الوساطة الجنائیة –دراسة مقارنة-(*)-
|
علی عدنان الفیل محمد عباس حمودی الزبیدی
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Ali Adnan Al-Fail Muhammad Abbas Hamoudi Al-Zubaidi
College of law / University of Mosul College of law / University of Mosul
Correspondence:
Ali Adnan Al-Fail
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 11/12/2018 *** قبل للنشر فی 17/2/2019.
(*) Received on 11/12/2018 *** accepted for publishing on 17/2/2019.
Doi: 10.33899/alaw.2020.163931
© Authors, 2019, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
تمثل الوساطة الجنائیة إجراء جدیداً فی حل بعض المنازعات الجنائیة وبدیلاً عن الإجراءات التقلیدیة للدعوى الجزائیة.
هذا الإجراء یجد مکانه خارج نطاق المؤسسة القضائیة على الرغم من بقائه تحت رقابتها، فالسلطة القضائیة هی التی تأذن به وتصادق على نهایته.
تعد الوساطة الجنائیة صورة من صور العدالة الرضائیة لتساهم فی التخفیف من عبء القضایا الملقى على عاتق القضاة، فهی تقاسم العدالة الجنائیة التقلیدیة فی مکافحة الجریمة من خلال ما تحققه من تنظیم للروابط الاجتماعیة. کذلک فإن الوساطة الجنائیة إجراء یحافظ على العلاقات الاجتماعیة، لذا فنطاقه یتحدد فی بعض الجرائم کالجرائم الاسریة.
الکلمات المفتاحیة: الجانی، المجنی علیه، المحاکم الجزائیة
Abstract
The Criminal Mediation considers a new procedure in solving criminal disputes. It considers alternative procedure of the traditional procedure of the criminal suit.
The Criminal Mediation is placed outside the frame of the Judiciary authority, in spite of it is remaining under control of the Judiciary.
The Criminal Mediation is a model of the restorative Justice for reducing of Criminal suits. It participates with the traditional criminal Justice in fighting the crimes.
Finally, criminal mediation is a procedure which saved a social relations between persons, so the field of the criminal mediation is limited to the family crimes.
Keywords: offender, victim, criminal courts
المقدمـة
اولاً: التعریف بموضوع البحث
یعد موضوع الوساطة الجنائیة من الإجراءات غیر التقلیدیة فی حل المنازعات الجنائیة البسیطة او تلک التی تتوافر بین أطرافها روابط وعلاقات دائمة کالمنازعات العائلیة او تلک التی تحدث بین الجیران. تعد الوساطة الجنائیة من الإجراءات التی تحافظ على العلاقات الاجتماعیة ویتم هذا الإجراء من خلال ثلاثة أطراف وهم کل من الوسیط الذی یجب ان یکون من خارج المؤسسة القضائیة والمجنى علیه والجانی بعد اخذ موافقتهما على اختیار الوساطة طریقاً لحل الخصومة.
ثانیاً: أهمیة البحث
نظراً للزیادة الملحوظة فی اعداد الدعاوى المنظورة من قبل المحاکم مما أدى إلى تراکم القضایا وحصول زخم کبیر من القضایا الجزائیة والذی بدوره یؤدی إلى البطء فی إجراءات الدعوى الجزائیة وتأخیر حسم الدعاوى مما ینعکس سلباً العدالة الجنائیة.
تأتی أهمیة الوساطة الجنائیة کونها احد الخیارات المتاحة فی حل الخصومات الجنائیة واحد الوسائل الفعالة فی مواجهة ازمة العدالة الجنائیة وعلاج الزیادة الکبیرة والمستمرة فی اعداد القضایا المنظورة. کما ان الوساطة تتجلى أهمیتها فی تنمیة روح الصلح بین المتخاصمین من خلال الاتفاق على اصلاح الضرر وتعویض المجنى علیه.
ثالثاً: منهجیة البحث
تقوم الدراسة فی موضوع الوساطة الجنائیة على الجانب النظری مع بیان التطبیق العملی فی بعض جوانبه. علیه فقد تم اعتماد المنهج التحلیلی الذی یقوم على أساس عرض النصوص القانونیة المقارنة بین التشریعات کالتشریع الفرنسی والإنکلیزی وبعض التشریعات العربیة کالتشریع التونسی والجزائری مع بیان موقف التشریع العراقی وتحلیلها مبیناً فیه آراء الفقهاء والباحثین.
رابعاً: إشکالیة البحث
تنصب إشکالیة هذا البحث حول إیجاد أجوبة مناسبة للتساؤلات الاتیة:
1- هل أن الوساطة الجنائیة تمثل بدیلاً للدعوى الجنائیة؟
2- هل تحقق الوساطة الجنائیة العدالة المنشودة؟
3- هل أن الوساطة الجنائیة موجودة من الناحیة الفعلیة دون تنظیم المشرع لها بموجب قواعد إجرائیة؟
4- هل أن إدخال وسطاء وأطراف غیر الأشخاص الاجرائیین یمثل مساساً او تدخلاً بالسلطة القضائیة؟
5- إن کانت الوساطة طریقاً ناجعاً، لإنهاء الخصومات وتحقیق العدالة، فهل یستجیب المشرع العراقی لإضفاء التنظیم الاجرائی لها واعتمادها کسیاسة جنائیة معاصرة؟
خامساً: فرضیة البحث
تقوم على أساس ان إجراء الوساطة الجنائیة من شانه ان یخفف من عبء القضایا الملقى على کاهل المحاکم وبنفس الوقت یقلل من الأحقاد والنعرات والضغائن الناجمة عن ارتکاب الجرائم ویقوی من الروابط الاجتماعیة والصلات العائلیة بین المتخاصمین.
سادساً: هیکلیة البحث
المبحث الأول : ماهیة الوساطة الجنائیة.
المبحث الثانی: شروط ومراحل الوساطة الجنائیة.
المبحث الثالث: موقف التشریعات الإجرائیة من الوساطة الجنائیة.
ثم ینتهی البحث بخاتمة یحدد فیها أهم النتائج والتوصیات.
المبحث الأول
ماهیة الوساطة الجنائیة
تشکل الوساطة الجنائیة مرآة عاکسة للسیاسة الجنائیة الحدیثة والمعاصرة، تلک السیاسة التی اهتمت بضحایا الجرائم ای المجنى علیهم واعتمدت سیاسة الحد من التجریم والحد من العقاب والحل الودی للخصومات الجنائیة، حیث أضحت الوساطة الجنائیة من أهم بدائل الدعوى الجزائیة فی القانون المقارن لتکون علاجاً ناجحاً ونافعاً فی التقلیل من الزخم الحاصل والکم الهائل من عدد القضایا والدعاوى المحالة من قضاة التحقیق إلى المحاکم المختصة، وأکثر من ذلک نجد أن مضامین الوساطة الجنائیة انطوت على تنمیة وأثارة روح ونزعة الصلح الاجتماعی بین المشتکی والمتهم عن طریق التوصل إلى تسویة ودیة عبر إجراءات المصالحة بین أطراف الخصومة الجنائیة، فهی وسیلة تؤدی بالمحصلة النهائیة إلى سد باب الشقاق نهائیاً عن طریق جبر الضرر، وازالة روح القصاص، والانتقام من نفسیة المجنى علیه. ونظراً لهذه المزایا، أصبحت الوساطة الجنائیة الوسیلة المثالیة، والأداة المفضلة للسیاسة الجنائیة الحدیثة فی الإجراءات الجنائیة الامر الذی یتطلب أن نقف على تعریف هذه الوساطة، وبیان صورها، لذلک سنتناول هذا المبحث فی ثلاثة مطالب کما یأتی:
المطلب الأول: تعریف الوساطة الجنائیة.
المطلب الثانی: صور الوساطة الجنائیة.
المطلب الثالث: ماهیة الوسیط الجنائی.
المطلب الاول
التعریف الوساطة الجنائیة
لغرض تعریف الوساطة الجنائیة، لا بد من بیان معناها اللغوی وارجاعها إلى جذرها اللغوی ومن ثم الانتقال إلى تحدید المعنى الاصطلاحی القانونی لها.
علیه اقتضت دراسة هذا المطلب تقسیمه إلى فرعین وکما یأتی.
الفرع الأول: التعریف اللغوی للوساطة الجنائیة.
الفرع الثانی: التعریف للوساطة الجنائیة.
الفرع الأول
التعریف اللغوی للوساطة الجنائیة
بالرجوع إلى المعاجم اللغویة العربیة، نجد أن کلمة الوساطة هی اسم مأخوذ من المصدر (و س ط) ووسط الشیء یقصد به ما بین طرفیه، تقول خیر الامور أوسطها، والوسط من کل شیء أعدله، ومنه قوله تعالى ((وَکَذَلِکَ جَعَلْنَاکُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) أی عدلاً فهذا تفسیر الوسط وحقیقة معناه، وأنه اسم لما بین طرفی الشیء، وأما الوسْط بسکون السین فهو ظرف لا اسم وتعنی بین، تقول جلستُ وسْط القوم أی بینهم، ولها معنى آخر وهو الأفضل تقول هو من أوسط قومه أی خیارهم واشرفهم واحبهم، ومنه سمیت الصلاة الوسطى لأنها أفضل الصلوات واعظمها أجراً، والتوسیط جعل الشیء فی الوسط کما فی قوله ((فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا)) والتوسط بین الناس من الوساطة، وواسط موضع بین البصرة والکوفة بناه الحجاج وصف به هذا الموضع لتوسطه ما بینهما وغلبت الصفة وصار اسماً، فالوساطة هی محاولة التوسط بین جهتین او شخصین لفض نزاع قائم بینهما عن طریق التفاوض، والوسیط هو المتوسط بین المتخاصمین جمعها وسطاء.
أما فی اللغة الانکلیزیة فإن کلمة (Mediation) هی اسم مأخوذ من الفعل (Mediate) یراد بها التوسط لإصلاح ذات البین او لإیجاد تسویة بین متخاصمین و(Mediator) اسم تعنی الوسیط أی القائم بالوساطة، أما فی اللغة الفرنسیة فإن کلمة (Médiation) تعنی وساطة وکلمة (Médiateur) تعنی الوسیط والمُصلح، أما فی اللغة الایطالیة فإن کلمة (Mediazione) تعنی وساطة، أما کلمة (Intermediario) فهی الوسیط بین المتخاصمین، وفی اللغة الاسبانیة فإن کلمة (Medio) تعنی الوساطة، أما الوسیط بین المتخاصمین فیطلق علیه کلمة (Mediador).
الفرع الثانی
التعریف الاصطلاحی للوساطة الجنائیة
بعد الفراغ من تحدید المعنى اللغوی للوساطة الجنائیة، ننتقل فی هذا الفرع إلى تحدید المقصود بالتعریف الاصطلاحی لها، وسوف نتناول تعریف الوساطة الجنائیة تشریعاً وقضاءً.
فعلى صعید التشریعات الجنائیة، نشیر إلى ان المشرع الجنائی لیس من واجبه ایراد تعریفات للمصطلحات القانونیة إلا إذا ارید من وضعه للتعریف تحدید معنى ارادة المشرع خشیة من الوقوع فی اشکالات معینة عند التطبیق فی المستقبل.
وبالرجوع إلى التشریعات التی قننت إجراء الوساطة الجنائیة، فقد وجدنا بان المشرع الجنائی الفرنسی لم یضع تعریفاً محدداً مباشراً للوساطة الجنائیة فی قانون الإجراءات الجنائیة مکتفیاً بالإشارة لها، علما بأن النقاشات الأولیة التی دارت فی البرلمان الفرنسی حول تعدیل نص المادة (41) من قانون الإجراءات الجنائیة الفرنسی قد ورد فیها تعریف وزیر العدل الفرنسی للوساطة الجنائیة بأنها: (تتمثل فی البحث وبناءً على تدخل شخص ثالث-عن حل یتم التفاوض بشأنه وبحریة بین أطراف النزاع الذی احدثته الجریمة ذات الخطورة البسیطة کالمنازعات العائلیة ومنازعات الجیران وجرائم الضرب المتبادل والاتلاف والتخریب والنشل والاختلاس).
تحلیل ذلک، ان ما جاء به وزیر العدل الفرنسی یبین لنا ان هذا الإجراء مبنی على رضا أطراف الخصومة الجنائیة، ومن ثم فإن النیابة العامة لا تستطیع ومن تلقاء نفسها أن تفرضه علیهم، دون قبول صریح وعلنی یتضمن إجراء الوساطة الجنائیة والبدء فی مفاوضات، ومداولات یباشرها شخص ثالث(الغیر) بین أطراف الخصومة الجنائیة فی الجرائم البسیطة، أی أن نطاق الوساطة الجنائیة لا یشمل کل الجرائم بل تنحصر فقط فی الجرائم البسیطة(المخالفات والجنح) والتی حددها وزیر العدل الفرنسی على سبیل المثال بالإتلاف والتخریب والخصومات العائلیة او تلک التی تحدث بین الجیران.
وبقراءة نص المادة (41) من قانون الإجراءات الجنائیة الفرنسی، نستطیع ان نحدد ضوابط الوساطة الجنائیة عند المشرع الفرنسی بالآتی:
1- انها تستلزم موافقة أطراف الدعوى الجزائیة بحسم الدعوى عن طریق الوساطة الجنائیة ولیس عن طریق النص.
2- أن یتدخل طرف ثالث، سواء کان شخص عادی قبل تحریک الدعوى الجزائیة أو النیابة العامة بعد تحریک الدعوى الجزائیة.
