العلاقات القطریة- الترکیة 2003-2017
دراسة فی المجال السیاسی والدبلوماسی
أ.م.د.لقمان عمر محمود النعیمی
مدیر مرکز الدراسات الاقلیمیة/ جامعة الموصل
[email protected]
مقدمة
تعد العلاقات القطریة-الترکیة علاقات متمیزة على جمیع الأصعدة (السیاسیة، والاقتصادیة، والعسکریة)، ویؤکد الباحثون فی هذا الشأن بأن هذه العلاقات ولاسیما "السیاسیة" منها تعود إلى عقد السبعینات والثمانینات من القرن الماضی، وازدادت تقاربا مع وصول حزب العدالة والتنمیة للحکم فی ترکیا عام 2002، وعلى اثر ذلک تکثفت الزیارات الدبلوماسیة المتبادلة بین البلدین التی رسمت هیکلیة التقارب (الاقتصادی والعسکری) فیما بعد، حتى نشوء الأزمة القطریة فی (حزیران/ یونیو2017) عندما أعلنت (السعودیة والإمارات والبحرین) فضلا عن (مصر) مقاطعة دولة قطر سیاسیا واقتصادیا، فحاولت ترکیا ممارسة دور الوساطة لحل تلک الأزمة بالطرق الدبلوماسیة وعندما فشلت مساعیها فی إیجاد حل وسط لهذه الأزمة، وقفت إلى جانب دولة قطر، مبررة ذلک بأن تلک المطالب التی فرضت على دولة قطر المتضمنة (13) مطلبا، تخالف القوانین الدولیة، وأهم ما جاء فی تلک المطالیب (إلغاء القاعدة العسکریة الترکیة فی دولة قطر، وإغلاق قناة الجزیرة الفضائیة، وإلغاء علاقة قطر بإیران، وغیرها من المطالیب) کما أن دولة قطر اتُهمت بدعمها للإرهاب وزعزعة الأمن القومی العربی فی المنطقة ودعمها (لحرکة حماس الفلسطینیة) وما یسمى بالربیع العربی. ونتیجة لذلک حصل تقارب سیاسی واقتصادی وعسکری (قطری-ترکی) استراتیجی فی المنطقة.
جاء اختیار موضوع البحث نظراً لاکتساب العلاقات الثنائیة بین البلدین أهمیة کبیرة اقلیمیاً لاسیما من خلال الأزمة القطریة فضلاً عمّا تتمیز به کل من دولة قطر وترکیا من مواقع جغرافیة وسیاسیة واستراتیجیة فی منطقة الشرق الأوسط والخلیج العربی، فقد عمقت هذه الأزمة مستویات وجوانب التعاون بین البلدین (اقتصادیا وعسکریا) وعززت نفوذ ترکیا أکثر وازدادت أهمیة دورها السیاسی فی المنطقة. ونظراً لاتساع جوانب ومجالات العلاقات الثنائیة بین البلدین فسیتم الحدیث عن الجانب السیاسی والدبلوماسی فی هذه العلاقات.
أما فیما یتعلق بمحاور البحث فقد تم تقسیمه إلى مدخل ومحورین رئیسین مع خاتمة واستنتاجات، تناول الأول: العلاقات السیاسیة والدبلوماسیة خلال المدة 2003-2017. أما المحور الثانی فقد رکز على الأزمة القطریة 2017 وانعکاساتها على العلاقات القطریة-الترکیة، وموقف ترکیا من الأزمة وتبادل الزیارات التی رسمت هیکلیة العلاقات فیما بعد. وانتهى البحث بخاتمة مع أهم الاستنتاجات.
مدخل:
حصلت دولة قطر على استقلالها التام عن المملکة المتحدة فی 3 أیلول/ سبتمبر 1971، وکانت الدول العربیة من أوائل الدول التی اعترفت بها، کما اعترفت بها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربیة فی العام نفسه. وأقامت علاقات دبلوماسیة مع الاتحاد السوفیاتی السابق، والصین الشعبیة فی عام 1988. وکانت الدولة عضوا مبکرا فی أوبک وعضوا مؤسسا فی مجلس التعاون الخلیجی([1]).
على الساحة الدولیة، سعت دولة قطر إلى حمایة شعبها ونقل تأثیرها السیاسی والدبلوماسی إلى الخارج. على مدى العقدین الماضیین، طورت دولة قطر مکانتها الدولیة وتجاوزت ثقلها فی الشؤون الاقلیمیة والدولیة، إذ أصبحت عضواً فی العدید من المنظمات الدولیة مثل عضویتها فی الامم المتحدة عام 1971 والیونسکو عام 1987، ومجلس الامن الدولی عام 2006، وغیرها من المنظمات الدولیة([2]). وحافظت على علاقات ثنائیة مع اغلب الدول فی العالم. وتستخدم دولة قطر ثروتها الهائلة لتعزیز نفوذها فی الخارج، خاصة فی الولایات المتحدة وأوروبا، وتعمل قناة الجزیرة الإخباریة التی تمولها الدولة کقوة ناعمة دولیة للبلد. تعزز دولة قطر نفوذها فی الدول الغربیة من خلال الاستثمارات والتبرعات وکان تقدیم دولة قطر تبرعات کبیرة إلى مرکز الفکر البارز فی واشنطن، معهد بروکینغز من الامثلة البارزة على ذلک ([3]).
فیما یتعلق بعلاقات ترکیا مع دول الخلیج العربی، فقد تزاید اهتمام ترکیا بهذه الدول بشکل کبیر فی أعقاب الغزو الذی قادته الولایات المتحدة على العراق فی عام 2003. بینما کانت تفاعلات ترکیا فی هذه المنطقة قد حدثت سابقًا فی المجال الاقتصادی، اکتسب اهتمام ترکیا قوة دفع سیاسیة فی ظل أجواء الحرب المحتملة ضد العراق. عندما ظهرت جدیة التدخل الأمریکی فی العراق فی عام 2002، کان الهدف المشترک لترکیا مع (مجلس التعاون الخلیجی Gulf Cooperation Council) المعروف اختصاراً بـ(GCC) بذل الجهود الممکنة لإیجاد حل دون الذهاب إلى الحرب. وبعد الاحتلال الأمریکی للعراق عام 2003 کانت المخاوف المشترکة لکل من ترکیا ودول مجلس التعاون الخلیجی تتعلق بتصاعد العنف الطائفی فی العراق وتأثیره فی المنطقة بأکملها، جعلت کل من هذه الدول تبحث عن شریک استراتیجی فی المنطقة للتعامل مع الفراغ الناشئ فی العراق، والعواقب غیر المتوقعة للحرب. وقد أتاح هذا أیضًا المجال لکلیهما للقیام بأدوار أکثر نشاطًا فی المنطقة، لدرجة أن ترکیا ودول مجلس التعاون الخلیجی وقعت مذکرة تفاهم فی 2 أیلول/ سبتمبر 2008. وکانت هذه الصفقة بالغة الأهمیة، إذ أن دول مجلس التعاون الخلیجی، فی مذکرة التفاهم هذه، حددت ترکیا کأول شریک استراتیجی لها خارج الخلیج. وهنا؛ یمکن القول أن التحدیات الأمنیة التی نشأت بعد غزو العراق مهدت الطریق لمستوى أکبر من التعاون السیاسی والأمنی والاقتصادی بین ترکیا ودول مجلس التعاون الخلیجی. وبهذا المعنى، کانت مذکرة التفاهم لعام 2008 بین ترکیا ودول مجلس التعاون الخلیجی بمثابة تعاون غیر مسبوق حفز الباحثین والمتخصصین فی المنطقة على إعادة النظر فی أمن الخلیج وخلق مزید من الدراسة والتحلیل للتعاون بین ترکیا ودول مجلس التعاون الخلیجی([4]).
