القانون الواجب التطبیق على الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة-(*)-
|
خلیل إبراهیم محمد ریا سامی سعید
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Khalil Ibrahim Muhammad Raya Sami Saeed
College of law / University of Mosul College of law / University of Mosul
Correspondence:
Khalil Ibrahim Muhammad
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 9/9/2018 *** قبل للنشر فی 17/2/2019.
(*) Received on 9/9/2018*** accepted for publishing on 17/2/2019.
Doi: 10.33899/alaw.2019.161248
© Authors, 2019, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
حینما اصدرت الامم المتحدة اتفاقیة بشأن استخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة، فان ذلک کان بهدف التغلب على العدید من الصعاب التی واجهت انتشار استخدام الخطابات الالکترونیة فی ابرام المعاملات، على ان الاتفاقیة لا تسری على مطلق المعاملات الدولیة بل تنطبق على الخطابات فی سیاق تکوین او تنفیذ عقد بین اطراف تقع مقار عملها فی دول مختلفة، وتنطبق الاتفاقیة على العقود الدولیة ای العقود التی تبرم بین طرفین موجودین فی دولتین مختلفتین، بید أن الاتفاقیة لا یتوقف تطبیقها على جنسیة الاطراف المتعاقدة، ویخرج من نطاق تطبیق الاتفاقیة فیما یتصل بالعقود المبرمة لأغراض شخصیة او عائلیة او منزلیة وهو استبعاد مطلق، والسبب فی ذلک یرجع الى ان عددا "من القواعد الواردة فی الاتفاقیة لا یتناسب مع المستهلکین، ویتقرر تطبیق الاتفاقیة على معاملات التجارة الالکترونیة مباشرة "تطبیقا" لمنهج القواعد المادیة، کما یمکن ان یتم هذا التطبیق من خلال منهج قواعد الاسناد، حیث تطبق الاتفاقیة فی حالة اختیار طرفی العلاقة التعاقدیة تطبیقها باعتبارها القانون الواجب التطبیق على العقد، وتطبق ایضا "حتى اذا لم یکن الاطراف قد اختارت القانون الواجب التطبیق، عندما یکون قانون دولة متعاقدة هو الواجب التطبیق على العلاقة التعاقدیة طبقا".
الکلمات المفتاحیة: الخطابات الإلکترونیة، العقود الدولیة، معاملات التجارة
Abstract
When the United Nation issued an agreement concerning The Use of Electronic Discourse in International Contract; the aim beyond this was to overcome many difficulties that faced the deployment of electronic discourse in making deals، but the agreement does not apply freely to all international agreement، it only applies to discourses in certain contexts in achieving an agreement among parties with different locations. The agreement applies to international contracts which are made between two parties located in two different countries.
But difference in nationalities of the parties does not prevent applying the agreement. Contracts for personal، familial or domestic purposes are excluded from applying such agreement; because some of regulations of the agreement are not suitable for consumers، and the application of the agreement is decided to electronic trade dealings directly for the sake of implementing the approach of the materialistic rules.
legal system of that foreign country.
Keywords: electronic letters, international contracts, trade transactions
المقدمـة
الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام على سید المرسلین محمد وعلى آله وصحبه اجمعین، وبعدد ... تتضمن مقدمة البحث ما یأتی:
أولاً: التعریف بموضوع البحث واهمیته:
تمثل التجارة الدولیة القائمة على المساواة والمنفعة المتبادلة عنصراً مهماً فی تعزیز العلاقات الودیة بین الدول، وان ازدیاد استخدام الخطابات الالکترونیة یحسن کفاءة الأنشطة التجاریة، ویعزز الأواصر التجاریة، ویتیح فرص وصول جدیدة إلى أطراف وأسواق کانت تعد بعیدة ونائیة فی الماضی، ومن ثم یؤدی دوراً جوهریاً فی تعزیز التجارة والتنمیة الاقتصادیة داخلیاً ودولیاً على حد سواء، ونظراً لان هناک مشکلات قد تظهر وتشکک فی القیمة القانونیة لاستخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود قد تمثل عائقاً أمام التجارة الدولیة، فقد کانت الحاجة لاعتماد قواعد موحدة لإزالة العقبات القائمة أمام استخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة، بما فیها العقبات التی تنشأ عن إعمال قوانین لتجارة الدولیة الحالیة، وکذلک تعزیز التیقن القانونی وقابلیة التنبؤ بمصائر العقود الدولیة من الناحیة التجاریة، وان یساعد الدول على اکتساب القدرة على النفاذ إلى دروب التجارة الحدیثة.
ولتجاوز العقبات القانونیة أمام استخدام الخطابات الالکترونیة وإیجاد حلول لهذه العقبات على نحو مقبول للدول ذات النظم القانونیة والاجتماعیة والاقتصادیة المختلفة. فقد تولت لجنة الامم المتحدة للقانون التجاری الدولی (الأونسترال) اعداد اتفاقیة الامم المتحدة المتعلقة باستخدام الخطابات الإلکترونیة فی العقود الدولیة التی تم اعتمادها فی 23/تشرین الثانی/ 2005، وتم فتح باب التوقیع علیها فی 16/کانون الثانی/2006، والتی تسهل استخدام الخطابات الإلکترونیة فی التجارة الدولیة، عن طریق التأکّد من أن العقود المبرمة وغیرها من الخطابات المتبادلة إلکترونیاً صحیحةٌ وقابلةٌ للتنفیذ بقدر مثیلاتها من العقود والخطابات الورقیة التقلیدیة.
ویعود السبب فی أهمیة هذه الاتفاقیة إلى الآتی: فقد تشکّل بعض المتطلبات الرسمیة الواردة فی معاهدات القانون التجاری الدولیة المعتمدة على نطاق واسع، من قبیل اتفاقیة الاعتراف بقرارات التحکیم الأجنبیة وتنفیذها "اتفاقیة نیویورک". واتفاقیة الأمم المتحدة بشأن عقود البیع الدولی للبضائع "اتفاقیة البیع"، عقبات تحول دون استخدام الخطابات الإلکترونیة استخداماً واسع النطاق. واتفاقیة الخطابات الإلکترونیة تذلل تلک العقبات الرسمیة من خلال تحقیق التکافؤ بین شکلی الخطابات الإلکترونی والمکتوب.
وفضلاً عن ذلک، فإن هذه الاتفاقیة تحقّق أغراضاً إضافیة تجعل استخدام الخطابات الإلکترونیة فی التجارة الدولیة أسهل. لذا فإن القصد من الاتفاقیة هو تعزیز مواءمة القواعد المتعلقة بالتجارة الإلکترونیة وتعزیز التوحید فی تشریع قوانین الأونسیترال النموذجیة على الصعید الوطنی فیما یتعلق بالتجارة الإلکترونیة، وکذلک تحدیث واستکمال بعض أحکام تلک القوانین النموذجیة فی ضوء الممارسات الأخیرة. وأخیراً، قد تزوّد الاتفاقیة البلدان التی لم تعتمد بعد أحکاما بشأن التجارة الإلکترونیة بتشریعات حدیثة وموحّدة ودقیقة الصیاغة.
وتستند اتفاقیة الخطابات الإلکترونیة إلى قوانین وضعتها اللجنة فی السابق، وخصوصاً قانون الأونسیترال النموذجی بشأن التجارة الإلکترونیة، وقانون الأونسیترال النموذجی بشأن التوقیعات الإلکترونیة. وتنطبق الاتفاقیة على جمیع الخطابات الإلکترونیة المتبادلة بین طرفین یقع مقرا عملهما فی دولتین مختلفتین، على أن یکون مقر عمل أحدهما على الأقل موجودا فی دولة متعاقدة حسب المادة الأولى من الاتفاقیة. ویمکن أیضاً تطبیق الاتفاقیة باختیار الطرفین. وتُستبعد من نطاق انطباق الاتفاقیة العقود المبرمة لأغراض شخصیة أو عائلیة أو منـزلیة، کالمتعلق منها بقانون الأسرة، وکذلک بعض المعاملات المالیة، والصکوک القابلة للتداول، ومستندات الملکیة.
وتحدّد الاتفاقیة معاییر تحقّق التکافؤ الوظیفی بین الخطابات الإلکترونیة والمستندات الورقیة، وکذلک بین طرائق التوثیق الإلکترونیة والتوقیعات الخطیة. کما تحدّد الاتفاقیة وقت ومکان إرسال الخطابات الإلکترونیة وتلقیها، وتکیف القواعد التقلیدیة المتعلقة بهذه المفاهیم القانونیة لتوائم السیاق الإلکترونی وتبتکر ما یلزم فیما یخص أحکام القانون النموذجی بشأن التجارة الإلکترونیة.
وفضلاً عن ذلک، فإن الاتفاقیة تنص على المبدأ العام القائل بعدم جواز إنکار صحة الخطاب من الناحیة القانونیة لمجرد کونه فی شکل إلکترونی. ونظراً لانتشار نظم الرسائل الآلیة على وجه التحدید، فإن الاتفاقیة تتیح إمکانیة إنفاذ العقود المُبرمة بواسطة هذه النظم. وتوضح الاتفاقیة کذلک أن أی اقتراح یُقدّم لإبرام عقد بواسطة وسائل إلکترونیة ولا یکون موجهاً إلى أطراف معیّنة، یعتبر بمثابة دعوة إلى عقد صفقة ولیس عرضاً یلزم الطرف مقدم العرض به فی حال قبوله، وذلک تمشیاً مع الحکم المقابل من اتفاقیة الأمم المتحدة بشأن عقود البیع الدولی للبضائع. وتجیز الاتفاقیة للأطراف التعاقدیة استبعاد تطبیق هذه الاتفاقیة أو تغییر شروطها ضمن الحدود التی تسمح بها الأحکام التشریعیة المعمول بها فی خلاف هذه الحالة.
وما یهمنا فی هذا الموضوع علاقة الاتفاقیة بالقانون الدولی الخاص والقانون الوطنی، إذ أن إمکانیة انطباق الاتفاقیة على معاملة تجاریة دولیة معیّنة مسألة تُحدَّد باختیار القواعد القانونیة المطبقة فی الدولة التی یُطلب من محکمتها أن تبت فی المنازعة أی قانون المحکمة. ومن ثم إذا کانت قواعد القانون الدولی الخاص لتلک الدولة تقضی بتطبیق القانون الموضوعی لدولة متعاقدة على تسویة المنازعة، تُطبّق الاتفاقیة بوصفها قانون تلک الدولة المتعاقدة، بغض النظر عن مکان المحکمة. وتنطبق الاتفاقیة أیضاً فی حال ما إذا اختار الطرفان بطریقة صحیحة أحکام الاتفاقیة باعتبارها القانون الواجب التطبیق على العقد.
ثانیاً: اشکالیة البحث:
تتمثل إشکاله البحث فی ان هذه الاتفاقیة شأنها شأن الاتفاقیات المتعلقة بالتجارة الدولیة، تهدف الى ایجاد قواعد موضوعیة یمکن ان یتقرر تطبیقها على معاملات التجارة الالکترونیة بشکل مباشر دون حاجة لإعمال قواعد الاسناد، الا ان هذا الهدف صعب التحقیق، اذ یمکن ان یتم هذا التطبیق من خلال منهج قواعد الاسناد، فیحتاج الامر الى بحث العلاقة بین هذه الاتفاقیة التی جاءت بقواعد موضوعیة مباشرة، وبین قواعد الاسناد، وکیفیة تطبیق الاتفاقیة عن طریق هذه القواعد.
ثالثاً: هدف البحث:
یهدف البحث الى الاتی:
- بیان استخدام الخطابات الالکترونیة فی التجارة الدولیة، عن طریق التأکد من ان العقود المبرمة عن طریق الخطابات الالکترونیة صحیحة وقابلة للتنفیذ، بقدر مثیلاتها من العقود والخطابات الورقیة.
- تحدید نطاق تطبیق اتفاقیة الخطابات الالکترونیة المتبادلة بین طرفین یقع مقر عملهما فی دولتین مختلفتین، ومدى امکانیة تطبیق الاتفاقیة باختیار الطرفین.
- علاقة الاتفاقیة بالقانون الدولی الخاص والقانون الوطنی، وان تحدید مدى امکانیة انطباق الاتفاقیة على معاملة تجاریة دولیة، مسألة تحدد باختیار القواعد القانونیة المطبقة فی الدولة التی تطلب من محکمتها البت فی المنازعة.