3- ان تتوفر ضمانات بجبر الضرر وإعادة تأهیل الجانی.
4- أن تکون الجریمة من الجرائم البسیطة التی تتعلق بالأتلاف والتخریب والخصومات التی تحدث داخل الاسر او بین الجیران( مخالفات وجنح).
أما المشرع البلجیکی فقد عرّف الوساطة الجنائیة بأنها "عملیة یتم السماح فیها لأطراف فی نزاع ما بالمشارکة بفاعلیة، وفی حال موافقتهم على ذلک بحریة، وبشکل سری للتوصل إلى حلول للصعوبات الناجمة عن جریمة ما بمساعدة طرف من الغیر محاید على اساس منهجی محدد. وانها تهدف إلى تسهیل الاتصالات ومساعدة الأطراف على التوصل إلى اتفاق حول الاحکام والشروط التی تسمح بتضمید الجراح والاصلاح".
یلاحظ على تعریف المشرع البلجیکی للوساطة الجنائیة أنه لم یشر إلى النیابة العامة صراحة، واکتفى بالقول بأن الوساطة الجنائیة هی إجراء مبنی على الموافقة الصریحة لأطراف الخصومة الجنائیة باللجوء الیه، تقوم بالأصل على تدخل طرف ثالث من خارج الجهاز القضائی یقوم بدور الوسیط بین أطراف الخصومة الجنائیة، حیث تجرى مباشرة عملیة الوساطة الجنائیة بشکل سری لا علنی یتم فیها إصلاح الضرر الناجم عن الجریمة بما فی ذلک ترضیة المجنى علیه، وتعویضه مع تأهیل الجانی.
أما المشرع البرتغالی، فقد عرّف الوساطة الجنائیة بأنها "عملیة غیر رسمیة ومرنة، تتم عن طریق طرف ثالث محاید وهو الوسیط، والذی یسعى إلى جمع الجانی والمجنی علیه سویةً، ودعمهم فی محاولة للوصول إلى اتفاق بشکل فعال، حیث یتم إصلاح الضرر الناجم عن الفعل المخالف للقانون، والمساهمة فی إعادة السلم الاجتماعی".
وصف المشرع البرتغالی إجراء الوساطة الجنائیة بأنه عملیة غیر رسمیة ومرنة إشارة منه إلى سلطة الملاءمة المقررة للنیابة العامة تقوم على رضا أطراف الخصومة الجنائیة بتدخل شخص ثالث محاید یقوم بجمعهم والتفاوض وتقریب وجهات النظر عن طریق إیجاد نقطة التقاء بین الأطراف للوصول إلى توافق یتم فیه إرجاع الأمور إلى نصابها وإصلاح الضرر الذی سببته الجریمة وتهدئة النفوس.
أما المجلس الاوربی الذی هو أحد اجهزة الاتحاد الاوربی، فقد حث الدول الأوربیة الاعضاء على ضرورة الاخذ بالوساطة الجنائیة فی قوانینها الجنائیة، وورد فی المذکرة التوضیحیة المرفقة طی التوصیة رقم (99) لسنة 1999 تعریف الوساطة الجنائیة بأنها "عملیة یتاح فیها للجانی والمجنی علیه ان یتشارکوا بإرادتهم فی حل الامور الناجمة عن الجریمة عن طریق مساعدة مقدمة من قبل طرف ثالث محاید وهو الوسیط".
کما ورد تعریف آخر للوساطة الجنائیة فی القرار اللائحی الصادر عن المجلس الاوربی بتاریخ 15/اذار/2001 بأن الوساطة الجنائیة هی "البحث عن حل یتم التفاوض علیه بین المجنی علیه والجانی سواء اکان ذلک قبل أو أثناء اتخاذ الإجراءات الجنائیة بمعرفة شخص محاید یتوسط بینهما".
نلاحظ على تعریف المجلس الاوربی للوساطة الجنائیة ترجیحه للحل الودی للخصومات الجنائیة على أن یکون ذلک بالإرادة الحرة لکل من الجانی والمجنی علیه وتدخل شخص ثالث محاید من خارج السلک القضائی یقوم بإجراء المفاوضات والتفاهم بین أطراف النزاع فی التوصل إلى حل یرضی الأطراف کافة. ان تعریف المجلس الاوربی للوساطة الجنائیة هو انعکاس لنظرته الحدیثة للسیاسة الجنائیة للقوانین الجنائیة فی القارة الاوربیة مع توجیهه للمشرع الجنائی فی الدول الاوربیة بتبنى فلسفة جدیدة فی الإجراءات الجنائیة تتغایر کلیة عن الفلسفة التقلیدیة، حیث بدأت قیمة الدعوى تضعف کطریق قانونی لإعمال سلطة الدولة فی العقاب.
هذا على صعید التشریعات الجنائیة، اما على صعید القضاء فلم نجد من خلال الاطلاع على قرارات المحاکم واحکام القضاء الجنائی تعریفاً للوساطة الجنائیة بسبب ان هذا الإجراء یترتب علیه انهاء الخصومة الجنائیة بشکل ودی ومن ثم فلا یوجد هناک قرار محکمة لأنه کما سنناقش ذلک لاحقاً، إن إجراءات الوساطة الجنائیة سوف تبنى على تقریر مرفوع من قبل الوسیط للنیابة العامة التی تقوم بدورها بإجراء اللازم وهکذا لن یکون هناک قراراً صادراً من المحکمة.
وأخیراً فعلى صعید الفقه الجنائی، فقد لاحظنا انه نظراً لحداثة هذا الموضوع وعدم وضع تعریف محدد وثابت للوساطة الجنائیة من قبل أغلب التشریعات الجنائیة التی تبنته، فقد اجتهد فقهاء وشراح القانون الجنائی فی محاولة منهم لوضع تعریف لماهیة الوساطة الجنائیة، وعند قراءة هذه التعاریف سنجد أنها انقسمت إلى عدة آراء فی تعریفها للوساطة الجنائیة وکما یلی:
الرأی الاول: یذهب إلى تعریف الوساطة الجنائیة من حیث المضمون:
یرکز اصحاب هذا الرأی من الفقه الفرنسی تحدیدهم لمعنى الوساطة الجنائیة على موضوعها فیذهب احد الآراء إلى تعریفها بانها (نظام یستهدف الوصول إلى اتفاق او مصالحة او توفیق بین اشخاص او أطراف ویتطلب تدخل شخص أو أکثر لحل الخصومات بالطرق الودیة)، فی حین ذهب رأی ثان إلى تعریفها بانها (قیام الغیر بالبحث عن حل ودی بمفاوضات یجریها بین أطراف خصومة نشأت عن جریمة معینة)، وهناک من ذهب إلى تعریفها بانها (کل وسیلة غیر تقلیدیة یحل بها الخصومات عن طریق تدخل شخص ثالث کانت تحل وفقا للطریقة التقلیدیة بمعرفة قاضی الموضوع)، وأحد الفقهاء المصریین ذهب إلى أن الوساطة الجنائیة (تقوم على البحث عن حل ودی لنزاع یواجه اشخاص یرتبطون عادة بعلاقات دائمة وثابتة کأفراد العائلة الواحدة او الجیران أو زملاء العمل وذلک عن طریق تدخل شخص ثالث یسمى بالوسیط)، وأخر ذکر بان الوساطة الجنائیة هی (وسیلة لحل نزاع جنائی عن طریق خلق نقطة التقاء بین أطراف النزاع من خلال تدخل الغیر الذی یملک سلطة محددة له، ومحصنة بالحیادیة والاستقلالیة)، وهناک من عرفها على انها (وسیلة لا تتضمن شکلیة محددة، یقوم من خلالها شخص ثالث بحل نزاع قائم، عادة ما یکون إنهاءه من اختصاص قاضی الموضوع).
نستنتج من قراءة التعاریف السابقة للوساطة الجنائیة ، انها تجعل من موضوع الوساطة وهو التوفیق بین الجانی والمجنی علیه والتقریب من وجهات النظر اساساً ومنطلقاً فی تحدیدها لمعنى الوساطة الجنائیة.
الرأی الثانی: یذهب إلى تعریف الوساطة الجنائیة من حیث الغایة:
ینظر اصحاب هذا الرأی فی تعریفهم للوساطة الجنائیة من زاویة الهدف المنشود من الوساطة فیعرفونها على انها (ذلک الإجراء الذی یتولاه شخص من الغیر بناء على اتفاق أطراف النزاع، وضع حد ونهایة لحالة الاضطراب التی نشأت عن الجریمة تتمثل بحصول المجنی علیه على تعویض کاف عن الضرر الذی لحق به مع اعادة تأهیل الجانی). نلاحظ من قراءة هذا التعریف انه یرکز على الغرض أو الغایة التی من اجلها وجدت الوساطة الجنائیة وتسعى إلى تحقیقها وهی جبر الضرر بتعویض المجنی علیه عما أصابه وکفالة تأهیله إن تطلب الامر ذلک.
الرأی الثالث: یذهب إلى تعریف الوساطة من حیث المضمون والغایة:
یجمع اصحاب هذا الرأی بین فکرتی موضوع الوساطة وغایتها فی تعریفهم لإجراء الوساطة الجنائیة، فیذهب رأی إلى القول بأنها (إجراء یتوصل بمقتضاه شخص محاید (الوسیط) إلى التقریب بین طرفی الخصومة الجنائیة لغرض السماح لهم بالتفاوض على الآثار الناشئة عن الجریمة أملاً فی انهاء النزاع الواقع بینهم)، وهناک من عرفها على انها (اسلوب توفیقی بین أطراف النزاع بمساعدة الغیر املاً فی الوصول إلى حل رضائی یهدف إلى حمایة العلاقة الاجتماعیة، فهی صورة جدیدة للعدالة تساعد فی تقویة العدالة التقلیدیة، وترتکز على فلسفة انه لا یوجد شخصان لا یتفاهمان وانما یوجد فقط شخصان لا یتناقشان).
الرأی الرابع: یذهب إلى اعتبار الوساطة الجنائیة بمثابة صلح:
یعرف هذا الرأی الوساطة بأنها صورة من صور الصلح حیث یتطلب المشرع لإتمام الوساطة الجنائیة موافقة الأطراف علیها والوساطة من الإجراءات الجنائیة التی تتسم بالسرعة، فهی تعتبر من الإجراءات المکملة للصلح الجنائی.
اصحاب هذا الرأی یشبه إجراء الوساطة الجنائیة بمجالس الصلح لأنها تستهدف التوصل إلى اتفاق او مصالحة وبشکل ودی، فالوساطة الجنائیة تدخل فی مفهوم الصلح بمعناه الواسع وکلاهما ای الوساطة والصلح من الاسالیب غیر التقلیدیة فی انهاء الخصومات الناشئة عن الجرائم البسیطة ویضمنان للمجنی علیه تعویضاً کافیاً عن الاضرار التی لحقت به، وبهما یمکن تفادی الآثار السلبیة للعقوبات السالبة للحریة قصیرة المدة.
الرأی الخامس: یعتبر الوساطة الجنائیة إجراءً بدیلاً للدعوى الجنائیة:
یذهب اصحاب هذا الرأی إلى عَدّ الوساطة الجنائیة احد بدائل الدعوى الجنائیة حیث عرفها البعض بانها (إجراء یتم قبل تحریک الدعوى الجنائیة بمقتضاه تخول النیابة العامة جهة وساطة او شخص تتوافر فیه شروط خاصة، وبموافقة الأطراف، الاتصال بالجانی والمجنی علیه، والالتقاء بهم لتسویة الأثار الناجمة عن طائفة من الجرائم التی تتسم ببساطتها او بوجود علاقات دائمة بین أطرافها وتسعى لتحقیق اهداف محددة نص علیها القانون، ویترتب على نجاحها عدم تحریک الدعوى الجنائیة)، وهناک من عرفها على انها (نظام رضائی بدیل بمقتضاه تخول النیابة العامة برضاء الطرفین، الجانی والمجنی علیه، بإحالة القضیة إلى وسیط شخصی او معنوی، للوصول لتسویة النزاع، وانهاء الاضطراب الاجتماعی للجریمة وتعویض المجنی علیه واعادة تأهیل الجانی، وعند تنفیذها تقضی النیابة العامة بانقضاء الدعوى).
یلاحظ على هذا الرأی أنه یرکز على الاعتبارات الرئیسیة فی الوساطة الجنائیة کونها احد بدائل الدعوى الجنائیة، یتم مباشرتها من قبل الوسیط وتحت اشراف وانظار النیابة العامة بعد اخذ موافقة أطراف الخصومة الجنائیة، بغیة تحقیق اهداف معینة نص علیها القانون.
بعد استعراض هذه الآراء التی قیلت فی تعریف الوساطة الجنائیة ، نخلص إلى تعریف الوساطة الجنائیة بانها (نظام اجرائی یحول دون استکمال إجراءات التحقیق او المحاکمة بمقتضاه یخول القاضی المختص جهة وساطة بین طرفی الدعوى الجزائیة لتسویة النزاع وتعویض المجنی علیه تعویضاً کافیاً عن الضرر الذی لحقه وتأهیل المتهم ووضع حد للاضطراب الذی سببته الجریمة).
