سیاسة التجریم والعقاب فی أحکام قانون مکافحة الاتجار بالبشر العراقی رقم (28) بسنة 2012-(*)-
|
طلال عبد حسین البدرانی محمد ذیاب سطام الجبوری
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل قسم القانون/ کلیة الحدباء الجامعة
Talal Abdul Hussein Al Badrani Muhammad Diab Sattam Al Jubouri
College of law / University of Mosul College of law / Al-Hadba University College
Correspondence:
Talal Abdul Hussein Al Badrani
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 17/4/2019 *** قبل للنشر فی 12/5/2019.
(*) Received on 17/4/2019 *** accepted for publishing on 12/5/2019.
Doi: 10.33899/alaw.2019.161409
© Authors, 2019, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
أن جریمة الاتجار بالبشر تعد أقصى حدود الانتهاک للکرامة الإنسانیة، وتمثل الطفرة النوعیة فی مجال الاستغلال غیر الإنسانی للفرد، لذلک تضافرت الجهود للقضاء على تلک الظاهرة والحد منها بالطرق والوسائل کافة، ومن ضمنها القانونیة، فقد أخذت التشریعات الجنائی الوطنیة دورها فی مجال مکافحة ظاهرة الاتجار بالبشر بالتجریم والعقاب علیها، واتبعت فی سبیل ذلک سیاسة جنائیة متلائمة مع درجة خطورة تلک الجریمة وأثرها السلبی على المجتمع، وهذا ما اخذ به التشریع الجنائی العراقی إذ عالج أحکامها ضمن قانون خاص لمکافحة جریمة الاتجار بالبشر، ویتجلى ذلک من خلال أتباعه سیاسة جنائیة خاصة ومتمیزة فی أحکام التجریم والعقاب.
الکلمات المفتاحیة: قانون العقوبات، الاتجار بالبشر، سیاسة التجریم
Abstract
That the crime of human trafficking constitutes the maximum violation of human dignity and represents the qualitative leap in the field of nonhuman exploitation of the individual. Therefore, efforts have been made to eliminate and limit this phenomenon by all means, including legal ones. To criminalize and punish them, and followed for that criminal policy commensurate with the degree of seriousness of the crime and its negative impact on society, and this is taken by Iraqi criminal legislation as it dealt with its provisions within the special law to combat the crime of trafficking in human beings, and this is evidenced by his followers Sia Of special and distinct in terms of criminalization and criminal punishment.
Keywords: Penal Code, Human Trafficking, Criminalization Policy
المقدمـة
أن السیاسة الجنائیة بمفهومها العام هی مصطلح یدل على خطة الدولة وسیاستها فی الحد من ظاهرة الإجرام ومکافحتها وتمثل أحدى أوجه اختصاص الدولة ومسؤولیتها، وجزء من حقها السیادی فی المجال القانونی، ومن خلالها تجرم الأفعال المضرة بمصالح الأفراد داخل المجتمع والعقاب علیها، لتؤدی واجبها المتمثل بحمایة المجتمع من السلوکیات الضارة بمصالحه، وذلک یکون بإتباع أفضل السبل للحد من تلک الظواهر الإجرامیة وأشکالها، وهذا الأمر بمجمله یعود إلى أصول السیاسة الجنائیة المعتمدة من قبل الدولة ومؤسساتها، ففی جرائم الاتجار بالبشر کان للتشریع الجنائی العراقی نصیب منها، إذ أن حمایة الإنسان والحفاظ حقوقه وکیانه لا یزال محور الاهتمام والغایة الأساسیة من تشریع الأحکام القانونیة، وتنوعت صور الانتهاکات والجرائم التی ترتکب بحقه، حتى أصبح محل للإتجار والتربح یباع ویشرى بالمقابل المادی وبالاستغلال کما لو کان سلعة أو شیء بخس، بشکل یتنافى مع مبدأ الکرامة الإنسانیة، ومن هنا تضافرت الجهود لحمایة الإنسان وکیانه ووجوده بما یلیق بکرامته وتفضیله فی الوجود، فأخذت التشریعات القانونیة دورها فی هذا المضمار لما لها من أهمیة وبوصفها من الوسائل المهمة لحمایة حقوق الأفراد وکرامتهم الإنسانیة.
أهمیة البحث
تأتی أهمیة الدراسة من أهمیة موضوعها فأی شیء أهم من حمایة الإنسان والحفاظ على کرامته وذاته، وذلک من خلال بیان سیاسة المشرع الجنائیة فی الحفاظ على کرامة الفرد من أن یکون عرضة للإتجار، وتوضیح کیفیة معالجة مثل تلک الجرائم والتدابیر المتخذة لمکافحتها فی مجال الأحکام الخاصة فی قانون مکافحة الاتجار بالبشر.
مشکلة البحث
تثار إشکالیة الدراسة من خلال بیان مدى نجاح سیاسة المشرع الجنائی فی مجال مکافحة جرائم الاتجار بالبشر، وذلک من خلال تسلیط الضوء على فعالیة أحکام التجریم والعقاب والآثار الجزائیة المتبعة فی مثل هذه السلوکیات المجرمة، وما هی نتائج هذه السیاسة وفعالیتها فی هذا المجال؟ وهل کانت تلک السیاسة المتبعة فی قانون مکافحة الاتجار بالبشر واضحة وعلى قدر من المسؤولیة فی الحد من تلک الجرائم وتخفیف أثارها على الضحایا والمجتمع؟ أم الأمر بحاجة للمراجعة فی بعض المسائل.
أهداف البحث
نبتغی من دراسة السیاسة الجنائیة فی جرائم الاتجار بالبشر الوصول إلى بیان الأمور الآتیة:
- توضیح سیاسة المشرع الجنائی فی مجال أحکام جرائم الاتجار بتوضیح بنیانها القانونی أرکانها وعناصرها وضوابطها، والمصلحة محل الحمایة فیها.
- تفصیل أثار جرائم الاتجار بالبشر قدر الإمکان سواء فی مجال الأثر الجزائی المتمثل بالعقاب أم فی التدابیر القانونیة والاجتماعیة لضحایا تلک الجرائم، وکذلک بحث آلیات مکافحة تلک الجرائم وإبراز مسلک السیاسة الجنائیة للمشرع فی هذا المجال.
نطاق البحث
إن موضوع السیاسة الجنائیة فی قانون الاتجار بالبشر یحتم علینا أن نحدد نطاق البحث فی مجال الأحکام الخاصة فی نصوص القانون وأحکامها من خلال تحلیلها وفهم ضوابطها لیتبین لنا سبل سیاسة المشرع الجنائیة فی تحدید أحکام التجریم والعقاب وتحدید الآثار الجزائیة لهذه الجرائم والسبل المتبعة للحد منها ومن أثارها، لذا سیکون نطاق البحث ضمن الأحکام الخاصة لقانون الاتجار بالبشر العراقی سواء فی میدان التجریم أم فی الآثار الجزائیة کالعقوبات والتدابیر والآلیات المتبعة فی مکافحتها.