رابعاً: منهجیة البحث:
اعتمدنا فی البحث على المنهج التحلیلی لنصوص اتفاقیة الأمم المتحدة لاستخدام الخطابات الالکترونیة على معاملات التجارة الالکترونیة لسنة 2005، من خلال تحلیل نصوص الاتفاقیة، وبیان علاقتها ببعض الاتفاقیات ذات الصلة بهذا الشأن ولاسیما قانون الأونسترال النموذجی بشأن التجارة الالکترونیة لسنة 1996.
خامساً: هیکلیة البحث:
وسنبحث هذا الموضوع وفقاً للهیکلیة الآتیة:
المبحث الأول: ماهیة الخطابات الالکترونیة.
المبحث الثانی: نطاق تطبیق الاتفاقیة "معیار دولیة الاتفاقیة".
المبحث الثالث: علاقة الاتفاقیة بقواعد الإسناد.
المبحث الاول
ماهیة الخطابات الالکترونیة
لبیان ماهیة الخطابات الالکترونیة، سنحاول ان نُعرِّف الخطابات الالکترونیة حسبما وردت فی الاتفاقیة، وبیان شکل هذه الخطابات، والاعتراف بها، وکالآتی:
المطلب الأول
تعریف الخطابات الالکترونیة
وردت فی اتفاقیة الأمم المتحدة المتعلقة باستخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة تعریفات لمصطلحات کثیرة:
فالخطاب وفقاً لهذه الاتفاقیة هو "أی بیان أو إعلان أو مطلب أو إشعار أو طلب، بما فی ذلک أی عرض أو قبول عرض، یتعین على الأطراف توجیهه أو تختار توجیهه فی سیاق تکوین العقد أو تنفیذه".
ومصطلح الخطاب لیس بجدید على البیئة القانونیة فهناک ما یسمى بخطاب النوایا الذی هو محل خلاف حول الاعتراف بقیمته القانونیة فی الأنظمة المختلفة ویحسب لهذه الاتفاقیة أنها حددت المقصود بالخطاب، ومن ثم فان هذا الأمر یساعد فی تعریف خطابات النوایا کونه من المراحل الأولى لتکوین العقد بأنه: أی بیان أو إعلان أو مطلب أو إشعار بطلب، بما فی ذلک أی عرض أو قبول، یختار الأطراف توجیهه فی سیاق تکوین عقد.
ویحسب لهذه الاتفاقیة انها جعلت لخطابات النوایا قیمة قانونیة لم تکن لها من قبل، إذ انه غالباً ما یتم تبادل تلک الخطابات فی صورة خطابات الکترونیة توجه برسالة بیانات، إذ بینت الاتفاقیة انه لا یجوز إنکار صحة الخطاب الالکترونی ... لمجرد کونه فی شکل خطاب الکترونی.
ومن ثم فان الاتفاقیة تکون قد حلت إشکالیة قانونیة قائمة فی الحقل القانونی، وهی خطابات النوایا، لما أسبغته من قیمة قانونیة علیها متى کانت فی شکل خطاب الکترونی، وهذا سیکون الغالب الأعظم فی نطاق إبرام العقود الدولیة.
والخطاب الالکترونی بموجب الاتفاقیة هو أی خطاب توجهه الأطراف بواسطة رسائل بیانات، ورسائل البیانات هی المعلومات المنشأة، أو المرسلة، أو المتلقاة، أو المخزنة بوسائل الکترونیة، أو مغناطیسیة، أو بصریة، أو بوسائل مشابهة تشمل على سبیل المثال لا الحصر، التبادل الالکترونی للبیانات، أو البرید الالکترونی، أو البرق، أو التلکس، أو النسخ البرقی.
والهدف من تعریف رسالة البیانات هو أن یشمل جمیع أنواع الرسائل الواردة فی شکل غیر ورقی، وان عبارة "بوسائل مشابهة" الواردة فی تعریف رسائل البیانات تعنی أن الاتفاقیة لا تنطبق فقط على تقنیات الاتصال القائمة فحسب، بل تستوعب التقنیات المستقبلیة المتوقعة. وتلک الأمثلة الواردة فی تعریف رسالة البیانات توضح أن هذا التعریف لا یعنی البرید الالکترونی فقط، ولکن یشمل تقنیات أخرى وان کان بعضها مثل التلکس، أو النسخ البرقی، لا یبدو جدیداً، ولأغراض توضیحیة تم الاحتفاظ فی تعریف رسالة البیانات بالإشارة إلى التبادل الالکترونی، وذلک نظراً لاتساع نطاق استخدام رسائل التبادل الالکترونی للبیانات فی الخطابات الالکترونیة التی توجه من حاسوب إلى حاسوب. وهذا التعریف لرسالة البیانات یرکز على المعلومات ذاتها، ولیس على الشکل الذی ترسل به، ومن ثم فانه لأغراض الاتفاقیة لا یهم فیما إذا کانت رسائل البیانات ترسل الکترونیاً من حاسوب إلى حاسوب، أو ما إذا کانت رسائل البیانات ترسل برسائل لا تنطوی على نظم اتصالات سلکیة أو لا سلکیة، مثل أقراص مغنطیسیة محتویة على رسائل بیانات تسلم إلى المرسل إلیه بالبرید.
وعادة ما یتم التعامل برسائل البیانات هذه بین المنشئ والمرسل لهذه الرسائل، لذلک بینت الاتفاقیة المقصود بالمنشئ والمرسل إلیه. فیقصد بتعبیر منشئ الخطاب الالکترونی بأنه الطرف الذی أرسل الخطاب الالکترونی، أو أنشأه قبل تخزینه، إن حدث تخزین، أو من قام بذلک نیابة عنه، ولکنه لا یشمل الطرف الذی یتوسط کوسیط فیما یخص ذلک الخطاب الالکترونی.
أما المرسل إلیه فیما یتعلق بالخطاب الإلکترونی، فهو الطرف الذی یریده المنشئ أن یتلقى الخطاب الالکترونی، ولکنه لا یشمل الطرف الذی یتصرف کوسیط فیما یخص ذلک الخطاب الالکترونی.
ولا یقتصر تعریف المنشئ على تغطیة الحالة التی فیها تنشأ المعلومات وترسل، وإنما یغطی أیضاً الحالة التی تنشأ فیها المعلومات وتخزن دون أن ترسل، ویستبعد من تعریف المنشئ المتلقی الذی یقوم بالتخزین لرسالة البیانات اذ لا یعد منشئاً. والمرسل إلیه بمقتضى اتفاقیة الخطابات الالکترونیة هو الشخص الذی یقصد المنشئ الاتصال به عن طریق إرسال الخطاب الالکترونی، تمییزاً له عن أی شخص قد یتلقاه، أو یرسله، أو ینسخه أثناء عملیة الإرسال. ویمکن بمقتضى تعریف المنشئ والمرسل إلیه الواردین فی الاتفاقیة، أن یکون منشئ الخطاب الالکترونی معین والمرسل إلیه ذاک الخطاب الشخص نفسه، کما فی الحالة التی یکون فیها المقصود أن یقوم محرر الخطاب الالکترونی بتخزینه. بید انه لا یقصد من تعریف المنشئ أن یشمل المرسل إلیه الذی یقوم بتخزین خطاب الکترونی أرسله شخص آخر. وینصب ترکیز الاتفاقیة على العلاقة بین المنشئ والمرسل إلیه ولیس على العلاقة بین المنشئ والمرسل إلیه وأی وسیط. وعدم إشارة الاتفاقیة صراحة إلى الوسطاء – مثل الخوادیم أو مضیفی المواقع على الشبکة – لا یعنی أن الاتفاقیة تتجاهل دورهم فی تلقی رسائل البیانات، أو إرسالها، أو تخزینها نیابة عن شخص آخر، أو أداء غیر ذلک من الخدمات ذات القیمة المضافة مثلما یحدث عندما یکون مشغلو الشبکات وغیرهم من الوسطاء بإعداد صیغة الخطابات الالکترونیة، أو ترجمتها، أو تسجیلها، أو توثیقها، أو تصدیقها، أو حفظها، أو تقدیمه خدمات أمنیة للمعاملات الالکترونیة، الا أن الاتفاقیة، لا تتناول حقوق الوسطاء والتزاماتهم.
والنطاق الذی ترسل من خلاله رسائل البیانات یسمى نظام المعلومات، ولم تغفل الاتفاقیة تعریف هذا النظام فهو نظام لإنشاء رسائل البیانات، أو إرسالها، أو تلقیها، أو تخزینها، أو معالجتها على أی نحو آخر. ومن الممکن حسب الحالة الواقعیة أن یشیر مفهوم نظام المعلومات إلى شبکة اتصالات، وفی حالات أخرى إلى صندوق برید الکترونی، أو حتى إلى ناسخ برقی، ولأغراض الاتفاقیة لا یهم إذا کان نظام المعلومات یقع فی مکان المرسل إلیه أو فی أماکن أخرى، إذ أن موقع نظم المعلومات لیس معیاراً حاسماً فی الاتفاقیة.
ولم تغفل الاتفاقیة تعریف نظام الرسائل الآلی الذی بموجه یتم تنفیذ رسائل البیانات، فهو بموجب الاتفاقیة برنامج حاسوبی، أو وسیلة الکترونیة، أو وسیلة آلیة أخرى تستخدم لاستهلال إجراء ما، أو الاستجابة کلیاً أو جزئیاً لرسائل بیانات، أو لعملیات تنفیذها دون مراجعة أو تدخل من شخص طبیعی فی کل مرة یستهل فیها النظام إجراء ما أو ینشئ استجابة ما.
فیشیر نظام الرسائل الالی اساساً الى نظام للتفاوض على العقود وابرامها بوسائل الیة، دون ان یشارک فی احد طرفی سلسلة التفاوض على الاقل أی شخص، وهو یختلف عن نظام المعلومات فی ان استخدامه الاساسی هو تیسیر التبادلات المفضیة الى تکوین العقد. وقد یکون نظام الرسائل الألی جزءاً من نظام المعلومات، ولکن لیس من الضروری ان یکون الامر کذلک. والعنصر الحاسم فی هذا الموضوع هو عدم وجود فاعل بشری فی احد جانبی المعاملة او فی جانبیها او کلیهما، وعلى سبیل المثال تکون المعاملة الیة اذا طلب طرف بضائع عن طریق موقع شبکی لان البائع یتلقى الطلب ویؤکد استلامه عن طریق آلته. وبالمثل فانه اذا تعامل مصنع ومورده من خلال التبادل الالکترونی للبیانات، یرسل حاسوب المصنع، عند تلقی معلومات فی نطاق بارامترات معینة مبرمجة سلفاً طلب تورید الکترونیاً الى حاسوب المورد. واذا اکد حاسوب المورد استلام طلب التورید وباشر تجهیز الشحنة لان طلب التورید یدخل فی نطاق بارامترات مبرمجة سلفاً فی حاسوب المورد، فان هذه المعاملة تعد معاملة آلیة تماماً.
المطلب الثانی
شکل الخطاب الالکترونی والاعتراف به
\
سنحاول فی هذا المطلب بیان شکل الخطاب الالکترونی، والاعتراف به، وذلک فی فرعین وکالاتی:
الفرع الأول
شکل الخطاب الالکترونی
بینت المادة (9) من الاتفاقیة اشتراطات شکل الخطاب الالکترونی، فلیس فی هذه الاتفاقیة ما یشترط إنشاء الخطاب، أو تکوین العقد، أو إثباتهما فی أی شکل معین. وعندما یشترط القانون أن یکون الخطاب أو العقد کتابیاً، أو ینص على عواقب لعدم وجود کتابة، یعتبر ذلک الاشتراط قد استوفی بالخطاب الالکترونی إذا کان الوصول إلى المعلومات الواردة فیه متیسراً على نحو یتیح استخدامها فی الرجوع إلیها لاحقاً. وحیثما یشترط القانون أن یکون الخطاب أو العقد ممهوراً بتوقیع طرف ما، أو ینص على عواقب لعدم وجود توقیع، یستوفى ذلک الاشتراط فیما یخص الخطاب الالکترونیإذا استخدمت طریقة ما لتعیین هویة الطرف المعنی وتبین نیة ذلک الطرف فیما یخص المعلومات الواردة فی الخطاب الالکترونی وکانت الطریقة المستخدمة موثوق بها بقدر مناسب للغرض الذی أنشئ الخطاب الالکترونی أو أرسل من اجله، فی ضوء کل الملابسات، بما فیها أی اتفاق ذی صلة أو قد أثبتت فعلیاً بحد ذاتها أو مقترنة بأدلة إضافیة، أنها أوفت بالوظائف المذکورة فی الفقرة أعلاه المتعلقة باستخدام الطریقة الموثوق بها.