المطلب الثانی
صور الوساطة الجنائیة
تتعدد صور واشکال الوساطة الجنائیة فی القانون المقارن، فمن حیث دور الوسیط تنقسم إلى وساطة مفوضة ووساطة محتفظ بها، ومن حیث الطبیعة تنقسم إلى وساطة قضائیة ووساطة اجتماعیة، ومن حیث التنظیم تنقسم إلى وساطة تلقائیة ووساطة منظمة، ومن حیث اقرار المشرع لها تنقسم إلى وساطة رسمیة واخرى عرفیة ومن حیث طریقة مباشرتها تنقسم إلى وساطة مباشرة واخرى عن طریق وسیط، ومن حیث وجوب اللجوء لها تنقسم إلى وساطة اختیاریة واخرى الزامیة، واخیراً من حیث الهدف منها تنقسم إلى وساطة اصلاحیة ووساطة تأهیلیة.
1. صور الوساطة الجنائیة من حیث دور الوسیط:
أ. الوساطة المفوضه:
وهی إجراء یقوم به الادعاء العام بعد اخذ موافقة أطراف الخصومة على ارسال ملفات القضایا إلى احدى الهیئات الاهلیة او الجمعیات المتخصصة بحل النزاع ودیاً، حیث تتولى الأخیرة ممارسة إجراءات الوساطة بناء على تفویض الادعاء العام لها وتحت رقابته واشرافه ولهذا سمیت هذه الصورة بالوساطة المفوضه. ان الادعاء العام فی مثل هذه الحالة یکون بمثابة محطة لفرز القضایا المعروضة علیه, فهو من یقرر ویحدد أی من القضایا التی ترسل للوساطة.
ب- الوساطة المحتفظ بها:
وهی احتفاظ الادعاء العام بحقه فی إدارة الوساطة الجنائیة دون ان یعهد بمهمة الوساطة إلى شخص آخر، فالوسیط ههنا هو المدعی العام فلا تخرج الدعوى من حوزته بل یحتفظ بها من اجل حلها ودیاً ولهذا سمیت هذه الصورة بالوساطة المحتفظ بها.
2. صور الوساطة الجنائیة من حیث طبیعتها:
أ. الوساطة القضائیة :
ویقصد بها تلک الوساطة التی تجری من قبل القضاء او النیابة العامة، حیث یقوم القاضی او المدعی العام بمهمة الوساطة بین أطراف الخصومة الجنائیة کما هو الحال فی الولایات المتحدة الامریکیة حیث یقوم قاضی الصلح بمهمة الوساطة فی دور العدالة والقانون وفی بلجیکا وتونس والجزائر تؤدى الوساطة عن طریق النیابة العامة.
یلاحظ على هذه الصور انها اعطت للقضاء مهمة الوساطة اضافة إلى مهمته الاساسیة وهی الفصل بین الخصومات، بمعنى آخر ان التشریعات التی تبنت هذه الصورة لم تأخذ بمبدأ استقلال الوساطة، فی حین ان دولاً اخرى کفرنسا قد تبنت مبدأ استقلال الوساطة الذی لا یحق بموجبه لأعضاء النیابة العامة مباشرة مهام الوساطة وبالمقابل لا یحق للوسیط مباشرة ای من الوظائف القضائیة، وهذا ما قررته وزارة العدل الفرنسیة فی مذکرتها التوجیهیة سنة 1992 بان الوسیط لا یجوز ان یکون قاضیاً فی النیابة بل هو شخص متطوع او محترف تتوافر فیه مجموعة من الشروط الادبیة المحددة.
ویعد هذا التوجه منطقیاً لأنه ینسجم مع وظیفة وعمل القضاء والادعاء العام فضلاً عن أن فتح المجال للقضاء والادعاء العام بأداء مهمة دور الوسیط، عندئذ سیتعارض ذلک مع واجبهم الاساس وهو تطبیق القانون وهذا مما یعنی بانه لا یجوز ان تجتمع فی شخص واحد صفتی القاضی والوسیط، فإجراء الوساطة یتم وینفذ فی اطار هیئات تکون مؤهلة قانوناً متخصصة فی مساعدة المجنی علیهم.
ب. الوساطة المجتمعیة تحت رقابة واشراف القضاء:
یقصد بها تلک الوساطة التی تتم من قبل هیئات واشخاص من خارج المؤسسة القضائیة، حیث یتمتع هؤلاء الاشخاص بمکانة اجتماعیة او هیئات متخصصة فی هذا المجال تعمل على مساعدة المجنی علیهم وتقدم لهم ید العون. ویتم إجراء مثل هذا النوع من الوساطة عن طریق احالة اوراق القضیة بمعرفة النیابة العامة ومن ثم تتم مباشرة إجراءات الوساطة تحت انظار ورقابة النیابة العامة والتی لها فی المحصلة النهائیة سلطة تقدیریة فی تقدیر نجاح عمل الوسیط من عدمه، مثال ذلک ما تقوم به جمعیات مساعدة المجنی علیه فی فرنسا من وساطة تعرف اصطلاحاً بالوساطة المفوضة "Mѐdiation-Dѐlѐguѐe" فی القضایا المرسلة الیها من قبل النیابة العامة. لقد کانت التجارب والمحاولات الاولى للوساطة تتم فی اطار هذا النوع من الجمعیات والهیئات والتی کانت تتعاون مع النیابة العامة فی اعادة تأهیل الجانی وتقویم سلوکه اجتماعیاً من جهة، ومن جهة اخرى تحملها لجزء من تعویض الضرر الذی لحق بالمجنی علیه والذی یقع على کاهل هذه الجمعیات.
ج. وساطة الجیران:
یقصد بهذه الصورة من الوساطة ومن اسمها تدخل بعض الاشخاص القاطنین بالأحیاء السکنیة والمشهود لهم بحسن السیرة ومن اهل الخیر لحل المشاکل والتوفیق فی المنازعات وإجراء الصلح بین المتخاصمین فی المشکلات التی تقع داخل الحی السکنی. هذه الصورة من الوساطة تتم بعیداً عن القضاء وفی اطار المنازعات البسیطة التی تحدث یومیاً بین الجیران حیث تم انشاء مراکز لعدالة الجوار فی الولایات المتحدة الامریکیة، ومراکز القانون ووساطة الاحیاء السکنیة فی فرنسا، حیث یتم اختیار الوسطاء المتطوعین من سکنة الاحیاء من الناس المعروفین والمقبولین اجتماعیا فی الحی السکنی.
3. صور الوساطة الجنائیة من حیث التنظیم:
أ. الوساطة التلقائیة:
یقصد بها تلک الصورة من الوساطة الجنائیة التی تصدر تلقائیاً من قبل جهات التحقیق سواء اکانوا من رجال الشرطة او اعضاء الادعاء العام بإصلاح ذات البین وإجراء مصالحة بین المتخاصمین بعد اخذ موافقتهم مسبقا على حل المشکلة وانهاء النزاع ودیاً. فهنا الوساطة تعد اسلوباً یلجا الیه القائمین بالتحقیق مباشرة من دون تدخل شخص او جهة متخصصة بإجراءات الوساطة.
فالجهة القائمة بالتحقیق واعتماداً على سلطتها التقدیریة ومن خلال دراستها لظروف القضیة وملابسات الجریمة المرتکبة تقدر مدى ملائمة وامکانیة التوصل إلى فض النزاع عن طریق الوساطة. "على المحکمة إحالة أطراف الشکوى الى لجنة تشکل من الخبراء والمختصین لإصلاح ذات البین قبل إحالة القضیة الى المحکمة المختصة وذلک فی القضایا التی یجوز الصلح فیها...".
ومما تجدر الإشارة الیه فی هذا الصدد أن قانون مناهضة العنف الاسری رقم (8) لسنة 2011 الصادر فی اقلیم کردستان/ العراق قد أخذ بالوساطة التلقائیة، حیث ورد فی المادة (5) على أنه.
ب. الوساطة المنظمة:
یقصد بها تلک الصورة من الوساطة التی تتحقق عن طریق تدخل جهات متخصصة مهمتها اصلاح ذات البین وإجراء الصلح والتوفیق فی النزاعات. مثال ذلک الوساطة المفوضة، حیث یتم اجراؤها من خلال قیام النیابة العامة بإحالة عدد من القضایا وبناء على سلطتها التقدیریة إلى جمعیات مساعدة المجنی علیه لتتولى حل المشکلة وانهاء النزاع. وتعد الوساطة المنظمة الصورة الاکثر شیوعاً وقبولاً للوساطة الجنائیة فی التشریعات المقارنة.
- 4. صور الوساطة الجنائیة من حیث التقنین:
أ. الوساطة المقننة:
وهی تلک الصورة من الوساطة التی نظم احکامها المشرع فی القوانین الإجرائیة، حیث اعطى المشرع الجنائی للنیابة العامة صلاحیة حق إحالة الدعوى الجنائیة إلى جهة الوساطة مع استمرار النیابة العامة برقابتها على إجراءات الوساطة ومن ثم یترتب على نجاحها انهاء الخصومة الجنائیة والحفظ الاداری للقضایا الجنائیة . ومن التشریعات الجنائیة التی اخذت بهذه الصورة من الوساطة قانون الإجراءات الجنائیة الفرنسی وقانون تحقیق الجنایات البلجیکی والبرتغالی والتونسی.
ب. الوساطة العرفیة:
یقصد بها تلک الصورة من الوساطة التی یباشرها رؤساء القبائل وشیوخ العشائر وغیرهم من أصحاب الوجاهة الاجتماعیة ومن أصحاب الحل والعقد الذین یأمرون بالمعروف وینهون عن المنکر ویسعون فی اصلاح ذات البین، فهی نشاط اجتماعی تتم ممارسته من خلال جلسات الصلح العرفیة والتی یحضرها أطراف الخصومة الجنائیة وذویهم زائداً وجهاء العشیرة وغیرهم من الرجال ذوی المکانة الاجتماعیة والمنزلة الرفیعة فی البلد. فهذه مجالس الصلح العرفیة تعد قاسماً مشترکاً مع القضاء فی حل الخصومات وانهاء النزاعات بین افراد العشیرة فی مجتمعاتنا العربیة.
- صور الوساطة الجنائیة من حیث طریقة اجرائها:
أ. الوساطة المباشرة:
یقصد بهذه الصورة من الوساطة قیام الوسیط بجمع طرفی الخصومة الجنائیة والمباشرة بإجراء التفاوض والتحادث مجتمعاً، حیث یقوم فیها الوسیط بإجراء اتصالاته والتوصل إلى عقد اجتماع بین الأطراف المعنیة. وتکثر هذه الصورة من الوساطة فی الخصومات التی تحدث داخل الاسرة الواحدة وکذلک منازعات الجیران. سمیت هذه الصورة من الوساطة بالمباشرة لأنها تتم فی حضور کل من الجانی والمجنی علیه مباشرة وجهاً لوجه.
ب. الوساطة غیر المباشرة:
ان لم یتمکن الوسیط من تحقیق مبدأ المواجهة بین أطراف الخصومة الجنائیة، عندئذ یلجأ إلى الصورة الثانیة من الوساطة وهی الوساطة غیر المباشرة، حیث یقوم فیها الوسیط بإجراء مداولاته ومفاوضاته مع طرفی الخصومة على انفراد، بمعنى آخر لا یقدر الوسیط على تسویة وعقد اجتماع بینهما ومن ثم یضطر الوسیط إلى الاستمرار فی الالتقاء مع کل طرف وشرح موقفه وتحدید طلباته بشکل منفصل إلى ان یتم التوصل إلى حل توافقی للنزاع ودون ان یجتمع الجانی والمجنی علیه سویة، هذه الصورة من الوساطة یلجأ الیها الوسیط غالباً فی جرائم القتل والعنف ففی اکثر الاحیان یرفض المجنی علیه وذویه اللقاء بالجانی واهله بسبب المصیبة التی ألمت بهم.
6. صور الوساطة الجنائیة من حیث اهدافها:
أ. الوساطة الاصلاحیة:
یقصد بهذه الصورة من الوساطة اصلاح الضرر الناشئ عن الجریمة المرتکبة وبغض النظر عن طبیعة الضرر سواء أکان ضرراً شخصیاً محضاً لحق بالمجنی علیه او کان ضرراً عاماً اصاب المجتمع، هذا الضرر یتم اصلاحه من خلال التعویض الجنائی بصورة الثلاثة النقدی والمادی والادبی.
ب. الوساطة التأهیلیة:
یقصد بها تلک الصورة من الوساطة التی یراد منها تقویم سلوک الجانی واعادة تأهیله مع اعادته إلى وضعه الطبیعی ودمجه فی المجتمع من خلال قواعد محددة للسلوک والتصرفات.
7. صور الوساطة الجنائیة من حیث الوجوب:
أ. الوساطة الاختیاریة:
وهی الصورة الشائعة من الوساطة الجنائیة، حیث یجوز للنیابة العامة وحسب سلطتها التقدیریة احالة بعض القضایا إلى جهة الوساطة، ولهذا سمیت هذه الصورة من الوساطة بالاختیاریة.
ب. الوساطة الالزامیة:
بعض التشریعات المقارنة کالهند وسریلانکا اوجبت على النیابة العامة احالة بعض القضایا إلى جهة الوساطة کمرحلة اولیة قبل احالة الدعوى إلى المحاکم.
المطلب الثالث
ماهیة الوسـیط الجنائی
یعد الوسیط الجنائی طرفاً مهماً فی الوساطة الجنائیة وهو العنصر الممیز لها، علیه سوف نتناول بالبحث والدراسة التعریف بالوسیط والشروط الواجب توافرها فیه .
بناء علیه، تم تقسیم هذا المطلب إلى فرعین حیث تم تخصیص الفرع الأول للتعریف بالوسیط الجنائی وفی الفرع الثانی للشروط الواجب توافرها فیه.
