قرارات المنظمات الدولیة بوصفها مصدراً للقاعدة القانونیة الدولیة-(*)-
Decisions of international organizations as a source for international law
|
عدی محمد رضا یونس خلف رمضان محمد الجبوری
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Uday Muhammad Reda Younis Khalaf Ramadan Muhammad al-Jubouri
College of law / University of Mosul College of law / University of Mosul
Correspondence:
Uday Muhammad Reda Younis
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 26/6/2018 *** قبل للنشر فی 1/11/2018.
(*) Received on 26/6/2018 *** accepted for publishing on 1/11/2018.
Doi: 10.33899/alaw.2020.165778
© Authors, 2020, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
إن التطور السریع للمنظمات الدولیة قد جابه فکرة السیادة المطلقة التقلیدیة التی کانت سائدة وحجمها قلیلاً، فالقرارات الشارعة تکون مقتصرة على المنظمات الفنیة المتخصصة، فالدول الأعضاء لا تتمسک کثیراً بسیادتها فعملیة تعدیل اتفاقیات العمل الدولیة یتم عن طریق المؤتمر وکذلک قواعد منظمة الطیران الدولیة یتم تعدیلها بسهولة لأنها تتفق مع أهداف المنظمة نفسها.
کما أن تعدیل میثاق الأمم المتحدة کما یرى الأستاذ "جاکی" یتم بالإرادة المنفردة للمنظمة ذاتها وفقاً لمبدأ الأغلبیة فی التصویت وتسری حتى على الدول التی لم تقبل فهی تمثل حجة فی مواجهة الکافة کقاعدة قانونیة جدیدةومن حق المنظمات الدولیة إصدار لوائح داخلیة ذات طبیعة تشریعیة على المستوى الداخلی للمنظمة، حیث تمثل هذه اللوائح تصرفاً قانونیاً له القدرة على إنتاج آثار قانونیة متمثلة بإنشاء أو تعدیل مراکز قانونیة قائمة، فی حین یذهب رأی آخر إلى إنکار الصفة التشریعیة لهذه اللوائح وأنها لیست قانوناً بالمعنى الدقیق فهی لا تلزم إلا من أصدرها فهی تمثل وسیلة لتنظیم العمل داخل المنظمة الدولیة نافیاً عنها القوة الإلزامیة للقانون.
الکلمات المفتاحیة: الأمم المتحدة، السیادة، القرارات الدولیة
Abstract
The rapid development of international organizations has confronted the traditional idea of absolute sovereignty and subsequently limited its scope. However, normative decisions are limited to specialized technical organizations, and in such cases member states do adhere to these rules without directing claims of national sovereignty. For instance, the process of amending the International Labour treaty is assigned to the Organization Assembly. Also, amendments to the International Civil Aviation Organization arises from previous Assembly resolutions. According to Jackie, the amendment of the Charter of the United Nations is given to the Organization itself though they must be adopted by two thirds majority , and this applies even to states did not accept the proposed amendments. International organizations have the right to issue internal regulations of a legislative nature at the organizational level. These regulations are seen as a legal act with the ability to produce legal effects i.e., establishing a new legal position or amending of an existing one. However, it is argued that these regulations lack legislative force and are not laws in the strict sense; they bind only those who issued them and serve as a means to organise work within the organization itself.
Keywords: international decisions, national sovereignty.
المقدمـة
بعد نشوء الأمم المتحدة کمنظمة دولیة وتعدد نشاطاتها وأنشطة الوکالات المتخصصة التابعة لها وغیرها من المنظمات الدولیة آثار الفقه الدولی العدید من الفرضیات حول إمکانیة اعتبار القرارات الصادرة عن تلک المنظمات مصدراً من مصادر القانون الدولی، فذهب البعض إلى القول بأن نص المادة (38) من النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة لم یشر صراحةً إلى کون القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة مصدراً من مصادر القانون الدولی، ومن ثم فإن أنصار هذا الاتجاه ینکرون کون قرارات المنظمات الدولیة مصدراً من مصادر القانون الدولی العام.