أولا: العلاقات السیاسیة والدبلوماسیة القطریة-الترکیة 2003-2017
مرت العلاقات السیاسیة والدبلوماسیة بین دولة قطر وترکیا بمراحل عدة، فی البدایة کانت مرحلة الاعتراف الدبلوماسی المتبادل بین الطرفین خلال عقد السبعینیات من القرن الماضی، ثم مرحلة تأطیر هذه العلاقات قانونیاً فی الثمانینیات والتسعینیات، ثم مرحلة تطور العلاقات بعد وصول حزب العدالة والتنمیة الى الحکم فی ترکیا عام 2002، ومرحلة توطید العلاقات الثنائیة منذ عام 2007 حتى الوقت الحاضر الذی انعکس من خلال تکثیف الزیارات الرسمیة رفیعة المستوى بین البلدین([5]).
1. مسار العلاقات الدبلوماسیة القطریة-الترکیة 1972-2003
بدأت العلاقات الدبلوماسیة والسیاسیة بین دولة قطر وترکیا رسمیاً بعد استقلال قطر عام 1972 حیث اعترفت ترکیا باستقلال دولة قطر([6]) وتم افتتاح سفارتی البلدین عام 1979([7]).
کان هناک اتجاه تصاعدی مؤقت فی العلاقات الدبلوماسیة مع الافتتاح المتبادل للسفارات ما أدى الى عقد "اتفاقیة التعاون الثقافی بین دولة قطر وترکیا" فی عام 1985 لـ"تعزیز الروابط الودیة القائمة بین البلدین" و"تقویة وتطویر العلاقات فی مجالات الثقافة، الآداب، العلوم والتکنلوجیا"([8])، کما وقع البلدان عددا من الاتفاقیات الثنائیة الأخرى([9]). وفی هذا الإطار أبدى البلدان رغبتهما فی "تطویر التبادل الثقافی والفکری" عبر العدید من الوسائل منها "المطبوعات، الأفلام، البرامج الإذاعیة والتلفزیونیة، عبر تبادل المهنیین من المجالات المختلفة". وعلى أیة حال، لم تتم المصادقة على هذه الاتفاقیات حتى عقد التسعینیات، ولهذا لم تکن فعالة فی تعزیز وتقویة العلاقات بین البلدین([10]).
بدأت ترکیا بالاهتمام اکثر بدول مجلس التعاون الخلیجی بسبب اتساع مکانتها السیاسیة والاقتصادیة الدولیة فی النصف الثانی من عقد الثمانینیات، وعملت حکومة رئیس الوزراء الترکی الأسبق آنذاک (تورکوت أوزال Turgut Qzal 1983-1989) على تطویر علاقات سیاسیة واقتصادیة وثقافیة جدیدة مع دول مجلس التعاون الخلیجی وعلى رأسها المملکة العربیة السعودیة والکویت بسبب تصاعد قوتهما السیاسیة والاقتصادیة([11]).
وفی النصف الاول من عقد التسعینیات لم یحدث أی تطور فی العلاقات القطریة-الترکیة، لکن الفتور فی العلاقات الدبلوماسیة والاقتصادیة بین البلدین شهد تغیراً ملحوظاً مع تولی حمد بن خلیفة آل ثانی مقالید السلطة فی دولة قطر عام 1995. وتماشیا مع نهجه الجدید فی السیاسة الخارجیة فی تحسین العلاقات مع القوى الاقلیمیة، وقعت کل من دولة قطر وترکیا بروتوکولا فی عام 1999 لإقامة "مشاورات بین وزارة الخارجیة الترکیة ووزارة الخارجیة القطریة" نص على "رغبة الحکومتین الترکیة والقطریة بزیادة وتعزیز الروابط القائمة وتطویر الصداقة والتعاون فی المجالات ذات الاهتمام المشترک للمساهمة فی السلام الدولی، والتطور الامنی والاقتصادی عبر خلق الثقة المتبادلة، والتفاهم والتعاون فی العلاقات الدولیة"([12]).
اکتسب اطار عمل المشاورات المنصوص علیه فی البروتوکول أعلاه معنىً عملیا عندما بدأت العلاقات بالتصاعد مع زیارة أمیر دولة قطر حمد بن خلیفة آل ثانی لأنقرة فی 25-26 کانون الأول/ دیسمبر 2001، فکانت بدایة الطریق لوضع الاطار القانونی للتعاون الاقتصادی والعسکری بین دولة قطر وترکیا عبر توقیع عدد من البروتوکولات الأخرى التی تضمنت اتفاقیة منع الازدواج الضریبی، واتفاقیة تعزیز وحمایة الاستثمارات المتبادلة، واتفاقیة التعاون فی المجالات العسکریة([13]). فضلا عن التعاون فی المجال الامنی، فإن زیارة حمد بن خلیفة هذه أسفرت عن اتفاقیات اخرى مثل التعاون فی محاربة الجریمة المنظمة، ومحاربة الإرهاب الدولی التی عکست الأهمیة التی یولیها الطرفان للأمن والاستقرار الإقلیمیین([14]).
ویأتی عقد هذه البروتوکولات والاتفاقیات المهمة بین البلدین فی أعقاب هجمات 11 أیلول/ سبتمبر 2001 فی الولایات المتحدة، الذی حفز الدول الإقلیمیة، ومنها دولة قطر وترکیا، للتعاون من اجل التصدی للإرهاب الذی أصبح یهدد السلام والاستقرار الاقلیمی والدولی.