الفـرع الأول
التعریف بالوسیط الجنائی
یقصد بالوسیط الجنائی هو ذلک الشخص القائم بعملیة الوساطة فی القضایا الجنائیة حیث یتولى هذا الشخص مهمة التوفیق بین مصلحتی الجانی والمجنی علیه. ویعد عمل الوساطة من الأمور المستحدثة فی أصول الإجراءات الجنائیة حیث تتولى النیابة العامة تخویل الوسیط مهمة الاتصال بأطراف الخصومة الجنائیة لتسویة الآثار المترتبة عن الجریمة. بعد انتهاء مهمة الوساطة، یقوم الوسیط بإشعار النیابة العامة عن نتائج الوساطة وهناک من عرف الوسیط بأنه الشخص الذی یتولى مهمة التوفیق بین مصلحتی الجانی والمجنی علیه، او بالأحرى هو ذلک الشخص الذی یتعین ان تتوافر فیه شروط معینة تمکنه من القیام بمهمة التوفیق بین مصلحتی الجانی والمجنی علیه.
وقد یباشر عضو الادعاء العام مهمة الوساطة الجنائیة کما هو الحال فی المانیا وتونس اذ یتحول إلى وسیط ومن خلال هذا الدور یقوم عضو الادعاء العام بصفته وسیطاً بالاتصال بین أطراف الخصومة ویوضح لهم المزایا العائدة الیهم من جراء الحل الودی.
وفی فرنسا کان أعضاء النیابة العامة والقضاة ورجال الشرطة یباشرون فی بادئ الأمر مهمة الوساطة بین أطراف الخصومة الجنائیة فضلاً عن أعضاء جمعیات مساعدة المجنی علیهم، فظل الامر کذلک حتى صدر المرسوم المرقم (305/96) فی 10/نیسان/1996 والخاص بتنظیم ممارسة الوساطة الجنائیة والذی حظر أعضاء النیابة العامة والقضاة من القیام بمهمة الوساطة لما فی ذلک من مساس بمبدأ حیاد ونزاهة واستقلال القضاء والنیابة العامة.
ان مصطلح الوسیط الجنائی هو مفهوم حدیث یختلف عن المحکم، فالمحکم طبقاً لقواعد التحکیم یتم اختیاره بمعرفة أطراف النزاع للفصل فی الخصومة، بینما الوسیط یتم تعیینه بمعرفة النیابة العامة ، کذلک فان قرار المحکم ملزم لأطراف النزاع فی حین ان قرار الوسیط غیر ملزم حیث یبقى لأطراف الخصومة حریة القبول به او رفضه.
یباشر الوسیط عمله فی اطار الدعوى الجزائیة ضمن فکرة الانابة القضائیة من قبل النیابة العامة له فی تفویضها له ودون تدخل فی العمل المفوض فیه. لقد تناول المشرع الجنائی الفرنسی المرکز القانونی للوسیط وبین القواعد الخاصة بندب الوسیط وهی ذات المواد التی توضح قواعد ندب مفوضی رئیس النیابة العامة ، واذا کان هؤلاء الأخیرین ممثلین قانونیین لذلک الرئیس، بحیث یمارسون اختصاصهم فی ضوء ما یصدر لهم من أوامر، إلا ان الوسیط یختلف عن مفوض النیابة العامة فی انه یتمتع بقدر من الاستقلال فی عمله وبالتالی فإن الوسیط الجنائی یؤدی واجبه ویمارس عمله فی اطار إنابة قضائیة ضمنیة من النیابة العامة .
لقد ذهب رأی فی الفقه إلى القول بان ندب النیابة العامة للوسیط الجنائی من شأنه الاخلال باستقلاله وحیاده، إذ یجعله موظفاً تابعاً للنیابة العامة بما یترتب على ذلک من احتمال التأثیر على إرادة ورضاء أطراف الخصومة الجنائیة. إلا ان هذا القول مردود، فهو وإن صح بالنسبة للحالة التی یتم فیها ندب شخص طبیعی من قبل النیابة العامة لمباشرة الوساطة، إلا ان هذا النقد لا محل له فی حالة إحالة القضیة إلى شخص معنوی کجمعیات مساعدة المجنی علیه والتی تقوم بدورها بتعیین احد أعضائها للقیام بمهمة الوساطة، فلا توجد صلة مباشرة بین الوسیط والنیابة العامة وهو ما یحول دون تأثیر النیابة العامة على الوسیط اثناء أدائه لواجب الوساطة الجنائیة.
ویمکن ان یکون الوسیط شخصاً طبیعیاً ویمکن ان یکون شخصاً معنویاً وقد یکون الوسیط شخصاً ممتهناً محترفاً للوساطة أی یأخذ أجراً علیها، وقد یکون متطوعاً متبرعاً أی یعمل بدون أجر، وقد یعمل الوسیط بصفته الفردیة وقد یعمل ضمن جمعیة أهلیة او مؤسسة خیریة.
ان مهمة الوساطة لا تنحصر بالأشخاص الطبیعیین، فالشخص المعنوی یمکن ان یکون وسیطا، حیث یحق للنیابة العامة ان تحیل أوراق القضیة لجهة وساطة تتولى مهمة التوفیق بین أطراف الخصومة الجنائیة کجمعیات مساعدة المجنی علیهم والرقابة القضائیة فی فرنسا والتی کان لها دور تاریخی فی نشأة وظهور الوساطة الجنائیة. تقوم هذه الجمعیات باختیار ممثلین لها لمباشرة مهمة الوساطة، وان تتمتع هذه الجمعیات بالاستقلال الذاتی فی أداء عملها مع ضرورة توافر معاییر الکفاءة والقواعد الأخلاقیة وإقامة دورات تدریبیة وتطویریة فی اختیار وتدریب وتقییم الوسطاء فی هذه الجمعیات، وأخیراً فمن حق الوسیط ان یرفض إجراء الوساطة لأی سبب یراه، سواء أکان ذلک متعلقاً بموضوع الجریمة او أطرافها وان القول بخلاف ذلک قد یؤدی إلى فشل الوساطة اذا لم یتمتع الوسیط بمقومات نجاح مهمته والتی تتطلب ان یکون قریباً من موضوع النزاع بعیداً عن أطرافه.
الفـرع الثانی
الشـروط الواجب توافرها فی الوسیط الجنائی
لقد استعرضت الندوة الدولیة لقانون العقوبات المنعقدة فی طوکیو سنة 1983 شروط الوسیط فاشترطت ان تتوافر لدیه الروح الإنسانیة، والرغبة فی خدمة المجتمع والمعرفة القانونیة والنفسیة والتی تساعده على استنباط الحلول العملیة وان یکون مستقلاً ومحایداً ولا یجوز ان یکون حکماً فی النزاع اذا ما فشلت الوساطة. کما أوصى المجلس الأوربی بأنه ینبغی ان یعین الوسطاء من جمیع قطاعات المجتمع وان یکون لدیهم الفهم الجید والثقافة المتنوعة للمجتمعات المحلیة والقدرة على إظهار حسن التقدیر وتقدیم المهارات اللازمة للوساطة الجنائیة.
ونظراً للدور المهم الذی یلعبه الوسیط الجنائی فی حل وتسویة الخصومات الجنائیة، لابد من تحقق شروطٍ معینة فی شخص الوسیط بعضها شروطً شخصیة تتمثل بالمقومات الشخصیة للوسیط الجنائی وأخرى شروطً موضوعیة.
أولاً: المقومات الشخصیة:
یشترط فیمن یباشر مهمة الوساطة الجنائیة ان تتوافر لدیه مقومات شخصیة تتمثل فی ان یکون خبیراً فی التعامل والتصرف مع الآخرین وان یکون سهل المراس، هادئ الطباع، ذا نظرة تربویة، کذلک فإن معظم التشریعات المقارنة تشترط فی الوسیط الجنائی ضرورة توافر شرط النزاهة والکفاءة المهنیة والصلاحیة لمباشرة مهمة الوساطة الجنائیة.
1. النزاهة: لابد ان یتمتع الوسیط بصفة النزاهة لکی یثق به الجمهور وخاصة أطراف الخصومة الجنائیة ، وان تکون سمعة الوسیط الجنائی جیدة لا شائبة علیه، وان یعی بأنه یتوسط بین طرفین مصالحهما متعارضة وان لا یحابی طرفاً على حساب آخر، وعلى الوسیط ان یکون نزیهاً متجرداً من ایة تأثیرات جانبیة، وان لا یستبق الاحداث بأحکام مسبقة فی ذهنه او خیاله، وعلى الوسیط ان لا یبدأ إجراءات الوساطة من فکرة تقلیدیة بان الجانی مدان او مخطئ وبالمقابل علیه ان لا یتعاطف مع المجنی علیه. کذلک على الوسیط الجنائی ان یحرص ان لا تبدأ إجراءات الوساطة وتنتهی بشکلیة مفادها ان هناک طرفا متضرراً لابد ان یعوض ومداناً علیه ان یدفع التعویض، فالوساطة الجنائیة لها اهداف تتجاوز هدف التعویض إلى اهداف أخرى سامیة تتمثل فی خلق جو من الألفة والمحبة بین المتخاصمین ومحو الأحقاد وإزالة الغل من نفوس طرفی الخصومة الجنائیة.
- الکفاءة المهنیة والمهارات الشخصیة:
لابد ان یکون الوسیط الجنائی ذا مؤهلات للقیام بمهمة الوساطة بمعنى ان یکون الوسیط لدیه المام بسیط بالثقافة القانونیة والعلوم الجنائیة وبالقواعد المنظمة للوساطة الجنائیة وبمباشرة عمله وسیطاً جنائیاً. اذ تتطلب مهنة الوساطة توافر مهارات شخصیة فی شخص القائم بها تقتضی العلم بکیفیة التعامل مع أطراف الخصومة الجنائیة وکسب ثقتهم وإدارة الوساطة بنجاح، حیث یحتاج الوسیط إلى عدة مهارات تساعده على التحکم بمشاعر وقدرات أطراف الخصومة وبما یخدم عملیة الوساطة، منها مهارة التخاطب والمساعدة، فدور الوسیط هنا هو لمساعدة المتخاصمین فی النقاش والتفاوض حول افضلیة صیغة لفصل النزاع، کما انه یقوم بالمتابعة والملاحظة من خلال تهیئة المعلومات الکافیة لتفهم أصل النزاع وأسباب مواقف واهتمامات طرفی الخصومة الجنائیة. کل هذا یتم من خلال ادخال الوسیط فی دورات تخصصیة بهذا الشأن، حیث توجب اغلب التشریعات الجنائیة الاوربیة على الوسطاء ضرورة تلقی تدریب متخصص للعمل بمهنة الوساطة الجنائیة، ففی السوید یخضع الوسیط لدورة تعلیم الزامیة مدتها عام واحد وفی النرویج والدنمارک لابد ان یقضی الوسیط دورة مدتها أربعة أیام وفی المانیا فیشترط للعمل وسیطاً جنائیاً ضرورة الحصول عل مؤهلات علمیة فی دراسة علوم محددة والتخصص فیها حیث یتم تأهیل الوسطاء من خلال اخضاعهم لدورات تدریبیة تتضمن الإحاطة بفن إدارة المنازعات وأسالیب التفاوض وقواعد إدارة المحادثات والاحاطة بالمعلومات القانونیة اللازمة لمباشرة الوساطة مع الإحاطة بالجوانب النفسیة لطرفی الخصومة الجنائیة. اما فی فرنسا فتقام دورات تدریبیة لتأهیل الوسطاء وتحت اشراف ورقابة وزارة العدل حیث عهد إلى لجنة الاتصال بجمعیات الرقابة القضائیة والمعهد القومی لمساعدة المجنی علیهم بمهمة تنظیم الدورات التدریبیة لتأهیل الوسطاء وهما جهتان تابعتان لوزارة العدل الفرنسیة. ومدة دورة تأهیل الوسطاء فی فرنسا مطلقة غیر محددة بزمن معین، اذ کانت المدة فی البدایة لا تزید على الثلاثین ساعة، إلا انها تغیرت وخاصة فی نطاق دورات الوساطة العائلیة حیث قامت بعض الهیئات العامة والخاصة بإقامة دورات وبرامج تدریبیة فی هذا المجال تزید على المائة والخمسون ساعة بهدف تأهیل الوسطاء تأهیلاً مهنیاً حرفیاً علمیاً وتزویده بالخبرة وجعله من ذوی الاختصاص فی مجال عمله.
- الصلاحیة والأهلیة.
یشترط فی الشخص الذی یباشر مهنة الوساطة الجنائیة ان تتوفر لدیه الصلاحیة لمباشرتها، تتمثل هذه الصلاحیة فی عدم صدور حکم قضائی جنائی بحقه او صدور حکم قضائی بحرمانه من بعض الحقوق. لذا یلتزم الوسیط بان یقدم صحیفة اعماله وان لا یکون من ذوی السوابق عند تقدیمه لمباشرة مهنة الوساطة وان یکون متمتعاً بکامل حقوقه المدنیة والسیاسیة وهذا ما أکد علیه التشریع الفرنسی والبرتغالی.
ثانیاً: الشروط الموضوعیة :
هناک مجموعة من الشروط الموضوعیة لابد من تحققها فیمن یتولى ممارسة الوساطة الجنائیة وهی عدم اشغاله لوظیفة قضائیة وشرط الاستقلال والحیاد وشرط الاختصاص.
