مضمون العقد کرکن جدید من أرکان العقد فی القانون المدنی الفرنسی دراسة تحلیلیة مقارنة بالقانون الإنکلیزی والعراقی-(*)-
|
یونس صلاح الدین علی
کلیة القانون والعلاقات الدولیة والدبلوماسیة/ جامعة جیهان الخاصة
Yunus Salahuddin Ali
College of Law International Relations and Diplomacy/University of Cihan Private
Correspondence:
Yunus Salahuddin Ali
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 16/8/2018 *** قبل للنشر فی 4/10/2018.
(*) Received on 16/8/2018 *** accepted for publishing on 4/10/2018.
Doi: 10.33899/alaw.2019.163118
© Authors, 2019, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
یعد مضمون العقد رکناً جدیداً من أرکان العقد فی القانون المدنی الفرنسی بعد التعدیل الجذری الذی أجراه المشرع الفرنسی على القانون المدنی لعام 1804. وتناول على وجه التحدید قانون العقود والنظریة العامة للالتزامات والإثبات، وذلک بمقتضى المرسوم ذو الرقم (n° 2016-131)الصادر فی العاشر من شباط/ فبرایر عام 2016، والذی صار نافذ المفعول فی الأول من أکتوبر/ تشرین الأول من نفس العام. ولعل من أبرز التعدیلات هی إضافة المادة (1128) الجدیدة إلى القانون المدنی الفرنسی والتی حددت أرکان العقد بالتراضی والأهلیة ومضمون العقد المشروع والمؤکد، وإلغاء المادة (1108) القدیمة من هذا القانون. وعلى الرغم من أن القانون الانکلیزی لا یعرف فکرة السبب کرکن مستقل من أرکان العقد، إلا أنه عوض عنها عن طریق رکن مقابل الالتزام بالوعد، فضلاً عن بعض المبادئ القانونیة، کمبدأ استحالة تنفیذ الالتزام التعاقدی، ومبدأ عدم مشروعیة العقد. أما القانون المدنی العراقی رقم (40) لسنة 1951 فإنه لا یزال متمسکاً برکن السبب کرکن مستقل من أرکان العقد، فضلاً عن رکنی التراضی والمحل. إلا أنه یمتلک البدائل اللازمة للتخلص من رکن السبب.
Abstract
The content of the contract is considered as a new basic element of the contract in the French civil code، after the which the French legislator introduced as a reform to the civil code of 1804، and particularly to the contract law and of the obligations’ general and evidence rules. According to the ordinance n° 2016-131 dated February 10، 2016. And came into effect on 10 february 2016. And the most important of which may be the addition of the article (1182) to the civil code، which determined such three basic elements to the validity of the contract as the consent، the capacity to contract، and the licit and certain content of the contract. And cancelled the old article (1108) .. And although the English common law has not included the cause as an independent basic element of the contract، but it made up for it by the element of the consideration، and such other doctrines as illegality، frustration. Whereas the Iraqi Civil law No. (40) of 1951 is still abide by the element of cause as an independent basic element of the contract، as wll as the elements of the consent and object. But the alternatives are available to get rid of the element of cause.
المقدمـة
أولاً: مدخل تعریفی بموضوع البحث: یتکون العقد فی القوانین اللاتینیة وعلى رأسها القانون المدنی الفرنسی على وجه الخصوص، فضلاً عن القوانین التی تأثرت بها کالقانون المدنی العراقی رقم (40) لسنة 1951 من ثلاثة ارکان هی التراضی والمحل والسبب، خلافاً لقانون الأحکام العام الإنکلیزی العرفی والمبنی على السوابق القضائیة، والذی یقوم العقد الرضائی البسیط فی ظله على ثلاثة أرکان أیضاً وهی التراضی والنیة التعاقدیة لإنشاء الالتزام والعوض أو مقابل الالتزام بالوعد. وهی أرکان یختلف بعضها عن الأرکان الراسخة فی ظل نظریة العقد فی القوانین اللاتینیة. إلا أن المشرع الفرنسی أصدر مرسوماً برقم (n°2016-131)فی العاشر من شباط/ فبرایر عام 2016(10 février 2016)أجرى فیه العدید من التعدیلات الجذریة، وعلى نطاق واسع على قانون العقود والنظریة العامة للالتزامات والإثبات، والذی صار نافذاً فی الأول من أکتوبر/ تشرین الأول من نفس العام. إلا أن تعدیل الأبرز من بین تلک التعدیلات الجوهریة التی شملت القانون المدنی الفرنسی، والتی طالت النظریة العامة للالتزامات، فقد تمثل بإلغاء رکن السبب بمفهومه القدیم. والتخلص من النظریة التقلیدیة للسبب نهائیاً، والمحافظة على مفهوم السبب وفقاً للنظریة الحدیثة ضمنیاً بعد أن أدمج بالمحل ضمن رکن جدید لم یکن معروفاً سابقاً هو رکن مضمون العقد المشروع والمؤکد، واختفاء مصطلحی المحا والسبب من أرکان العقد. ویبدو بأن المشرع الفرنسی أحیا الجدل الفقهی السابق الذی أثاره الفقیه الفرنسی الکبیر مارسیل بلانیول بشأن عدم جدوى رکن السبب، وحسم الجدل هذه المرة لمصلحة رأی هذا الفقیه. ویکون قد اقترب بذلک ایضاً من رکن مقابل الالتزام بالوعد السائد فی القوانین الأنکلوسکسونیة عموماً، والقانون الانکلیزی على وجه الخصوص.
ثانیاً: أسباب اختیار موضوع البحث: إن السبب الرئیس فی اختیار موضوع البحث هو محاولة دراسة التغییرات الجذریة التی أجراها المشرع الفرنسی على قانون العقود والنظریة العامة للالتزامات، والاستفادة منها ومن الاتجاهات التی تبناها القضاء الانکلیزی، والمتمثلة بالسوابق القضائیة للمحاکم الانکلیزیة فی تحدید مضمون العقد فی القانون المدنی العراقی عن طریق بعض المفاهیم المقاربة له.
ثالثاً: أهمیة البحث: تکمن أهمیة البحث فی التعدیل الکبیر والتغییر الجذری الذی طرأ على القانون المدنی الفرنسی مؤخراً، والذی تناول وعلى وجه الخصوص الکثیر من الثوابت الراسخة فی هذا القانون، وهو التعدیل الأهم والأخطر منذ صدوره لأول مرة عام 1804. مع إمکانیة الاستفادة من من التعدیلات الجذریة الواسعة النطاق التی جرت على القانون المدنی الفرنسی لعام (1804)، وتمت بمقتضى المرسوم بقانون ذو الرقم (n° 2016-131)والذی اصدره المشرع الفرنسیفی العاشر من شباط/ فبرایر عام 2016(10 février 2016) لتعدیل قانون العقود والنظریة العامة للالتزامات والإثبات لصیاغة اقتراحات لتعدیل أرکان العقد فی القانون المدنی العراقی، أسوة بالقانون المدنی الفرنسی، ومواکبة للتغیرات الجذریة التی طرأت علیه. على الرغم من أن القانون المدنی العراقی تأثر بالفقه الإسلامی، إلا أنه لا ینکر تأثره بالقانون المدنی الفرنسی. لأن القانون المدنی المصری هو مصدر رئیس من مصادر القانون المدنی العراقی.
رابعاً: مشکلة البحث: تکمن مشکلة البحث فی التغییر الجذری الذی أجراه المشرع الفرنسی على أرکان العقد الراسخة الجذور فی القانون المدنی ومنذ أمد بعید وذلک بدمج رکنین بارزین من أرکانه وهما المحل والسبب وفقاً للنظریة الحدیثة، ودمجهما فی رکن جدید هو مضمون العقد. مع إلغاء رکن السبب نهائیاً وفقاً للنظریة التقلیدیة. والسؤال المطروح هو هل یمکننا الاستفادة من هذا الرکن الجدید والجزاء المترتب على تخلفه فی القانون المدنی العراقی، وذلک لغرض اقتراح نظام قانونی جدید یحکم أرکان العقد فی القانون المدنی العراقی؟. وهل أن الأساس القانونی متوافر فی القانون المدنی العراقی للتخلص نهائیاً من رکن السبب أسوة بالقانون المدنی الفرنسی، وبناء العقد على رکن آخر یکون أکثر شمولاً من رکن المحل، ویستوعب فی نفس الوقت رکن السبب ویقوم مقامه؟. وذلک لأن الإبقاء على السبب بمفهومه القدیم وفقاً للنظریة التقلیدیة لا فائدة له، ولکونه مصدر للخلط والاضطراب. ففی العقود الملزمة للجانبین یمکن إبطال العقد بفکرة المحل والارتباط بین الالتزامات. وفی العقود العینیة فإن انعدام السبب ما هو إلا انعدام العقد ذاته. أما عقود التبرع فیکفی أن ینص القانون على بطلانها إذا کان الباعث غیر مشروع أو مخالفاً للنظام العام والآداب. أما السبب وفقاً للنظریة الحدیثة، فعلى الرغم من أهمیته وتسلیم الفقه والقضاء به، فإن دمجه بالمحل تحت مسمى جدید هو مضمون العقد أو مقتضاه یجعل عملیة انعقاد العقد أیسر نتیجة تجانس المفاهیم القانونیة وتوحدها، مقارنة بوجود مفاهیم مختلفة کمفهومی المحل والسبب.
خامساً: نطاق البحث: یتسع نطاق هذه الدراسة لیشمل البحث فی مضمون العقد المشروع والمؤکد کرکن جدید من ارکان العقد فی القانون المدنی الفرنسی، من حیث تعریفه وخصائصه وطبیعته القانونیة والجزاء المترتب على تخلف شروطه، مقارنةً بموقف القانونین الانکلیزی والعراقی.
سادساً: منهجیة البحث: انتهجت الدراسة منهج البحث القانونی التحلیلی المقارن، بإجراء تحلیل قانونی لمضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی ومقارنته بموقف القانونین الانکلیزی والعراقی.