فی حین ذهب أنصار الاتجاه الآخر وهو السائد إلى القول بأن نص المادة (38) من النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة لم یحدد تلک المصادر بشکل حصری وشامل، مستندین فی ذلک کون نص المادة (38/1) من النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة منقول حرفیاً من نص م(38) من النظام الأساسی للمحکمة الدائمة للعدل الدولی لعام 1920 حیث أن التنظیم الدولی فی تلک الفترة لم یواکب ما هو علیه المجتمع الدولی المعاصر من تطورات وازدیاد عدد المنظمات الدولیة وما تؤدیه من دور مهم فی المجتمع الدولی.
لذلک فإن دور القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة فی إرساء القاعدة الدولیة یتلخص فی فرضیتین یمکن أن تقوم بهما تلک القرارات :-
الأول:- أن یکون للقرار دوراً مباشراً بذاته فی إرساء القواعد القانونیة باعتباره المصدر الشکلی المباشر للقاعدة القانونیة.
الثانی:- أن یکون للقرار دوراً غیر مباشر فی إرساء القواعد القانونیة عندما یتداخل مع غیره من العناصر الأخرى فی تکون القاعدة الدولیة، کحالة إسهام قرارات المنظمات الدولیة فی إبرام المعاهدات الدولیة أو إسهامها فی تکوین القاعدة العرفیة، ولدراسة دور القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة فی إنشاء القواعد الدولیة سنقسمه إلى مبحثین سنتکلم فی المبحث الاول عن الدور المباشر لقرارات المنظمات الدولیة فی ارساء القواعد القانونیة الدولیة من خلال مطلبین الاول یتعلق بقرارات المنظمات الدولیة کمصدر مستقل لقواعد القانون الدولی والمطلب الثانی یتعلق بالقرارات بوصفها مصدرا شکلیا للقواعد القانونیة اما المبحث الثانی سیکون عن خصائص المصدر الشکلی للقانون فی قرارات المنظمات الدولیة سنقسمه الى ثلاث مطالب الاول التشریع کمصدر من مصادر القانون والثانی الطبیعة القانونیة للقرارات الدولیة التشریعیة والثالث مجالات النشاط التشریعی للمنظمة الدولیة:-
أهمیة موضوع البحث:-
إضافة مصدر جدید الى مصادر القاعدة القانونیة الدولیة التی تم تعدادها فی المادة38 من النظام الأساس لمحکمة العدل الدولیة لمواکبة التطور والزیادة فی عدد المنظمات الدولیة وإضافة جهة تشریعیة جدیدة تتمتع قراراتها بالصفة التشریعیة وصولا الى إمکانیة حصر التشریع بید جهة واحدة مختصة على المستوى الدولی مستقبلا.
اشکالیة البحث:-
غموض نص المادة 38 من النظام الاساسی لمحکمة العدل الدولیة وعدم ذکر قرارات المنظمات الدولیة ضمن مصادر القواعد القانونیة الدولیة حسب نص المادة 38 السالف ذکرها اثار العدید من الاتجاهات والآراء الفقهیة المؤیدة والمعارضة حول اعتبار القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة مصدرا من مصادر القانون الدولی العام.
فرضیة البحث:-
نحاول من خلال دراسة هذا الموضوع التحقق من کون قرارات المنظمات الدولیة مصدرا من مصادر القاعدة القانونیة الدولیة تشتمل على الخصائص الواجب توافرها فی تلک المصادر وذلک لخلو نص المادة 38 من النظام الاساسی لمحکمة العدل الدولیة من ذکرها متطرقین الى الآراء الفقهیة التی قیلة بهذا الصدد.
منهجیة البحث:-
سنقوم بدراسة قرارات المنظمات الدولیة ودورها فی التشریع الدولی وفق المنهج التحلیلی لنصوص ومواد میثاق الامم المتحدة ومدى امکانیة اعتبارها مصدرا من مصادر القاعدة القانونیة الدولیة.
هیکلیة البحث:-
المبحث الأول:- الدور المباشر لقرارات المنظمات الدولیة فی إرساء قواعد القانون الدولی. المطلب الاول :-قرارات المنظمات الدولیة کمصدر مستقل لقواعد القانون الدولی.
المطلب الثانی:- قرارات المنظمات الدولیة بوصفها مصدرا شکلیا للقواعد القانونیة.
المبحث الثانی:- خصائص المصدر الشکلی للقانون فی قرارات المنظمات الدولیة.
المطلب الاول:- التشریع کمصدر من مصادر القانون ومدى مطابقة قرارات المنظمات الدولیة له.
المطلب الثانی:- الطبیعة القانونیة للقرارات الدولیة التشریعیة.