وعندما یشترط القانون وجوب إتاحة الخطاب أو العقد أو الاحتفاظ به فی شکله الأصلی، أو ینص على عواقب لعدم وجود مستند أصلی، یعتبر ذلک الاشتراط قد استوفی فیما یخص الخطاب الالکترونی، إذا وجدت وسیلة موثوق بها تؤکد سلامة المعلومات الواردة فیه منذ الوقت الذی أنشئ فیه أولاً فی شکله النهائی، کخطاب الکترونی أو غیر ذلک. وکانت المعلومات الواردة فیه، حیثما یشترطان تکون متاحة، قابلة للعرض على الشخص الذی یتعین أن تتاح له.
وتکون معاییر تقییم سلامة المعلومات هی ما إذا کانت تلک المعلومات قد ظلت کاملة ودون تحویر، بصرف النظر عن إضافة أی مصادقة، وأی تغییر ینشأ فی السیاق المعتاد للإرسال والتخزین والعرض. وتقدر درجة الموثوقیة المطلوبة فی ضوء الغرض الذی أنشئت المعلومات من اجله وفی ضوء جمیع الظروف ذات الصلة.
وتبین المذکرة الإیضاحیة للاتفاقیة أن المادة (9) منها تعید التأکید على القواعد الأساسیة الواردة فی المواد (6 و7 و8)من قانون الاونسیترال النموذجی بشأن التجارة الالکترونیة فیما یتعلق بمعاییر تقریر التکافؤ الوظیفی بین الخطابات الالکترونیة والمستندات الورقیة، بما فی ذلک المستندات الورقیة الأصلیة، وکذلک بین التوثیق الالکترونی والتوقیعات الخطیة. إلا أن الاتفاقیة وخلافاً للقانون النموذجی لا تتناول الاحتفاظ بالسجلات، لان هذه المسألة اعتبرت أوثق صلة بقواعد الإثبات وبالمتطلبات الإداریة منها بتکوین العقود وتنفیذها.
وتجدر الإشارة الى أن المادة (9) ترسی المعاییر الدنیا اللازمة لاستیفاء اشتراطات الشکل والتی یمکن توافرها بمقتضى القانون المنطبق. ولا ینبغی فهم مبدأ حریة الأطراف الواردة فی المادة (3) والذی یرد أیضاً فی غیره من صکوک الاونسیترال، مثل المادة (6) من اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی للبضائع، على انه یسمح للطرفین بان یذهبا بعیداً إلى حد التخفیف من الاشتراطات القانونیة المتعلقة بالتوقیع لصالح طرائق توثیق تقل درجة موثوقیتها عن درجة موثوقیة التوقیعات الالکترونیة. وحریة الأطراف على وجه العموم لا تعنی أن اتفاقیة الخطابات الالکترونیة تمکن الأطراف من إبطال الاشتراطات القانونیة المتعلقة بشکل العقود والمعاملات أو بتوثیقها.
إن الفقرة (4 و5) من المادة (9) من الاتفاقیة توضح مفهوم الکتابة، والأصل وأهمیتهما فی الإثبات، فهنالک وثائق تجاریة یجب أن تکون أصلیة کشهادات التأمین، وشهادات النوع، وشهادات الکمیة، إذ أنها لا تقبل إلا إذا کانت أصلیة، حتى یکون للأطراف الثقة فی محتواها. وان اشتراط أن تکون هذه المستندات ورقیة لکی یعتد بها کأنها الأصل، هو أمر من شأنه أن یعیق التجارة الالکترونیة، لذا فقد أجازت الاتفاقیة أن تقوم الخطابات الالکترونیة بدور المکافئ الوظیفی لأصل المستندات بشروط معینة تعد هی الشکل الأدنى الذی یجب توافره فی الخطاب الالکترونی ذات طبیعة إلزامیة، بمعنى أن عدم توافرها یفقد الخطاب الالکترونی قیمته. فکلاً من الفقرتین أعلاه تؤکدان على أهمیة سلامة المعلومات بالنسبة لأصلها، وتضعان - عندما تشیران إلى التسجیل المنتظم للمعلومات، والى ضمان تسجیلها من دون نقائص، والى حمایة البیانات من التغییر - معاییر تراعى فی تقییم السلامة. وتربط الفقرتان مفهوم الأصلیة بأسلوب من أسالیب التوثیق، وترکزان على أسلوب التوثیق الذی ینبغی أن یتوفر من اجل الوفاء بالشرط، کما أنها تستند إلى العناصر التالیة: معیار بسیط بشأن سلامة البیانات، ووصف للعناصر التی ینبغی أن تراعى فی تقییم السلامة، وعناصر للمرونة فی شکل إشارة إلى الظروف المحیطة، ویجب الإشارة أن الحکم یقصد منه أن یتناول الحالة التی تصاغ فیها المعلومات أولاً فی شکل مستند ورقی لتنقل بها بعد ذلک إلى الحاسوب.
وتتضمن الفقرة (5) من المادة (9) من الاتفاقیة معاییر سلامة الخطابات الالکترونیة، والإضافات اللازمة للخطاب الالکترونی کالمصادقة والتوثیق والتصدیق، إذ أنها لا تؤثر فی سلامة الخطاب الالکترونی ما دام ظل دون تحویر أو تغییر. فعندما تضاف شهادة الکترونیة فی آخر الخطاب الأصلی للتصدیق على أصلیته، أو عندما تقوم النظم الحاسوبیة آلیاً بإضافة بیانات فی بدایة الخطاب ونهایته لإرساله، فمثل هذه الإضافات تعد بمثابة ورق تکمیلی مع ورق أصلی، أو بمثابة مظروف أو طابع، استخدما فی إرسال الخطاب.
الفرع الثانی
الاعتراف بالخطاب الالکترونی
تنص المادة (8) من الاتفاقیة وتحت عنوان الاعتراف القانونی بالخطابات الإلکترونیة على انه "1. لا یجوز انکار صحة الخطاب أو العقد أو امکانیة انفاذه لمجرد کونه فی شکل خطاب الکترونی 2. لیس فی هذه الاتفاقیة ما یلزم أی طرف باستخدام الخطابات الالکترونیة أو قبولها، ولکن یجوز الاستدلال على موافقة الطرف على ذلک من سلوک ذلک الطرف".
وتشیر المذکرة الایضاحیة للاتفاقیة ان اتفاقیة الخطابات الالکترونیة تؤکد فی المادة (8) على المبدأ الوارد فی المادة (11) من قانون الأونسترال النموذجی بشأن التجارة الالکترونیة وهو انه لا یجوز انکار صحة العقود او قابلیتها للإنفاذ لمجرد انها ناتجة عن تبادل خطابات الکترونیة. ولا تحاول الاتفاقیة تحدید الوقت الذی تصبح فیه العروض او قبولها نافذة المفعول لأغراض تکوین العقد.
وتسلم المادة (12) من الاتفاقیة بجواز تکوین العقود نتیجة لأفعال قامت بها نظم رسائل الیة (وکلاء الکترونیون) حتى وان لم یقم أی شخص طبیعی بمراجعة کل من الافعال المنفردة التی قامت بها تلک النظم، أو بمراجعة العقد الناتج عن تلک الافعال. بید ان المادة (11) توضح ان مجرد عرض طرف ما تطبیقات تفاعلیة لتقدیم الطلبیات، سواء اکان النظام الذی یستخدمه الیاً بالکامل أم لا، لا ینشئ الافتراض بأن الطرف ینوی الالتزام بالطلبیات المقدمة باستخدام ذلک النظام.
ووفقاً للقرار القاضی بتفادی انشاء ثنائیة نظم بشأن المعاملات الالکترونیة والمعاملات الورقیة، وانتهاجاً مع منهج التیسیر الذی تتبعه الاتفاقیة، تعطی المادة (13) الغلبة للقانون الداخلی فی مسائل معینة مثل أی التزامات قد تفرض على الطرفین اتاحة شروط التعاقد بطریقة محددة. إلا ان الاتفاقیة تتناول المسألة الجوهریة المتعلقة بأخطاء المدخلات التی ترتکب فی الخطابات الالکترونیة نظراً لوجود احتمال اعلى للوقوع فی اخطاء فی المعاملات التی تبرم فی الزمن الحقیقی او المعاملات التی تکاد تکون انیة والتی یبرمها شخص طبیعی یستخدم فی تخاطبه نظام رسائل مؤتمن. وینص مشروع المادة (14) على انه یجوز للطرف الذی یرتکب خطأ فی المدخلات أن یسحب ذلک الجزء من الخطاب المعنی فی ظروف معینة.
فالاتفاقیة وطبقاً للمادة (8) منها قررت الاعتراف القانونی بالخطابات الالکترونیة، وهو امر اعترفت به کثیر من التشریعات.
الا ان الاتفاقیة سکتت عن بیان طبیعة الخطابات الالکترونیة هل هی رسمیة ام عرفیة؟. ومن ثم فانه طبقاً للمادة (5) من الاتفاقیة یتم بیان ذلک طبقاً لقواعد القانون الدولی الخاص. وأخذت الاتفاقیة بما هو مقرر فی بعض التشریعات المقارنة الخاصة بالتجارة الالکترونیة من أنه لا یعد الاعتراف القانونی بتلک الخطابات أمر یفرض على الاطراف قبول الخطابات او استخدامها، فالاتفاقیة لم تخالف ذلک النهج الذی طالما قد استخدمته فی الاتفاقیات الدولیة الخاصة بالبیع الدولی للبضائع، وهو انها تجعل من سلوک الاطراف او الظروف دلیل على قبول التصرف من عدمه، من حیث انها قررت انه یمکن الاستدلال على موافقة الاطراف على قبول او استخدام الخطابات الالکترونیة، ومثال ذلک تقدیم بطاقة اعمال تتضمن عنوان برید الکترونی والاعلان عن بضائع على الانترنیت بواسطة البرید الالکترونی.
المبحث الثانی
نطاق تطبیق الاتفاقیة
حددت هذه الاتفاقیة نطاق تطبیقها الموضوعی، کما حددت هذه الاتفاقیة نطاق تطبیقها الإقلیمی أو الدولی، لذلک سنتناول نطاق تطبیق الاتفاقیة فی مطلبین: الأول نخصصه للنطاق الموضوعی، والثانی للنطاق الإقلیمی وکالآتی:
المطلب الأول
نطاق تطبیق الاتفاقیة الموضوعی
إن الغرض الأساسی من اتفاقیة الخطابات الالکترونیة، هو تیسیر التجارة الدولیة بإزالة العقبات القانونیة المحتملة، أو عدم التیقن المحتمل بخصوص استخدام الخطابات الالکترونیة فی سیاق تکوین، أو تنفیذ عقود بین أطراف تقع مقار عملها فی بلدان مختلفة، إلا أن الاتفاقیة لا تتناول مسائل القانون الموضوعی المتعلقة بتکوین العقود، ولا تتناول حقوق والتزامات أطراف عقد مبرم بوسیلة الکترونیة. وتخضع العقود الدولیة عموماً للقانون الداخلی، باستثناء الأنواع القلیلة جداً من العقود التی ینطبق علیها قانون موحد، مثل عقود البیع التی تندرج ضمن نطاق اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی للبضائع. ومن ثم فان الأونسیترال وضعت فی اعتبارها، عند إعداد الاتفاقیة، ضرورة عدم نشوء ازدواجیة فی النظم الخاصة بتکوین العقود: نظام موحد للعقود الالکترونیة فی إطار الاتفاقیة الجدیدة، ونظام مغایر غیر متناسق لتکوین العقود بأی وسیلة أخرى.
ومع ذلک سلمت الأونسیترال بأنه لیس من الممکن أو الصواب دائماً إجراء فصل تام بین المسائل التقنیة والمسائل الموضوعیة فی سیاق التجارة الالکترونیة. وحیث أن الغرض من الاتفاقیة هو تقدیم حلول عملیة للمسائل المتعلقة باستخدام وسائل الاتصال الالکترونیة فی التعاقد التجاری، فان الأمر یستلزم وجود بضع قواعد موضوعیة تتجاوز مجرد إعادة التأکد على مبدأ التکافؤ الوظیفی. وتتضمن أمثلة الأحکام التی تبرز التفاعل بین القواعد التقنیة والقواعد الموضوعیة: مکان الأطراف، واشتراطات الشکل(م9)،
ووقت إرسال الخطابات الالکترونیة ومکانها ووقت تلقیها، والدعوات إلى تقدیم عروض، والخطأ فی الخطابات الالکترونیة، مع ترک الجوانب الخاصة بالقانون الموضوعی لنظم أخرى، مثل اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی للبضائع لعام 1980.