سابعاً: خطة البحث: فی ضوء ما تقدم فقد توزعت هذه الدراسة على ثلاثة مباحث وکما یأتی:
المبحث الأول:مفهوم مضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
المبحث الثانی: عناصر مضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
المبحث الثالث: الجزاء المترتب على تخلف شروط مضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
المبحث الأول
مفهوم مضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
لقد صار مضمون العقد رکناً جدیداً ومستقلاً من أرکان العقد فی القانون المدنی الفرنسی بعد التعدیل الجوهری الذی أجری علیه بمقتضى مرسوم عام 2016المتعلق بتعدیل قانون العقود والنظریة العامة للالتزامات والإثبات. وقد ألغى المشرع الفرنسی رکن السبب بمفهومه القدیم الذی دار حوله الجدل لفترة زمنیة طویلة، وأنشأ بدلاً عنه رکناً جدیداً هو مضمون العقد، والذی حافظ فیه على السبب وفقاً للنظریة الحدیثة ضمنیاً بعد أن أدمجه بالمحل ضمن إطار هذا الرکن الجدید. وبذلک فقد صار المشرع الفرنسی أقرب فی موقفه إلى موقف قانون الأحکام العام (The common law) الانکلیزی العرفی والمبنی على السوابق القضائیة للمحاکم الانکلیزیة، والذی لم یأخذ بفکرة السبب کرکن من أرکان العقد فی القانون الانکلیزی، وتبنى بدلاً عنها مجموعة من المفاهیم التی یمکن أن تقوم مقام السبب، وترتبط بمحل العقد ارتباطاً وثیقاً. ومن أبرزها مفهوم مقابل الالتزام بالوعد (Consideration) والبند الجوهری للعقد، ومبدأ استحالة تنفیذ الالتزام التعاقدی (The doctrine of frustration) ومبدأ عدم مشروعیة العقد. أما القانون المدنی العراقی، وعلى الرغم من احتفاظه برکن السبب کرکن مستقل من أرکان العقد فضلاً عن الرکنین الآخرین وهما التراضی والمحل، فإن بإمکانه أن یحذو حذو المشرع الفرنسی ویقوم بإجراء مثل هذا التغییر الجذری. ولا سیما أن الأساس القانونی الذی یمکن أن یستند علیه مثل هذا التغییر متوافر فیه، ویتمثل بفکرة مقتضى العقد التی استمدها من أصالة الفقه الإسلامی الجلیل. مع الإبقاء على رکن محل العقد ودمجه بمقتضاه. لذا فسوف نکرس هذا المبحث لدراسة مفهوم مضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی بعد التعدیل الأخیر الذی أجراه، بتعریفه وشروط صحته وطبیعته القانونیة. ومقارنته بموقف القانونین الانکلیزی والعراقی وکما یأتی:
المطلب الأول
تعریف مضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
یعرف جانب من فقه القانون المدنی الفرنسی مضمون العقد (Contenu du contrat) بأنه محل الالتزام، والذی یصلح أن یکون جواباً عن السؤال الذی طرحه الفقیه (Oudot) والمکون من شقین، والذی یقول بماذا التزم المدین تجاه الدائن؟ وما هو مضمون الالتزام؟. ثم یجیب على السؤال بقوله بأن المدین ملتزم بالإعطاء، أو بالقیام بعمل أو بالامتناع عن العمل. وعرفه جانب آخر من الفقه بأنه محل الالتزام المترتب على العقد فضلاً عن الشروط التعاقدیة، والذی ینبغی أن یکون مشروعاً ومؤکداً. ویتبین من هذین التعریفین بأن مضمون العقد لا یعدو أن یکون فی حقیقته محلاً للالتزام أو محلاً للعقد. ویتمثل الالتزام بالإعطاء أو بالقیام بعمل أو بالامتناع عن العمل. ویتحلل عنصر الإعطاء إلى نقل حق عینی کالملکیة، أو الاستعمال أو الحیازة. وجمیعها یمکن أن یکون محلها شیء من الأشیاء. أما العمل فیتحلل إلى العمل الایجابی أو ما یعرف أیضاً بالأداء (Prestation) أو یتحلل بدوره إلى عدم القیام بعمل وهو الامتناع. کما یتضمن مضمون العقد الشروط التی یمکن إدراجها فی العقد. وقد ألغى المشرع الفرنسی رکن السبب بمفهومه القدیم. وتخلص من النظریة التقلیدیة للسبب نهائیاً، وحافظ على مفهومه وفقاً للنظریة الحدیثة ضمنیاً بعد أن أدمجه بالمحل ضمن رکن مضمون العقد. أما فی قانون الأحکام العام الانکلیزی فإن مضمون العقد یتمثل بفکرتین الأولى هی مقابل الالتزام بالوعد (Consideration) والذی عرفه جانب من الفقه بأنه حق أو مصلحة أو منفعة أو فائدة تؤول إلى أحد الطرفین المتعاقدین وهو الواعد فی مقابل امتناع عن عمل أو خسارة أو مسؤولیة أو أذى یتحمله الطرف الآخر وهو الموعود له. والثانیة هی بنود العقد، والتی عرفها جانب من الفقه الانکلیزی بأنها (مجموعة بیانات أو وعود أو اشتراطات قد تکون صریحة أو ضمنیة یجری إدراجها فی العقد وبدورها تحدد نطاق حقوق والتزامات الطرفین المتعاقدین فضلاً عن المعالجات (أی التعویضات) المتاحة فی حال الإخلال بتلک البنود والتی تتحدد (أی المعالجات) وفقا لأهمیة کل بند من بنود العقد). وعرفها فقیه آخر بأنها: (البیانات التی یتم إدراجها قبل أو وقت انعقاد العقد والتی قد تکون شفویة أو تحریریة وبالتالی فإن التعویض المترتب لمصلحة الطرف المتضرر من الإخلال بأحد تلک البیانات سوف یعتمد على کیفیة تفسیر القانون لذلک البیان). أما البند الجوهری (Fundamental Term) فهو جوهر العقد الذی یسعى الطرفان المتعاقدان إلى الوصول إلیه، والذی لا یمکن استبعاد المسؤولیة الناجمة عن الإخلال به إطلاقاً عن طریق شرط الإعفاء من المسؤولیة العقدیة. وللتعویض عن عدم وجود نظریة مستقلة للسبب فی القانون الانکلیزی، فقد ارتبط مفهوم بنود العقد بمفاهیم أخرى مکملة له کمقابل الالتزام بالوعد، ومبدأ استحالة تنفیذ الالتزام التعاقدی واللذین یقومان مقام السبب وفقاً للنظریة التقلیدیة فی القانون المدنی الفرنسی. فضلاً عن عدم المشروعیة والنظام العام واللذین یقومان، وإلى حد، ما مقام السبب وفقاً للنظریة الحدیثة فی القانون المدنی الفرنسی. أما القانون المدنی العراقی رقم (40) لسنة 1951 فإنه لا یزال متمسکاً برکن السبب کرکن مستقل من أرکان العقد فضلاً عن الرکنین الآخرین وهما التراضی والمحل، إلا أنه وعلى الرغم من ذلک فإنه یتضمن الأساس القانونی الذی یمکن أن یستند علیه إرساء رکن مضمون العقد، أسوة بالقانون المدنی الفرنسی، والذی یتمثل فی القانون المدنی العراقی بفکرة مقتضى العقد التی استمدها المشرع العراقی من الفقه الإسلامی، مع الإبقاء على رکن محل العقد ودمجه بمقتضاه. وقد اهتم الفقه الإسلامی بهذه الفکرة وأضفى علیها العدید من المعانی: الأول قد تعنی هذه الفکرة مضمون العقد بالمعنى المصدری، فالمقتضى هو مفیض الأثر أی مرتبه. فالأثر یفاض منه ویترتب علیه مع اجتماع الشرائط وعدم الموانع. فمضمون العقد بمعناه المصدری فی عقد البیع مثلاً یعنی تملیک العین مقابل عوض مالی. فمضمون البیع ینطوی، فضلاً عن تملیک العین، على دفع الثمن وتسلیم المبیع. فإذا کان الشرط المقترن بالعقد منافیاً لمقتضى العقد، کاشتراط عدم التملک فی عقد البیع، وقع الشرط باطلاً فضلاً عن بطلان البیع. والثانی أنها قد تعنی المقصود من العقد أو ما یرمی إلیه العقد ویسعى إلى تحقیقه من غایات، والعقود تابعة للقصود. فالمقصود من المضاربة الربح کما أن المقصود من البیع التملیک. والمعنى الثالث لمقتضى العقد هو الآثار المترتبة على العقد، أو الأحکام التی قررها الشرع لکل عقد من العقود. والرابع هو الأثر الظاهر للعقد، والذی یسعى المتعاقدان من وراء إبرام ذلک العقد إلى ترتیبه، ولا یستقیم العقد دون ذلک الأثر. ویتمثل بالالتزام أو مجموعة الالتزامات الجوهریة أو الأساسیة المترتبة على العقد، والتی تمثل الغایة الأساسیة من العقد. وتقترب فکرة مقتضى العقد فی معناها الأخیر من مفهوم حکم العقد، والذی هو أثره الأصلی أو الغایة منه. وأخیراً قد یراد بمقتضى العقد بعض الآثار العرفیة غیر الظاهرة للعقد، إذ قد توجد ملازمة عرفیة بین نفیها ونفی مضمون العقد، کتصرف المشتری فی المبیع ببعض التصرفات التی هی من آثار ملکه. من ذلک هبته للعین المبیعة إلى أحد أصدقائه. وقد أشار القانون المدنی العراقی إلى مقتضى العقد، عندما أجاز فی الفقرة الأولى من المادة (131) منه أن یقترن العقد بشرط یؤکد مقتضاه أو یلائمه أو یکون جاریاً به العرف والعادة. وقد عرفه جانب من فقه القانون المدنی العراقی تعریفاً مقتبساً من الفقه الإسلامی بأنه الأحکام التی نص علیها الشرع مباشرة أو استنبطها الاجتهاد الفقهی حفظاً للتوازن بین العاقدین فی العقود.
المطلب الثانی
شروط صحة مضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
یشترط لصحة مضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی أن یتوافر فیه شرطان، الأول أن یکون مشروعاً (Licite) والثانی أن یکون مؤکداً (Certain)، وبالمقابل یشترط القانون المقارن المتمثل فی دراستنا هذه بالقانونین الإنکلیزی والعراقی بعض الشروط. وسنبحث فی الشرطین اللذین اشترطهما القانون المدنی الفرنسی، ومقارنتهما بموقف القانونین الإنکلیزی والعراقی وکما یأتی:
الفرع الأول
شرط مشروعیة رکن مضمون العقد
إن البحث فی شرط مشروعیة رکن مضمون العقد تستلزم منا دراسته فی القانون المدنی الفرنسی ثم مقارنة موقفه بموقف القانونین الإنکلیزی والعراقی وکما یأتی:
أولاً: موقف القانون المدنی الفرنسی: لقد صار مضمون العقد بعد التعدیل الجدید الذی أجراه المشرع على القانون المدنی الفرنسی رکناً جدیداً من أرکان العقد، فضلاً عن رکنی التراضی والأهلیة. ویکون بذلک قد حل بمقتضى التعدیل الجدید محل رکن السبب الذی ألغاه المشرع الفرنسی. وهو یکون مشروعاً إذا لم یکن مخالفاً للنظام العام، وذلک بمقتضى المادة (1162) الجدیدة وفقاً للتعدیل الأخیر السالف الذکر، والتی نصت على أنه (لا یجوز للعقد أن یکون مخالفاً للنظام العام بشروطه وبمقاصده، سواء أدرکتها الأطراف المتعاقدة أم لم تدرکها). ویتحقق شرط المشروعیة وفقاً لهذا النص بالالتزام باحترام النظام العام. إلا أن جانباً من فقه القانون المدنی الفرنسی یرى بأنه، وعلى الرغم من إغفال المشرع الفرنسی لذکر الآداب العامة، إلا أن التقید بها یعد مسألة ضروریة لتحقق مشروعیة مضمون العقد، جنباً إلى جنب مع النظام العام. فالآداب العامة هی الأخلاق الحسنة التی تقوم على أساس التصرفات التی تتفق مع قواعد الأخلاق، والتی تحظى بالقبول من لدن المجتمع والثقافات السائدة فیه فی فترة زمنیة معینة. أما النظام العام فهو صمام الأمان الذی یضطلع بمهمة حمایة المصلحة العامة وسلامة الأفراد فی المجتمع. وبذلک فقد استوعب رکن مضمون العقد الجدید فی القانون المدنی الفرنسی رکنین آخرین من أرکان العقد الراسخة فی هذا القانون، وهما رکن المحل والسبب بمفهومه الحدیث. بعد إلغاء السبب نهائیاً بمفهومه القدیم.
ثانیاً: موقف القانون الإنکلیزی: لقد تبنى قانون الأحکام العام الإنکلیزی مبدأ عدم مشروعیة العقد (Doctrine of illegality of contract) والذی صنف بمقتضاه العقود إلى عقود غیر مشروعة وعقود باطلة. وذلک من حیث القصد أو الغایة التی یرمی إلیها المتعاقدان من التعاقد، وما إذا کانت مشروعة أم غیر مشروعة. فقد عد العقود التی یکون نشوءها وانعقادها محظوراً منذ البدء عقوداً غیر مشروعة، لأنها ترمی إلى غایة غیر مشروعة. فیکون العقد یعد باطلاً منذ نشوئه (Void ab Initio). أما إذا لم ترم إلى غایة غیر مشروعة، ولکنها افتقرت إلى رکن من أرکان انعقادها أو کانت مخالفة للنظام العام فإنها تکون باطلة، دون أن تکون غیر مشروعة. لذا فإن نشوءها لا یکون محظوراً، لأن القصد منها قد یرمی إلى الوصول إلى غایة مشروعة. إلا أن المحکمة تقوم بإبطالها على الرغم من مشروعیة الغایة التی ترمی إلیها. فکل عقد غیر مشروع هو عقد باطل، ولکن لیس کل عقد باطل هو عقد غیر مشروع بالضرورة.
ثالثاً: موقف القانون المدنی العراقی: ویشترط القانون المدنی العراقی من جانبه شرط المشروعیة فی رکنی المحل والسبب، فیکون محل العقد مشروعاً إذا کان قابلاً للتعامل فیه. بأن لا یخرج عن التعامل بطبیعته أو بحکم القانون. فهناک أشیاء تأبى طبیعتها التعامل فیها، أو یتنافى الغرض الذی خصصت له مع التعامل فیها، أو یعد التعامل فیها مخالفاً للنظام العام أو الآداب، فیحظر لعدم مشروعیته. وذلک بمقتضى المادة (61) منه والتی نصت (1-کل شیء لا یخرج عن التعامل بطبیعته او بحکم القانون یصح ان یکون محلاً للحقوق المالیة. 2-والاشیاء التی تخرج عن التعامل بطبیعتها هی التی لا یستطیع احد ان یستأثر بحیازتها، والاشیاء التی تخرج عن التعامل بحکم القانون هی التی لا یجیز القانون ان تکون محلاً للحقوق المالیة). کما یکون محل الالتزام مشروعاً إذا کان غیر ممنوع قانوناً ولا مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة، وإلا کان العقد باطلاً. ویستوی فی ذلک أن یکون محل الالتزام عملاً أم امتناعاً عن عمل، أم إعطاء شیء معین. وذلک وفقاً للفقرة الأولى من المادة (130) من القانون المدنی العراقی، والتی نصت على أنه ( یلزم ان یکون محل الالتزام غیر ممنوع قانوناً ولا مخالفاً للنظام العام او للآداب والا کان العقد باطلاً ). أما مشروعیة السبب فیقصد بها مشروعیة الباعث. فالسبب المشروع هو الذی لا یتعارض مع القانون، ولا یخالف النظام العام والآداب. وذلک وفقاً للفقرة الأولى من المادة (132) منه. والسبب بمعنى الباعث الدافع إلى التعاقد هو السبب وفقاً لمفهوم النظریة الحدیثة، والذی یشترط لصحة العقد أن یکون مشروعاً، لأنه ینسب إلى العقد لا إلى الالتزام. لذا یشترط لإبطال العقد أن یکون الطرف الآخر الذی لم یقم لدیه الباعث غیر المشروع على اتصال بهذا الباعث، أی أنه کان یعلم به أو من السهل علیه معرفته. ویتداخل السبب وفقاً للنظریة الحدیثة مع نظام قانونی آخر هو الغلط فی الباعث الذی هو غلط فی الدافع إلى التعاقد أیضاً، والذی یشترط لإمکانیة طلب الطرف الواقع فیه إبطال العقد، أن یثبت أن الطرف الآخر کان واقعاً أیضاً فی نفس الغلط، أی کان الغلط مشترکاً. أو أنه کان یعلم به، أو کان یسهل علیه العلم به على الأقل، بحیث یصیر التمییز بینهما أمراً عسیراً. کما قد یحصل للتداخل بین مفهوم الغلط فی الباعث وبین مفهوم السبب الموهوم، والذی یمکن توضیحه بالمثال الآتی: فلو أن موظفاً استأجر داراً للسکنى فی بغداد وقام بدفع الأجرة، معتقداً أنه قد نقل إلیها ثم یتبین عدم نقله. ففی هذه الحالة یکون الموظف قد وقع فی غلط فی الباعث الذی دفعه إلى التعاقد. ومثل هذا الغلط لا أثر له على صحة العقد وفقاً للنظریة التقلیدیة للغلط، إلا أنه یمکن أن یؤدی إلى إبطال العقد وفقاً للنظریة الحدیثة فی الغلط، لکونه یمثل غلطاً جوهریاً فی أمور تبیح نزاهة المعاملات للمتعاقد الذی یتمسک بالغلط أن یعتبرها عناصر ضروریة للتعاقد. أما لو تم نقل الموظف فعلاً واستأجر داراً للسکنى، ثم تبین أن نقله لم یکن وارداً وأعید إلى محل عمله فی محافظته، ففی هذه الحالة یکون سبب الالتزام موهوماً، لأنه یمثل غلطاً فی حصول الواقعة، فیکون عدم وجود السبب معناه عدم حصول الواقعة المنشئة للالتزام وذلک وفقاً للنظریة التقلیدیة للسبب. أما السبب وفقاً للنظریة الحدیثة فی مثالنا أعلاه فلا بد أن یکون موجوداً، لأنه الباعث الدافع إلى التعاقد. إلا أنه یشترط لصحة العقد أن یکون مشروعاً.