1- عدم اشغال وظیفة قضائیة:
یشترط فی الشخص الذی لدیه الرغبة للعمل بمهنة الوساطة الجنائیة ان لا یکون من العاملین فی المؤسسة القضائیة وذلک حرصاً على حیاد الوسیط الجنائی واستقلاله فی مواجهة السلطة القضائیة من جهة، یقابل استقلال وحیاد القضاء الجنائی من جهة أخرى، وهذا ما جاء به المشرع الجنائی الفرنسی حیث حظر على الأشخاص کافة الممارسین للعمل القضائی او الاعمال المعاونة له من قضاة ومدعیین عامین ومحامیین وخبراء قضائیین والمبلغ القضائی وکتاب الضبط والمعاونین القضائیین من مزاولة مهنة الوساطة الجنائیة لان ذلک یؤثر فی حیاد عملهم وتحدیداً حیادیة النیابة العامة، ولم یضع المشرع الجنائی الفرنسی قاعدة عامة یتم من خلالها اختیار الوسطاء، فقد یکون الوسیط مزاولاً لنشاط مهنی ففی محکمة مدینة(Pontoise) الفرنسیة یقوم بمهمة الوساطة اختصاصی اجتماعی وخاصة فی المنازعات العائلیة فی نطاق القانون الجنائی للأسرة، کما یقوم بمهمة الوساطة احد معاونی العدالة فی الحالات الأخرى. وقد لا یکون الوسیط ممارساً لأی نشاط مهنی، کما هو الحال فی محکمة مدینة (Montepllier) ففی مثل هذه الحالات یلاحظ انتماء الوسطاء لجمعیات مساعدة المجنی علیهم حیث یتولى هؤلاء أسلوب عرض الوساطة.
علماً بان التجارب الأولى والممارسات السابقة للوساطة فی فرنسا ظهرت بناء على مبادرات من أعضاء النیابة العامة ، فبمقتضى هذه المبادرات مارس أعضاء النیابة العامة فی فرنسا أعمال الوساطة الجنائیة بین أطراف النزاع. هذا الامر أثار العدید من المشاکل لاسیما تلک المتعلقة باحترام الواجبات الأدبیة للوظیفة فی شأن الالتزام بالنزاهة والحیاد فی أداء العمل الوظیفی. واکثر من ذلک اذا کانت الدعوى منظورة امام عضو النیابة العامة وهو وسیطاً فی آن واحد، فهنا سیکون حیاد عضو النیابة العامة محل شک. لذلک منع المشرع الجنائی الفرنسی على القضاة والمدعین العامین والعاملین فی السلک القضائی کافة من ممارسة الوساطة.
2. الاستقلال والحیاد.
یجب ان یکون الوسیط مستقلاً فی عمله منفصلاً فی ذاته عن النظام القضائی ممثلاً بالادعاء العام أو قاضی التحقیق من جانب وعن طرفی الخصومة الجنائیة من جانب آخر بمعنى عدم خضوع الوسیط لأیة تأثیرات او ضغوطات جانبیة من ایة جهة کانت فالوسیط یعد منسقاً ومدیراً لعملیة الوساطة الجنائیة من بدایتها حتى نهایتها اذ یتولى مهمة التوفیق بین مصلحتین متعارضتین هما مصلحة الجانی ومصلحة المجنی علیه . کذلک على الوسیط توخی الدقة والحذر فی عمله، لا ان یمیل او یتحیز لطرف على حساب طرف آخر وان یتعامل مع طرفی الخصومة الجنائیة بعین واحدة دون ان یتخذ موقف او حکم مسبق وان لا یتأثر بأیة معلومة وصلت الیه من الخارج قبل التحقیق منها، اذ یتعارض مع صفة الحیاد الواجب تحققه فی شخص الوسیط ان یکون قد أبدى رأیاً فی ضوء سماعه لطرف قبل ان یسمع للطرف الآخر، او تقدیمه نصحاً لأحد طرفی الخصومة یعزز من موقفه التفاوضی أو اظهاره اهتماماً بأقوال طرف وعدم اکتراثه بأقوال الطرف الآخر وتفترض صفة الحیاد والاستقلال عدم وجود ایة صلة او علاقة بین الوسیط وأیاً من أطراف الخصومة الجنائیة، بمعنى آخر ان یکون الوسیط لا علاقة له بموضوع الخصومة الجنائیة ولا بأطرافها.
ان ما یحقق صفة الحیاد هو وجود قوائم معدة سلفاً تتضمن أسماء وجهات الوساطة الجنائیة واختصاصاتهم فی دوائر اختصاص المحاکم والنیابات العامة تساعد القضاء والنیابة العامة على حسن اختیار الوسطاء ویشجع طرفی الخصومة الجنائیة على قبول الوساطة الجنائیة.
- الاختصاص.
ان یکون الوسیط الجنائی مختصا بتسویة الخصومات الجنائیة، حیث یتحدد اختصاص الوسیط بذات اختصاص النیابة العامة التی تنظر الدعوى والتی تقوم بإحالة الخصومة للوسیط. إن اختصاص الوسیط یعنی توافر الخبرة العلمیة او العملیة حول موضوع وطبیعة الخصومة أو أن تکون لدیه مکانة اجتماعیة تجعله محل احترام ووقار وثقة حتى یصیر مؤهلاً للنظر فی النزاع، کذلک یجب على الوسیط ادراک ادبیات الوساطة الجنائیة وان یکون لدیه فن إدارة المقابلة التی سوف تتم بین أطراف الخصومة الجنائیة سعیاً نحو تحقیق أهدافها فی تسویة النزاع بشکل ودی.
المبحث الثانی
شروط الوساطة الجنائیة ومراحلها
توجد عدة شروط لابد من تحققها یتم بموجبها تطبیق نظام الوساطة الجنائیة, هذه الشروط بعضها موضوعیة والاخرى اجرائیة. کما وتتمیز الوساطة الجنائیة بانها تمر بمجموعة من المراحل والخطوات تبتدئ بالاقتراح والمبادرة وحتى الاتفاق بین الخصوم وتنفیذ الاتفاق. علیه سوف تتولى دراسة شروط تطبیق الوساطة الجنائیة فی المطلب الأول ومن ثم دراسة مراحل الوساطة الجنائیة فی المطلب الثانی.
المطلب الاول
شروط تطبیق الوساطة الجنائیة
تنقسم شروط تطبیق الوساطة الجنائیة إلى شروط موضوعیة تتمثل بوجود سند قانونی للوساطة الجنائیة ووجود دعوى جزائیة فی حوزة القضاء والسلطة التقدیریة فی اللجوء إلى إجراء الوساطة الجنائیة وقبول أطراف الخصومة الجنائیة وتحقیق اغراض الوساطة ، وشروط اجرائیة تتمثل فی ضرورة توافر الاهلیة الاجرائیة لأطراف الخصومة مع صحة الرضا ومیعاد إجراء الوساطة.
1- الشروط الموضوعیة للوساطة الجنائیة:
أ. وجود سند قانونی للوساطة الجنائیة.
ان الوساطة الجنائیة إجراء جنائی لابد وان یستند إلى نص قانونی ینظم کیفیة مباشرته تطبیقا لمبدأ الشرعیة الإجرائیة، وهذا ما اکدته التشریعات الجنائیة المقارنة کالقانون الفرنسی والبلجیکی والتونسی والجزائری.
ب. وجود دعوى جزائیة فی حوزة القضاء.
یشترط لتطبیق الوساطة الجنائیة ان تکون هناک دعوى جزائیة معروضة امام القضاء ممثلا بالنیابة العامة او قاضی التحقیق وهو ما یتطلب ضرورة توافر مفترضات تحریک الدعوى والتی تتمثل فی وقوع الجریمة ونسبتها إلى المتهم ووجود مجنی علیه وان یکون هناک ضرر قد لحق بالمجنی علیه.
ج. السلطة التقدیریة فی اللجوء إلى إجراء الوساطة الجنائیة.
لتطبیق الوساطة الجنائیة, لا بد من وجود سلطة تقدیریة منحها المشرع الجنائی للقضاء ممثلا بالنیابة العامة او المحکمة وحسب النظام الاجرائی المتبع، وطبقا للتشریعات الجنائیة المقارنة فقد منحت النیابة العامة سلطة تقدیریة فی تقدیر مدى جدوى اللجوء إلى إجراء الوساطة طریقا لحل الخصومة الجنائیة وحسب التقدیرات الخاصة وملابسات القضیة المعروضة مع امکانیة تحقیق اغراض الوساطة.
د. قبول أطراف الخصومة الجنائیة لإجراء الوساطة الجنائیة.
یشترط لتطبیق الوساطة الجنائیة ضرورة الحصول على موافقة طرفی الخصومة على اللجوء للوساطة فلا یمکن تصور عملیة وساطة ناجحة دون تحقق رضا أطرافها، ویحق للمهتم والمجنی علیه الاعتراض على إجراء الوساطة, فاذا ثبت للمتهم ان الوساطة الجنائیة تنطوی على حیف بحق من حقوقه الموضوعیة او الاجرائیة فله الحق فی ان یحتج ویطلب السیر فی إجراءات الدعوى الجزائیة تطبیقاً لحق المتهم فی اللجوء إلى قاضیه الطبیعی.
هـ. تحقیق اغراض الوساطة الجنائیة:
یشترط لتطبیق الوساطة الجنائیة وجود مجموعة من الاهداف شرعت من اجلها الوساطة تتمثل هذه الاهداف فی اصلاح الضرر الواقع على المجنی علیه وانهاء الاضطراب الناجم عن الجریمة واعادة تأهیل الجانی واصلاحه اجتماعیا.
2- الشروط الاجرائیة للوساطة الجنائیة.
تتمثل الشروط الاجرائیة للوساطة الجنائیة فی ضرورة توافق الاهلیة الاجرائیة والرضا لأطراف الوساطة الوساطة، وکذلک ضرورة توافر شروط بخصوص میعاد إجراء الوساطة ومدتها.
أ. الاهلیة الاجرائیة اللازمة لأطراف الوساطة الجنائیة.
تقوم الوساطة الجنائیة على رضاء الخصوم على تطبیقها ومن ثم یشترط ان تکون الاهلیة کاملة ویقصد بالأهلیة الاجرائیة صلاحیة کل طرف على حدة لمباشرة الإجراءات الجنائیة.
حیث تتحدد الاهلیة فی القانون الجنائی تبعا لعمر الانسان وبلوغه سن الرشد وان یکون متمتعا بکامل قواه العقلیة ومن ثم یترتب على عدم تحقق هذا الشرط عدم صلاحیة هذا الشخص لان یکون اهلا لمباشرة الوساطة الجنائیة.
ب. صحة الرضا.
تقوم الوساطة الجنائیة على قاعدة حریة الارادة ومن ثم فلا یمکن تحقق الوساطة الجنائیة متى ما کان قبول الأطراف لها نتیجة اکراه او الوقوع فی الغلط، وعلى القضاء ممثلا بالنیابة العامة زائدا الوسیط ضرورة اشعار الجانی والمجنی علیه وبقیة الأطراف بکامل حقوقهم وطبیعة عملیة الوساطة وقواعدها وبیان مزایاها والنتائج المحتملة لقرارهم قبل اعطاء الأطراف موافقتهم على قبول الوساطة وذلک تجنبا للوقوع فی الغلط.
ج. وقت إجراء الوساطة الجنائیة.
یختلف میعاد إجراء الوساطة الجنائیة حسب النظام الجنائی الاجرائی المتبع فی الدولة، ففی فرنسا تتم مباشرة الوساطة فی المرحلة السابقة على تحریک الدعوى الجزائیة فی اطار السلطة الممنوحة للنیابة العامة فی تحریک الدعوى، بینما فی الولایات المتحدة الامریکیة یمکن ان یتم إجراء الوساطة الجنائیة فی المراحل المختلفة للدعوى الجزائیة.
د. مدة إجراء الوساطة الجنائیة.
ان قصر مدة الوساطة الجنائیة هو دلیل نجاحها فی الوصول إلى حل النزاع بطریقة ودیة وبأسرع وقت ممکن وبما یحقق اهداف الوساطة الجنائیة. وعلى صعید التشریعات الجنائیة نجد ان هناک اتجاهین تشریعیین اولهما یذهب إلى تحدید سقف زمنی تنتهی بموجبه إجراءات الوساطة الجنائیة کالقانون البرتغالی ولوکسمبورک، وثانیهما لم یضع سقفا زمنیا محددا کالقانون الفرنسی والبلجیکی.
هـ. ان یکون اتفاق الوساطة الجنائیة مکتوبا وموقعا علیه من قبل ذوی الشأن.
وهذا ما اکدت علیه التشریعات الجنائیة المقارنة کالقانون الفرنسی والبلجیکی.
المطلب الثانی
مراحل الوساطة الجنائیة
بعد ان تقرر النیابة العامة او المحکمة على حسب الاحوال إجراء الوساطة یتم اشعار أطراف الخصومة بذلک ویتم تفویض شخص طبیعی او معنوی مؤهل للقیام بدور الوسیط ثم یلتقی الوسیط مع الجانی والمجنی علیه ویأخذ موافقتهما على قبول إجراء الوساطة بینهما. وتمر الوساطة الجنائیة بعدة مراحل متتالیة تبدا بمرحلة التمهید للوساطة ثم مرحلة اجتماع الوساطة ثم مرحلة اتفاق الوساطة واخیرا مرحلة تنفیذ اتفاق الوساطة.
1- مرحلة التمهید للوساطة.