وتنطبق اتفاقیة الخطابات الالکترونیة على أی تبادل لخطابات الکترونیة تتعلق بتکوین أو تنفیذ عقد. ویقصد بالاتفاقیة أیضاً أن تنطبق على الخطابات التی توجه فی وقت لا یکون قد وجد فیه عقد بعد، بل ربما لا یکون قد وجد فیه تفاوض على عقد، مثال ذلک المادة (11) من الاتفاقیة التی تتناول الدعوات إلى تقدیم العروض، إلا أن الاتفاقیة لا تنحصر فی سیاق تکوین العقود، لأن الخطابات الالکترونیة تستخدم لممارسة طائفة متنوعة من الحقوق الناشئة عن العقد، مثل الإشعارات بتسلیم البضائع، أو الإشعارات بالمطالبات الناجمة عن التخلف عن التنفیذ، أو الإشعارات بإنهاء العقد أو حتى من اجل تنفیذه، کما فی حالة التحویلات الالکترونیة للأموال.
وینصب ترکیز الاتفاقیة على العلاقات بین طرفی عقد قائم أو مزمع. ولا تنطبق الاتفاقیة على تبادل الخطابات أو الإشعارات بین طرفی عقد وأطراف ثالثة لمجرد أن هذه الخطابات لها صلة بعقد مشمول بالاتفاقیة فی الوقت الذی تکون فیه التعاملات بین هذه الأطراف هی ذاتها غیر خاضعة للاتفاقیة. فعلى سبیل المثال إذا کان القانون الداخلی یقضی بتوجیه إشعار إلى سلطة عمومیة بخصوص عقد تنطبق علیه الاتفاقیة -للحصول على ترخیص استیراد مثلاً- فإنها لا تنطبق على الشکل الذی یمکن به توجیه الإشعار الداخلی.
وفی سیاق الاتفاقیة ینبغی فهم کلمة "عقد" فهماً واسع النطاق بحیث تشمل أی شکل من أشکال الاتفاق الملزم قانوناً بین طرفین غیر مستبعد صراحة أو ضمناً من الاتفاقیة، سواء کانت کلمة عقد مستخدمة فی القانون الداخلی أو من قبل الأطراف للإشارة إلى الاتفاق المعنی أم لم تکن. ومن ثم فان الاتفاقیة تنطبق على اتفاقات التحکیم الالکترونیة الشکل، على الرغم من أن اتفاقیة الاعتراف بقرارات التحکیم الأجنبیة وتنفیذها "اتفاقیة نیویورک" لعام 1958ومعظم القوانین الداخلیة لا تستخدم کلمة عقد للإشارة إلیها.
المطلب الثانی
نطاق تطبیق الاتفاقیة الإقلیمی "الدولی"
حددت اتفاقیة استخدام الخطابات الالکترونیة على العقود الدولیة نطاق تطبیقها الإقلیمی أو الدولی فی حالة اختلاف مقر عمل الأطراف عندما یکون فی دول مختلفة، فهی تنطبق على استخدام الخطابات الالکترونیة فی سیاق تکوین أو تنفیذ عقد بین أطراف تقع مقار عملهما فی دول مختلفة، وقد تتعدد مقار أعمال الأطراف، کما قد تنعدم، وعلیه سنقسم هذا المطلب على الفروع الآتیة:
الفرع الأول
المقصود بالنطاق الإقلیمی "الدولی" للاتفاقیة
یقصد بالخطاب الالکترونی ذات الصفة الدولیة على وفق اتفاقیة استخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة، وعلى ما أفصحت عنه المادة (1) من الاتفاقیة، تلک الخطابات التی تستخدم فی سیاق تکوین عقد أو تنفیذه بین أطراف توجد مقار عملهم فی دول مختلفة. فالعبرة فیه إذن باختلاف مقر العمل بین الطرفین ووجود هذه المقرات فی دول مختلفة، ولا أهمیة بعد ذلک لجنسیة الأطراف، فیعد الخطاب الالکترونی دولیاً مثلاً فی حکم هذه الاتفاقیة إذا تم العقد بین عراقی مقر عمله فی مصر وعراقی مقر عمله فی سوریا، بافتراض توفر الشروط الأخرى، فمع اتحاد الطرفین فی الجنسیة تکون الصفقة بینهما عقداً دولیاً، کذلک لا أهمیة للصفة المدنیة والتجاریة لهم أو للعقد المبرم بینهم، حسب المادة (1/3) من الاتفاقیة. فنصت المادة (1/1) من اتفاقیة استخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة على انه: "تنطبق هذه الاتفاقیة على استخدام الخطابات الالکترونیة فی سیاق تکوین أو تنفیذ عقد بین أطراف تقع مقار عملها فی دول مختلفة".
کما نصت المادة (1/2) من الاتفاقیة نفسها على انه: "بصرف النظر عن وقوع مقار عمل الأطراف فی دول مختلفة عندما لا تتبین هذه الحقیقة من العقد أو من أی تعاملات بین الأطراف أو من المعلومات التی تفصح عنها الأطراف فی أی وقت قبل إبرام العقد أو عند إبرامه". إذ تتضمن المادة (1/2) قاعدة مماثلة لما ورد فی المادة (1/2) من اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی للبضائع. ووفقاً لهذا الحکم لا تنطبق اتفاقیة الخطابات الالکترونیة على عقد دولی عندما لا یتبین من العقد أو من التعاملات بین الطرفین أنهما موجودان فی دولتین مختلفتین. وفی هاتین الحالتین تفسح الاتفاقیة المجال لتطبیق القانون الداخلی. والغرض من إدراج هذه القاعدة فی الاتفاقیة هو حمایة التوقعات المشروعة لدى الطرفین اللذین یفترضان أنهما یتعاملان فی إطار نظامهما الداخلی فی ضل عدم وجود إشارة واضحة على خلاف ذلک.
ونصت الفقرة (3) من المادة (1) من هذه الاتفاقیة على انه: "لا تؤخذ جنسیة الأطراف ولا الصفة المدنیة أو التجاریة للأطراف أو للعقد فی الاعتبار لدى تقریر انطباق هذه الاتفاقیة".
إذ کما هو الحال فی اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی للبضائع، لا یتوقف انطباق اتفاقیة استخدام الخطابات الالکترونیة على ما إذا کانت الأطراف تعتبر مدنیة أم تجاریة. ومن ثم فانه لغرض تحدید نطاق اتفاقیة استخدام الخطابات الالکترونیة لا یهم ما إذا کان طرف ما تاجراً أم لا فی نظام قانونی معین یطبق قواعد خاصة على العقود التجاریة مختلفة عن القواعد العامة للعقود. وتتجنب الاتفاقیة التنازعات التی تنشأ بین ما یسمى بالنظم "المزدوجة"، التی تمیز بین الصفة المدنیة والتجاریة للأطراف أو المعاملة، والنظم القانونیة الأحادیة، التی لا تجری هذا التمییز.
وجنسیة الأطراف غیر ذات اعتبار أیضاً. ومن ثم تنطبق الاتفاقیة على مواطنی الدول غیر المتعاقدة الذین توجد مقار عملهم فی دولة متعاقدة، وحتى فی دولة غیر متعاقدة مادام القانون المنطبق على العقد هو قانون دولة متعاقدة. وفی ظل ظروف معینة یجوز أیضاً أن تحکم الاتفاقیة عقداً بین اثنین من مواطنی دولة واحدة، وذلک على سبیل المثال، لان مقر عمل احد الطرفین أو محل إقامته المعتاد موجود فی بلد مختلف وهذه الحقیقة معروفة للطرف الآخر.
إذن فهذه الاتفاقیة تنطبق على استخدام الخطابات الالکترونیة فی سیاق تکوین أو تنفیذ عقد بین أطراف تقع مقار عملهما فی دول مختلفة. ویتضمن تعبیر "الخطاب الالکترونی" أی بیان أو إعلان أو مطلب أو إشعار أو طلب، بما فی ذلک أی عرض وقبول یتم بوسائل الکترونیة أو مغناطیسیة أو بصریة أو بوسائل مشابهة فی سیاق تکوین أو تنفیذ العقد. ویستخدم مصطلح "العقد" فی الاتفاقیة بمعناه الواسع وهو یتضمن مثلاً اتفاقات التحکیم، وغیرها من الاتفاقات الملزمة قانوناً سواء أطلق علیها عادة اسم العقود أم لم یطلق علیها هذا الاسم.
وتنطبق الاتفاقیة على العقود الدولیة، أی على العقود بین طرفین موجودین فی دولتین مختلفتین، لکن لیس من الضروری أن تکون تلک الدولتان کلتاهما دولتین متعاقدتین فی الاتفاقیة. ولکن الاتفاقیة لا تنطبق إلا إذا کان قانون دولة متعاقدة هو القانون المنطبق على التعاملات التی تتم بین الطرفین والتی تحددها قواعد القانون الدولی الخاص لدولة المحکمة، إذا لم یکن الطرفان قد اختارا القانون الواجب التطبیق. ولا تنطبق الاتفاقیة على الخطابات الالکترونیة المتبادلة فیما یتصل بالعقود المبرمة لأغراض شخصیة أو عائلیة أو منزلیة، واستبعاد هذه المعاملات بمقتضى اتفاقیة الخطابات الالکترونیة هو استبعاد مطلق، أی أن الاتفاقیة لا تنطبق على العقود المبرمة لأغراض شخصیة أو عائلیة أو منزلیة، حتى وان لم یکن الغرض من العقد واضحاً للطرف الآخر. وعلاوة على ذلک، لا تنطبق الاتفاقیة على المعاملات التی تتم فی بعض الأسواق المالیة الخاضعة للوائح تنظیمیة معینة أو لمعاییر صناعیة. وقد استبعدت هذه المعاملات لان قطاع الخدمات المالیة یخضع فعلیاً لضوابط رقابیة ولمعاییر صناعیة محددة جیداً تتناول مسائل تتعلق بالتجارة الالکترونیة على نحو فعال من اجل تسییر عمل ذلک القطاع على الصعید العالمی. وأخیراً، لا تطبق الاتفاقیة على الصکوک القابلة للتداول أو مستندات الملکیة، نظراً للصعوبة البالغة التی تنطوی علیها تکوین مکافئ الکترونی للصکوک الورقیة القابلة للتداول، الأمر الذی یستدعی استحداث قواعد خاصة بشأنه.
ومن خلال ما تقدم فان الاتفاقیة تعنى باستخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة فقط، بغیة عدم التداخل مع القانون الداخلی، ولأغراض هذه الاتفاقیة یکون العقد دولیاً إذا کان مقرا عمل الطرفین موجودین فی دولتین مختلفتین، إلا أن الاتفاقیة لا تشترط أن تکون الدولتان على السواء دولتین متعاقدتین فی الاتفاقیة، مادام قانون دولة متعاقدة ینطبق على التعاملات بین الطرفین. ومن ثم فان تعریف الانطباق الإقلیمی للاتفاقیة مختلف عن القاعدة العامة المنصوص علیه فی المادة (1/أ) من اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی للبضائع التی بموجبها لا تنطبق تلک الاتفاقیة –بالنسبة للدول التی استبعدت انطباق اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی بمقتضى قواعد القانون الدولی الخاص- إلا إذا کان الطرفان موجودین فی دولتین متعاقدتین. إلا أن تحدید مجال الانطباق الإقلیمی لاتفاقیة الخطابات الالکترونیة لیس جدیداً تماماً، فقد استخدم على سبیل المثال فی المادة (1) من القانون الموحد بشأن البیع الدولی للبضائع الذی اعتمد کمرفق للاتفاقیة المتعلقة بالقانون الموحد بشأن البیع الدولی للبضائع "لاهای 1964".
وفی سیاق اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی، أدرجت ضرورة أن یکون البلدان المعنیان دولتین متعاقدتین بغیة تمکین الطرفین من أن یحددا بسهولة ما إذا کانت الاتفاقیة تنطبق على عقدهما أم لا، دون حاجة إلى الرجوع إلى قواعد القانون الدولی الخاص لتحدید القانون واجب التطبیق. وتعوض مزیة تعزیز التیقن القانونی التی یوفرها هذا الخیار عن احتمال أن یکون مجال الانطباق الإقلیمی الذی یتیحه أضیق. وقد توخت الأونسیترال للاتفاقیة الجدیدة فی بادی الأمر قاعدة مماثلة للقاعدة المنصوص علیها فی الفقرة (1/أ) من المادة (1) من اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی لضمان الاتساق بین النصین. إلا انه أثناء المداولات تبین عدم الحاجة إلى التوازی بین هذه الاتفاقیة واتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی فی مجال الانطباق، لأنه رئی أن مجالات انطباقهما مستقلة عن بعضهما البعض.