الفرع الثانی
شرط تأکید رکن مضمون العقد أو تعیینه
وکذلک الحال بالنسبة إلى شرط تأکید مضمون العقد أو تعیینه فسوف نقوم بدراسته فی القانون المدنی الفرنسی بعد التعدیل الجدید، ثم مقارنته بموقف القانونین الإنکلیزی والعراقی وکما یأتی:
أولاً: موقف القانون المدنی الفرنسی: یقصد بهذا الشرط أن یکون مضمون العقد معیناً أو قابلاً للتعیین على الأقل. وذلک وفقاً للمادة (1163) من القانون المدنی الفرنسی، والتی نصت على أن ( ینصب محل الالتزام على أداء حاضر أو مستقبلی. وینبغی أن یکون معیناً أو قابلاً للتعیین. ویکون الأداء معیناً عندما یذکر فی العقد، أو بالرجوع إلى الأعراف أو العلاقات السابقة للأطراف، دون أن یکون من الضروری التوصل إلى اتفاق جدید بینهم). وینبغی توافر هذا الشرط، وکما سنرى لاحقاً، فی کل من محل الالتزام ومحل العقد، واللذین ینضویان تحت عنوان مضمون العقد بمفهومه الجدید، والذی تضمن فضلاً عن ذلک الشروط التعاقدیة . ویرى جانب من فقه القانون المدنی الفرنسی بأن الفائدة العملیة التی تترتب على الأخذ بفکرة مضمون العقد کرکن جدید من أرکان العقد ودمج رکنی والسبب وفقاً للنظریة الحدیثة فی هذه الفکرة هی تجانس المفاهیم القانونیة وتوحدها، فالمادة (1128) الجدیدة وحدت بین مفهومی المحل والسبب بعد أن تخلصت نهائیاً من فکرة السبب وفقاً للنظریة التقلیدیة. وقد اکتسب هذا المفهوم الجدید الموحد أهمیة کبیرة من الناحیة العملیة التطبیقیة، لأنه یعد أکثر انسجاماً مع مبدأ سلطان الإرادة التعاقدیة. بحیث یکون من الیسیر اتفاق إرادات الأطراف على مسألة موحدة، کما یجعل عملیة انعقاد العقد یسیرة نتیجة تجانس المفاهیم القانونیة وتوحدها.
ثانیاً: موقف القانون الإنکلیزی: یشترط قانون الأحکام العام الإنکلیزی فی مقابل الالتزام بالوعد کرکن من أرکان العقد الرضائی لکی یکون مؤکداً أن یکون حقیقیاً أو کافیاً (Real or sufficient consideration)، أی أن یتمتع بقیمة معینة تعرف بالقیمة الاقتصادیة. ویرى جانب من الفقه الإنکلیزیبأن المقصود بالقیمة الاقتصادیة للمقابل هی تلک القیمة التی یعترف بها القانون أو تبدو فی نظره على هذا النحو، وأن القانون لا یعنى بتفاوت قیمة الأداءات فی الصفقة، وحتى وإن کانت القیمة النسبیة للمقابل غیر متناسبة. وعلى الرغم من أن قانون الأحکام العام العرفی والمبنی على السوابق القضائیة لم یشترط شرط التعیین أو على الأقل قابلیة التعیین فی مقابل الالتزام بالوعد، فإن هذا الشرط یمکن استخلاصه ضمنیاً لسببین: الأول هو أن بنود العقد (Contractual terms) تلعب دوراً کبیراً فی تحدید المقابل. والثانی هو أنه وعلى الرغم من عدم عد محل العقد (The subject-matter of the contract) کرکن مستقل من أرکان العقد الرضائی فی القانون الانکلیزی، إلا أنه یکاد یتداخل مع رکن مقابل الالتزام بالوعد.
ثالثاً: موقف القانون المدنی العراقی: أما بالنسبة إلى شرط التعیین أو القابلیة للتعیین فی القانون المدنی العراقی فینطبق على المحل عموماً سواء أکان محلاً للعقد أم محلاً للالتزام. فمحل الالتزام عملاً کان أم امتناعاً عن عمل ینبغی أن یکون معیناً تعییناً کافیاً نافیاً للجهالة الفاحشة، أی خلوه من الغرر. أو قابلاً للتعیین على الأقل. ویصح الشیء نفسه إذا کان محل الالتزام یتمثل بالإعطاء. کما ینبغی أن یکون محل العقد معیناً أو قابلاً للتعیین، بتحدید الأسس التی یتم فی ضوئها تعیینه. سواء أکان عیناً معینة بالذات أم شیئاً معیناً بنوعه.
المطلب الثالث
الطبیعة القانونیة لمضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
عدت المادة (1128) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی مضمون العقد رکناً جدیداً من أرکان العقد، فضلاً عن رکنین آخرین هما التراضی والأهلیة یشترطان لانعقاد العقد وصحته. وقد نصت هذه المادة الجدیدة على أنه (یشترط لصحة العقد توافر الأرکان الآتیة: 1-تراضی الأطراف المتعاقدة 2-تمتعهم بأهلیة التعاقد 3-المضمون المشروع والمؤکد). وحلت هذه المادة بمقتضى المرسوم السالف الذکر محل المادة (1108) القدیمة والملغاة من القانون المدنی الفرنسی، والتی کانت تنص على أنه ( یشترط توافر أربعة شروط جوهریة لصحة الاتفاق هی: 1- تراضی الأطراف الملتزمة 2- تمتعهم بأهلیة التعاقد 3-محل مؤکد أو محدد یشکل موضوع التعهد 4-سبب مشروع للالتزام ). ویتبین من نص (1128) السالفة الذکر من القانون المدنی الفرنسی بأن المشرع الفرنسی قد عد مضمون رکناً جدیداً ومستقلاً من أرکان العقد. وقد حل هذا الرکن محل رکنی المحل والسبب المذکورین فی المادة (1108) الملغاة من القانون المدنی الفرنسی، والتی کان العقد یقوم بمقتضاها على أربعة أرکان ینبغی توافرها وإلا عد العقد باطلاً. فبالنسبة إلى رکن المحل، سواء أکان محل العقد أم محل الالتزام، فقد أدمجه المشرع الفرنسی بالرکن الجدید وهو مضمون العقد، بعد أن تلاشى کرکن مستقل من أرکان العقد. إلا أنه بقی محتفظاً بمکونیه التقلیدیین وهما محل العقد ومحل الالتزام، واللذین سوف نتطرق إلیهما لاحقاً عند دراسة عناصر مضمون العقد، والتی ضمت فضلاً عن هذین العنصرین، وبمقتضى التعدیل الجدید شروط العقد کذلک. أما بالنسبة إلى رکن السبب فی مفهومه التقلیدی فقد ألغاه المشرع الفرنسی نهائیاً. على الرغم من أن المادة (1131) القدیمة من القانون المدنی الفرنسی کانت قد تناولت السبب وفقاً للنظریتین التقلیدیة والحدیثة، إذ نصت على أن ( الالتزام لا یکون له أثر إذا لم یکن قائماً على سبب، أو کان قائماً على سبب غیر صحیح أو موهوم أو على سبب غیر مشروع). ویبدو بأن المشرع الفرنسی فی تعدیله الجدید قد انحاز إلى رأی خصوم السبب من الفقهاء القدامى (anticausalistes) واللذین تزعمهم الفقیه (Planiol) الذی نادى بوجوب إلغاء السبب وفقاً للنظریة التقلیدیة، لأنها نظریة خاطئة وغیر مفیدة. فهی خاطئة لأن الالتزامین فی العقد الملزم للجانبین یولدان فی وقت واحد، ولا یکون أحدهما سبباً للآخر. وهو ما یعد استحالة منطقیة لأن السبب ینبغی أن یسبق النتیجة. کما أنها غیر مفیدة فی نفس الوقت ویمکن الاستغناء عنها بالأخذ بفکرة المحل والارتباط بین الالتزامین المتقابلین، بحیث یتوقف مصیر أحدهما على الآخر، ودون الحاجة إلى القول بأن نشوء أحدهما هو سبب لنشوء الآخر. وعلى هذا الأساس، وبحسب رأی الفقیه (Planiol)، فإن السبب لیس بذی فائدة ولا یستحق أی ذکر على وجه الخصوص. ویبدو بأن المشرع الفرنسی قد أحیا بتعدیله الأخیر من جدید مطالبات أولئک الفقهاء من خصوم نظریة السبب بإلغائها نهائیاً من النظریة العامة للالتزامات، والاکتفاء بارتباط التراضی بالمحل لانعقاد العقد، وهو ما أخذ به فعلاً عندما اشترط لصحة العقد ضرورة توافر التراضی ومضمون العقد فضلاً عن الأهلیة اللازمة للتعاقد. وأخیراً فبالنسبة إلى السبب فی مفهومه الحدیث والمتمثل بسبب العقد، فیبدو بأن المشرع الفرنسی قد احتفظ به ضمنیاً ضمن إطار رکن مضمون العقد بعد إلغاء رکن السبب نهائیاً بمفهومه التقلیدی القدیم من القانون المدنی الفرنسی. وذلک عندما اشترط لصحة مضمون العقد أن یکون مشروعاً ومؤکداً. ویقصد بمشروعیة مضمون العقد ألا یکون مخالفاً للنظام العام، وهو ما یتفق مع النظریة الحدیثة فی السبب التی تقوم على أساس الباعث الدافع على التعاقد، والذی ینبغی أن یکون مشروعاً وغیر مخالف للنظام العام والآداب. ویبدو بأن المشرع الفرنسی أخذ بفکرة الارتباط بین الالتزامین المتقابلین ضمن إطار مضمون العقد کأساس لانعقاد العقد بعد إلغاء رکن السبب بمفهومه التقلیدی. وتخلص من النظریة التقلیدیة للسبب نهائیاً، وحافظ مفهومه وفقاً للنظریة الحدیثة ضمنیاً بعد أن أدمجه بالمحل ضمن رکن مضمون العقد. وهکذا فقد زال رکن السبب نهائیاً کرکن مستقل من أرکان العقد فی القانون المدنی الفرنسی. وبذلک فإن موقف المشرع الفرنسی یقترب وبعد التعدیل الأخیر من موقف قانون الأحکام العام الانکلیزی والذی یشترط لانعقاد العقد الرضائی البسیط توافر مقابل الالتزام بالوعد، فضلاً عن التراضی والنیة التعاقدیة. فمقابل الالتزام بالوعد فی القانون الانکلیزی هو رکن مستقل بحد ذاته، وفکرة تقوم مقام السبب. وهو عبارة عن حق أو مصلحة أو منفعة أو فائدة تؤول إلى أحد الطرفین المتعاقدین فی مقابل امتناع عن عمل أو خسارة أو مسؤولیة أو أذى یتحمله الطرف الآخر. وبمقتضاه فإن القوة الملزمة لا تخلص إلا للوعود المدعمة بالمقابل، على أساس مفهوم الصفقة . وقد تبنى المشرع الفرنسی فی التعدیل الأخیر فکرة مقابل الالتزام (La contrepartie) فیالمادة (1107) الجدیدة التی أضیفت إلى القانون المدنی الفرنسی التی نظمت عقد المعاوضة، والتی نصت على أن (العقد یکون معاوضة عندما یحصل کل طرف من الطرفین على فائدة کمقابل لما یعطیه). وبالنسبة إلى القانون الإنکلیزی فیعد مقابل الالتزام بالوعد رکناً لإبرام العقد الرضائی البسیط، إذ یعتمد نفاذ هذا النوع من العقود وقوته الملزمة فی القانون الإنکلیزی على هذا الرکن. وقد استقر القانون الإنکلیزی على هذا الوضع منذ القرن السادس عشر، ولم تنفذ المحاکم الإنکلیزیة سوى الوعود المدعمة بالمقابل وتعترف بقوتها الملزمة، وبالنتیجة فإنها لم تعترف بالقوة الملزمة للوعد المجرد أو التبرعی. وعلى هذا الأساس فإن عقود التبرع فی القانون الإنکلیزی لا تنفذ وتصیر ذات قوة ملزمة ما لم تخضع للشکلیة المطلوبة. إذ لا یمکن أن تکون إلا عقودا شکلیة. لذا فإن العقد الذی یستوفی الشکلیة المطلوبة ویتم تصدیقه (agreement made under seal) یصیر نافذا ویکتسب القوة الملزمة کعقد شکلی مصدق (specialty contract) على الرغم من غیاب المقابل عن العقد. إلا أن المقابل یبقى رکناً جوهریاً لإبرام العقد الرضائی البسیط دون الشکلی، وهذا یعنی بأن مقابل الالتزام لا یلعب أی دور فی عقود التبرع والتی هی عقود شکلیة فی القانون الإنکلیزی. أما القانون المدنی العراقی فإنه لا یزال متمسکاً بفکرة السبب کرکن جوهری من أرکان العقد، لذا فإن فکرة مقتضى العقد التی تعنی الالتزامات الجوهریة التی یرتبها العقد على الطرفین، کتسلیم المبیع أو دفع الثمن فی عقد البیع، والتی استمدها القانون المدنی العراقی من الفقه الإسلامی، وتقابل إلى حد ما فکرة مضمون العقد المشروع والمؤکد فی القانون المدنی الفرنسی. لا یمکن أن تکون رکناً مستقلاً من أرکان العقد فی القانون المدنی العراقی فی وضعه الحالی، مالم یقم المشرع العراقی بتعدیل جوهری على أرکان العقد أسوة بما قام به المشرع الفرنسی فی تعدیله الأخیر. إلا أنه وعلى الرغم من ذلک فإنه یمکن القول بأن فکرة مقتضى العقد تمتلک کل المقومات الضروریة التی تؤهلها لأن تکون رکناً مستقلاً من أرکان العقد فی القانون العراقی، کما هو الحال بالنسبة إلى فکرة مضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی. وهو ما سنتعرف علیه لاحقاً عند دراسة عناصر مضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی ومقارنتها بالعناصر المکونة لمقتضى العقد فی القانون المدنی العراقی، وبنود العقد فی القانون الانکلیزی. وجدیر بالذکر فإن هناک رأیاً فقهیاً یمیل إلى التخلص من السبب کرکن مستقل من أرکان العقد، ویرى بأن السبب لا یعد رکناً فی العقد، وأن التراضی هو الرکن الوحید للعقد. وما المحل والسبب سوى عنصرین من عناصر الإرادة، ومتصلین بها اتصالاً وثیقاً. فالسبب، ولا سیما وفقاً لمفهوم النظریة الحدیثة، یتصل اتصالاً وثیقاً بالإرادة التعاقدیة ویمتزج بها، ویعد جزءاً من محتواها وماهیتها. فالباعث الدافع إلى التعاقد یدور مع الإرادة التعاقدیة الواعیة وجوداً وعدماً، والتی ینبغی أن تکون على إحاطة کاملة بالمحل والسبب، عندما تتجه إلى إحداث أثرها القانونی. فالإرادة تمر بثلاثة مراحل هی مرحلة الشعور بالغرض، ومرحلة التروی أو التدبر، ومرحلة العزم أو المشیئة. وهی تمتزج ومنذ المرحلة الأولى، وقبل الإعلان أو الکشف عنها بالغرض الذی تسعى إلیه، وهو الباعث أو الدافع على العمل. وهکذا یبدو وباختصار بأن مضمون العقد کرکن جدید من أرکان العقد فی القانون المدنی الفرنسی یتمثل، وبالدرجة الأساس برکن المحل بعد أن فقد هویته کرکن مستقل من أرکان العقد وانصهر فی بوتقة مضمون العقد، والذی اتسع نطاقه أکثر لیشمل شروط العقد والالتزامات المترتبة علیه ومن أبرزها الالتزام باحترام النظام العام. ومع اختفاء مفهومی المحل والسبب کرکنین مستقلین، واندماجهما فی رکن واحد، فإن العقد ینعقد صحیحاً وفقاً للمادة (1128) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی بالتراضی على مضمون العقد المشروع والمؤکد، مع ضرورة توافر أهلیة التعاقد لدى الطرفین المتعاقدین. وعلى هذا الأساس فإننا نوصی المشرع العراقی الاستفادة من التعدیلات التی أجراها المشرع الفرنسی، وإعادة النظر فی أرکان العقد فی القانون المدنی العراقی، وإلغاء رکن السبب بمفهومه التقلیدی القدیم نهائیاً، والاحتفاظ بمفهومه الحدیث ضمنیاً بعد دمجه بالمحل ضمن إطار رکن جدید، نقترح أن یصطلح علیه بمصطلح رکن "مقتضى العقد". کما ونوصی المشرع العراقی بإعادة صیاغة تعریف العقد الصحیح الوارد فی المادة (133) من القانون المدنی العراقی، لینسجم مع التقسیم الثنائی الجدید المقترح لأرکان العقد.