المطلب الثالث:- مجالات النشاط التشریعی للمنظمة الدولیة.
المبحث الأول
الدور المباشر لقرارات المنظمات الدولیة فی تکوین القواعد الدولیة
هل تعتبر قرارات المنظمات الدولیة مصدراً مباشراً للقانون الدولی العام أن المتأمل لنص
المادة (38) من النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة یتضح له أن قرارات المنظمات الدولیة لم ترد ضمن تعداد مصادر القانون الدولی ، لذلک انقسم الفقه الدولی فی تفسیره لمکانة قرارات المنظمات الدولیة إلى اتجاهین سنتکلم عنهم فی مطلبین:-
المطلب الأول:- قرارات المنظمات الدولیة مصدراً مستقلاً لقواعد القانون الدولی.
المطلب الثانی:- قرارات المنظمات الدولیة من المصادر الشکلیة لقواعد القانون الدولی.
المطلب الاول
قرارات المنظمات الدولیة باعتبارها مصدراً مستقلاً لقواعد القانون الدولی
فأنصار الاتجاه الأول الرافض لاعتبار قرارات المنظمات الدولیة مصدراً مستقلاً ومتمیزاً یبررون ذلک بأن وصف الإلزام الخاص بتلک القرارات یکون مستمد من المعاهدة المنشئة للمنظمة الدولیة فالقرارات لیست بالمصدر المستقل وإنما هی نتیجة من نتائج صفة المصدر المتصفة بها المعاهدة المنشئة للمنظمة الدولیة.
وللرد على هذا الرأی أن استناد المصدر إلى مصدر آخر سابق علیه زمنیاً أو أعلى منه مرتبة حیث تدرج المصادر نفسها لا یفقد المصدر الأدنى درجة وصف التمیز والاستقلال، فالاعتراف للمعاهدة بوصف المصدر إنما یرجع إلى القاعدة العرفیة السابقة علیها ومع ذلک لم یقل أحد بأن المعاهدات لیست بالمصدر المستقل والمتمیز للقاعدة القانونیة الدولی کما یذهب أنصار الاتجاه الأول الرافض أیضاً إلى أن إغفال نص المادة (38) من النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة على إدراج قرارات المنظمات الدولیة ضمن تعداد المصادر إلى کونه مقصوداً، فالمصادر الواردة ضمن المادة (38) تحکم المنازعات ذات الطبیعة القانونیة ویتم تطبیقها بواسطة الأجهزة القضائیة أما قرارات المنظمات الدولیة تصدر عن أجهزة سیاسیة کما أنها غالباً ما توجد لحل المنازعات السیاسیة، کما أن أنصار هذا الاتجاه یذهبون إلى إضفاء الطبیعة الاتفاقیة للقرارات فهی تتم بناءً على اتفاق الدول الأعضاء فی المنظمة الدولیة، وبالتالی فهی لا تمثل مصدراً مستقلاً عن المصادر الواردة فی المادة (38)، فقرارات مجلس الأمن تتمتع بالقوة الملزمة بناءً على نصوص المیثاق فی مواجهة الدول الأعضاء فهی لا تختلف عن الاتفاقیات الدولیة المتعددة الأطراف.
کما أن القرارات حسب وجهة نظرهم ذات طبیعة اتفاقیة ، والاتفاقیات تم النص علیها فی المادة (38) وبالتالی لا مبرر لاعتبارها مصدراً مستقلاً. ومن السوابق القضائیة التی تؤید وجهة النظر المعارضة لاعتبار قرارات المنظمات الدولیة مصدراً مستقلاً لقواعد القانون الدولی، قضیة اللوتس حیث أکدت المحکمة الدائمة العدل الدولیة بأن القواعد القانونیة الملزمة للدول هی التی تصدر عن حر إرادتهم عن طریق الاتفاقیات أو بواسطة العادات التی جرت الدول على تقبلها باعتبارها تعبیراً عن القواعد القانونیة.