منهجیة البحث
نتبع فی بحث ودراسة موضوع السیاسة الجنائیة فی قانون الاتجار بالبشر المنهج التأصیلی التحلیلی للنصوص القانونیة الخاصة والمعنیة بتلک الجرائم، لیکون منهج البحث تحلیلی.
هیکلیة البحث
سنقسم هیکلیة البحث وفق المحاور الآتیة:-
المبحث الأول: السیاسة الجنائیة فیأحکام جرائم الاتجار بالبشر.
المبحث الثانی: السیاسة الجنائیة فی أثار جرائم الاتجار بالبشر وآلیات مکافحتها.
المبحث الأول
السیاسة الجنائیة فی أحکام جرائم الاتجار بالبشر
أن تتبعنا نصوص قانون مکافحة جرائم الاتجار وبالتحدید ما اقره فی المادة الأولى، نجده قد بین العدید من السلوکیات التی تشکل اتجار واستغلال للأشخاص، کما حدد النتائج الإجرامیة لهذا السلوک المجرم التی تهدف لها عملیة الاتجار، أی أن مجالات الاستغلال محددة سلفاً، إضافة الى ذلک فقد جاءت طریقة ارتکاب السلوک موصوفة بنمط معین لاقترافه، لذلک سنبین هنا سیاسة المشرع فی تحدید أحکام التجریم من خلال استقراء النصوص القانونیة فی قانون مکافحة الاتجار بالبشر، لتتضح لنا صور التجریم وضوابطها من خلال تتبع السیاسة الجنائیة فی صور السلوک الإجرامی، والنتائج الإجرامیة وکذلک المصلحة محل الحمایة من التجریم. وفی المطالب الآتیة:-
المطلب الأول
سیاسة المشرع فی تحدید صور السلوک الإجرامی
اعتمد المشرع فی قانون مکافحة الاتجار بالبشر طریقة النماذج المتعددة والبدیلة فی تحدید صور السلوک الإجرامی، وهذه السیاسة تتبعها المشرع لغرض شمول أکثر من نموذج للأفعال التی یتحقق بها اتجار بالأشخاص، وهذا الأمر نلتمسه مما جاءت به المادة (1 فقرة أولاً) من قانون مکافحة الاتجار بالبشر رقم (28) لسنة 2012عندما بینت السلوکیات المجرمة إذ نصت على (یقصد بالإتجار بالبشر لأغراض هذا القانون تجنید أشخاص أو نقلهم أو إیوائهم أو استقبالهم، بواسطة التهدید بالقوة أو استعمالها...) إذ یتجلى من خلال النص إن السلوک المجرم للإتجار ینحصر فی أربعة أنماط هی:-
أولاً: التجنید: أن فعل التجنید هو إعداد الشخص وتهیئته لغرض من أغراض الاتجار ولا یقصد به هنا التجنید بقصد القیام بالأعمال العسکریة، کما یبدو للوهلة الأولى، بل بوصفه إحدى صور السلوک المجرم لجریمة الاتجار بالبشر، إذ یعتمد على التجنید کوسیلة للوصول إلى تعبئة الأشخاص وتهیئتهم لغرض الاتجار بهم فینحصر السلوک المجرم هنا بمجرد تهیئة الشخص ما وإعداده للإتجار.
ثانیاً: النقل: النقل هنا یقتصر على تحویل الشخص من مکان لأخر، ومن الملاحظ انه لم یحدد المشرع العراقی الواسطة أو المسافة أو الطریقة التی یتم بها نقل شخص أو مجموعة لغرض المتاجرة بهم، بل ترک الأمر على مطلقه أی یستنتج من ذلک أن مجرد تحویل شخص من مکان لأخر للإتجار هو صورة من أنماط السلوک الذی یتم بها الاتجار بالبشر المجرم، سواء کان ذلک بواسطة سیارة أو مشیاً أو أیة واسطة نقل مهما کان شکلها أو طریقة النقل ومسافته، المهم أن یکون النقل جزء من عملیة الاتجار بالشر، ویکتفی هنا فی هذه الصورة مجرد تغییر مکان المجنی علیه من مکان الى أخر داخل إقلیم الدولة.
ثالثاً: الإیواء: تتخذ صورة الإیواء هنا إعداد المثوى والسکن للشخص الضحیة وهنا لابد من وجود مأوى ومحل للسکنى، أی یفترض هنا أن یکون المکان معداً لغرض السکن والإقامة لمدة معینة مهما کانت مدتها قصرت أم طالت، وأیاً کان شکل ذلک المأوى وحجمه المهم أن یکون معداً للإسکان وصالح للإقامة.
رابعاً: الاستقبال: یکون الاستقبال بمجرد اللقاء والمقابلة واستقبال الشخص أو مجموعة الأشخاص محل الاتجار، وقد ترتبط صورة الاستقبال المجرمة مع غیرها من الصور السابقة، فالاستقبال یفترض بعد أن تتم عملیة التجنید الشخص وإعداده للإتجار به ومن ثم نقله الى مأوى خاص للإتجار والمأوى یفترض قبل الإیواء والإقامة فیکون إسکان الشخص وإیوائه بعد أن یتم استقباله.
ویلاحظ هنا أن المشرع فی المادة (1 فقرة أولاً) قد اعتمد على أسلوب النماذج البدیلة فی صور وأنماط السلوک الإجرامی إذ یکتفی لقیام المسؤولیة الجنائیة أن یرتکب الجانی أی صورة من السلوک المجرم ولا یشترط أن یأتیها کلها مجتمعة، وهذا یتضح جلیاً عندما استعمل المشرع العراقی فی نص المادة المذکورة سابقاً أداة (أو) التخییریة ولم یستعمل (واو) الجمع بما یفید أنه یکتفی بان یقترف الجانی أی نمط من أنماط السلوک المجرم لیسأل عن جریمة اتجار بالبشر، وهذه سیاسة جنائیة تتبعها التشریعات لغرض التشدید فی المسؤولیة الجنائیة، وقد اتبعها المشرع العراقی فی قانون مکافحة الاتجار بالبشر وذلک الأمر جید فی مثل هذه الجرائم للحد منها ومکافحة انتشارها فی المجتمعات.