المبحث الثانی
عناصر مضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
ألغى المشرع الفرنسی فی تعدیله الأخیر جمیع المواد المتعلقة بمحل الالتزام، وهی المواد (1126-1130) من القانون المدنی الفرنسی واستبدلها، وبمقتضى المادة الثانیة من المرسوم السالف الذکر، بالمواد ( 1162-1171) الجدیدة، والتی أضافها إلى القانون المدنی الفرنسی. وذلک فی الفرع الثالث الموسوم بعنوان جدید هو مضمون العقد (Contenu du contrat)، فی المبحث الثانی المعنون بصحة العقد:
(La validite du contrat)من الفصل الثانی الموسوم بتکوین العقد. وسوف یتبین لنا من قراءة المواد ( 1162-1171) الجدیدة التی أضیفت إلى القانون المدنی الفرنسی وتحلیلها، بأن مضمون العقد یتکون، وبعد هذا التعدیل الشامل والجذری، من عنصرین رئیسین هما محل الالتزام والشروط التعاقدیة. أما القانون المدنی العراقی فقد قضى فی الفقرة الأولى من المادة (150) منه بوجوب التزام المتعاقدین بما ورد فی العقد، والذی یمثل مضمونه، وما اشتمل علیه، وبطریقة تتفق مع ما یوجبه حسن النیة، بوصفه مبدأ موضوعیاً یفرضه القانون کلما تعلق الأمر بتفسیر العقد أو بتنفیذ الالتزامات الناشئة عنه. وإذا کان نطاق العقد یتحدد أساساً بما ورد فیه، کتحدید الالتزامات العقدیة التی یرتبها على عاتق الطرفین. ویشتمل أیضاً على الشروط المدرجة فیه کالشرط الجزائی. إلا أنه لا یقتصر على ذلک فحسب، ولکن یتجاوز ذلک إلى ما هو من مستلزماته، وفقاً للفقرة الثانیة من نفس المادة. وعلى هذا الأساس فسوف نبحث فی عنصری مضمون العقد الرئیسین وهما محل الالتزام والشروط التعاقدیة، وذلک فی القانون المدنی الفرنسی والقانون المقارن المتمثل بالقانونین الانکلیزی والعراقی وکما یأتی:
المطلب الأول
محل الالتزام فی القانونین الفرنسی والمقارن
تتجلى أهمیة دراسة محل الالتزام فی القانون المدنی الفرنسی بعد التعدیل الأخیر فی کونه یمثل جزءاً من مضمون العقد بمفهومه الجدید، على الرغم من انتمائه إلى القواعد العامة التی لا جدید فیها. لذا فسوف نبحث فی موقف القانون المدنی الفرنسی الجدید من محل الالتزام ومقارنته بموقف القانونین الإنکلیزی والعراقی فی الفقرات الثلاثة الآتیة:
أولاً: موقف القانون المدنی الفرنسی: کنا قد أشرنا سابقاً إلى أن جانباً من الفقه الفرنسی یرى بأن مضمون العقد یتمثل فی حقیقته بمحل الالتزام. وهناک اختلاف واضح بین مصطلحی محل الالتزام ومحل العقد فی القانون المدنی الفرنسی، کما هو الحال بالنسبة إلى القانون المدنی العراقی. وعلى الرغم من تشابه مفهوم محل الالتزام فی القانونین المدنیین الفرنسی والعراقی، إلا أن الاختلاف یبدو واضحاً بینهما من حیث مفهوم محل العقد. فالعقد فی القانون المدنی الفرنسی، وکما هو الحال أیضاً بالنسبة إلى القانون المدنی العراقی، مصدر من مصادر الالتزام تترتب علیه آثار تتمثل بالعدید من الالتزامات. والمقصود بمحل الالتزام الناشئ عن العقد، وفقاً لرأی هذا الجانب من الفقه الفرنسی، هو الأداء (Prestation) الذی ینبغی على الطرفین المتعاقدین القیام به، کالالتزام بالقیام بعمل، ومن ذلک تسلیم أو إعطاء الشیء، أو الالتزام بالامتناع عن المنافسة، والذی یتسم بأنه نشاط ذو صفة بشریة. أما بالنسبة إلى محل العقد فیرى جانب آخر من الفقه الفرنسی بأن محل العقد هو العملیة القانونیة التی یسعى الطرفان المتعاقدان إلى تحقیقها، وتتمثل بالأداء الممیز للعقد کنقل ملکیة المال فی عقد البیع. وتترکز حول الالتزام الرئیس أو الجوهری الناشئ عن العقد. ویرتبط محل العقد فی القانون المدنی الفرنسی ارتباطاً وثیقاً بمحل الالتزام التعاقدی، فمحل العقد المتمثل بالعملیة القانونیة التی یسعى الطرفان إلى تحقیقها، أو بعبارة أخرى الأداء الممیز للعقد هو الذی یحدد محل الالتزام المتمثل بالأداءات التعاقدیة التی تتقرر باتفاق الإرادات . وقد نصت المادة (1163) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی على أنه ( ینصب محل الالتزام على أداء حاضر أو مستقبلی. وینبغی أن یکون معیناً او قابلاً للتعیین. ویکون الأداء معیناً عندما یذکر فی العقد، أو بالرجوع إلى الأعراف أو العلاقات السابقة للأطراف، دون أن یکون من الضروری التوصل إلى اتفاق جدید بینهم). فمحل الالتزام، وکما أشرنا سابقاً، هو الأداء الذی یتوجب على الأطراف القیام به، إلا أنه یتبین من نص هذه المادة الجدیدة بأنها أشارت إلى الشیء محل العقد، واشترطت وجود المحل، وذلک بأن یکون الأداء حاضراً، والذی یتمثل بالوجود الحقیقی، أی أن ینصب الأداء على شیء موجود فعلاً وقت التعاقد، ولا ینعقد العقد إذا لم یکن ذلک الشیء موجوداً وقت اتفاق الإرادات. کما اشترطت المادة (1163) أن یکون الأداء ممکناً ومعیناً أو قابلاً للتعیین. فالأداء ینبغی أن یکون ممکناً، إذ لا التزام بمستحیل. ویتعلق شرط الإمکان بمحل الالتزام نفسه دون محل العقد، فالعقد لا ینعقد أصلاً إذا لم یکن الشیء موجوداً أو قابلاً للوجود على الأقل فی المستقبل. کما ینبغی أن یکون الشیء محل العقد معیناً أیضاً أو قابلاً للتعین على الأقل لکی یکون العقد صحیحاً. ویعد شرط تعیین المحل أو قابلیته للتعیین من أهم الشروط التی ینبغی أن یتسم بها المحل وفقاً للتعدیل الجدید، لأنه شرط مستمد من طبیعة مضمون العقد نفسه، والذی ینبغی أن یکون مؤکداً وفقاً المادة (1128) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی. ولا یکون المضمون مؤکداً، إلا إذا کان معیناً أو قابلاً للتعیین على الأقل. إلا أنه إذا لم یتم تعیین نوعیة الأداء الذی ینبغی على الملتزم القیام به فی العقد، ولم تکن قابلة للتعیین أیضاً، فإن مصیر العقد لا یکون البطلان على الرغم من ذلک. فقد سمح التعدیل الجدید للمدین أن یقدم أداءً ینسجم مع التوقعات المشروعة للمتعاقدین، وتستعین المحکمة بثلاثة عوامل فی تعیین الأداء التعاقدی، وهی طبیعة الأداء نفسه والعرف وقیمة المقابل. وذلک بمقتضى المادة (1166) الجدیدة التی أضیفت إلى القانون المدنی الفرنسی، والتی نصت على أنه (عندما لا تکون نوعیة الأداء معینة أو قابلة للتعیین بمقتضى العقد، فإنه ینبغی على المدین أن یقدم أداءً یتفق مع التوقعات المشروعة للأطراف بالنظر إلى طبیعته والأعراف السائدة وقیمة المقابل). إلا أنه واستثناءً من شرط وجوب تعیین الأداءات التعاقدیة باتفاق إرادات الأطراف فقد أجازت المادة (1164) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی تعیین تلک الأداءات بإرادة أحد الأطراف المتعاقدة بمفرده خروجاً عن القواعد العامة المتعلقة بمضمون العقد، وذلک عندما سمحت بالاتفاق على تحدید الثمن فی عقود الأطر (Les contrats cadre) بالإرادة المنفردة لأحد الأطراف المتعاقدة دون الآخر. إذ نصت على أنه (یجوز الاتفاق فی عقود الأطر على أن یتم تحدید الثمن بالإرادة المنفردة لأحد الطرفین المتعاقدین، ویقع على عاتقه عبء إثبات المقدار عندما یراد التحقق من ذلک، وفی حالة التعسف فی تحدید الثمن فإنه یمکن رفع دعوى إلى القاضی لطلب الحصول على التعویضات، ویصار إلى فسخ العقد عند الاقتضاء). وکانت الهیئة الموسعة لمحکمة النقض الفرنسیة قد أجازت فی أربعة قرارات صدرت عنها فی الأول من کانون الأول/ دیسمبر عام 1995 تحدید الثمن بالإرادة المنفردة (La détermination unilatérale) کما أجازت فی الوقت نفسه عدم تحدیده مبدئیاً فی عقود الأطر. فیجوز غیاب تحدید الثمن مبدئیاً عن عقود التورید، أو تحدیده بالإرادة المنفردة لأحد الطرفین، ومع ذلک یبقى العقد الإطاری صحیحاً. وعلى الرغم من غیاب النص التشریعی، فقد استمر العمل بمقتضى هذه القرارات الأربعة لفترة زمنیة طویلة، إلى أن أجرى المشرع الفرنسی تعدیله الأخیر، والذی سمح بمقتضاه بتحدید الثمن فی عقود الأطر بالإرادة المنفردة لأحد الطرفین المتعاقدین. أما القانون الانکلیزی فقد عد مقابل الالتزام بالوعد رکناً مستقلاً من أرکان العقد الرضائی، وتلعب بنود العقد دوراً کبیراً فی تحدید المقابل، والذی هو حق أو مصلحة أو منفعة أو فائدة تؤول إلى أحد الطرفین المتعاقدین فی مقابل امتناع عن عمل أو خسارة أو مسؤولیة أو أذى یتحمله الطرف الآخر.
