الاستفتاء الشعبی وأثره فی سیادة الشعب-(*)-
popular referendum and its impact on popular sovereignty
|
لیث ذنون یونس
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Laith Thanon Younes
College of law / University of Mosul
Correspondence:
Laith Thanon Younes
E-mail:
|
(*) Received on 9/1/2019 *** accepted for publishing on 28/2/2013.
Doi: 10.33899/alaw.2013.164610
© Authors, 2020, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
والاستفتاء الشعبی هو أحد أهم مظاهر الدیمقراطیة المباشرة تقریبا، وهو من أخطر ما یمکن أن یعبر به الشعب عن إرادته وممارسة حریته السیاسیة حتى یتمکن من ممارسة دوره الفعال فی ممارسة السیادة. فضلا عن الزیادة المستمرة فی اعتماد هذه الطریقة بأشکالها المختلفة بإشراک الناس فی القضایا الهامة والمشؤومة کسیادیة والإشارة إلیها فی الوثائق الدستوریة وطوال التاریخ السیاسی الحدیث للعراق من خلال دساتیرها المختلفة و الى الآن.
الهدف من البحث هو تسلیط الضوء على أهمیة الاستفتاء الشعبی وأثره على سیادة الشعب لنفسه من خلال تسلیط الضوء على عوامل النجاح وتجنب السلبیات فیه خلال تطبیقه للوصول إلى السیادة الشعبیة وتحلیل التطبیقات العملیة ل هذه الطریقة فی دساتیر العراق وحتى الآن.
الکلمات المفتاحیة: الاستفتاء، الطرق الدیمقراطیة، السیادة.
Abstract
A popular referendum is one of the most important manifestations of direct democracy, and one of the most serious ones through which people can express their will and exercise their political freedom. Under this principle, sovereign power rests with the people. , this is to ensure involving people in issues that are of crucial importance and to refer to it in the constitutional documents and throughout the modern political history of Iraq through its various constitutions and until now. Recently, there has been widespread on depending on popular referendum. The aim of the research is to illustrate the importance of this mechanism and its impacts on the people's sovereignty highlighting the success factors and analyzing the practical applications of this method in the different constitutions of Iraq until now.
Keywords: popular referendum, sovereignty of the people, direct democracy, Iraq’s constitution, popular referendum and modern Iraq.
المقدمـة
یشیر مصطلح الحریة السیاسیة فی العصر الحدیث لدى معظم فقهاء القانون والفکر الدستوری الى مفهوم الدیمقراطیة من حیث کونهما یرسخان مبدأ سیادة الشعب وممارسة حقه فی السیادة بالقانون بالقنوات الرسمیة وغیر الرسمیة المکفولة له داخل الدولة وخارجها فی العصر الحدیث، ویستلزم اخضاع الفرد لقیم الجماعة ونظامها العام بوضع ضوابط لممارسة الحریة بأشکالها المختلفة فی العصر الحدیث أن یکون فی غالبیة أفراد الشعب بوصفهم مصدراً للسلطة السیاسیة لأنهم یعبرون عن الارادة المشترکة لمجموع أفراد الشعب فی ضبط سلوک افراده بما یحقق اهداف الجماعة ونتیجة لما لحق بنظام الدیمقراطیة المباشرة بوصفه الصورة المثلى لمباشرة الحریة السیاسیة بالقنوات الرسمیة من انتقادات، ومع ظهور مبدأ سیادة الشعب واتخاذه اساساً للسیادة فی معظم بلدان العالم فقد أضحى لزاماً ایجاد حل یمکن فیه ایجاد صورة عملیة لطریقة ممارسة الشعب للسیادة بقنوات أکثر تفاعلاً وایجابیة مع الدور الذی یؤدیه الشعب على الصعید السیاسی فی ظل الأخذ بمبدأ سیادة الشعب، وتعددت صور ممارسة الشعب لسیادته بتنوع اسالیب الدیمقراطیة شبه المباشرة فی الاستفتاء الشعبی موضوع بحثنا او الاعتراض الشعبی او الاقتراع الشعبی او طلب اعادة الانتخاب او حل المجلس النیابی او حق طلب عزل رئیس الجمهوریة فهذه المنافذ او الوسائل الرئیسة التی یمارس فیها الشعب سیادته.
أهمیة الموضوع
یعد الاستفتاء الشعبی من أهم مظاهر الدیمقراطیة شبه المباشرة ومن أخطرها التی یستطیع الشعب فیها ان یعبر عن ارادته ویباشر حریته السیاسیة على نحو یمکنه من ممارسة دوره الفعال فی ممارسة السیادة، فضلا عن التزاید المستمر للأخذ بهذا الاسلوب بصوره المختلفة باشراک الشعب فی المسائل المهمة والمصیریة بوصفه صاحب السیادة وللاشارة الیه فی الوثائق الدستوریة على مر التاریخ السیاسی الحدیث للعراق بدساتیره المختلفة الى الآن.
مشکلة البحث:
تکمن اشکالیة البحث فیما یأتی:
هل ان وجود نص دستوری یتضمن الرجوع الى الشعب لأخذ رأیه فی موضوع معین هو حتمی بالنسبة للسلطات القابضة أم هو تخیری وهل ان ذکر هذه الموضوعات على سبیل الحصر وترک القیاس علیها للبرلمان هو أجدى من ذکرها بالتفصیل فی متن الدستور تجنباً للصفقات السیاسیة وما قد ینجم عنه؟
فرضیة البحث:
النص على الاستفتاء فی متن الوثیقة الدستوریة وحتمیة اللجوء الیه، وسیادة نظام یقوم على أخذ رأی الشعب.
هدف البحث:
یهدف البحث الى تسلیط الضوء على ابراز أهمیة الاستفتاء الشعبی وأثره فی سیادة الشعب لنفسه بابراز عوامل النجاح وتفادی السلبیات فیه عند التطبیق للوصول الى السیادة الشعبیة وتحلیل التطبیقات العملیة لهذا الاسلوب فی الدساتیر العراقیة الى الآن.
منهجیة البحث:
ستکون منهجیة البحث المعتمدة فی الاخذ بالمبادئ النظریة والتطبیقیة فی اثناء عرضنا لموضوع الاستفتاء بالدراسة الوصفیة والتحلیلیة والتطبیقیة فی العراق وبعض الدول للمقارنة.
هیکلیة البحث:
قسمنا بحثنا الى خمسة مباحث على وفق ما یأتی:
المبحث الأول / ماهیة الاستفتاء.
المبحث الثانی / أنواع الاستفتاء الشعبی.
المبحث الثالث / تمییز الاستفتاء الشعبی عن الأنظمة الأخرى.
المبحث الرابع / مبدأ السیادة الشعبیة.
المبحث الخامس / الاستفتاء الشعبی فی الدساتیر العراقیة.
المبحث الاول
ماهیة الاستفتاء الشعبی
سنتناول فی هذا المبحث بیان معنى الاستفتاء لغة واصطلاحاً واستعراضه وبیان شروط صحته وتقدیره بثلاثة مطالب على وفق ما یأتی:
المطلب الأول/ معنى الاستفتاء
المطلب الثانی/ شروط صحة الاستفتاء
المطلب الثالث/ تقدیره
المطلب الأول
معنى الاستفتاء
سنستعرض فی هذا المطلب بیان معنى الاستفتاء لغة واصطلاحاً فی فرعین على
وفق الآتی:
الفرع الاول/ المعنى اللغوی للاستفتاء
الفرع الثانی/ المعنى الاصطلاحی للاستفتاء
الفرع الاول/ المعنى اللغوی للاستفتاء
الاستفتاء فی اللغة العربیة هو طلب الفتوى أو الرأی او الحکم فی مسألة من المسائل وفعله استفتى، وهذا الفعل مزید اصله فی وهو مزید بثلاثة أحرف هی الالف والسین والتاء وتفید معنى الطلب او الرجاء، وهو على وزن استفعل مثل استغفر ای طلب الغفران واستسقى أی طلب السقایة.
واستفتیت الفقیه فی المسألة ای سألت الحکم فیها، والفتوى هی الجواب عما یشکل من المسائل الشرعیة والقانونیة.
وقد ورد فعل الاستفتاء فی القرآن الکریم فی مواضع متعددة منها: ((قُلْ اللَّهُ یُفْتِیکُمْ فِیهِنَّ))، ((یَسْتَفْتُونَکَ قُلْ اللَّهُ یُفْتِیکُمْ فِی الْکَلَالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَکَ لَیْسَ لَهُ وَلَدٌ)).
الفرع الثانی/ المعنى الاصطلاحی للاستفتاء
یقصد بالاستفتاء فی الفقه الدستوری عرض موضوع عام على الشعب لأخذ رأیه فیه بالموافقة او الرفض، ویطلق علیه بالفرنسیة والانجلیزیة (referendum)، وقد استخدمت کلمة (referendum) فی الاصل فی مجال التحفظ باشتراط موافقة حکومات ممثلی المقاطعات فی الاتحادات الجرمانیة والسویسریة القدیمة ثم تحور هذا اللفظ بعد ذلک واتسع معناه فأصبح یشمل اخضاع أی عمل للموافقة الشعبیة.
فیتضح من التعریف فی اعلاه ان موضوع الاستفتاء یتسع لیشمل کل موضوع عام من دون اعتبار لطبیعة الموضوع، فقد یکون مشروعاً للقانون سواء أکان قانوناً عادیاً أم دستوریاً، وقد قراراً سیاسیاً صادراً من سلطة من سلطات الدولة، فهو یشمل کل عمل من أعمال السلطة التنفیذیة والتشریعیة، وبعد الاستفتاء الطریقة التی تتجلى فیها ممارسة الشعب لسیادته بنفسه لأنه فی حقیقة الأمر أهم مظهر من مظاهر الدیمقراطیة شبه المباشرة.
أستخدمت کلمة استفتاء عملاً فی البلاد العربیة استخداماً واسعاً جعلها تشمل ایضا عرض شخص واحد على الشعب للموافقة على تنصیبه أو بقائه رئیساً للدولة وهو ما یطلق علیه بالفرنسیة (plébiseite) واصلها فی اللاتینیة هو (plebis seitum)، وتعنی بالفرنسیة (déereide la plébe) ای قرار العامة أو الدهماء، وکان یقابل قانون البرلمان ولیس الانتخاب ولکن مع الزمن مضى الاصطلاح فی الاستعمال من الغایة الى الوسیلة واصبح مرادفاً للتصویت.
وکلمة الاستفتاء فی البلاد العربیة استخدمت بصورة واسعة أخرجتها عن نطاق (referendum) واصبحت لتشمل (plébiseite) لذا لم یکن هناک تطابق بین مصطلح الاستفتاء فی اللغة العربیة والمصطلح المستعمل فی اللغتین الانکلیزیة والفرنسیة، ویأخذ الاستفتاء الشعبی فی اللغة العربیة مفهوماً واسعاً یتجاوز حدود المصطلح الفرنسی سواء ما دل منه على الاستفتاء القانونی (referendum) أو ما دل منه على الاستفتاء الشخصی او السیاسی (plébiseite)، ویرجع اساس عدم التطابق الى استقرار مفهوم منفصل فی الفقه الغربی ولا سیما الفرنسی نحو الاستفتاء الشعبی ومنحه مفهوماً قانونیاً ومفهوماً شخصیاً او سیاسیاً والفصل بینهما.
فی حین أن الفقه العربی بأغلبه یمیل الى اعطاء معنى واسع وشامل للاستفتاء ذی الطابع السیاسی عام من دون ان یتناول المفهوم القانونی الذی یختلف عن المفهوم السیاسی فی کونه یقصد بالاستفتاء الشعبی اعطاء الشعب الحق فی ابداء الرأی فی قاعدة قانونیة سواء کانت بصورة قانون کامل التشریع ام بصورة مشروع قانون یعرض على الشعب لمنح الرأی فیه، ویطلق هذا الرأی بتعریفه موضوع الاستفتاء الشعبی بغیر حدود مما یؤدی الى تداخل المفهوم القانونی بالمفهوم السیاسی ویتجاوز طبقة الاستفتاء الشعبی فی القطاع الدیمقراطی ومن یصبح وسیلة لاقرار أعمال اخرى للسلطة التنفیذیة.
وسبب الأخذ بالمفهوم السیاسی الواسع للاستفتاء الشعبی هو تأثر الفقه بالتطبیقات غیر المشروعة لنظام الاستفتاء الشعبی فی الأنظمة غیر الدیمقراطیة ولاسیما تلک التطبیقات التی حدثت فی عهد نابلیون الأول والثالث فی فرنسا، وسعت الدساتیر العربیة التی نظمت الاستفتاء الشعبی من نطاقه وخلطت بینه وبین الاستفتاء الشخصی او السیاسی – الذی سنأتی على تناولهما لاحقا- بصور کثیرة أدت الى تطبیقات خاطئة کرست حکم الفرد وأوجدت نظاماً استبدادیاً یتجلى بلباس دیمقراطی الا وهو الاستفتاء الشعبی، ویجد البعض أن الاستفتاء الشعبی بوصه نظاماً قانونیاً ومظهراً من مظاهر الدیمقراطیة شبه المباشرة لا یمکن أن یقصد به الا الاستفتاء الشعبی، ویجد البعض الآخر بأن الاستفتاء الشعبی بوصفه نطاقاً قانونیاً ومظهراً من مظاهر الدیمقراطیة شبه المباشرة لا یمکن ان یقصد به الا الاستفتاء القانونی ای الذی یقصد فیه عرض مشروع قانون على الشعب سواء أکان مشروع قانون دستوری ام تشریعی.
وتتجلى بهذا الاستفتاء مشارکة الشعب المباشرة فی التشریع لکن نتیجة لغلبة الرأی المؤدی الى أنه یعد الاستفتاء ذا مفهوم سیاسی واسع ولا سیما فی الفقه العربی فیعرفه بأنه عرض موضوع عام على الشعب لأخذ رأیه بالموافقة او الرفض، او هو الرجوع الى جمهور الناخبین لأخذ قرارهم أو رأیهم فی موضوع معین یفرض علیهم رأی ای انه لا یکفی قرار البرلمان فی هذا الموضوع.
ویسمح الاستفتاء للمواطنین أنفسهم بالاحتفاظ بحق الفصل فی بعض أمور الحکم وتجنب استحواذ نوابهم على السلطة السیاسیة کلها ویتدخل المواطنون فیه بعد اعداد موضوع الاستفتاء –أیا کان نوعه- بوساطة الحکومة او البرلمان او هیئة منتخبة خصیصاً او عدد معین منهم، لیقول کلمته فی هذا الموضوع بالقبول او الرفض. وقد یطلب من المواطنین فی الاستفتاء الاختیار بین بدائل ممکنة عدیدة ولیس مجرد الموافقة او الرفض بالنسبة لأمر واحد، ولا یصبح موضوع الاستفتاء ملزماً واجب النفاذ الا بعد حصوله على موافقة أغلبیة الاصوات اذا کان من النوع الملزم ولم یکن استشاریاً.
لذا فان تعدد الجهات التی تتولى المبادرة بالاستفتاء یجب ان تعطى للمؤسسات جمیعها او السلطات بالدولة ویجب ألا تحصر بید احدى الجهات لان ذلک سیؤدی الى استبدادها على الجهة الاخرى ومن الافضل ان یعطى هذا الحق لسلطات الدولة والشعب معاً لکی یتحقق التوازن بین تلک السلطات فضلا عن مشارکة الشعب فی اصدار القوانین والقضایا المهمة والمصیریة فی الوقت نفسه.
