علیه فرض العقوبة الانضباطیة بوصفها أثراً لهذه المخالفة. ولیس لکل مخالفة انضباطیة عقوبة خاصة بها, مثل مخالفة إفشاء الأسرار الوظیفیة، بخلاف الأمر فی النظام الجنائی الذی یضع المشرع فیه عقوبة محددة لکل سلوک مجرم، لذا یتعین على سلطة التأدیب فی الدائرة أو المؤسسة الحکومیة أن تختار أحدى العقوبات المنصوص علیها فی قانون انضباط موظفی الدولة لکی تفرضها على الموظف المفشی لأسرارها بما یتناسب مع جسامة هذه المخالفة وخطورتها ولجسامة المخالفة الانضباطیة التی تشکل جریمة جنائیة فی الوقت ذاته دور فی تحدید العقوبة الانضباطیة التی تناسبها. ولما کانت المخالفات الانضباطیة غیر مقننة لعدم خضوعها لمبدأ الشرعیة، لذا برزت الحاجة إلى اعطاء سلطات التأدیب قدراً من السلطة التقدیریة لکی تفرض بموجبها العقوبات الانضباطیة على المخالفات الصادرة من موظفیها.
وبصدد فعل إفشاء الأسرار الوظیفیة بوصفه مخالفة انضباطیة فلا شک فی أنه یعد فعلاً خطیراً یخل بالثقة العامة وبکرامة الوظیفة، إذ استقر العمل لدى لجان التحقیق الانضباطی فی الدوائر والمؤسسات الحکومیة على وقف إجراءات فرض العقوبة الانضباطیة بحق کل موظف تتم إحالته إلى المحاکم الجزائیة وتتریث إلى نتیجة القرار الصادر من محکمة الموضوع بشأن مخالفة الموظف التی أدت إلى قیام مسؤولیته عنه، فإذا حکم على الموظف بجزاء جنائی فی جنایة أو عن جریمة مخلة بالشرف والأمانة فإن الدائرة الحکومیة تقرر إنهاء علاقة الموظف بعزله عن الوظیفة على وفق أحکام المادة (8/ثامناً)، إذ جاء فیها: ((العزل، ویکون بتنحیة الموظف من الوظیفة نهائیاً ... فی إحدى الحالات الآتیة ... إذا ثبت ارتکابه فعلاً خطیراً یجعل بقاءه فی خدمة الدولة مضراً بالمصلحة العامة)).
وعن مدى أمکانیة إیقاع عقوبة العزل على الموظف فی مخالفة إفشاء الأسرار الوظیفیة وعدم کتمانها، فإنه وإن کانت عقوبة العزل تشمل الجریمة التی یرتکبها الموظف من نوع الجنایة ولا تسری على جرائم الجنح مالم تکن من الجنح المخلة بالشرف والامانة، ویظهر أن المشرع العراقی یرمی فی المادة (437) والمجرمة لإفشاء الأسرار الوظیفیة الى حمایة الأسرار لکفالة حسن أداء الاعمال الوظیفیة واستحصال ثقة الافراد بالأعمال المنجزة فی الدوائر الحکومیة، لذا فإن إفشاء أسرار هذه المؤسسات والدوائر الرسمیة من الموظف وعدم مراعاة الامانة فی کتمها لا شک فی إنه یمس باعتبار الوظیفة وشرفها بما قد یصیب المصلحة العامة بالضرر فضلاً عن إنها تخل باعتبار مرتکبها وشرفه فی الهیئة الاجتماعیة، ووفقاً لما تقدم یمکن أن توصف جنحة إفشاء الأسرار الوظیفیة بأنها مخلة بالشرف والأمانة یسوغ معها للجهات الحکومیة أن تفرض عقوبة العزل إذا ارتکبت من أحد موظفیها، وبهذا الاتجاه سار مجلس الانضباط العام العراقی فی قراراته.