ثانیاً: موقف القانون الإنکلیزی: على الرغم من عدم عد محل العقد کرکن مستقل من أرکان العقد الرضائی فی القانون الانکلیزی، إلا أنه یکاد یتداخل مع رکن مقابل الالتزام بالوعد. ولأن مقابل الالتزام یجسد فکرة تقابل الأداءات التعاقدیة، فإنه ینطوی ضمنیاً على محل العقد، وبالتالی محل الالتزام أیضاً. لأنه أثر من آثار العقد. ویتضمن القانون الإنکلیزی نظاماً قانونیاً آخر یتحدد بمقتضاه وجود أو عدم وجود محل العقد، وهو استحالة تنفیذ الالتزام الناشئ عن محل العقد، والذی تناوله قانون الأحکام العام الانکلیزی العرفی غیر المکتوب والمبنی على السوابق القضائیة فی نظام قانونی آخر غیر أرکان العقد. ویقصد به استحالة تنفیذ الالتزام التعاقدی اللاحق على إبرام العقد، وذلک بسبب هلاک محل العقد، فتقضی المحکمةبفسخ العقدوإعفاء الأطراف المتعاقدة من التزاماتها التعاقدیة لهلاک محل العقد. وهو ما أخذت به المحکمة فی حکمها الصادر فی قضیة فی قضیة (Taylor v. Caldwell 1863) والتی تتلخص وقائعها باستئجار المدعی السید (Taylor) لقاعة الحفلات الموسیقیة والحدائق الملحقة بها والمعروفة بـ(Surrey Gardens & Music Hall) من المدعى علیه السید (Caldwell) مالک تلک القاعة لإحیاء أربعة حفلات موسیقیة من الخامس عشر من حزیران وحتى التاسع عشر من آب عام 1863. إلا أنه وقبل البدء بإحیاء تلک الحفلات شب حریق هائل التهم القاعة، وأدى إلى تدمیرها تدمیراً کاملاً. وقد ثبت بأن نشوب الحریق لم یکن بتقصیر من الطرفین. فأقام المدعی الدعوى على أساس الإخلال بالالتزامات العقدیة. اعترض على صرامة تلک القاعدة وذکر المحکمة بقسوتها وإجحافها، فقضت المحکمة فی حکمها الذی أصدره القاضی (Blackburn) بفسخ العقدوإعفاء المدعى علیه من التزاماته التعاقدیة، لهلاک محل العقد على أساس مبدأ استحالة تنفیذ الالتزام التعاقدی، والذی بمقتضاه یعفى المدین المدعى علیه من التزاماته التعاقدیة، إذا استحال علیه تنفیذها بسبب أجنبی لا یمکن دفعه أو توقعه. أما مجرد الإرهاق (Hardship) الذی قد یتعرض له أحد الطرفین المتعاقدین فلا یکفی بحد ذاته لفسخ العقد وإعفاء ذلک الطرف من التزاماته التعاقدیة.
ثالثاً: موقف القانون المدنی العراقی: إن محل الالتزام هو تنفیذ ما اتفقت علیه إرادات الأطراف المتعاقدة، ویکون عملاً أو امتناعاً عن عمل أو نقل حق عینی. وقد نصت المادة (126) من القانون المدنی العراقی على أنه (لا بد لکل التزام نشأ عن العقد من محل یضاف إلیه یکون قابلاً لحکمه، ویصح ان یکون المحال مالاً، عیناً کان او دیناً او منفعة، او أی حق مالی آخر کما یصح ان یکون عملاً او امتناعاً عن عمل). ویشترط فی المحل، سواء أکان محلاً للعقد أم للالتزام توافر ثلاثة شروط لکی یکون العقد صحیحاً: الأول أن یکون المحل موجوداً أو ممکناً. والثانی أن یکون معیناً أو قابلاً للتعیین. والثالث أن یکون قابلاً للتعامل فیه أو مشروعاً. وبالنسبة إلى شرط التعیین أو القابلیة للتعیین فینطبق على المحل عموماً سواء أکان محلاً للعقد أم محلاً للالتزام. فمحل الالتزام عملاً کان أم امتناعاً عن عمل ینبغی أن یکون معیناً تعییناً کافیاً نافیاً للجهالة الفاحشة، أی خلوه من الغرر. أو قابلاً للتعیین على الأقل. ویصح الشیء نفسه إذا کان محل الالتزام یتمثل بالإعطاء. کما ینبغی أن یکون محل العقد معیناً أو قابلاً للتعیین، بتحدید الأسس التی یتم فی ضوئها تعیینه. سواء أکان عیناً معینة بالذات أم شیئاً معیناً بنوعه. وقد قضت بذلک الفقرة الأولى من المادة (128) من القانون المدنی العراقی، والتی نصت على أنه ( یلزم أن یکون محل الالتزام معیناً تعییناً نافیاً للجهالة الفاحشة سواء کان تعیینه بالإشارة الیه أو الى مکانه الخاص ان کان موجوداً وقت العقد او ببیان الاوصاف الممیزة له مع ذکر مقداره ان کان من المقدرات، او بنحو ذلک مما تنتفی به الجهالة الفاحشة ولا یکتفى بذکر الجنس عن القدر والوصف). فإذا لم یتعین المحل تعییناً کافیاً نافیاً للجهالة الفاحشة، أو لم یکن قابلاً للتعیین على الأقل کان العقد باطلاً. ویشترط أخیراً أن یکون محل العقد مشروعاً، بأن یکون قابلاً للتعامل فیه. وأن لا یخرج عن التعامل بطبیعته أو بحکم القانون. ونقترح على المشرع العراقی أن یورد نصاً فی القانون المدنی العراقی یحدد فیه محتوى أو مضمون مقتضى العقد الذی اختلفت آراء الفقه الاسلامی فی تحدید محتواه. وأن یراعی فی تحدیده مفهومه الأصلی المقتبس من الفقه الإسلامی الذی یشتمل على أحکامه أو الالتزامات الجوهریة الناشئة عنه، مع إمکانیة شموله للمفهوم الجدید الواسع لمضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی، والذی اشتمل أیضاً على الشروط التعاقدیة.
المطلب الثانی
الشروط التعاقدیة فی القانونین الفرنسی والمقارن
تعد الشروط التعاقدیة جزءاً من مضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی فی نسخته الحدیثة، لذا فسوف نبحث فی هذا الجزء المهم من مضمون العقد مع مقارنته بموقف القانونین الإنکلیزی والعراقی وکما یأتی:
أولاً: موقف القانون المدنی الفرنسی: على الرغم من أن المشرع الفرنسی وسع من نطاق مضمون العقد لیشمل الشروط التعاقدیة شریطة عدم مخالفتها لأحکام المادتین (1170) و(1171) الجدیدتین اللتین أضیفتا إلى القانون المدنی الفرنسی بمقتضى المرسوم السالف الذکر. إلا أن هناک رأی قدیم فی الفقه الفرنسی کان یرى وقبل صدور هذا المرسوم بفترة طویلة أن الشروط التعاقدیة تعد جزءاً لا یتجزأ من مضمون العقد. ومن أبرز الشروط التی تدخل ضمن نطاق مضمون العقد هی شروط الإعفاء أو التشدید من المسؤولیة العقدیة کشرط الإعفاء من المسؤولیة العقدیة. وکذلک شرط القوة القاهرة، والذی هو عبارة عن بند تعاقدی یدرج فی العقد، ویستعمل کوسیلة لتحقیق غرض رئیس هو حمایة العقد والمحافظة علیه(Sauvegarde du contrat) من الزوال، ولا سیما فی العقود الزمنیة الداخلیة والدولیة، والتی یلعب فیها هذا الشرط دوراً بارزاً بعده وسیلة فاعلة لحمایة العقد. ویحقق هذا الشرط وظیفته الحمائیة بطریقتین: الأولى هی وقف العقد:
(la suspension du contrat) عند وجود مانع مؤقت یحول دون تنفیذ الأداءات التعاقدیة . وبمقتضى هذه الوظیفة التی یضطلع بها هذا الشرط فإن القوة القاهرة لم تعد سبباً لإنفساخ العقد تلقائیاً وبقوة القانون، وانقضاء الالتزامات المترتبة علیه، إلا فی حالات معینة کهلاک الشیء محل العقد إذا کان قیمیاً، واستحالة تنفیذ الالتزامات الناشئة عنه نهائیاً. ویمکن لهذا الشرط أن یرتب أثره المتمثل بوقف تنفیذ العقد أو تعلیقه، وتعطیل سریان الالتزامات التعاقدیة الناشئة عنه إلى حین زوال أثر القوة القاهرة، ولا سیما فی حالات القوة القاهرة الجزئیة والمؤقتة. والثانیة هی تعدیل العقد (l'adaptation du contrat)، إذ تنطوی وظیفة التعدیل التعاقدی لهذا الشرط على العدید من الوسائل الفنیة التعاقدیة لتعدیل العقد والالتزامات الناشئة عنه، ومن أبرزها إعادة التفاوض على العقد عند تغیر الظروف الملابسة له. وجدیر بالذکر فقد تبنى القانون المدنی الفرنسی المفهوم الواسع للقوة القاهرة، خلافاً لقانون الأحکام العام الانکلیزی والذی قصره على الحادثة الطبیعیة (Act of God) التی تحدث بأمر الله تعالى المسخِر لقوى الطبیعة، ویعدها قوة طبیعیة لا یمکن دفعها أو توقعها. کما ینطوی مضمون العقد أیضاً على شرط عدم المنافسة، والذی یکون محظوراً کأصل عام، ما لم یتم تحدیده ضمن مدة ومکان معینین. وهناک أیضاً شرط تغیر الأسعار (La clause d'échelle mobile ) والذی غالباً ما یجری إدراجه فی العقود لإعادة تقدیر القیمة الأسمیة للأجور والأداءات على أساس التغییرات الحاصلة فی قیم اقتصادیة معینة، أو مؤشرات أخرى لإعادة التقدیر کسعر الذهب، أو سعر عملة أجنبیة معینة، أو أسعار بعض المحاصیل الزراعیة الرئیسة کالقمح. وقد یدرج مثل هذا الشرط فی العقود الزمنیة أو عقود المدة ویعرف بشرط إعادة تقدیر الثمن:
(La clause d'indexation) على أساس مؤشرات مرجعیة، والذی یمکن بمقتضاه تعدیل الثمن وفقاً لمؤشر اقتصادی. وجدیر بالذکر فقد سمحت المادة (1167) الجدیدة التی أضیفت إلى القانون المدنی الفرنسی بالرجوع إلى مثل هذین المعیارین لتحدید الثمن، أو أی معیار آخر أقرب إلیهما أو وثیق الصلة بهما، فی حالة عدم وجودهما. إذ نصت على أنه (إذا کان ینبغی تحدید الثمن أو أی رکن آخر من أرکان العقد بالرجوع إلى مؤشر غیر قائم، أو لم یعد موجوداً، أو غیر متاح. فإنه یمکن استبداله بالمعیار الأقرب إلى ذلک المعیار). وأخیراً فقد ینطوی مضمون العقد على ما یعرف بشرط الإرهاق:
(La clause de hardship) أو شرط الظرف الطارئ، والذی یمکن بمقتضاه تعدیل الالتزامات التعاقدیة. نتیجة ظروف طارئة أدت إلى اختلال التوازن الاقتصادی بین الطرفین، وصار بسببها تنفیذ أحد الطرفین لالتزاماته التعاقدیة أکثر إرهاقاً مما کان علیه وقت إبرام العقد.
ثانیاً: موقف القانون الإنکلیزی: یتمثل مضمون العقد فی القانون الانکلیزی، وکما أشرنا سابقاً، بفکرتین هما مقابل الالتزام بالوعد والبنود التعاقدیة. وما یهمنا هنا هو البنود التعاقدیة التی تعد شروطاً تعاقدیة، وتصنف إلى ثلاثة أنواع وهی الشروط (Conditions) والبنود الضامنة (Warranties) والبنود غیر المسماة (Innominate Terms). ویکاد الشرط یکون البند الأکثر أهمیة من بینها، لأنه یتصل بجوهر العقد، ویعد قلبه النابض، وهو أمر حیوی أو أساسی لتحقیق الغرض الرئیس من العقد. وإذا أخل به أحد الطرفین المتعاقدین، فإنه یحق للطرف الآخر المتضرر، التوقف عن تنفیذ التزاماته الناشئة عن العقد، والمطالبة بفسخه فضلاً عن التعویضات. وما یهمنا فی هذا المجال هو الشرط الوعدی الذی یعد شرطاً تقییدیاً، وهو بند تعاقدی یلتزم بمقتضاه أحد الطرفین بالقیام بعمل معین، وفی حالة عدم تنفیذه لهذا العمل، فإن ذلک یعد إخلالاً بالتزامه الناشئ عن العقد.
ثالثاً: موقف القانون المدنی العراقی: أقام المشرع العراقی العقد عموماً على ثلاثة أرکان هی التراضی والمحل والسبب، ولا یزال متمسکاً برکن السبب. إلا أنه وعلى الرغم من ذلک فقد تبنى بعض المفاهیم القانونیة التی تقترب من مفهوم مضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی، کمقتضى العقد ورکن المحل نفسه. فضلاً عن الشرط المقترن بالعقد، أو ما یعرف أیضاً بالشرط التقییدی، والذی هو اتفاق یتناول آثار العقد بالتأکید أو التعدیل. ویتم تعدیل آثار العقد إما بإضافة التزام جدید لیس من مقتضى العقد أو استبعاد التزام من مقتضى العقد. إذ وضع له المشرع العراقی قاعدة عامة بمقتضى المادة (131) من القانون المدنی العراقی. والتی أجازت فقرتها الأولى أن یقترن العقد بشرط یؤکد مقتضاه أو یلائمه أو یکون جاریاً به العرف والعادة. کما أجازت الفقرة الثانیة من هذه المادة للعاقدین أن یشترطا اقتران عقدها بشرط، على أساس أن هذا الشرط فیه نفع لأحدهما أو للغیر. طالما أنه لیس ممنوعاً قانوناً أو مخالفاً للنظام العام أو للآداب، وإلا وقع الشرط باطلاً. وفی هذه الحالة یبطل الشرط وحده ویبقى العقد قائماً. إلا إذا کان الشرط هو الدافع إلى التعاقد فیبطل العقد کله. کما ینبغی أن لا یکون الشرط مناقضاً لمقتضى العقد، والمتمثل بمضمون العقد، أو الالتزامات الأساسیة أو الجوهریة الناشئة عن العقد. وأخیراً فإننا نوصی المشرع العراقی أن یضیف فقرة ثالثة إلى المادة (131) من القانون المدنی العراقی تبطل کل شرط تقییدی أو مقترن بالعقد یجرد مقتضى العقد أو مضمونه أو الالتزامات الجوهریة الناشئة عنه من محتواها أو الغایة منها، وذلک أسوة بالمادة (1170) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی. حتى وإن لم یکن مخالفاً للنظام العام أو للآداب، ما دام یسلب مقتضى العقد أو الالتزامات الجوهریة الناشئة عنه من غایتها التی وضعت من أجلها. وذلک لعدم کفایة الفقرة الثانیة من المادة (131) من القانون المدنی العراقی، والتی قصرت إبطال الشرط المقترن بالعقد على کونه مخالفاً للنظام العام أو للآداب، سواء أکان هو الدافع إلى التعاقد أم لا.