المطلب الثانی
قرارات المنظمات الدولیة من قبیل المصادر الشکلیة لقواعد القانون الدولی
یذهب أنصار هذا الاتجاه إلى اعتبار أن قرارات المنظمات الدولیة من قبیل مصادر القانون الدولی المتمیزة حیث یرون أن إغفال نص المادة (38) من النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة الدائمة عن ذکر تلک القرارات لم یکن مقصوداً وإنما الظروف التاریخیة التی أحاطت بإعداد نص المادة (38) ونقلها حرفیا من النظام الاساسی لمحکمة العدل الدولیة الدائمة إلى النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة کما أن التطور الذی أصبحت علیه المنظمات الدولیة فی عهد الأمم المتحدة والرامی إلى وجود إرادة تعلو إرادة الدول عکس ما کان علیه الحال فی عهد عصبة الأمم، فتقوم بإصدار قرارات تسهم فی إرساء القواعد القانونیة بحیث تصبح بمثابة المصدر الشکلی لهذه القواعد کما أن القول بأن الطبیعة القانونیة للقرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة تتطابق مع طبیعة الاتفاقیات الدولیة فیه نوع من المغالاة ، حیث یذهب " تونکین" إلى أن الاتفاقیات الدولیة تمثل التقاء إرادات أطرافها على ضرورة الالتزام بما جاء فیها فی حین أن القرار الصادر عن "مجلس الأمن" ضد دولة معتدیة لا یتصور فیها التقاء إرادتها مع إرادة باقی الدول الأعضاء.
ونحن نؤید وجهة النظر التی تذهب إلى اعتبارها تطبیقاً وتفسیراً للمعاهدة المنشئة للمنظمة الدولیة وبالتالی لا تعد مصدراً مستقلاً للقواعد القانونیة فهی أی القرارات تمثل وسیلة أو أداة لتطبیق القواعد القانونیة الدولیة ولکن حتى لو اعتبرنا أن وجهة النظر هذه صحیحة فقد تقوم محکمة العدل الدولیة بتطبیق وتفسیر قرار صادر عن جهاز فرعی أعلى منه لا یؤثر فی تمییز أحدهما عن الآخر وبالتالی فأنصار هذا الاتجاه یعتبرون أن هذه القرارات تعد من قبیل المصادر (المستقلة والمتمیزة) حتى وإن لم یتم إدراجها فی المادة (38) من النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة.
وبعد استعراض أراء الاتجاهین المؤیدة لاعتبار أن القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة مصدراً مستقلاً ومتمیزاً من مصادر القاعدة القانونیة الدولیة یتضح لنا أن طبیعة هذه القرارات لم تحسم بعد لذلک کان لا بد من اللجوء إلى تحلیل لقرارات المنظمات الدولیة بالرجوع إلى فکرة المصدر الشکلی للقانون ومدى توافر خصائص المصدر الشکلی للقانون فی القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة للتأکد من امکانیة اعتباره مصدراً للقاعدة القانونیة الدولیة من عدمه وهل أن جمیع تلک القرارات یمکن اعتبارها مصدراً للقاعدة القانونیة الدولیة فهی أی القرارات تمثل تعبیر عن الإرادة الشارعة لمن له سلطة التشریع فی الجماعة الدولیة (المنظمة الدولیة) ، لذلک سوف نقوم بدراسة هذه الإشکالیة فی مبحث ثانی نقسمه الى ثلاث مطالب :
المبحث الثانی
خصائص القاعدة القانونیة ومدى انطباقها على قرارات المنظمات الدولیة
ولدراسة خصائص المصدر الشکلی للقانون فی قرارات المنظمات الدولیة سنقسمه الى ثلاث مطالب الاول التشریع کمصدر من مصادر القانون والثانی الطبیعة القانونیة للقرارات الدولیة التشریعیة والثالث مجالات النشاط التشریعی للمنظمة الدولیة:-
المطلب الاول- التشریع کمصدر من مصادر القانون ومدى مطابقة قرارات المنظمات الدولیة له.
المطلب الثانی- الطبیعة القانونیة للقرارات الدولیة التشریعیة.
المطلب الثالث- مجالات النشاط التشریعی للمنظمة الدولیة .
المطلب الاول
التعریف بالتشریع وخصائصه
التشریع (التصرف الذی یتوصل به صاحب السلطة فی وضع القواعد القانونیة الملزمة فی مجتمع معین للتعبیر عن إرادته الشارعة).
وبذلک یتضح لنا أن للتشریع خصائص ثلاثة :
1- أنه تصرف قانونی صادر عن السلطة المختصة بالتشریع فی الجماعة.
2- إنه أداة للسلطة فی وضع قواعد عامة مجردة تحکم المجتمع.