خامساً: الترویج الالکترونی للإتجار بالبشر: بغیت التصدی لأفعال الاتجار بالوسائل کافة وقطع السبل بوجه کل من یروم الترویج لهذه الأفعال المجرمة بأیة وسیلة لاسیما عن طریق المنصات الالکترونیة التی شائع استعمالها فی الوقت الحالی وأصبحت جزء من الحیاة الیومیة للمجتمع، حرص المشرع الجنائی على معالجة هذه الحالة کجزء من سیاسته الجنائیة الوقائیة للحد من تلک الجرائم، وهذه الصورة بینتها المادة (9) من قانون مکافحة الاتجار وجاء فیها (یعاقب بالحبس مدة لا تقل عن (3) ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن (10000000) عشرة ملایین دینار ولا تزید على (2000000) أو بإحداهما کل من: أولاً: أنشأ أو أدار موقعاً على شبکة المعلومات بقصد الاتجار بالبشر. ثانیاً: تعاقد على صفقة تتعلق بالإتجار بالبشر أو سهل ذلک باستخدام شبکة المعلومات) ونجد أن هذه المادة تضمنت العدید من الأنماط المجرمة للسلوک الإجرامی وهی الإنشاء والإدارة بالفقرة الأولى والتعاقد أو تسهیل ذلک بالفقرة الثانیة، وکل هذه الصور المجرمة مستقلة عن بعضها کما هو الحال بالصور الأخرى التی سبق الحدیث عنها، إذ الإنشاء یکون بمجرد استحداث موقعاً الکترونیاً لغرض الترویج الالکترونی للإتجار بالبشر والإدارة کذلک تعنی العمل على إدامة الموقع وتشغیله وهذه الصورة تتطلب الاستمرار وقد تکون مستقلة عن الأولى الاستحداث للموقع وإنشائه أو مرتبطة بها، إذ ممکن ینشأ الموقع ویدار لغرض الترویج الالکترونی لأغراض الاتجار، وکذلک نجد الصور الأخرى التی بینتها الفقرة الثانیة وهی مجرد التعاقد على أی صورة من صور الاتجار بالبشر أو مجر التسهیل لذلک کما لو کانت هناک سمسرة أو وساطة معینة لتسهیل عملیة التعاقد وإبرام الصفقات للإتجار، وعموماً تتسم کل هذه الصور المجرمة فی هذه المادة بأنها نمط من الإجرام الالکترونی، والمسألة الأخرى أن هذه الأنماط من السلوک الإجرامی هی جرائم شکلیة تکتمل بمجرد اقتراف السلوک الإجرامی کإنشاء الوقع الالکترونی أو أدارته أو التعاقد عبر المواقع الالکترونیة أو تسهیل.
وإضافة لما تقدم فقد أحال قانون مکافحة الاتجار فی المادة (12) کل ما لم یرد به نص الى أحکام قانون العقوبات کما بینت ذلک وجاء فیها (تسری أحکام قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 فی کل ما لم یرد فیه نص خاص فی هذا القانون) وهذه سیاسة جنائیة تتسم بها التشریعات الجنائیة الخاصة فی الغالب بانتهاج أسلوب الإحالة فی التجریم والعقاب ویتحقق ذلک فی الأغلب الأعم من الأحوال فی التشریعات المنظمة لموضوع ما وتتضمن فی الوقت ذاته اللجوء إلى الجزاء الجنائی کوسیلة لضمان احترام أحکامهوعند الرجوع لأحکام قانون العقوبات یلاحظ أنه عد جریمة الاتجار بالبشر خاضعة للاختصاص الشامل فی المادة (13) من قانون العقوبات العراقی حیث نص على أنه (تسری إحکام هذا القانون على کل من وجد فی العراق بعد أن ارتکب فی الخارج بوصفه فاعلا أو شریکا جریمة من الجرائم التالیة: تخریب أو تعطیل وسائل المخابرات أو المواصلات الدولیة والاتجار بالنساء أو الصغار أو بالرقیق أو المخدرات).
المطلب الثانی
سیاسة المشرع فی تحدید الوصف الجنائی للسلوک والنتائج الإجرامیة
جاء نص المادة (1 فقرة أولاً) من قانون الاتجار بالبشر لتحدید السلوک الإجرامی وأضاف له وصف، إذ حدد المشرع کیفیة ارتکاب السلوکیات المجرمة لهذه الجریمة عندما بینت ذلک بصورة جلیة المادة المذکورة سلفاً وجاء فیها (... تجنید أشخاص أو نقلهم أو إیوائهم أو استقبالهم، بواسطة التهدید بالقوة أو استعمالها أو غیر ذلک من أشکال القصر أو الاختطاف أو الاحتیال أو الخداع أو استغلال السلطة أو بإعطاء أو تلقی مبالغ مالیة أو مزایا لنیل موافقة شخص له سلطة أو ولایة على شخص آخر...) والوصف هنا یکمن بالطریقة التی یرتکب بها السلوک المجرم، بمعنى أن تتم عملیة التجنید أو النقل أو الإیواء أو الاستقبال بواسطة استعمال القوة أو مجرد التهدید بها أو بوسائل القصر والضغط النفسی والمادی وغیرها من وسائل الجبر والإکراه الوحشیة التی تصاحب أفعال الاتجار المجرمة، أو باستعمال الاختطاف وطرق الاحتیال والخداع للأشخاص لغرض زجهم واستغلالهم فی أی صورة من صور الاتجار، أو باستخدام السلطة والنفوذ فی عملیة الاتجار أو بالترغیب والوعید بإعطاء منافع مادیة أو معنویة لشخص ما له سلطة ولایة أو وصایة على قاصر للحصول على موافقته لزج هذا الصغیر فی عمل من أعمال الاتجار بالبشر، وهذه الطرق التی ترتکب بها صور السلوک الإجرامی کما بینها نص المادة وهی لا تخرج عن ارتکاب السلوک المجرم عن طریق الترهیب أو الترغیب کما یتضح من فحوى النص.
أما الغرض من ارتکاب السلوک الإجرامی والمتمثل فی التجنید أو النقل أو الإیواء أو الاستقبال هو الوصول إلى تحقیق الاتجار والتربح بالشخص الضحیة فی جسده أو حریته أو استغلال جهوده فی عملاً ما، وهذا الأمر یتجلى من خلال نص المادة (1 فقرة أولاً) إذ بینت أن الهدف من الاتجار هو (...بهدف بیعهم أو استغلالهم فی أعمال الدعارة أو الاستغلال الجنسی أو السخرة أو العمل ألقسری أو الاسترقاق أو التسول أو المتاجرة بأعضائهم البشریة أو لأغراض التجارب الطبیة...) وهنا حدد المشرع سلفاً النتیجة الجنائیةالتی یبتغی تحقیقها الجانی من أفعال الاتجار بجسد أو حریة الضحیة، أی أن النتائج الإجرامیة التی قد تتمخض عن سلوک الجانی محددة بالنص، وهی الاستغلال والتربح أو الإشباع لرغبات مشبوهة، کالبیع والاستغلال الجنسی والدعارة والتسول والمتاجرة بالأعضاء البشریة وغیرها، وکل ذلک محله الشخص الضحیة، والملاحظ هنا أن کل هذه النتائج المحددة لا یتطلب أن تحدث فعلاً، أی لا یشترط أن یحدث الاستغلال الجنسی أو الدعارة أو الاستغلال بالتسول بل هنا تکمن سیاسة المشرع الجنائیة فی الاعتماد على فکرة النتائج ذات الخطر، حیث یتحقق المنع بمواجهة الخطورة الإجرامیة قبل أن تقع الجریمة، وهنا تکمن أهمیة تحدید خطورة الشخص الإجرامیة فهی السبیل للوصول الى تحقیق احد شقی السیاسة الجنائیة المتمثلة بالمنع والقمع، أی بمجرد تعریض الضحیة لخطر الاستغلال الجنسی أو التسول أو التجارب الطبیة...، وهنا یمکن القول بأن جرائم الاتجار بالبشر هی من فئة جرائم الخطر.
