إصابات العمل فی القوانین العراقیة (التعریف والعناصر) –دراسة مقارنة-(*)-
Work related Injuries in the Iraqi Law : Definition and Elements
|
علیاء غازی طاهر حسن محمد علی حسن
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Alia Ghazi Taher Hassan Mohamed Ali Hassan
College of law / University of Mosul College of law / University of Mosul
Correspondence:
Alia Ghazi Taher
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی 26/6/2018 *** قبل للنشر فی 4/11/2018.
(*) Received on *** accepted for publishing on .
Doi: 10.33899/alaw.2020.165779
© Authors, 2020, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
تعد اصابات العمل فی وقتنا الحاضر من المشاکل المهمة والخطیرة التی تواجه النشاط الاقتصادی فی معظم البلدان وذلک بسبب ما یشهده العالم من نهضة صناعیة کبیرة استخدمت فیها مختلف انواع الآلات والمکائن والمواد الأولیة ولذلک ظهرت اهمیة کبیرة لتنظیم الاحکام الخاصة بضمان اصابات العمل والذی یتمیز بأهمیتهِ من الناحیتین الاجتماعیة و الاقتصادیة، فمن الناحیة الاجتماعیة، ترجع اهمیته إلى کثرة المشمولین بأحکام ضمان اصابات العمل وإلى عمق تأثیره فی حیاتهم، کما یهدف التأمین ضد خطر اصابات العمل إلى حمایة قوى الانتاج البشریة وهم الغالبیة العظمى فی المجتمع، اما من الناحیة الاقتصادیة فان اصابات العمل تکبد الدول خسائر کبیرة سواء البشریة منها ام المادیة والتی لها اثر بالغ على الدخل القومی للدول وعلى سائر الحیاة الاقتصادیة، وان هذا التنظیم لأحکام ضمان اصابات العمل یتطلب اولاً تحدید المقصود بإصابات العمل من النواحی التشریعیة والقضائیة والفقهیة ومن ثم بیان العناصر التی تدخل فی تکوین اصابة العمل من اجل تحدید ما یعتبر وما لا یعتبر من قبیل اصابات العمل الموجبة للضمان فی نطاق قانون الضمان الاجتماعی العراقی والقوانین المقارنة فی کل من مصر والاردن وفرنسا.
الکلمات المفتاحیة: إصابات العمل، الضمان الاجتماعی، قانون العمل.
Abstract:
Work related injuries are considered a serious problem facing the world due to the shift to large-scale machinery -operated manufacturing plants. Thus, regulating employment injury insurance has become vital for social and economic development. Its social significance stems from the large number of people who are covered by these provisions on work injury insurance, as well as the extent to which it affects their lives. Indeed, insurance against the risk of work injuries aims to protect the workforces who constitute the vast majority of societies. Economically, work injuries and illness are matters of health but they also of heavy economic burden exceeding lost income and health expenses. Regulating work-injury insurance provisions necessitates first defining what is meant by work-related injuries from a legislative, judicial, and jurisprudential standpoint, and then clarifying the elements that go into the formation of a work-related injury in order to determine what is and is not considered to be work-related injuries within the scope of the Iraqi Social Security Law and the comparative laws in Egypt, Jordan, and France.
Keywords: work injuries and illnesses, definition of work injuries insurance, social security and labour law, Iraqi law,
المقدمـة
ان التطور الصناعی الهائل والانتشار المتزاید لاستعمال الآلات فی مختلف مجالات العمل ادى إلى تعرض العمال إلى مخاطر عدیدة، فاصبحوا معرضین للإصابات التی تعد من اکثر المخاطر التی تعرض لها العامل فی حیاته، فقد اکدت العدید من تقاریر الصحة والسلامة فی بیئة العمل والصادرة عن منظمة العمل الدولیة ان سوق العمل یتکبد خسائر سنویة تقدر بملایین الدولارات نتیجة لإصابات العمل کما اشارت إلى أن خسائر سوق العمل على مستوى العالم قد تصل إلى ملیونی عامل سنویاً نتیجة وفاتهم اثناء ادائهم واجباتهم المهنیة ولذلک تعد اصابات العمل من اولى المخاطر التی حاول المشرعون فی مختلف الدول مواجهتها سواء بالعمل على وقایة العمال منها ام بتوفیر الحمایة القانونیة له فی حالة وقوعها من خلال التعویض عنها، ولذلک عملت غالبیة القوانین إلى تحدید المقصود بإصابة العمل واستخلاص عناصرها لیکون ذلک بدایة التنظیم القانونی لضمان اصابات العمل.
اهمیة البحث:
تبرز اهمیة بحثنا هذا فی تحدید المقصود بإصابة العمل والعناصر المکونة لها کخطوة اولى فی سبیل حمایة العمال من هذا النوع من المخاطر، کما ان تحدید العناصر المکونة لإصابة العمل سوف تساعد وإلى حد کبیر فی اثبات کون ما تعرض له العامل من اصابة هی اصابة عمل موجبة للضمان وبالتالی سوف تساعد فی حصول العمال المصابین على حقوقهم المالیة والعینیة المترتبة على ضمان اصابات العمل.
فرضیة البحث:-
والتی تتمحور حول امکانیة تحدید مفهوم واضح ومحدد لإصابة العمل والتحقق من توافر العناصر المکونة لها ومن ثم تسهیل مسالة اثبات ان ما تعرض له العامل هی اصابة عمل موجبة للضمان من عدمه، حیث ان تلک العناصر قد لا تتوافر بمجملها فی الاصابة فهل تعتبر الاصابة فی هذه الحالة هی اصابة عمل ام لا؟
منهجیة البحث:
لقد اعتمدنا فی هذا البحث على المنهج التحلیلی لنصوص القوانین العراقیة التی نظمت احکام اصابة العمل وبالمقارنة مع نصوص قوانین العمل والضمان الاجتماعی فی کل من مصر والاردن وفرنسا.
هیکلیة البحث:
لقد قسمنا دراستنا فی هذا البحث إلى مبحثین اثنین وکما یأتی:
المبحث الاول : مفهوم اصابة العمل فی القوانین العراقیة والقوانین المقارنة.
المبحث الثانی: عناصر اصابة العمل فی القانون العراقی والقوانین المقارنة.
المبحث الاول
مفهوم اصابة العمل فی القوانین العراقیة والقوانین المقارنة
لتحدید مفهوم اصابة العمل بشکل واضح ومحدد ینبغی تعریفها من النواحی التشریعیة والفقهیة والقضائیة فی کل من العراق والقوانین المقارنة وهذا ما سنتناوله، فی هذا المبحث وضمن المطالب الآتیة:
المطلب الاول
التعریف التشریعی
قلما تعنى التشریعات بالنص على تعریف محدد لفکرة ما، إلا فی حالات استثنائیة، کأن یرغب المشرع بحسم نزاع فقهی قائم أو تحدیداً لمفهوم اختلف القضاء بشأنه وهو ما ینطبق على تعریف اصابة العمل فی القانون العراقی فلم یتضمن قانون الضمان العراقی رقم (27) لسنة 1956 وهو اول قانون للضمان الاجتماعی فی العراق ای تعریف لإصابة العمل اذ انه لم یعتبر اصابات العمل من ضمن المخاطر المضمونة آنذاک کما ان کلاً من قانون العمل العراقی رقم (72) لسنة 1936 وقانون العمل رقم (1) لسنة 1958 لم ینص أیًّا منهما على تعریف لإصابة العمل على الرغم من تضمن کل منهما لإحکام خاصة بتأمین العمال ضد اصابات العمل، إلا أن قانون الضمان الاجتماعی العراقی رقم (140) لسنة 1964 قد عرف ولأول مرة اصابة العمل بأنها "الاصابة التی تقع للشخص المضمون نتیجة حادث ناشئ من جراء العمل أو فی اثنائه أو بسبب أحد الامراض المهنیة التی تصیبه اثناء عمله والمدرجة فی الجدول الملحق بهذا القانون واذا تعرض الشخص المضمون لحادث اثناء ذهابه إلى محل عمله أو اثناء عودته منه اعتبر ذلک الحادث کإصابة عمل لأغراض هذا القانون وبشرط ان یسلک طریقاً مباشراً فی الذهاب والایاب دون توقف لسبب تفرضه المصلحة الشخصیة"، کما تضمن القانون ایضاً تعاریف اخرى لها صلة مباشرة بإصابة العمل لبیان ماهیتها منها تعریفه للعطل بأنه "حالة تنجم عن اصابة العمل التی تقع للشخص المضمون وتحد من قابلیته على العمل بدرجة لا تقل عن (15%) مع احتمال استمرارها لأکثر من ستة اشهر"، کما عرف ایضاً اعانة الاصابة بانها "الاعانة النقدیة التی تدفع للشخص المضمون المصاب بعطل مؤقت اقعده عن ممارسة عمله نتیجة الاصابة".