2. تطور العلاقات الدبلوماسیة القطریة-الترکیة 2003-2007
اکتسبت العلاقات بین دولة قطر وترکیا زخما کبیرا مع مجیء حکومة حزب العدالة والتنمیة إلى السلطة فی ترکیا فی تشرین الثانی/ نوفمبر 2002، وقد أعطت الزیارات الدبلوماسیة بین مسؤولی البلدین زخماً جدیداً للعلاقات الثنائیة، خاصة زیارة حمد بن خلیفة السابقة التی مهدت الطریق لتطویر مجالات التعاون بین البلدین.
ابتداءً من عام 2003، بدأ التعاون بین ترکیا ودول مجلس التعاون الخلیجی بشکل عام فی أن یصبح مکونًا مهمًا فی السیاسة الخارجیة الترکیة بسبب الغزو الذی قادته الولایات المتحدة ضد العراق؛ ففضلا عن العلاقات الاقتصادیة والتجاریة والاستثماریة، تضمن هذا التعاون تنسیقا فی المواقف تجاه عدد من القضایا الإقلیمیة ذات الاهتمام المشترک مثل ضمان السلامة الإقلیمیة للعراق، وتطورات البرنامج النووی الإیرانی، ومحاولة إیجاد حل سلمی للقضیة الفلسطینیة. کان الفراغ السیاسی الذی نشأ فی العراق فی أعقاب الاحتلال الامریکی له وعدم المصداقیة للولایات المتحدة فی نظر الزعماء الأتراک ودول مجلس التعاون الخلیجی أهم عامل وراء تطور هذا الحوار الاستراتیجی([15]).
وقد أعطت الزیارات رفیعة المستوى التی جرت فیما بعد زخما جدیدا للعلاقات الثنائیة بین دولتی قطر وترکیا، إذ قام رئیس الوزراء الترکی الأسبق (رجب طیب أردوغان Recep Tayyip Erdogan 2003-2014) برفقة وزیر الطاقة ووزیر المالیة بزیارة رسمیة إلى دولة قطر بین 13-15 نیسان/ أبریل 2005. واتفق الجانبان على تحسین العلاقات وخاصة فی المجالات الاقتصادیة والطاقة وتعزیز التعاون فی القضایا الإقلیمیة([16]).
- تطور العلاقات الدبلوماسیة القطریة-الترکیة 2007-2011
کانت الأولویة بالنسبة لترکیا خلال المدة الاولى من حکومة حزب العدالة والتنمیة (2007-2002) برئاسة رجب طیب اردوغان هی تحسین العلاقات مع الاتحاد الأوروبی -والأهم من ذلک- العمل على السیاسات التی من شأنها أن تمهد الطریق لعضویة الاتحاد الأوروبی. ولکن فی ضوء الاحباطات الناتجة عقب عملیة الدخول فی متاهات مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبی، بدأت حکومة حزب العدالة والتنمیة الثانیة (2011-2007) بانتهاج تحول فی السیاسة الخارجیة لترکیا عبر استخدام "برنامج تغییر" فی جدول أعمال الحکومة الترکیة، الذی تضمن تطویر العلاقات الدبلوماسیة، وممارسة القوة الناعمة، الهادفة إلى تعزیز الترابط الاقتصادی والقیام بأدوار وسیط فی قضایا الشرق الأوسط.
قام رئیس الوزراء القَطری الشیخ حمد بن خلیفة آل ثانی بزیارة عمل إلى ترکیا بین 7 و8 آذار/مارس عام 2007. فی خطوة قطریة مهمة لتعزیز العلاقات مع ترکیا. وبعدها بعام قام أیضًا الرئیس الترکی (عبد الله غُل Abdullah Gül 2007-2014)؛ یرافقه وزیر المالیة ووزیر الطاقة ووزیر الأشغال العامة والتسویة ومجموعة کبیرة من رجال الأعمال بزیارة رسمیة إلى دولة قطر فی المدة بین 5 و7 شباط/فبرایر من عام 2008 کما حضرا منتدى الأعمال أیضا، وفی العام نفسه وقع البلدان مذکرة تفاهم لبدء تعاون شامل فی شتى المجالات بینهما([17]).
وهکذا تم تغییر التوجه الترکی، وبدأت ترکیا فی التباعد عن الغرب تدریجیا فی مقاربة أطلق علیها بعض المحللین بـ"مغادرة الغرب"، وتم تفسیر هذه الخطوة على أنها مسالة "تطبیع" فی السیاسة الخارجیة الترکیة، خاصة بعد مجیء (أحمد داوود أوغلو Ahmet Davutoğlu) الى وزارة الخارجیة (2009-2014) منذ ذلک الحین حاولت ترکیا الحفاظ على علاقاتها مع الغرب (الاتحاد الأوروبی والولایات المتحدة) من جهة، وتحسین علاقاتها مع بعض دول الشرق الأوسط، ووسعت ترکیا الافاق الدبلوماسیة مع هذه الدول. سرعان ما واجه موقف ترکیا المتغیر تحدیات سیاسیة کبیرة، مثل التداعیات السیاسیة والامنیة التی اعقبت غزو الولایات المتحدة للعراق عام 2003، واندلاع الثورات الشعبیة فی جمیع أنحاء الدول العربیة مطلع عام 2011، وتداعیات الأزمة السوریة، وظهور تنظیم داعش عام 2014، وأزمة دول مجلس التعاون الخلیجی عام 2017([18]).
- 3. العلاقات القطریة-الترکیة 2011-2017: مرحلة الشراکة الاستراتیجیة
منذ عام 2008 وحتى عام 2013 کانت هناک لقاءات ثنائیة وزیارات متبادلة کانت معظمها فی المجال الاقتصادی. إلا أن توثیق العلاقات الثنائیة فی المجال السیاسی شهد تطوراً متصاعداً ابتداءً من اندلاع الثورات العربیة عام 2011.
لقد ساهمت العدید من العوامل الداخلیة والخارجیة ابتداء من عام 2011 فی توثیق العلاقات الثنائیة بین البلدین فی المجالات کافة؛ فتطابق وجهات نظر البلدین تجاه الثورات العربیة فی مصر وتونس ولیبیا فضلا عن الثورة السوریة التی تحولت فیما بعد الى ازمة اقلیمیة ودولیة، وتقارب مواقف البلدین الرسمیة تجاه هذه الثورات فضلا عن المواقف تجاه القضایا الإقلیمیة ذات الاهتمام المشترک مثل قضیة البرنامج النووی الایرانی وتطورات القضیة الفلسطینیة، والتقارب مع حرکة حماس، وتطورات الأوضاع الداخلیة فی مصر فی عهد الرئیس السابق محمد مرسی (2013-2012)، والموقف من جماعة الإخوان المسلمین کل ذلک اسهم بشکل کبیر فی التقارب السیاسی بین دولة قطر وترکیا تجاه هذه القضایا الاقلیمیة المهمة ذات الاهتمام المشترک([19]).