3- أن تتمتع تلک القواعد بالإلزام .
الخاصیة الأولى:- تصرف قانونی صادر عن السلطة المختصة بالتشریع:
لا بد لأی تصرف قانونی من أن یصدر عن سلطة تشریعیة مختصة ممثل برئیس الدولة کشخص واحد أو أعضاء الجماعة کما فی الدیمقراطیات المباشرة هذا على الصعید الداخلی، فتوافر هذه الخصیصة أی السلطة التشریعیة المختصة أمر متحقق فی النظم القانونیة الوطنیة، فی حین أن وجود هذه السلطة امر غیر مألوف على الصعید الدولی، فهو یصطدم بمبدأ المساواة فی السیادة بین الدول، فالدول لا تلتزم بقواعد قانونیة لم تکن لإرادتها دوراً فی انشائها ، وبالتالی أصبحت المعاهدات الدولیة الأداة الرضائیة المعبرة عن الإرادة الشارعة للجماعة الدولیة فی صورة القواعد الدولیة المکتوبة، إلا أن هذا الاتجاه یمثل المدلول التقلیدی الضیق للتشریع الذی لم یعد یواکب الدور الذی تقوم به المنظمات الدولیة والذی یسعى إلى وجود إرادة علیا تعلو على إرادات الدول، حیث تقوم بإصدار قرارات تسهم فی إرساء القواعد القانونیة التی تمثل إحدى المصادر الشکلیة للقواعد القانونیة الدولیة، فالمصادر الموجودة على المستوى الدولی متعددة ولا تقتصر على التشریع وهو ما تؤکده المادة (38) من النظام الأساسی لمحکمة العدل الدولیة، فالقرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة تمثل الإرادة الشارعة للمنظمة الدولیة.
الخاصیة الثانیة:- التشریع یضع قواعد عامة مجردة :
من أهم خصائص القاعدة القانونیة أن تکون عامة ومجردة حتى نکون أمام قاعدة قانونیة فهی لا تخاطب أشخاص بعینهم أو ذاتهم، فهی تنطبق على عدد غیر محدد من المرات على المراکز القانونیة الخاضعة لتلک القواعد، فلکی تعتبر قرارات المنظمات الدولیة من قبیل مصادر القانون الدولی وجب أن تتمتع بصفة العمومیة والتجرید، فالقاعدة القانونیة یجب أن تصدر عن المسیطر على الجماعة وموجهة إلى کافة أعضاء الجماعة الخاضعین لأحکامه.
فالعمومیة تقتضی أن یوجه النشر إلى المخاطبین به دون تحدیدهم لاحتمالیة انضمام غیرهم مستقبلاً لم یکونوا موجودین عند صدور القاعدة القانونیة، وکذلک الحال بالنسبة للتجرید فالقاعدة القانونیة لا تتناول واقعة بعینها بل تتناول أیة واقعة تتوافر فیها شروط القاعدة حتى نکون أمام قواعد قانونیة عامة مجردة .
الخاصیة الثالثة:- أن تتمتع القواعد القانونیة الدولیة بالإلزام:
ولکی نکون أمام قاعدة قانونیة دولیة لا بد أن تصدر من سلطة مختصة وأن تکون عامة مجردة إلا أن هذا لا یکفی فلا بد من أن تتمتع تلک القاعدة بسمة الإلزام، فالإلزام عنصر لا بد منه لکی تکتسب قرارات المنظمات الدولیة وصف القواعد القانونیة وحتى یلتزم بها المخاطبین بأحکامها لکن البعض من الفقه الدولی اعتبره قیداً على سیادة الدول الأعضاء فی المنظمة الدولیة، فالمعاهدة المنشئة لأیة منظمة دولیة تنص على التزام أعضائها بتنفیذ الأحکام الواردة فیها.
فالمعاهدة الخاصة بالجماعة الأوربیة للطاقة الذریة تفرق ما بین نوعین من القرارات ملزمة وغیر ملزمة، حیث خولت أجهزتها المختلفة إصدار قرارات ملزمة للدول الأعضاء بها وفی مواجهة مواطنی تلک الدول أیضاً.
فی حین انقسم الفقه الدولی إلى اتجاهین حول مدى توافر عنصر الإلزام فی القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة من عدمه.