وفیما یخص قانون الضمان الاجتماعی العراقی المرقم (112) لسنة 1969 فانه قد تضمن ایضاً تعریفاً لإصابة العمل مشابها إلى حد کبیر للتعریف الوارد فی القانون السابق إلا انه قد شدد من الشروط الواجب توفرها فی الاصابة الناتجة عن حادث الطریق فقد عرف اصابة العمل بانها "الاصابة التی تقع للشخص المضمون نتیجة حادث اثناء تأدیة العمل أو بسببه او الاصابة بأحد الامراض المهنیة المدرجة فی الجدول الملحق بهذا القانون واذا تعرض الشخص المضمون لحادث اثناء ذهابه إلى محل عمله او اثناء عودته منه اعتبر ذلک الحادث کإصابة عمل لأغراض هذا القانون وبشرط ان یسلک طریقاً مباشراً فی الذهاب والایاب دون توقف أو تخلف أو انحراف عن الطریق الطبیعی".
کما عرف ایضاً العطل بانه "حالة تنجم عن اصابة العمل التی تقع للشخص المضمون وتحد من قابلیته على العمل بدرجة تقررها اللجنة الطبیة مع احتمال استمراراها لأکثر من ستة اشهر".
ویتضح من هذا التعریف ان المشرع قد کان اکثر مرونة فی عدم تحدیده نسبة معینة لنقصان قدرة العامل على العمل وترک ذلک إلى اللجنة الطبیة المختصة وقد کان موفقاً فی ذلک اما تعریف اعانة الاصابة الوارد فی هذا القانون فقد جاء مماثلاً تماماً للتعریف الوارد فی القانون السابق.
وعند صدور قانون التقاعد والضمان الاجتماعی رقم (39) لسنة 1971 النافذ فأنه قد تضمن ایضاً تعریفاً لإصابة العمل نصه ان "اصابة العمل: الاصابة بمرض مهنی او الاصابة بعطل عضوی نتیجة حادث وقع اثناء العمل أو بسببه ویعتبر فی حکم ذلک الحادث الذی یقع للعامل المضمون اثناء ذهابه المباشر إلى العمل أو اثناء عودته المباشرة منه، وتحدد الامراض المهنیة والاعطال العضویة ونسبة العجز الذی تخلفه کل منهما، بجداول ملحقة بهذا القانون تصدر بقرار من الوزیر بناء على اقتراح مجلس الادارة بعد استطلاع رأی وزارة الصحة کما تحدد بالخبرة الطبیة فی الحالات غیر الملحوظة بالجداول المذکورة". ومن الملاحظ ان هذا التعریف قد جاء مطولاً ومتضمناً تفاصیل عدیدة کان من الافضل ان یتم اختصارها لیکون التعریف اکثر دقة ووضوحاً وترکیزاً فی معناه کما ان هذا التعریف قد تضمن مصطلح العطل العضوی فی حین نجد ان هذا القانون لم یتضمن تعریفاً لمصطلح العطل خلافاً للقوانین السابقة کما انه لم یتضمن تعریفاً لإعانة الاصابة إلا أنه عرف المرض المهنی وحدد معناه کما عرف العجز ایضاً ضمن نصوصهِ(*)، وفیما یخص القوانین المقارنة نجد ان المشرع المصری قد عرف اصابة العمل فی قانون التأمین الاجتماعی المصری رقم (79) لسنة 1975 النافذ بأنها "الاصابة بأحد الامراض المهنیة المبینة بالجدول رقم (1) المرافق، او الاصابة نتیجة حادث وقع اثناء تأدیة العمل او بسببه، وتعتبر الاصابة الناتجة عن الاجهاد او الارهاق من العمل اصابة عمل متى توافرت فیها الشروط والقواعد التی یصدر لها قرار من وزیر التأمینات بالاتفاق مع وزیر الصحة، ویعتبر فی حکم ذلک کل حادث یقع للمؤمن علیه خلال فترة ذهابه لمباشرة عمله أو عودته منه بشرط ان یکون الذهاب او الایاب دون توقف أو تخلف أو انحراف عن الطریق الطبیعی".
ومن الملاحظ ان المشرع المصری فی تعریفه لإصابة العمل قد بین وحدد طبیعة علاقة الارتباط بین الواقعة مصدر الاصابة والنشاط المهنی الذی یزاوله العامل لحساب صاحب العمل وهو ما ینطبق ایضاً على تعریف اصابة العمل الواردة فی القانون العراقی إلا أن المشرع المصری قد اضاف فی هذا التعریف حالة أو نوع جدید من انواع الاصابة وهی تلک الناتجة عن الاجهاد أو الارهاق متى ما توافرت فیها الشروط والقواعد التی یحددها الوزیر المختص وهو ما لم نجده فی تعریف الاصابة الوارد فی القانون العراقی.
اما قانون التأمینات الاجتماعیة والمعاشات رقم (135) لسنة 2010 والذی یسری على الاشخاص الذین لا تتوافر بشأنهم شروط الخضوع لقانون التأمین الاجتماعی المصری النافذ فأنه قد نص ایضاً على تعریف اصابة العمل بأنها "الاصابة بأحد الامراض المهنیة المبینة بالجدول المرافق الخاص بهذه المادة أو الاصابة نتیجة حادث وقع اثناء العمل او بسببه، او خلال فترة الذهاب لمباشرة العمل او العودة منه دون تخلف او توقف او انحراف عن الطریق الطبیعی وکذلک حالات الاجهاد او الارهاق من العمل بالشروط التی تحددها اللائحة التنفیذیة لهذا القانون".
ویبدو ان هذا التعریف افضل من التعریف الوارد فی قانون التامین المصری لسنة 1975م من حیث الدقة والوضوح فی الصیاغة والمضمون.
اما قانون الضمان الاجتماعی الاردنی رقم (1) لسنة 2014 النافذ فقد عرف اصابة العمل بانها "الاصابة بأحد امراض المهنة المبینة فی الجدول رقم (1) الملحق بهذا القانون وای امراض اخرى یقرر المجلس اضافتها لهذا الجدول بناءً على تنسیب المرجع الطبی او الاصابة الناشئة عن حادث وقع للمؤمن علیه اثناء تأدیته لعمله او بسببه بما فی ذلک کل حادث یقع له خلال ذهابه لعمله او عودته منه شریطة ان یکون ذلک بالشکل المعتاد او ان یکون الطریق الذی سلکه مساراً مقبولاً للذهاب للعمل او الایاب منه".
ومن خلال قراءة هذا التعریف یتضح ان المشرع الاردنی قد کان مرناً فی تحدیده لمعنى اصابة العمل اذ انه ترک مجال الاجتهاد مفتوحاً- وبالأخص فیما یتعلق بالأمراض المهنیة- فی تحدیده للإصابات التی تشکل اصابات عمل طبقاً لکل حالة على حدى بالنظر إلى التطورات المختلفة وخصوصاً التطور الصناعی وما سیتبعه ذلک من تطور لوسائل الانتاج وادواته.
وکذلک نجد ان قانون العمل الاردنی رقم (8) لسنة 1996 النافذ قد تضمن ایضاً تعریفاً لإصابة العمل اذ عرفها بانها "اصابة العامل نتیجة حادث اثناء تأدیة العمل او بسببه ویعتبر فی حکم ذلک الحادث ما یقع للعامل اثناء ذهابه لمباشرة عمله او عودته منه"، ویبدو ان هذا التعریف قد جاء مرکزاً ومختصراً کما انه لم ینص على الامراض المهنیة باعتبارها اصابة عمل إلا انه عرفها بشکل مستقل علماً ان قانون العمل الاردنی النافذ قد نظم الاحکام الخاصة بضمان اصابات العمل وامراض المهنة ضمن الفصل العاشر من هذا القانون حیث تطبق هذه الاحکام على العمال الذین لا تسری علیهم احکام قانون الضمان الاجتماعی النافذ.
وفی اطار التشریعات الاجنبیة(*)، نجد ان القانون الفرنسی قد عرف اصابة العمل حیث نص على انه "تعتبر کإصابة عمل أیًّا کان سبب حدوثها الاصابة التی تحدث بفعل او بمناسبة العمل لکل عامل وکل من یعمل بأیة صفة او فی ای مکان یعمل فیه لدى واحد او اکثر من اصحاب الاعمال او رؤساء المشروعات".