أما أن وقع شیء من النتائج المحددة کغرض للإتجار کالتسول أو الدعارة أو البیع والشراء للأعضاء البشریة أو الاستغلال الاقتصادی القصری کالسخرة وغیرها، هنا تمتد المسؤولیة الجنائیة لأحکام قانونیة أخرى فی نطاق قوانین جنائیة أخرى، وحسب الحالة قد تکون عامة کقانون العقوبات العراقی کما فی أحکام تجریم التسول أو ضمن أحکام جنائیة خاصة کأحکام جریمة البغاء التی عالجها قانون خاص وهو قانون مکافحة البغاء رقم (8) لسنة 1988وکذلک أن کان هناک أتجار بالأعضاء فأن جریمة الاتجار بالأعضاء البشریة نصت علیها أحکام خاصة فی قانون عملیات زرع الأعضاء البشریة ومنع الاتجار بها رقم (11) لسنة 2016 إذ بین فی أحکام المواد (17 و18 و19 و20 و21 و22) ضمن الفصل الخامس تحت عنوان العقوبات.
المطلب الثالث
سیاسة المشرع الجنائیة فی تحدید المصلحة محل الحمایة
المتعارف علیه أن النظام القانونی لأی دولة یضطلع بعبء حمایة المصالح والقیم الأساسیة التی تهم المجتمع، وذلک بفرض مجموعة من الالتزامات یجب على الأفراد والجماعات مراعاتها، إذ إن الحاجة إلى وجود تنظیم یحدد العلاقة بین الأفراد ویضفی الحمایة على مصالحهم، قد ظهرت فی المجتمعات لتحدید ممارسة الحقوق ووضع الأبعاد اللازمة للحیلولة دون إساءة استعمالها أو الاعتداء على حقوق الآخرین عند ممارستها، وتتجلى أهمیة المصلحة فی القانون الجنائی کونها أساس التجریم والعقاب، إذ أن المشرع لا یجرم الأفعال من اجل التجریم، بل بوصفه وسیلة لحمایة مصلحة بعینها، فکل جریمة تشکل اعتداء على مصلحة معینة، قدر المشرع جدارتها بالحمایة، وتحدید هذه المصلحة فی کل نص تجریمی یتخذ دوراً أساسیاً فی تحدید نطاق التجریم فی هذا النص والغرض منه، فهی المعیار الذی یستعین به المشرع فی وضع الضابط الموضوعی للتقسیمات العامة للجرائم وفی رسم النموذج القانونی بکل جریمة أو لطائفة معینة من الجرائم.
وأن کانت المصلحة الجنائیة هی الغایة الأساسیة من التجریم والعقاب، فلابد من أن یکون لها دور وحضور فی سیاسة المشرع الجنائیة، فالحقیقة الثابتة فی مجال القواعد الجنائیة وخصوصاً الموضوعیة منها هی إن کل نص یحمی مصلحة ما، فتحدید المصلحة المعتبرة التی تحظى بالحمایة القانونیة، یکون راجعاً إلى ثوابت ومحددات معینة من منظور اجتماعی واقتصادی وسیاسی، یرى المشرع الجنائی ضرورة الحفاظ علیها وصونها من کل اعتداء أو ضرر یصیبها أو مجرد تعریضها للخطر، وهذه هی الغایة الأساسیة من تشریع النصوص الجنائیة. لذلک تعرف المصلحة فی مجال القانون الجنائی عموماً بأنها (المنفعة محل الحمایة القانونیة التی یضفیها المشرع على الحق المعتدى علیه أو المهدد بالاعتداء). وتعرف کذلک بأنها (مجموع الثوابت أو القیم الأساسیة لمجتمعٍ معین فی وقتٍ معین وتتمتع بالحمایة التی توفرها النصوص القانونیة، لتحقیق المنافع المطلوبة من هذه الحمایة).
وعند تتبع أحکام قانون الاتجار بالبشر یلاحظ أن سیاسة المشرع جاءت بمفهوم مختلف فی مجال المصلحة محل الحمایة، ویتجلى ذلک من خلال أنها حفظت حقوق الضحیة من جانب وحمى المجتمع من جانب أخر، فجرائم الاتجار تشکل انتهاک صارخ لمبادئ الکرامة الإنسانیة ویتجلى ذلک من خلال استلال الفرد بأبشع صور الاستغلال بجعله سلعة أو محل لغرض التربح المادی، سواء کان ذلک فی مجال التسول أم الدعارة أم السخرة والاسترقاق والبیع والشراء للأعضاء البشریة وغیرها، والجانب الاجتماعی للمصلحة یکون بحمایة المجتمع من آفات السلوکیات المجرمة کالتسول والدعارة وغیرها والاستغلال الاقتصادی للأفراد بوصفهم لبنة المجتمع ومکونه الأساسی فلا یجوز للفرد التصرف بنفسه وبیع حریته أو القبول بالخضوع للإتجار وقد عبر عن ذلک بصورة صریحة نص المادة (10) من قانون مکافحة الاتجار بالبشر العراقی وجاء بها (لا یعتد بموافقة ضحایا جریمة الاتجار بالبشر فی کل الأحوال) وهذا ما یدلل على أن المصلحة من التجریم متعلقة بالجانب الاجتماعی وأن کانت تتضمن حمایة الفرد بالدرجة الأولى. وعند الرجوع الى الأسباب الموجبة للقانون یتضح أن المصلحة والغایة الأساسیة من تشریع أحکام القانون هی حمایة الکرامة الإنسانیة من أن تهان وتذل، لذلک لم یشترط المشرع أن تتحقق نتیجة الاتجار الإجرامیة باعتماده على فکرة الخطر للوقایة من أثار هذه الجرائم، وکذلک تغلب على صعوبة إثبات العلاقة السببیة وهذا کله ینبع من سیاسته الجنائیة الخاصة فی أحکام هذا القانون.