المطلب الثالث
الجزاء المدنــی
یعد قیام المسؤولیة المدنیة ضد الموظف عن فعل إفشاء الأسرار الوظیفیة الذی یعد جریمة، وسیلة ترمی من ورائها الدوائر الحکومیة ومؤسساتها لاقتضاء حقها فی التعویض عن الضرر الذی ینشأ عن هذه الجریمة. ولا تنظر المحکمة الجزائیة بالتعویض إلا إذا کان له علاقة بالجریمة المرتکبة، إذ یعد إفشاء الأسرار الوظیفیة خطأً وعملاً غیر مشروع من الناحیة المدنیة ینشأ منه ضررٌ مادیٌ أو أدبیٌ، فالضرر المادی هو الذی تنجم عنه الخسارة أو الکسب الفائت الذی کان من المفترض أن تحصل علیه الدائرة الحکومیة أو المؤسسة لولا الإفشاء بأسرارها من أحد موظفیها، کما فی حالة إفشاء الأسرار التی تتعلق بالعقود الحکومیة التی تبرمها مؤسسات الدولة لإقامه الابنیة الخاصة بها. ویتحقق الضرر الادبی إذا أضرّ الإفشاء بکرامة الوظیفة وهیبتها والمرکز الحکومی للدائرة المعنیة أو الإخلال بالثقة والسمعة المالیة لها، وفی هذه الأحوال یمکن أن تطالب الدائرة الحکومیة بالتعویض عن مثل هذا الضرر الذی أصاب سمعتها واعتبارها بین مؤسسات الدولة، إن الاصل فی التعویض أن یکون نقدیاً یقوم قاضی الموضوع بتقدیره بمبلغ محدد من النقود، ولا ضیر أن یکون شیئاً أخر من غیر المال مثلما هی الحال مع التعویض غیر النقدی الذی یتمثل بإعادة الحالة إلى ما کانت علیه قبل أن یرتکب المسؤول عن الضرر فعله غیر المشروع، ولصعوبة إرجاع حالة الأسرار وإعادتها إلى ما کانت علیه من الکتمان والخفاء بعد أن أُفشی مضمونها وصُیّرت فی حالة من العلانیة، یتبین من ذلک عدم صلاحیة الاخذ بالتعویض العینی فی جریمة إفشاء الموظف للأسرار الوظیفیة، لذا یکون من الأنسب لقاضی الموضوع أن یحکم عن الجزاء المدنی المترتب على ضرر الإفشاء بالتعویض النقدی سواء أکان ذلک الضرر مادیاً أم أدبیاً، فالأصل فی المسؤولیة التقصیریة هو التعویض النقدی، وتستفاد هذه الطریقة للتعویض من نص الفقرة الثانیة للمادة (209) من القانون المدنی العراقی التی ورد فیها: ((یقدر التعویض بالنقد ...))، ویترک للمحکمة صلاحیة تقدیر التعویض عن الضرر الذی أصاب الدائرة الرسمیة.
الخاتــمة
بعد أن تناولنا موضوع (تجریم إفشاء الأسرار الوظیفیة)، وخطورة فعل الإفشاء للأسرار على المصلحة العامة وضرورة سیر العمل فی المرافق الحکومیة بشکل سلیم، إذ یهدف المشرع من وراء تجریم هذا السلوک ضمان استحصال ثقة الجمهور فی وظائف الدولة وفی حسن أداء الموظفین لأعمالهم لتقدیم الخدمات لهم بصورة مرضیة فضلاً عن استقرار العمل فی المؤسسات الحکومیة فی ظل توسع ظاهرة الفساد الإداری والمالی بین دوائر الدولة، إذ ظهر من هذا البحث ما یأتی:
- اهتم المشرع بحمایة الأسرار الوظیفیة فأفرد لها النصوص الجزائیة لحمایتها ضد الإفشاء، ولتنوع الأسرار الوظیفیة واتساعها لم یتوصل الفقه الى وضع تعریف جامع ومانع لها، ویمکن تعریف السر الوظیفی فی هذا البحث بأنه: (کل واقعة أو معلومة أو محرر معین یحوزها الموظف أو وصلت الى علمه فی أثناء ممارسة الوظیفة أو بسببها أو بمناسبة قیامه بالعمل المکلف به رسمیاً وسواء کانت علاقته بالوظیفة دائمة أم مؤقتة ویستوجب ذلک منه عدم الإفشاء للغیر أما بحکم القانون أو لمصلحة مشروعة أو لحصول الضرر من الإفشاء أو جرى العرف على الکتمان إلا فی الأحوال المصرح بها قانوناً).
- أظهر البحث تأرجح آراء الفقهاء بشأن تحدید الأسرار الوظیفیة، إذ تمت صیاغة نظریات عدیدة لتحدید الأسرار الوظیفیة ونطاقها، إذ ظهر من هذا البحث أن نظریة طبیعة أو نوعیة الأسرار أفضل من غیرها فی تحدید نطاق هذه الأسرار، فقد أخذت بها التشریعات الفرنسیة والعراقیة والأردنیة وأیدتها التشریعات المصریة.