ویکون الاستفتاء إما على القانون بتعدیله أو انشائه أو إلغائه، او یکون على الدستور تأسیسه او تعدیله أو یکون على أی موضوع کقرار سیاسی أو خطة معینة او معاهدة، کما یدخل فی اطار الاستفتاء السیاسی الاستفتاء على شخص الرئیس او سیاسته. ولکن هل ای قانون یصلح لأن یکون محلاً للاستفتاء الشعبی؟
هناک بعض قوانین لا یجوز استفتاء الشعب بصددها وتدخل ضمن الاطار المحجوز للبرلمان مثل التی تتصل بمسائل معقدة لا یستطیع المواطن العادی ابداء الرأی فیها، او المسائل التی تتعلق بالمعتقدات الدینیة والمسائل الفنیة البحتة والمسائل التی تدخل فی اطار اختصاص الهیئات القضائیة، والمسائل التی تتعلق باتخاذ تدابیر المحافظة على الامن والنظام.
ویعد الاستفتاء الشعبی من أهم طرائق مساهمة الشعب المباشرة فی الحکم اذ ان غالبیة الطرائق الاخرى – المظاهر شبه المباشرة للدیمقراطیة - تنتهی غالباً بالرجوع الیه، ویحسم الأمر عادة بعرض مشروع القانون بعد اعداده على الاستفتاء، فی الاقتراع الشعبی القانون ویقدم فی الاعتراض الاستفتاء فاذا رفضته الاغلبیة یعد کأن لم یکن، ویتم الأمر فی اعطاء الاقالة او العزل اما بعرض المسؤول المطلوب اقالته على الاقتراع فی استفتاء شعبی واما بأن تجری انتخابات جدیدة بین من یراد عزله ومنافسیه.
وعلى الرغم من ان اسلوب الاستفتاء الدستوری یبدو فی ظاهره ممارسة مثالیة للدیمقراطیة بشکل مباشر، الا ان کثیراً من الانظمة الاستبدادیة اعتمدت على هذا الاسلوب عند بدایة ممارستها للسلطة ویبقى الفیصل بین الممارسة الدیمقراطیة الحرة، والممارسة الصوریة للدیمقراطیة لیس مجرد الاستفتاء، بل المناخ الذی یجری هذا الاستفتاء وحجم الضغوطات التی تمارس على المواطنین فی اثناء الاستفتاء لذا تعرض هذا الاسلوب لعدید من الانتقادات.
المطلب الثانی
شروط صحة الاستفتاء
لنجاح عملیة الاستفتاء بوصفه وسیلة نحو الدیمقراطیة من الناحیة العقلیة او المنطقیة وبساطته قانونیا وسموه من الناحیة الخلقیة، یقتضی لنجاحه توفر مقوماته. وسنتناول هذه المقومات فی الفروع الآتیة:
الفرع الأول/ کفالة حریة الأفراد
الفرع الثانی/ ارتفاع مستوى الوعی
الفرع الثالث/ حسن اختیار موضوع الاستفتاء
الفرع الرابع/ نزاهة عملیة الاستفتاء
وسنتناولها على وفق الآتی:
الفرع الأول/ کفالة حریة الأفراد
لا یمکن أن یحقق الاستفتاء الصحیح أهدافه فی اطار دکتاتوری لا یتمتع فیه المواطنون بالقدر الکافی من الحریات العامة ولا سیما الحریة الشخصیة وحریة الرأی وحریة الصحافة وحریة الاجتماع لذا لا تعد استفتاءات صحیحة ناجحة تلک التی تجری فی البلاد المتخلفة التی لا یتوفر فیها القسط اللائق من الحریات الحقیقیة، لذا فان الاستفتاءات التی تجری فی بلد یعیش تحت ظلال حکم ذی طبیعة دکتاتوریة انما هی استفتاءات صوریة لا تعبر عن رأی المحکومین وانما ارادة الحاکمین. وبما ان هذه الارادة معروفة مقدماً فکذلک تعرف مقدما نتائج تلک الاستفتاءات وهی عادة 99,99% فلا بد لنجاح الاستفتاء من کفالة حریات المواطنین فی جو من الدیمقراطیة السلمیة، ولا تتوفر هذه الحریات عملاً من دون وجود معارضة قویة ومنظمة لا تتحقق وهذه المعارضة عادة الا فی نظام حزبی صحیح.
ولسریة التصویت أهمیة کبرى فی هذا المجال إذ ان اطلاع الغیر على هذه التصویتات وعدم الوقوف بشکل حیادی من السلطة تؤثر فی ارادة المستفتی بوسائل الاعلام التی تملکها وتستطیع فیها توجیه المستفتین فی الاتجاه الذی تریده وترغب فیه لانها اداة لتخدیر الشعب وابعاده عن التفکیر السلیم، لذا لابد من توفر معارضة حقیقیة ضمانة للحریات العامة للافراد منظمة وقویة تحول من دون استبداد الحکومات.
الفرع الثانی/ ارتفاع مستوى الوعی
یستلزم اجراء استفتاء صحیح جدیر بترتیب آثاره مجتمعاً على درجة من الوعی والمعرفة تسمح للمواطنین بحس ادراک الامور التی تعرض فی الاستفتاء تمهیداً للحکم علیها، فلیس من المقبول استفتاء شعب أمی لا یعرف حتى القراءة والکتابة وهی مفاتیح العلم المعتادة بین الناس، اذ ان الاستفتاء، کما علمنا، طلب الفتوى ولا یتصور ان تطلب الفتوى من جاهل لا علم له. وان تکون اوضاع البلد الاجتماعیة والسیاسیة والثقافیة مواتیة للاخذ بهذا النظام وعلى مستوى عالٍ من الثقافة والمدنیة. فیستلزم من القائمین على الاستفتاء ومعارضی هذا الاسلوب من حیث موضوعة الاجتهاد فی شرح موضوعه والتوعیة به وبیان جوانبه المختلفة. ویزداد هذا الجهد کلما انخفض مستوى وعی الشعب.
ولا تتحقق القیمة الحقیقیة للاستفتاء الا إذا فهم کل من یدلی بصوته الموضوع الذی یعطی الرای منه ویفاضل بین اتجاهی القبول أو الرفض ویختار احدها بعد الاقتناع بمسوغاته الصحیحة.
الفرع الثالث/ حسن اختیار موضوع الاستفتاء
یجد جانب من الفقه ان یکون الاستفتاء فی موضوع واحد، وأن یتسم بالبساطة والتحدید، وأن یقتصر على المسائل العامة الکبیرة التی تهم الشعب فی مجموعه لأنها تمس حیاته ومستقبله التی یسهل علیه فهمها وادراکها والتعبیر عن رأیه بشأنها، لذا فان بعض الموضوعات ینص عادة على عدم جواز اجراء استفتاء بصددها کالمسائل الداخلة فی اختصاص الهیئات القضائیة ومسائل المعتقدات الدینیة والمسائل ذات الصیغة الفقهیة او الفنیة البحتة والمیزانیة والمسائل التشریعیة المستعجلة او التی تتعلق بتدابیر للمحافظة على الأمن والنظام.
الفرع الرابع/ نزاهة عملیة الاستفتاء
یتوقف نجاح عملیة الاستفتاء على مجموعة عوامل وشروط، ومنها نزاهة عملیة الاستفتاء أو حیادیتها فی مراحلها المختلفة وهی :
اولا. مرحلة الدعایة:
وهی نوع من الضغط الاعلامی یمارس على ارادة المقترعین لتوجیهها للتصویت على نحو معین من دون انکار لحریتها، وفی مرحلة الدعایة الاستفتائیة یجب ان یعامل مؤیدو الاستفتاء ومعارضوه على قدم المساواة فیما یتعلق باستعمال وسائل الدعایة والاعلام والاستفادة مما لدى الحکومة من تسهیلات فی هذا المجال لیتمکن کل اتجاه من أن یعبر عن رأیه ویشرح وجهة نظره بصورة متکافئة یستطیع معها المواطنون من الاقتراع وهم على بینة من الامر بجوانبه المختلفة بما له وما علیه من دون أیة ضغوط من أحد.
ثانیا. مرحلة التصویت:
یشترط أن تحاط طریقة ادلاء الناخبین بآرائهم بالسریة التامة لأنها الضمانة الاساسیة والمهمة لحریتهم فی الاختیار فلا حریة من دون سریة إذ باتت السریة من الأمور التی تشترطها قوانین الانتخاب والاستفتاء فی الدول المختلفة.
ثالثا. مرحلة الاحصاء:
یجب فی هذه المرحلة حساب الاصوات المعبر عنها فی الاستفتاء لمعرفة نتیجته بدقة وأمانة کما فی الدیمقراطیات الغربیة، وتأتی دقة النتائج باستعمال الحاسبات الالکترونیة التی تقوم بهذه العملیة بکفاءة وسرعة وفی الامانة وعدم تزییف النتائج فیضمنها حضور ممثلی الاتجاهات المختلفة لعملیة فرز الاصوات وهذین الامرین غیر موجود فی الدول غیر الدیمقراطیة، ویجب على الحکومة ان تتقید بنتیجة الاستفتاء ما لم یکن استشاریاً ولا تتمتع الحکومة بسلطة تقریریة أمام هذه النتیجة الا إذا کانت غامضة أو غیر قاطعة.
رابعاً. مرحلة الرقابة:
تضمن هذه المرحلة صحة المراحل الثلاث السابقة، إذ تتولى الجهات القضائیة فی البلاد الدیمقراطیة ممارسة نوع من الرقابة على عملیة الاستفتاء الشعبی من بدایتها الى نهایتها لأن القضاء هو الجهة الوحیدة التی من شأنها ان تقود الى استفتاءات نزیهة تتفق مع القانون لأن القضاء فی کل أمة هو صمام الامان والاطمئنان للأطراف المؤیدة والمعارضة جمیعها.
لم یشر الدستور العراقی الى الجهة القضائیة التی تراقب کافة مراحل الاستفتاء او الانتخابات کافة، وانما حصرها بید المفوضیة العلیا للانتخابات التی تضم فی تشکیلها الاداری بعض من القضاة الداخلیین الذین یفحصون الطعون المقدمة، وهی مثلبة على التشریع العراقی.
الفرع الخامس/ أن یجری الاستفتاء فی ظروف عادیة هادئة:
تتوقف نتیجة الاستفتاء وقیمته الحقیقیة على وقت اجرائه، فاجراؤه فی أوقات أزمات حقیقیة أو مفتعلة یفتح المجال واسعاً لأسلوب الاثارة الشعبیة ومخاطبة مشاعر الجماهیر التی یسهل فی تلک الظروف تعبئتها واثارتها واستغلال اهوائها واندفاعها، والنتیجة هی انقیاد الجماهیر غیر الواعیة وراء –الدیماجوج- وانسیاقها بروح القطیع، لذا فان الاستفتاءات ولا سیما فی الدولة المتخلفة کثیراً ما تجری فی اوقات الانقلابات العسکریة أو الحرکات الثوریة وفی ظروف الازمات حتى تکون نتائجها مضمونة بما یشبه الاجماع.
المطلب الثالث
تقدیر نظام الاستفتاء
وسنتناول فی هذا المطلب مزایا نظام الاستفتاء الشعبی وعیوبه وسنتناولها فی فرعین على وفق الآتی:
الفرع الأول/ مزایا نظام الاستفتاء
الفرع الثانی/ عیوب نظام الاستفتاء
وسنتناولها ولى وفق الآتی:
الفرع الأول/ مزایا نظام الاستفتاء
یجد أنصار الاستفتاء الشعبی أن لهذا النظام مزایا عدیدة تبرر تطبیقه والاخذ به بوصفه وسیلة مهمة من وسائل الدیمقراطیة یسهم فیها الشعب بحکم نفسه من دون وساطة أحد.
ونعرض فیما یأتی لأهم هذه المزایا وهی:
- احتفاظ الشعب بحق اتخاذ القرارات المهمة.
- رقابة الشعب على اعمال ممثلیه.
- سهولة الاستفتاء.
- الاستفادة من الکفاءات خارج البرلمان.
- الاستقرار السیاسی.
- تربیة المواطنین سیاسیاً.
- الوقایة من التذمر والثورة.
- تحیید الاحزاب السیاسیة.
الفرع الثانی/ عیوب الاستفتاء الشعبی
وسنتناول فی هذا الفرع بیان عیوب الاستفتاء الشعبی فیما یأتی:
1. الغموض وعدم الدقة.
2. قلة الوعی والادراک.
3. ان یجری الاستفتاء من دون مناقشة کافیة.
4. یؤدی الاستفتاء الشعبی الى ضعف المشارکة الحزبیة الفعالة.
5. یؤدی الاستفتاء الشعبی الى خضوعه للدعایة والاعلام الدینی واصحاب النفوذ.
6. یؤدی هذا الاسلوب الى التقلیل من هیبة المجالس النیابیة.
7. یؤدی الاستفتاء الشعبی الى ارهاق المیزانیة العامة للدولة.
8. یؤدی الى زیادة أعباء المواطنین.
9. یؤدی الى تزییف نتائج الاستفتاء.
المبحث الثانی
أنواع الاستفتاء الشعبی
اذا کان الاستفتاء الشعبی هو أهم مظاهر الدیمقراطیة شبه المباشرة ویعنی الرجوع الى جمهور الناخبین لأخذ قرارهم أو رأیهم فی موضوع معین یعرض علیهم ای أنه لا یکفی قرار البرلمان فی هذا الموضوع، لذا ینقسم الاستفتاء الشعبی الى أنواع متعددة وسنتناولها فی المطالب الآتیة:
المطلب الاول/ من حیث موضوع الاستفتاء.
المطلب الثانی/ من حیث میعاد اجرائه.
المطلب الثالث/ من حیث مدى وجوب اجرائه.
المطلب الرابع/ من حیث مدى قوته الالزامیة.
وسنتناولها على وفق الآتی :
المطلب الاول
من حیث موضوع الاستفتاء
یختلف الاستفتاء باختلاف الموضوعات التی یتناولها فقد یتعلق موضوعه بقوانین دستوریة فیطلق علیه بـ"الاستفتاء الدستوری" او متعلقاً بقوانین عادیة فیسمى بـ"الاستفتاء التشریعی" وقد یکون سیاسیاً، أی یتعلق بقرار او خطة معینة فی أمر من الأمور السیاسیة العامة.
ففی الاستفتاء الدستوری الذی یکون موضوعه أخذ قرار الشعب عند وضع الدستور أو تعدیله، إذ لا یکون الدستور او التعدیل الدستوری نافذا ومعمولاً به إلا من یوم اقرار الشعب له.
وهناک ایضا الاستفتاء التشریعی، ویراد به استفتاء الشعب حول قانون أو مشروع قانون معین سواء أکان قانوناً عادیاً أو قانوناً تنظیمیاً "ای القانون الذی یتعلق بتنظیم السلطات العامة".
ولأن هذا النوع من الاستفتاء یتعلق بمشروع قانون عادی، ولأن الاستفتاء التشریعی بحکم موضوعه یتعلق باقرار القوانین العادیة التی عادة من الاختصاص الطبیعی للبرلمان، لذا فهو لم یتقرر الا بعد تطور لاحق بعد الاستفتاء الدستوری فی البلاد التی تأخذ به. لذا تجری دساتیر هذه الدول التی أخذت باستفتاء الشعب على التشریعات الى عدم الاخذ بهذا الاستفتاء فی شأن بعض القوانین التی تتعلق بسیاسة الدولة الخارجیة أو أمنها أو مالیتها کالقوانین الخاصة بالمعاهدات وبحمایة ألامن والأحکام العرفیة والمیزانیة والضرائب فتبقى هذه القوانین من اختصاص البرلمان وحده ولا یسمح فیها بالاستفتاء الشعبی لما تتسم به من أهمیة أو سریة أو جانب فنی او استعجال.
یتصل النوعان کلاهما بعضهما بالبعض الآخر بوضع قواعد عامة مجردة لتنظیم السلوک فی المجتمع وکلاهما فی الحقیقة استفتاء تشریعی ولکن أحدهما موضوعه تشریع دستوری والآخر موضوعه تشریع عادی. ویقسم الاستفتاء الشعبی من حیث موضوعه الى الأنواع الآتیة:
الفرع الاول/ الاستفتاء الدستوری
الفرع الثانی/ الاستفتاء التشریعی
الفرع الثالث/ الاستفتاء السیاسی
الفرع الأول/ الاستفتاء الدستوری
ویقصد به أخذ رأی الشعب باصدار الدستور وباجراء أی تعدیل علیه. إذ یتمثل فی عرض مشروع الدستور او التعدیل بعد اعداده على التصویت الشعبی للموافقة أو الرفض.