فی هذه المرحلة یقوم الوسیط بالاتصال بکل من الجانی والمجنی علیه لغرض اخبارهم بان خصومتهم سوف تحل عن طریق الوساطة ولهم الحق فی قبول ذلک او رفضه، ویحدد لکل طرف من أطراف النزاع موعدا لمقابلته, وفی هذا اللقاء یقوم الوسیط بتعریف أطراف النزاع بما لهم من حقوق وما علیهم من واجبات ویعدهم بعدم السیر فی إجراءات الدعوى الجزائیة عند نجاح الوساطة، وفی حالة اتفاق أطراف النزاع على مبدأ الوساطة عندئذ یقوم الوسیط بالإصغاء والاستماع لکل طرف من أطراف النزاع على حدة حتى یتمکن من معرفة وجهة نظرهم فی شان النزاع وتحدید طلباتهم وکل ما یدور فی خلجات انفسهم.
وفی هذه المرحلة یلعب الوسیط دورا مهما فی امتصاص غضب المجنی علیه والتخفیف من حدته عند لقائه المجنی علیه. لذلک تعد هذه المرحلة بالغة الاهمیة اذ انها تسمح للوسیط لاستیعاب طبیعة النزاع وفهم المشکلة وبیان طلبات الأطراف وتحدید عناصر ومفاتیح حل الخصومة.
2- مرحلة اجتماع الوساطة:
بعد انتهاء الوسیط من سماع أطراف النزاع, یتم الاتفاق على تحدید موعد یتم فیه اجتماع الوسیط مع الجانی والمجنی علیه فی مجلس واحد یلتقی فیه أطراف النزاع وجها لوجه وفی بدایة هذا الاجتماع یعرض الوسیط لأهداف ومبررات الوساطة ثم یعطی المجال للمجنی علیه لیعرض شکواه وطلباته امام الجانی بعد ذلک یأتی دور الجانی فی عرض وجهة نظره ومن خلال النقاش وتبادل الآراء یستطیع الوسیط من التوفیق بینهما وتضییق نقاط الاختلاف، ویعقد الوسیط جلسات الوساطة فی مکان محاید ویفضل ان تجری المناقشات بصورة سریة مقتصرة على الوسیط والمجنی علیه والجانی، وفی هذه المرحلة یتضح ویتعاظم دور الوسیط على تنظیم تبادل الآراء بین المتخاصمین فضلا عن تلطیفه لحدة اللقاء والتخفیف من حالة البغضاء والشحناء عند احتدام الموقف بین المتخاصمین مذکرا ایاهم بالنقاط التی تم الاتفاق علیها سلفا حتى یصل إلى بر الامان ونقاط الالتقاء بین الأطراف یمکن من خلالها الوصول إلى اتفاق مرضی ومقبول من کل الجمیع، تعد هذه المرحلة فی غایة الدقة فهی مرحلة فارقة فی جهود الوساطة فنجاح الوساطة یتوقف على مدى التفاهم والتعاون والتنسیق الصادر من الجانی والمجنی علیه من اجل حل النزاع وتسویة الخصومة واحتواء المشکلة بصورة ودیة.
3- مرحلة اتفاق الوساطة:
عند نجاح جهود الوسیط فی ادارة المفاوضات والمناقشات بین طرفی الخصومة الجنائیة والوصول إلى تسویة مرضیة تدخل الوساطة فی مرحلة الاتفاق وفیها یتم تحدید التزامات کل طرف تجاه الطرف الاخر من اجل انهاء النزاع ویقوم الوسیط بکتابة محضر بهذه الخصوص موقعا علیه من قبل ذوی الشأن، وعلى الوسیط عند صیاغة التزامات کل طرف التأکد من امکانیة تنفیذها حتى یتجنب الصعوبات والمشاکل التی قد تواجه تنفیذ اتفاق الوساطة مستقبلا، وفیما یتعلق بمضمون اتفاق الوساطة فانه یتضمن فی اکثر الاحیان تعویض المجنی علیه او رد الشی إلى اصله واحیانا قد یقتصر اتفاق الوساطة بقیام الجانی بالاعتذار للمجنی علیه على ما وقع منه وقد یکتفی الوسیط بتوجیه النصح الارشاد للجانی شریطة قبول المجنی علیه لهذا الإجراء. ویلتزم الوسیط بإشعار النیابة العامة بما تم الاتفاق علیه من خلال تقریر مکتوب متضمنا ما تم الوصول الیه.
4- مرحلة تنفیذ اتفاق الوساطة.
بعد ان ینتهی الوسیط من ابرام اتفاق الوساطة یتعین علیه الاشراف ومراقبة تنفیذه وخصوصا فی الحالات التی یتم فیها الاتفاق على دفع التعویض على شکل اقساط ففی مثل هذه الحالة یتوجب على الوسیط متابعة تنفیذ طریقة الدفع، یفترض نجاح الوساطة، التنفیذ الکامل لما تم الاتفاق علیه من التزامات وتعهدات متبادلة فی اتفاق الوساطة فلا تنتهی مهمة الوسیط الا بتنفیذ الاتفاق والاشراف على تنفیذه فاذا قام الجانی بتنفیذ اتفاق الوساطة توجب على الوسیط ان یرسل ملف القضیة إلى النیابة العامة او المحکمة بحسب الاحوال مرفقا بذلک تقریرا مکتوبا عن نتائج مهمته فی الوساطة، ویختلف موقف النیابة العامة او المحکمة من هذا التقریر من دولة إلى اخرى ففی دولة مثل بولندا وامریکا وکندا والمانیا یتعین على النیابة العامة حفظ الدعوى الجزائیة وعدم تحریکها کما یتعین على المحکمة انهاء الدعوى الجزائیة وشطبها من سجل المواعید واعطاء محضر من اتفاق الوساطة قوة السند التنفیذی، اما فی فرنسا فان الحکم یختلف، اذ تملک النیابة العامة تقدیر ملائمة إجراء الوساطة فقد وضع المشرع الجنائی الفرنسی عند إقراره بالوساطة کوسیلة لفض النزاعات اهدافا معینة وخول النیابة العامة سلطة التثبت من تحققها وتتمثل هذه الاهداف فی ضمان تعویض الضرر الذی لحق بالمجنی علیه ووضع حد ونهایة للاضطراب الناشئ عن الجریمة واعادة تأهیل الجانی، ویخضع التحقق من توافر هذه الاهداف للسلطة التقدیریة للنیابة العامة والتی یکون لها فی حالة عدم توافرها ان تقوم بتحریک الدعوى الجزائیة امام المحکمة المختصة، فنجاح جهود الوساطة لا یحول دون تحریک الدعوى متى رات النیابة العامة ان إجراء الوساطة لم یحقق الاهداف التی قصدها المشروع الفرنسی.
المبحث الثالث
موقف التشریعات الاجرائیة المقارنة من الوساطة الجنائیة
لقد عرفت العدید من التشریعات المقارنة إجراء الوساطة الجنائیة سواء اکانت تأخذ بالنظام الاجرائی اللاتینی او النظام الاجرائی الانکلوسکسونی. بناء علیه سوف نکرس هذا المبحث لبیان موقف التشریعات الاجرائیة المقارنة فی ثلاثة مطالب:
المطلب الاول: الوساطة الجنائیة فی التشریع الفرنسی.
المطلب الثانی: الوساطة الجنائیة فی التشریع الانکلیزی.
المطلب الثالث: الوساطة الجنائیة فی التشریعات العربیة.
المطلب الاول
الوساطة الجنائیة فی التشریع الفرنسی
تعد التجربة الفرنسیة فی الوساطة الجنائیة من اهم التطبیقات التشریعیة للوساطة الجنائیة بالقوانین الوضعیة ویرجع ذلک إلى ان الوساطة الجنائیة فی فرنسا تعد اول تجربة لتقنین إجراء الوساطة الجنائیة فی أوربا وقد تم تقنینها تشریعیا بموجب القانون رقم (93-2) فی 4 کانون الثانی 1993.
وبعد هذا التاریخ بدأت اغلب التشریعات الاوربیة باعتماد إجراء الوساطة الجنائیة، على غرار النموذج الفرنسی، لقد بدأت تجارب الوساطة الجنائیة فی فرنسا فی منتصف الثمانینات من القرن العشرین عن طریق مبادرات اعضاء النیابة العامة والقضاء قبل اقرارها تشریعیا بفترة زمنیة مما ساعد على تعمیق وغرس فکرة ومفهوم الوساطة الجنائیة بین افراد المجتمع الفرنسی إلى ان تدخل المشرع الفرنسی سنة 1993 واضاف الفقرة السابعة إلى المادة (41) فی قانون الإجراءات الجنائیة الفرنسی والتی عدلت بموجب القانون رقم (1787) فی 20/12/2007 وأصبحت تنص على انه (یستطیع مدعی الجمهوریة مباشرة او عن طریق مأمور الضبط القضائی او مفوض او وسیط وقبل اتخاذ قراره فی الدعوى الجنائیة اذا تبین له ان مثل هذا الإجراء یمکن ان یضمن تعویض الضرر الذی اصاب المجنی علیه, وینهی الاضطراب الناتج عن الجریمة, ویسهم فی تأهیل مرتکب الجریمة, ان یجری بموافقة الأطراف مهمة وساطة بین الجانی والمجنی علیه والإجراءات المنصوص علیها فی هذه المادة توقف تقادم الدعوى الجنائیة, وفی حالة نجاح الوساطة یثبت مدعی الجمهوریة او الوسیط ذلک فی محضر یوقع علیه جمیع الأطراف, ویسلم لهم صورة منه، واذا تم التزام الجانی بدفع تعویض للمجنی علیه, فیجوز لهذا الاخیر بمقتضى المحضر السابق ان یطالب بسداد حقه وفقا لإجراء الامتثال بالدفع تطبیقا للأحکام المنصوص علیها فی قانون المرافعات المدنیة، وفی حالة عدم تنفیذ التدبیر بسبب یرجع إلى سلوک الجانی فإن لمدعی الجمهوریة مالم توجد عناصر جدیدة ان یباشر التسویة الجنائیة او بتحریک الدعوى الجنائیة)، فنلاحظ انه بموجب هذا النص القانونی یجوز للنیابة العامة وقبل تحریک الدعوى الجنائیة وبناءً على اتفاق أطراف النزاع ارسال ملفات القضایا التی تکون محلا للحفظ إلى الوساطة, شریطة ان تقدر النیابة العامة ان هذا الإجراء سیؤدی إلى اصلاح الضرر الذی لحق بالمجنی علیه وانهاء الاضطراب الناشئ عن الجریمة والمساعدة على تأهیل اجانی واعادة اندماجه بین افراد المجتمع، ان اسلوب الوساطة المطبق فی فرنسا هی الوساطة المفوضة حیث تقوم النیابة العامة بأرسال ملف القضیة إلى شخص او جمعیة تمارس اعمال الوساطة, وتاریخیا تعد صورة الوساطة المفوضة اول تجربة للوساطة الجنائیة ظهرت بمبادرة من النیابة العامة سنة 1985 فی مدینة (Valence) حیث انشات جمعیة مساعدة ضحایا الجریمة والرقابة القضائیة، تلتها مجموعة من الجمعیات لمساعدة وارشاد المجنی علیهم ومقرها فی مدینة (Grenoble) جنوب فرنسا التی لعبت دور بارز فی انتشار الوساطة الجنائیة فی فرنسا، واما صورة الوساطة المحتفظ بها فهو اسلوب تفرد به المشرع الفرنسی وبموجبه تتولى دوائر الوساطة التی تندمج مباشرة بالهیئة القضائیة مثل دور العدالة والقانون وقنوات العدالة فی الاحیاء السکنیة التی تکثر فیها المشاکل والتی تقوم بمهمة التوسط بفض النزاع بین المتخاصمین.
المطلب الثانی
الوساطة الجنائیة فی انکلترا
عرف النظام القانونی الانکلیزی تطبیق الوساطة الجنائیة فی المنازعات والخصومات بشکل مباشر وتلقائی من قبل جهاز الشرطة وکذلک من خلال مراکز متخصصة بالوساطة وتجارب اخرى تمت بالارتباط مع المحاکم، وسنتناول کل منها فی فرع مستقل وکما یأتی.
الفرع الأول
الوساطة الجنائیة عن طریق جهاز الشرطة
یتولى جهاز الشرطة فی انکلترا مباشرة الحق بتحریک الدعوى الجنائیة وإجراء التحقیق فی الجرائم کجرائم السرقة والاحتیال وجنایة الامانة والاختلاس والعنف، ویمارس جهاز الشرطة إجراء الوساطة الجنائیة فی مرحلة ما قبل تحریک الدعوى الجزائیة من خلال وسیلتین:
1- طریقة الانذار حیث یحق لضابط الشرطة فی انکلترا واثناء مباشرته لعمله واستنادا إلى سلطته التقدیریة ان یوجه انذارا رسمیا إلى المتهم فی الجرائم قلیلة الخطورة والبسیطة کالمخالفات والجنح البسیطة والتی لا تستوجب اتخاذ ما یلزم من الإجراءات الجنائیة المعتادة ومن ثم وحسب السلطة الممنوحة لضابط الشرطة بتولی حل الخصومة وفض النزاع داخل مرکز الشرطة وتتم إجراء الوساطة من خلال ارسال انذار یتم فی دعوة طرفی النزاع للحضور إلى مرکز الشرطة ویحق للمتهم ان یستعین بأحد اقاربه او اصدقائه للحضور معه فی مرکز الشرطة واذا ما تم توصل الأطراف إلى اتفاق الوساطة فیجب کتابة هذا الاتفاق.