وبالنسبة للعوامل الداخلیة، کان الحدث الأبرز فی هذا السیاق فیما یخص دولة قطر تحدیداً هو مجیء تمیم بن حمد آل ثانی إلى السلطة فی صیف عام 2013. أما ترکیا، فکانت متجهة هذه المدة نحو تعزیز المجتمع المدنی، وتخفیض السیاسات الأمنیة محلیاً واقلیمیاً، مع انفتاح نسبی تجاه المسالة الکردیة لتعزیز الاستقرار الامنی والاقتصادی فی البلاد([20]).
فی 4 کانون الأول/ دیسمبر 2013 افتتح رئیس الوزراء أردوغان المقر الجدید للسفارة الترکیة بالدوحة، کما أعلن عن بدء إنشاء مرکز یونس أمره الثقافی الترکی فی دولة قطر([21])، وهو ما اعطى مؤشرا مهماً عن مستوى التقارب السیاسی والثقافی بین البلدین.
وأظهرت الزیارة التی قام بها أمیر دولة قطر، تمیم بن حمد آل ثانی، فی 14 شباط/ فبرایر 2014 الى ترکیا، التطور الکبیر فی العلاقات السیاسیة بین البلدین، وسط توافق کبیر فی رؤیتهما لقضایا المنطقة، وخصوصاً فی الملفین السوری والمصری. وجاءت زیارة أمیر دولة قطر إلى ترکیا بعد أقل من ثلاثة أشهر من زیارة أردوغان السابقة الى الدوحة، التقى خلالها الأمیر القطری وأکد على أن العلاقات القطریة-الترکیة تشهد تطوراً کبیراً فی المجالات المختلفة([22]).
سیاسیا، دعمت دولة قطر وبارکت تولی رجب طیب أردوغان منصب الرئاسة الترکیة، إذ حضر أمیر دولة قطر مراسیم تنصیب أردوغان رئیسا للبلاد فی 28 أب/ أغسطس 2014، وقال ویز الخارجیة الترکی (مولود تشاویش أوغلو Mevlüt Çavuşoğlu 2015- ) أن حضور أمیر دولة قطر مراسم تسلیم رجب طیب أردوغان رئاسة الجمهوریة الترکیة، یشیر إلى "أهمیة العلاقات بین کلا البلدین"([23]).
فی المقابل، وفی خطوة سیاسیة ترکیة عمیقة المعنى وذات دلالات سیاسیة مهمة قام الرئیس الترکی اردوغان بعد تولیه منصب الرئاسة بزیارة دولة قطر فی 14 أیلول/ سبتمبر 2014، وهی أول دولة عربیة یزورها الرئیس أردوغان بعد تولیه منصب الرئاسة بأیام، ما أعطى إشارات إقلیمیة مهمة تفضی بأن دولة قطر تحتل فی المرحلة الراهنة المرتبة الأولى فی علاقات ترکیا عربیا، وأن هذه العلاقات تتطور فی إطار الشراکة الاستراتیجیة. وفی هذا السیاق صرح وزیر الخارجیة الترکی مولود تشاویش أوغلو قائلاً: "إن زیارة الرئیس الترکی إلى دولة قطر تظهر حجم العلاقات الأخویة بین البلدین" وبیّن أن هناک تعاوناً فی عدة مجالات بین ترکیا ودولة قطر، مثل الصناعة والتجارة والصناعات الدفاعیة، وأن البلدین عملا معاً فی العدید من قضایا المنطقة، من أجل السلام والعدالة، وأضاف: "تستعد دولة قطر لاستضافة العدید من الفعالیات الکبیرة، وکما أن لنا رؤیة لعام 2023، فإن رؤیة دولة قطر تمتد لعام 2030، ونحن نرید أن یکون للشرکات الترکیة مساهمة فی هذه الرؤیة، کما أن هناک أرضیة سیاسیة واقتصادیة من أجل ذلک"([24]).
وهو ما أکدته الخطوة القطریة التالیة، إذ قام أمیر دولة قطر تمیم بن حمد آل ثانی بزیارة ترکیا بعد حوالی شهرین من زیارة أردوغان، ووقع "اتفاقیة مشترکة لتشکیل اللجنة الاستراتیجیة العلیا" مع ترکیا فی 18 کانون الأول/ دیسمبر 2014 فی انقرة، هذه الاتفاقیة شکلت ارضیة التعاون الاستراتیجی بین الدولتین فیما بعد فی مجالات السیاسة والاقتصاد والتجارة والاستثمار والتعلیم والثقافة والعلوم والتکنولوجیا والطاقة والزراعة والاتصالات([25]).
وعکست تصریحات الرئیس الترکی فی أعقاب توقیع الاتفاقیة المشترکة للتعاون الاستراتیجی فی أنقرة عمق العلاقات الثنائیة بین دولة قطر وترکیا التی وصلت الى مستوى الشراکة الاستراتیجیة التطابق التام بین موقفیهما تجاه القضایا الإقلیمیة قائلاً: "إن ترکیا وقطر لم تختلفا حتى الیوم فی أی موضوع، وکنا دائما متضامنین، وکانت دولة قطر حلیفتنا الدائمة فی الوقوف بجانب المظلومین فی العالم، وسنتابع صمودنا هذا خلال المدة القادمة بالمستوى نفسه"([26]).
وفی إطار حرص البلدین على تنفیذ اتفاقیة التعاون الاستراتیجی، قام وزیر الخارجیة الترکی مولود تشاویش أوغلو فی 20 کانون الثانی/ ینایر 2015 بزیارة على رأس وفد رفیع المستوى إلى دولة قطر وقال فی تصریحات أدلى بها للصحفیین، عقب اللقاءین اللذین عقدهما مع نظیره القطری خالد العطیة، ورئیس الوزراء "عبد الله بن ناصر بن خلیفة آل ثانی"، أنه تم تناول تشکیل لجنة مختصة بـ "مجلس التعاون الاستراتیجی الترکی القطری الرفیع المستوى"، الذی تم توقیعه فی کانون الأول/ دیسمبر 2014، أثناء زیارة أمیر قطر الشیخ تمیم بن حمد آل ثانی، للعاصمة الترکیة أنقرة، والتحضیرات المتعلقة بالتعاون العسکری بین البلدین، مبیناً أن الاجتماع مع العطیة تمخض عن اتخاذ قرار بتشکیل اللجنة المشترکة([27]).
وبعد اتخاذ قرار تأسیس قاعدة عسکریة ترکیة فی دولة قطر بموجب اتفاقیة التعاون الاستراتیجی، تتمکن من خلالها دولة قطر وترکیا من إرسال جنود کل منهما إلى الدولة الأخرى، أجرى أمیر دولة قطر زیارة رسمیة لترکیا فی 12 آذار/ مارس 2015، بحث خلالها العلاقات الثنائیة والقضایا الاقلیمیة([28]).