- اختلف الفقه فی مدى ترتب المسؤولیة الجزائیة عن فعل إفشاء الأسرار الوظیفیة الواقع بعد زوال صفة الموظف أو المکلف بخدمة عامة عن الشخص، إذ تم ترجیح الرأی القائل بعدم ترتب هذه المسؤولیة على الشخص الذی زالت صفته.
وفی سیاق الموضوعات التی تم التطرق الیها فی هذا البحث، یمکن تقدیم بعض المقترحات الآتیة:
- دمج تجریم إفشاء الأسرار الوظیفیة فی المادة (327) التی تتعلق بالجرائم المخلة بواجبات الوظیفة بدلاً من المادة (437) فی قانون العقوبات العراقی وتعدیلها على وفق الآتی: ((یعاقب بالحبس مدة لا تزید على ثلاث سنوات وبالغرامة التی لا تزید على ثلاثمائة ألف دینار أو بإحدى هاتین العقوبتین کل موظف أفشى بأیة وسیلة سراً وصل إلى علمه بمقتضى وظیفته لشخص آخر فی غیر الأحوال المصرح بها قانوناً أو استعمله لمنفعته أو منفعة غیره، ولا یترتب العقاب إذا أذن بإفشاء السر الجهات الرسمیة أو کان إفشاء السر مقصوداً به الإخبار عن جنایة أو جنحة أو منع ارتکابها. وتکون العقوبة السجن مدة لا تزید على سبع سنوات إذا کان من شأن هذا الإفشاء أن یضر بمصلحة الدولة...)).
- للمشرع العراقی أن ینظم بنص خاص المسؤولیة غیر العمدیة للموظف إذا حصل إفشاء الأسرار الوظیفیة نتیجة لإهماله أو عدم الانتباه أو الاحتیاط أو عدم مراعاة القوانین والأنظمة، لأن سلوک الموظف فی مجال الوظیفة یجب أن یقترن بقدر من الحیطة والحذر والاهتمام بواجباته الوظیفیة لتلافی الإضرار بالمصالح العامة، فهو یشغل مکانة مهمة ضمن وظائف الدولة.
- تعدیل العبارة الآتیة: ((... من نشر بإحدى طرق العلانیة...))، الواردة فی المادتین (235،236) من قانون العقوبات العراقی وجعلها بالصیغة الآتیة: ((... من استعمل إحدى طرق العلانیة فی نشر...)).
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English) and References (English)
First: Dictionaries:
1. Abu al-Fadl, Jamal al-Din Muhammad Ibn Makram bin Manzoor, San'a al-Arab, 7, 4, Dar Sader for Printing and Publishing, Beirut 2005.
2. Al-Munajjid in Language and Media, I 2, Dar Al-Mashreq, Beirut, 2007.
Second: Books and Letters:
3. Dr. Ibrahim Hamed Tantawy, Criminal Protection of the Confidentiality of Banks' Information on its Clients, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 2005.
4. Ahmed Amin Bey, Explanation of the Civil Penal Code, C3, I 3, The Arabic Dar Al-Muswadat, Lebanon 1982.
5. Ahmed Eid Al-Nuaimi, The crime of disclosing the secrets of the legal profession, 1, Dar Wael Publishing, Amman 2010.
6. Ahmed Fathi Zaghloul, Lawyer, Al-Ma'arif Library, Cairo, 1990.
7. Dr. Ahmed Kamel Salama, Criminal Protection of Secrets of Profession, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo 1988.
8. Jaber Muhanna Shabl, Commitment to Maintaining the Secret of Profession, Master Thesis, Faculty of Law and Politics, University of Baghdad, 1984.
9. Soldier Abdul Malik, Criminal Encyclopedia, C3, I2, Dar Al-Alam for All, Beirut, d.
10. Hussein Hamouda Mahdavi, Explanation of the provisions of public office, I 1, the General Establishment for Publishing and Distribution, Tripoli 1986.
11. Dr. Hamid Al-Saadi, Explanation of the new Penal Code General Section, C1, Freedom House Press, Baghdad 1976.
12. Dr. Ramses Behnam, The General Theory of Criminal Law, Vol. 3, Al-Ma'aref Establishment, Alexandria, 1997.
13. Dr. Ramses Behnam, Penal Code Special Section, i., Knowledge Establishment, Alexandria, 1999.
14. Dr. Said Abdel Latif Hassan, Criminal Protection of Banking Confidentiality (the crime of disclosure of bank secrecy), Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo 2004.