وأدى سببان رئیسیان فی النهایة إلى أن أزالت الأونسیترال شرط المشارکة المزدوجة فی الاتفاقیة: الأول: تبسیط وتوسیع مجال انطباقها العملی توسیعاً کبیراً إذا قصر انطباقها على العقود الدولیة، أی على عقود بین طرفین موجودین فی دولتین مختلفتین، دون الشرط الإضافی الذی یقضی بان تکون تلک الدولتان على السواء دولتین متعاقدتین فی الاتفاقیة أیضاً. والثانی: هو أن الأونسیترال رأت انه بقدر ما یقصد من عدة أحکام فی الاتفاقیة دعم إعمال قوانین أخرى فی بیئة الکترونیة أو تیسیرها، سیؤدی اشتراط أن یکون کلا الطرفین موجودین فی دولتین متعاقدتین إلى نتیجة غیر مرغوب فیها هی انه قد تکلف محکمة فی دولة متعاقدة بتفسیر أحکام قوانینها -فیما یتعلق على سبیل المثل باشتراطات الشکل- بطرائق مختلفة، رهناً بما إذا کان کلا طرفی عقد دولی موجودین فی دولتین متعاقدتین فی الاتفاقیة أم لا.
الفرع الثانی
تعدد مقار الأطراف
تشمل کلمة الأطراف المستخدمة فی الاتفاقیة الأشخاص الطبیعیین، والکیانات القانونیة على السواء. إلا أن بعض الأحکام فی الاتفاقیة تشیر بشکل صریح إلى الأشخاص الطبیعیین. وتنطبق الاتفاقیة على العقود الدولیة بصرف النظر عن طبیعتها وتکییفها بمقتضى القانون الداخلی، ومن ناحیة أخرى فان الإشارة الواردة إلى "مقار العمل" فی المادة (1) من الاتفاقیة تقدم فکرة عامة عن العقود المعتزم أن تنطبق الاتفاقیة علیها وهی ان تکون من طبیعة متعلقة بالتجارة.
وحسب اتفاقیة الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة فانه یفترض أن یکون مقر عمل الطرف هو المکان الذی یعینه ذلک الطرف، ما لم یثبت الطرف الآخر أن هذا المکان لیس مقر العمل.
والغرض من المادة السادسة من الاتفاقیة هو عرض عناصر تتیح للأطراف التأکد من المکان الذی توجد فیه مقار عمل نظرائها، مما ییسر تحدید الطابع الدولی أو الداخلی للمعاملة ولمقر تکوین العقد، وعلى ذلک فان هذه المادة هی احد الأحکام المحوریة فی اتفاقیة استخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة. فالکثیر من عدم التیقن القانونی ناجم حالیاً عن الصعوبة فی تحدید مکان الاطراف فی المعاملة الالکترونیة. وعلى الرغم من أن هذا الخطر کان قائماً على الدوام، فقد أدى النطاق العالمی للتجارة الالکترونیة إلى جعل تحدید المکان أکثر صعوبة منه فی أی وقت مضى. ویمکن أن تترتب على عدم التیقن هذا آثار قانونیة کبیرة، لان لمکان الأطراف أهمیة بالنسبة إلى مسائل مثل الولایة القضائیة، والقانون الواجب التطبیق والانفاذ. وبناء على ذلک کان هناک اتفاق واسع النطاق فی الأونسیترال على ضرورة وجود أحکام تیسر قیام الأطراف بتحدید مقار عمل الأشخاص أو الکیانات الذین توجد لها تعاملات تجاریة معهم.
ونظرت الأونسیترال فی مراحل مبکرة من مداولاتها، فی إمکانیة إدراج واجب قانونی ایجابی یقضی بان تفصح الأطراف عن مقار أعمالها أو أن تقدم معلومات أخرى لتحدید هذا المقر. إلا انه تم الاتفاق فی نهایة الأمر على أن من غیر المناسب إدراج التزام من هذا القبیل فی صک قانونی تجاری نظراً لصعوبة النص على عواقب عدم الامتثال لهذا الالتزام، وبناءً على ذلک فان المادة (6) من الاتفاقیة تنشئ افتراضاً لصالح مقر العمل الذی یعینه الأطراف فحسب، مشفوعاً بشروط یمکن بمقتضاها دحض ذلک التعیین وبأحکام قصور تسری إذا لم یتم تعیین مقر العمل. ولا یقصد من المادة السماح للأطراف باختلاق مقار عمل خیالیة لا تفی باشتراطات الفقرة الفرعیة (ح) من المادة (4). ومن ثم فان هذا الافتراض غیر مطلق، فالاتفاقیة لا تدعم تعیین طرف لمقر عمله حین یکون ذلک التعیین غیر دقیق أو کاذباً بصورة متعمدة.
ویفی الافتراض القابل لإثبات العکس، الخاص بالمکان الذی أرسته الفقرة (1) من المادة (6) بأغراض عملیة هامة، ولا یقصد منه الابتعاد عن مفهوم مقر العمل کما هو مستخدم فی المعاملات غیر الالکترونیة، وعلى سبیل المثال قد یحتفظ البائع عبر الانترنیت بعدة مستودعات فی أماکن مختلفة قد تشحن منها سلع مختلفة تنفیذاً لطلب شراء واحد اجری بوسیلة الکترونیة، ویرى أن هناک حاجة إلى تعیین احد تلک الأماکن کمقر لعمله فیما یخص عقد ما، والمادة (6) تعترف بهذه الإمکانیة مع ما یستتبعه هذا من انه لا یمکن الطعن فی ذلک التعیین إلا إذا لم یکن للبائع مقر عمل فی المکان الذی عینه، ومن غیر هذه الإمکانیة قد یلزم أن یستعلم الطرف، فیما یخص کل عقد، عن المقر الأوثق صلة بالعقد المعنی من بین مقار عمل البائع المتعددة، لکی یحدد مقر عمل البائع فی تلک الحالة بعینها، وإذا کان لطرف مقر عمل واحد ولم یقم بأی تعیین فانه یعتبر موجوداً فی المقر الذی یفی بتعریف مقر العمل بمقتضى الفقرة الفرعیة (ح) من المادة (4) من الاتفاقیة.
وإذا لم یعین الطرف مقر عمل وکان له أکثر من مقر عمل واحد، کان مقر العمل، لأغراض هذه الاتفاقیة، هو المقر الأوثق صلة بالعقد المعنی، مع إیلاء اعتبار للظروف التی کانت الأطراف على علم بها أو تتوقعها فی أی وقت قبل إبرام العقد أو عند إبرامه.
وتستند المادة (6/2) من اتفاقیة الامم المتحدة بشأن استخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة إلى المادة (10/أ) من اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی للبضائع. الا أن المادة (6/2) من اتفاقیة الخطابات الالکترونیة، تشیر إلى مقر العمل الأوثق صلة بالعقد المعنی فقط، بینما تشیر اتفاقیة البیع الدولی إلى المقر الأوثق صلة بالعقد وبتنفیذه. وفی سیاق اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی للبضائع تسببت الإشارة الجامعة إلى العقد وتنفیذه فی حدوث عدم تیقن، لأنه قد تکون هناک حالات یکون فیها مقر العمل المبین لأحد الطرفین أوثق صلة بالعقد، ولکن یکون مقر عمل آخر لذلک الطرف أوثق صلة بتنفیذ العقد. وهذه الحالات لیست نادرة فیما یتصل بالعقود التی تدخل فیها شرکات کبیرة متعددة الجنسیات، ویمکن کذلک أن تصبح أکثر تواتراً نتیجة للاتجاه الحالی نحو زیادة لا مرکزیة الأنشطة التجاریة. ویتبین أن هذا الابتعاد الطفیف عن الصیغة المشابهة المستخدمة فی اتفاقیة الأمم المتحدة للبیع الدولی لن یؤدی إلى ازدواجیة غیر صائبة فی النظم القانونیة نظراً لمحدودیة نطاق اتفاقیة الخطابات الالکترونیة. ولا تنطبق هذه الفقرة على الکیانات القانونیة نظراً لان المفهوم عموماً أن الأشخاص الطبیعیین هم وحدهم الذین یمکن أن یکون لهم محل إقامة معتاد.
وحرصت الأونسیترال على تجنب وضع قواعد تؤدی إلى اعتبار أن مقر عمل طرف ما یقع فی بلد ما عند التعاقد الکترونیاً وفی بلد آخر عند التعاقد وفقاً لأسالیب أکثر اتساماً بالطابع التقلیدی، ولذلک تسلک اتفاقیة الخطابات الالکترونیة نهجاً حذراً فیما یتعلق بالمعلومات الملحقة المتصلة بالرسائل الالکترونیة، مثل عناوین بروتوکول الانترنیت، أو أسماء النطاقات، أو الموقع الجغرافی لنظم المعلومات التی لیس لها -على الرغم من موضوعیتها الواضحة- إلا قیمة حاسمة ضئیلة، إن کان لها قیمة، فی تحدید المکان المادی للطرفین. وتجسد المادة (6/4) هذا الفهم بالنص على أن مکان المعدات والتکنولوجیا الداعمة لنظام المعلومات، أو المکان الذی یمکن منه لأطراف أخرى أن تصل إلى نظام المعلومات، لا یشکل فی حد ذاته مقر عمل. إلا انه لا یوجد فی اتفاقیة الخطابات الالکترونیة ما یمنع المحکمة أو المحکم من اخذ إسناد اسم نطاق ما فی الحسبان کعنصر محتمل، ضمن عناصر أخرى، لتحدید مکان الطرف حیثما اقتضى الأمر ذلک.
وسلمت الأونسیترال بأنه ربما تکون هناک کیانات قانونیة مثل ما یسمى بالشرکات الافتراضیة، قد لا یستوفی إنشاؤها جمیع اشتراطات تعریف مقر العمل الوارد فی الفقرة الفرعیة (ح) من المادة (4) من الاتفاقیة، ولوحظ أیضاً أن بعض قطاعات الأعمال التجاریة تنظر بصورة متزایدة إلى تکنولوجیتها ومعداتها على أنها أصول هامة، إلا انه تم الاخذ بنظر الاعتبار صعوبة محاولة صوغ معاییر مقبولة عالمیاً لقاعدة قصور بشأن المکان تغطی تلک الحالات، نظراً لتنوع الخیارات المتاحة، مثل مکان التأسیس، ومکان الإدارة الرئیسیة وما إلى ذلک، فمکان المعدات والتکنولوجیا هو احد هذه العوامل فحسب ولیس بالضرورة أهمها، وعلى أیة حال إن لم یکن للکیان مقر عمل، لن تنطبق الاتفاقیة على خطاباته بمقتضى المادة (1) التی تعتمد على المعاملات بین أطراف تقع مقار عملها فی دول مختلفة.
وتجسد المادة (6/5) من الاتفاقیة حقیقة أن النظام الحالی لإسناد أسماء النطاقات لم یصمم أصلاً على أساس جغرافی، ومن ثم فان الارتباط الظاهری بین اسم نطاق ما، وبلد ما، لیس کافیاً لاستنتاج أن هناک صلة حقیقیة ودائمة بین مستخدم اسم النطاق والبلد المعنی. کما أن الاختلافات فی المعاییر والإجراءات الوطنیة لإسناد أسماء النطاقات تجعلها غیر مناسبة لإنشاء قرینة الافتراض، وفی الوقت نفسه فان ما تتسم به إجراءات إسناد أسماء النطاقات فی بعض الولایات القضائیة من شفافیة غیر کافیة، یجعل التأکد من مستوى موثوقیة کل إجراء وطنی أمراً صعباً. ومع ذلک سلمت الأونسیترال بان إسناد أسماء النطاقات فی بعض البلدان لا یجری إلا بعد التحقق من صحة المعلومات المقدمة من الطالب، بما فیها مکانه فی البلد الذی یتصل به اسم النطاق المعنی. وبالنسبة لتلک البلدان قد یکون من المناسب الاعتماد، جزئیاً على الأقل، على أسماء النطاقات لأغراض المادة (6) من الاتفاقیة. ومن ثم فان الفقرة (5) تمنع المحکمة أو المحکم من استنتاج مکان طرف من مجرد استخدام الطرف اسم ونطاق أو عنوان ما، ولا یوجد فی الفقرة ما یمنع المحکمة أو المحکم من اخذ إسناد اسم النطاق فی الحسبان کعنصر محتمل، ضمن عناصر أخرى لتحدید مکان الطرف، اذا اقتضى الأمر ذلک.