2- طریقة الکفالة یستخدم جهاز الشرطة فی انکلترا طریقة الکفالة مع المجرمین الاحداث وکذلک الاشخاص حدیثی الاجرام ای لیس لهم سوابق فی نطاق الجرائم العادیة ذات الخطورة البسیطة، فبعد قیام المجنی علیه بتقدیم الشکوى فی مرکز الشرطة یقوم ضابط الشرطة باستدعاء المتهم للإدلاء بأقواله بما هو منسوب الیه ویعلن رغبته لتسویة النزاع ودیا بعد اقراره بالجریمة، وعلى اثر ذلک یقوم ضابط الشرطة بفحص مدى صدق اعترافات المتهم والمتضمنة اقراره بارتکابه بالجریمة ورغبته فی انهاء النزاع فیقوم الأطراف بعد ذلک بالتفاوض للاتفاق على حل الخصومة ودیا ویتم اثبات هذا الاتفاق فی محرر موقعاً علیه من قبل المتهم والمجنی علیه.
الفرع الثانی
الوساطة الجنائیة عن طریق جمعیات متخصصة
یتم إجراء الوساطة عن طریق جمعیات اهلیة بالاتصال مع جهاز الشرطة فی المنازعات البسیطة کالمنازعات العائلیة ومشاکل الجیران، وکذلک مشاکل الشباب الجانحین فی الجرائم البسیطة والتی لا تصلح ان تکون محلا لمباشرة إجراءات الدعوى الجنائیة، تتولى مراکز الشرطة ارسال ملفات القضایا ذات الصلة إلى جمعیات اهلیة وهی عبارة عن مراکز وساطة اعضاؤها من افراد المجتمع، تتم إجراءات الوساطة الجنائیة فی مرحلة ما قبل تحریک الدعوى الجزائیة وفی اطار سلطة الملائمة المقررة لجهاز الشرطة فی تحریک الدعوى او توجیه انذار بسیط ضد المتهم.
الفرع الثالث
الوساطة الجنائیة عن طریق المحاکم فی مراکز متخصصة
یتم إجراء الوساطة عن طریق قضاة محاکم الجنح وکذلک من خلال مراکز الاختبار المتخصصة فی الوساطة فی مرحلة ما قبل النطق بالحکم وقد ظهرت تجارب الوساطة هذه فی بعض المدن الانکلیزیة (Wolver Hampton, Leeds, Coventry) تهدف إلى انشاء قناة اتصال عبر الوساطة بین أطراف النزاع حیث یتولى فریق الوساطة إجراء الاتصالات اللازمة بعد تلقی طلب القاضی بإحالة ملف القضیة للوساطة وتبدا إجراءات الوساطة بمرحلة اللقاءات الفردیة ثم مرحلة اجتماع الوساطة وانتهاءً بقیام الوسیط برفع تقریر مکتوب إلى المحکمة مبینا فیه نتائج الوساطة.
واخیرا فان اثر الوساطة فی الدعوى الجزائیة فی النظام القانونی الانکلیزی یختلف بحسب ما اذا کانت الوساطة قد اجریت فی مرحلة ما قبل تحریک الدعوى الجزائیة او فی مرحلة ما قبل النطق بقرار الحکم، فاذا انتهت إجراءات الوساطة بالنجاح فی مرحلة ما قبل تحریک الدعوى الجزائیة ینتج عن ذلک اصدار انذار بسیط للمتهم او الاکتفاء بوقف السیر فی إجراءات الدعوى الجزائیة.، وبخلاف ذلک ای اذا لم تنجح الوساطة یتم التحریک والمباشرة بالإجراءات اللازمة فی الدعوى الجزائیة، اما اذا تمت احالة القضیة للوساطة عن طریق محاکم الجنح فی مرحلة ما قبل النطق بالحکم فان نجاح الوساطة یکون له اثر ایجابی فی تخفیف الحکم على المتهم.
المطلب الثالث
الوساطة الجنائیة فی التشریعات العربیة
یعد القانون التونسی والجزائری نموذجین للتشریعات العربیة التی اقرت نظام الوساطة الجنائیة فی قانون الإجراءات الجنائیة وقانون حمایة الطفل، حیث اقر الشرع التونسی إجراء الصلح بالوساطة فی المواد الجزائیة بموجب القانون رقم (93) سنة 2002 والذی اضاف الباب التاسع إلى الکتاب الرابع من محلة الإجراءات الجزائیة وکذلک اقر المشرع الجزائری نظام الوساطة بموجب الامر رقم ( 2/2015) والذی اضاف الفصل الثانی مکرر إلى الکتاب الاول من قانون الإجراءات الجزائیة الجزائری.
ان الهدف من اقرار المشرع التونسی والجزائری لنظام الوساطة الجنائیة هو لضمان تعویض المجنی علیه عن الاضرار التی لحقت به جراء الجریمة ووضع حد للاضطراب والاخلال الذی سببته الجریمة واعادة دمج الجناة فی المجتمع وتدعیم الشعور لدیهم بالمسؤولیة وتمشیا مع ما اقرته التشریعات الجنائیة المقارنة فی مختلف النظم الإجرائیة لإجراء الوساطة الجنائیة کطریقة حدیثة وحضاریة فی حل الخصومات الجنائیة ولتسویة النزاعات قبل تحریک الدعوى الجزائیة.
لقد أجاز المشرع التونسی والجزائری للادعاء العام إجراء وساطة سواء اکان ذلک من تلقاء نفسه او بناء على طلب طرفی النزاع او احدهما فی بعض الجرام کالمخالفات وبعض التی حددها المشرع على سبیل الحصر کجرائم السرقة البسیطة والسب والقذف والاعتداء على الحیاة الخاصة وغیرها من الجنح البسیطة.
ویشترط لتطبیق الوساطة الجنائیة وجود دعوى جزائیة بحوزة النیابة العامة، حیث تقرر النیابة العامة ملائمة اللجوء إلى الوساطة وبموافقة طرفی النزاع وکبقیة التشریعات الجنائیة المقارنة، تمر الوساطة الجنائیة بالمرحلة التمهیدیة ثم مرحلة اجتماع الوساطة ثم مرحلة اتفاق الوساطة وأخیرا تنفیذ الاتفاق، یدون اتفاق الوساطة بموجب محضر مکتوب متضمنا نتائج اتفاق الوساطة کإعادة الحال إلى ما کانت علیه او التعویض المالی او العینی عن الضرر وای اتفاق اخر غیر مخالف للقانون یتم التوصل الیه مع تحدید الفترة الزمنیة لتنفیذ جمیع الالتزامات وتأدیة الحقوق الواردة فی اتفاق الوساطة، فاذا تعذر تنفیذ اتفاق الوساطة عندئذ یحق للنیابة العامة اتخاذ ما تراه مناسبا.
وهکذا یتبین بان المشرع التونسی والجزائری اخذا بنظام الوساطة الجنائیة وقررا لعضو النیابة العامة دور مباشر فی متابعة عملیة الوساطة وإجراء المفاوضات بین طرفی النزاع ومن ثم فان المشرع التونسی والجزائری اعطى صفة الوسیط لعضو النیابة العامة وفی ذلک یختلف القانون التونسی والجزائری عن القانون الفرنسی الذی منع القائمین بالوساطة من مباشرة اعمال قضائیة.
إن البدایات الاولى فی ظهور ممارسات وتجارب الوساطة الجنائیة تعود إلى سنة 1974 فی کندا ثم انتقلت بعد ذلک إلى الولایات المتحدة الأمریکیة وبعد ذلک اتسع نطاق تطبیقه لیشمل أکثر الدول الأوربیة وأن الوساطة لم تأخذ مجراها إلى القانون إلا بعد تقنینها تشریعیاً عام 1993 فی فرنسا، لذلک لم یعرف التشریع العراقی إجراء الوساطة الجنائیة بمفهومها القانونی الحالی وصیغتها الإجرائیة وقواعدها الشکلیة فإجراء الوساطة الجنائیة هو نظام حدیث تم تقنینه وصیاغته قانونیاً فی العقد الأخیر من القرن العشرین وقد أخذ المشرع الجنائی العراقی بفکرة الصلح کمبدأ للمصالحة فی بعض الجرائم حیث نص قانون أصول المحاکمات الجزائیة العراقی على الصلح وأحکامه فی الفصل الخامس من الباب الثالث من الکتاب الثالث من المواد (194-198) إن الأسباب التی دعت المشرع العراقی إلى الإقرار بالصلح هو رغبته فی إنهاء النزاع فی جرائم معینة وإحلال السلم والمودة بین المتخاصمین، إن إقرار مبدأ الصلح من قبل المشرع العراقی أمر مقبول وله ما یبرره.
وتزداد أهمیة نظام الوساطة الجنائیة یوماً بعد یوم کإجراء بدیل عن الدعوى الجزائیة ووسیلة جدیدة فی مکافحة الظاهرة الإجرامیة ولقد بدأت السیاسة الجنائیة فی معظم التشریعات إعادة النظر فی إستراتیجیتها لاحتواء الجریمة ومکافحة الظاهرة الإجرامیة والبحث عن طرق جدیدة ووسائل تحقق أقصى فاعلیة ممکنة فی القضاء على الجریمة واختصار الإجراءات الشکلیة والتقلیل منها فی حسم القضایا الجزائیة، هذا الأمر أدى إلى ظهور مفهوم جدید للعدالة الجنائیة وهو مفهوم العدالة التعویضیة أو الإصلاحیة ومشرعنا العراقی لیس ببعید عن ذلک، فبالإمکان تطبیق إجراء الوساطة الجنائیة فی العراق باعتباره إجراء بدیلاً عن إجراءات الدعوى الجزائیة خاصة فی الجرائم البسیطة بحیث یقلل من الزیادة الحاصلة فی أعداد الدعاوى الجزائیة وکلفتها على الدولة وعلى المحاکم کما ویسهم فی حل الخصومات الجنائیة بأسرع وقت.
لذا نقترح على المشرع بأن یورد نصاً قانونیاً ضمن الاحکام الخاصة بالصلح یجیز بموجبه قبول الوساطة ضمن شروط معینة تضمن حقوق أطراف الدعوى الجزائیة وتضمن تحقیق العدالة وتسهیل إجراءات حفظ السلم الاجتماعی ورأب الصدع الذی یحصل بسبب الجرائم التی یمکن انهاءها دون اشغال الأجهزة القضائیة بها.
فمن المعلوم أن زیادة أعداد القضایا التحقیقیة والدعاوى الجنائیة فی العراق وبطئ الإجراءات التحقیقیة وسواء أکان ذلک فی مرحلة التحقیق الابتدائی أو المحاکمة وصعوبة وکلفة استحداث محاکم جزائیة جدیدة وصعوبة فی أعداد الکوادر القضائیة لکل ما تقدم لا بد من البحث عن مفهوم آخر للعدالة الجنائیة فی العراق یضمن تحقیق العدالة.
إن المشرع الجنائی العراقی أقر العدید من المبادئ والإجراءات التی تعمل على إنهاء النزاع فی جرائم معینة کالصلح وصفح المجنی علیه فلا مانع من إقرار وتبنی إجراءات جدیدة أخرى لأنهاء الخصومات الجنائیة بین الأفراد.
الخاتمـة
بعد الانتهاء من دراسة الوساطة الجنائیة توصلنا إلى النتائج والتوصیات التالیة.
أولا: النتائج.
1- تعد الوساطة الجنائیة إجراءً مستحدثا یعمل على حل النزاعات والخصومات الجنائیة خارج اطار مؤسسة القضاء مما یخفف من عبء القضایا الملقى على کاهل القضاء.
2- ان الوساطة الجنائیة إجراء یبحث عن تحقیق العدالة المجتمعیة اکثر مما یهتم بالبحث عن تحقیق العدالة القضائیة, لأنه عند إجراء الوساطة الجنائیة لا یتم البحث عن المذنب بقدر ما یتم البحث عن حقیقة المشکلة او النزاع وحل الخلاف بصورة ودیة ولهذا قیل بان الوساطة الجنائیة هی إجراء توفیقی وتعویضی یسعى إلى تسویة المشکلة واحتواء النزاع وعلى النحو الذی یحقق رضا وقبول المتخاصمین.
3- على الرغم من ان إجراء الوساطة الجنائیة یتم بعیدا عن ساحة القضاء وقاعة المرافعة، الا ن إجراء الوساطة الجنائیة یبقى تحت نظر واشراف القضاء ممثلا بالادعاء العام او المحکمة وعلى حسب الأحوال، فجهة التحقیق هی التی تقدر إمکانیة اللجوء إلى إجراء الوساطة من عدمه ابتداء، کما انها صاحبة القول الفصل فی القبول او رفض ما اسفرت عنه الوساطة من نتائج وحلول.
4- ان إجراء الوساطة الجنائیة هو مرآة عاکسة للسیاسة الجنائیة الحدیثة فهی تعد أسلوبا جدیدا غیر مألوف فی حل الخصومات الجنائیة یتمخض عنها عدة نتائج إیجابیة منها التخفیف من زخم القضایا والدعاوى المنظورة امام المحاکم وسرعة حل المنازعات فی الوقت المناسب والابتعاد عن الإجراءات التقلیدیة وتقلیل الکلفة المالیة الملقاة على الدولة.