ومن الملاحظ ان المشرع الفرنسی قد اکتفى بوضع المعاییر العامة فی تعریفه لإصابة العمل ولم یدخل فی التفاصیل تارکاً ذلک لاجتهاد الفقه والقضاء کما أنه لم یشترط توافر التبعیة القانونیة واکتفى بالتبعیة الاقتصادیة فی علاقة العامل بصاحب العمل لاعتبار اصابته اصابة عمل وقد کان موفقاً فی ذلک من اجل اضفاء الحمایة على اکبر عدد ممکن من العمال المصابین وعلى صعید مستویات العمل الدولیة فقد عرف المؤتمر الدولی للعمل لسنة 1944 اصابة العمل بأنها " الاصابة او المرض بسبب العمل دون تعمد أو نتیجة خطأ ارادی او جسیم من جانب العمل یفضی إلى عجز مؤقت او دائم أو إلى الوفاة".
ویبدو ان هذا التعریف قد اورد عدداً من الشروط الواجب توافرها لاعتبار الاصابة التی تلحق بالعامل اصابة عمل والاثار التی تنجم عنها.
المطلب الثانی
التعریف القضائی
لقد اختلفت مواقف القضاء من تعریف اصابة العمل وما یترتب علیها من آثار حیث ان القضاء العراقی لم یتناول اصابات العمل بالتعریف واکتفى بالتعاریف الواردة ضمن قوانین الضمان الاجتماعی فی تحدید الاصابات الموجبة للضمان فی حین نجد ان القضاء المصری قد عرف اصابة العمل فی الکثیر من القرارات الصادرة عن محکمة النقض المصریة والتی عرفتها بأنها "الاصابة نتیجة حادث وقع بغتة بفعل قوة خارجیة اثناء العمل او بسببه ومس جسم العامل واحدث به ضرراً".
اما المحکمة الاداریة العلیا فقد عرفت اصابة العمل بأنه "کل حادث یقع للمؤمن علیه خلال فترة ذهابه لمباشرة عمله او عودته منه بشرط ان یکون الذهاب والایاب دون توقف او انحراف او تخلف عن الطریق الطبیعی".
ولم یکتفی القضاء المصری بتعریف اصابة العمل کنوع من انواع المخاطر الاجتماعیة التی یغطیها الضمان انما قام ایضاً بتعریف التأمین على تلک الاصابات حیث عرفت محکمة النقض المصریة تأمین اصابة العمل بأنه "الزام اصحاب الاعمال بالتأمین لدى هیئة التأمین والمعاشات أو الهیئة القومیة للتأمینات الاجتماعیة بحسب الاحوال على عمالهم ضد اخطار العمل للحصول على العلاج واجر الاجازة اللازمة لهذا العلاج فضلاً عن تعویض العجز المستدیم اذا لم یتم الشفاء وتعویض ذویهم فی حالة الوفاة وهذا التعویض هو تعویض قانون رسم الشارع معالمه ووضع له معیاراً یدور ویتحرک مع الاجر ونسبة العجز ولا سلطان لقاضی الدعوى فی تقدیره"، ویبدو أن هذا التعریف قد بین وبشکل واضح ودقیق اهم النقاط الاساسیة فی ضمان اصابات العمل.
ویتضح من خلال ما ورد سابقاً ان القضاء المصری قد کان له دور مهم ولسنوات عدیدة فی توضیح وتحدید المقصود بإصابة العمل وکذلک التأمین ضد اصابات العمل وهو امر یحسب للقضاء المصری المعروف بتأثره الکبیر بالقضاء الفرنسی.
اما بالنسبة إلى القضاء الاردنی فان محکمة التمییز الاردنیة قد اوردت فی احد قراراتها القدیمة تعریفاً لإصابة العمل بأنها "تلک الاصابة الناشئة عن حادث فجائی یحدث ضرراً جسمانیاً للعامل اثناء العمل او بسببه ویشمل ذلک مخاطر الطریق".
ویبدو أن هذا التعریف لم یشمل الامراض المهنیة باعتبارها نوعاً من انواع المخاطر التی تتدرج ضمن مفهوم اصابة العمل وبالتالی فان هذا یعنی اخراجهما من نطاق الحمایة التی یضمنها التأمین ضد اصابات العمل، وفی قرار آخر عرفت محکمة التمییز الاردنیة اصابة العمل بانها "تلک الاصابة نتیجة حادث وقع للعامل اثناء تأدیة العمل او بسببه ویعتبر فی حکم ذلک کل حادث یقع للعامل اثناء ذهابه لمباشرة عمله او عودته منه". ویبدو ان هذا التعریف مشابه إلى حد کبیر للتعریف الوارد فی القرار السابق.
وفیما یخص القضاء الفرنسی فان محکمة النقض الفرنسیة قد ذهبت فی کثیر من احکامها إلى تعریف الاصابة بأنها "ذلک الضرر الذی یصیب الجسم الادمی نتیجة فعل مفاجئ Action soudaine وعنیف Violente ناشئ عن سبب خارجی extérieure Une cause".
کذلک اوردت محکمة النقض الفرنسیة تعریفاً اخر لا یختلف کثیراً عن التعریف المذکور آنفاً إذ عرفتها بانها "ضرر جسمانی نشأ عن واقعة خارجیة مباغتة وعنیفة" .
ویلاحظ ان هذه التعاریف قد جاءت بعبارات عامة ومختصرة ومقتصرة على الاصابة التی تحدث بفعل عنیف ومباغت وخارجی دون التطرق إلى الامراض المهنیة او حوادث الطریق ودون ان تشترط ای ارتباط بین الاصابة والعمل.
کما قضت محکمة النقض الفرنسیة فی احدى قرارتها ایضاً بأن "الظهور المفاجئ فی مکان العمل وزمانه لإصابة جسدیة والذی کشف عنه الالم الذی شعر به العامل بغته یعد فی ذاته اصابة عمل مالم یثبت صاحب العمل او صندوق التأمین الاجتماعی ان الاصابة ترجع إلى سبب اجنبی تماماً عن العمل".
علماً ان الجمعیة العمومیة لمجلس الدولة الفرنسی قد عرفت ایضاً اصابة العمل فی احدى الفتاوی الصادرة عنها والتی جاء بها "أن المقصود بإصابة العمل الحادث الذی یقع فجأة بفعل قوة خارجیة اثناء العمل او بسببه ویمس الجسم ویحدث به ضرراً".
ویبدو ان فتوى الجمعیة العمومیة لمجلس الدولة الفرنسی فی تعریفها لإصابة العمل قد اشترطت ان تکون الاصابة اثناء العمل او بسببه فضلاً عن بیانها للعناصر المکونة لإصابة العمل إلا انها لم تعتبر الامراض المهنیة کنوع من انواع اصابات العمل وکذلک الحال بالنسبة إلى حوادث الطریق وهو ما یؤخذ على هذا التعریف والتعاریف السابقة.
ومن خلال استعراضنا لمواقف القضاء العراقی وبالمقارنة مع مواقف القضاء فی کل من مصر والاردن وفرنسا من تعریف اصابة العمل وتحدید عناصرها نجد ان القضاء العراقی لم یکن له ای دور او ایة محاولة تذکر فی وضع مثل هذا التعریف وبالأخص فی الفترة السابقة لصدور قانون الضمان الاجتماعی رقم (140) لسنة 1964 حیث خلت کل من قوانین العمل والضمان الاجتماعی الصادرة آنذاک من ای تعریف لإصابة العمل الامر الذی کان یستلزم تدخل القضاء لسد هذا النقص وتلافی القصور فی تلک التشریعات عند الفصل فی القضایا المتعلقة بإصابات العمل خلال تلک الفترة، وحتى بعد صدور قانون الضمان الاجتماعی رقم (140) لسنة 1964 وهو اول قانون ضمان اجتماعی عراقی یتضمن تعریفاً محدداً لإصابة العمل نجد ان القضاء العراقی لم یکن له دور فاعل وبارز فی تحدید عناصر اصابة العمل وشروطها ولا یزال دوره محدوداً فی هذا الشأن.
واخیراً وبعد استقراءنا للتعاریف العدیدة التی ذکرت لتحدید المقصود بإصابة العمل فقد توصلنا إلى وضع تعریف مختصر ومحدد لإصابة العمل بانها "کل ضرر یصیب العامل جسدیاً ویحدث خللاً فی قدرته على اداء عمله المعتاد کلیاً او جزئیاً مؤقتاً او دائمیًّا اثناء تأدیته لعمله او بسببه بما فی ذلک الامراض المهنیة والحوادث التی تقع للعامل اثناء ذهابه لأداء عمله او العودة منه".