المطلب الرابع
سیاسة المشرع الجنائیة فی الرکن المعنوی لجریمة الاتجار بالبشر
أن القصد الجنائی هو جوهر الرکن المعنوی ویتمثل فی نیة واستعداد نفسی للجانی، بإقدامه على ارتکاب أی من النشاطات الإجرامیة التی یتکون منها سلوک الجریمة. وفی جریمة الاتجار بالبشر نجد القصد الجنائی یکون إرادة تحقیق أفعال الاتجار وتتمثل فی اقتراف أی نمط من أنماط السلوک الإجرامی کالنقل أو الإیواء أو التجنید ...الخ، وذلک یتم عن علم مسبق بطبیعة الأفعال الجرمیة والغایة ونتائجها وبإرادة إجرامیة متجهة نحو تحقیق ذلک، وأن رجعنا لأحکام قانون مکافحة الاتجار بالبشر وتحدیداً ما اقره فی نص المادة (1 بفقرتها الأولى) نجده قد حدد الهدف الذی یصبو له الجانی من اقترافه للسلوک الإجرامی وذلک من خلال سیاسته الجنائیة التی اتبعها فی أحکام ذلک القانون، وذلک أن دل على شیء فأنه یدل على أن المشرع الجنائی قد تطلب قصداً خاصاً لهذه الجرائم بالإضافة الى القصد العام.
فالقصد الخاص عنصر مهم من الرکن المعنوی فی کثیر من الجرائم، ویستخلص من خلال عبارات النص ومقاصدها، ویتمیز بنیة خاصة إی بباعث أو غایة خاصة تحرک إرادة الفاعل وتدفعها لارتکاب السلوک المجرم، فهو أذاً نیة واعیة تتعلق بأمرٍ معین یمتثل بتفکیر الجانی ویتجه له هواه مما یزید من تصمیمه على الإقدام لإتیان الفعل المجرم، ومن الواضح أن سیاسة المشرع الجنائیة فی قانون مکافحة الاتجار بالبشر قد حددت النیة الخاصة والباعث البعید من وراء اقتراف أی صورة من صور السلوک المجرم التی حددها النص ویتجلى ذلک من خلال نص المادة (1) والتی تضمنت (أولاً: .. تجنید أشخاص أو نقلهم أو إیوائهم أو استقبالهم... بهدف بیعهم أو استغلالهم فی أعمال الدعارة أو الاستغلال الجنسی أو السخرة أو العمل ألقسری أو الاسترقاق أو التسول أو المتاجرة بأعضائهم البشریة أو لأغراض التجارب الطبیة...) والقصد الخاص یمکن استنتاجه من الهدف (النتیجة) الذی یراد تحقیقه من ارتکاب السلوک المجرم ویتمثل فی نیة تحقیق أغراض الاتجار التی حددها النص بصورة واضحة أی استغلال محل النشاط الاجرامی فی إحدى الصور الوارد ذکرها سابقاًکما جاء فی سیاق النص عبارة (...بهدف بیعهم أو استغلالهم...) إذ لا بد من توافر القصد الخاص والذی یتمثل بنیة الاتجار بالبشر لغرض البیع أو الاستغلال بالتسول والدعارة وغیر ذلک من النتائج التی یراد تحقیقها من أفعال الاتجار.
المبحث الثانی
السیاسة الجنائیة فی أثار جرائم الاتجار بالبشر وآلیات مکافحتها
ینتج عن ارتکاب جریمة واکتمال ارکانها وعناصرها أثار عدیدة أهمها ألأثر الجزائی المتمثل بالعقاب أو التدبیر الذی یحدده النص الجنائی على اقتراف الفعل المجرموأن کانت العقوبة هی الأثر القانونی الأبرز للجریمة لکن هناک جملة أثار أخرى للجریمة فی المجال الاجتماعی أو النفسی والجسدی على ضحایاها ولذا تهتم النصوص القانونیة بتلک الجوانب، ویتجلى ذلک من خلال النص على جملة تدابیر وإجراءات صحیة أو اجتماعیة أو اقتصادیة، وحسب ما تتطلبه عملیة مکافحة الجریمة ومعالجة أثرها السلبی سواء على الفرد أم على المجتمع، وهذا الأمر یحتاج الى جملة تدابیر تتناسب مع خطورة الجریمة وأثرها السلبی، ومن جانب أخر تحتاج الى آلیات مناسبة لمتابعة تلک الجرائم والحد منها قدر الإمکان، وهنا لابد من بحث سیاسة المشرع الجنائیة فی قانون مکافحة الاتجار بالبشر فی مجال العقوبات التی فرضها على مرتکب السلوک الجنائی للجریمة وما هی التدابیر التی فرضها لمعالجة الآثار السلبیة لتلک الجریمة على الضحایا من الجوانب الاجتماعیة والصحیة والثقافیة والاقتصادیة، وکذلک بحث موضوع الآلیات أو الإجراءات المتخذة للحد من تلک الجریمة.
سنبین هنا سیاسة العقاب فی قانون مکافحة الاتجار بالبشر والتدابیر القانونیة والاجتماعیة الأخرى المترتبة على اقتراف الجریمة وکذلک نوضح فیه سیاسة المشرع الجنائیة فی مجال التدابیر والآلیات للقضاء على تلک الجرائم والحد من اقترافها وضمن المطالب الآتیة:-
المطلب الأول
سیاسة المشرع الجنائیة فی العقاب على جرائم الاتجار
أن العقوبة الجزائیة کما هو معروف تمثل أهم الآثار المترتبة على ارتکاب الجریمة وتحقق مسؤولیة الجانی عنها، وأن السیاسة الجنائیة الناجحة فی مجال العقوبات تکون فی فرض العقاب المناسب على الأفعال الإجرامی من حیث الکم والنوع، وعند الرجوع لأحکام قانون مکافحة الاتجار بالبشر تتضح لنا سیاسة المشرع الجنائیة فی هذا المجال وتحدیداً فی نصوص المواد (5-6-7-8-9) إذ نجد أنه قد وضع مجموعة من العقوبات وإذا بحثنا موضوعها فی هذا القانون وکیف کانت سیاسة المشرع فی تنظیمها؟ نجد أنها تمیزت بعدة خصائص وأهمها:
أولاً: أن المشرع الجنائی فی نصوص المواد المذکورة سلفاً قد أعتمد على الجمع بین نوعین من العقوبات، العقوبات السالبة للحریة (السجن أو الحبس) والعقوبات المالیة (الغرامة) مع التغلیظ بالعقوبة على الجانی فی هذه الجرائم، وفرض عقوبة الإعدام فی حالة واحدة إذا أدى فعل الاتجار الى موت الضحیة وهذا ما نجده فی نص المادة (8). أما فی المادة (5) بفقرتها (الأولى) إذ جاء فیها (أولاً - یعاقب بالسجن المؤقت وبغرامة لا تقل عن (5000000) خمسة ملایین دینار ولا تزید عن (10000000) عشرة ملایین دینار کل من ارتکب أحد الأفعال المنصوص علیها فی المادة 1) وهذه السیاسة التی أتبعها المشرع فی التأکید على الجمع بین نوعین من العقوبات السالبة للحریة والمالیة لمکافحة هذه الجرائم التی یکون الدافع منها الاتجار والتربح المالی من إتیان الأفعال المجرمة فهنا جاءت سیاسة العقاب بفرض نوع معین من العقاب یتماشى ویتلاءم من النوایا والدوافع الإجرامیة لهذه الجرائم.