وفی أعقاب تشکیل اللجنة المشترکة الخاصة بالتعاون الاستراتیجی الترکی-القطری عقد فی 2 کانون الأول/ دیسمبر 2015 الاجتماع الاول لهذه اللجنة فی الدوحة وصدر بیان مشترک عن الاجتماع جاء فیه: "انطلاقاً من العلاقات الأخویة المتمیزة التی تربط البلدین الشقیقین ورغبة کل منهما بتطویرها والارتقاء بها إلى مستوى الإرادة السیاسیة المشترکة، واستناداً لاتفاقیة إنشاء اللجنة الاستراتیجیة العلیا بین البلدین، والموقعة بتاریخ 19 دیسمبر 2014، انعقدت الدورة الأولى للجنة الاستراتیجیة العلیا القطریة- الترکیة فی مدینة الدوحة یوم 2 /12 /2015م. ترأس الجانب القطری، الشیخ تمیم بن حمد آل ثانی أمیر دولة قطر، وترأس الجانب الترکی الرئیس رجب طیب أردوغان رئیس جمهوریة ترکیا"([29]).
وأکد البیان المشترک للجنة على أن الجانبین اتفقا فی مجال السیاسة والدبلوماسیة على أنهما قد أجریا "مباحثات شاملة تناولت العلاقات الثنائیة بین البلدین، وأکدا على أهمیة تطویرها وتفعیلها فضلا عن القضایا الإقلیمیة والدولیة ذات الاهتمام المشترک، وتبادلا وجهات النظر بشأنها فی ضوء المتغیرات الدولیة، وعبرت اللجنة عن أهمیة استمرار التشاور والتنسیق فی هذا الشأن. کما رحبت اللجنة بنتائج اجتماع اللجنة التحضیریة على المستوى الوزاری والتی عقدت فی مدینة أنطالیا الترکیة بتاریخ 9/ 5/ 2015م، برئاسة وزیری خارجیة البلدین"([30]).
ثانیا: الأزمة القطریة عام 2017 وانعکاساتها على العلاقات القطریة-الترکیة
- اندلاع الازمة القطریة-الخلیجیة وأسبابها
تعود جذور الأزمة القطریة-الخلیجیة إلى عام 1996 عندما کانت دولة قطر تمر بمرحلة انتقالیة مع بدء بث قناة الجزیرة والتغیرات فی سیاساتها الخارجیة ومنذ ذلک التاریخ بدأت العلاقات القطریة–الخلیجیة بالتوتر تارةً والانسجام تارة اخرى، ثم تبعها ازمة سحب سفراء ثلاثة دول خلیجیة من دولة قطر هی (المملکة العربیة السعودیة ، الامارات، البحرین) عام 2014 احتجاجاً على الاتفاق العسکری القطری–الترکی وعلى مواقف دولة قطر تجاه الثورة المصریة ومساندتها للإخوان المسلمین فی مصر([31]).
بدأت الأزمة القطریة-الخلیجیة بالتصاعد بعد حادثة سحب السفراء للدول الثلاث ممثلة بالسعودیة والامارات والبحرین فی عام 2014. ولم تتسم العلاقات بالإیجابیة لمدة وجیزة حتى تم تصعید الأزمة القطریة الخلیجیة فی الخامس من حزیران/یونیو 2017 إذ اتفقت الدول الأربع فضلا عن مصر على مقاطعة دولة قطر. من هنا بدأ ظهور الدور الترکی المباشر فی الأزمة القطریة-الخلیجیة الذی نتج عنه تعاون اقتصادی وعسکری وسیاسی غیر مسبوق بین البلدین([32]).
تفاجأ الکثیرون نتیجة تغیر المواقف الخلیجیة تجاه دولة قطر فی ساعات قلیلة حتى وصل الأمر إلى قطع العلاقات دفعة واحدة وهو ما أثار الاستغراب لسرعة تنفیذه، وبدأت التحلیلات والتکهنات حول الأسباب التی أدت إلى انفجار تلک الازمة بشکل مفاجئ ، فأرجع البعض سبب الأزمة إلى إیواء دولة قطر لعناصر من "الإخوان المسلمین" على رأسهم الشیخ یوسف القرضاوی وبعض المعارضین من دول عربیة وعلاقاتها غیر المتوازنة مع بعض دول الخلیج ، فی حین ذهب آخرون إلى أن السعودیة والإمارات اکتشفوا قبل أیام من حدوث الأزمة علاقات غیر طبیعیة بین دولة قطر وإیران([33]) .
وقد وصلت حدة التوتر بین دولة قطر وجیرانها السعودیة والإمارات والبحرین فضلا عن مصر، إلى مستویات غیر مسبوقة، إذ تدهورت علاقاتها مع هذه الدول لتصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسیة معها. وفی خطوة تهدف إلى الضغط على الدوحة، أغلقت دول الخلیج المجاورة حدودها معها، کما أغلقت مصر مجالها الجوی وموانئها أمام جمیع وسائل النقل القطریة([34]). جاءت تلک السیاسة الخلیجیة تجاه دولة قطر عندما اتهمت الدول الخلیجیة ومصر دولة قطر بدعمها أطرافاً مختلفة خلال التغیرات السیاسیة التی أعقبت الثورات العربیة، واعتبرت دولة قطر مؤیدة للإسلامیین الذین استطاعوا تحقیق مکاسب سیاسیة فی بعض الدول، کما دعمت جماعة (الإخوان المسلمین) عندما أتاحت دولة قطر الحمایة لکثیر من أعضاء الإخوان ولاسیما بعد عزل الرئیس المصری السابق (محمد مرسی)، أحد قادة الجماعة المحظورة حالیا من قبل الحکومة المصریة، والمصنفة بأنها (إرهابیة) من طرف الإمارات والسعودیة([35]). ولم ینته الأمر عند هذا الحد بل أرجع محللون سبب الازمة الى تراکمات سابقة کما جاء فی بعض الوکالات الإخباریة عبر وجهات النظر القائلة بأن "السبب الحقیقی للأزمة یرجع إلى خلافات قدیمة بین آل حمد وآل زاید بدأت فی السبعینیات ابان تأسیس دولة الإمارات، وهی التی جعلت السعودیة تسیر بجانب حلیفتها الإمارات للوقوف ضد دولة قطر"([36]). فی حین أرجع خبراء ومحللون أتراک أسباب الأزمة الخلیجیة مع دولة قطر إلى "قوى وجهات خارجیة تدفع لحصول اصطدام بین دول الخلیج ، وأشاروا إلى أن الضرر سیلحق بهم جمیعا ولن یکون هناک ربح لطرف على حساب الآخر، وستلحق الأزمة بالمنطقة مزیدا من الأزمات"([37]). ونقلت وکالة الأناضول الترکیة للأنباء ان "قرارات فرض العقوبات على دولة قطر من عدة دول هی لیست قرارات تؤخذ من نفس الدول وإنما هی نتیجة لزیارة الرئیس الأمریکی دونالد ترامب للسعودیة مؤخرا ، أی أنها قرارات اتخذت نتیجة الضغط الأمریکی"([38]). فیما أشارت تحلیلات أخرى إلى أن "الأطراف هم فی قارب واحد ویعتبون على دولة قطر تغریدها خارج السرب، وإن کان هناک خرق فی القارب تضرر کل الأطراف ولیس دولة قطر وحسب ، فلا بد من لم شمل کما دعت ترکیا لذلک"([39]).