المطلب الثالث
التعریف الفقهی
ان اغلب تشریعات الضمان الاجتماعی الوطنیة وکذلک الاتفاقیات والتوصیات الدولیة لم تضع تعریفاً جامعاً مانعاً لإصابة العمل مما دفع الفقهاء إلى تعریف اصابة العمل وبیان عناصرها فی محاولة لإزالة ای غموض او نقص بالتعاریف الواردة فی تلک التشریعات ولقد حاول بعض الفقهاء التفرقة بین اصطلاح اصابة العمل وحادث العمل وترجیح استعمال مصطلح حادث العمل ومنهم الدکتور علی العریف والذی کان یرى ان سبب التفرقة بین المصطلحین هو ان الحادث اهم واوسع من الاصابة فکل اصابة لابد ان تنتج عن حادث ولیس کل حادث لابد ان ینتج عنه اصابة ثم انه یرى ان لفظ الحادث یعبر عن معنى الفجائیة وهی احدى الخصائص التی تمیز اصابة العمل بالمعنى الضیق عن المرض المهنی.
ولقد حدد الدکتور على العریف المقصود بحادث العمل بانه الفعل الفجائی الذی یحدث اثناء وقت العمل او بسبب العمل وینتج عنه اصابة عمل، وفی الرد على هذا الرأی فأن الدکتور محمود جمال الدین زکی کان یرى ان الحادثة هی السبب الخارجی الذی احدث الضرر فی جسم العامل بینما الاصابة هی الضرر الجسمی الناشئ عنها، وبالتالی فان مصطلح اصابة العمل هو الانسب والاکثر ملائمة للاستخدام واننا نتفق مع هذا الرأی لان القانون لا یهتم بالحادث الذی لا ینتج عنه ضرر لجسم العامل فالحادثة التی لا ینشأ عنها ضرر لجسم المؤمن علیه تخرج جمیع اثارها عن قانون الضمان الاجتماعی فلو انهار مصنع على عماله ولکن دون ان یصاب احد منهم بأذى فلا اعمال لقواعد ضمان اصابات العمل مهما کانت الخسائر المادیة وکذلک الحال بالنسبة إلى العامل الذی یسقط من اعلى البنایة التی یعمل بها ولکنه نهض سلیماً ولم یصبه اذى فهذه الحالات وان توفر فیها معنى الحادثة إلا انه لم ینجم عنها اصابة عمل وبالتالی فإننا نجد ان مصطلح اصابة العمل هو الادق لما یکمن فیه من عنصر الضرر الذی یمثل عصب الضمان ضد اصابات العمل.
کما ان بعض الفقهاء الفرنسیین یطلقون على اصابة العمل التی تکون نتیجة حادث مفاجئ وعنیف اضافة إلى شروط اخرى اصطلاح اصابة العمل بالمعنى الضیق:
(Accidents du travail stricto Sensu)
ویطلق علیها البعض الاخر وهو المصطلح الشائع اصابة العمل بالمعنى الحقیقی: (Accident du travail proprement dit) للتفرقة بینها وبین الاصابة بالمرض المهنی وتلک الاصابة التی تحدث على الطریق، وذلک لاختلاف الاحکام الخاصة بکل منها مما یتطلب التمییز بینها.
ولقد وجد الفقهاء ان التعاریف الواردة فی قوانین الضمان الاجتماعی قد کانت اغلبها تکتفی بتحدید طبیعة علاقة الارتباط بین الواقعة مصدر الاصابة وبین النشاط المهنی الذی یزاوله العامل لحساب صاحب العمل دون ابراز الخصائص التی یجب ان تتسم بها تلک الواقعة ولذلک فقد کانت هنالک بعض المحاولات القلیلة لتعریف اصابة العمل بشکل ادق واوضح فلقد عرف الدکتور صادق مهدی السعید اصابات العمل بأنها المخاطر التی تعرض جسم العامل إلى الاذى بغتة او بمرور الزمن من جراء نشاطه المهنی.
ویبدو ان هذا التعریف قد جاء مختصراً جداً وقد اشترط ان تکون اصابة العامل نتیجة لنشاطه المهنی لاعتبارها اصابة عمل کما انه لم یبین انواع الاصابات التی تدخل ضمن مفهوم اصابة العمل وبالتالی تسری علیها احکام الضمان.
کما عرف الدکتور صادق مهدی السعید اصابات العمل مرة اخرى بانها الاصابات التی یتعرض الیها العامل وتجلب الاذى إلى جسمه فجأة او تدریجیاً او بسبب العمل او فی اثنائه ومن جرائه.
ولقد عرف الاستاذ عبدالعزیز الهلالی اصابة العمل بانها واقعة مادیة تحدث فیرتب علیها القانون بشروط معینة اثاراً قانونیة وتلتزم الهیئة العامة للتأمینات الاجتماعیة بالتطبیق لأحکام قانون التأمینات الاجتماعیة قبل المصاب بمجرد تحقق وقوع الاصابة باعتبارها الجهة المومن لدیها بالتزامات معینة وهی:
1. علاجه إلى أن یشفى من اصابته أو یثبت عجزه.
2. صرف معونة مالیة طوال فترة عجزه عن اداء عمله تعادل اجره المسدد عنه الاشتراک وبدون حد اقصى.
3. صرف معاش او تعویض له او للمستحقین عنه فی حال تخلف عجز مستدیم لدیه او فی حالة وفاته بسبب الاصابة.
ومن الملاحظ ان هذا التعریف قد جاء مطولاً ومکتفیاً بذکر الاثار التی سوف تترتب على الاصابة دون بیان العناصر والشروط الواجب توفرها لاعتبار الاصابة التی یتعرض لها العامل کإصابة عمل.
ومن التعاریف الاخرى لإصابة العمل انها اذى یلحق بجسم العامل نتیجة حادث فجائی سواء أکان فعله ظاهراً أم خفیاً فإن لم یکن للعامل علاقة مباشرة او غیر مباشرة بحدوث هذا الاذى کتعرض ای انسان آخر له تطبق على النزاع قواعد القانون المدنی فی المسؤولیة ویجری تقدیر الضرر على ضوء قواعد خاصة اتى بها القضاء الفرنسی بعد اثبات خطأ او تقصیر من احدث الضرر ووجوده ونشأته مباشرة عن الخطأ ویدفع التعویض عن الضرر کاملاً ولیس جزافاً کما هو الحال فی قوانین الضمان الاجتماعی.
وهنالک من یعرف اصابة العمل بانها الضرر الذی یلحق الجسم نتیجة تأثیر خارجی مفاجئ، ومن الواضح ان هذا التعریف قد جاء بعبارات عامة وغیر محددة بشرط مهم واساسی وهو ارتباط الاذى الذی یتعرض له جسم العامل بالنشاط المهنی الذی یمارسه وهو ما یمیز اصابة العمل عن الاصابات الاخرى التی یتعرض لها الانسان فی حیاته بشکل عام.
اما فی فرنسا فقد استقر الفقه ومنذ بدایة العمل بتشریع 9 نیسان/ ابریل 1898 على ایراد بعض التعاریف البسیطة عن اصابة العمل تارکین الامر للقضاء الفرنسی فی تحدید المقصود بإصابات العمل من بینهم الفقیه الفرنسی Sachet والذی حدد المقصود بإصابات العمل بأنها الاصابات الجسمانیة التی تصیب العمال اثناء مزاولتهم العمل او بسبب هذا العمل. اما الفقیه Marestaing فأنه قد عرف اصابة العمل بشکل عام بانها المساس بجسم آدمی نتیجة فعل عنیف ومباغت ناشئ عن سبب خارجی.
ویبدو أن هذا التعریف لم یحدد شروط الاصابة اللازمة لاعتبارها اصابة عمل کما لم یبین العلاقة الواجب توافرها بین الحادث والمهنة التی یمارسها العامل لاعتبار الاصابة اصابة عمل، ومن التعاریف الاخرى التی اوردها الفقه الفرنسی لإصابة العمل انها اذى یصیب الجسم ظاهراً أو غیر ظاهر داخلی أو خارجی.
کما عرف الفقه الفرنسی اصابة العمل بانها ضرر جسدی یعزى إلى حدث بسبب مفاجئ وعام وخارج عن الارادة یقع عادة بسبب العمل، کما تعد اصابة عمل مهما کان سببها تلک التی تقع اثناء قیام العامل بالعمل، ویتضح مما سبق ان التعاریف التی ذکرها الفقه الفرنسی لإصابة العمل قد کانت موجزة ومختصرة بشکل کبیر لان القضاء الفرنسی کان صاحب الدور الاکبر فی تحدید المقصود بإصابة العمل عند الفصل فی القضایا التی کانت ترفع امامه.