ثانیاً: کما اعتمدت سیاسة المشرع العراقی الجنائیة على التشدید فی العقاب فی بعض حالات الاتجار، وهی أما أن تکون متعلقة بالسلوک کطریقة ارتکابه کما جاء فی المادة (5) بفقرتها (الثانیة) إذ وضعت حداً واحد بالنسبة للعقوبة السالبة للحریة والعقوبة المالیة، عقوبة السجن مدة لا تزید على 15 خمسة عشرة سنة وبغرامة لا تزید على (10000000) عشرة ملایین دینار فی حالة ارتکاب الجریمة بوسیلة الإکراه أو الابتزاز أو التهدید أو حجز وثیقة سفر أو ما شابه للضغط على الضحیة، وکذلک استخدام وسائل الاحتیال والتدلیس، أو إعطاء مبالغ مالیة للحصول على موافقة شخص له سلطة على الضحیة کالأب والولی والوصی، ویلاحظ أن هذه الظروف مکررة فجریمة الاتجار کما سبق بالمبحث الأول السلوک الإجرامی فیها موصوف لم یکن بسیط وبالتالی أن التشدید ووضع حدین للعقوبة فی حالة السلوک الموصوف والبسیط أمر لم توفق به سیاسة المشرع الجنائیة فی العقاب، لأن السلوک قد جاء موصوف بالأساس، وبالتالی نجد أن الفقرة زائدة فی نص المادة (5) وتحتاج الى مراجعة بحذف أحدى الفقرتین وتوحید حدود العقوبة بحدٍ واحد.
کما جاء التشدید فی المادة (6)إذ وضعت عقوبة السجن المؤبد وغرامة لا یقل مقدارها عن (15000000) خمسة عشرة ملیون دینار ولا یزید على (25000000) خمسة وعشرون ملیون، فی العدید من الحالات وهی أما متعلقة بجانب النتیجة الإجرامیة أو بشخص الضحیة أو بمرتکب جریمة الاتجار هذا ما جاءت به إذ نتج عن فعل الاتجار مرض خطیر أو لا یرجى شفاءه حسب ما یثبته علم الطب أو إذا تکرر فعل الاتجار أو کان مرتکب بواسطة منظمة إجرامیة عابرة للحدود أو کان مرتکب فعل الاتجار ذو صفة کالموظف أو الولی أو الوصی على الصغیر وهنا کذلک جاء التشدید على طریقة ارتکاب الفعل أی الوصف عند استعمال طرق الاختطاف أو التعذیب أو استغلال ضعف الضحیة وحاجته.
ثالثاً: فرض المشرع عقوبة خاصة للشخص المعنوی کجزء من سیاسته الجنائیة لمکافحة الاتجار بالبشر ووضع حدین أو عقوبتین الأولى فی حالة اشتراکه فی ارتکاب أی من أفعال الاتجار وهذا الاشتراک بأی صورة من صور المساهمة الجنائیة التبعیة کالتسهیل والمساعدة أو الاتفاق أو قد تأخذ صورة التحریض والترویج لأفعال الاتجار المجرمة، وهذا ما بینته المادة (9) بفقرتها الأولى إذ النص على (أولاً - یعاقب بغرامة لا تقل عن (5000000) خمسة ملایین دینار ولا تزید على (25000000) خمسة وعشرین ملیون دینار کل شخص معنوی ثبت اشتراکه بالجریمة أو ارتکب الجریمة باسمه أو لحسابه أو لمنفعته ولا یخل هذا بالعقوبة التی تقرر بحق المدیر المفوض أو المسئول عن إدارة الشخص المعنوی إذا ثبت اشتراکه فی الجریمة). أما العقوبة الثانی والأشد هی ما قرره فی الفقرة الثانیة من المادة نفسها إذ وضع عقوبة الحل النهائی للشخص المعنوی وإیقاف نشاطه بصورة مؤقتة أو غلق مقره أو الفرع التابع له إذا ثبت أنه مرتکب لأی فعل من أفعال الاتجار، وهذه الحالة إذا کان هذا الشخص المعنوی فاعلاً أصلیاً ولیس مجرد مساهم تبعی فی اقتراف تلک الجرائم، ومن جانب أخر أن هذه العقوبة جعلها المشرع جوازیة ولیست وجوبیة کما یفهم من صیاغة نص الفقرة إذ جاء فیها (للمحکمة حل الشخص المعنوی أو إیقاف نشاطاته بصورة نهائیة أو مؤقتة أو غلق مقره إذا ثبت ارتکابه لأحد الأفعال المنصوص علیها فی هذا القانون) وهنا استعمل المشرع الجنائی لام الجواز عندما صرح بذلک فی بدایة الفقرة بالقول (للمحکمة) ولم یقول (على المحکمة) وهذا جزء من سیاسته الجنائیة فی مجال إفساح المجال للسلطة التقدیریة للقضاء، علماً أن المشرع الجنائی هو من یحدد نطاق السلطة التقدیریة للقاضی کجزء من سیاسته فی التجریم والعقاب، فالسلطة التقدیریة تعد وسیلة تدخل فی ممارسة حقها فی توقیع العقاب.