المبحث الثالث
الجزاء المترتب على تخلف شروط مضمون العقد فی القانونین الفرنسی والمقارن
کنا قد أشرنا سابقاً إلى أن المادة (1128) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی عدت مضمون العقد رکناً جدیداً من أرکان العقد، واشترطت لصحته توافر شرطین. الأول أن یکون المضمون مشروعاً، والثانی أن یکون مؤکداً . وقد رتب القانون المدنی الفرنسی بعد التعدیل الجدید جزاءً على تخلف أحد هذین الشرطین أو کلیهما. ولأن مضمون العقد ینطوی أیضاً على الشروط التعاقدیة، فسوف نبحث أیضاً الجزاء المترتب على تعسف تلک الشروط أو عدم تحقیقها للغرض الذی وضعت من أجله وکما یأتی:
المطلب الأول
الجزاء المترتب على تخلف شرط المشروعیة
إن البحث فی الجزاء المترتب على تخلف شرط المشروعیة یستلزم منا دراسة موقف القانون المدنی الفرنسی من هذا الموضوع بعد التعدیل الجدید ثم مقارنته بموقف القانونین الإنکلیزی والعراقی وکما یأتی:
أولاً: موقف القانون المدنی الفرنسی: کنا قد أشرنا سابقاً إلى أن المادة (1128) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی، والتی حددت الأرکان الجدیدة للعقد فی هذا القانون اشترطت أن یکون مضمون العقد مشروعاً ومؤکداً. ویقوم شرط المشروعیة فی القانون المدنی الفرنسی مقام رکن السبب وفقاً للنظریة الحدیثة، بعد الغاء السبب نهائیاً بمفهومه القدیم وفقاً للنظریة التقلیدیة، والمتمثل بسبب الالتزام أو لماذا التزم المدین؟، والذی صار عدیم الفائدة. فحل هذا الشرط محل رکن السبب وفقاً لمفهوم النظریة الحدیثة والمتمثل بالباعث الدافع على التعاقد، أو ما یعرف بالمفهوم القضائی للسبب، والذی ینبغی أن یکون مشروعاً دائماً. فالسبب وفقاً لمفهومه الحدیث لم یتم إلغاؤه نهائیاً. وکل ما حدث هو إدماجه بالمحل تحت مفهوم شرط مشروعیة رکن مضمون العقد. وقد تم ذلک بإلغاء المادة (1131) القدیمة من القانون المدنی الفرنسی التی جمعت بین مفهوم السبب فی النظریتین، والتی کانت تنص على أن (الالتزام دون سبب أو لسبب، أو لسبب موهوم، أو غیر مشروع لا تترتب علیه أیة آثار). وکذلک المادة (1133) القدیمة التی اشترطت لعدم مشروعیة السبب أن یکون محظوراً قانوناً أو مخالفاً للآداب العامة أو للنظام العام، والتی کانت تنص على أنه ( یکون السبب غیر مشروع عندما یکون محظوراً قانوناً أو مخالفاً للآداب العامة أو للنظام العام). وفی مقابل إلغاء هذین النصین فقد اشترط المشرع الفرنسی لتحقیق شرط المشروعیة بمقتضى المادة (1162) الجدیدة السالفة الذکر عدم مخالفة العقد للنظام العام بشروطه وبمقاصده، سواء أدرکتها الأطراف المتعاقدة أم لم تدرکها. وقد حددت المادة (1178) الجدیدة التی أضیفت إلى القانون المدنی الفرنسی الجزاء المترتب على تخلف شرط مشروعیة المضمون ببطلان العقد، لأنه یکون قد افتقر فی مثل هذه الحالة إلى رکن من أرکانه. إذ نصت على أنه (یعد باطلاً العقد الذی لا یستوفی الأرکان المطلوبة لصحته، وعلى القاضی أن یقضی ببطلانه من تلقاء نفسه، مالم یثبت ذلک بالاتفاق المشترک بین الأطراف. وإذا أبطل العقد فإنه یعد غیر موجود على الإطلاق).
ثانیاً: موقف القانون الإنکلیزی: أخذ القانون الانکلیزی بمبدأ عدم المشروعیة، والذی بمقتضاه تبطل العقود إما لکونها غیر مشروعة أو لکونها باطلة، وذلک لمخالفتها لنص تشریعی أو لقواعد النظام العام. ویصنف العقد غیر المشروع بدوره إلى نوعین: الأول هو العقد غیر المشروع بمقتضى نص التشریع، وهو ذلک الاتفاق الذی یحظر إبرامه بنص تشریعی. أما الثانی فهو العقد غیر المشروع فی ظل قانون الأحکام العام على أساس مخالفته للنظام العام، لکونه یلحق ضرراً بالمجتمع. ویعد مثل هذا النوع من العقود باطلاً، ولا تترتب علیه أیة حقوق، ولا یکون بمقدور الطرفین إقامة الدعوى على أساسه. استناداً على المبدأ القاضی (بعدم إمکانیة إقامة الدعوى على أساس موضوع شائن أو سبب دنیء) (Ex turpi Causa non Oritur Actio). أما العقد الباطل فیصنف أیضاً إلى نوعین أیضاً: الأول هو العقد الباطل لمخالفته للتشریع. ویقصد به ذلک الاتفاق الذی ینص التشریع على إبطاله بنص صریح، مثال ذلک عقد المقامرة (Wagering Contract) والذی أبطله تشریع المقامرة لعام 1845 (Gaming Act 1845). والثانی هو العقد الباطل فی ظل قانون الأحکام العام على أساس مخالفته للنظام العام. ویعد مثل هذا النوع من العقود باطلاً أیضاً، إلا أنه قد لا تترتب على إبطاله إبطال الصفقات الثانویة أو التبعیة ما لم تکن مرتبطة ارتباطاً وثیقاً وحصریاً بالجزء الباطل من العقد الأصلی أو الصفقة الأصلیة. ففی قضیة (Wallis V. Day 1837) تضمن عقد العمل (Contract of Employment) نصاً أبطلته المحکمة، لأنه عد تقییداً لحریة العمل أو المهنة (Restraint of Trade) إلا أن ذلک لم یمنع المدعی من الحصول على مبالغ الدیون المتأخرة والمستحقة من أجوره.
ثالثاً: موقف القانون المدنی العراقی: یقوم العقد الرضائی فی هذا القانون على ثلاثة أرکان یترتب على تخلف إحداها، أو عدم توافر الشروط اللازمة فی إحداها وهو الرضاء بطلان العقد. وقد قضت الفقرة الأولى من المادة (130) من هذا القانون ببطلان العقد إذا کان محله محظوراً قانوناً أو مخالفاً للنظام العام أو للآداب العامة، عندما نصت على أنه (یلزم أن یکون محل الالتزام غیر ممنوع قانوناً ولا مخالفاً للنظام العام والآداب وإلا کان العقد باطلاً). کما قضت الفقرة الأولى من المادة (132) منه ببطلان العقد، إذا لم یکن السبب موجوداً، أو لم یکن مشروعاً بأن کان مخالفاً للنظام العام أو الآداب. إذ نصت على أنه (یکون العقد باطلاً إذا التزم المتعاقد دون سبب أو لسبب ممنوع قانوناً ومخالف للنظام العام او للآداب). ویرى جانب من فقه القانون المدنی العراقی بأن هذا النص یستوعب النظریتین التقلیدیة والحدیثة فی السبب، وهما نظریتا سبب الالتزام وسبب العقد أی الباعث الدافع إلى التعاقد. کما تردد القضاء العراقی فی أحکامه أیضاً بین هاتین النظریتین، وقد تبنى القضاء العراقی النظریة الحدیثة فی السبب فی بعض أحکامه، فقد أخذت محکمة تمییز العراق بالباعث الدافع على التعاقد فی بعض أحکامها وهو ما یمثل سبب العقد، کما أخذت فی أحکام أخرى لها بالسبب القصدی، أی سبب الالتزام وفقا للنظریة التقلیدیة للسبب. إلا أنها اتجهت فی أحکام حدیثة لها إلى تبنی فکرة السبب وفقاً للنظریة الحدیثة، والتی یترتب علیها بطلان العقد، إذا کان السبب غیر مشروع، أی ممنوعاً قانوناً أو مخالفاً للنظام العام أو للآداب، وترجیحها على النظریة التقلیدیة. إذ جاء فی أحد أحکامها بأن (تعهد الممیز علیه/ المدعى علیه بأداء مبلغ قدره (20) ملیون دینار إلى زوجته الممیزة/ المدعیة إذا قرر یوماً طلاقها وإخراجها من بیته یعد سبباً ممنوعاً قانوناً ومخالفاً للنظام العام. وعلیه یکون التعهد باطلاً عملاً بأحکام المادة (132) من القانون المدنی ومن حق المدعى علیه عدم الوفاء به، وهذا ما قضت به محکمة الموضوع لذا قرر تصدیق الحکم والطعون التمییزیة). وجاء فی حکم آخر لها بأن (الممیز/ المدعى علیه أقر فی جلسة المرافعة لیوم 28/11/ 2013 بأن سبب تحریر الصک من الممیز علیه/ المعترض/ المدعى علیه کان لغرض عدم إجراء الضم على مبلغ مزایدة العقار الذی أحیل على المدعى علیه وسجل باسمه. لذا یکون التزام ساحب الصک المدعى علیه ممنوعاً قانوناً ولا یفید الحکم أصلاً عملاً بأحکام المادتین (132/1) و(138) من القانون المدنی، وحیث أن محکمة الموضوع قد راعت ذلک فی حکمها الممیز علیه قرر تصدیقه ورد الطعون التمییزیة). ونحن نرى بأنه یجدر بالمشرع العراقی أـن یحذو حذو المشرع الفرنسی ویتخلص نهائیاً من رکن السبب بمفهومه القدیم المتمثل بسبب الالتزام وفقاً للنظریة التقلیدیة، والذی یمکن الاستغناء عنه بفکرة المحل. کما یمکن الإبقاء على فکرة السبب وفقاً للنظریة الحدیثة، أی الباعث الدافع إلى التعاقد. ولکن لیس بوصفها رکناً مستقلاً من أرکان العقد. ولکن بدمجها فی مضمون العقد أو مقتضاه، وذلک بالاشتراط بأن یکون مشروعاً. ونرى أیضاً بأن المشرع العراقی یمکنه أن یصل إلى هذه الغایة بالرجوع إلى أصالة الفقه الإسلامی الجلیل، والذی لم یعالج فقهاؤه السبب کرکن من أرکان العقد، ولکنهم أخذوا بفکرة المقصود فی العقود. ولعل فکرة مضمون العقد المشروع بعد التعدیل الجدید على القانون المدنی الفرنسی عام 2016 هی أقرب ما تکون إلى فکرة القصد غیر المشروع عند الفقهاء المالکیة والحنابلة. فقد جاء فی هذین الفقهین بأن بیع العصیر لمن یعتقد أنه یتخذه خمراً محرم. أو بیع السلاح لمن یعلم أنه یرید به قطع الطریق على المسلمین أو إثارة الفتنة بینهم. فالقصد والباعث یؤخذ بهما فی الفقه الحنبلی، ویکتفى بما یدل علیهما من ظروف وقرائن. فمن یقول أن القصد غیر معتبر فی العقد فإن قوله یتنافى مع سنة رسول الله صلى الله علیه وسلم. خلافاً للمذهبین الشافعی والحنفی اللذین لا یأخذان بهما، إلا إذا دل علیهما دلیل مادی ظاهر من العبارة التی تدرج فی صیغة العقد. فالقاعدة فی الفقهین المالکی والحنبلی أن القصد غیر المشروع یؤخذ بنظر الاعتبار ویبطل العقد تبعاً لذلک، سواء أکان ظاهراً فی العقد، بأن کان منصوصاً علیه فیه وصار جزءاً من صیغته، أو کان مستفاداً من طبیعة المحل. أم لم یکن ظاهراً فی العقد، ولکن علم به المتعاقد الآخر. أو کان باستطاعته أن یعلم به بالظروف والقرائن التی تدل على القصد السیء. وهی فکرة قریبة أیضاً من فکرة مضمون العقد المشروع الذی انطوى ضمنیاً على السبب بمفهومه الحدیث وهو الباعث الدافع على التعاقد، على الرغم من زوال رکن السبب کرکن مستقل من أرکان العقد. ونوصی المشرع العراقی أخیراً أن یقرر قاعدة عامة جدیدة لبطلان العقد فی ضوء التقسیم الثنائی المقترح لأرکان العقد، وتخلف احد شرطی مضمون العقد المتمثل بمقتضاه.