فذهب أنصار الاتجاه الأول إلى نفی صفة الإلزام عن القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة باعتبارها تطبیق للمعاهدة المنشئة للمنظمة الدولیة.
بینما یذهب أنصار الاتجاه الثانی إلى القول بأن القرارات الصادرة عن الأجهزة الدولیة والتی تأخذ وصف التشریع الدولی وأن کانت قد استندت فی إصدارها إلى مصدر آخر أعلى منها وهو المعاهدة المنشئة للمنظمة الدولیة فإن ذلک لا یفقد المصدر الأدنى درجة وصف التمییز والاستقلال.
المطلب الثانی
الطبیعة القانونیة للقرارات الدولیة التشریعیة
فبعد أن تأکدنا من مدى انطباق الخصائص العامة للقواعد التشریعیة على قرارات المنظمات الدولیة فلا بد لنا من أن نبحث فی الطبیعة القانونیة التشریعیة لقرارات المنظمات الدولیة.
إن الاتفاقیات الدولیة الکلاسیکیة تمثل الأساس للقواعد القانونیة الدولیة فی ظل التنظیم الدولی التقلیدی، فمسائل طرح القرارات الخاصة بالمنظمات الدولیة یمثل استقالة حقیقیة فی المصادر التشریعیة القاعدة القانونیة الدولیة ویضیف مصدراً مهماً وأساسیاً لمصادر القاعدة القانونیة الدولیة فلا بد من التحقق من الطبیعة القانونیة لتلک القواعد فهل تشکل قواعد قانونیة تشریعیة أم أنها قواعد اتفاقیة تلتزم الدول بها بإرادتها ومن ثم بإمکانها التحلل منها دون عقاب، فهنالک اتجاهین:
الاتجاه الأول:- الطبیعة الاتفاقیة التقلیدیة للقرارات الدولیة :-
أصحاب هذا الاتجاه یبنون رأیهم على فکرة مؤداها أن الإرادة الجماعیة للدول هی الوسیلة الوحیدة لتکوین القواعد القانونیة فمحل التزام الدول هنا ما ترتضیه إرادة هذه الدول فالإرادة تمثل المصدر المباشر للقواعد القانونیة فأصحاب هذا الاتجاه ینکرون فکرة التشریع الدولی وأنه مجرد تصرف إرادی یمثل الإرادة المنفردة لبعض الأجهزة الدولیة، فالتشریع حسب وجهة نظرهم یکون نتاج اتفاق بین دولتین أو أکثر تنشأ بموجبه حقوق والتزامات بین هذه الإرادات.
فالأجهزة الداخلیة للمنظمة الدولیة لا تمتلک السلطة التقدیریة فی وضع قواعد دولیة، فالنظام الأساسی للمنظمة الدولیة یمثل القواعد الحقیقیة التی ارتضاها الأطراف بإراداتهم.
الاتجاه الثانی :- الطبیعة التشریعیة للقرارات الدولیة :
أصحاب الاتجاه الثانی یمیزون بین القرارات التی تصدر عن الأجهزة الدولیة وبین المعاهدة المنشئة للمنظمة الدولیة ذات الطبیعة الاتفاقیة فالقرارات التی تصدر عن الأجهزة الدولیة تنسب للجهاز الذی صدرت منه لا إلى الدول الأعضاء، فقد تصدر قرارات عن أجهزة المنظمة تخالف نصوص المعاهدة المنشئة الاتفاقیة.
ومن أنصار هذا الاتجاه "فوکسانو" حیث ذهب إلى القول "أن القانون الداخلی للمنظمة الدولیة لیس له طبیعة اتفاقیة ولکنه ینشأ بتعبیر إرادی قانونی للمنظمة ذاتها".
فالقانون الداخلی للمنظمة الدولیة تتعارض قواعده مع القواعد المنصوص علیها فی المعاهدة المنشئة للمنظمة، فی حین ذهب " تونکین" إلى اعتبار القرارات الصادرة عن أجهزة المنظمة الدولیة بمثابة أوامر تنفیذیة مغایرة فی طبیعتها للصیغة الاتفاقیة وهو یخالف بذلک للاتجاه الثانی الذی نحن بصدد دراسته والذی یؤکد على أن لأجهزة المنظمة الدولیة العدید من القرارات تتمتع فی طبیعتها بالصفة التشریعیة والتی تمثل قواعد قانونیة دولیة، فالقرارات ذات الطبیعة التشریعیة تحتوی على عنصرین أساسیین:-
1- قرار یمثل مضمونه نصوص قاعدیة.