المطلب الثانی
سیاسة المشرع الجنائیة فی التدابیر الاجتماعیة وآلیات الحد من جرائم الاتجار
عادة ما یحدد المشرع الجنائی لا سیما فی القوانین الخاصة آلیات مکافحة الفعل المجرم کجزء من سیاسته الجنائی، ویحدد کذلک مجموعة من التدابیر والخطوات المناسبة لمعالجة الآثار السلبیة الناتجة عن اقتراف السلوک المجرم، سواء کانت صحیة أم ثقافیة أم اقتصادیة...الخ، إذ أن الجانب الوقائی للسیاسة الجنائیة مهم، ویتمثل فی وضع سیاسة شاملة لمنع الاتجار بالبشر من خلال دراسة الواقع ووضع التشریعات اللازمة للحد من تلک الجرائم، وکذلک تعویض ودعم ورعایة الضحایا فی الجوانب المالیة والصحیة والنفسیة والتعلیمیة وغیرها للتخفیف من اثر أفعال الاتجار علیهم. وهنا سنتتبع سیاسة المشرع الجنائیة فی أحکام قانون مکافحة الاتجار فی مجال التدابیر المتخذة للحد من اثر الاتجار على الضحایا وکذلک نبین سیاسته فی کیفیة إعداد آلیات وإجراءات الحد من تلک الجرائم، وضمن الفرعیین الآتیین:-
الفرع الأول
التدابیر الاجتماعیة لمساعدة ضحایا الاتجار
تضمنت سیاسة المشرع الجنائیة فی قانون مکافحة الاتجار مجموعة من التدابیر المتنوعة لرفع الآثار السلبیة لتلک الجرائم عن الضحایا أو التخفیف منها، وجاء ذلک فی المادة (11) القول على أنه (تلتزم دوائر الدولة المعنیة بمساعدة ضحایا الاتجار بالبشر مع مراعاة الاحتیاجات الخاصة للأطفال...) وهنا بینت واجباً على دوائر ومؤسسات الدولة وهو الالتزام بمساعدة الضحایا بالإمکانیات المتوفرة وکلاً حسب اختصاصه کما صرحت بذلک، وأن رجعنا لما تضمنته أحکام هذه المادة لوجدنا أنها بینت العدید من الوسائل لمساعدة ضحایا الاتجار وبمجالات عدیدة، منها الصحیة والاقتصادیة والثقافیة والنفسیة کما خصت فی حکمها مساعدة الضحایا الاجانب من غیر العراقیین إذ من الممکن أن تکون الضحیة شخص أجنبی، إذ أن جرائم الاتجار بالبشر من الممکن أن تأخذ طابعاً دولیاً، وبینت فی حکمها امرین مهمین، الأول هو الوجوب والالزام على دوائر الدولة ومؤسساتها التنفیذیة بالقیام بمساعدة فئة ضحایا جرائم الاتجار وهذا الأمر واضح من خلال صیاغة المادة (11) إذ جاءت بها عبارة (تلتزم دوائر الدولة المعنیة بمساعدة ضحایا الاتجار...)، والثانی جاء فیها التأکید على خصوصیة فئة الاطفال عندما یصبحوا ضحیة للإتجار ووجوب مراعات تلک الفئة الضعیفة ومساعدتها، ومما یلاحظ على حکم هذه المادة أنها لم تبین خصوصیة فئة ذوی الاحتیاجات الخاصة کالإعاقة عندما یکونوا ضحایا عملیة الاتجار، ووجوب مراعاتهم کما هو الحال بالنسبة للأطفال عند معالجة اثار هذه الجرائم علماً أن شخص الضحیة له أثر فی تشدید العقاب أن کان من ذوی الاحتیاجات الخاصة کما بینت ذلک الفقرة (ثانیاً) من المادة (6) من قانون مکافحة الاتجار.
الفرع الثانی
الآلیات المحددة لمکافحة جرائم الاتجار
أعتمد المشرع الجنائی فی قانون مکافحة الاتجار على آلیات محددة لغرض متابعة جرائم الاتجار بالبشر وهی عبارة عن استحداث لجان مختصة وتکون على مستویین مرکزی وإقلیمی، لغرض متابعة جرائم الاتجار بالبشر ومکافحتها، وجاء النص على تشکیل هذه اللجان وتحدید آلیات عملها واختصاصها ضمن نص المادة (2) من قانون مکافحة الاتجار إذ بینت (تشکل لجنة فی وزارة الداخلیة تسمى بـــ (اللجنة المرکزیة لمکافحة الاتجار بالبشر) مع ممثلی الأقالیم والمحافظات غیر المنتظمة فی إقلیم والوزارات والجهات ذوات العلاقة تتولى تحقیق أهداف القانون) ثم جاءت المادة (3)لتبین أهداف تشکیل هذه اللجنة ونطاق عملها واختصاصها. ثم بینت کذلک المادة (4) أن لجان أخرى تسمى اللجان الفرعیة وتکون على مستوى الأقالیم.
وما یلاحظ على سیاسة المشرع الجنائیة أنه أعتمد فی تشکیل اللجان التنفیذیة وجعلها على مستویین (لجنة مرکزیة بوزارة الداخلیة ولجان فرعیة فی الأقالیم والمحافظات) واللجان الفرعیة مرتبطة باللجنة المرکزیة فی وزارة الداخلیة بوصفها الجهة التنفیذیة والمعنیة بذلک الموضوع، مع أمکانیة مشارکة الجهات التنفیذیة الأخرى المعنیة بذلک کوزارة الصحة والعدل والعمل والتربیة والثقافة وغیرها من الجهات التی یمکن أن تکون معنیة، لکن جرائم الاتجار بالبشر تحتاج الى جهود أکبر من ذلک وتعاون أوسع من جهات أخرى ومعنیة بهذا الأمر سواء من الجانب التنفیذی أم القانونی أم القضائی، لذا نرى أن یعدل نص المادة (2) و(4) بإضافة عنصر قضائی وتحدد الجهات التنفیذیة بشکل أوضح، وکذلک لابد أن یکون لجهات أخرى کمنظمات المجتمع المدنی عموماً ولا سیما المعنیة بحقوق الإنسان دور ومشارکة فعالة للحد من تلک الجرائم ومکافحتها والقضاء علیها.
الخاتمـة
نبین هنا أهم ما توصلنا إلیه من نتائج حول موضوع السیاسة الجنائیة فی قانون مکافحة الاتجار، ومن ثم نطرح مما نراه من توصیات فی هذا الموضوع وذلک ضمن الفقرات الآتیة:
أولاً: الاستنتاجات
- أن السیاسة الجنائیة فی جرائم الاتجار جاءت متمیزة فی جوانب التجریم والعقاب وهذا ما استنتج من خلال بحث سیاسة التجریم والعقاب، إذ تمثل هذه الجرائم أقصى حدود الانتهاک للقیمة الإنسانیة بالإهانة والاحتقار لکیان الفرد وکرامته من خلال الاتجار به واستغلاله للتربح المادی.
- استخدم المشرع الجنائی فی میدان التجریم أسلوب النماذج الإجرامیة المتعددة فلم یحصر السلوک الإجرامی بصورة واحدة بل جعله متعدد حسب صور وأنماط الاتجار التی یمکن أن یتم بها الاستغلال والاتجار بالضحایا.
- اعتمدت سیاسة المشرع الجنائی على فکرة الخطر بالنسبة للنتائج الإجرامیة وأن حددت النتائج والغرض الذی یروم لتحقیقه الجانی من اقتراف السلوک المجرم.
- لاحظنا أن المصلحة فی التجریم والعقاب التی اعتمدتها سیاسة المشرع الجنائیة فی قانون مکافحة الاتجار جاءت بمفهوم ذو وجهین الأول هو حمایة مصلحة الفرد بالحفاظ على کیانه وحریته وجسده، والجانب الآخر یتمثل بالبعد الاجتماعی لهذه الجرائم وذلک بالحفاظ على بنیان المجتمع ومکونات بنائه الأساسیة المتمثلة بالأفراد ولذلک أن موافقة الضحیة فی أن تکون محل للإتجار لا یحول دون تطبیق أحکام التجریم والعقاب.