- موقف ترکیا ودورها فی الأزمة القطریة-الخلیجیة
منذ الساعات الاولى للأزمة بلورت ترکیا موقفاً واضحاً ومتقدماً الى جانب دولة قطر اتضح فی عدة مسارات فقد سارعت ترکیا فی الساعات الاولى من تطبیق الحصار الى فتح جسر جوی یحمل المواد الغذائیة للدوحة کسراً للحصار الاقتصادی وتخفیفاً للضغط على دولة قطر، ودعت أنقرة الى التعامل مع الأزمة بحکمة وعقلانیة عبر الحوار للوصول الى حل سیاسی سلمی فی الوقت الذی کانت هناک مخاوف حقیقیة من سیناریوهات تحمل عواقب وخیمة مثل محاولة ترتیب انقلاب داخلی فی دولة قطر او تدخل عسکری خارجی([40]).
ولم تکتف ترکیا بالتصریحات الرسمیة الداعیة لحل الازمة بین الاطراف المعنیة بروح الاخوة والجوار، بل اتخذت خطوات عملیة للتدخل فی الازمة منعا من تدهورها، وفی هذا السیاق عملت ترکیا على الاسراع بإدراج الاتفاقیة العسکریة التی أبرمتها مع دولة قطر عام 2015 على جدول اعمال البرلمان الترکی للمصادقة علیها، وقد صوت الاخیر بالأغلبیة على مشروع الاتفاقیة فی 8 حزیران/ یونیو 2017، وبناءً على دعوة عاجلة من الحکومة الترکیة تحسباً لأیة تطورات فی المنطقة فی ضوء الازمة القطریة، وفی الیوم التالی (9 حزیران) صادق رئیس الجمهوریة الترکی على الاتفاقیة وبذلک دخلت الاتفاقیة حیز التنفیذ([41]). وجاء خطاب الرئیس الترکی اردوغان یوم 9 حزیران/ یونیو2017 حاسماً عندما طالب برفع الحصار عن دولة قطر ولیس تخفیفه کما طالب وزیر الخارجیة الامریکی، وأکد بأن ترکیا لن تتخلى عن دولة قطر وناشد السعودیة "الشقیقة الاکبر فی الخلیج" بأن یقوم الملک سلمان بجمع الاشقاء ونبذ الخلافات، وهذا ما هو منتظر من بلاد الحرمین الشریفین، وحق المسلمین علیها([42]).
واستقبل اردوغان وزیر خارجیة البحرین خالد بن احمد بن محمد آل خلیفة فی 10حزیران/ یونیو2017، وعقب اللقاء صرح وزیر خارجیة ترکیا مولود تشاویش أوغلو أن الرئیس اردوغان أکد خلال لقائه الوزیر البحرینی على الحاجة لحل مسالة الخلاف الخلیجی مع دولة قطر وقال: "رئیسنا أکد کذلک الحاجة لحل هذه المسألة المقلقة قبل نهایة شهر رمضان لأنها تتنافى مع دیننا ومعتقداتنا وعاداتنا وخصوصا خلال شهر رمضان"، ورحب الشیخ خالد بتعلیقات أردوغان خلال لقائهما فیما یتعلق بأن القاعدة العسکریة لصالح المنطقة کلها لا دولة بعینها فی الخلیج([43]).
کما أکد الرئیس أردوغان وقوف بلاده إلى جانب دولة قطر بتصریحات کثیرة وحاسمة فی نفی تهمة الإرهاب عنها، بل وتأکید أن کلا البلدین یعملان معاً لمواجهة المنظمات الإرهابیة. وعلى الرغم من موقفها الواضح إلى جانب حلیفها القطری لم تستعْدِ ترکیا دول الحصار خصوصا السعودیة، وحافظت على مساحة مقبولة من الحیاد والتأکید على الحل السلمی، مما سمح لها بهامش للعب دور فی الأزمة([44]).
والملاحظ على الموقف الترکی أنه أدار سیاسته بدبلوماسیة تصعید متدرجة، جمعت بین الرسائل السیاسیة والعسکریة، مع التأکید على عدم تخلی أنقرة عن الدوحة، فجاءت رسالة التوازن التی دعمت الموقف القطری، مع إقناع الطرف الآخر بضرورة ووحدانیة الحل الدبلوماسی وطاولة الحوار، ولیس بالضغط للحصول على تنازلات، أو التهدید بالتدخل المباشر فی دولة قطر، أو التلویح بالانقلابات العسکریة([45]).
ونشطت الدبلوماسیة الترکیة أیضا إقلیمیا ودولیا للمساهمة فی حل الازمة والحیلولة دون تفاقمها، فتواصل أردوغان هاتفیاً مع عدد من الرؤساء والزعماء ذوی العلاقة بالأزمة، فی مقدمتهم أمیر دولة قطر وأمیر الکویت الشیخ صباح الاحمد الجابر الصباح (2006- ) وملک السعودیة سلمان بن عبد العزیز (2015- )، فضلا عن الرئیس الأمریکی (دونالد ترامب Donald Trump 2017- ) والرئیس الروسی (فلادیمیر بوتین Vladimir Putin 2000-2008، 2012- ) والرئیس الفرنسی إیمانویل ماکرون. وزار وزیر الخارجیة الترکی مولود تشاویش أوغلو المنطقة فی 14 حزیران/ یونیو 2017، دون أن یحقق نتائج کبیرة فی حینه. ومع هذا کله، لم تطرح ترکیا مبادرة مستقلة ولا جعلت نفسها بدیلا عن الوساطة الکویتیة، بل دعمتها وشجعتها وأکدت أن جهدها مکمل لجهود أمیر الکویت([46]).
