مبدأ البراءة فی الشریعة والقانون-(*)-
|
أوان عبدالله الفیضی
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Hwan Abdullah Al-Faydi
College of law / University of Mosul
Correspondence:
Hwan Abdullah Al-Faydi
E-mail:
|
(*) مقال مراجعة.
Doi: 10.33899/alaw.2019.163141
© Authors, 2019, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
تعد الشریعة الإسلامیة حقا الأصل النصی لقرینة البراءة, ذاک لان هذا المبدأ عرفه الفقه الإسلامی قبل القوانین الوضعیة منذ أکثر من أربعة عشر قرنا وتم تطبیقه لدرجة انه صار قاعدة من قواعد الفقه الإسلامی المعروفة, فکانت القاعدة الأولى من قواعد تحدید من یقع علیه عبء الإثبات ما ذکرته المادة/ 8 من مجلة الأحکام العدلیة, والمادة /6 من قانون الإثبات العراقی النافذ رقم 107 لسنة 1979 المعدل التی نصت على إن "الأصل براءة الذمة" أی أن القاعدة المستمرة هی أن کل إنسان یولد بریء الذمة من کونه مشغول الذمة من کل التزامات مدنیة وجنائیة استصحابا للأصل حتى یثبت خلاف ذلک, لان الذمم خلقها الله تعالى بریئة غیر مشغولة بحق من الحقوق.
واصل هذه القاعدة مأخوذة من الحدیث الشریف للرسول (r) المروی عن عمرو بن شعیب عن أبیه عن جده أن النبی (r) قال فی خطبته: (البینة على المدعی والیمین على المدعی علیه), وحکمة ذلک أن المدعی یدعی خلاف الأصل وهو برئ الذمة فلا یقبل منه دعواه إلا بالبینة أما المدعى علیه فانه مع الأصل لذا یکتفی بیمینه, وهو ما نصت علیه المادة/ 76 من مجلة الأحکام العدلیة, والمادة/ 7 من قانون الإثبات العراقی التی نصت على المبدأ الثانی والثالث من المبادئ العامة التی یخضع لها عبء الإثبات وهی حسب الآتی "أولا- البینة على من ادعى والیمین على من أنکر .ثانیا- المدعی هو من یتمسک بخلاف الظاهر والمنکر هو من یتمسک بإبقاء الأصل", فالمدعی فی مجال الإثبات لا یقصد منه رافع الدعوى بل من یدعی خلاف الظاهر: أصلا – أی هو ما یظهر للناس بصفة عامة ویتفق مع الحقیقة - أو عرضا - أی من أقام الدلیل خلافا لما کان ظاهر أصلا - أو فرضا - أی یخالف قرینة قانونیة غیر قاطعة افترضها المقنن للقوانین الوضعیة - لذا فان المتمسک بالبراءة متمسک بالأصل والمدعی متمسک بخلاف الأصل, ولذلک لا یقبل فی دعوى شغل الذمة شاهد واحد ما لم یعتضد بشاهد أخر أو یمین المدعى علیه, ولذلک کان القول للمدعى علیه مع یمینه عند عدم البینة لأنه متمسک بالأصل, فالمتمسک بالأصل متمسک بالظاهر والمتمسک بخلاف الأصل متمسک بخلاف الظاهر, وکل من یتمسک بخلاف الظاهر وهو یرید إثبات أمر عارض فهو مدع وللمدعى علیه البینة, وکل متمسک بالظاهر منکر للأمر العارض فهو مدعى علیه فعلیه الیمین لأنه ناف ولا سبیل لإقامة البینة على النفی.
ومبدأ الأصل براءة الذمة هذا یؤسس فی الشریعة الإسلامیة على قاعدة أن المرء یولد على الفطرة خالیا من کل خطیئة أو أی مسؤولیة, تطبیقا لقول الرسول الکریم (r) المروی عن أبی هریرة (t) قال: قال رسول الله (r):(ما من مولود إلا یولد على الفطرة فأبواه یهودانه أو ینصرانه أو یمجسانه کما تنتج البهیمة بهیمة هل تحسون فیها من جدعاء).
فإذا اتهم شخص وأنکر فهو برئ حتى یثبت المدعی ذلک, لان المتهم برئ حتى تثبت إدانته, إذ من المقرر فی الفقه الإسلامی أن الحد عقوبة من العقوبات التی توقع ضررا فی جسد الجانی وسمعته, ولا یثبت هذا إلا بالدلیل القاطع الذی لا یتطرق إلیه الشک, فإذا تطرق إلیه الشک کان ذلک مانعا من الیقین الذی تبنى علیه الأحکام, وذلک طبقا للقاعدة الفقهیة الأصولیة المنصوص علیها فی المادة/ 4 من مجلة الأحکام العدلیة العثمانیة القائلة (الیقین لا یزول بالشک) والتی تتفرع عن هذا المبدأ, وهو ما جاء فی قوله تعالى: ((وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ یَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا یُغْنِی مِنْ الْحَقِّ شَیْئًا)) سورة النجم /28, وهذه القرینة ذات نطاق عام من حیث التطبیق فی الشریعة الإسلامیة, إذ أنها تسری على العقوبات المقدرة حقا لله تعالى وتلک المقدرة حقا للأفراد أی أنها لا یقتصر تطبیقها على الحدود فقط, وإنما تشمل عقوبات القصاص والتعزیر أیضا.
وقرینة براءة المتهم حتى تثبت إدانته نجد صداها فی قول رسول الله محمد (r)(ادرؤوا الحدود عن المسلمین ما استطعتم فان کان له مخرج فخلوا سبیله فلان یخطئ الإمام فی العفو خیر من أن یخطئ فی العقوبة), لذا فان أی شک فی وقوع الجریمة أو وسائل إثباتها أو تحقق أرکانها أو توافر شروطها یفسر لصالح المتهم, لأن هذا الشک یعد شبهة والحدود تدرأ بالشبهات, وإذا فسرنا الشک لصالح المتهم فأفلت من العقاب نتیجة خطأ فی التفسیر فأنه فی نظر الإسلام خیر من أن یحصل العکس.
والذی ینظر بوجه الموازنة بین تطبیقات هذا المبدأ من قبل فقهاء الشریعة وقضائها من تطبیقاته فی الفقه والقضاء الجنائی الوضعی, یجد انه لا اختلاف بینهما بل على العکس من ذلک فان المبدأ هو نفسه فی الشریعة والقانون الوضعی, مما یدل على أن الشریعة الإسلامیة قد سبقت فی ذلک القوانین الوضعیة, وبذلک فان القضاء الجنائی الإسلامی لا یقبل دعوة مجردة من أی دلیل کما یأمر الإسلام القاضی بأن لا یصدر حکمه إلا على بینة, وهذه البینة لا ینظر فیها جانب المدعی فقط بل لابد فیها من استیفاء حجة الخصم الأخر لعل عنده ما یبطلها أو یزیلها, فإذا انتفت من الدلیل صفته القطعیة فی أی مرحلة من مراحل الدعوى قبل الحکم امتنع توقیع العقوبة لانتفاء الصفة المطلوبة فی الدلیل الذی یبنى علیه الحکم, وعلى هذا فلو رجع الشاهد عن شهادته أو عدل فیها بما یخرجها عن الوضوح أو الصراحة أو عدل المقر عن إقراره انتفت صفة القطعیة, ومن ثم برزت لنا القاعدة الفقهیة الأصلیة الثابتة من قواعد الفقه الاسلامی وهی أن الأصل براءة الذمة.
The Author declare That there is no conflict of interest