ویکون الاستفتاء الدستوری على نوعین وسنتناولهما على وفق الآتی:
اولا/ استفتاء تأسیس.
ثانیا/ استفتاء تعدیلی.
اولا/ استفتاء تأسیس:
وهو الاستفتاء الذی ینص على مشروع دستور معین لحکم الدولة. فقد یستفتى الشعب فی موضوع معین على قبوله وضع دستور جدید للدولة على نحو معین قبل استفتاء الشعب وذلک ما حدث فی استفتاء الشعب الایطالی بقیام النظام الجمهوری بعد الحرب العالمیة الثانیة فی عام 1946.
ثانیا/ الاستفتاء التعدیلی:
وهو ذلک الاستفتاء الذی تنص بعض الدساتیر على اجرائه لتعدیل أحکامها، سواء بصفة اجباریة ام اختیاریة، وسواء کان صاحب الحق فی اقتراح التعدیل هو احدى سلطات الدولة ام عدد من المواطنین، وسواء تم اعداد التعدیل بوساطة البرلمان أم الحکومة أم المواطنین.
الفرع الثانی/ الاستفتاء التشریعی:
ویراد به استفتاء الشعب حول قانون أو مشروع قانون معین سواءاً کان قانوناً عادیاً أو قانوناً تنظیمیاً – ای القانون الذی یتعلق بتنظیم السلطات العامة.
ویعد الاستفتاء التشریعی المجال الرئیس للاستفتاء الشعبی وتأخذ به أغلب دول العالم اذ أنه یعد وسیلة فعالة لکبح جماح السلطة السیاسیة الحاکمة والاغلبیة المعبرة بمجلس النواب لذا هو أکثر اسالیب الدیمقراطیة تطبیقاً فی دول العالم أیاً کانت الأیدیولوجیة التی ینتهجها نظامها السیاسی.
ونص الدستور الفرنسی لسنة 1958 على أن السیادة الوطنیة للشعب الذی یمارسها بوساطة نوابه وعن بالاستفتاء... جاعلاً للشعب طریقتین لممارسة سیادته هما: المجلس التشریعی والاستفتاء.
وقد حدد الدستور الفرنسی لعام 1958 مجالات الاستفتاء إذ أوجبت بدایة أن یکون الاستفتاء التشریعی بصدد مشروع قانون یتعلق بتنظیم السلطات العامة او یتضمن التصدیق على اتفاقیات تتعلق بالمستعمرات التونسیة أو یهدف الى التصریح للسلطة السیاسیة بالتصدیق على المعاهدات الدولیة التی لا تخالف الدستور وقد تؤثر على سیر المؤسسات وعملها فی الدولة.
ویعد المجال التشریعی من أهم مجالات الاستفتاء وأکثرها ارتیاداً فی العالم وتتنوع صور الاستفتاء التشریعی من حیث موعد الاستفتاء بالنسبة لاعداد التشریع الى نوعین سنتناولها على وفق الآتی :
اولا/ الاستفتاء الاستئذانی.
ثانیا/ الاستفتاء التصدیقی.
اولا/ الاستفتاء الاستئذانی هو الذی یستهدف استطلاع رأی الشعب حول مشروع القانون قبل اصداره ای على المبدأ فحسب.
ثانیا/ الاستفتاء التصدیقی إما هو الذی یکون لاحقاً على القانون یستهدف الحصول على موافقة الشعب.
وهنا یکون الاستفتاء أکثر اهمیة لان القانون یظل مجرد مشروع لا یکتسب قیمته القانونیة الا بعد الموافقة علیه بعد الاستفتاء ویحتفظ الشعب بالجانب الأساس فی عملیة التشریع وهو اقرار القانون او سلطة الموافقة علیه أو رفضه.
الفرع الثالث/ الاستفتاء السیاسی
وهو الاستفتاء الذی یطلب فیه من المقترعین الفصل فی أمر مهم یثیر اختلاف
ولا ینطوی على قاعدة عامة مجردة.
فهذا الاسلوب وان کان یفترض أخذ رأی الشعب فی مسألة تتصل بوضع الدستور، الا انه یستخدم على نحو یضغط على ارادة الشعب لیوافق على ما یستفتى علیه.
أو یعرفه البعض الآخر بأنه استطلاع رأی الشعب بشأن تولی شخص معین لمنصب سیاسی معین، کانتخابه رئیساً للدولة أو أن یبدی الشعب رأیه فی السیاسة التی ینوی رجل السیاسة هذا اتباعها.
لذا فان موضوع هذا الاستفتاء هو شخص معین أو شخص وموضوع یقدمه ذلک الشخص، وقد یکون هذا الموضوع مشروعاً لدستور او تعدیله أو قراراً سیاسیاً او خطة معینة.
ویحصل فی هذا الاستفتاء عندما یلجأ الى الشعب لاخذ رأیه فی موضوع سیاسی أو امر من الامور التی تتعلق بقرار سیاسی او منهج سیاسی یرسم اتجاهات او یجسد موقفاً معیناً. فتقدم السلطة الحاکمة على الشعب قانوناً -بقصد الموافقة علیه أو رفضه- الغایة منه منحها صلاحیات واسعة تتعدى الصلاحیات المحددة لها بالدستور، إذ أن ظاهر هذه الطریقة المحافظة على سلطة الشعب اما باطنها فیرمی الى احالة تلک السلطة الى شخص لامنازع له بالتأیید الشعبی للصلاحیات الهائلة التی یتضمنها القانون، وتستعمل هذه الطریقة فی الحالات العصیبة التی تمر بها احدى الدول او بمناسبة انقلاب یسعى القائمون الى توطید سلطتهم باقامة دکتاتوریة تنفیذیة ولو لمدة مؤقتة.
لان السیادة الشعبیة لا یکون لها دور ایجابی فی حالة الاستفتاء السیاسی بل مجرد دور سلبی، فهی لا تقرر، وانما تقتصر على الموافقة فی ظروف یکون من الصعب علیها ان تفعل غیر ذلک لذا یغیر هذا الاستفتاء الطریق الطبیعی لانشاء دساتیر الحکم المطلق، اذ یتم اجراؤه فی العادة لانتزاع تأیید الشعب لانقلاب معین او للحصول على توقیع الشعب على بیاض لوضع دستور فی المستقبل.
وقد شهدت فرنسا تطبیق الاستفتاء السیاسی فی دستور السنة الثانیة عقب انقلاب 1799 بواسطة نابلیون بونابرت واستفتاء 1802 بشأن استمرار نابلیون قنصلاً اول مدى الحیاة ولم تکن فی مشارکة الشعب جدیة فی هذه الاستثناءات ولم تتوفر لها الضمانات المطلوبة للصحة والنزاهة من حریة ابداء الرأی وسریة التصویت، وعدم التعرض لأیة ضغوط وغیرها من الضمانات الضروریة، وتحاط مشارکة الشعب فی هذه الاستفتاءات بظروف خاصة جعلت من سیادة الامة مجرد مظهر کاذب لاخفاء الحقیقة التی تتمثل فی السلطة الشخصیة لرئیس الدولة.
وطبق هذا النوع من الاستفتاء کذلک فی دول عدیدة وفی ظل نظم حکم مطلقة أو دکتاتوریة، فی المانیا الدیمقراطیة وایطالیا الفاشیة وکثیر من دول العالم الثالث بعد استقلاها وغیرها لاضفاء واجهة کاذبة من المشروعیة والدیمقراطیة على نظمها، ومنها کثیر من بلداننا العربیة وما الماضی منا ببعید وکیف ان نتائج الاستفتاء کانت تصل الى نسبة 99.99%.
یقوم بتنظیم الاستفتاء السیاسی رجل یقصد المحافظة على سلطاته او توسیع هذه السلطات بصورة تشکل فی أغلب الاحیان تناقضاً والوقائع الدستوریة، وقد یتحول الاستفتاء الذی یقوم بتنظیمه رئیس الدولة أو الحکومة الى استفتاء سیاسی لمعرفة شعبیة صاحبه، وقد یشکل بادرة خطرة على المؤسسات الدستوریة وعلى الحریات العامة فی الدول حدیثة العهد بالدیمقراطیة، ودفعت هذه المخاطر بعض الفقهاء فی القانون الدستوری الى وضع بعض المسائل التی من شأنها الحد من مخاطر استعمال الاستفتاء السیاسی بعدم حصر استعماله بشخص واحد کرئیس الدولة او الحکومة وانما بالاتفاق مع هیئة جماعیة او عضو آخر یؤمن التوازن بینه وبین الاول، ویجب استشارة المجالس النیابیة حول المسائل المنوی عرضها على الاستفتاء واقامة حوار بینها وبین الحکومة من شأنه اطلاع الرأی العام على تلک المسائل فضلاً عن ذلک اقامة رقابة مسبقة على مضمون القانون حتى لا یحتوی على نصوص یکتنفها الغموض والالتباس.
وللاستفتاء السیاسی صورة عدة هی:
اولا/ استفتاء التحکیم الشعبی.
ثانیا/ استفتاء تقریر المصیر.
ثالثا/ استفتاء التقسیمات المحلیة.
وسنتناولها على وفق الآتی:
اولا/ استفتاء التحکیم الشعبی:
یستخدم الاستفتاء احیانا أداة لتحکیم الشعب فیما یقوم بین سلطات الدولة أو بین الحکومة والمعارضة من نزاع ویسمى باستفتاء التحکیم. وقد أخذ دستور فایمر الألمانی لعام 1919 بهذا حیث یمکن اقامة الاستفتاء فی حالة النزاع بین أغلبیة مجلس النواب وأقلیته او بین هذا المجلس والمجلس الامبراطوری او بین رئیس الرایخ والبرلمان.
ثانیا/ استفتاء تقریر المصیر:
وهو الاستفتاء الذی یجری لتخییر شعب من الشعوب بین الاستقلال او التبعیة لدولة من الدول او الاتحاد معها. ولهذا الاستفتاء صلة وثیقة بالاستفتاء الدستوری لانه ان لم ینصب مباشرة على اتخاذ دستور جدید یتعلق بالاختیار بین قیام دولة جدیدة یلزمها دستور جدید وبین البقاء مستعمرة او جزءاً من دولة لیس له کیان دول مستقل، ومن أمثلة هذا النوع الاستفتاء الذی جرى فی النصف الثانی من مایو 1980 فی مقاطعة کیبک الکندیة للاختیار بین الانفصال عن کندا وبین البقاء فی إطار الدولة الاتحادیة.
ثالثا/ استفتاء التقسیمات المحلیة :
یتعلق هذا الاستفتاء بادماج عدد من الوحدات المحلیة فی الدولة نفسها او تعدیل الحدود بینها، ویطلق علیه بالاستفتاء الاداری.
المطلب الثانی
الاستفتاء من حیث وجوب اجرائه
ینقسم الاستفتاء الشعبی من حیث وجوب اجرائه الى نوعین وسنتناولهما فی فرعین على وفق الآتی:
الفرع الاول/ الاستفتاء الاجباری.
الفرع الثانی/ الاستفتاء الاختیاری.
وسنتناولهما وعلى النحو الآتی:
الفرع الاول/ الاستفتاء الاجباری:
اذا ما نص الدستور فی بلد ما على وجوب الوقوف على رأی الشعب فی موضوع من الموضوعات او شأن من الشؤون العامة أو مسألة من المسائل الدستوریة والتشریعیة وتلزم السلطة فی الدولة باجراء هذا الاستفتاء ولا خیار لها فیه، وهو یسمى بالاستفتاء الاجباری، فتکون السلطة التشریعیة ملزمة بعرض الموضوع على الشعب لاستفتائه فیه.
ولا یأتی نص الدستور بشکل صریح ومباشر وانما یمکن أن یأتی بشکل ضمنی وغیر مباشر، کما هی الحال فی الاعتراض الشعبی والاقتراح الشعبی، ویستمر نفاذ المعترض علیه فی الاعتراض الشعبی من الناخبین الى ان یعرض على الاستفتاء الشعبی، ویکون اجراء الاستفتاء اجباریاً وتلک الحال فی الاقتراح الشعبی إذ یکون اجراء الاستفتاء النتیجة اللازمة لنظام الاقتراح الشعبی.
الفرع الثانی/ الاستفتاء الاختیاری:
قد یکون اجراء الاستفتاء اختیاریاً بأن یتوقف الدستور بهذا الاجراء على ارادة السلطة والجهة التی یحددها فیبیح لها حق الالتجاء الیه ویترک لها جوازاً امر اجراء هذا الاستفتاء، فقد یجعل الدستور اجراء الاستفتاء مثلاً أمرا اختیاریاً یتوقف على ارادة رئیس الدولة أو البرلمان بأن یبیح الالتجاء الیه بناءً على طلب رئیس الدولة او البرلمان او عدد معین من اعضائه، وقد یجعل الدستور اجراء الاستفتاء متوقفاً على رغبة الحکومة او بناءً على طلب عدد معین من الناخبین یحدده الدستور، لذا یکون أمر اجراء الاستفتاء الاختیاری جوازاً للسلطة والجهة التی یحددها الدستور إذ تقره على وفق سلطتها التقدیریة فلها ان تلجأ الى الاستفتاء أو لا تلجأ الیه على وفق مشیئتها من دون اجبار علیها فی هذا الشأن.
ویجد البعض ان الاستفتاء الاختیاری الذی تجریه السلطة التشریعیة لا یعد مظهراً من مظاهر الدیمقراطیة شبه المباشرة لانه لا یجری الا بناءً على رغبة البرلمان ومن ثم لا یستطیع الشعب ان یتدخل بشؤون السلطة التشریعیة الا اذا سمحت هی بذلک، وهی بالتأکید لا تسمح للشعب التدخل فی اختصاصها الا عندما یکون رأیه موافقاً لرأیها، ومن ثم فان تدخل الشعب فی هذه الحالة لا تکون له أیة فائدة حقیقیة، ولم یتفق البعض الآخر مع هذا التقدیم وقالوا بان الاستفتاء یعد من مظاهر الدیمقراطیة شبه المباشرة تتجلى فیه الارادة الشعبیة من دون ان تنقاد وراء ارادة ورغبة السلطة التشریعیة ویؤکد ذلک البعض فتأتی مخالفة لارادة السلطة التشریعیة، فلا تقابل هذه الاستفتاءات بالقبول الدائم من الشعب، یرفض الشعب بعضه ومنها استفتاء الشعب السویسری فی عام 1978 بشان اقتراح انشاء قوة بولیسیة فیدرالیة.
المطلب الثالث
انواع الاستفتاء من حیث قوته الالزامیة
ینقسم الاستفتاء من حیث إلزام السلطات المختصة بنتیجته الى استفتاء ملزم واستفتاء استشاری ومزدوج وسنتناولها فی الفروع الآتیة :
الفرع الأول/ الاستفتاء الملزم الاجباری.
الفرع الثانی/ الاستفتاء الاستشاری.
الفرع الثالث/ الاستفتاء المزدوج.
الفرع الاول/ الاستفتاء الملزم – الاجباری :
قد یحتم الدستور وجوب أخذ رأی الشعب فی أمر من الامور یکون الاستفتاء اجباریاً، الذی ینص الدستور على وجوب اجرائه إذ یتعین على سلطات الدولة عرض الموضوع او الامر على الشعب لاستفتائه فیه، من دون أن یکون لهذه السلطات أیة ارادة فی أمر اجراء هذا الاستفتاء من عدمه، فهی تلزمة باخذ رأی الشعب على سبیل الوجوب ما دام الدستور قد قضى بذلک، ومثال ذلک أن ینص الدستور على ضرورة استفتاء الشعب فی أمر تعدیل الدستور إذ لا یمکن اقرار التعدیل الا اذا استفتی الشعب فی ذک ففی هذه الحالة یعد الاستفتاء اجباریاً إذ یتحتم اجراؤه بأخذ رأی الشعب فی أمر هذا التعدیل. ویلحظ ان الحکومات الدیمقراطیة لا تخالف رأی الشعب حتى ولو کان استشاریاً.