15. Dr. Sulaiman Mohamed El-Tamawy, Administrative Judiciary, Disciplinary Discipline, Third Book, Dar Al-Fikr Al-Arabi, Cairo 1971.
16. Shafiq Abdul Majid Hadithi, Disciplined System of State Employees in Iraq, Master Thesis, Faculty of Law, University of Baghdad 1973.
17. Dr. Abbas Al-Hassani, Explanation of the Iraqi Penal Code and its amendments, Special section, vol. 2, Al-Ani Press, Baghdad, 1974.
18. Abdel-Hamid Al-Menshawi, Crimes of libel and insult and disclosure of secrets, New University House, Alexandria 2005.
19. Dr. Abdul Fattah Bayoumi Hijazi, Crimes under Modern Telecommunication Technology, National Center for Legal Publications, Cairo 2011.
20. Dr. Abdul Majid al-Hakim, d. Abdul Baqi al-Bakri, d. Mohamed Taha Al-Bashir, Civil Law and Sources of Compliance, C1, Ministry of Higher Education and Scientific Research, University of Baghdad, Baghdad 1986.
21. Dr. Othman Salman Ghailan, Explanation of the provisions of the Law of Discipline of State Employees and Public Sector No. 14 of 1991 Amended, I 1, House of Books and National Documents, Baghdad 2010.
22. Adnan Khalaf Mohi, the crime of revealing the secret of the profession in Iraqi law, Master Thesis, Faculty of Law, University of Baghdad 1998.
23. Dr. Ali Hussein Al-Khalaf, d. Sultan Abdul Qader Al-Shawi, General Principles in the Penal Code, Al-Sanhoury Library, Baghdad 2009.
24. Dr. Ali Khalil Ibrahim, The Crime of the Public Officer Discipline in Iraqi Law, Dar Al Arabiya, Baghdad 1985.
25. Dr. Ali Abdul Qader Al-Kahwaji, Explanation of the Penal Code General Section, Al-Halabi Publications, Beirut 2008.
26. Dr. Ali Awad Hassan, Direct Offense or Criminal Proceedings by Direct Civil Prosecution, 2, Dar Al-Thaqafa, Cairo 1985.
27. Dr. Ali Mohamed Jaafar, Penal Code, I 1, University Foundation for Studies, Beirut 1995.
28. Dr. Ali Mohamed Ali Ahmed, Disclosure of the medical secret and its impact on Islamic jurisprudence, 1, University Thought House, Alexandria 2007.
29. Ammar Tariq Abdel Aziz, The Impact of Criminal Crime on Disciplinary Crime, PhD thesis submitted to the Faculty of Law, Nahrain University 2005.
30. Dr. Ghazi Faisal Mahdi, Explanation of the provisions of the law of discipline of state employees and the socialist sector No. 14 of 1991, Al-Azza Press, Baghdad 2001.
31. Dr. Fakhri Abdul Razzaq al-Hadithi, Explanation of the Penal Code Special section, I 2, Al-Zaman Press, Baghdad 1996.
32. Dr. Fakhri Abdul Razzaq al-Hadithi, Explanation of the Penal Code General Section, I 2, Al-Zaman Press, Baghdad 1992.
33. Dr. Maher Faisal Saleh, Principles of Administrative Law, Dar Al Kut Books, Baghdad 1996.
34. Dr. Mohamed Hammad Merhej al-Hiti, The supposed error in criminal responsibility, 1, Dar Al-Thaqafa Publishing House, Amman 2005.
35. Mohamed Abdel-Wadood Abdel-Hafeez, Criminal liability for disclosure of bank secret, 1, Dar Wael Publishing, Amman 1999.
36. Dr. Mahmoud Saleh Al - Adly, Criminal Protection of Lawyer 's Commitment to Preserve the Secrets of His Clients, University Thought House, Alexandria 2003.
37. Dr. Mahmoud Naguib Hosni, Explanation of the Penal Code Special section, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo 1978.
38. Dr. Mahmoud Naguib Husni, Explanation of the Penal Code General Section, I 5, House of Arab Renaissance, Cairo 1982.
39. Dr. Mahmoud Naguib Hosni, Explanation of the Lebanese Penal Code General Department, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo 1984.