وصیغة الفقرة (5) من المادة (6) مفتوحة نظراً لان الحکم یتناول تکنولوجیا قائمة معینة ترى الأونسیترال أنها لا تتیح فی حد ذاتها، وصلاً موثوقاً بما فیه الکفایة ببلد ما بحیث یجیز إنشاء قرینة بخصوص مکان طرف ما، ولیس من الحصافة أن تستبعد الأونسیترال إمکانیة أن تنشئ تکنولوجیا جدیدة غیر مکتشفة بعد قرینة قویة بشأن مکان طرف ما فی بلد یتم وصله بالتکنولوجیا المستخدمة.
الفرع الثالث
عدم وجود مقر للأطراف
نصت الاتفاقیة على الحالة التی لا یکون فیها للشخص الطبیعی مقر عمل، فأخذت بمحل إقامته المعتاد. ومثل هذا النص ورد فی اتفاقیة البیع الدولی للبضائع إذ نصت المادة (10/ب) على أنه: "إذا لم یکن لأحد الطرفین مکان عمل، وجب الأخذ بمکان إقامته المعتاد" وهذا الحکم هو ذات الحکم الذی أخذ به القانون الموحد لاتفاقیة لاهای فی الفقرة الثانیة من المادة الأولى منها، ونلاحظ أن اتفاقیة فیینا شأنها فی ذلک شأن اتفاقیة لاهای قد تفادت استعمال اصطلاح الموطن وذلک لاختلاف المقصود بهذا الاصطلاح فی مختلف النظم القانونیة، فالموطن فی إنجلترا مثلاً یقصد به الإقلیم الذی یقیم فیه الشخص على وجه الدوام ولو ترکه مؤقتاً، أما فی فرنسا فیقصد به المرکز الرئیس لأعمال الشخص أی یقصد به عنوان محدد فی مدینة معینة، والموطن فی العراق هو المکان الذی یقیم فیه الشخص عادة بصفة دائمة أو مؤقتة ویجوز أن یکون للشخص أکثر من موطن واحد لذلک فإن فکرة محل الإقامة المعتاد التی عبرت عنها المادة (10/1) من اتفاقیة فیینا تطابق فکرة الموطن فی القانون العراقی. وهو ما أخذت به اتفاقیة الخطابات الالکترونیة.
المبحث الثالث
علاقة الاتفاقیة بقواعد الاسناد
وللإحاطة بالموضوع فإننا نقسم هذا المبحث إلى مطلبین: الأول: لقصور الاتفاقیة عن تنظیم جوانب الخطابات الالکترونیة کافة، والثانی: لدور الإرادة لتطبیق الاتفاقیة واستبعادها.
المطلب الأول
قصور الاتفاقیة عن تنظیم جوانب الخطابات الدولیة کافة
تهدف اتفاقیة الخطابات الالکترونیة الى تقدیم حلول عملیة لمسائل تتعلق باستخدام وسائل الاتصال الالکترونیة فیما یتعلق بالعقود الدولیة، ولا تهدف الاتفاقیة الى وضع قواعد موحدة للمسائل التعاقدیة الموضوعیة التی لا تتعلق تحدیداً باستخدام الخطابات الالکترونیة، بید ان اجراء فصل تام بین المسائل ذات الصلة بالتکنلوجیا، والمسائل الموضوعیة فی سیاق التجارة الالکترونیة لیس امراً ممکناً او صائباً على الدوام، ومن ثم فان الاتفاقیة تتضمن القلیل من القواعد الموضوعیة التی تتجاوز مجرد اعادة التأکید على مبدأ التکافؤ الذی یستدعی وجود قواعد موضوعیة لضمان فعالیة الخطابات الالکترونیة.
فالاتفاقیة لا تطبق على الخطابات الالکترونیة المتبادلة فیما یتصل بالعقود المبرمة لأغراض شخصیة أو عائلیة أو منزلیة، کما لا تنطبق على المعاملات التی تتم فی بعض الاسواق المالیة الخاضعة للوائح تنظیمیة معینة او لمعاییر صناعیة، وقد استبعدت هذه المعاملات لان قطاع الخدمات المالیة یخضع فعلیاً لضوابط رقابیة ولمعاییر صناعیة محددة جیداً تتناول مسائل تتعلق بالتجارة الالکترونیة على نحو فعال من اجل تسییر عمل ذلک القطاع على الصعید العالمی، ولا تنطبق الاتفاقیة کذلک على الصکوک القابلة للتداول أو مستندات الملکیة، نظراً للصعوبة البالغة التی تنطوی علیها تکوین مکافئ الکترونی للصکوک الورقیة القابلة للتداول الامر الذی یستدعی استحداث قواعد خاصة بشأنه.
کما لم یدرج فی الاتفاقیة قاعدة محددة بشأن وقت تکوین العقد ومکانه فی الحالات التی یجری فیها تقدیم عرض أو قبول عرض بواسطة الخطابات الالکترونیة، وذلک من اجل عدم التداخل مع القانون الوطنی. اذ وکما هو الحال بالنسبة للمادة (15) من قانون الأونسترال النموذجی بشأن التجارة الالکترونیة، تتضمن اتفاقیة الخطابات الالکترونیة، مجموعة من قواعد القصور الخاصة بوقت ومکان ارسال رسائل البیانات وتلقیها، وهی قواعد ترمی الى تکمیل القواعد الوطنیة المتعلقة بإرسال الخطابات واستلامها بنقلها الى بیئة الکترونیة، ولیس الغرض من الاختلاف الموجود بین صیغة المادة (10) من الاتفاقیة، وصیغة المادة (15) من القانون النموذجی هو الحصول على نتیجة عملیة مختلفة، وانما الغرض من تلک الاختلافات هو تسهیل اعمال الاتفاقیة فی نظم قانونیة مختلفة، وذلک بمواءمة صیغة القواعد ذات الصلة مع العناصر العامة الشائع استخدامها لتعریف الارسال والاستلام فی القانون الداخلی.
کما انه ولدى اعداد المادة (10) من اتفاقیة الخطابات الالکترونیة، سلمت الأونسترال بان العقود لا تکون خاضعة فی معظم الحالات لنظام دولی محدد. فالنظم القانونیة المختلفة تنص على معاییر متنوعة لتحدید وقت تکوین العقد، لذلک لم تضع الاتفاقیة قاعدة بشأن تکوین العقد قد تختلف عن قواعد تکوین العقود فی القانون المنطبق على عقد من العقود.
وتعطی المادة (13) من الاتفاقیة الغلبة للقانون الداخلی فی مسائل مثل أی التزامات قد تفرض على الطرفین اتاحة شروط التعاقد بطریقة محددة.
وسلمت الأونسترال بانه یتوقع عادة من الشرکاء التجاریین الذین یعملون بحسن نیة ان یقدموا معلومات دقیقة وصادقة عن الاماکن التی توجد فیها مقار عملهم، والاثار القانونیة المترتبة على البیانات الکاذبة او غیر الدقیقة التی یقدمونها لیست مسألة تتعلق فی المقام الاول بتکوین العقد بل هی مسألة تتعلق بالقانون الجنائی او المدنی (المسؤولیة التقصیریة). وبقدر ما تکون تلک المسائل قد عولجت فی بعض النظم القانونیة، فإنها ستکون خاضعة للقانون المنطبق خارج نطاق اتفاقیة الخطابات الالکترونیة. لذلک کان من الانسب ان توضع الالتزامات بالإفصاح عن معلومات معینة فی معاییر او مبادئ توجیهیة دولیة بشأن الصناعة، بدلاً من وضعها فی اتفاقیة دولیة تتناول التعاقد الالکترونی، وقد یکون مصدر اخر ممکن للقواعد المتسمة بذلک الطابع النظم الرقابیة الداخلیة التی تحکم تقدیم الخدمات الکترونیاً، وبخاصة فی اطار اللوائح التنظیمیة بشأن المستهلکین. واعتبر ادراج اشتراطات الافصاح فی الاتفاقیة مسألة اشکالیة بصفة خاصة، لان الاتفاقیة لا یمکن ان تنص على التبعات التی قد تترتب على عدم امتثال طرف ما لها. ومن ناحیة، قیل ان الحکم ببطلان العقود التجاریة أو بعدم قابلیتها للإنفاذ بسبب عدم الامتثال لأحکام مشروع المادة هو حل غیر مرغوب فیه وینطوی على تدخل تعسفی على نحو غیر معقول. ومن ناحیة اخرى فان النص على انواع اخرى من الجزاءات مثل المسؤولیة التقصیریة او الجزاءات الإداریة امر یقع خارج نطاق الاتفاقیة. وثمة سبب اخر للإحالة للقانون الداخلی بشأن المسألة هو انه لا توجد التزامات مماثلة فیما یخص المعاملات التجاریة فی بیئة الکترونیة، ومن ثم فان اخضاع التجارة الالکترونیة لالتزامات خاصة من هذا القبیل لن یخدم مصلحة التجارة الدولیة.
ان جمیع الاحکام التی لم تعالجها الاتفاقیة یتم اکمالها عن طریق القواعد القانونیة فی النظم القانونیة المختلفة، ویتم اللجوء الى هذه القواعد عن طریق القانون الدولی الخاص (قواعد الاسناد) مما یؤکد علاقة الاتفاقیات الدولیة ذات المنهج الموضوعی الى قواعد القانون الدولی الخاص.
المطلب الثانی
استبعاد تطبیق الاتفاقیة واختیار تطبیقها
نصت الاتفاقیة على استبعاد تطبیقها فی المادة (3) منها أو الخروج عن أی حکم من احکامها او حتى تغییر مفعوله، الا ان الاتفاقیة لا تنص على حق الاطراف فی اختیار تطبیقها، فهل یحق للأطراف ذلک؟. للإحاطة بهذا الموضوع سوف نتناوله فی فرعین وکالاتی:
الفرع الأول
استبعاد تطبیق الاتفاقیة
نصت المادة (3) من اتفاقیة الخطابات الالکترونیة على أنه: "یجوز للأطراف استبعاد سریان هذه الاتفاقیة أو الخروج عن أی من أحکامها أو تغییر مفعوله" وبموجب هذا النص یحق للأطراف الاتفاق على استبعاد تطبیق أحکام هذه الاتفاقیة بالکامل ولو توافرت شروط تطبیقها، والأخذ بهذا المبدأ یظهر بوضوح احترام مبدأ سلطان الإرادة والاعتداد بحریة المتعاقدین، ذلک أن النص قرر حقهما فی استبعاد تطبیق الاتفاقیة.
وعند إعداد اتفاقیة الخطابات الالکترونیة وضعت الأونسیترال فی اعتبارها حقیقة أن التماس الحلول للصعوبات القانونیة التی یثیرها استخدام وسائل الاتصال الحدیثة یجری عملیاً فی نطاق العقود فی المقام الأول، وتجسد الاتفاقیة رأی الأونسیترال الذی مفاده أن حریة الأطراف مسألة حیویة فی المفاوضات التعاقدیة وان الاتفاقیة ینبغی أن تعترف بها على نطاق واسع، وفی الوقت نفسه کان هناک قبول عام بان حریة الأطراف لا تمتد إلى تنحیة الاشتراطات القانونیة التی تفرض، على سبیل المثال، استخدام طرائق توثیق محددة فی سیاق معین، وهذا مهم بشکل خاص فیما یتعلق بالمادة (9) من الاتفاقیة التی تنص على معاییر یمکن بمقتضاها أن تفی الخطابات الالکترونیة وعناصرها (کالتواقیع) باشتراطات الشکل التی عادة ما تکون ذات طابع إلزامی لأنه تجسد ما یقرره النظام العام، ولا تسمح حریة الأطراف بان تخفف الأطراف الاشتراطات القانونیة المتعلقة بالتوقیع مثلاً تحبیذاً لطرائق تقل موثوقیتها عن موثوقیة التوقیعات الالکترونیة، التی هی المعیار الأدنى المعترف به فی الاتفاقیة.
ومع ذلک فان الاتفاقیة کما هو منصوص علیه فی المادة (8/2) لا تشترط على الأطراف قبول الخطابات الالکترونیة إذا لم ترغب فی ذلک، وهذا یعنی أیضاً على سبیل المثال انه یجوز للأطراف اختیار عدم قبول التوقیعات الالکترونیة. وبمقتضى الاتفاقیة لا تنطبق حریة الأطراف إلا على الأحکام التی تنشئ حقوقاً للأطراف والتزاماً علیها، ولا تنطبق على أحکام الاتفاقیة الموجهة إلى الدول المتعاقدة.