ویکون هذا الاتجاه الذی یلزم الجهات المعنیة بالنتائج المترتبة على الاستفتاء أکثر تحفظاً للمعنى الحقیقی للمشارکة الاستفتائیة، لأن من شأنه أخذ مشارکة المواطنین مأخذ التطبیق الفعلی إذ نجد صداها فی القوانین او السیاسات العامة التی تزمع تطبیقها او اتباعها، ویبرز فیها دور الشعب وسیادته.
الفرع الثانی/ الاستفتاء الاستشاری:
وهذا النوع من الاستفتاء على العکس تماماً من الاستفتاء الملزم، إذ لا تکون فیه النتیجة المترتبة على اجراء الاستفتاء أیة حجة قانونیة ملزمة للسلطات العامة فی الدولة او الجهة المعنیة التی دعت الى اجرائه. والنتیجة المترتبة على اجراء الاستفتاء تکون ذات طبیعة استشاریة الأمر الذی یفقد بکل تأکید دور المشارکة الاستفتائیة للشعب قیمتها الحقیقیة، وتتحول الى مجرد وسیلة لاستطلاع الرأی العام ونتائجها الى مؤشرات تستأنس بها السلطات العامة للدولة فی التشریعات التی تزمع اصدارها أو السیاسات والتدابیر التی تنوی اتخاذها.
وعلى الرغم من ندرة استعمال الاستفتاء الاستشاری، إذ یزخر الفقه الانجلوساکسونی بأمثلة عدیدة لهذا النوع من الاستفتاء ولاسیما فی الدول الاسکندنافیة لعل اهمها أن الاستفتاء الاستشاری ادخل فی الدستور السویسری عام 1992 فی فترة الحملة الانتخابیة بتحریم المشروبات الکحولیة وطبق الاستفتاء لأول مرة فی السنة ذاتها لاجل استطلاع رأی الناس بخصوص اصدار قانون حظر بیع المشروبات الکحولیة ولم یطبق حتى 1955، وطبق الاستفتاء الاستشاری فی الترویج فی بعض الولایات الامریکیة والکندیة.
الفرع الثالث/ الاستفتاء المزدوج:
وهو الاستفتاء الذی یقوم على الأخذ بالاتجاهین السابقین کلیهما فی آن واحد، ای جعل نتیجة الاستفتاء ذات طبیعة تلزم فی بعض المسائل والامور، فی حین تکون نتیجة الاستفتاء ذات طبیعة استشاریة غیر ملزمة للسلطات العامة فی الدولة او الجهة المعنیة التی قامت بالدعوة للمشارکة الاستفتائیة فی بعض المسائل فی الظروف الاخرى.
ولیس هذا النوع من الاستفتاء نظریاً بحتاً وانما هو نظام یطبق فی بعض الولایات الأمریکیة التی تاخذ النظام الاستفتاء الاجباری الملزم وتطبق معه نظام الاستفتاء الاستشاری او کما یعبر عنه الفقیه الامریکی ستیفن لی کوک بنظام التصویت المباشر إذ یتم اجراء هذا الاستفتاء بالاستناد الى قانون عام الولایة او بالاستناد الى الصلاحیات الضمنیة فی میثاق المدینة او بناء على تخویل بموجب نص صریح یتضمن هذا المیثاق.
المطلب الرابع
أنواع الاستفتاء من حیث وقت استعماله
ینقسم الاستفتاء من حیث وقت أو موعد اجرائه الى استفتاء سابق أو استفتاء لاحق وسنتناولهما على وفق ما یأتی:
الفرع الاول/ الاستفتاء السابق.
الفرع الثانی/ الاستفتاء اللاحق.
وسنتناولهما على وفق یأتی:
الفرع الأول/ الاستفتاء السابق:
قد ینص الدستور على ضرورة الالتجاء للاستفتاء الشعبی قبل إقرار السلطة التشریعیة (البرلمان) للقانون فیکون الاستفتاء فی هذه الحالة استفتاءً سابقاً على اقرار القانون.
ففی هذه الحالة لا یصوت البرلمان على القانون أو لا تتداول الحکومة بالقرار المنوی تقدیمه على الاستفتاء الشعبی قبل اجراء هذا الاستفتاء وهی حالة نظریة برمتها.
وغایة القصد أن هذا الاستفتاء هو استشارة الشعب بموضوع ما مثل قضیة معینة أو قانون قبل المصادقة علیه من الجهة المختصة للتعرف على اتجاهات الرأی العام، وقد أخذ بهذا الدستور الفرنسی السابق 1959.
الفرع الثانی/ الاستفتاء اللاحق:
ویقصد به أخذ رأی الشعب فی موضوع ما بعد مصادقة السلطات المختصة له واقراره، فاذا کان محل الاستفتاء مشروع قانون، فان هذا القانون یکون قانوناً کامل الصیاغة ومقراً من البرلمان، ولکن یعلق نفاذه على استفتاء الشعب، ویشبه حق الاستفتاء حق التصدیق المعترف به لرئیس الدولة.
ولا تؤدی مصادقة الجهات المختصة لوحدها الى نفاذ القانون ولا بد من اقترانها بالمصادقة الشعبیة بالاستفتاء لیصبح القانون نافذاً لذا یطلق علیه البعض بالاستفتاء التصدیقی.
ویعد البعض الاستفتاء اللاحق أفضل من الاستفتاء السابق، لان الشعب فیه یستفتى على قانون کامل الصیاغة خلافاً للاستفتاء السابق الذی ینص على مبدأ أو فکرة القانون فحسب وهو ما یتیح للبرلمان فرصة التلاعب بصیاغة القانون بما یحقق رغباته ویعارض رغبات الشعب بالتلاعب بصیاغة الالفاظ وتقدیم الکلمات وتأخیرها ولا سیما ان غالبیة الشعب تفتقر الى الخبرة القانونیة التی تؤهله لتمییز ما یعنیه هذا اللفظ.
المبحث الثالث
تمییز الاستفتاء الشعبی عن الأنظمة الأخرى
ارتبطت کلمة الاستفتاء بمعانٍ عدیدة، واختلطت عند کثیر من الناس خطأً بکلمات أخرى ذات معانٍ مغایرة لوجود شیء من التقارب او التشابه الحقیقی بینهما بوصفها جمیعاً انظمة انسانیة تتصل بما یمثل الحکم فی الدولة وتشترک فی کون الشعب هو صاحب الاختیار فیها ولو نظریاً.
لذا فاننا سنتناول بالبحث فی هذا المبحث موضوع التفریق بین الاستفتاء والأنظمة ألاخرى على وفق الآتی :
المطلب الاول / تمییز الاستفتاء عن الانتخاب.
المطلب الثانی/ تمییز الاستفتاء عن البیعة.
المطلب الثالث/ تمییز الاستفتاء عن الاقتراح والاعتراض الشعبی.
وسنتناولها على وفق الآتی:
المطلب الأول
تمییز الاستفتاء الشعبی عن الانتخاب
ولئن کان هناک رابط بین الاستفتاء الشعبی والانتخابات وهو کونهما ینطلقان من سلطة التصویت (Lepovoir suffrage) التی تعد وسیلة التعبیر عن الارادة الشعبیة لاسناد السیادة فی الدولة سواء من خلال ممارسة السلطة بالاستفتاء الشعبی أو باسناد السلطة بالانتخاب، ویعنی کلاهما إشراک الشعب فی مسألة الحکم وممارسة حقه فی استرداد السیادة وإسنادها الى من یتولى أمرها.
ویعرف الانتخاب بانه اختیار الناخبین لشخص أو أکثر من بین عدد من المرشحین لتمثیلهم فی حکم البلاد. وإذا کان الانتخاب ینطوی على معنى الاستفتاء من الناحیة اللغویة لانه یتضمن طلب رأی الناخبین فی المرشحین، فانه یختلف عن الاستفتاء فی مفهومه القانونی لتعلقه باختیار بین اشخاص.
ویختلف الاستفتاء الشعبی عن الانتخاب فی نواحی عدیدة هی:
- ان مجال عمل الاستفتاء هو الوصول الى رأی الشعب اما فی شخص الحاکم او فی القوانین التی تحکمه، فی حین یعد الانتخاب وسیلة یتمکن الشعب فیها من اختیار ممثلیه بالهیئة النیابیة التی تنوب عنه فی ممارسة السلطة.
- للاستفتاء الشعبی طریقة واحدة مؤداها ان یدلی الناخب برأیه فی الموضوع المطروح إما بالموافقة (نعم) أو بعدم الموافقة (لا) بعکس الانتخاب إذ تتعدد أشکاله وصوره ویجد الناخب امامه أکثر من خیار، ویستطیع اختیار أکثر من ناخب من أکثر من اتجاه.
- تکون نتیجة الاستفتاء حاسمة اما برفض موضوع وإما باقراره، ولا تحسم نتیجة الانتخابات المنافسة المقدمة بین المرشحین.
- یتمیز الاستفتاء بالطابع العام إذ یشمل افراد الشعب کافة الذین یحق لهم الادلاء بالصوت فضلاً عن شموله لاقلیم الدولة کافة بل قد یتجاوز الاقلیم الى رعایا الدولة فی الدول الاخرى الذین یعبرون عن رأیهم بشعارات الدولة بالخارج أو بالوسائل الالکترونیة الحدیثة، فی حین تتسم الانتخابات بالطابع المحلی المحدود، إذ تختار کل مقاطعة محددة فی الدولة من یمثلها فی الهیئة النیابیة ولا یتعدى رأیها حدود المقاطعة او الاشخاص المطروحة.
- ویسوغ أحد الفقهاء التفریق بینهما إذ یعد الاستفتاء الشعبی فرعاً من فروع الدیمقراطیة شبه المباشرة فی حین یجد ان النظام الانتخابی وسیلة دیمقراطیة نشأت فی ظل النظام النیابی وتأیید بأن الاستفتاء الشعبی یمثل نظاماً دیمقراطیاً فی حین یمثل الانتخاب نظاماً یفترض أنه دیمقراطی وان کانا یعملان لتحقیق هدف واحد مشترک هو تمکین الشعب من حقه فی المشارکة فی الحیاة السیاسیة واقامة نظام دیمقراطی من شأنه أن یجعل مقالید السیادة واسناد السلطة بید الشعب.
- تعد مهمة الناخب من حیث صعوبة الاختیار او سهولته فارقاً یمکن فیه التمییز بین الاستفتاء الشعبی والانتخابات لأن الأول یتمیز بالسهولة إذ لا یحتاج من الناخب سوى الاجابة –بنعم- أو –لا- فی حین یصعب الاختیار بالنسبة للانتخاب إذ یکون اختیار المرشح على وفق أکثر من معیار فقد یکون شخصه أو برنامجه أو حزبه أو ایدیولوجیته او غیرها.
المطلب الثانی
تمییز الاستفتاء عن البیعة
یتم اختیار حکام المسلمین أو أمیر المؤمنین أو خلیفة الرسول الکریم (r) فی الدولة الاسلامیة أیام الخلافة الراشدة بالبیعة وهی طریقة ممیزة لاختیار رئیس الدولة الاسلامیة. تلعب الصلاحیة والتقوى دوراً بارزاً فی تحدید المرشحین لها واصحاب الاختیار فیها، فلم یقید الله سبحانه وتعالى الناس بطریقة معینة فی اختیار حکامهم وترکهم احراراً فی تحدید الطریقة التی تتفق وظروفهم وتحقق مصالحهم، واکتفى جل شأنه بأن أوصى الحاکم بالعدل وأوصى المحکومین بالطاعة. فیقول سبحانه وتعالى ((إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُکُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَکَمْتُمْ بَیْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْکُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُکُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ کَانَ سَمِیعًا بَصِیراً (58) یَاأَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ)).
والبیعة هی لفظ استعمل للعهد القائم بین الحاکم والمحکوم عند اختیار المحکومین لحاکمهم والذی یدل صراحة على التعاقد وفی ذلک یقول ابن خلدون فی "المقدمة" اعلم ان البیعة هی العهد على الطاعة وکأن الناس اذا بایعوا الأمیر وعقدوا عهده جعلوا أیدیهم فی یده تأکیداً للعهد فأشبه ذلک فعل البائع والمشتری فسمی بیعة.
والبیعة عقد حقیقی یتم بایجاب بین الطرفین وقبولهما، وبما أن الحاکم مبایع من الناس والبیعة عقد اجتماعی بین الحاکم والناس یلتزم کل طرف بتنفیذ التزامه لذا یتبین مدى دیمقراطیة الاسلام.
ولقد میز بعض الفقهاء بین المبایعة والبیعة، لأن بایع على وزن فاعل من أفعال المشارکة التی یفترض فیها وجود فریقین لکل منهما حقوق وعلیه واجبات، وکما قلنا سابقاً ان البیعة عقد مبرم بین المرشح للخلافة أو رئاسة الدولة وبین الأمة تتمثل فی أهل الحل والعقد یتعهد فیه المرشح بأن یتولى شؤون الأمة ویرعى مصالحها وتتعهد فیه الأمة بالسمع والطاعة إذ یستمد الخلیفة سلطته.
واذا کانت نظریة العقد الاجتماعی -التی قیل بها فی الفقه الغربی أساساً لسلطة الحکومة ومصدر للشرعیة فی الدولة- أقیمت على مجرد افتراض نظری، فان عقد البیعة بین الأمة والحاکم قد قام قبل ذلک بقرون على اساس حقیقة واقعة لا خیال فیها ولا افتراض.
وتختلف البیعة عن الاستفتاء الشخصی فی مظاهر عدیدة هی:
- طلب الرئاسة:
یتطلب اختیار خلیفة المسلمین فی العهد الراشدی من أهل الحل والعقد ان یتفحصوا أحوال أهل الامامة فیقدموا منهم أکثرهم فضلاً, وأکملهم شروطاً، فاذا تعین لهم من بین الجماعة من أداهم الاجتهاد الى اختیاره عرضوها علیه. فان أجاب لها بایعوه علیها وانعقدت له الامامة ببیعتهم ولزم کافة الأمة الدخول فی بیعته والانقیاد لطاعته، وان امتنع عن الامامة ورفض قبولها فانهم لا یفرضون علیه قبولها وانما یعدل الى من سواه من مستحقیها فیبایعونه.
ولقد وردت البیعة فی القرآن الکریم فی مواضع عدیدة منها قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِینَ یُبَایِعُونَکَ إِنَّمَا یُبَایِعُونَ اللَّهَ یَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّمَا یَنْکُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَیْهُ اللَّهَ فَسَیُؤْتِیهِ أَجْرًا عَظِیمًا))، وقوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِیَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِینَ إِذْ یُبَایِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِی قُلُوبِهِمْ)).
یسعى المرشح فی الانتخاب والاستفتاء الرئاسی الى الرئاسة ویطلب من الشعب الموافقة على قبولها الذی یحدث عملاً فی الدول المتخلفة هو ان یبذل المرشح وهو صاحب السلطة الفعلیة فی الدولة الجهود والمحاولات والحیل کلها للحصول على موافقة ولو صوریة من الشعب لاضفاء مظهر الشرعیة على رئاسته، ویتم الترشیح فی البیعة من دون طلب أو اصدار من المرشح فأهل الحل والعقد هم الذین یرشحون من یجدونه أهلاً للخلافة ویعرضونها علیه.