Third: Research and Magazines:
40. Ahmed Hussein Hassan, Compensation for Harmful Action, Research Presented to the Judicial Institute, Ministry of Justice, Baghdad, 2000.
41. Thaer Najm Abdul, The Secret Investigation of Iraqi Law, Research Presented to the Judicial Institute, Baghdad, 2011.
42. Dr. Hossam Abdul Wahed Kazem and Ayad Motashar Chihud, Commitment to Confidentiality of the DNA Report, Research published in Comparative Law Journal, p. 57, Iraqi Comparative Law Society 2008.
43. Dr. Ramses Behnam, The Modern Trend in Theory of Function, Actors and Responsibility, Research published in the Journal of Law for Legal and Economic Research, Alexandria University Press, Faculty of Law, Alexandria University, A1-2, Q9, 1959-1960.
44. Dr. Saleh Nasser Al-Otaibi, Integration of civil and administrative law in the request for the error of civil liability of the public employee and the extent to which this is considered a functional guarantee, Journal of Law, Scientific Publishing Council, Kuwait University, p. 3, Q 28,
45. Dr. Diaa El-Din Mehdi Hussein Al-Salhi, The Concept of Criminal Responsibility in Criminal Law, Research published in the Journal of Judiciary, issued by the Bar Association of the Republic of Iraq, p.1, p. 41, Al-Shaab Press, Baghdad, 1986.
46. Dr. Ghannam Mohamed Ghannam, Confidentiality of Inferences and Criminal Investigations and its Impact on the Basic Rights of the Defendant, Research published in the Journal of Law, Scientific Publishing Council, Kuwait University, p. 4, Q 17, 1993.
47. Judge Hamel Al-Ajaili, Administrative Investigation of its Procedures and Guarantees in the Light of the Law on the Discipline of State Employees and Public Sector No. 14 of 1991, Journal of Legislation and Judiciary, P3, S3, Baghdad 2011, issued by Fathi Al-Jawari.
48. Kamal Abu Al-Eid, The Secret of the Profession, Research Presented to the Twelfth Conference of the Union of Arab Lawyers, Baghdad, October 1974.
49. Dr. Maher Faisal Saleh and Dr. Waleed Marza Al Makhzoumi, The Legal Responsibility of the Employee for Revealing Career Secrets, Anbar University Journal of Legal and Political Sciences, Faculty of Law, P.1, Anbar University 2010.
Fourth: Legislation:
50. Egyptian Penal Code No. 58 of 1937.
51. Egyptian Criminal Procedure Law No. 150 of 1950.
52. Iraqi Civil Code No. 40 of 1951.
53. Jordanian Penal Code No. 16 of 1960.
54. Iraqi Penal Code No. 111 of 1969.
55. Iraqi Criminal Procedure Law No. 23 of 1971.
56. Law of the Civil Servants in the State of Egypt No. 47 of 1978.
57. Iraqi Evidence Law No. 107 of 1979.
58. Iraqi Public Prosecution Law No. 159 of 1979.
59. Iraqi Judicial Organization Law No. 160 of 1979.
60. French Employment Act No. 634 of 1983.
61. Law on the Discipline of State Employees and Iraqi Public Sector No. 14 of 1991.
62. The French Penal Code of 1994.
63. Iraqi Penal Code Amendment No. 6 of 2008, which is contained in the Penal Code and other special laws.
64. Ruling of the Revolutionary Command Council (dissolved) No. 603 of 1987: Concerning (temporary employee subject to the provisions of the law of the discipline of state employees in a manner that does not contradict the legal status).
Fifth: Judgments:
65. Dr. Abbas al-Hassani, Criminal Jurisprudence in the Decisions of the Court of Cassation, General Section, 1, Al-Arshad Press, Baghdad, 1968.
VI. Web sites on the Internet:
66. Criminal Penalty for Cybercrime Disclosures, article published on the Internet at: http://www.startimes.com/f.aspx?t=21940832 (Last visit to the site on 3/3/2012).
Seventh: Foreign sources:
67. Bouzat Pierre, la protection juridique du secret professionnel en droit pénal comparé 1950.
68. Dalloz, nouveau répertoire de droit, tome, 4 édition 1950.
69. Luigi Macchi di celere, banking secrecy financial privacy and related restrictions in Italy, Oyes publishing limited, London 1980.