المبحث الثانی
عناصر اصابة العمل فی القانون العراقی والقوانین المقارنة
بعد ان استعرضنا فی المبحث السابق تعریف اصابة العمل قانوناً وفقهاً وقضاءً فقد توصلنا إلى أن هنالک مجموعة عناصر اساسیة لإصابة العمل یمکن اجمالها ضمن المطالب التالیة:
المطلب الاول
الضرر الجسمانی
یجب ان یترتب على اصابة العمل الموجبة للضمان وکنتیجة حتمیة اضرار بجسم الانسان وسلامته البدنیة ویستوی فی ذلک ان یکون الضرر خطیراً او بسیطاً، مستدیماً او مؤقتاً، ظاهریاً او خفیاً، عضویاً او نفسیاً وذلک یعنی ان ای مساس بجسم الانسان یجب ان یؤخذ فی الاعتبار أیًّا کانت طبیعته.
ولکن المساس بجسم العامل لا یتطلب ان یحصل احتکاک مادی بهذا الجسم کما ان جسم الانسان یجب ان یفسر بمعنى واسع یشمل صحته بوجه عام، بحیث تعتبر الاضطرابات النفسیة والعصبیة مساساً بجسم الانسان وبالتالی من قبیل الحوادث ولو لم تصطحب بإصابات عضویة او جروح.
والاصابة بهذا المفهوم الواسع یجب ان تثبت طبیاً ای یجب ان تکون مؤکدة سواء تحققت بالفعل او ستتحقق حتماً فی المستقبل فإذا تعرض المؤمن علیه لأشعة ضارة ولم یثبت طبیاً ان هنالک ضرر قد اصابه اثر ذلک فأن النظام القانونی للضمان الاجتماعی لا یمکن ان یکفل له ادنى حمایة فی مواجهة الاثار المحتملة للتعرض لهذه الاشعة الضارة. ولذلک فلا تتحقق الاصابة بالمفهوم الذی نقصده فی حالة عدم وقوع ای اذى جسمانی لصعوبة تحدید مدى جسامتها وتأثیرها على قدرات العامل فی أداء العمل.
اما الضرر الذی یصیب العامل فی ماله کتمزیق ملابسه او فقد نقوده وکذلک الضرر الادبی الذی یصبه فی عواطفه او شرفه فلا یشملها ضمان اصابات العمل وانما یکون التعویض عن هذه الاضرار وفقاً للقواعد العامة فی المسؤولیة المدنیة.
ولکن هنا یثور التساؤل حول مدى اعتبار المساس بالأطراف الصناعیة والاجهزة التعویضیة للعامل کأتلاف ذراعه او ساقه الصناعیة او طقم الاسنان او العین الزجاجیة او النظارات الطبیة وغیرها بمثابة المساس بجسم العامل ومن ثم شموله بالضمان.
وللإجابة عن ذلک نکون امام احتمالین اولهما ان یکون تلف الاجهزة التعویضیة او عدم صلاحیتها للاستخدام مقترناً بضرر جسدی فلا صعوبة فی ان یشملها التعویض باعتباره مساس بالجسم ککل، اما الاحتمال الثانی فهو ان یقتصر الامر على تلف الجهاز التعویضی فقط والقاعدة فی هذه الحالة ان ذلک لا یعد اصابة جسدیة ومع ذلک فقد جرى العمل على التزام مؤسسة الضمان بإصلاح الطرف او استبداله وذلک بالاستناد إلى نص المادة (45/ فقرة ب) من قانون الضمان الاجتماعی العراقی رقم (39) لسنة 1971 النافذ بشان العلاج والرعایة الطبیة وهو ما اخذت به القوانین فی کل من مصر والاردن وفرنسا مع بعض الاختلافات من حیث الشروط الواجب توفرها لتطبیق ذلک.
واخیراً ینبغی الاشارة إلى أن الحکمة من تطلب الضرر الجسمانی ترجع إلى ان هذا النوع من الضرر یغطی معظم اصابات العمل من الناحیة الواقعیة کما ان تقدیر الاضرار الناتجة عنه یمکن حسابها بسهولة من حیث تأثیرها فی حرمان العامل من اجره وکسب عمله .
المطلب الثانی
ان یکون الضرر الجسمانی نتیجة واقعة خارجیة
ویقصد بذلک ان تکون الواقعة التی ادت إلى الاصابة ذات اصل خارجی بمعنى ان یکون الضرر الجسمانی ناشئاً عن سبب خارج عن التکوین الجسدی للعامل ای- عن الجهاز العضوی للعامل- کأن ینجم الضرر عن آلة او حیوان أو ای سبب خارجی آخر.
ولا یهم ان یکون الفعل الخارجی ایجابیاً او سلبیاً فقد یکون اصطداماً او انهیاراً او انفجار مرجل او حدوث حریق او امتناعاً عن ارسال هواء إلى عامل منجم او إلى غواص تحت الماء کما لا یشترط فی الاصل الخارجی للإصابة ان یکون مادیة وملموساً بل یکفی ان یکون معنویاً کالتأثیر فی شعور العامل بما یؤدی إلى حدوث الاصابة.
وهذا ما ذهب الیه القضاء الفرنسی فی مراحله الاولى حیث اعتبر ان الاصابة التی تحدث على اثر رد الفعل النفسی تعتبر اصابة عمل اذا کان ناتجاً عن واقعة خارجیة تمثلت فی حالة الذعر والذهول التی تملکت قائد الشاحنة عند رؤیته للأجزاء الداخلیة لرأس ضحیة حادث قد تناثرت على الطریق.
اما القضاء المصری فأنه کان ولا زال متمسکاً بالأصل الخارجی لإصابة العمل واستناداً إلى ذلک ترفض محکمة النقض المصریة اعتبار بعض الاحداث اصابة عمل على اساس انها تفتقد العناصر المکونة لها فقد اعتبرت فی احد احکامها ان الانفصال الشبکی لیس من قبیل اصابات العمل لأنه لم یقع نتیجة حادث (قوة خارجیة) وانما هو حالة مرضیة حدثت تلقائیاً بسبب قصور خلقی شدید.
وهنالک العدید من القرارات القضائیة المشابهة التی امتنع فیها القضاء المصری عن اضفاء صفة الاصابة إلى العدید من الحالات بحجة غیاب الاصل الخارجی للإصابة، ویبدو ان موقف القضاء المصری یعد مخالفاً للحقائق العلمیة من جهة وللاعتبارات الانسانیة من جهة اخرى فالثابت علمیاً ان الکثیر من الاصابات التی ترفض المحکمة التعویض عنها تحدث بسبب العمل، فالعامل الذی تطلب علمه التحدیق فی بعض الاشیاء الدقیقة تحت اضواء معینة یمکن ان یصاب بانفصال شبکی، ومن ناحیة اخرى فان رفض اعتبار هذه الاصابات من قبیل حوادث العمل یعد مخالفاً للاعتبارات الانسانیة حیث یجد العامل نفسه بلا تعویض بسبب عدم اعتبار هذه الاصابات من قبل حوادث العمل ولا تعتبر ایضاً من الامراض المهنیة التی حددها القانون على سبیل الحصر.
وینبغی الاشارة إلى أن تحدید الاصل الخارجی للإصابة یثیر صعوبات کبیرة فی التطبیقات العملیة امام القضاء لأنه قد تتعدد اسباب الحادث بحیث یکون بعضها خارجیاً وبعضها الآخر راجعاً إلى التکوین الجسمانی لبنیة العامل المصاب ای انه رغم وجود سبب خارجی فأن الاستعداد الداخلی او البیولوجی للعامل هو الذی ساعد على وقوع الحادث وهذا ما یفترق به شخص عن آخر بحیث لو وجد السبب الخارجی وتعرض له احد الاشخاص فی نفس الظروف ما وقع الحادث.
کما تثور الصعوبة ایضاً فی الحالات التی یمکن فیها وقوع الاصابة اما بفعل خارجی واما بأسباب داخلیة على حد سواء، مثال ذلک الاصابة بالفتق فقد یحدث الاصابة به بفعل تأثیر خارجی وهو بذل جهد مرهق وقد یحدث بسبب استعداد شخصی طبیعی فی جسم المصاب. ولقد اثار هذا العنصر جدلاً فقهیاً کبیراً وتعرض لانتقادات کثیرة اهمها ما ذکره الاستاذ Dupeyraux الذی کان یرى ان صفة الخارجیة لا تضیف شیئاً إلى جوهر الفعل بل تتصل بالعلاقة بین الضرر والعمل، وکذلک الاستاذ L. Francois کان یرى وجوب استبعاد توافر الاصل الخارجی للإصابة حیث لم یستلزمه القانون فضلاً عن عدم اقترانه بکثیر من الاصابات.