- شروط الترشیح:
تکون المقارنة بین الشروط الواجب توفرها فی المرشح للانتخاب، ای الاستفتاء الشخصی فی الأنظمة الحدیثة وبین ما یقابلها فی نظام البیعة الاسلامی فیما یأتی:
أ. التمتع بالحقوق المدنیة والسیاسیة :
یشترط فی المرشح للرئاسة فی الأنظمة الحدیثة أن یتمتع بالحقوق المدنیة والسیاسیة والشروط نفسها مطلوبة فی المرشح للبیعة وعبر عن ذلک فقهاء الشریعة أن یکون فی المرشح اکتمال العقل منزهاً عن الجرائم والشبهات.
ب. السن أو العمر:
تشترط الأنظمة الدستوریة المعاصرة فی المرشح لرئاسة الدولة أن یکون قد تجاوز من العمر سناً معینة، وتتراوح بین 30-40 سنة لضمان أن یکون لدى المرشح الحد الأدنى من الخبرة والحنکة ویشترط فی المرشح للبیعة أن یکون قد بلغ مبلغ الرجال.
جـ. الجنسیة والانتماء القبلی:
تشترط معظم الدساتیر فیمن یرشح لرئاسة الدولة أن یکون متمتعاً بجنسیتها، اما فی البیعة الاسلامیة فیشترط بعض الفقهاء ان یکون المرشح قرشیاً فی الصحیح استناداً على قول الرسول (r) "الأئمة من قریش بقی منهم اثنان". ویختلف الفقهاء فی هذا الشرط ، وأساسه فی عدم القطع بصحة النص الوارد فیه لمعارضته لنصوص کثیرة وردت بالغاء اعتبار الانسان والاعتماد على الاعمال، والنهی على من دعا الى عصبیة.
د. الجنس أو الرجولة:
لا تشترط أغلب دساتیر العالم فی المرشح لرئاسة الدولة او رئاسة الحکومة أن یکون رجلاً، فی حین تشترط الشریعة الاسلامیة فی المرشح للخلافة أن یکون رجلاً فلا یجوز تولی النساء رئاسة الدولة الاسلامیة، لقوله تعالى ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)).
هـ. العلم:
لا تشترط الدساتیر الحدیثة فی المرشح لرئاسة الدولة عادة التمتع بقسط وافر من العلم الدینی أو الدنیوی وکثیر من الرؤساء کانت معلوماتهم ضحلة لدرجة تثیر التساؤلات، فی حین کان یشترط فیمن یبایع للخلافة أن یکون من المجتهدین العالمین بأحکام الشریعة الإسلامیة المحیطین بکتاب الله تعالى وسنة رسوله والعلم بشؤون الدنیا وأحوال الدولة.
و. العدالة:
لا یشترط فی المرشح لرئاسة الدولة فی أنظمة الحکم الحدیثة ان یکون عادلاً أو تقیاً ویترک الامر للصدفة أو الظروف. أما فی الشریعة الاسلامیة فیشترط فی المرشح للبیعة أن یکون على قدر کاف من التقوى أو العدالة حتى یخشى الله تعالى فی حکمه الناس واستخدامه لامتیازات السلطة ورعایة مصالح الناس وتجنب الإساءة الیهم.
- أهل الاختیار:
یکون الشخص فی الاستفتاء الناخبین تطبیقاً لنظام الاقتراع العام المباشر، إلا أن جمهور الناخبین فی البلاد المتخلفة تسیطر على اغلبیته الأمیة والانقیاد مما یسهل سیطرة الحکومة علیه والحصول على موافقته على مرشح السلطة من دون تفکیر بصرف النظر عن صلاحیته واخلاصه.
اما فی البیعة فهم صفوة القوم وعلماؤه، هم أهل الحل والعقد والاجتهاد، هم المفکرون الذین یحسنون اختیار المرشح الصالح لتولی مهام الخلافة وهؤلاء یقومون بما یسمى بالبیعة الخاصة وتقوم جماعة المسلمین من بعدهم بمبایعة المرشح وتسمى بالبیعة العامة.
- مدة الرئاسة:
استقرت القاعدة فی تقالید المسلمین هی عدم تأقیت الخلافة بمدة معینة وتکون مبایعة الخلیفة لمنصبه مؤیدة خلافاً لرئاسة الجمهوریة من النظم المعاصرة إذ تتحدد مدة رئاسة الرئیس بمدة زمنیة معینة وبانتهاء تلک المدة یعاد انتخابه او انتخاب غیره.
- مدى الولایة:
یکون رئیس الدولة فی الاستفتاء الشخصی رئیساً دنیویاً زمنیاً فحسب لا علاقة له بالرئاسة الدینیة، فی حین یکون خلیفة المسلمین فهو رئیساً دینیاً ودنیویاً معاً لأن الخلافة هی رئاسة عامة فی أمور الدین والدنیا نیابة عن الرسول (r). ویخلف الإمام النبی (r) فی حراسة الدین وحمایته وفی سیاسة الدنیا بهذا الدین.
- طبیعة العلاقة:
تکون العلاقة فی البیعة علاقة عقدیة یحکمها عقد البیعة وتتحدد على وفق مبدأ التعاقد الدستوری، فی حین أن العلاقة بین الرئیس والمقترعین فی الاستفتاء الشخصی علاقة تنظیمیة ینظمها الدستور.
المطلب الثالث
تمییز الاستفتاء عن الاقتراح والاقتراع الشعبی
یتمیز الاستفتاء الشعبی عن غیره من الوسائل التی یمکن للشعب أن یمارس فیها سلطة الحکم بارادته المشترکة کالاقتراح الشعبی والاعتراض الشعبی وسنتناولهما على وفق الآتی.
یکون الاقتراح الشعبی لعدد معین من الناخبین فی اقتراح مشروع قانون وتقدیمه الى البرلمان الذی یلتزم بمناقشته والبت فیه ویأخذ صورتین هما:
الأولى/ صورة الاقتراح المفصل الذی یصاغ فی شکل مشروع قانون محدد ویقسم الى مواد.
الثانیة/ صورة الاقتراح غیر المفصل او غیر المبوب وهو یقتصر على بیان الموضوع أو المبدأ او الفکرة التی یراد التشریع على وفقها ویترک للبرلمان مهمة اعداد مشروع القانون بالکامل.
وقد یقترن الاقتراح الشعبی بنظام الاستفتاء عندما یتطلب الدستور لکی یصبح المشروع المقترح من الشعب نافذاً ضرورة أن یوافق علیه الشعب فی استفتاء عام بعد إقراره من جانب البرلمان، واذا لم یتطلب الدستور ذلک فان مشروع القانون المقترح من الشعب یعرض على البرلمان لاقراره ویصبح باصداره له قانوناً واجب النفاذ.
ویلتقی الاستفتاء الشعبی مع الاقتراح الشعبی فی کونهما یجدان مرجعهما فی ممارسة الشعب لحریته السیاسیة بالدیمقراطیة شبه المباشرة فضلا عن أن الاستفتاء الشعبی یلتقی مع الاقتراح الشعبی فی کونهما یعبران عن الإرادة الحرة لافراد الشعب وهو ما یسمح للاقتراح الشعبی یتولى فی داخل الاطار العام للاستفتاء الشعبی، ویتولى الاقتراح الشعبی ینتهی فی نهایة المطاف الى استفتاء شعبی عند اعادة عرض القانون بعد إقراره او اصداره من المجلس النیابی على الشعب لیبدی رأیه فی القانون بالموافقة او عدم الموافقة بالاستفتاء الشعبی.
ویتمیز الاستفتاء الشعبی عن الاعتراض الشعبی فیما یأتی:
یعرف الاعتراض الشعبی بأنه حق یمنح لعدد معین من الناخبین فی فترة زمنیة معینة فی بالاعتراض على قانون أصدره البرلمان. ویترتب على ذلک أنه اذا لم یستعمل الناخبون حقهم فی الاعتراض من المدة التی عینها الدستور سقط حقهم فی ذلک ویعد هذا بمثابة الموافقة الضمنیة على القانون الذی أصدره البرلمان.
اما اذا تقدم الناخبون بالاعتراض فلا یترتب على ذلک سقوط القانون وانما یتعین على البرلمان عرضه على الشعب لاستفتائه فیه، لذا یعد الاستفتاء الشعبی هنا نتیجة محتومة للاعتراض الشعبی، ولا یعدو الاعتراض الشعبی أن یکون طلب موجهاً من عدد معین من الناخبین بوجوب عرض القانون المعترض علیه للاستفتاء الشعبی، ومن ثم یتوقف مصیر القانون على نتیجة الاستفتاء.
وعلى هذا النحو یختلف الاعتراض الشعبی عن الاستفتاء الشعبی إذ یعرض فی الاستفتاء الشعبی القانون على الشعب لاستفتائه فیه بالموافقة أو بالرفض مع ما یترتب على رفض الشعب للقانون من عدم نفاذه، ویظل القانون المعترض علیه فی الاعتراض الشعبی موقوفاً نفاذه طیلة فترة الاعتراض التی حددها الدستور، فاذا لم یعترض علیه یعد إقراراً ضمنیاً من جانب الشعب بالموافقة علیه.
وهکذا یبدو ان الاعتراض (الفیتو) الشعبی من الوجهة الدیمقراطیة بدرجة أدنى من الاستفتاء العام والالزامی بما یتعلق بکل قانون او قرار صادر عن السلطات المختصة.
ویختلط الاعتراض الشعبی الى حد کبیر بالاستفتاء الاختیاری اللاحق الذی یتم بناءً على طلب عدد من الافراد، ویستفتى الشعب فی الحالتین کلتیهما على قانون لطلب عدد من الناخبین او نتیجة لاعتراضهم، ویشتد التشابه اذا لم تفرق الدساتیر بینهما فی کیفیة حساب عدد الاصوات. وان کان الغالب انها تقرر التفریق، ففی الاستفتاء الاختیاری یحسب الموافقة على القانون لذا لا یعد الممتنعین عن التصویت من الموافقین، اما فی الاعتراض الشعبی فالحساب ینصب على عدد الاصوات المعارضة للقانون لذا یعد الممتنعین عن التصویت من بین الموافقین على القانون.
المطلب الرابع
تمییز الاستفتاء عن الشورى
الشورى فی الاسلام هی طرح موضوع عام لم یرد بشأنه نص قاطع فی القرآن الکریم والسنة النبویة على الأمة تتمثل فی علمائها، للمناقشة وتبادل الآراء والحجج بحثاً عن الحکم الصحیح الموافق لأحکام الشریعة الاسلامیة.
والشورى أصل مهم من أصول الشریعة یهدف الى تحری المصلحة العامة وإشراک الناس فی شؤون حکمهم، إذ تؤدی الى اظهار أفضل الحلول للمسائل العامة بعد تقابل الآراء المختلفة وظهور أوجه واسباب الخلاف بینها وما ینطوی علیه کل منها من فوائد ومثالب فی ضوء أحکام الشریعة الإسلامیة، وضرورة للحفاظ على الترابط والتضامن فی المجتمع الإسلامی وضرورة لالتزام المسلمین بطاعة أولیاء أمورهم.
فاذا اشترک الاستفتاء والشورى فی کونهما یتمثلان بصفة عامة فی طلب الرأی من أهله فی امر من الامور العامة إلا أنهما یختلفان فی الأمور الآتیة:
- من حیث أهل الرأی:
یکون أهل الرأی فی الاستفتاء أو الذین یدلون باصواتهم الناخبین کافة، إذ یطبق نظام الاقتراع العام، فلا یشترط فی الناخب شرط العلم أو المال أو الانتماء الطبقی بحجة أن هذا النظام أقرب الى الدیمقراطیة والسماح لعدید من المواطنین الذین لیس لهم العلم الکافی بموضوع الاستفتاء بالحکم على ما لا یعلمون ویؤدی فی الدول المتخلفة الى انقیاد کثیر من المواطنین وراء ما تراه الحکومة من دون تفکیر أو تدبر لانخفاض الوعی او ضعف الخلق.
ویکون أهل الرأی فی الشورى أهل الحل والعقد أو اهل الاختیار وهؤلاء هم صفوة القوم وخیرة ابنائه من الفقهاء والعلماء أو المعارف وأهل الخبرات الذین یحسنون الحکم على المسائل موضوع الشورى بحکم تکوینهم ودرایتهم.
- من حیث موضوع الرأی:
یکون موضوع الرأی فی الاستفتاء موضوع عام یراد اتخاذ موقف فیه أو قرار فیه ایا کان مجاله من دون التقید بأحکام سابقة أو قواعد لا یجوز المساس بها الا احکام أو قواعد دستور الدولة.
وینحصر موضوع الرأی فی الشورى فیما لم یرد بشأنه نص قاطع فی الکتاب الکریم والسنة النبویة لانه لا اجتهاد فی مجال الاحکام السماویة إذ تتقید سلطة التشریع فی الاسلام بما أتى به هذا الدین السمح من قواعد واحکام وغالباً ما یتعلق موضوع الشورى بامر دنیوی مثل الحرب.
- من حیث حدود الرأی:
لیس لصاحب الرأی فی الاستفتاء غیر الموافقة على موضوعه أو رفضه کما هو معروض علیه من دون مناقشة أو تفسیر أو ادخال تعدیلات او اضافات الیه، او اقتراح حلول جدیدة، ونادراً ما یطلب من المقترع فی الاستفتاء الاختیار بین بدائل عدیدة.
أما فی الشورى فلأهل الرأی بحث موضوع الشورى بأکمله فلهم الموافقة على ما یقترح علیهم أو رفضه أو تعدیله ولهم مناقشة وانتقاء الحلول المقدمة بشأنه وتقدیم الاقتراحات البدیلة غیر أنهم یلتزمون باحکام الشریعة الإسلامیة فی اجتهادهم فلا یستطیعوا تقدیم اقتراح أو حکم لمسألة یخالف هذه الاحکام ویقتصر دورهم فی استنباط حکم الشریعة فی المسألة موضوع البحث.
المبحث الرابع
مبدأ السیادة الشعبیة
المطلب الأول
نشأة مبدأ سیادة الشعب
یعد مبدأ سیادة الشعب من المبادئ الدیمقراطیة التی ظهرت بوصفها فکرة فلسفیة نظریة ثم تطورت بعد ذلک الى أن أصبحت مبدأً قانونیاً یعترف بها فی معظم دساتیر دول العالم، وتعد فکرة الشعب بوصفه صاحب السیادة ومصدر السلطة قدیمة قدم الفکر السیاسی، إذ تعود الجذور التاریخیة لهذا المبدأ الى الدیمقراطیة القدیمة التی ظهرت فی الیونان، وطبقت الفکرة الدیمقراطیة فی المدن الیونانیة القدیمة ولا سیما دولة مدینة اثینا، إذ کان یقیم نظام الحکم محل جمعیة المواطنین او ما یطلق علیها (الاکلیزیا) افراد الشعب جمیعهم الذین تتوفر فیهم شروط العضویة الیها ویشمل طبقة الافراد الذین لهم السلطة فی وضع القوانین.
ونادى کثیر من فلاسفة الاغریق بفکرة الدیمقراطیة. وقد ذکرها افلاطون بقوله "مصدر السیادة هی الارادة المتحدة للمدینة"، وعبر عنها ارسطو بقوله "السلطة تنبع من الجماعة ولا تنبع من شخص الحاکم ذاته".
والدیمقراطیة فی الأصل کلمة یونانیة مشتقة من کلمتین (دیوموس) وإذ تعنی سلطة الشعب و(کراتوس) ای الحکم أو الحکومة او السلطة، وقد عرفها مونتسکیو بقوله "الدیمقراطیة هی بهذه ملک الشعب کهیئة فی الجمهوریة السلطة السیدة".
ثم انتقلت فکرة الدیمقراطیة الى الرومان، إذ عرفت روما القدیمة فی عهدها الملکی وعهدها الجمهوری مبدأ الحکم الدیمقراطی بلجانها ومجالسها الشعبیة الى أن جاء القیاصرة فاستأثروا بالسلطان فاصبح الحکم فردیاً مطلقاً.