ومع ان الموقف بدا ایجابیاً بعد زیادة وزیر الخارجیة البحرینی الى انقرة وبعد زیارة لوزیر الخارجیة الترکی الى المملکة العربیة السعودیة ولقائه مع الملک سلمان فی 16 حزیران/ یونیو 2017 واتفاق الرئیس الترکی مع الملک سلمان وولی عهده هاتفیاً فی 22 حزیران من العام نفسه على زیادة الجهود لإنهاء الازمة، الا ان الدول الاربعة المقاطعة قدمت لدولة قطر فی 23 حزیران قائمة مطالب تحتوی (13) مطلباً کان من بینها أغلاق القاعدة الترکیة فی دولة قطر. وقد بدا أن هذا المطلب سیجعل ترکیا تصطف بشکل أکثر وضوحا وقوة مع دولة قطر خصوصا مع انتقاد ترکیا للإجراءات ضد دولة قطر، وبالفعل استمرت ترکیا فی إرسال دفعات من الجنود إلى دولة قطر وصل مجموعها إلى حوالی 300 عسکری([47]).
من جهة أخرى، نجحت الدبلوماسیة القطریة فی توضیح وجهة نظرها، بشأن البیان الرباعی للسعودیة ومصر والإمارات والبحرین حول قوائم الإرهاب؛ إذ قال وزیر الخارجیة القطری: إن "قائمة الإرهاب مرسلة وتحتوی على بعض الأسماء التی لیس لها علاقة بدولة قطر، ولا تقیم فیها بالأصل. کما أن من ضمن القوائم صحافیین وجمعیات خیریة مرموقة فی المجتمع الدولی، ولها صفات استشاریة فی الأمم المتحدة مثل دولة قطر الخیریة. ونحن لا نعرف المعاییر التی قامت علیها القائمة التی تم نشرها، ولکن واضح أنها تکامل للسلسلة المرسلة من الاتهامات التی تستند إلى أمور واضحة لا أساس لها"([48]).
لقد ارتکز التحرک الترکی من أجل القیام بدور الوساطة فی حل الأزمة الخلیجیة على عدة مرتکزات، أهمها([49]):
1. حرص ترکیا على بقاء منطقة الخلیج منطقة مستقرة
ترتکز الرؤیة الترکیة لحکومة حزب العدالة والتنمیة على استقرار المنطقة وخاصة منطقة الخلیج العربی، وقد صرح الرئیس الترکی، رجب طیب أردوغان، قبیل اندلاع الأزمة الأخیرة بشهر تقریبًا، أثناء زیارته للکویت، بأن "ترکیا والخلیج کجزیرتی استقرار وسط منطقة جغرافیة تعانی من مشاکل شتى". وتخشى ترکیا من خروج الأزمة عن التحکم مما یضیف المزید من التهدیدات لها ترکیا تحاول الحد من الانعکاسات السلبیة المحتملة للأزمة علیها خاصة بعد موقفها المساند لدولة قطر خاصة مع دخول الحرب فی سوریا والعراق مراحل جدیدة، ولهذا فإن من أهم مرتکزات الوساطة الترکیة التأکید على ضرورة المحافظة على الاستقرار والتذکیر بالخسائر التی قد تتکبدها المنطقة والدول المعنیة فی حال تطورت الأزمة.
2. الحرص على تطور العلاقات الثنائیة فی الخلیج
تحتفظ ترکیا بعلاقات جیدة مع طرفی الأزمة، وخاصة فی المجال الاقتصادی. وترید ترکیا استمرارها وتطویرها والاستمرار فی جذب الاستثمارات من المنطقة وتنفیذ المشاریع فیها. وقد نجحت ترکیا فی استقطاب استثمار أجنبی مباشر بقیمة (3.12) ملیار دولار، فی 2016 فقط، وأغلب هذه الاستثمارات قد جاء من منطقة الخلیج إذ تُقدَّر الاستثمارات السعودیة فی ترکیا بـ(6) ملیارات دولار فیما یصل حجم الاستثمارات القطریة إلى ملیار دولار. وسُجِّل صعود فی حجم الاستثمارات الخلیجیة المباشرة فی ترکیا، بنسبة (397) بالمئة، فی المدة من ینایر/کانون الثانی-مایو/أیار 2017، مقارنة بالمدة نفسها من العام الماضی. ولهذا کان من أهداف زیارة الرئیس الترکی أن یوضح إیجابیة موقف ترکیا فی هذه الازمة لمنع تدهور العلاقات الثنائیة معها وخاصة على الصعید الاقتصادی وتحدیدًا مع السعودیة، إذ توجد اتفاقیات فی مجال التصنیع العسکری وما تزال عین ترکیا على مشاریع مستقبلیة کبرى مع دول الخلیج. وفی هذه النقطة، تحرص ترکیا على تسویة الأزمة، لأن نتائج انتصار أی من أطراف الأزمة وهزیمة الاخر سیکون فیه خسارة لترکیا.
3. منع تزاید النفوذ الإیرانی فی المنطقة
تدرک ترکیا أن الانقسام الخلیجی یصب فی مصلحة إیران وسیاساتها التی لا تُخفی ترکیا استیاءها منها، وقد استدعت إیران، فی فبرایر/شباط 2017، السفیر الترکی لدى طهران بسبب تصریحات أدلى بها وزیر الخارجیة الترکی والرئیس، رجب طیب أردوغان، اتهما فیها إیران بزعزعة استقرار المنطقة، ولهذا تحتاج ترکیا للتعاون والتنسیق مع دول مجلس التعاون الخلیجی لمواجهة السیاسة الإیرانیة، کما أن أنقرة تدرک اهتمام دول الخلیج بها فی هذه النقطة خاصة أن هذه الفرصة کبیرة حاولت فیها إیران تقدیم مواقف تشجع على تقاربها مع کل من دولة قطر وترکیا على الأقل فی هذه الأزمة وأیضا من خلال استغلال الأقلیات الشیعیة فی الخلیج.
4. الخشیة من امتداد تداعیات الأزمة إلى ترکیا
لا ترید ترکیا أن تضطر للاصطفاف الواضح مع دولة قطر فیجعلها ذلک فی مواجهة إجراءات قد تتضرر بسببها ومن هذه الإجراءات وقف الاستثمارات وتلویح الدول المقاطعة لدولة قطر بالورقة الکردیة فی وجه ترکیا ورفض التعامل معها فی الملف السوری خاصة أن الإعلام السعودی رکز على إجراء مقابلات إعلامیة مع سیاسیین أکراد معارضین لترکیا کما لوحظ نشاط تیار الغد السوری المدعوم من الإمارات فی فتح علاقة مع الأکراد المعارضین لترکیا فی شمال سوریا، کما أن وساطة ترکیا التی تتشارک فی الکثیر من وجهات النظر تجاه قضایا المنطقة مع دولة قطر یمکن أن تُقرأ من منطلق دعم دولة قطر وعدم ترکها وحدها. ولهذا، فإن استمرار حوار ترکیا مع السعودیة یسهم فی مواجهة اتهامات یمکن أن تُوجه إلى ترکیا فی نفس الوقت أو الحقً فی دعم دولة قطر ویخفف من أضرار عملیة استعداء ترکیا أو التحریض علیها.