وتنطبق المادة (3) من الاتفاقیة فی سیاق العلاقات بین منشئ رسائل البیانات والمرسل إلیه، وکذلک فی سیاق العلاقات مع الوسطاء، وعلیه یمکن تغییر أحکام الاتفاقیة أما باتفاقات ثنائیة، وأما باتفاقات متعددة الأطراف تبرم بین الأطراف، أو بواسطة قواعد النظام التی یتفق علیها الأطراف، وکان مفهوم الأونسیترال أن الخروج عن الاتفاقیة لا یلزم أن یکون بشکل صریح وإنما یمکن أن یکون بشکل ضمنی أیضاً، کان تتفق الأطراف مثلاً على شروط تعاقد تختلف عن أحکام الاتفاقیة.
ویعد نص المادة (3) من الاتفاقیة التطبیق الأمثل والنموذجی لمبدأ سلطان الإرادة، ذلک لأنه فی ظل الاتفاقیات السابقة توجد تنظیمات قانونیة یلجأ إلیها الأطراف فی حالة استبعاد تطبیق الاتفاقیة کقانون وطنی، أو عقد نموذجی، أو اتفاقیة دولیة، فهذا او ذاک ان کان تطبیقاً لمبدأ سلطان الارادة فهو فی ذات الوقت تنظیم تشریعی تلجأ الیه الارادة وان کان یحتاج الى ثقافة قانونیة فتلک توجد الى حد ما، فی حین انه فی ظل استبعاد تلک الاتفاقیة واللجوء الى القانون الوطنی من التشریعات المقارنة الخاصة بالتجارة الالکترونیة فالأمر یحتاج الى قدر من الثقافة التقنیة والوعی الالکترونی، وهذا ما یصل الأمر بشأنه الى حد الانعدام فی بعض الدول تلک التی تعانی من انعدام القاعدة التکنولوجیة والبنیة التعلیمیة اللازمة لها. لیس هذا فحسب بل ان بعض التشریعات المقارنة لا تعترف بالحجیة الرسمیة لتلک الخطابات، وتلک المسألة تضعف امکانیة الاعتراف والتنظیم الکافی للتجارة الالکترونیة على نحو مکافئ للتنظیم القانونی لوثائق التجارة الالکترونیة فی بیئة التجارة الالکترونیة، ومن ثم فان ذلک یعد مرتعاً خصباً لمبدأ سلطان الارادة.
وفی ظل الاتفاقیات السابقة یکون الاستبعاد الصریح بموجب قانون یحدده الاطراف، وفی حالة الاستبعاد الضمنی یطبق هذا القانون او ذاک. الا انه فی ظل هذه الاتفاقیة عندما یتم استبعادها صراحة او ضمناً توجد اشکالیة قانونیة تتمثل فی ان بعض التشریعات لا یوجد بها قانون خاص بالتجارة الالکترونیة، کما ان التشریعات التی یوجد بها قانون للتجارة الالکترونیة تتباین فیما بینها بشأن حجیة الخطابات الالکترونیة.
لذلک فالأطراف فی الاتفاقیات الدولیة السابقة اذا ما اشار الاطراف الى قانون دولة متعاقدة، کان المقصود من هذه الاشارة هو القانون الوطنی دون تطبیق الاتفاقیة، بینما فی ظل هذه الاتفاقیة اذا ما اشار الاطراف الى قانون دولة متعاقدة، کانت الاشارة هنا الى احکام الاتفاقیة کونها جزءاً من القانون الموضوعی، وکذلک الحال اذا لجأ الاطراف الى محکمة دولة غیر متعاقدة وکانت قواعد القانون الدولی الخاص تؤدی الى تطبیق قانون دولة متعاقدة طبقت احکام الاتفاقیة.
وهذا الحل لیس کافیاً، اذ یوجد تساؤل فی حاجة الى اجابة، وهو ما الوضع فی حالة اشارة الاطراف الى قانون دولة غیر متعاقدة، او ان قواعد القانون الدولی الخاص تؤدی الى تطبیق قانون دولة غیر متعاقدة؟. نعتقد ان الاجابة فی ظل عدم معالجة الاتفاقیة لهذا الامر هو تطبیق قواعد القانون الدولی الخاص لدولة القاضی الذی ینظر النزاع فی تحدد القانون واجب التطبیق.
الفرع الثانی
اختیار تطبیق الاتفاقیة
تسمح الاتفاقیة للطرفین کما بینا آنفاً إمکانیة استبعاد تطبیقهاً، إلا أنها لم تنص على ما إذا کان یجوز للطرفین تطبیق الاتفاقیة عندما لا تکون قابلة للتطبیق وفق الشروط التی أوضحناها، وقد عالجت هذه المسألة صراحة اتفاقیة لاهای لسنة 1964 الخاصة بالقانون الموحد لتکوین عقود البیع الدولی للبضائع، إذ تعطی المادة (٤) منها للطرفین إمکانیة "اختیار الاتفاقیة" صراحة، إلا أن عدم وجود حکم فی الاتفاقیة مماثل لتلک المادة لا یعنی بالضرورة أنه لا یجوز للطرفین اختیار الاتفاقیة.
لذلک وعلى الرغم من أن الاتفاقیة لا تنص صراحة على إمکانیة اختیار الاتفاقیة إلا انه یجوز للأطراف الاتفاق على تطبیق أحکام الاتفاقیة عندما لا تتوفر شروط انطباقها، إلا أن هذا الأمر یتوقف على مسألة السماح للأطراف باختیار قانون ما من عدمه على وفق قواعد الإسناد لقانون دولة القاضی، ویجوز للأطراف استناداً للمادة (25/1) من القانون المدنی العراقی اختیار الاتفاقیة لتنطبق على عقدهم، إذ نصت هذه المادة على أنه: "یسری على الالتزامات التعاقدیة قانون الدولة التی یوجد فیها الموطن المشترک للمتعاقدین إذا اتحدا موطناً، فإذا اختلفا یسری قانون الدولة التی تم فیها العقد. هذا ما لم یتفق المتعاقدان أو یتبین من الظروف أن قانوناً آخر یراد تطبیقه".
المطلب الثالث
جدوى توحید قواعد الخطابات الالکترونیة
عندما ظهرت مشکلة تنازع القوانین فی نهایة القرن الثانی عشر وبدایة القرن الثالث عشر، کان هناک منهجان لتنازع القوانین: الأول: یقضی بتطبیق قانون القاضی على کافة المنازعات سواء المنطویة على عنصر أجنبی أم الخالیة منه، والثانی: یقضی بتطبیق قانون المکان الذی ترتبط به المنازعة أکثر من غیره، وهو المنهج الذی نما وتطور على ید الفقیه الألمانی سافینی، وهو ما یسمى حدیثاً بمنهج قواعد الإسناد، وظل منهج قواعد الإسناد متربعاً على عرش تنظیم العلاقات الخاصة الدولیة حتى وقتنا الحاضر.
وأدى تطور الحیاة الاقتصادیة والاجتماعیة وظهور أیدلوجیات فکریة وسیاسیة جدیدة، إلى تبنی مناهج فنیة جدیدة أضحت تنافس بدرجة خطیرة منهج قاعدة الإسناد، واهم المناهج التی ظهرت إلى جانب قواعد الإسناد منهج القواعد الموضوعیة فی القانون الدولی الخاص، الذی یقوم على وجود قواعد تتضمن حلولاً موضوعیة لمنازعات العلاقات الخاصة الدولیة، بحیث إذا عرض الأمر على القضاء فانه یطبقها مباشرةً دون حاجة إلى إعمال قاعدة الإسناد، ومجال تلک القواعد هو العلاقات الاقتصادیة والتجاریة، أو عموماً روابط وعلاقات التجارة الدولیة، وتتعدد مصادر القواعد الموضوعیة فی القانون الدولی الخاص إلا أن أهم مصادرها یکون دولیاً، یتفق على وضعها مجموعة من الدول لتنظیم مسائل ومعاملات التجارة الدولیة، وعادة ما تکون هذه الاتفاقات على شکل معاهدات جماعیة من أمثلتها اتفاقیة الخطابات الالکترونیة التی هی موضوع دراستنا.
وغایة المنهج الموضوعی للقانون الدولی الخاص انه یتضمن تنظیماً موضوعیاً وحل مباشر للمسألة محل النزاع، ولا تکون هناک حاجة لإعمال منهج قاعدة الإسناد المزدوجة. وتعالج القواعد الموضوعیة ذلک القصور الذی یشوب قاعدة التنازع الذی یکمن فی افتقاد هذه الأخیرة للصفة الدولیة، لذلک یرى أنصار تطبیق القواعد الموضوعیة بان إعمال قاعدة التنازع یؤدی إلى عقد الاختصاص لقانون داخلی، غالباً ما لا یتلاءم مع طبیعة العلاقة وخصوصیتها الذاتیة، ویضیفون بان الاعتداد بتلک الخصوصیة یدعو إلى صیاغة قانون یحکم العلاقات الخاصة الدولیة، یتضمن قواعد موضوعیة أو مادیة تطبق مباشرة على هذه العلاقات، ویستهدف هذا الفقه التوصل تدریجیاً لإحلال تطبیق تلک القواعد محل التنازع. إذاً وفی ضوء ذلک طالما أن اتفاقیة الخطابات الالکترونیة قد تضمنت وضع قواعد موضوعیة تتناول بالتنظیم عقود التجارة الدولیة، فان ذلک یغنی عن اللجوء إلى قواعد التنازع فی القانون الدولی الخاص.
ولا شک أن الغرض الأسمى الذی تهدف اتفاقیة الخطابات الالکترونیة هو توحید القواعد القانونیة فی هذا المجال، وهذا هدف الاتفاقیات التی تعقد فی مجال التجارة الدولیة. وعلى الرغم من ذلک فان بعض الفقه یوضح مسائل معینة فیما یتعلق بهذا المنهج، فالقواعد الموضوعیة لا تکتسب أهمیة على المستوى الدولی ما لم تتوج بتوحید القانون، ومن هذا الجانب وإذا تأملنا فی بعض المعاهدات الدولیة التی سعت إلى توحید بعض القوانین نجد أن هناک عقبات وشکوک تلحق بهذا التوحید، کما أن هناک اختلافاً فی أسلوب تحقیق هذا الهدف، فهناک معاهدات تتضمن قواعد موضوعیة موحدة، إلا أنها لا تطبق إلا على العلاقات الدولیة، تارکةً العلاقات الداخلیة محکومة بالتشریعات الداخلیة المختلفة. ولعل هذا الأمر لا نجده فی اتفاقیة الخطابات الالکترونیة التی أوضحت نطاق تطبیقها الدولی بشکل واضح.
إلا انه وعلى الرغم من أن توحید قواعد الخطابات الالکترونیة، یبقى هناک دور مهم لقواعد تنازع القوانین، ویبدو ذلک من خلال ما یلی:
أولاً: تنطبق الاتفاقیة على العقود الدولیة، أی على العقود بین طرفین موجودین فی دولتین مختلفتین، الا انه لیس من الضروری أن تکون تلک الدولتان کلتاهما دولتین متعاقدتین فی الاتفاقیة، ولکن الاتفاقیة لا تنطبق الا اذا کان قانون دولة متعاقدة هو القانون المنطبق على التعاملات التی تتم بین الطرفین والتی تحددها قواعد القانون الدولی الخاص لدولة المحکمة، اذا لم یکن الطرفان قد اختارا القانون المنطبق على النحو الواجب.
ثانیاً: ان اتفاقیة الخطابات الالکترونیة تنطبق عندما یکون قانون دولة متعاقدة هو القانون المنطبق على التعاملات بین الاطراف، وتحدید ما اذا کان قانون دولة متعاقدة ینطبق على معاملة امر تقرره قواعد التنازع فی دولة المحکمة اذا لم تکن الاطراف قد اختارت القانون الواجب التطبیق اختیاراً صحیحاً، وبناء على ذلک فانه اذا لجأ طرف ما الى محکمة دولة غیر متعاقدة، رجعت تلک المحکمة الى قواعد التنازع لدى الدولة التی هی موجودة فیها، واذا کانت تلک القواعد تسمی قانون دولة متعاقدة فی الاتفاقیة انطبقت الاتفاقیة کجزء من القانون الموضوعی لتلک الدولة على الرغم من ان دولة المحکمة لیست طرفاً فی الاتفاقیة، واذا لجأ طرف ما الى محکمة دولة متعاقدة، رجعت تلک المحکمة کذلک الى قواعد التنازع لدیها، واذا کانت تلک القواعد تسمی القانون الموضوعی لتلک الدولة، او لأی دولة اخرى طرف فی الاتفاقیة، انطبقت الاتفاقیة.