وللدیانات السماویة نصیب کبیر ومتدرج فی تغذیة فکرة الدیمقراطیة والدعوة الیها، فلم تأخذ الدیانة النصرانیة بشکل مباشر بالمبدأ الدیمقراطی لانها ربطت الدیمقراطیة بدعائم اخلاقیة وأخذت بنظریة الحق الالهی المباشر کما جاء فی نظریة القسیس (بولس) التی ترتکز على المبدأ المسیحی الذی یقول أن مصدر السلطة هو الله.
مهدت الدیانة النصرانیة أذهان البشر للدیمقراطیة بما دعتهم الیه من احکام خلقیة وفضائل نفسیة وعلى رأسها صفات العدل والاحسان واحترام بنی البشر. ثم جاء الاسلام الذی لم یقل شأناً فی تغذیة الدیمقراطیة إذ سجل الفضائل والاحکام الخلقیة ثم خطا بالإنسانیة خطوات بعیدة المدى فدعا على خلاف المألوف فی الکتب السماویة التی سبقته دعوة صریحة الى نظام حکومی یجب اتباعه والتقید به، ویقوم هذا النظام الذی أتى به الاسلام على اساس اختیار رئیس الدولة او الخلیفة بالمبایعة بالشورى التی أکدها الاسلام بقوله ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَیْنَهُمْ)).
وقامت الأصول الفکریة والفلسفیة لمبدأ سیادة الشعب على النظریات الدیمقراطیة المختلفة التی قیلت فی اصل نشأة السلطة، اما قبلها فقد کانت النظریات الدیمقراطیة التی أقامت مسألة نشأة السلطة الى الله تعالى، أی اسباغ الشرعیة على السلطة واعطائها صفة مقدسة. ثم تطور الامر وظهرت النظریات الدیمقراطیة المختلفة فی القرنین السادس عشر والسابع عشر التی ارجعت أصل نشأة الدولة الى الشعب لذا لا تکون السلطة الحاکمة مشروعة الا اذا کانت ولیدة الارادة الحرة للجماعة التی یحکمها، ومنها نظریة العقد الاجتماعی.
المطلب الثانی
مفهوم مبدأ سیادة الشعب
لا تصدر السیادة على وفق هذا المفهوم من مجموعة تأریخیة نظریة من البشر هی الامة القومیة، بل عن الشعب الحی القائم فی الدولة فی وقت من أوقات تطوره. ومن نتیجة السیادة الشعبیة أن تتوزع السیادة بین أفراد الشعب جمیعها على أساس المساواة من دون تفریق او استثناء إلا ما ینجم عن صغر السن أو فقدان الأهلیة من جراء الامراض العقلیة أو الأحکام القضائیة إذ تصبح السیادة فی هذه الحالة سیادة مجزأة بین العدد الأکبر، بل سیادة عددیة، أی تقوم على العدد الأکبر من الاصوات تطبیقاً لقاعدة الأکثریة فی الدیمقراطیة.
فاذا کان عدد أفراد الشعب فی الدولة عشرة ملایین فرد مثلاً فان السیادة تنقسم الى 10 ملایین من الاجزاء إذ یملک کل فرد جزءاً مساویاً من أجزاء السیادة مثل غیره من الافراد.
ولکن ما المقصود بالسیادة؟ وما المقصود بالشعب الذی تتوزع وتنقسم السیادة على أفراده على وفق هذه النظریة؟ وهل المقصود بالشعب هو الشعب بالمفهوم الاجتماعی؟ أم الشعب بالمفهوم السیاسی؟
تعرف السیادة بأنها السلطة العلیا الأصلیة التی تسمو فوق الجمیع وتفرض نفسها علیهم، وقد تکون السیادة قانونیة أو سیاسیة أو سیادة فعلیة الا ان مصطلح السیادة یستعمل فی آن واحد للتعبیر عن سیادة الدولة والسیادة فی الدولة، وتعنی سیادة الدولة أن الدولة ذاتها هی صاحبة السلطة الآمرة العلیا الاصلیة. وتعنی السیادة فی الدولة من له السلطة الآمرة العلیا داخل الدولة.
على وفق المدلول الاجتماعی بأنه الافراد الذین یقیمون على اقلیم الدولة والذین ینتسبون الیها بالتمتع بجنسیتها ویطلق علیهم رعایا الدولة الوطنیین.
ولا یعنی الشعب بالمدلول السیاسی الافراد جمیعاً الذین یتمتعون بجنسیة الدولة بل یعنی الاشخاص الذین یتمتعون بالحقوق السیاسیة، وهی تلک الحقوق التی یقرها القانون للشخص بوصفه منتمیاً الى بلد معین حتى یتمکن من الاشتراک فی شؤون الحکم السیاسیة. وهم جمهور الناخبین الذین تدرج اسماؤهم فی جداول الانتخاب ولا جدال أنه یخرج عن هؤلاء بعض أفراد الدولة الذین لم تتوفر لهم هذه الحقوق.
المطلب الثالث
النتائج المترتبة على نظریة السیادة الشعبیة
تکون نتائج نظریة سیادة الشعب عکس نتائج نظریة سیادة الأمة ویمکن عرض هذه النتائج على وفق الآتی:
- تتناسب نظریة سیادة الشعب أکثر مع صورة الدیمقراطیة المباشرة وصورة الدیمقراطیة شبه المباشرة على عکس نظریة سیادة الأمة التی تحتم الأخذ بصورة الدیمقراطیة النیابیة وحدها فحسب، وتفسیر هذا أن السیادة طالما أنها مجزأة ومقسمة بین أفراد الشعب فانه یصبح جائزاً ومنطقیاً الأخذ بصورة الدیمقراطیة المباشرة إذ یحق لافراد الشعب ممارسة السلطة بانفسهم ومباشرة، ویتمتع افراد الشعب بالسیادة مجزأة بینهم یتیح ویسمح بالاخذ بصورة الدیمقراطیة شبه المباشرة وهو النظام الذی یعطی لافراد الشعب السیاسیة مکانة وحق مباشرة بعض مظاهر السلطة على الرغم من وجود المجلس النیابی مثل الاستفتاء الشعبی او الاقتراح الشعبی للقوانین أو الاعتراض الشعبی على القوانین، ویلحظ ان الدیمقراطیة المباشرة هی صورة تکاد تکون مستحیلة عملاً لکثرة أفراد الشعب فی الدولة الحدیثة، ولکن صور الدیمقراطیة شبه المباشرة هی الصورة الممکنة والمطبقة فی عدد غیر قلیل من الدول الآن وهی أکثر دیمقراطیة من صورة الدیمقراطیة النیابیة التی لا تتیح لافراد الشعب ممارسة السلطة وانما یقتصر هذا الحق على المجلس النیابی أو البرلمان بعد انتخابه لذا قیل ان نظریة سیادة الشعب هی اکثر دیمقراطیة من سیادة الامة، إذ تتیح وتسمح لافراد الشعب بالمشارکة العملیة فی ممارسة السلطة وهو ما لا تسمح به نظریة سیادة الأمة التی یقتصر دور الشعب فیها على ممارسة انتخاب البرلمان واذا ما تم ذلک یستقل البرلمان من دون الشعب بممارسة شؤون السلطة.
- الانتخاب فی نظریة سیادة الشعب حق فی حین یعد وظیفة فی نظریة سیادة الأمة، لان السیادة فی نظریة سیادة الشعب تتجزأ وتتوزع إذ یکون کل فرد من أفراد الشعب السیاسی مالکاً لجزء منها ویعد الانتخاب حقاً طبیعیاً للافراد لا یجوز نزعه منهم إذ یؤدی الى تقریر حق الاقتراع العام، إذ لا یجوز الحرمان منه بسبب الثروة أو الانتماء الى طبقة معینة بعکس الحال فی نظریة سیادة الأمة.
- لا یمثل النائب فی البرلمان الأمة کلها بل یکون وکیلاً عن دائرته الانتخابیة إذ تبدو لأول مرة نظریة سیادة الشعب معیبة بالمقارنة بنظریة سیادة الأمة، ویکون النائب ممثلاً لناخبیه أو وکیلاً عن دائرته الانتخابیة فحسب ولیس ممثلاً للأمة جمعاء وعلة هذا لأن ناخبی الدائرة الذین انتخبوا النائب یکون جزءاً من السیادة الشعبیة ومن ثم فان النائب الذی فاز عن الدائرة اصبح یمثل مباشرة هذا الجزء من السیادة ومن ثم یرتبط بناخبیه بوکالة الزامیة وعلى وفقها یحق لناخبی الدائرة املاء ارادتهم على النائب والزامه بتعلیمات محددة فی نشاطه البرلمانی واذا لم یحترم النائب تعلیمات ناخبیه فانه یحق لهؤلاء عزله عن نیابته.
- على وفق نظریة السیادة الشعبیة یتعین النزول على ارادة اغلبیة الناخبین بصرف النظر عما اذا کانت تمثل ارادة أکیدة ومستقرة أولاً على عکس نظریة سیادة الأمة إذ تسوغ عدم الاخذ برأی الاغلبیة حتى تتضح الارادة الاکیدة والثابتة للأمة وهو ما یسمح بتکوین البرلمان من مجلسین هما.
الانتقادات الموجهة الى نظریة سیادة الشعب هی:
- تجعل نظریة سیادة الشعب النائب فی البرلمان تابعاً وخاضعاً لناخبیه ولیس تابعاً أو ممثلاً للأمة بأسرها، وهذا عیب حقیقی إذ یجوز لهؤلاء الناخبین أن یفرضوا علیه تعلیمات ملزمة بوصفه تابعاً لهم ووکیلاً عنهم وهذه ضارة بالحیاة النیابیة وبالصالح العالم لان النائب سیکون مضطراً عملیاً الى مراعاة المصالح الخاصة لناخبی دائرته والا قام هؤلاء الناخبون بعزله عن نیابیته فی البرلمان أو عدم تجدید انتخابه وهکذا تضیع المصلحة العامة للأمة التی لن تجد من یدافع عنها اذا ما تعارض مع المصالح الخاصة لبعض الدوائر الانتخابیة ویفقد البرلمان استقلاله النیابی ازاء جماهیر الناخبین.
- حینما تقرر نظریة سیادة الشعب تجزئة السیادة بین أفراد الشعب تخلق مشکلة تتنازع بین السیادة الشعبیة المقسمة على الافراد وبین السیادة المقرر للدولة بوصفها شخصاً معنویاً، ویزداد هذا التنازع على السیادة فی نظریة سیادة الشعب لان السیادة لیست مجمعة فی ید الأمة.
المبحث الخامس
الاستفتاء الشعبی فی الدساتیر العراقیة
وسنتناول فی هذا المبحث بیان استعمال هذا النظام فی الدساتیر العراقیة بالتطور السیاسی التاریخی للعراق فی العهد الملکی والى العهد الجمهوری الى ما قبل الاحتلال للعراق وما بعد الاحتلال فی التنظیم لهذا النظام فی دستور 2005 الحالی وسنتناوله فی ثلاثة مطالب على وفق الآتی :
المطلب الأول/ الاستفتاء الشعبی فی العهد الملکی.
المطلب الثانی/ الاستفتاء الشعبی فی العهد الجمهوری الى ما قبل احتلال العراق.
المطلب الثالث/ الاستفتاء الشعبی فی دستور 2005.
وسنتناولها على وفق الآتی.
المطلب الأول
الاستفتاء الشعبی فی العهد الملکی
شهد العراق تطبیق الاستفتاء السیاسی الذی یعد صورة من صور الاستفتاء الشعبی فی عام 1921 بشأن تولی الأمیر فیصل ملکاً على العراق، إذ لم یکن ترشیح الأمیر فیصل لتولی منصبه على العراق من الشعب العراقی ولا حتى من قبل لجنة منتخبة منه، بل تم ترشیحه فی مؤتمر القاهرة بتاریخ 12 آذار 1921، وقد تم الاستفتاء فی 11/7/1921 وجاءت الموافقة بنسبة 96% من الشعب العراقی.
وتبنى القانون العراقی الأساس لعام 1925 فکرة استفتاء الشعب جاء فیه "کل تعدیل یجب أن یوافق علیه کل من مجلس النواب والاعیان بأکثریة مؤلفة من ثلثی أعضاء کلا المجلسین المذکورین، وبعد الموافقة علیه یحل مجلس النواب وینتخب المجلس الجدید فیعرض علیه وعلى مجلس الأعیان التعدیل المتخذ من المجلس المنحل مرة ثانیة فاذا اقترن بموافقة المجلس مؤلفة من ثلثی اعضاء کلیهما ایضا یعرض على الملک لیصدق وینشر".
والاستفتاء الذی جرى فی مشکلة الموصل بعد أن عرضت للمناقشة فی مؤتمر لوزان الأول الذی عقد فی تشرین الاول 1922 حینما تقدم الطرفان، الترکی والبریطانی کلاهما، بمذکرات احتوت على حجج الطرفین وکل واحد منهما یؤکد أحقیته بالولایة على الموصل. وفی مؤتمر لوزان الثانی الذی عقد فی 23 شباط 1923 أثمرت ضغوط الحکومة البریطانیة باحالة القضیة الى عصبة الأمم التی کلفت لجنة دولیة لدراسة المشکلة دراسة وثیقة وتقدیم التوصیات الى عصبة الامم لاصدار قرارها بعد ان قدمت اللجنة المکلفة بالاستفتاء الموصل وکرکوک کلیهما إذ تضمن تقریرهما خلاصة مفادها تثبیت خط بروکسل خطاً نهائیاً للحدود بین العراق وترکیا.
إذ یستدل من هذه المادة القانونیة التی ألزمت حل مجلس النواب القائم الذی وافق على مبدأ التعدیل واجراء الانتخابات لتشکیل مجلس جدید یتولى مهمة التعدیل، ویبدی الشعب فی هذا الانتخاب رأیه بالموافقة او عدم الموافقة على اعادة انتخاب النواب الذین صوتوا لصالح التعدیل وتنطوی فکرة استفتاء الشعب بهذا المعنى بممثلیة الذین ینتخبهم لهذا الغرض.
لم یقدم الاستفتاء على وفق هذه المادة موضوع معین للشعب یبدی رأیه فیه بالقبول أو الرفض إذ تظهر ارادته واضحة بصورة جلیة مباشرة ومن دون أی وساطة کما هی الحال فی الدساتیر المعاصرة بل ان الذی کان یحدث هو ان ارادة الشعب یمکن ان تظهر بمثلیه.
وقد طبقت هذه المادة مرات عدیدة ولأسباب مختلفة فقد تلجأ السلطة الحاکمة للحل لاستفتاء الشعب للانضمام الى المعاهدات الدولیة، أو لاستفتاء الشعب فی مسألة سیاسیة معینة أو اتجاه سیاسی معین تختلف فیه ویراد الفصل فیه من الامة او بتعدیل الدستور، فقد تم حل المجلس النیابی الاول فی 18/1928 لاستفتاء الشعب فی المعاهدة العراقیة-البریطانیة والاتفاقیتین المالیة والعسکریة. وقد قامت السلطة التنفیذیة بحل المجلس النیابی واجراء انتخابات جدیدة لتشکیل مجلس جدید من دون أن تعرض موضوع الاستفتاء على الشعب ط بممثلیه فی المجلس الجدید ولم تسأله عن رأیه فی المعاهدة والاتفاقیتین عن الخطط المنتهجة من الحکومة بشأنها.
وتأسیسا على ما تقدم نجد أن الاستفتاء الذی تضمنته المادة 119 من القانون الأساس العراقی لسنة 1925 لم یرتقی الى معنى الاستفتاء الشعبی الذی هو مظهر من مظاهر الدیمقراطیة شبه المباشرة لأنه الاخیر یقوم على مبدأ اساس هو مشارکة الشعب مباشرة فی شؤون الحکم وهو ما لم یکن فی القانون الأساس العراقی لسنة 1925، ولم یثبت ان الشعب قد أعمل سیادته فی الاستفتاء.