5- تعاظم دور المجنی علیه والاهتمام به, ففی إجراء الوساطة الجنائیة نجد ان دور المجنی علیه یتضح ویزداد لان الوساطة الجنائیة عبارة عن مثلث اضلاعه: المجنی علیه، الجانی والوسیط، فی حین ان الإجراءات الجنائیة التقلیدیة لا توفر للمجنی علیه ذلک الاهتمام، ولقد بدأت التشریعات الجنائیة الإجرائیة بالاهتمام والترکیز على حقوق المجنی علیه ومنحه ضمانات اکثر وتأتی الوساطة الجنائیة موکدة على ذلک.
6- لاحظنا من خلال البحث ان للوساطة الجنائیة عدة صور فمن حیث طبیعتها تنقسم إلى وساطة قضائیة ووساطة الجیران ووساطة تتم تحت رقابة القضاء، ومن حیث التنظیم فهناک وساطة تلقائیة وأخرى منظمة، ومن حیث طریقة اجرائها هناک وساطة مباشرة وغیر مباشرة، ومن حیث أهدافها هناک وساطة إصلاحیة وأخرى تأهیلیة.
7- بینت لنا الدراسة بأن شروط تطبیق الوساطة الجنائیة تنقسم إلى شروط موضوعیة وشروط شکلیة.
8- کشفت لنا الدراسة بأن الوساطة الجنائیة تمر بأربعة مراحل متتالیة هی المرحلة التمهیدیة ومرحلة الاجتماع بأطراف الخصومة ومرحلة اتفاق الوساطة، وأخیراً مرحلة تنفیذ الاتفاق. وإن لکل مرحلة أهمیتها وخصوصیتها.
9- وجدنا بأن إجراء الوساطة الجنائیة قد أخذت به اکثر النظم الجنائیة الإجرائیة کالقانون الفرنسی والإنکلیزی وکذلک وجدت الوساطة الجنائیة لها صدى وقبول فی التشریعات العربیة کالقانون التونسی والجزائری.
ثانیاً: التوصیات
1- نوصی المشرع العراقی بأن یأخذ بنظر الاعتبار نظام الوساطة الجنائیة کإجراء بدیل عن الإجراءات التقلیدیة للدعوى الجزائیة باعتبار أن الوساطة الجنائیة إجراء یتسم بطابعه الاجتماعی والإنسانی ویؤدی إلى تخفیف عبء القضایا الملقى على عاتق المحاکم.
2- إشراک منظمات المجتمع المدنی والمجالس المحلیة التی تتکون من الأعیان والوجهاء والشیوخ فی إجراء الوساطة الجنائیة.
3- ضرورة اشراف القضاء على مجریات وإجراءات الوساطة الجنائیة منذ البدایة، فالقضاء هو الذی یأذن للبدء فی إجراءات الوساطة الجنائیة وکذلک عند الانتهاء فهو الذی یصادق على محضر الوسیط بقبول النتائج والحلول التی تم الاتفاق علیها.
4- ندعو المشرع العراقی إلى وضع ضوابط وشروط تتعلق بالوسیط سواء أکانت شروطاً موضوعیة تخص اختصاصه وحیادته واستقلاله أو شروط شکلیة خاصة بکیانه إذ أن نجاح الوساطة یعتمد بالدرجة الأساس على الوسیط الذی یدیر مفاوضات الوساطة.
5- تعدیل قانون أصول المحاکمات الجزائیة العراقی وإدخال المادة رقم (10) ضمن الباب الأول الدعوى الجزائیة وتکون کالآتی.
المادة(10):
- یجوز لقاضی التحقیق بعد تقدیم الشکوى أو الإخبار أن یقرر بمبادرة منه أو بناءً على طلب من المجنی علیه أو الجانی إجراء وساطة یکون من شأنها وضع حد للأخلال الناتج عن الجریمة أو جبر الضرر المترتب علیها.
- یشترط لإجراء الوساطة قبول المجنی علیه والجانی سویة ویجوز لکل منهما الاستعانة بمحامٍ.
- یمکن ان تطبق الوساطة الجنائیة فی المخالفات والجرائم المنصوص علیها فی المادة (3) والجنح التی لا تزید عقوبتها عن ثلاث سنوات.
- یدون اتفاق الوساطة بمحضر یتضمن هویة وعنوان المتخاصمین وعرضاً توضیحیاً للجریمة وتاریخ ومکان وقوعها ومضمون اتفاق الوساطة ومدة تنفیذه ویوقع هذا المحضر من قبل الوسیط والجانی والمجنی علیه ومصادقة قاضی التحقیق علیه.
- یتضمن اتفاق الوساطة ما یأتی:
أ- إعادة الحال إلى ما کانت علیه قبل وقوع الجریمة.
ب- تعویض مادی أو أدبی عن الضرر.
ج- کل اتفاق اخر غیر مخالف للقانون یتوصل الیه الأطراف.
- لا یجوز الطعن باتفاق الوساطة بأی طریق من طرق الطعن القانونیة.
- یعد محضر اتفاق الوساطة حکماً تنفیذاً طبقاً للقانون.
- إذا لم یتم تنفیذ اتفاق الوساطة فی المدة المحددة یتخذ قاضی التحقیق ما یراه مناسباً فی شأن تحریک الدعوى الجزائیة.
- یترتب على تنفیذ اتفاق الوساطة انقضاء الدعوى الجزائیة.
The Authors declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English) and References (English)
First: Language dictionaries
1. Ibn Mansoor, Tongue of the Arabs, Volume 3 (From Qaf to Y), Dar San al-Arab, Beirut, (DS).
Auguste Sherbono, Dictionary (Arabic-French), Library of Lebanon, Beirut, 1973.
3. Boutros Al-Bustani, Ocean Qatar, C2, Library of Lebanon, Beirut, (D.S.).
4. Dr. Jabbour Abdul Nour and Dr. Suhail Idris, Manhal Dictionary (French-Arabic), I7, Dar al-Alam for Millions, Beirut, 1983.
5. Al-Razi, Mukhtar al-Sahh, I1, Arab Book House, Beirut, 1979.
6. Ruhi Al-Baalbeki, Al-Mord (Arabic-Spanish), I7, Dar al-Alam for Millions, Beirut, 2008.
7- Arabic Language Complex, Intermediate Dictionary, C2, Islamic Library of Printing, Publishing and Distribution, Istanbul, 1972.
8. Munir Al-Baalbeki, Al-Mord (English-Arabic), I38, Dar al-Alam for Millions, Beirut, 2004
9. William Thomson and Ranks, Dictionary (English Arabic), I4, Library of Lebanon, Beirut, 1968
10. Elias Antoine Elias, Modern Dictionary (Arabic-English), I9, Modern Dar Elias Printing and Publishing Company, Cairo, 1962.
Second: Legal books
1. Dr. Ibrahim Eid Nile, Criminal Mediation is an unconventional means of resolving criminal disputes (study in the French procedural system), i1, Arab Renaissance House, Cairo, 2004.
2. Dr. Ahmed Mohammed Barak, Restorative Justice for Juveniles (Penal Mediation as a Model), Shamil Publishing and Distribution House, Amman, 2018.
3. Dr. Osama Hassanein Obeid, Reconciliation in the Criminal Procedure Law and Associated Systems (Comparative Study), I1, Arab Renaissance House, Cairo, 2004.
4. Dr. Ashraf Ramadan Abdel Hamid, Criminal Mediation and Its Role in The Termination of the Public Prosecution (Comparative Study), I1, Abu Al-Majd Printing House, Cairo, 2007.
5. Dr. Hamdi Rajab Attia, Victim's Descent, Arab Renaissance House, Cairo, 2003.
6. Dr. Rami Metwally Al-Qadi, Mediation of Comparative Criminal Procedural Law, I1, Arab Renaissance House, Cairo, 2012.
7. Dr. Zainab Wahid Dahham, Alternative Means of Justice (Reconciliation, Arbitration, Conciliation, Mediation) to Resolve Disputes, National Center for Legal Publications, Cairo, 2017.
8. Dr. Adel Youssef Al-Shukri, In-Depth Investigations in The Jurisprudence of Criminal Procedure, Al-Halabi Human Rights Publications, Beirut, 2014.
9. Dr. Omar Salem, Towards Facilitating Criminal Proceedings, Arab Renaissance House, Cairo, 1997.
10. Dr. Mohammed Abu Ala Adyda, Explanation of the Code of Criminal Procedure, Arab Renaissance House, Cairo, 2001.
11. Dr. Mohammed Hakim Hussein al-Hakim, General Theory of Reconciliation and Its Applications in Criminal Materials, Law Books, Cairo, 2005.
12. Dr. Mohammed Sami Shawa, Mediation and Criminal Justice, i1, Arab Renaissance House, Cairo, 1997, p. 50.
13. Dr. Mohamed Abdel Latif Abdel-Al, Victim's Concept in Criminal Proceedings, Arab Renaissance House, Cairo, 2006.
14. Dr. Mohamed Fawzi Ibrahim, Role of Satisfaction in The Code of Criminal Procedure, I1, Arab Renaissance House, Cairo, 2014.
15. Dr. Medhat Abdel Halim Ramadan, Summary Criminal Proceedings to End Criminal Proceedings in light of Amendments to the Code of Criminal Procedure (Comparative Study), Arab Renaissance House, Cairo, 2000.
16. Dr. Moataz Al-Sayed Al-Zahrai, Mediation as an Alternative to Criminal Proceedings, Arab Renaissance House, Cairo, 2017.
17. Dr. Mansour Abdeslam, Consensual Justice in Criminal Proceedings (Comparative Study), i1. Arab Renaissance House, Cairo, 2016.
Third: Legal research and scientific letters
1. Dr. Ahmed Mohammed Barak, The Recrison of Islamic Law and Contemporary Criminal Systems (Comparative Study), Doctoral Thesis, Faculty of Law, Cairo University, 2009.
2. Dr. Osama Hassanein Obeid, "The Role of Civil Society in Crime Prevention", working paper presented to the Criminal Mediation Symposium, Police Academy, Cairo, 2005.
3. Dr. Anwar Mohamed Sedki, Assistant and Dr. Bashir Saad Zaghloul, Mediation in the End of Criminal Litigation" Comparative Analytical Study", Journal of Sharia and Law, Issue (40), 2009.
4- Dr. Adel Ali Al Mana, Criminal Dispute Resolution Mediation, Law Journal, Issue 4, Kuwait University, Kuwait, 2006.
5. Dr. Adel Yusuf Abdul Nabi, Penal Mediation is an innovative means of resolving criminal disputes and societies, Kufa Journal, Kufa University, Issue 9, 2010.
6. Dr. Faiz Arad Al-Dhafiri, Reflections on Penal Mediation as a Means to End the Criminal Case, Law Journal, Issue2, Kuwait University, 2009.
7. Dr. Mahmoudi Leaders, Criminal Mediation Procedures and Its Impact on Public Prosecutions "Comparative Study", Algerian Journal of Rights and Political Science, Issue3, 2017.
8. Safar Nour Al Huda, Penal Media, Master's Thesis, University of Dr. Taher Moulay, Faculty of Law, Algeria, 2016.
9- Sabah Ahmed Nader, the legal organization of criminal mediation and its applicability in Iraqi law (comparative study), research submitted to the Judicial Council of the Kurdistan Region and published on the Internet and available on the electronic link / www.krjc.org/ date of the visit 17/10/2018.
10. Aroui Abdelkarim, Alternative Methods of Resolving Judicial Disputes (Reconciliation and Judicial Mediation) in accordance with the Civil and Administrative Procedure Law, Master's Thesis, Faculty of Law, Ben Aknoun, University of Algiers, 2012.
11. Hana Jabouri Mohammed, Criminal Mediation as a method of ending criminal proceedings (comparative study), Letter of Law, Karbala University, Issue2, 2013.
Fourth: Law Books
1- AS Hornby, Oxford advanced Learners' dictionary of current English, 6th ed., Oxford University Press, Oxford, 2000.
2- Galaway Burt and Joe Hudson, perspectives on crime victims, London, 1987.
3- Jean-Pierre Bonafe-schmitt, M. schmutz et R.Bonafe- schmitt, " médiation et regulation socile" GLYSI, Université LyonII, 1992.
4- Jean-Pierre Bonafe-Schmitt, La médiation une justice douce, Syros-Alternatives, Paris, 1992.
5- J-Y.Guilhem Jouan, Les enjeux de La mѐdiation, reparation pour Le mѐdiateur, La mѐdiation pѐnale entre rѐpression et rѐparation, Logiques Juridiques, L'harmattan, 1997.
6- Michele Guillaume-Hofnung, La Médiation, Que Sais- Je? Presses Universitaires de France, Paris, 1995.
7- Paul Mbanzoulou, La mѐdiation Pѐnale, L' Harmattan, 2002.
Fifth: Law Reviews
1. Christine Lazerges, mѐdiation pénale, justice pѐnale et politique criminelle, Revue de science criminelle et droit Pѐnale comparѐ, No.(1), 1997.
2. Marie Clet Desdevises, L'evaluation des experiences de médiation entre delinquants et victims; L'example Britahnique, Revue de science criminelle et droit Pѐnale comparѐ,No.(1), 1993.
3. Gerard Blanc, La médiation Pénale (Commentaire de L'article 6 de Loi No. 93 -2 du 4 Jan.1993, Portant réforme de La Procédure Pénale). Juris classeur Periodique(semaine Juridique),No. 18, Paris, 1994.
4. Louiskos-Rabcewiez Zubkowwski, Rapport general et resolutional tenu a Tokyo, Japan14-16 Mars 1983, Revue international de droit Pѐnale, 1983.
5. T.trenczek, victim-offender mediation in Germany-ADR under the shadow of the criminal law, Bond law review, vol.13,Issue . 2,2001.