خاتمة واستنتاجات
تناول البحث مسار العلاقات القطریة-الترکیة فی بعدها الدبلوماسی والسیاسی خلال المدة 2003-2017، وتطورات الازمة القطریة عام 2017 وانعکاساتها على العلاقات السیاسیة بین البلدین، فضلا عن العوامل والتفاعلات التی تحکمت فی مسار هذه العلاقات، وخرج البحث بعدد من الاستنتاجات أهمها:
1. یشیر الخط البیانی لتطور مسار العلاقات بین البلدین لاسیما فی بعدها الدبلوماسی والسیاسی وهو مجال البحث هنا خلال المدة 2003-2017، أی منذ مجیء حکومة حزب العدالة والتنمیة إلى السلطة فی ترکیا إلى أن هذا الخط اتخذ منحى تصاعدیا بشکل تدریجی لاسیما بعد عام 2007، وهو ما یعکس اتخاذ مسؤولی البلدین قراراً استراتیجیا بتطویر علاقاتهما وتعاونهما الثنائی فی المجالات کافة، فضلا عن تنسیق مواقفهما الثنائیة تجاه جملة من القضایا الاقلیمیة والدولیة ذات الاهتمام المشترک.
2. شکل الموقف القطری الداعم للحکومة الترکیة أثناء وبعید محاولة الانقلاب الفاشلة فی ترکیا منتصف تموز 2016، وموقف ترکیا الداعم لدولة قطر أثناء الأزمة القطریة عام 2017 اختباراً حقیقیا لمتانة العلاقات بین البلدین وعمق المصالح الاستراتیجیة بینهما، إذ شکلت هذه المواقف الایجابیة المتبادلة بینهما تجاه أزمات کل بلد تجاه الآخر عاملا ایجابیاً مهماً لتعزیز هذه العلاقات ونقلها إلى مستوى الشراکة الاستراتیجیة. کما أثبتت هذه المواقف قدرة مسؤولی البلدین على تجاوز کل الظروف والازمات التی تهدد استمرارها.
3. عکست لقاءات القمة الدبلوماسیة العدیدة والمتواصلة بین القیادات فی ودولة قطر وترکیا، توجه مسؤولو البلدین نحو ترسیخ العلاقات الثنائیة وتعزیز مستویات التعاون الاستراتیجی فی المجالات کافة، وقد ساهم التوافق فی الرؤى والتناغم فی السیاسات الإقلیمیة بین البلدین فی تحقیق تطور نوعی فی العلاقات الثنائیة لاسیما على المستوى السیاسی، ویعد تأسیس اللجنة الاستراتیجیة العلیا بین البلدین تأکیدا لذلک، إذ أن الهدف هو إنشاء علاقات استراتیجیة ومستدامة بین البلدین.
- 4.
الهوامش والمصادر
([5]) أفراح ناثر جاسم، "العلاقات القطریة-الترکیة 2002-2007"، بحث غیر منشور، أرشیف مرکز الدراسات الإقلیمیة، جامعة الموصل، 2018، ص3.
([6]) المصدر نفسه، ص ص3-4.
([8]) لمزید من التفاصیل حول اتفاقیة التعاون الثقافی بین ترکیا وقطر ینظر:
- Ozgur Pala, The Evolution of the Turkish-Qatari Relations from 2002 to 2013: Convergence of Polices, Identities, and Interests, A Thesis in the Gulf Studies Master’s Program, Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Master of Arts, University of Qatar, September 2014, p.135
([10]) Pala, Op. cit, p.47.
([14]) Pala, Op. cit, p.49.
([15]) Harunoglu, Op. cit.
([19]) Pala, Op. cit, pp.85-87.
([22]) "لعلاقات القطریة - الترکیة: تقارب فی السیاسة والاقتصاد"، العربی الجدید، 15/2/2014:
https://www.alaraby.co.uk/politics/2014/2/15 /العلاقات-القطریة-الترکیة-تقارب-فی-السیاسة-والاقتصاد(آخر زیارة للموقع فی 8/9/2019)
([31]) جاسم، "العلاقات القطریة-الترکیة..."، المصدر السابق، ص13.
([32]) محمد الدجین، "دور ترکیا الاقلیمی فی الازمة – الخلیجیة وتداعیات ذلک على الصراع فی سوریا "، المرکز الدیمقراطی العربی فی برلین، 2/10/2017:
https://democraticac.de/?p=50196
([40]) جاسم، "العلاقات القطریة-الترکیة..."، المصدر السابق، ص13
([41]) کانت ترکیا قد أبرمت مع قطر اتفاقیة للتعاون العسکری فی کانون الأول/دیسمبر 2014 فُهِمت فی سیاق التدابیر القطریة الاحترازیة المتخذة بعد أزمة سحب السفراء الخلیجیین من الدوحة فی 2014، وأقرها البرلمان الترکی فی 19 من آذار/مارس 2015 ووقعها الرئیس الترکی ونشرت فی الجریدة الرسمیة فی 28 منه، تتعلق بالتعاون العسکری والصناعات الدفاعیة وتشمل إقامة قاعدة عسکریة ترکیة فی قطر وإمکانیة نشر قوات ترکیة على الأراضی القطریة والعکس بالعکس. ومنذ ذلک الوقت والقاعدة فی طور التشیید ویتواجد مئات المستشارین الأتراک فی قطر، بموجب هذه الاتفاقیة تنشر ترکیا قوات عسکریة فی القاعدة العسکریة الموجودة فی قطر، کما تمنحها أیضا حق إقامة قواعد عسکریة أخرى فی البلاد. للتفاصیل انظر:
سعید الحاج، "ترکیا وقطر رسائل سیاسیة متبادلة"، رأی الیوم، 9/6/2017:
http://www.raialyoum.com/?p=689451
"أردوغان یصادق على اتفاقیة العسکری مع قطر"، الجزیرة نت، 9/6/2017:
https://www.aljazeera.net/news/arabic/2017/6/8/
(آخر زیارة للموقع فی 10/9/2019)
([45]) جبریل، "أزمة قطع العلاقات مع قطر..إلى أین"، المصدر السابق، ص9.
| |
| |
أ.م.د.لقمان عمر محمود النعیمی
مدیر مرکز الدراسات الاقلیمیة/ جامعة الموصل
[email protected]
|
|