مراجعة کتاب "فی العقد الاجتماعی لجان جاک روسو" ترجمة عبد العزیز لبیب-(*)-
|
شیماء غالب العزاوی
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Shaima Ghaleb Al-Azzawi
College of law / University of Mosul
Correspondence:
Shaima Ghaleb Al-Azzawi
E-mail:
|
Doi: 10.33899/alaw.2019.163143
© Authors, 2019, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
یعد کتاب العقد الاجتماعی لجان جاک روسو من افضل ما کتب فی فلسفة القانون وخصوصا فی الحقبة التاریخیة التی کتب بها إلا وهی 1762، وان کان والحال کذلک إلا أن الکتاب لم ینل ما یستحق من أهمیة لدى دارسی القانون ومدرسیه وخصوصا فی الجامعات العراقیة، ففی غیرها ینال روسو القدر الأکبر من الاهتمام ولا تکاد نظریة جدیدة تبتکر ولا حل لمعضلة قانونیة تظهر للوجود إلا من خلال العودة إلى أدبیات روسو، وابرزها هذا الکتاب القیم الذی رافقنی على مدار تسع سنوات منذ بدأ دراستی العلیا فلا استطیع إیجاد تفسیر لظاهرة أو معضلة فی القانون إلا وعدت إلیه وکان خیر مرجع بل على راس قائمة مراجعی فی کل طرح فلسفی قانونی، یخص الشرکات وإدارة الشرکة بل وحتى مسؤولیتها.
لمع روسو کفیلسوف حقوقی- سیاسی کما یقدم مترجم الکتاب بعده أول من بدأ الانشقاق الجمهوری عن اللیبرالیة، ویسود اعتقاد لدى البعض أن الآراء التی یعرضها روسو هی أراء سیاسیة تخص اختصاصات ساندة للقانون أو مجاورة له فی الحقل المعرفی، إلا أن هذا الرأی یطبق مقولة مفادها أن معرفة الکتاب تکون من عنوانه، وفی هذا غبن شدید لروسو ولکل طروحاته العظیمة.
ولا شک أن فلسفة القانون ومنها کتابات روسو تعالج المشاکل ذات الطابع الکلی ولا تُعنى بالجزئیات وتترک الجزئیات لعلم القانون لا لفلسفته، ومن هذه الکلیات أفکار مثل السیادة والقانون والحق، والعدل، والدولة والمواطن، والدستور، إذ تغیر النظر إلیها بعد الطروحات التی قدمها روسو فی کتابه هذا، بینما تعالج الجزئیات أفکار أمثال نص المادة 12 من قانون التجارة أو 50 من قانون المصارف ..الخ.
ولا ینکر التأثر المعرفی الحاصل بالنتاج الفلسفی وخصوصا من اتجاه معین من الکتاب إذ تُدمج أطروحات القانون مع أفکار أمثال الأخلاق والعدالة والقواسم المشترکة بینها وهی طروحات جدیدة نسبة إلى قدم أفکار روسو فی حینها، ویلاحظ أن روسو اعتمد تقسیم مؤلفه إلى أربعة کتب ویتراوح کل کتاب بین 9 إلى 19 فصلاً إذ لم یعتمد روسو منهجیة موحدة فی تقسیم فصول الکتاب إلا أن هذا لا ینقص من عظمة هذا المؤلف.
یناقش الکتاب أفکارا أصفها بالحرجة فی ذلک الأوان، إذ نحن الآن فی ظل کل التقدم التقنی والمعرفی لا نجرأ على طرحها بیننا وبین انفسنا فکیف بطرحها فی کتاب فی القرن السادس عشر؟ ومنها قوله "فما بالک بواحد من الناس یخیل إلیه انه سید الأخرین، والحال انه لا ینفک عبداً اشد عبودیة منهم" وهو یناقش فکرة تنطبق على اکثر من حقل من حقول الحیاة منها السیاسة وإدارة المؤسسات وإدارة الشرکات، فالخطورة لیست فی توقیت طرحه أنما الخطورة کل الخطورة فی قابلیة طرحه للتطبیق فی اکثر من مجال وهذا بحد ذاته تحد لمؤلف کتاباته صالحة لأکثر من میدان من میادین الحقل المعرفی، وان کان مقدم ومترجم الکتاب لا ینکر اختصاص الکتاب فی الحقل الحقوقی- السیاسی إلا أن مرونة أفکاره قابلة للتطبیق فی علم الإدارة الحدیث کما فی أخلاقیات العمل التجاری.