کما ان تطلب الامر الخارجی فی الواقعة کثیراً ما یکتنفه الغموض ویحیطه الابهام بصورة کبیرة، لأنه غالباً ما تکمن اساب حدوث الاصابة فی نفس المصاب قبل وقوع الاصابة فقطع ید العامل وهو یعمل امام الآلة قد یرجع إلى سوء تقدیر العامل او لعامل نفسی داخلی لدیه یترتب علیه مظهر خارجی وهو قطع الید، وبالتالی فإن اشتراط صفة الخارجیة فی الحادث یقلل فی حالات کثیرة الحمایة التأمینیة للعامل وخاصة فی الحالات التی یکون فیها مصدر الاصابة خارجیاً ولکنها تکونت بصورة تدریجیة ففی هذه الحالات لا یغطى العامل تأمینیًّا على اساس ان اصابته لیست حادثاً ولیست مرضاً مهنیاً.
اما بالنسبة إلى التشریع الاردنی فقد کان له موقف خاص متفرد فیما یتعلق بتحدید عناصر اصابة العمل حیث ان الامر یتطلب التفرقة بین ان یکون العامل تابعاً لقانون الضمان الاجتماعی ام لقانون العمل ففی الحالة الاولى یشترط ان ینشأ الحادث بفعل قوة خارجیة لا دخل لإرادة العامل المصاب بها وذلک وفقاً للتعلیمات التنفیذیة لإصابات العمل، الصادرة استناداً إلى المادة (12- ز) من قانون الضمان الاجتماعی الاردنی النافذ.
کذلک نجد ان القضاء الاردنی اشترط توفر عنصر الاصل الخارجی او القوة الخارجیة فی الحادث حیث ورد فی قرار محکمة العدل العلیا على انه "یشترط لاعتبار الحادث اصابة عمل وجود علاقة السببیة بین العمل والحادث وان یحصل ضرر جسمانی للمؤمن علیه بفعل قوة خارجیة".
اما فی الحالة الثانیة وهی حالة خضوع العامل لقانون العمل وهو العامل غیر المضمون فلا یوجد نص صریح فی قانون العمل یشترط الاصل الخارجی کسبب فی حدوث اصابة العمل، وبالتالی فإنه یمکن ونظراً لعدم تعرض محکمة التمییز الاردنیة لهذا العنصر فی قراراتها التغاضی عن (خارجیة سبب الحادث) عند تحدید الحوادث التی تنشأ عنها اصابات عمل للعمال الخاضعین لقانون العمل وذلک تحقیقاً للهدف الاساسی لقانون العمل وهو الحمایة الاجتماعیة للعامل.
ومن خلال استقراءنا لموقف التشریع الاردنی لم نجد ما یبرر هذا التمییز بین العامل الخاضع لأحکام قانون الضمان الاجتماعی والعامل الخاضع لقانون العمل فیما یخص اشتراط الاصل الخارجی عند اصابة العامل المضمون وعدم اشتراطها فی الحالة الثانیة، علماً ان المصلحة التی ینبغی مراعاتها فی کلا الحالتین هی مصلحة العامل المصاب، وقد کان الاجدر بالمشرع الاردنی عدم اشتراط الاصل الخارجی للحادث فی جمیع الحالات دون تمییز لکی لا یتم استبعاد الحمایة التأمینیة عن الکثیر من الاصابات ولکی لا یصبح العامل المضمون فی مرکز اضعف من العامل غیر المضمون فیما یخص التعویض عن اصابات العمل.
اما المشرع العراقی فلم یتطرق فی تعریفه لإصابة العمل إلى اشتراط الاصل الخارجی فی الواقعة التی ینجم عنها اصابة العمل وکذلک الامر بالنسبة إلى القضاء العراقی الذی خلت قرارته من اشتراط هذا العنصر فی الاصابة الموجبة للضمان ویبدو ان هذا التوجه فیه مراعاة لمصلحة العامل المصاب بعدم التضیق من نطاق الحمایة المقررة له عند اصابته من جهة ولتجنب الصعوبات الکثیرة التی تظهر عند اشتراط الاصل الخارجی للإصابة من جهة اخرى.
وفیما یخص القضاء الفرنسی فإنه نتیجة للانتقادات الکثیرة التی وجهت لاشتراط الاصل الخارجی فی الاصابة وما ینتج عنه من آثار فی غیر مصلحة العامل المصاب فقد تخلت محکمة النقض الفرنسیة عن اشتراط کون الحادث ذو طبیعة خارجیة حتى یعتبر من قبیل اصابات العمل التی یمکن التعویض عنها وتطبیقاً لذلک قضت محکمة النقض الفرنسیة ان جلوس قائد الطائرة بصفة دائمة اثناء الطیران فی وضع واحد مما عجل بحدوث الازمة القلبیة التی وقعت له من قبیل حوادث العمل.
المطلب الثالث
عنصر المفاجأة
یقتضی هذا العنصر ان تقع الاصابة نتیجة لحادث فجائی لا یستغرق إلا وقتاً قصیراً بمعنى ان تکون الواقعة المنشأة للإصابة قد بدأت وانتهت بصورة مفاجئة وفی فترة وجیزة بحیث لو استغرقت الواقعة زمناً فإنها لا تتسم بصفة المفاجأة.
ومتى کان الفعل فجائیاً فأنه یعتبر حادثاً وان لم یظهر اثره إلا بعد فترة من الزمن، فالفجائیة صفة مشترطة فی الحادث مصدر الضرر ولیس فی الضرر ذاته فلو کان الفعل مباغتاً فأنه یعتبر حادثاً حتى ولو کان اثره الضار قد تراخى إلى ایام او شهور بعد ذلک، ولا یشترط فی الفعل المفاجئ ان یکون ایجابیاً فقد یتحقق هذا الفعل بالامتناع او الترک مثل عدم توصیل الهواء النقی إلى الغواصین تحت الماء.
وتعتبر الحادثة مفاجئة فی حالة السقوط من مکان مرتفع او الاصطدام بجسم صلب والضربات بالآت حادة او صلبة ففی هذه الحالات ینتج اثر الاصابة فور حدوثها وعلى هذا الاساس فإن الاصابات التی لا یمکن اسنادها إلى اصل وتاریخ معین لا تشملها الحمایة، إذ لا تعتبر اصابة عمل الاضرار التی تنشأ نتیجة اصابات متلاحقة تتطور ببطء.
وقد اکد القضاء المصری على ضرورة توافر عنصر المباغتة والمفاجأة فی الحادث لاعتبار الاصابة الناجمة عنه اصابة عمل حیث قضت محکمة النقض المصریة "ان الاصابة بجلطة فی القلب لا تعد اصابة عمل لأنها لا تتسم بالمباغتة ولا تدخل فی عداد الامراض المهنیة"، بینما قضت فی حکم آخر "ان الارهاق من العمل یعتبر حادث عمل إذا اتسم بالمباغتة"، وقد اخذ القضاء الاردنی ایضاً بضرورة توافر عنصر المفاجأة فی الواقعة لاعتبار الاصابة الناجمة عنها اصابة عمل وذلک استنادا إلى تعلیمات اصابات العمل التی اشرنا إلیها سابقاً حیث اشترطت تلک التعلیمات لاعتبار الحادث اصابة عمل ان یکون مفاجئاً ولا یمکن تفادیه وهذا ما اکدته محکمة العدل العلیا الاردنیة حیث قضت فی احدى قراراتها "إذا کان ملف المدعی لدى المدعی ضدها یحتوی على تقاریر طبیة صادرة لعام 1995 تشیر إلى ان المدعی یعانی من آلم وورم فی مفصل الرکبة الیمنى وتمزق فی الغضروف الهلالی مع اصابة صابونة الرکبة الیمنى، فان هذه الاعراض تکون موجودة قبل تاریخ الاصابة المدعى بوقوعها بتاریخ 21/5/1997 بما یزید على سنتین تقریباً، الامر الذی یستنتج منه ان الحالة التی یعانی منها المدعی هی حالة مرضیة وغیر ناتجة عن اصابة عمل مفاجئة".