- ما یتعلق بالآثار الجزائیة وتحدیداً العقوبة اعتمدت السیاسة الجنائیة فی قانون مکافحة الاتجار على نوعین من العقوبات وهی السالبة للحریة والمالیة (السجن والحبس والغرامات المالیة) وفرض عقوبة الإعدام فی حالة واحد إذا تسبب فعل الاتجار بموت الضحیة هذا بالنسبة للشخص الطبیعی، أما الأشخاص المعنویة فقد شملها نطاق العقاب والتجریم إذ فرض علیها عقوبة الحل أو الإیقاف من مزاولة النشاط کحد أقصى للعقوبة وفرضت کذلک العقوبات المالیة الغرامات کذلک، إذا ثبت اشتراکها فی أعمال المتاجرة فی البشر.
- تبنت سیاسة المشرع الجنائیة فی قانون مکافحة الاتجار سیاسة جنائیة وقائیة وعلاجیة بالوقت نفسه، إذ نص القانون على تشکیل لجان مرکزیة وفرعیة بهدف مکافحة ظاهرة الاتجار بالبشر من خلال متابعتها ورصدها وتقدیم أفضل السبل للوقایة منها أو للحد من أثارها السلبیة على الضحایا، ومن جانب آخر تضمن القانون جملة من التدابیر المناسبة للحد من الأثر السلبی لهذه الجرائم على الضحایا إذ وضع جملة واجبات على الجهات المعنیة تقدیمها لضحایا عملیات الاتجار المجرمة وهی متنوعة فی مجالات عدیدة صحیة واجتماعیة واقتصادیة وثقافیة ونفسیة حسب حالة الضحیة وما تحتاج له للتخفیف من معاناتها أو تعویضها.
ثانیاً: التوصیات
نطرح هنا أهم ما نراه من مقترحات فی أحکام التجریم والعقاب فی نصوص قانون مکافحة الاتجار بالبشر وضمن النقاط الآتیة :-
- نوصی بان یتم التأکید على خصوصیة فئة ذوی الاحتیاجات الخاصة کالإعاقة أن کانت ذهنیة أو جسدیة عندما یکونوا ضحایا عملیة الاتجار، ووجوب مراعاتهم کما هو الحال بالنسبة للأطفال عند معالجة آثار هذه الجرائم وذلک بإدراج فقرة خاصة بهم ضمن أحکام المادة (11).
- نرى أن یعدل نص المواد (2) و(4) بإضافة عنصر قضائی وتحدد الجهات التنفیذیة بشکل واضح، کون هذه الجرائم تحتاج الى جهود أکبر من السلطات کافة وتعاون أوسع من الجهات الأخرى المعنیة بهذا الأمر، سواء من الجانب التنفیذی أم القانونی أم القضائی.
The Authors declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
First: Books.
- Dr. Ahmed Shawqi Omar Abu Khatwa, Crimes of Public Exposure, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1999.
- Dr. Ahmed Abdel-Zaher, Special Criminal Laws - General Theory, 1, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 2010.
- Dr. Ahmed Fathi Sorour, Foundations of Criminal Policy, Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 1972.
- Dr. Ahmed Fathi Sorour, Mediator in the Penal Code - General Part, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1981.
- Dr. Dham Akram Omar, Human Trafficking - Comparative Study, Dar al Kutub al Qanounia Offese, Cairo, 2011.
- Dr. Samir Al-Shennawi, Initiation of the Crime - A Comparative Study, I 3, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1992.
- Dr. Fawzia Abdel Sattar, Explanation of the Penal Code - General Part, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1992.
- Mohamed Diab Sattam, Penal Protection of Social Peace – A Comparative Study, Dar al-Senhoury, Beirut, Lebanon, 2017.
- Dr. Mohamed Awad, Penal Code - General Part, Dar al Jamia al Jadeeda, Alexandria, 1987.
- Dr. Mohamed Yahya Matar et al., International Efforts in Combating Trafficking in Human Beings, Vol 1, Naif Arab University for Security Sciences, Saudi Arabia, 2010.
- Dr. Mahmoud Naguib Hosny, The General Theory of Criminal Intent, 3rd ed., Dar al Nahdha al Arbiyya, Cairo, 1988.
- Dr. Mahmoud Naguib Husni, Causality Relationship in the Penal Code, Dar al-Nahda al-Arabiya, Cairo, 1983.
Second: Theses And Dessertations.
- Talal Abd Hussein Al-Badrani, Criminal Jurisdiction, PhD thesis, University of Mosul - Faculty of Law, 2002.
- Abdul Aziz bin Hamoud bin Abdullah Al-Shathri, Begging in the Saudi Trafficking System – A comparative study, Muster degree, Thesis, Naif Arab University for Security Sciences - College of Graduate Studies, Riyadh, Saudi Arabia, 2010.
- Mohammed Abbas Hamoudi al Zubaidi, Theory of Interest in Criminal Appeal A Comparative Study, PhD Thesis, Faculty of Law - University of Mosul, 2006.
Third: Researches.
- Ala Mohammad Askar, The Effectiveness of the Anti-Human Trafficking Act in Iraq to the requirements of combating the crime of trafficking in women - a comparative analytical study, Qadisiyah Journal of Law and Political Science, University of Qadisiyah, Volume 9, p.1, 2018.
- Dr. Hassanein Ibrahim Saleh Obaid, The Idea of Interest in the Penal Code, National Criminal Code, Volume 17, p. 2, National Center for Social and Criminal Research, Cairo, 1974.
- Dr. Nawal Tariq Ibrahim, The offense of Trafficking in Persons, Journal of Legal Sciences, Volume 26, p.1, University of Baghdad, 2011.
- Dr. Nofal Ali Abdullah Al-Safo, Legal Drafting Techniques for Criminal Texts, Journal of the Faculty of Law for Legal and Political Sciences, Volume 2, Issue 6, University of Kirkuk, 2013.
Fourth: Lawsi.
- Iraqi Penal Code No. (111) for the year 1969.
- Anti-Prostitution Law No. 8 of 1988.
- Anti-Human Trafficking Law No. (28) for the year 2012.
- Law on Transplantation of Human Organs and Prevention of Trafficking in it No. 11 of 2016.
Fifth: Official newspapers.
- The Iraqi Events Official Journal. Vols: 3186 on 25/1/1988, 4236 on 23/4/2012, 4405 on 16/5/2016.
Sixth: Internet Sites.
- Judge Mohammed Malhan Al-Dulaimi, Article on the Law against Trafficking in Human Beings No. (28) of 2012, published on the Internet, website: https://www.hjc.iq/view.1857