2- أن یتمتع القرار بالقوة القانونیة اللازمة للتطبیق.
ونضیف إلى هذین العنصرین عنصر ثالث وهو وجوب یصدر القرار ذی الصفة التشریعیة من جهاز یتمتع بقدر من السلطة التقدیریة تتیح له ممارسة اختصاصاته باستقلالیة لکی یکتسب القرار الصادر الصفة التشریعیة المکونة للقاعدة القانونیة الدولیة، فاستقلالیة الأجهزة الدولیة فی إصدار قراراتها یمثل رداً على أصحاب الاتجاه الأول الذی یعتبر ذلک تطبیق لنصوص المعاهدة المنشئة، کما أن اعتماد مصدر على مصدر آخر سابق له لا یقلل من استقلالیة المصدر الثانی، فأجهزة المنظمة الدولیة تمارس هنا سلطة تشریعیة وهذا ما أکدته المادة (189) من الاتفاقیة الأوربیة الاقتصادیة التی تقول " أن اللوائح ذات صفة عامة وتلزم بکل عناصرها وبطریقة مباشرة کافة الدول".
المطلب الثالث
مجالات النشاط التشریعی للمنظمة الدولیة
سنتطرق إلى صور للقرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة والتی بإمکانها إحداث آثار قانونیة تتمثل بخلق قواعد قانونیة فی نقطتین :
أ. القرارات الدولیة لأجهزة المنظمة فی النطاق الداخلی (اللوائح الداخلیة).
ب. القرارات الدولیة التشریعیة على المستوى الدولی.
القرارات الدولیة لأجهزة المنظمة فی النطاق الداخلی :-
من حق المنظمات الدولیة إصدار لوائح داخلیة ذات طبیعة تشریعیة على المستوى الداخلی للمنظمة، حیث تمثل هذه اللوائح تصرفاً قانونیاً له القدرة على إنتاج آثار قانونیة متمثلة بإنشاء أو تعدیل مراکز قانونیة قائمة، فی حین یذهب رأی آخر إلى إنکار الصفة التشریعیة لهذه اللوائح وأنها لیست قانوناً بالمعنى الدقیق فهی لا تلزم إلا من أصدرها فهی تمثل وسیلة لتنظیم العمل داخل المنظمة الدولیة نافیاً عنها القوة الإلزامیة للقانون.
والأمثلة الداعمة للرأی الأول الرأی الاستشاری لمحکمة العدل الدولیة عام 1954 حول (المحکمة الإداریة للأمم المتحدة) أن قواعد الإجراءات الخاصة بالجمعیة العامة تمثل تنظیم إداری صادر بالأغلبیة ولیس بالاتفاق المنشئ للمنظمة الدولیة.
ومن الأمثلة أیضاً اللوائح الصادرة عن أحد الأجهزة الرئیسیة والخاصة بإنشاء أجهزة فرعیة لم تنص علیها المعاهدة المنشئة للمنظمة الدولیة فهی تمتلک القدرة التشریعیة لإنشاء مثل تلک الأجهزة الفرعیة حتى وإن لم تنص المعاهدة المنشئة على ذلک الحق، إلا أنها أی الأجهزة الرئیسیة قد خولت نفسها مثل هذا الحق، إلا أنه یتطلب فی القرار الصادر بإنشاء الأجهزة الفرعیة صفة الدوام وأن لا یکون قرار الإنشاء لفترة محددة ومؤقتة تنتهی بانتهاء الغرض أو المهمة حتى یتسم القرار بصفة القاعدة القانونیة فمن خصائص القاعدة القانونیة العمومیة والتجرید حتى نکون أمام قاعدة قانونیة فالخصوصیة والتجرید ینفی هذه الصفة فالقرار الخاص بإنشاء مجلس الوصایة یقتضی إنشاء أجهزة فرعیة تتمتع بصفة الدوام للقیام بمهام مجلس الوصایة.
وکلجنة القانون الدولی الصادرة بالقرار رقم 147/2 فی 21 نوفمبر 1947 ولجنة تصفیة الاستعمار الصادرة بالقرار رقم 502/4 فبرایر فی 11 ینایر 1952.