المطلب الثانی
الاستفتاء الشعبی فی دساتیر العهد الجمهوری الى ما قبل الاحتلال
لقد قام النظام الجمهوری على إثر قیام ثورة 14 تموز 1958 التی أسقطت النظام الملکی وأعلنت قیام النظام الجمهوری، وقد أشارت الثورة الى اتخاذ دستور مؤقت یعین أو أسس الحکم الجدید أو یبینه الى أن یتم تشریع الدستور باسلوب الاستفتاء الذی یعرب فیه الشعب بحریة تامة عن رأیه باسلوب الحکم الدیمقراطی الذی یختاره لنفسه.
إلا ان هذه النیة لم تطبق بل تم اقرار مشروع دستور 27 تموز 1958 المؤقت من مجلس الوزراء، ولیس من الشعب، وشهد العراق ایضا تغیرات فی الأوضاع الدستوریة الى أن وصل ما وصل الیه من صدور دساتیر هذه الفترة من دستور 1963 ودستور 22 نیسان 1964 ودستوری 29 نیسان 1964 ودستور 21 ایلول 1968 ولم تتضمن هذه الدساتیر جمیعها أیة اشارة الى الاخذ بمظاهر الدیمقراطیة الشعبیة المباشرة ولم یکن هنالک أیة سیادة للشعب ودور فی اقرار هذه الدساتیر. وفی دستور 1970 الذی اعتمد الصیغ الدیمقراطیة فی نصوصه إذ جاء فیه "العراق جمهوریة دیمقراطیة شعبیة ذات سیادة، هدفه الاساس تحقیق الدولة العربیة الواحدة واقامة النظام الاشتراکی"، ونص فیه ایضا "ان الشعب مصدر السلطة وشرعیتها".
ویفهم من هذه النصوص ان الدستور العراقی اعطى الشعب المساحة الصحیحة التی یمارس حقوقه فیها، ولم ینص دستور 1970 على الاستفتاء الا فی مادة واحدة هی نص المادة 57 مکررة التی تتعلق بتولی منصب رئیس الجمهوریة إذ اهتمت هذه المادة ببیان الاسلوب والوسیلة الواجب مراعاتها فی هذا الصدد، وقد اشارت الى العودة الى الشعب مباشرة لانتخاب رئیس الجمهوریة بعد ما کان یعرف بأن رئیس مجلس قیادة الثورة "المنحل" ً یکون هو حکماً رئیساً للجمهوریة.
وقد جاء فی دستور العراق السابق لسنة 1970 من انه "یرشح مجلس قیادة الثورة رئیسه لتولی منصب رئیس الجمهوریة المجلس الوطنی للنظر فیه ؛ب. ویعقد المجلس الوطنی جلسة خاصة للنظر فی الترشیح ویتخذ قراره بالاغلبیة واذا لم یوافق المجلس الوطنی على الترشیح یعقد اجتماع مشترک لمجلس قیادة الثورة والمجلس الوطنی برئاسة نائب رئیس مجلس قیادة الثورة للبت فی الترشیح؛ جـ. بعد اقرار الترشیح یعرض على الاستفتاء الشعبی العام...".
ویفهم من هذه المادة ان الاستفتاء الذی قصده المشرع هو الاستفتاء الوجوبی إذ أوجب المشرع الدستوری أوجب تقدیم المرشح للاستفتاء الشعبی بمدة لا تزید عن 60 یوماً من تاریخ موافقة المجلس الوطنی. وانه استفتاء الزامی لان نتیجة الاستفتاء واجبه الاتباع، وقد صدر القانون رقم 13 لسنة 1995 إذ حدد الشروط الواجب توفرها فیمن له حق الاشتراک فی الاستفتاء ونظم هذا القانون الهیئة المشرفة على الاستفتاء ولم یبین القانون نطاق تطبیقه بل نظم نظام الاستفتاء الشعبی فحسب بشکل عام من دون تحدید.
وقد جرى الاستفتاء الشعبی فی 15/10/1995 فی شأن ترشیح الرئیس السابق صدام حسین لمنصب رئیس الجمهوریة إذ تمت الموافقة علیه بنسبة 99.96%.
ویعد ذلک الاستفتاء من السلطة واستعمال الترهیب والترغیب عن فقدان صدق السیادة الشعبیة والنتیجة غیر المنطقیة التی یتم اعلانها فی وقت کان العراق فیه تحت الحصار والتهجیر والمعارضة وفقدان الاستفتاء لأحد الشروط الواجبة لصحته.
المطلب الثالث
الاستفتاء الشعبی فی ظل دستور 2005
بعد الاجتیاح الأمریکی للعراق بغزوه واحتلاله شهد العراق تغیراً سیاسیاً وانعکس ذلک على الوضع الدستوری بعد انشاء العملیة السیاسیة بعد الاحتلال فجاء دستور 2005 بطریقة مغایرة لم یعرفها العراق من قبل إذ نشأ نشأة دیمقراطیة بالاستفتاء الشعبی وعرف هذا الدستور نظام الاستفتاء الشعبی بانواع عدیدة.
وقد نظم دستور العراق لسنة 2005 الذی اصبح نافذاً بعد موافقة الشعب علیه بالاستفتاء العام، لذا ینهی الاستفتاء الدستوری التأسیسی، واشار الدستور العراقی لسنة 2005 فی موضع آخر الى الموقف ذاته بخصوص تعدیل نصوصه وبینت الجهات التی لها حق اقتراح التعدیل نطاقه الى الحظرین الموضوعی والزمنی لبعض المواد، إذ جاء فیه "... ثانیا/ لا یجوز تعدیل المبادئ الاساسیة الواردة فی الباب الأول والحقوق والحریات الواردة فی الباب الثانی من الدستور إلا بعد دورتین اثنتین متعاقبتین. وبناء على موافقة ثلث أعضاء مجلس النواب علیه وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئیس الجمهوریة خلال سبعة أیام.
ثالثا/ لا یجوز تعدیل المواد الأخرى غیر المنصوص علیها فی البند ثانیاً من هذه المادة إلا بعد موافقة ثلثی أعضاء مجلس النواب علیه وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئیس الجمهوریة خلال سبعة أیام.
رابعا/ لا یجوز اجراء أی تعدیل على مواد الدستور من شأنه ان ینتقص من صلاحیات الاقلیم التی لا تکون داخلة ضمن الاختصاصات الحصریة للسلطة الاتحادیة، إلا بموافقة السلطة التشریعیة فی الاقلیم المعنی وموافقة أغلبیة سکانه باستفتاء عام.
خامسا/ أ. بعد التعدیل مصادقاً علیه من قبل رئیس الجمهوریة بعد انتهاء المدة المنصوص علیها فی البند (ثانیا) و(ثالثا) من هذه المادة فی حالة عدم تصدیقه".
وجاء بخصوص الاجراءات للتعدیل فی الدستور الحالی على أنه:
"...ثالثا/ تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب وفقاً لما ورد فی البند (ثانیا) من هذه المادة على الشعب للاستفتاء علیها خلال مدة لاتزید على شهرین من تاریخ اقرار التعدیل فی مجلس النواب. رابعا/ یکون الاستتفاء على المواد ناجحاً بموافقة اغلبیة المصوتین واذا لم یرفضه ثلثا المصوتین فی ثلاث محافظات أو أکثر".
ویُعد هذا النص استثناءً على حکم المادة 131 من الدستور التی نصت بأن "کل استفتاء وارد فی هذا الدستور یکون ناجحاً بموافقة أغلبیة المصوتین ما لم ینص على خلاف ذلک".
لقد خرق الاستثناء الذی أوردته المادة (142/ رابعا) والمشار الیه فی اعلاه المبادئ الدیمقراطیة والقانونیة التی تقضی بالاخذ برأی الاغلبیة، فکیف یمکن للأقلیة أن تدحض رأی الاغلبیة فهی تمثل صورة من صور الاستبداد وأثراً من آثار الانظمة الدکتاتوریة، لانه اشبه بالدم المسفوح على ثوب أبیض.
وقد تبنى الدستور العراقی الاستفتاء العام بوصفه أحدى الاسالیب الدیمقراطیة شبه المباشرة فی موضوعات کثیرة، تحت عنوان الاستفتاء السیاسی الذی یراد به استطلاع رأی الشعب فی أمر مهم یثیر الخلاف ومن ذلک ما جاء فی الدستور الحالی للعراق من أن "لکل اقلیم أو محافظة اتخاذ أیة لغة محلیة أخرى لغة رسمیة اضافیة اذا أقرت غالبیة سکانها ذلک باستفتاء عام".
وما جاء فیه ایضا "لکل محافظة أو أکثر تکوین اقلیم بناءً على طلب الاستفتاء علیه, ویقدم باحدى الطریقتین:
اولا/ طلب من ثلث الاعضاء فی کل مجلس من مجالس المحافظات التی تروم تکوین الاقلیم.
ثانیا/ طلب من عشر الناخبین فی کل محافظة من المحافظات التی تروم تکوین الاقلیم".
بعد استعراضنا لنظام الاستفتاء الشعبی ضمن مبادئه النظریة وتطبیقاته العملیة، واستخدام هذا الاسلوب فی الدساتیر العراقیة فی التاریخ السیاسی الحدیث للعراق إذ استعمل هذا الاسلوب کما رأینا فی القانون الأساس العراقی فی استفتاء شعب العراق لاختیار الأمیر فیصل بن الحسین ملکاً على العراق، وعلى الرغم من استخدامه الا انه لم یعبر بصدق عن السیادة الشعبیة لشعب العراق فی الوقت الذی جرى فیه وکان فی بدایة تشکیل الدولة العراقیة بعد خروجها من سیطرة الدولة العثمانیة ووقوعها تحت الانتداب البریطانی وکیف تم تتویج الامیر فیصل بن الحسین ملکاً للعراق حسبما کان مقرراً لذلک فی اجتماع القاهرة أبان تلک الحقبة الزمنیة والدور الانکلیزی الواضح فی الضغط على العراقیین لقبول الأمیر فیصل بن الحسین ملکاً على العراق وتمریر المعاهدة البریطانیة-العراقیة. ولم تکن تعبر تلک العملیة السیاسیة عن الارادة الشعبیة والحقیقیة لشعب العراق.
وبعد ذلک تحت الاشارة الى مفهوم مبدأ السیادة الشعبیة فی دساتیر العهد الجمهوری التی مرت بالعراق من دستور 1958 الى ما قبل احتلال العراق إذ نادت جمیعها بالسیادة الشعبیة وان الشعب مصدر السلطات الا انها کانت مصطلحات نظریة أکثر منها تطبیقیة وکم کانت ترتکب مخالفات وخروقات باسم الدستور وباسم الشعب والشعب برئ منها واذا کان یجری هذا الاسلوب فقد کان موجهاً من السلطة ومعروفاً مقدماً النتیجة التی کانت تصبو الیها السلطة وتحقیق نسبة 99.96% وشخصیة للسلطة والبعد البعد کله عن السیادة الحقیقیة للشعب وعدم توفر الشروط الذاتیة والموضوعیة لنجاح هذا الاسلوب، وعدم السماح للقضاء أو مؤسسات المجتمع المدنی من مراقبة هذه العملیة.
ثم کان بعد أن احتل العراق من الولایات المتحدة الامریکیة فی عام 2003 والشروع ببناء عملیة سیاسیة حسبما قررته الأمم المتحدة وبوصفها التزامات على السلطة المحتلة شرعت ببناء تلک العملیة السیاسیة وکتابة مشروع للدستور للعراقیین وکتب وبغض النظر عما کمن کتبه والضغوطات الخارجیة الکبیرة التی مورست على العراقیین للقبول بمشروع الدستور لرغبات الادارة الامریکیة وطموحاتها للخروج بنجاح اعلامی أقله للعالم ولاغراض انتخابیة امریکیة واکتمل وضع مشروع الدستور وتم عرضه على الاستفتاء وجرى الاستفتاء فی الیوم المحدد له فی 15/10/2005، وکل ما لحق بهذه التجربة التی رعتها الولایات المتحدة الامریکیة ومن ساندها من الأحزاب السیاسیة العاملة على الساحة العراقیة إذ فقدت تلک التجربة الدیمقراطیة مضمونها بانعدام الشروط الصحیحة التی أوردناها بالبحث ووقوع کثیر من المخالفات والخروقات لهذا الاسلوب إذ کان القصد من ذلک تمریر مشروع الدستور وبالطرائق شتى، ولانعدام الجهة القضائیة التخصصیة التی تشرف على نزاهة هذه العملیة أو التجربة الدیمقراطیة وصحتها مما أفرغها من محتواها فی سیادة الشعب لنفسه وتقریر مصیره والاشتراک فی بناء الدولة والحکم، وجل ما کان أن هناک هیئة المفروض انها مستقلة ولاتخضع للتأثیر من أحد هی (المفوضیة العلیا المستقلة للانتخابات) التی اخذت على عاتقها اجراء عدید من الانتخابات والاستفتاءات ومنها الاستفتاء على دستور العراق لسنة 2005 وما لحق تلک العملیة من خروقات ولم یملک القضاء العراقی الحق فی الرقابة والاشراف على تجربة الانتخابات او الاستفتاء وغیاب دور مؤسسات المجتمع المدنی ومساهمتها فی الرقابة على تلک التجربة الدیمقراطیة ولو نظریاً، وتم تمریر الدستور، إذ شارک اکثر من ثمانیة ملایین عراقی فی هذا الاستفتاء الذی عبر عن السیادة الشعبیة الحقیقیة للشعب وان شابه بعض الخروقات وتزییف فی النتائج ومسایرة السلطة وما کانت تریده. وبغض النظر عما قیل عن هذه التجربة الا انها من المؤمل ان تکون الخطوة الاولى على الطریق الصحیح وتصحیح الأخطاء مستقبلاً.
ویُثار التساؤل الآتی: هل کان هناک عوامل ومؤثرات أثرت على استفتاء الشعب العراقی وتقول إذ هناک مؤثرات کبیرة وأولها الاعلام الدینی الذی أدى دوراً کبیراً فی توجیه ارادة المستفتین للوجهة التی یتبناها سواء کان بالترغیب أو الترهیب أظهر بوضوح عمق الانقسام الوطنی حول موضوع الاستفتاء بابتعاد الاستفتاء عن الموضوعیة والحریة المطلوبة للشعب.
وللهیمنة السیاسیة للأحزاب والکتل السیاسیة المؤیدة للعملیة السیاسیة دوراً فی التأثیر على المفوضیة العلیا وتسییسها مما أفقدها الموضوعیة والحیاد والاستقلال.
وکان یراد لهذا الاستفتاء انجاحه شکلاً بأی ثمن للتأثیر الکبیر على السلطة داخلیاً وخارجیاً، والا لو کان هذا الاستفتاء قد جرى بالحریة والامن المطلوبین لنجاح هذه العملیة السیاسیة لکان بروز السیادة الشعبیة للشعب العراقی بأبهى صورة ولاختفت کثیر من المشاکل السیاسیة العالقة وقلة الثقة الموجودة بین الاطراف السیاسیة العراقیة والا لماذا هذا التعقید فی المشهد السیاسی العراقی الاطراف السیاسیة جمیعها متى ما رغبت تمسکت بالدستور عندما یخدم مصالحها وخرقه وترکه عند تعارض مصالحها السیاسیة فی ظل غیاب دور القضاء ولا سیما المحکمة الاتحادیة العلیا العراقیة التی أصبحت تلتزم جانب القضاء السیاسی.
هل توفرت الشروط الموضوعیة المطلوبة لنجاح الاستفتاء الذی جرى عام 2005 إذ بعد الشواهد والطروحات والانتقادات التی برزت فی اثناء عملیة الاستفتاء وبعدها أثبتت عدم توفر الشروط الموضوعیة لانجاح الاستفتاء بالصورة الصحیحة ولکنه نجح شکلاً وغابت ارادة کثیر من الشعب العراقی لرفضها الدستور ومع هذا مرر مشروع الدستور، الذی نجنی ثماره الیوم بعدید من التناقضات فی مواده وعدم الاتفاق والتوافق السیاسی حول کثیر من مواده الدستوریة وما الخلافات البارزة الیوم بین شرکاء العملیة السیاسیة الا نتاج تقویض نظام الاستفتاء الذی حصل.