المطلب الثانی
الجزاء المترتب على تخلف شرط التأکید أو الیقین
کنا قد ذکرنا بأن مضمون العقد یکون مؤکداً، إذا معیناً أو قابلاً للتعیین. وقد اشترطت المادة (1163) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی، والتی أشرنا إلیها سابقاً، لکی یکون مضمون العقد مؤکداً أن یکون ممکناً وکذلک معیناً أو قابلاً للتعیین على الأقل. وحددت المادة (1178) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی المشار إلیها سابقاً الجزاء المترتب على تخلف شرط تأکید المضمون أو یقینیته ببطلان العقد، لأنه یکون قد افتقر إلى رکن جوهری من أرکانه. وعلى الرغم من أن الجزاء المتمثل ببطلان العقد لیس فیه ثمة جدید، إلا أن المادة (1166) الجدیدة التی أضیفت إلى القانون المدنی الفرنسی أوردت أمراً جدیداً مثل استثناءً على هذه القاعدة، عندما اشترطت لصحة العقد تقدیم المدین لأداءٍ یتفق مع التوقعات المشروعة للأطراف بالنظر إلى طبیعته والأعراف السائدة وقیمة المقابل. إذا کانت نوعیة الأداء غیر معینة أو غیر قابلة للتعیین على الأقل بمقتضى العقد. کما منحت المادة (1102) الجدیدة المتعاقدین الحریة فی تعیین أو تحدید مضمون العقد. إلا أن هذه الحریة التعاقدیة ینبغی أن تکون مقیدة بالقانون، وأن لا یسمح لها بمخالفة قواعد النظام العام. فقد نصت هذه المادة على أن (یتمتع کل طرف بالحریة فی التعاقد أو بعدم التعاقد واختیار المتعاقد الآخر، وتعیین مضمون وشکل العقد فی الحدود التی رسمها القانون. ولا تسمح الحریة التعاقدیة بمخالفة قواعد النظام العام). أما فی القانون الإنکلیزی فقد ذکرنا بأنه یشترط فی مقابل الالتزام بالوعد کرکن من أرکان العقد الرضائی لکی یکون مؤکداً أن یکون حقیقیاً أو کافیاً ویتخلف شرط التأکید أو الیقین فی القانون الإنکلیزی إذا لم یتمتع المقابل بقیمة اقتصادیة حقیقیة أو کافیة، أو لم یکن معیناً تعییناً کافیاً، لأنه یمثل المنفعة التی تؤول إلى الواعد فی مقابل الخسارة التی یتعرض لها الموعود له. أما بالنسبة إلى القانون المدنی العراقی فقد قضت الفقرة الثالثة من المادة (128) منه ببطلان العقد، إذا لم یتعین المحل تعییناً کافیاً نافیاً للجهالة الفاحشة، أو لم یکن قابلاً للتعیین على الأقل. لأن الجهالة الفاحشة تعنی عدم الإحاطة بتحدید ماهیة المحل وأوصافه، مما یسوغ بطلان العقد لافتقاره إلى رکن من أرکانه.
المطلب الثالث
الجزاء المترتب على تعسف الشروط التعاقدیة أو عدم تحقیقها للغرض الذی وضعت من أجله
تترتب على تعسف الشروط التعاقدیة أو عدم تحقیقها للغرض الذی وضعت من أجله بعض الجزاءات فی القانون المدنی الفرنسی، کما فرض القانونان الإنکلیزی والعراقی جزاءً معیناً على تعسف تلک الشروط وکما یأتی:
أولاً: موقف القانون المدنی الفرنسی: فرق المشرع الفرنسی فی تعدیله الأخیر بین نوعین من الجزاءات المفروضة على الشروط التعاقدیة، الأول هو الجزاء المفروض على الشروط التعسفیة. والثانی الجزاء المفروض على الشروط التعاقدیة لعدم تحقیقها للغرض الذی وضعت من أجله. فبالنسبة إلى النوع الأول فقد نصت المادة (1171) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی على أنه ( یعد غیر مکتوب کل شرط یحدث اختلالاً خطیراً فی التوازن فی عقد الإذعان بین حقوق والتزامات الأطراف. ولا یتعلق تقدیر اختلال التوازن الخطیر بالغرض الرئیس من العقد ولا بملاءمة الثمن للأداء). ویقصد بعبارة "أن الشرط یعد غیر مکتوب" (est réputée non écrite) وجوب استبعاد مثل هذا النوع من الشروط تماماً من العقد، وعدم السماح له بترتیب آثاره. وقد نظم المشرع الفرنسی هذه المادة الجدیدة وأدرجها فی القانون المدنی الفرنسی لحمایة العاقد الضعیف على وجه العموم، والمستهلک على وجه الخصوص من الشروط التعسفیة. على الرغم من أن عقود الإذعان لا تقتصر على عقود المستهلک، بل تتجاوز ذلک لتشمل عقود التأمین، وعقود التوزیع، وعقود الامتیاز. فعقد الإذعان یفتقر إلى القدرة على التفاوض الذی یستند على مبدأ الحریة التعاقدیة، وذلک لمناقشة الشروط الجوهریة التی من المقرر أن یتضمنها العقد النهائی. ولا سیما فیما یتعلق بمسألتین مهمتین هما الثمن وشروط الإعفاء من المسؤولیة العقدیة. فالغایة من هذه المادة هی حمایة العاقد الضعیف فی عقد الإذعان . وقد سرى مفعول هذه المادة على العقود المبرمة منذ الأول من أکتوبر/ تشرین الأول عام 2016. وعلى هذا الأساس فإن الشروط التعسفیة هی التی لا تکون موضوعاً لمفاوضات مستقلة بین الأطراف . ویرى جانب من الفقه الفرنسی بأن الشروط التعسفیة یمکن أن تظهر فی العدید من العقود، إلا أن المجال الأرحب لظهورها عادة ما یکون فی عقود المستهلک، وتتخذ العدید من الصیغ التی یمکن أن یلجأ إلیها المنتج أو المهنی کالشروط التی تخفف من مسؤولیته أو تعفیه منها تجاه المستهلک. أو الشروط التی تخل بمبدأ المساواة فی الحقوق والالتزامات بین الأطراف. فتمنح أحد الطرفین حقوقاً أکثر من الآخر، أو تفرض علیه قدراً أکبر من الالتزامات دون الآخر. وکذلک الشروط التی تمنح المنتج أو المهنی الحق فی تعدیل العقد بالإرادة المنفردة، أو التی تسمح له بتغییر مواصفات المنتجات المتفق على توریدها قبل التسلیم. أما بالنسبة إلى النوع الثانی فقد نصت المادة (1170) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی على أنه ( یعد غیر مکتوب کل شرط یجرد التزاماً جوهریاً من التزامات المدین من جوهره أو محتواه). ویکاد مثل هذا النوع من الشروط التی تجرد التزاماً جوهریاً من التزامات المدین من جوهره أو محتواه یتمثل بشرط الإعفاء من المسؤولیة العقدیة الناجمة عن إخلال بالتزام من التزاماته الجوهریة الناشئة عن العقد.
ثانیاً: موقف القانون الانکلیزی: تبنى القانون الإنکلیزی موقفاً مشابهاً لموقف القانون المدنی الفرنسی من حیث مسألة إبطال الشروط التعسفیة المدرجة فی العقد، وذلک عندما وضع المشرع الانکلیزی تشریعاً هو تشریع بنود العقد غیر المنصفة لعام 1977/
(Unfair Contract Terms Act 1977)، والذی نص على بعض الحالات التی یتم فیها إبطال شرط الإعفاء من المسؤولیة التعاقدیة إذا کان تعسفیاً. ویبطل هذا التشریع شروط الإعفاء من المسؤولیة العقدیة، إذا کانت تعسفیة بطریقتین: الأولى هی الإبطال المباشر ودون الحاجة إلى البحث عن توافر متطلبات معیار المعقولیة (requirements of test of reasonableness) فی ذلک الشرط. والثانیة هی إبطال شرط الإعفاء من المسؤولیة العقدیة التعسفی على أساس عدم استیفائه لمتطلبات معیار المعقولیة. ففی الحالة الأولى فقد قضت الفقرة الأولى من المادة الثانیة من التشریع السالف الذکر بإبطال شرط الإعفاء من المسؤولیة الناجمة عن الإهمال المفضی إلى الموت أو الإصابة الشخصیة (الجسدیة) إبطالاً مباشراً وسلبه فاعلیته تماماً، إذ نصت على أنه (لا یمکن لأی شخص استبعاد أو تخفیف مسؤولیته الناجمة عن الإهمال المفضی إلى الموت أو الإصابة الشخصیة عن طریق أی بند تعاقدی أو إخطار یمنح للکافة أو لأشخاص معینین). ویتبین من هذا النص بأن یبطل أی بند تعاقدی أو إخطار تعسفی یستبعد أو یخفف من المسؤولیة الناجمة عن الإهمال المفضی إلى الموت أو الإصابة الشخصیة، سواء أکان العقد مبرماً بین شخصین مهنیین، وفی مجرى المهنة التی یمارسونها، أم بین طرف مهنی وبین المستهلک. أما فی الحالة الثانیة فقد نصت الفقرة الأولى من المادة الحادیة عشرة من تشریع بنود العقد غیر المنصفة لعام 1977 على أنه (فیما یتعلق بالبند التعاقدی، فإن متطلب المعقولیة الواجب توافره، لتحقیق الأغراض المتوخاة من هذا الجزء من التشریع، هو لزوم أن یکون البند منصفاً ومعقولاً لکی یکون بالإمکان إدراجه، مع الأخذ بنظر الاعتبار الظروف المعلومة لدى الطرفین المتعاقدین وقت إبرام العقد، أو التی ینبغی العلم بها، وعلى نحو معقول، أو التی تکون داخلة فی توقعاتهم). ویتبین من هذا النص ضرورة توافر ثلاثة شروط لکی یستوفی شرط الإعفاء من المسؤولیة العقدیة لمتطلبات معیار أو اختبار المعقولیة: الأول أن یکون معقولاً أو منصفاً. والثانی أن یتم تقدیر معقولیة الشرط وقت إبرام العقد، ففی هذا الوقت بالذات ینبغی الأخذ بنظر الاعتبار الظروف المعلومة لدى الطرفین المتعاقدین أو التی ینبغی علیهم العلم بها. أو التی تدخل ضمن توقعاتهم المشروعة، لکی یکون الشرط منصفاً ومعقولاً. والثالث هو أن یکون الشرط على درجة کبیرة من الوضوح، فکلما زادت درجة وضوح الشرط، فأنه یکون أکثر إنصافاً ومعقولیة، وهو ما تأخذه المحکمة بنظر الاعتبار عند تقدیر معقولیة الشرط.
ثالثاً: موقف القانون المدنی العراقی: حددت الفقرة الثانیة من المادة (131) منه حکم الشروط التعاقدیة غیر المشروعة المخالفة للقانون أو للنظام العام أو الآداب والمقترنة بالعقد. وفرقت فی حکمها بین نوعین من هذه الشروط: الأول هو الشرط المقترن بالعقد والدافع إلى التعاقد، والثانی هو الشرط المقترن بالعقد غیر الدافع إلى التعاقد، وحکم الأول أنه یبطل هو والعقد الذی تضمنه، ویعرف بالشرط المبطل للعقد. أما حکم الثانی وهو الشرط اللغو، فیلغو ویصح العقد الذی تضمنه.
الخاتمـة
بعد الانتهاء من دراسة موضوع البحث فی متن هذه الدراسة فقد خصصنا الخاتمة لبیان أهم النتائج التی توصلنا إلیها فضلاً عن بعض التوصیات التی نراها ضروریة وکما یأتی:
أولاً: النتائج: وقد توصلت الدراسة إلى النتائج الآتیة:
1- یعد مضمون العقد رکناً جدیداً ومستقلاً من أرکان العقد فی القانون المدنی الفرنسی بعد التعدیل الجوهری الذی أجراه المشرع الفرنسی. ویتمثل بمحل الالتزام المترتب على العقد فضلاً عن الشروط التعاقدیة، وأن یکون مشروعاً ومؤکداً.
2- ألغى المشرع الفرنسی رکن السبب بمفهومه القدیم الذی دار حوله الجدل لفترة زمنیة طویلة، وتخلص من النظریة التقلیدیة للسبب نهائیاً. وأنشأ رکناً جدیداً هو مضمون العقد، والذی تضمن عنصرین رئیسین هما عنصر محل الالتزام، وعنصر الشروط التعاقدیة المقترنة بالعقد. کما احتفظ المشرع الفرنسی ضمنیاً بفکرة السبب بمفهومها الحدیث، وهو الباعث المشروع على التعاقد، بعد أن أدمجها بالمحل ضمن إطار رکن مضمون العقد، ولیس کرکن مستقل من أرکان العقد. عندما اشترط أن یکون هذا المضمون مشروعاً.
3- عدل المشرع الفرنسی أرکان العقد فی القانون المدنی الفرنسی تعدیلاً جذریاً، فقد ألغى (1108) القدیمة من هذا القانون، والتی کانت تؤسس العقد على أربعة أرکان هی: التراضی وأهلیة التعاقد والمحل المعین الذی یشکل موضوع التعهد والسبب المشروع للالتزام، واستبدلها بالمادة (1128) الجدیدة التی أضافها إلى هذا القانون، والتی بنت العقد على ثلاثة أرکان هی: التراضی وأهلیة التعاقد والمضمون المشروع والمؤکد.
4- یشترط لصحة مضمون العقد کرکن جدید للعقد فی القانون المدنی الفرنسی أن یتوافر فیه شرطان، الأول هو أن یکون مشروعاً، والثانی أن یکون مؤکداً.
5- اشترطت المادة (1162) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی وفقاً لتعدیل عام 2016، لمشروعیة مضمون العقد أن لا یکون مخالفاً للنظام العام بشروطه وبمقاصده، سواء أدرکتها الأطراف المتعاقدة أم لم تدرکها، ولکنها أغفلت ذکر الآداب العامة أو الأخلاق الحسنة. ورکزت على فکرة النظام العام وحدها، لأن النظام العام صمام الأمان الذی یحمی المصلحة العامة وسلامة الأفراد فی المجتمع.