کما یناقش فکرة حرجة أخرى وهی من أمثلة عدیدة یمتلئ بها مؤلفه، وهی فکرة الحق وعلاقته بالقوة، فأن کان الحکم بالقوة فوجود الحق معها مجرد هراء إذ یقول "حالما تکون القوة هی ما یصنع الحق تتغیر النتیجة بتغیر السبب: فکل قوة تغلبت على قوة سابقة علیها، قامت مقام الحق الذی کان لها.... ونرى کیف أن کلمة حق هذه لا تضیف شیئاً إلى القوة، وإنما هی لغو لا یدل على شیء".. وافضل مثال یخطر على بالی وانا اقرأ هذه السطور هی فکرة التعسف فی استعمال الحق، فمتى ما تعسف احدهم بمعنى انه استخدم القوة، وطاعته جاءت من استخدامه للقوة لا من إنفاذه للحق.
ویزخر الکتاب بأمثلة رائعة على هکذا مقاربات فلسفیة تنسف بعض الأفکار القانونیة التی تقرن الشیء ونقیضه دون أی نتیجة سوى حشو لغوی، کما حافظ روسو على نهجه الفلسفی الموحد طوال صفحات عرضه ومناقشته. إلا انه عندما تحدث عن السیاسة والدین (وهو هنا یتکلم عن المسیحیة والکنیسة) وجدنا بعض النماذج التی نتعایش معها یومیاً یصفها وصفاً دقیقاً ویشخص خطر وجودها فی الجسم السیاسی، ویبرر لفکرة الفصل المعروفة مبررا أخر لم اعتد على سماعه فی المجتمعات المسلمة التی تؤمن بان فصل الدین عن السیاسة هو إساءة للمعتقدات، إلا أن المبرر الجدید -بالنسبة لی على الأقل- ومن وجهة نظر روسو هی أن صاحب السیادة (الحاکم) لا شأن له بمواطنیه وعقائدهم، کما انه لا سلطان لصاحب السیادة (الحاکم) هذا على مصیرهم الآخروی، لأنه لا کفاءة له البته فی الآخرة، وما یهمه أن یکونون مواطنین صالحین فی الدنیا، وکانه هنا یبرر الفصل على غیر ما اعتدنا سماعه فهو لا یبرر الفصل لتدخل المواطنین مع دینهم بالدولة، أنما یبرر أن لا سلطة لصاحب السیادة (الحاکم) علیهم فی الآخرة، ویبدو أن المشکلة فی عقیدة الحاکم ومدى سلطتها على المحکومین فی الحیاة الآخرة لا فی عقیدة المحکومین فی الحیاة الدنیا([2])، والحقیقة أنها من اجمل مقاربات روسو إذ یربط الموضوع بالحق، ولنا أن نتصور هذه الصورة فی الأسرة ومکان العمل وحتى فی العلاقات الخاصة فصاحب السیادة فی الأسرة الأب، وفی العمل المدیر وان کان له سلطة الحاکم فی الدنیا فلا سلطة له على ذات الأشخاص فی الحیاة الآخرویة وارى أنها من اجمل الطروحات التی تحرر الإنسان الفرد من العبودیة لمثلائه وهی أساس العلاقة العقدیة التی یؤسس علیها کتابه والتی طرحها روسو فی فصول الکتاب الأولى.
لذا أخیرا اجد أن لجان جاک روسو إبداع منقطع النظیر فی طرح الفکرة وتبویبها وصلاحیة فکرته للإدارة العامة فی المؤسسات أو إدارة الشرکات أو حتى إدارة الأسرة أو إدارة الدول کما أنها تصلح للمواطن والأنسان والشریک، إذ کل ما یلزم لصلاحیة تطبیق أفکاره هو مجرد تغییر المرادفات لیخلق حالة من قابلیة التطبیق لا نجدها فی أی کتاب أخر من کتب فلسفة القانون التی مرت علینا.
وأخیرا ننصح کلیات الحقوق فی عموم العراق أن أرادت أن ترسخ لمفهوم الدولة، والمواطنة والحق، وقیم العدالة أن تطرح فلسفات روسو على طلابها منذ سنواتهم الأولى وان تخلق بیئة نقاشیة تمهد للطالب الناشئ فی رحاب علم القانون أن یجد بأسلوبه وقناعته الخاصة وسیلة لأحقاق الحق وإقامة العدل، من خلال دراسة هذا الکتاب وإضافته للمواد الاختیاریة وفق نظام المقررات الذی سیعتمد قریباً من وزارة التعلیم العالی والبحث العلمی.
The Author declare That there is no conflict of interest