فی حین لم یشر القضاء العراقی إلى هذا العنصر وضرورة توفره فی الواقعة لاعتبار الاصابة الناجمة عنها اصابة عمل شانه فی ذلک شأن القوة الخارجیة التی لم یتطلبها القضاء العراقی فی الاصابة وهو امر یحسب له لما یثیره هذا العنصر من اشکالیات عند التحقق من وجوده فی الاصابة الموجبة للضمان.
اما القضاء الفرنسی فقد استلزم توافر عنصر الفجائیة فی الواقعة المحدثة للإصابة حتى یمکن اعتبارها اصابة عمل وتطبیقاً لذلک اعتبر القضاء اصابة عمل، الاصابة بالفتق السری إذا لم یظهر إلا على أثر مجهود عنیف قام به العامل اثناء تأدیة عمله لرفع شیء ثقیل ، إذ ان فعل الرفع یعتبر فعلاً مباغتاً لأنه لا یستغرق إلا زمناً محدوداً.
وعلى العکس من ذلک لم یعتبر القضاء الفرنسی عدداً من الحالات اصابات عمل لعدم توافر عنصر المفاجأة فی الوقائع التی احدثتها ومثال على ذلک ما قضت به محکمة النقض الفرنسیة من ان فقد حاسة الشم الناتج عن استنشاق الغبار طوال سنوات عدیدة قضاها العامل فی العمل لا یعتبر ناتجاً عن اصابة عمل، ذلک أن سبب فقدان هذه الحاسة لیس فعلاً مفاجئاً بل سلسلة من الافعال البطیئة التی لا یمکن ارجاعها إلى مصدر او تاریخ محدد.
ولقد وجه الفقه انتقادات عدیدة لعنصر المفاجأة فهذه الصفة وان کانت ملازمة لکثیر من الوقائع المسببة للإصابة إلا انها قد تتخلف فی بعض الاحیان ولا تعتبر الاصابة فی هذه الحالة اصابة عمل کما انها قد لا تعتبر مرضاً من الامراض المهنیة المنصوص علیها فی الجدول المرفق بالقانون مما یهدد العامل بعدم توفیر الحمایة القانونیة له عند اصابته، کما ان عدم استظهار المفاجأة قد یرجع إلى ان الشخص لا یشعر بالإصابة عند حدوثها وانما یشعر بها بعد فترة من بدئها، فیحدث کثیراً ان یصاب الشخص ولکن لا تظهر اعراض الاصابة إلا بعد فترة حیث یبدأ الشخص فی المعاناة منها، فالمفاجأة تکون فعلاً متوافرة ولکن لا یشعر الشخص بالإصابة إلا بعد مدة بحیث یصعب معرفة وقت بدء الاصابة.
وعلى الرغم من هذه الانتقادات التی وجهت لعنصر المفاجأة أو المباغتة إلا ان اغلب الفقهاء یرون اهمیة عنصر الفجائیة فی التمییز بین حوادث العمل والامراض المهنیة، فحادث العمل هو الذی یتمیز بالفجائیة اما المرض المهنی فهو الذی ینتفی عنه هذا الوصف اذ یتمیز بالتطور البطیء غیر الملموس.
فلهذا التمیز اهمیة من الناحیة العملیة فعلى الرغم من وحدة التزامات هیئة الضمان الاجتماعی تجاه المؤمن علیه سواء أکانت اصابة ناشئة عن حادث عمل او عن مرض مهنی فان هنالک اختلافاً فی شروط قیام التزامات الهیئة قبل المؤمن علیه تبعاً لاختلاف نوع الاصابة ای تبعاً لما اذا کان العامل قد اصیب نتیجة حادث او مرض مهنی.
ولکن یرد على هذا الرأی بان اتخاذ القضاء من الظروف الزمنیة لتحقیق الواقعة مصدر الاجابة معیاراً للتمییز بین الحادث والمرض یؤدی إلى نتائج عملیة لا تتفق والمنطق القانونی فهنالک من الامراض ما یتسم ظهور اعراضه بالمباغتة وهنالک من الاصابات التی تجد مصدرها فی ظروف العمل ویتراخى ظهورها الزمنی، فالمباغتة والمفاجأة ذاتها لا تصلح ان تکون معیاراً وهذا یظهر من خلال تطبیق القضاء الفرنسی لها اذ انها لا تسمح بالضبط المعیاری الدقیق لنطاق کل من الحادث والمرض، فضلاً عن ذلک فان فکرة التفرقة ذاتها وان لم تتلاش معالمها اصبح یدق تعیین عناصر الواقع الازمة لتطبیقها بحیث یمکن القول بان المعاییر القضائیة اصبحت تؤدی فی بعض الاحیان إلى حلول غیر عادلة.
ونحن نتفق مع هذا الرأی لان عنصر المفاجأة والمباغتة یمکن ان یتحقق فی کل من المرض المهنی وانواع الاصابات الاخرى ولا اهمیة للتمییز فیما بینها طالما انها جمیعها تخضع للضمان وخاصة فیما یتعلق بالقانون العراقی الذی لم یمیز بین انواع الاصابات من حیث الضمان والحمایة التی تغطی کلاً منها، فضلاً عن الصعوبة التی تثیرها مسألة اثبات عنصر المفاجأة لاعتبار الاصابة التی یتعرض لها العامل اصابة عمل.
المطلب الرابع
ان یکون الفعل المسبب للإصابة عنیفاً
ویقصد بذلک شدة النشاط المادی للواقعة مصدر الضرر، ای تکون الواقعة المسببة للإصابة شدیدة وقویة.
ومثال ذلک الجروح التی تصیب جسم العامل من اداة حادة او مدببة او فقد السمع نتیجة انفجار شدید، او فقد البصر نتیجة ضوء ساطع وهاج او السقوط من مکان مرتفع وغیر ذلک من الحالات.
والحقیقة ان وقوع الحادث یقترن فی الکثیر من الحالات بالعنف إلا أن هذا لیس حتمیاً، حیث ان الاصابة یمکن ان تتحقق دون ان یکون الفعل الخارجی المفاجئ عنیفاً کما هو الحال بالنسبة إلى ضربة الشمس التی تصیب العامل نتیجة العمل تحت وهج الشمس الشدید.
وبالتالی یرى العدید من الکتاب والفقهاء، ان اتصاف نشاط الواقعة مصدر الاصابة بالعنف یعد عنصراً غیر لازم وزائد اذ ان صفة المفاجأة تحقق ذات الهدف الذی یتطلبه القضاء من وراء اشتراطها ونحن نؤید هذا الرأی.
اما بالنسبة إلى موقف القضاء من هذا العنصر فنجد ان محکمة النقض المصریة لم تشیر إلى العنف کعنصر فی تعریف اصابة العمل المشار إلیها سابقاً، کما ان المحکمة الاداریة العلیا قد قضت فی احد قرارتها بانه تقوم اصابة العمل على ثلاثة عناصر هی "اولاً: الضرر الجسمانی ثانیاً: المفاجأة... ثالثاً الواقعة ذات الاصل الخارجی...".
اما القضاء الاردنی فقد تباینت مواقفة من ضرورة توافر عنصر العنف فی الاصابة لاعتبارها اصابة عمل فقد اوردت محکمة التمییز الاردنیة عنصر العنف فی تعریفها لإصابة العمل والذی سبق ذکره فی قرار سابق فی حین نجد ان محکمة العدل العلیا الاردنیة لم تتطلب توافر عنصر العنف فی الاصابة لاعتبارها اصابة عمل حیث اعتبرت المحکمة "ان شعور العامل بألم اثناء العمل یکون اصابة عمل إلى ان یثبت العکس".
کما ان صفة العنف قد استبعدت عن عناصر اصابة العمل حیث لم یرد ذکرها فی التعلیمات التنفیذیة لإصابات العمل والتی اشرنا الیها سابقاً.
اما القضاء العراقی فلم یتطرق فی احکامه إلى عنصر العنف ولم یتطلب توافره فی الاصابة شأنه فی ذلک شأن بقیة العناصر الاخرى التی لم یشیر الیها القضاء العراقی فی ای من احکامه.
ومن استقراءنا لإحکام القضاء الفرنسی نجد انه کان متناقضاً فی قراراته حول ضرورة توافر عنصر العنف فی الاصابة لاعتبارها اصابة عمل فقد قضت محکمة النقض الفرنسیة فی احد قراراتها "باعتبار اصابة العامل بمرض التیفوس نتیجة لدغة حشرة اثناء العمل اصابة عمل"، بینما حکمت فی قضیة اخرى "بعدم اعتبارها کإصابة عمل اصابة العمل بمرض Radicalanerité نتیجة التهاب حلقة بسبب ادائه للعمل تحت سقوط الامطار حیث کان اداء العمل یستدعی ذلک على اساس ان سقوط الامطار التی ادت إلى الاصابة لا یعد من قبیل الافعال العنیفة".