6- یستوعب رکن مضمون العقد الجدید فی القانون المدنی الفرنسی رکنین آخرین من أرکان العقد الراسخة فی هذا القانون، وهما رکن المحل الذی اندمج فی هذا الرکن الجدید، ورکن السبب الذی ألغی نهائیاً، وأنیطت وظیفته برکن مضمون العقد.
7- لم یتضمن القانون الانکلیزی قاعدة عامة تنظم فکرة مضمون العقد وتحدد عناصره وشروط صحته، والجزاء المترتب على تخلفها، کما هو الحال بالنسبة إلى القانونین الفرنسی والعراقی. ولکن هذه الفکرة تبعثرت فی ظل قانون الأحکام العام الانکلیزی (Common Law) غیر المکتوب والمبنی على السوابق القضائیة، على العدید من المبادئ القانونیة، کمبدأ البند الجوهری للعقد. ومبدأ استحالة تنفیذ الالتزام التعاقدی، ومبدأ عدم مشروعیة العقد، فضلاً عن رکن مقابل الالتزام بالوعد.
8- رتب المشرع الفرنسی جزاءً على مخالفة رکن مضمون العقد یقوم على أساس تخلف شروط مضمون العقد، فضلاً عن الجزاء المترتب على تعسف الشروط التعاقدیة وعدم تحقیقها للغرض الذی وضعت من أجله. ویتمثل الجزاء المترتب على تخلف شرط مشروعیة المضمون ببطلان العقد، ویترتب نفس الجزاء على تخلف شرط التأکید أو الیقین. أما الجزاء المترتب على تعسف الشروط التعاقدیة وعدم تحقیقها للغرض الذی وضعت من أجله، فهو عدها غیر مکتوبة وینبغی استبعادها تماماً من العقد، وعدم السماح لها بترتیب آثارها.
9- وضع القانون الانکلیزی معیاراً واضحاً لتحدید مدى تعسف الشروط التعاقدیة وانحرافها عن للغرض الذی وضعت من أجله هو معیار المعقولیة الذی فرضه تشریع بنود العقد غیر المنصفة لعام 1977.
10- ولعل النتیجة الأهم التی توصلنا إلیها فی هذه الدراسة هی أن کل المقومات متوافرة فی القانون المدنی العراقی للتخلص نهائیاً من رکن السبب بمفهومه التقلیدی القدیم، کما فعل المشرع الفرنسی. ومن أهم تلک المقومات التی یمکن الاستناد علیها هی فکرة مقتضى العقد التی ورثها المشرع العراقی عن الفقه الإٍسلامی والشروط المقترنة بالعقد. إذ یمکن الاستفادة من هاتین الفکرتین لوضع نظام قانونی جدید أقرب إلى فکرة مضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی، لیکون رکناً جدیداً من أرکان العقد فی القانون المدنی العراقی. ینطوی على السبب مفهومه الحدیث ضمنیاً بعد دمجه بالمحل.
ثانیاً: التوصیات: بعد الانتهاء من عرض النتائج التی توصلت إلیها الدراسة، فأننا نقترح التوصیات الآتیة:
1- نقترح على المشرع العراقی الاستفادة من التعدیلات الجذریة التی أجراها المشرع الفرنسی، ولا سیما على أرکان العقد. والأخذ بما ورد فی المادة (1128) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی، وإعادة النظر فی أرکان العقد فی القانون المدنی العراقی، وإلغاء رکن السبب بمفهومه القدیم نهائیاً، والاحتفاظ به ضمنیاً وفقاً للنظریة الحدیثة بعد دمجه بالمحل ضمن إطار رکن مضمون العقد، والذی نوصی أن یصطلح علیه بمصطلح "مقتضى العقد"، وهو المصطلح الذی اقتبسه المشرع العراقی من الفقه الإسلامی الأصیل، والذی نعتقد بأن المشرع الفرنسی تأثر به عند وضعه لمفهوم "مضمون العقد" کرکن جدید مستقل من أرکان العقد. وعلیه فإننا نقترح على المشرع العراقی النص الآتی لإعادة صیاغة أرکان العقد من جدید وقصرها على رکنی التراضی ومقتضى العقد، بدلاً عن التقسیم الثلاثی التقلیدی لأرکان العقد: (ینعقد العقد صحیحاً بتوافر رکنیه: 1-التراضی الناشئ عن اتفاق إرادات الأطراف 2-ومقتضى العقد المشروع والمؤکد).
2- وعلى هذا الأساس فإننا نوصی المشرع العراقی بإعادة صیاغة تعریف العقد الصحیح الوارد فی المادة (133) من القانون المدنی العراقی، لینسجم مع التقسیم الثنائی الجدید المقترح لأرکان العقد. وعلیه فإننا نقترح على المشرع العراقی النص الآتی کبدیل للمادة (133) من القانون المدنی العراقی: ( العقد الصحیح هو العقد المشروع ذاتاً ووصفاً، بأن یکون صادراً عن أهله، ومضافاً إلى مقتضى مشروع ومحدد قابل لحکمه، وأوصافه سالمة من الخلل).
3- ونوصی المشرع العراقی أیضاً أن یضیف فقرة ثالثة إلى المادة (131) من القانون المدنی العراقی تبطل کل شرط تقییدی أو مقترن بالعقد یجرد مقتضى العقد أو مضمونه أو الالتزامات الجوهریة الناشئة عنه من محتواها أو الغایة منها، وذلک أسوة بالمادة (1170) الجدیدة من القانون المدنی الفرنسی. حتى وإن لم یکن مخالفاً للنظام العام أو للآداب، ما دام یسلب مقتضى العقد أو الالتزامات الجوهریة الناشئة عنه من غایتها التی وضعت من أجلها. وذلک لعدم کفایة الفقرة الثانیة من المادة (131) من القانون المدنی العراقی السالفة الذکر، والتی قصرت إبطال الشرط المقترن بالعقد على کونه مخالفاً للنظام العام أو للآداب، سواء أکان هو الدافع إلى التعاقد أم لا. لذا فإننا نقترح النص الآتی: ( یبطل کل شرط یجرد مقتضى العقد أو الالتزامات الجوهریة الناشئة عنه من غرضها أو محتواها، ویعد کأن لم یکن).
4- کما نقترح على المشرع العراقی أن یورد نصاً فی القانون المدنی العراقی یحدد فیه محتوى أو مضمون مقتضى العقد الذی اختلفت آراء الفقه الاسلامی فی تحدید محتواه. وأن یراعی فی تحدیده مفهومه الأصلی المقتبس من الفقه الإسلامی الذی یشتمل على أحکامه أو الالتزامات الجوهریة الناشئة عنه، مع إمکانیة شموله للمفهوم الجدید الواسع لمضمون العقد فی القانون المدنی الفرنسی، والذی إشتمل أیضاً على الشروط التعاقدیة. وعلیه فإننا نقترح على المشرع العراقی النص الآتی: ( لا بد لکل عقد من مقتضى یمثل مضمونه، وما اشتمل علیه من التزام له محل یضاف إلیه یکون قابلاً لحکمه، أو شرطاً یؤکد مقتضاه أو یلائمه أو یکون جاریاً به العرف والعادة. ویصح أن یکون المحل عیناً کان أو دیناً أو منفعة، أو أی حق مالی آخر. کما یصح أن یکون عملاً أو امتناعاً عن عمل).
5- ونوصی المشرع العراقی أخیراً أن یقرر قاعدة عامة جدیدة لبطلان العقد فی ضوء التقسیم الثنائی المقترح لأرکان العقد، وتخلف احد شرطی مضمون العقد المتمثل بمقتضاه. وعلیه فإننا نقترح علیه النص الآتی: ( یکون العقد باطلاً إذا لم یکن مشروعاً ذاتاً ووصفاً. بأن لم یصدر عن أهله، أو إذا تخلف عن مقتضى العقد أحد شرطیه، بأن یکون غیر مشروع لمخالفته للقانون أو للنظام العام أو الآداب. أو غیر مؤکد بأن یکون مستحیلاً أو غیر معین تعییناً کافیاً نافیاً للجهالة الفاحشة).
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English) ,References (English) and References (France)
A-References in Arabic
First-Books of Islamic jurisprudence
1. Al-shatibi, The Similarities, Volume 3, Othman bin Affan Publishing house, Saudi Arabia, 1997.
2. Ibn Al-qaim Al-Jouziah, Notification of signatories on behalf of God, Volume 5, Ibn Al-Jouzi Publishing house, Al-Riyyadh 1423 H.
3. Al-Sarkhasi, Al-Mabsout , Dar Al-Marifah Publishing house, Beirut, 1989.
4. Al-Kasani, Creativities of Invention in regulation of legislations, Scientific Books Publishing house, Beirut, 2003.
5. Al-Kharshi, Al-Kharshi explanation on the summary of Khalil, Part 5, grand regal Publishing house, 1317.
6. Al-Shawkani, Nayl-alawtar , Obtaining Needs in explaining selected news, international thought Publishing house, Beirut, 2004.
7. Al-Hattab, The Talents of Al-Jalil in explaining of the summary of Sheikh Khalil, Part 5 , Dar Al-Ridhwan, 2010.
8. Al-Bujnawardi, juristic Rules, Part 3, Al-Hadi Publishing house, 1377 H.
9. Al-Maqdisi, Al-mughni (the Enriching Reference), Part 4, World-Books Publishing house, Al-Riyyadh, 1997.
10. Al-Zuhaili, Islamic Jurisprudence and its proofs, Part 4, Dar Al-Fikr Publishing house, 1985.
Second-Books of law
1. Ghestan, elementary Treaty of the civil law, Formation of the contract, University institution Publishing house, 2008.
2. Jamaluddin Mahmoud, Cause of obligation and its legality in Islamic Jurisprudence, a comparative study, Arabic Renaissance Publishing house ,Cairo, 1969.
3. Al-Ahwani, The general theory of obligations, part one, Voluntary Sources of obligations, Ain shams university Publishing house, 2000.
4. Al-Khattib, Public Law, Zain Publishing house, Beirut, 2012.
5. Al-Thannon, sources of Obligations, Baghdad, 1970.
6. Al-Thannon & Al-Rahho, The concise of the general theory of obligations, Part one, sources of Obligations, a comparative study with Islamic Jurisprudence, Wael Publishing house, 2002.
7. Hammad, The general theory of obligations, Part one, sources of Obligations, Al-sanhurri Publishing house, Beirut, 2016.
8. Khattab, The Consideration in the Anglo-saxon law, Dar-alfikr Publishing house, 1979.
9. Al-sanhurri , The general treaty of the civil law, Part one, The general theory of obligations, sources of Obligations, Alexandria, 2004.
10 Al-sanhurri, The sources of Rights in the Islamic Jurisprudence, Part Three, The Subject-matter of the contract, Al-Halabi Publishing house, Beirut, 1998.
11. Al-Hakkim, The general treaty in the theory of the contract in comparison with the theories of western jurisprudence and their counterparts in Islamic Jurisprudence, Baghdad , 1967.
12. Al-Hakkim, The concise of the explanation of the general theory of obligations, Part one, sources of Obligations, a comparison with Islamic Jurisprudence, Baghdad, 1963.
13. Al-Hakkim, The Consideration as a basic element in the Anglo-saxon law, Baghdad, 1991.
14. Al-Hakkim, Al-Bakri, & Al-Basheer, The concise of the general theory of obligations in the Iraqi civil law. Part one, the source of Obligations, Baghdad, 1980.
15. Al-sarhan, Khatter, The explanation of the civil law, the source of personal rights, the obligations, A comparative study. Amman. 2009.
16. Ismat Baker, The general theory of obligations, Part one, sources of Obligations, Baghdad, 2011.
17. Ismat Baker, The theory of the contract in Islamic Jurisprudence, A comparative study with the legal jurisprudence, and contemporary laws, Beirut, 2009.
18. Ismat Baker, The theory of the contract in Arab civil laws, Beirut , 2015.
19. Al-Anbaki, The Principles of the contract in the English law, Al-Nahrain university, 2001.
20. Mohammed Siddiq, The objectivity of the contractual will, An analytical comparative study, legal books Publishing house, 2012.
21. Al-Zalami, The obligations in Islamic Jurisprudence and Arab civil legislations, Part one, Al-Saddoun Publishing house, Baghdad.
22. Al-Zarqa, The juristic general introduction, part one, Damascus, 2004.
23. Al-Habib, The legal terminology in English Contracts, Amman, 2009.
24. Al-Fadhel, The general treaty in the explanation of the civil law, A comparative study between Islamic Jurisprudence and Arab and foreign laws, Aras Publishing house, Erbil, 2006.
25. Al-Bayati, Explanation of texts, the concise of the explanation of the civil law, part one, sources of Obligations, Zain Publishing house, Beirut, 2017.
26. Al-jubouri, The concise of the explanation of the Jordanian civil law, part one, sources of personal rights, Amman, 2003.
Third: Pieces of Research
1- Al-Baddou, the rule of the contract, A comparative study, Al-Rafidain journal of rights, volume 15, 2012.
2- Al-Baddou & Siddiq, The effect of the objectivity of the contractual will during negotiation stage, Al-Rafidain journal of rights, volume 13, 2011.
Fourth: Theses and Dissertations:
1- Zina Al-Obaidi, The Patient's will in the medical contract, A comparative study. Doctoral Dissertation submitted to the college of rights, mosul university, 2005.
2- Alwan, The exemption clause from the contractual liability, MA. Thesis submitted to the college of law, Baghdad university, 1990.
Fifth: Judicial decision volumes:
1-Bayat, Iraqi Civil judiciary, part one, Baghdad, 1962.
2- The judiciary journal, issued by the Iraqi bar association, January-march, 1968.
Sixth: Laws
- The Iraqi Civil law No. (40) of 1951