أ- القرارات الدولیة التشریعیة على المستوى الدولی :-
إن التطور السریع للمنظمات الدولیة قد جابه فکرة السیادة المطلقة التقلیدیة التی کانت سائدة وحجمها قلیلاً، فالقرارات الشارعة تکون مقتصرة على المنظمات الفنیة المتخصصة، فالدول الأعضاء لا تتمسک کثیراً بسیادتها فعملیة تعدیل اتفاقیات العمل الدولیة یتم عن طریق المؤتمر وکذلک قواعد منظمة الطیران الدولیة یتم تعدیلها بسهولة لأنها تتفق مع أهداف المنظمة نفسها.
کما أن تعدیل میثاق الأمم المتحدة کما یرى الأستاذ "جاکی" یتم بالإرادة المنفردة للمنظمة ذاتها وفقاً لمبدأ الأغلبیة فی التصویت وتسری حتى على الدول التی لم تقبل فهی تمثل حجة فی مواجهة الکافة کقاعدة قانونیة جدیدة.
الخاتمة
اولا- النتائج:-
1- ان نص المادة(38) من النظام الاساسی لمحکمة العدل الدولیة لم یحدد المصادر بشکل حصری وشامل وذلک لکون هذا النص منقول حرفیا من نص المادة (38) من النظام الاساس للمحکمة الدائمة للعدل الدولی عام 1920 وهو نص قدیم لم یواکب تطور المجتمع الدولی المعاصر وازدیاد عدد المنظمات الدولیة.
2- ان لقرارات المنظمات الدولیة دور مباشر فی ارساء القواعد القانونیة باعتبارها مصدرا شکلیا للقاعدة القانونیة.
3- ان لقرارات المنظمات الدولیة دور غیر مباشر فی ارساء القواعد القانونیة عندما تتداخل مع غیرها من العناصر الاخرى فیسهم فی تکوین القاعدة الدولیة کإسهامها فی ابرام المعاهدات الدولیة وتکوین العرف الدولی.
4- ان القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة تمثل احدى المصادر الشکلیة للقواعد القانونیة الدولیة, فالمصادر الدولیة متعددة ولا تقتصر على التشریع فقط وهو ما تؤکده المادة 38 من النظام الاساسی لمحکمة العدل الدولیة.
ثانیا- التوصیات:-
1- تعدیل نص المادة 38 من النظام الاساس لمحکمة العدل الدولیة بالنص على ان قرارات المنظمات الدولیة هی احدى مصادر القاعدة القانونیة الدولیة.
2- اقامة نظام مؤسساتی موحد على غرار الانظمة الداخلیة الوطنیة عن طریق تنازل اعضاء المجتمع الدولی عن بعض من سیادتهم لمصلحة اقامة هذا النظام یتکون من اجهزة مختلفة ومنها جهاز تشریعی موحد دولیا.
The Authors declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English
First: - Books: -
1- Dr. Aisha Rabet, International Organization, Book II, Arab Renaissance House, Cairo, 1971.
2- Dr. Abdul Aziz Sarhan, International Administrative Law, Faculty of Law, Ain Shams University, 1978.
3. Dr. Mohamed Sami Abdel Hamid, Origins of International Law, C1, International Community, I2, University Culture Foundation, 1980.
4. Dr. Mohamed Talat Al-Ghanimi, Concept of International Legislation, Some Modern Trends in Public International Law, Knowledge Facility, Alexandria, 1974.
5. Dr. Mustafa Ahmed Fouad, General Theory of International Behavior suppreted by The Individual Will, Knowledge Facility, Alexandria, 1984.
6- Mustafa Ahmed Fouad, General Theory of International Behavior suppreted by The Individual Will, Knowledge Facility, Alexandria, 2009.
7- D-Mufid Shihab, International Organizations, I4, Arab Renaissance House, Cairo, 1978.
Second: - Messages and frameworks:-
1- Abdullah Ali Abbou, Decisions of international organizations and sources of international law, master's letter to the Council of the Faculty of Law, Mosul University, 2000.
2- Mohammed Al-Saeed Al-Daqaq, General Theory of Decisions of International Organizations and Their Role in Establishing The Rules of International Law, Doctoral Thesis presented to the Faculty of Law Faculty of Alexandria University, 1973.
Third: - International resolutions and charters: -
1- UN Charter M2F2
Resolution 147/2 on November 21, 1947
Resolution 502/4 on January 11, 1952