ونتیجة لهذه التناقضات وللانتقادات العدیدة التی وجهها الفقهاء الفرنسیون لهذا العنصر وما یترتب علیه من اشکالیات فقد تخلى القضاء الفرنسی عن تمسکه بهذا العنصر فی اصابة العمل وقد وتجسد ذلک فی قراراته اللاحقة حیث اعتبر فی احدى القضایا "ان اشتداد مرض القلب على الطیار بسبب وضعه الجالس اثناء الطیران هو اصابة عمل رغم عدم اتصافه هذه الواقعة بالعنف"، علماً ان القضاء الفرنسی قد اورد صفة العنف فی تعریفه لإصابة العمل فی کثیر من قراراته التی سبق الاشارة الیها.
واخیراً یمکن أن نستنتج یأن عناصر اصابة العمل التی ذکرناها سابقاً هی عناصر نسبیة تختلف من حادث إلى آخر، بحیث لا یشترط توافرها کلها فی آن واحد دائماً فقد تتوافر بعض هذه العناصر فی نوع معین من انواع الاصابات فی حین یخلو منها نوع آخر کما ان التحقق من وجود هذه العناصر قد یکون واضحاً فی بعض الاصابات بینما یکون ذلک صعباً فی اصابات اخرى، إما لان هذا العنصر غیر موجود اصلاً او انه موجود ولکن اثره ضئیل اولا یظهر إلا بعد فترة من الزمن إلا اننا نرى ان الضرر الذی یصیب الجسم هو العنصر الاساسی الذی لا بد من توافره فی جمیع اصابات العمل.
الخاتمـة
لقد توصلنا من خلال بحثنا هذا إلى جملة من النتائج والتوصیات سنبینها کالاتی:
اولاً: النتائج
1- لقد عرفت معظم قوانین الضمان الاجتماعی اصابة العمل وحددت المقصود بها بشکل واضح ومن بینها قانون الضمان الاجتماعی العراقی النافذ إلا أن المشرع المصری قد توسع فی تعریفهِ لإصابة العمل مضیفاً نوعاً جدیداً من انواع الاصابات وهو الاصابة الناجمة عن الاجهاد او الارهاق متى ما توافرت فیها الشروط والقواعد التی یحددها الوزیر المختص وهو مالم نجده فی التعاریف الواردة فی القانون العراقی والقوانین المقارنة الاخرى.
2- ان المشرع الفرنسی لم یشترط توافر التبعیة القانونیة واکتفى بالتبعیة الاقتصادیة فی علاقة العامل بصاحب العمل وذلک فی سبیل اضفاء الحمایة على اکبر عدد من العمال کما انه اکتفى بوضع المعاییر العامة فی تعریفه لإصابة العمل ولم یدخل فی التفاصیل تارکاً ذلک لاجتهاد الفقه والقضاء.
3- ان مصطلح اصابة العمل یتشابه إلى حد کبیر مع مصطلح حادث العمل مما ادى إلى الخلط بینهما إلا ان بعض الفقهاء ذهب إلى التمییز بینهما على اعتبار ان الحادثة هی السبب الخارجی الذی احدث الضرر فی جسم العامل بینما الاصابة هی الضرر الجسمی الناشئ عنها.
4- ان القضاء العراقی لم یتناول اصابات العمل بالتعریف واکتفى بالتعاریف الواردة ضمن قوانین الضمان الاجتماعی بینما نجد ان القضاء الفرنسی قد کان له دور کبیر فی تعریف اصابات العمل وکذلک الحال فیما یخص القضاء المصری والقضاء الاردنی اللذان کان لهما دور مهم وکبیر فی بیان المقصود بإصابة العمل وتحدید عناصرها.
5- یعد الضرر الجسمانی هو العنصر الاساسی فی جمیع انواع اصابات العمل وله اهمیة کبیرة من حیث سهولة احتساب وتقدیر الاضرار الناجمة عن هذه الاصابات وتأثیره فی حرمان العامل من اجره وکسب عمله.
6- ان القضاء العراقی لم یتطلب سوى الضرر الجسمانی کعنصر اساسی فی وقوع الاصابة فی حین لم تشر ای من القرارات القضائیة إلى عناصر الاصل الخارجی أو عنصر المفاجأة او العنف فی وقوع الاصابة لان تلک العناصر یتفاوت وجودها او عدمهِ بحسب نوع الاصابة، وقد کان موفقاً فی ذلک لإضفاء المزید من الحمایة للعامل المصاب.
7- لقد کان القضاء فی التشریعات المقارنة دور مهم وبارز فی تحدید المقصود بإصابة العمل وبیان عناصرها ومدى اشتراط توافر تلک العناصر فی الاصابة وبالأخص القضاء الفرنسی یتبعه القضاء المصری ثم الاردنی فی حین لم نجد للقضاء العراقی ای دور یذکر فی هذا المجال وغالباً من یرجع ذلک إلى قلة اللجوء إلى قضاء العمل فی العراق وذلک بسبب الجهل الکبیر بالحقوق من قبل العمال واصحاب العمل.
ثانیاً: التوصیات
1- تعدیل نصوص قانون الضمان الاجتماعی العراقی رقم 39 لسنة 1971 النافذ او تشریع قانون جدید یتضمن تعریفاً لإصابة العمل یکون اکثر دقة ووضوحاً فی معناه مع أضافة الاصابة الناجمة عن الاجهاد والارهاق إلى أنواع الاصابات الاخرى التی نص علیها القانون العراقی مع تحدید المقصود بالعطل ضمن احکام قانون الضمان النافذ.
2- تفعیل دور قضاء العمل العراقی فیما یخص إرساء الأحکام الخاصة بإصابة العمل وعناصرها مع قیام مؤسسة الضمان الاجتماعی العراقیة ومن خلال وسائل الاعلام المرئی والمقروء ووسائل التواصل الاجتماعی بتوعیة المواطنین وتعریفهم بحقوق العمال والتزاماتهم.
The Authors declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English) and References (English)
Second: Legal research
1. Dr. Adnan Al-Abed, Conditions for Compensation for Work Injury in Comparative Law, Journal of Comparative Law, Issues 8 and 9, Year 6, Baghdad, 1978.
2. Dr. Mohammed Labib Shanab, Recent Trends in The Distinction between Work Accidents and Occupational Diseases, Journal of Legal and Economic Sciences, Issue 1, Year 9, Ain Shams University Press, January 1967.
3. Dr. Mahmoud Jamal al-Din Zaki, Guarantee of The Khedin Career in Egyptian Law, Law and Economics Magazine, 1st Issue, Year 25, March-June 1995.
Third: Publications and judicial groups
1. Esmat Al-Hawari, Judiciary of Cassation in Labour and Social Security Disputes, C1, C2, C3, C5, C6, C7.
2. Jordan Legal Principles Set, Part II, 1965.
3. State Issues Commission Magazine, Year 45, First Issue, April-June 2001.
Fourth, the laws.
1. Iraqi Workers' Law No. 72 of 1936 repealed.
2. The Iraqi Social Security Act No. 140 of 1964 repealed.
3. Iraq's Pension and Social Security Law No. 112 of 1969 repealed.
4. The Iraqi Pension and Guarantee Act No. 39 of 1971 in force.
5. The Egyptian Social Insurance Act, No. 79 of 1975.
6. Egypt's Social Security and Pensions Act No. 135 for 2010.
7. Jordan Labor Law No. 8 of 1996 in force.
8. Jordan's Social Security Law No. 1 of 2014 in force.
9. French Social Security Law No. 46-2426 of the amended 1946.
Fifth: Unpublished judicial decisions:
1. Decision of the Jordanian Court of Excellence No. 1461/2015 on 11 August 2015.
Sixth: Foreign sources
1. A. Rouast et P. Durand، Sécurité Sociale، Precis Dalloz، 1960.
2. A. Sachet، traité théorigque de la législation sur les accidents du travail et les maladies professionnelles béme éd، 1921.
3. Conmission reginale de securite sociale، Toutouse 25-juin 1956، juris- classeur periodque، sem maine juridique، 1957.c
4. Louis Mélennec et Jean Juttard، Traité de La Réparation de Accident de travail، paris، 1969.
5. M. Fontaine، R. Cavalerie، J. A. Hassenforder، Diction naire de Droit، Foucher، Paris، 1996.
6. Marestaing، Défirnition des accident du travail dans le divers pays، Paris.