هل أجرت الحکومة الاستفتاء على الاتفاقیة الامنیة الاستراتیجیة العراقیة-الامریکیة حسبما کان یروج لهذا؟ إذ جرى الالتفاف على الارادة الشعبیة من السلطة والأحزاب التی وافقت على تلک الاتفاقیة وکرست اوضاع شاذة یدفع شعب العراق ثمنها الیوم الا تعد من المسائل الجوهریة والحیویة إذ تمس المصالح الاساسیة للشعب العراقی متذرعة السلطة بالأسباب شتى فی غلق هذا الموضوع.
الخاتمـة
اولا/ النتائج:
- تلجأ الدول کثیراً الى أسلوب الإستفتاء بالقصد الحقیقی فی اشراک الشعب بالسلطة واتخاذ القرار الصحیح المناسب واعلاء اهمیة الفرد ودوره بالمجتمع فی النظم الدیمقراطیة، فی حین تلجأ کثیر من النظم غیر الدیمقراطیة إلى هذا الاسلوب محاولة لتسویغ تصرفاتها لأنها تنبع عن رغبة الارادة الشعبیة.
- لأعمال اسلوب الاستفتاء الشعبی وسیادة الشعب لنفسه یجب أن یؤدی دوره الفعال فی التعبیر عن الارادة الشعبیة أیا کان نوعه سیاسیاً أو تشریعیاً أو اداریاً ان توفر السلطة السیاسیة الضماناتة کافة التی تکفل ممارسته على نحو یعبر بصدق عن الإرادة الشعبیة.
- لا بد ان یکون الاستفتاء سابقاً على اقرار المشروع المقدم على الاستفتاء من السلطة التشریعیة –المجلس النیابی- وان یکون ملزماً فی نتیجته للسلطة السیاسیة حتى لا یکون الاستفتاء الشعبی سبیلاً للاستئثار بالسیادة ومسکاً لمقالید الحکم والتی وإن کانت تأخذ بالاستفتاء الشعبی کسبیل لکسب الارادة الشعبیة واقرار مشروعیة النظام السیاسی الا انها تحول بین تلک الارادة والتعبیر الواضح والحقیقی والصادق عن رأیها سواء بالمنع من الوصول الى صنادیق الاقتراع للادلاء بالرأی أو عن طریق التلاعب فی عدد الاصوات او تزویر النتائج او التأثیر على الرأی العام او الاعلان المسبق عن نتیجة الاستفتاء او تحدید موعد الاقرار للمشروع المقدم على الاستفتاء على الرغم من عدم ظهور النتائج من شأن ذلک ان یؤدی الى ان یفقد الاستفتاء الشعبی دوره الفعال فی التعبیر عن الإرادة الشعبیة.
ثانیا/ التوصیات:
- التزام الشعب بالضوابط التی من شأنها تفعیل دوره فی ممارسة حقه من استرداد السیاسة بطرق محددة على وفق أسس واضحة المعالم یلتزم الجمیع بها حکاماً ومحکومین. ویجب أن تکون ارادة الشعب صریحة وواضحة وحرة فی اختیار من یتولون مهام سلطة الحکم نیابة عن الشعب، والالتزام بما تضعه السلطة العامة من ضوابط قانونیة تکفل له ممارسة حقه فی استرداد السیادة بالاطار القانونی الذی یحول بین ممارسة حریات الافراد وحدوث فوضى ای بالتنظیم القانونی لمباشرة الحقوق السیاسیة وان تخضع ممارسة الشعب للسیادة للضوابط الاجتماعیة التی یعبر عنها بالقیم والاعراف السلوکیة المستقرة بین افراد الشعب وألا تؤدی ممارسة هذا النظام الى حدوث خلل فی النظام الاجتماعی.
- تفعیل مبدأ المواطنة بین افراد المجتمع واعلائه من مؤسسات الدولة کافة والابتعاد عن کل ما من شأنه تعکیر صفو الوحدة الوطنیة.
- تفعیل دور الرقابة الشعبیة بصورها المختلفة فی أثناء ممارسة عملیة الاستفتاء.
- ان یکون اجراء الاستفتاء الشعبی تحت اشراف قضائی کامل بمعانی الکلمة حتى یتحقق معنى النزاهة والشفافیة فی بدایة عملیة الاستفتاء وحتى اعلان النتائج وألا یقتصر على العضو القضائی المراقب فی المفوضیة العلیا للانتخابات فی العراق.
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
References
1. Abu al-Hassan Ahmed bin Zakaria / Dictionary of Language Metrics, Investigation of Abdessalam Mohamed Haroun, C4, Cairo, 1971.
2. Dr. Majid Ragheb Al-Helou/Popular Referendum and Islamic Law, University Publications House, 1983.
3. Sheikh Abdullah al-Bustani/Al-Wafi, Beirut, 1980.
4. Ibrahim Mustafa, Hamed Abdel Kader, Ahmed Hassan al-Zayat, Mahmoud Ali al-Najjar/Arabic Language Complex, Al-Ma'ad Al-Masdar, C2, Cairo, 1961.
5. Dr. Majid Ragheb Al-Helou/Political Systems, New University Publishing House, 2007.
6. Dr. Mohsen Khalil/ Constitutional Law and Political Systems, 1987.
7. Bida Abdul Jawad Al Abbasi/ Popular Referendum and some of its contemporary applications, Master's Thesis, college of Law, University of Mosul, Iraq, 2003.
8. Dr. Mahmoud Mohammed Hafez/Al-Wagiza in Constitutional Law, I3, Arab Renaissance House, Cairo, 1999.
9. Dr. Faiq Mohammed Tarboush/ Referendum and the Election of the President of the Republic in the Yemeni Constitution and Arab Constitutions, Law Journal, No. 17, July, Sana'a, 1999.
10. Dr. Noman Ahmed Al-Khatib/ Mediator in Political Systems and Constitutional Law, Cultural Publishing and Distribution House, Amman, 1999.
11. Dr. Jaber Gad Nassar/ Popular Referendum and Democracy, Arab Renaissance House, Cairo, 1993.
12. Dr. Mahmoud Kazem al-Mashhadani/Political Systems, Dar al-Hikma Printing and Publishing, Mosul, Iraq, 1991.
13. Dr. Mahmoud Moataz Abdel Wahab/ Political Systems, Al-Halabi Human Rights Publications, Beirut, Lebanon, 2004.
14. Dr. Abdelhamid Metwally/ Crisis of Democratic Systems, Dar al-Talib, Alexandria, 1954.
15. Dr. Ghazi Karam/ Political Systems and Constitutional Law - A Comparative Study of the Constitutional Order in the UAE, I1, Enrichment for Publishing and Distribution, Jordan, 2009.
16. Dr. Ibrahim Abdel Aziz Sheeha/ Principles of Political Systems- State-Government, University House, Beirut, Lebanon, 1982.
17. Dr. Farouk Al-Kilani/ Legitimacy of the Popular Referendum, B.M., 1991.
18. Dr. Nouri Al-Latif/ Constitutional Law in Iraq, I1, Alaa Press, Baghdad, 1979.
19. Dr. Mohammed Mohamed Badran/ Contemporary Political Systems, Arab Renaissance House, Cairo, 1999.
20. Dr. Mahmoud Atef Al-Banna/ Mediator in Political Systems, I1, Arab Thought House,
Cairo, 1988.
21. Dr. Ihsan Al-Mufaraji and Dr. Kataran Zager is a blessing and a friend. Raad Al-Novela/ General Theory of Constitutional Law and Constitutional Order in Iraq, New and Revised Edition, Sanhouri Library, Baghdad, Beirut, 2009.
22. Dr. George Shafiq Sari/ The General Foundations and Principles of Political Systems and The Pillars of Political Organization, I1, B.M., 1997.
23. Dr. Saad Asfour/ Constitutional Law, C1, Cairo, 1954.
24. Dr. Mohammed Ali Al-Yasin / Constitutional Law, I1, B.M., General Constitutional Principles, Modern Library of Printing and Publishing, Beirut.
25. Dr. Noman Ahmed Al-Khatib/ Principles of Constitutional Law, I1, B.M., 1993.
26. Dr. Ismail Yazan/ Principles of Constitutional Law and Political Science, C1, I1, Al-Ahli Publishing Co., Ltd., 1960.
27. Dr. Ta'ima Al-Jarf/ Common Law - Section 1 - Constitutional Law and Comparative Systems of Government, Modern Cairo Library, Cairo, 1962.
28. Dr. Abdul Fattah Hassan/ Principles of Constitutional Order in Kuwait, Arab Renaissance House, Beirut, 1968.
29. Dr. Ahmed Al-Qurai Al-Naqshbandi/ Constitutional Amendment, Ph.D., Faculty of Law, University of Baghdad, Iraq, 1994.
30. Dr. Tharwat Badawi/ Arab Constitutional Order, Arab Renaissance House, Cairo, 1963.
31. Dr. Ramzi Taha Al-Shaer/General Theory of Constitutional Law, Ain Shams Press, B.M., 1979.
32. Dr. Mohsen Khalil/ Political Systems and Constitutional Law, C2, Constitutional Order in Egypt and the United Arab Republic.
33. Dr. Abdul Hamid Metwally and Dr. Saad Asfour and Dr. D. Mohsen Khalil/ Constitutional Law and Political Systems, Knowledge Facility, Alexandria, B.T.
34. Dr. Salem Al-Kaswani/ Principles of Constitutional Law with an Analytical Study of Jordan's Constitutional Order, I1, Amman, 1983.
35. Dr. Ismail Al Ghazal/ Constitutional Law and Political Systems, I1, University Foundation for Studies, Publishing and Distribution, Beirut, 1982.
36. Dr. AbdelGhani Bassiouni Abdullah/ Constitutional Law - General Principles - Lebanese Constitution, University House, Beirut, 1987.
37. Lama Ali Faraj Al Dhaheri/ Semi-Direct Democracy and the Application of Its Manifestations in Some Contemporary Constitutions, Master's Thesis, Faculty of Law, University of Baghdad, Iraq, 2001.
38. Dr. Mahmoud Mohammed Khalaf Wad. Ahmed Mesbah Issa / Democracy in Switzerland - An analytical study on the foundations of democratic governance, World Centre for Studies, Green Book, Tripoli, 1996.
39. Dr. Edmond Rabat/Mediator in General Constitutional Law, K2, Dar al-Alam for Millions, Beirut, 1971.
40. Dr. Sami Jamal al-Din/ Political Systems and Constitutional Law, Knowledge Facility, Alexandria, 2005.
41. Dr. Sulaiman Saleh Al-Ghweil/ The right of individuals to participate in public life is a legal study in the light of Libyan legislation, Doctoral Thesis, Faculty of Law, Alexandria University, 1996.
42. Dr. Bassam Suleiman Dallah/ Principles of Constitutional Law and Political Systems, Faculty of Law, Aleppo University, Directorate of University Books and Publications, Syria, 2005.
43. Dr. Mohammed Qadri Hassan/ Referendum on The Egyptian Constitutional Order, Arab Renaissance House, Cairo, 1991.
44. Dr. Shamran Hammadi/ Political Systems, I4, Al-Hadsa Press, Baghdad, 1975.
45. Dr. Da'ad Abdul Razzaq Da'ad Al Baz/ Right to Participate in Political Life, Ph.D. Thesis, Faculty of Law, Alexandria University, Egypt, 1992 edition.
46. Dr. Abdelkarim Ghellab/ Authority of Institutions between the People and Governance, I1, Al-Najah New Press, Casablanca, 1987.
47. Dr. Abdelhamid Metwally/ Crisis of Democratic Systems, Dar al-Ghar, Alexandria, 1954.
48. Dr. Ibrahim Aarab/ Political Islam and Modernity - East Africa - Beirut, 2000.
49. Dr. Mahmoud Helmy/ Islamic System of Government compared to contemporary systems, T6, B.M., 1981.
50. Dr. Zafer Al-Assas/ The System of Government in Sharia and Islamic History, 1977.
51. Dr. Mohammed Kamel Tonight / Political Systems, 1969.
52. Al-Mardi/Royal Judgments and Religious States, Baghdad, 1989.
53. Dr. Afif Abdel Kader Tabbara/Spirit of Islam, I8, Dar al-Alam millions, Beirut, Lebanon, 1969.
54. Dr. Edmond Rabat/ Mediator in General Constitutional Law.
55. Razi/Unseen Keys, C3, B.M.
56. Dr. Mohammed Al-Bahi/Religion and The State in Directing the Holy Quran, 1971.
57. Kazem Ali Al-Janabi/ Political Responsibility of the Head of State in the Parliamentary System, Doctoral Thesis, Faculty of Law, University of Baghdad- Iraq, 2000.
58. Dr. Abdelhamid Metwally/ The Joint in Constitutional Law, Cairo, 1967.
59. Dr. Mohammed Kamel Al-Tonight / Political Systems - State and Government, Arab Thought House, Cairo, 1971.
60. Dr. Hassan Abu Al-Saud Saif/ Constitutional Law, Al Jazeera Press, Baghdad, 1938.
61. Robert McIver/State Formation, translated by Dr. Hassan Saab, 1966.
62. Dr. Toma Al-Jarf/ State Theory and The General Foundations of Political Organization, K2, Modern Cairo Library, Cairo, 1966.
63. Dr. Noman Ahmed Al-Khatib/ Principles of Constitutional Law, I1, B.M., 1993.
64. Dr. Ahmed Badr/Voice of the People, Kuwait, 1973.
65. Dr. Zainaldin Faraj/ General Theory of Political Systems, Arab Renaissance House, Cairo, 2001.
66. Dr. Tharwat Badawi/ Constitutional Law Summary, I3, Arab Renaissance House, Cairo, 1973.
67. Dr. Melod Doctrinal and Dr. Ibrahim Abu Khazam/Al-Wagiza in Constitutional Law, Tripoli International Library, Libya, 1996.
68. Dr. Osman Ahmed Khalil Osman/ General Constitutional Principles, B.M., 1943.
69. Dr. Mohammed Abdullah Al-Gharbi Bey/ Democracy, Law and Economics Magazine.
70. Dr. Fouad Al-Attar/ Political Systems and Constitutional Law, C1, Arab Renaissance House,
Cairo, 1966.
71. Dr. Suleiman El Tahawi/ Political Systems and Constitutional Law, Comparative Study, I6, 1988.
72. Sevan B. Masruk/ The Principle of People's Sovereignty in Iraqi Constitutions, Master's Thesis, Faculty of Law, Mosul University, Iraq, 1999.
73. Dr. Boutros Boutros-Ghali and Dr. Mahmoud Khair Issa/ Entrance to Political Science, I5, Al-Ahram Commercial Press, Cairo, 1976.
74. Dr. Ghaleb Ali Al-Da'i/ Memoirs of Political Science, C2, Al-Adib Press, Basra, 1965.
75. Dr. Kamal Al-Ghali/ Principles of Constitutional Law and Political Systems, I4, New Press, Damascus, 1976.
76. Dr. Shams Mirghi Ali / Constitutional Law, Dar Al-Adab Press, 1977.
77. Abdul Rahman al-Bazaz/ Iraq from occupation until independence, I3, Baghdad, 1967.
78. Maha Bahgat/ Dissolution of Parliaments in Iraq, Master's Thesis, Faculty of Law, University of Baghdad-Iraq, 1995.
79. Dr. Abdul Razzaq al-Hasani/ History of Iraqi Ministries, C2, Baghdad, 1988.
80. Dr. Raad Al-Quality/Constitutional Legislation in Iraq, Baghdad, 1998.
81. Dr. Hassan Shafiq al-Ani/ Popular Referendum in Constitutional Jurisprudence, Political Science Journal, No. 24, Baghdad, 2001.