وتتضمن الاتفاقیة قواعد قانون دولی خاص تنطبق على العلاقات التعاقدیة، ولا یوجد فی الاتفاقیة ما یفرض أی التزام على الدول التی لا تصدق على الاتفاقیة او تنظم الیها، ولن تطبق المحاکم الموجودة فی دولة غیر متعاقدة احکام الاتفاقیة الا عندما تنص قواعد التنازع لدیها على انطباق قانون دولة متعاقدة، وفی هذه الحالة تنطبق الاتفاقیة کجزء من النظام القانونی لتلک الدولة الاجنبیة، وانطباق القانون الاجنبی هو نتیجة مألوفة لأی نظام للقانون الدولی الخاص وقد حظی تقلیدیاً بقبول معظم البلدان، ولم تستحدث الاتفاقیة أی عنصر جدید فی هذه الحالة.
ثالثاً: تتضمن المادة (2/1) من اتفاقیة الخطابات الالکترونیة قاعدة مماثلة لما تتضمنه المادة (1/2) من اتفاقیة الامم المتحدة للبیع، ووفقاً لهذا الحکم لا تنطبق اتفاقیة الخطابات الالکترونیة على عقد دولی عندما لا یتبین من العقد أو من التعاملات بین الطرفین أنهما موجودان فی دولتین مختلفتین، وفی هاتین الحالتین تفسح الاتفاقیة المجال لتطبیق القانون الداخلی.
ثالثاً: عندما تطرح مسألة من المسائل التی لم تعالجها الاتفاقیة، فینبغی هنا البحث عن القانون الوطنی المطبق على العقد، ویتم تحقیق هذه الغایة عن طریق قواعد تنازع القوانین، وقد رأینا أن الاتفاقیة لم تعالج مسائل عدیدة، فیتعین هنا الرجوع إلى القانون الوطنی لدولة ما بموجب قواعد تنازع القوانین.
رابعاً: تحیل المادة (5) من الاتفاقیة صراحة إلى القانون الذی تعینه قواعد القانون الدولی الخاص، فیما یتعلق بالمسائل الخاصة بالموضوعات التی تتناولها هذه الاتفاقیة والتی لم تحسمها نصوصها، ولم یوجد لها جواب فی المبادئ العامة التی أخذت بها الاتفاقیة، إذ تنص هذه المادة على أنه: "1. لدى تفسیر هذه الاتفاقیة، یولى اعتبار لطابعها الدولی ولضرورة تعزیز الاتساق فی تطبیقها ومراعاة حسن النیة فی التجارة الدولیة. 2. المسائل المتعلقة بالأمور التی تحکمها هذه الاتفاقیة ولکن لا تحسمها بوضوح تسوى وفقاً للمبادئ العامة التی تقوم علیها، أو وفقاً للقانون المنطبق بمقتضى قواعد القانون الدولی الخاص، فی حالة عدم وجود مثل تلک المبادئ". ومن الواجب فی هذه الحالات العودة إلى القانون الدولی الخاص.
خامساً: أعطت الاتفاقیة بموجب المادة (3) منها، الحق للأطراف باستبعاد الاتفاقیة والاتفاق على اختیار قانون آخر لینطبق على عقدهم، ومن الطبیعی أن هذا الأمر لا یمکن أن یسمح به للأطراف إلا إذا کانت قواعد القانون الدولی الخاص فی بلد القاضی تسمح للأطراف بحریة اختیار القانون الواجب التطبیق.
وهکذا یتبین انه على الرغم من الجهد الذی بذل فی سبیل إقرار قواعد موضوعیة موحدة للخطابات الالکترونیة لتنطبق بصورة مباشرة دون حاجة إلى قواعد تنازع القوانین، إلا أن مراجعة نصوص هذه الاتفاقیة وتفحصها یکشف وجود بعض العقبات القانونیة تقف حجر عثرة فی سبیل التوحید. فأحکامها لا تقضی على کافة الصعوبات التی تنشأ فی نطاق الخطابات الالکترونیة. کما أن الاتفاقیة فتحت الباب على مصراعیه أمام الأطراف لاستبعاد الاتفاقیة، ونرى أن ذلک مسلک غریب من الاتفاقیة تضیع الجهد الکبیر المبذول فی سبیل إقرار قواعدها، فأی مکان یبقى للاتفاقیة إذا کان الأطراف فی کل عقد یتفقون على استبعاد أحکامها؟.
فعلى الرغم من أهمیة هذه الاتفاقیة فی مجال توحید القواعد الموضوعیة، إلا أن الرکون إلى هذا المصدر وحده فیه عدة صعوبات ناجمة عن عجزها فی إیجاد حلول موضوعیة موحدة. ولعل عجزها هذا اوجد الحاجة إلى قواعد تنازع القوانین کما بینا سابقاً، وهذا یدل على أن المناهج الموجودة فی نطاق القانون الدولی الخاص تکمل بعضها بعضاً، وقد نجد أن فی علاقة ما یمکن أن نطبق المنهج الموضوعی ومنهج التنازع ومنهج التطبیق المباشر لقواعد القانون الدولی الخاص.
وبهذه المثابة، تشکل اتفاقیة الخطابات الالکترونیة مصدراً هاماً للقواعد الموضوعیة التی تطبق على المعاملات الالکترونیة، ویتم اعمالها من خلال التطبیق المباشر للاتفاقیة على العلاقة العقدیة المطروحة، بید ان الاتفاقیة قد تجد تطبیقاً لها على المعاملات الالکترونیة من خلال منهج قواعد الاسناد المزدوجة الجانب فی قانون دولة القاضی المطروح علیه النزاع، ومن ثم یتعایش منهج القواعد المادیة مع منهج قاعدة الاسناد المزدوجة، لحل مشاکل الحیاة الخاصة الدولیة المتعلقة بعقود التجارة الالکترونیة ذات الطبیعة الدولیة.
لذلک نتفق مع البعض بان منهج القواعد الموضوعیة یضیق ویحد من نطاق منهج التنازع، إلا انه لا یستبعد نهائیاً هذا المنهج، الذی یحتفظ بدور لا یمکن إهماله، سواء بالنسبة لتحدید مجال تطبیق القاعدة الموضوعیة أو بالنسبة لتفسیر تلک القواعد.
الخاتمـة
بعد ان انهینا بحثنا هذا بعون الله وتوفیقه، توصلنا الى جملة من النتائج وکالآتی:
- تبین لنا من خلال البحث ان الخطابات الالکترونیة هی ای خطاب یوجهه الاطراف بواسطة رسائل بیانات، ورسائل البیانات هی المعلومات المنشأة، أو المرسلة، أو المتلقاة، أو المخزنة بوسائل الکترونیة، أو مغناطیسیة، أو بصریة، أو بوسائل مشابهة، وقد اعطت اتفاقیة الخطابات الالکترونیة، قیمة قانونیة لم تکن لها من قبل، اذ لا یجوز انکار صحة العقود او قابلیتها للانعقاد، لمجرد انها ناتجة عن تبادل خطابات الکترونیة.
- تنطبق هذه الاتفاقیة على استخدام الخطابات الالکترونیة فی سیاق تکوین العقد او تنفیذه، بین اطراف تقع مقار عملهما فی دول مختلفة، ویتضمن تعبیر الخطاب الالکترونی، ای بیان او اعلان او مطلب او اشعار او طلب، بما فی ذلک ای عرض او قبول، یتم بوسائل الکترونیة او مغناطیسیة او بصریة او بوسائل مشابهة.
- وتنطبق الاتفاقیة على العقود التی تکون بین طرفین موجودین فی دولتین مختلفتین، لکن لیس من الضروری ان تکون تلک الدولتین متعاقدتین فی الاتفاقیة، ولا تنطبق الاتفاقیة الا اذا کان قانون الدولة المتعاقدة، هو القانون المطبق على التعاملات التی تتم بین الطرفین، والتی تحددها قواعد القانون الدولی الخاص لدولة المحکمة، اذا لم یکن الطرفان قد اختارا القانون الواجب التطبیق.
- یجوز للأطراق استبعاد سریان هذه الاتفاقیة، او الخروج عن أی من احکامها، ولو توافرت شروط تطبیقها، وذلک تطبیقاً لمبدأ سلطان الارادة والاعتداد بحریة المتعاقدین فی اختیار القانون واجب التطبیق، وتعد المادة (3) من الاتفاقیة التطبیق الامثل والنموذجی لمبدأ سلطان الارادة.
- ان اتفاقیة الخطابات الالکترونیة تضمنت قواعد موضوعیة، تتناول بالتنظیم عقود التجارة الدولیة تنطبق مباشرة على العلاقة، ومع ذلک فان هذا لا یغنی عن اللجوء الى قواعد التنازع فی القانون الدولی الخاص، اذ تبقى هذه القواعد تلعب دوراً مهماً فی تطبیق الاتفاقیة اذ یجوز للأطراف الاتفاق على تطبیق أحکام الاتفاقیة عندما لا تتوفر شروط انطباقها، إلا أن هذا الأمر یتوقف على مسألة السماح للأطراف باختیار قانون ما من عدمه على وفق قواعد الإسناد لقانون دولة القاضی. کما لم تعالج الاتفاقیة بعض المسائل فهنا ینبغی الرجوع الى القوانین الداخلیة بشأنها، والرجوع الى هذه القوانین یکون بموجب قواعد تنازع القوانین، وهو ما یعکس علاقة التعایش بین القواعد الموضوعیة، وقواعد الاسناد.
- ندعو المشرع العراقی الى التوقیع على اتفاقیة الامم المتحدة المتعلقة باستخدام الخطابات الالکترونیة فی العقود الدولیة، واصدار قانون بتصدیقها، لما لها اهمیة فی مجال التجارة الدولیة عبر الوسائل الالکترونیة.
The Authors declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
First : Legal books
- Dr.Ahmed Abdul hamid Ashosh,Conflict of curricum law,(Acomparative study), university youth foundation,Alexandria, 1989 .
- Dr.Ahmed Abdul karim salama , Rules with the necessary application and rules of public law in private international law, (Applied analytical study ) , Arabic Renaissance Hous , Cairo,1985 .
- Dr.Hussam Al-Din Abdul – Ghani AL-Saghir, interpetation of the united Nations convention on Cpntracts for the interational sale of goods, Arabic Renaissance House,Cairo,2007 .
- Dr.Salah Ali Hussein, The law applicable to electronic commerce contracts of an international character, Arabic Renaissance House,Cairo,2012 .
- Dr.Mahmoud samir El sharkawy , Mternational Commercial contracts, Arabic Renaissance House,Cairo, 1992 .
- Dr.Mounir Mohammed AL-janabihi ,and, Dr.Mamdouh Mohammed AL-janabihi,The legal nature of the electronic contract, university Thought House ,Alexandria,without pubication year .
- Dr.Wael Hamad Ahmed,electronic communication in international place of publication, 2002.
Second: Messages and Notes
1- Tariq Abdullah Tahseen AL Muhjahid, conflict of law in international trade contracts, phD thesis submitted to the faculty of Law at university of Baghdad, 2001.
Third: Reseach
1- Dr. Mohmmed shukri Sorour, Summary of the provlsions for the internationsl sale of goods in accordance withe the 1980 Vienna convention, Research published in the journal of Rights isued by the unviersity of Kuwait, Issue3, Eighteenth year, september, 1994.
Fourthly: international conventions and treaties published on the internet.
1- Univted Nations convention on the use of Electronic communication in international contracts, published on the website: www.uncitral.org/uncitral/en/uncitral/text/ electrronic-commerce/2005convention.html.
2- Rome convention on the Law Applicable to contractual obligations www.jus.uiono/im/ec-applicable/Law.contracts.1980/doc.html.
3- 1964 Hague convention on the International sale of Goods.
4- 1980 Vienna Convention on the international sale of Goods, published on the website: www.uncitral.org
5- 1955 Hague convention on the Law Applicable to contracts for the international sale of Goods
6- The following website: http//cisgw3/aw.pace.deu/eisgrabic/middleat/ interpretation.htm.
Fifthly: international laws:
1- UNCITRAL Model law on Electronic commerce,1996 .
2- Explanatory note by the uncitral secretariat on the United Nations convention on the use of Electronic communications in international contracts .
Sixthly: Arabic and comparative Laws :
1- Iraqi civil code No.40 of1951 .
2- Egyption Electronic signature Regulation No.15 of 2004 .
3- Civil Transactions Law of the united Arab Emirates No 5 of 1985.
4- Law of organizing Electronic commerce in Dubai No. 2 of 2002.
5- The Electronic Exchange Act of France of 19 August 2000.