إجراءات الضبط الإداری فی مواجهة العشوائیات والقیود الواردة علیها-(*)-
The role of administrative Authority and its procedures in confronting the problem of squatter settlements
|
فواز خلف ظاهر ظافر مدحی فیصل أنس عبد الحق إسماعیل
کلیة الحقوق/ جامعة تکریت کلیة الحقوق/ جامعة تکریت مدیریة بلدیة تکریت
Fawaz Khalaf Zahir Dhafer Madhi Faisal Anas Abdel Haq Ismail
College of Law / University of Tikrit College of Law / University of Tikrit Tikrit Municipality Directorate
Correspondence:
Fawaz Khalaf Zahir
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی *** قبل للنشر فی
(*) Received on *** accepted for publishing on .
Doi: 10.33899/alaw.2020.166846
© Authors, 2020, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
تعد ظاهرة التجاوز على أموال الدولة من الظواهر التی بدأت بالانتشار فی العراق بعد سقوط النظام السیاسی عام 2003، وما تلاها من أحداث، ومنها التجمعات السکنیة العشوائیة، والتی تعرف اصطلاحاً بالعشوائیات، الأمر الذی یمثل تحدیا کبیرا یواجه الحکومة الاتحادیة والهیئات المحلیة على السواء، فی سبیل مواجهته والحد منه، لأنها تؤدی إلى حدوث أضرار کبیرة على مختلف الصعد، وهذا یتطلب قیام السلطة التنفیذیة بجملة من الإجراءات، عن طریق أجهزة الضبط الإداری، وما تمتلکه من وسائل فی مواجهة تلک الظاهرة، وهذه الإجراءات منها ما یتعلق بالجانب الوقائی، والجانب العلاجی، فضلاً عن تلک الإجراءات لیست على إطلاقها، بل لابد من وجود ضوابط أو قیود ترد علیها، لاحتمالیة تعسف الإدارة فی استعمال السلطات الممنوحة لها فی هذا الجانب، کما أن الحق فی السکن هو من الحقوق التی کفلتها العهود والمواثیق الدولیة، وکذلک النصوص الدستوریة فی مختلف دول العالم.
الکلمات المفتاحیة: العشوائیات، الضبط الإداری، حق السکن.
Abstract
The phenomenon of encroachment on state properties is one of the phenomena that began to spread in Iraq after the fall of the political system in 2003, and the events that followed, including random housing gatherings, which are known as slums, which represents a major challenge facing the federal government and local bodies alike, in order to Confronting and limiting it, because it leads to significant damage occurring at various levels, and this requires the executive authority to take a number of measures, through the administrative control bodies, and the means it has to confront that phenomenon, and these procedures are related to the preventive and therapeutic side, In addition to those procedures not to launch them, rather there must be controls
Keywords: slums, administrative control, The right to housing
المقدمـة
من الظواهر التی طفت على الواقع السکنی فی العراق بعد تغییر النظام السیاسی عام 2003 انتشار التجاوز على أموال الدولة، أو على الأراضی غیر المخصصة للسکن، والذی بات ما یعرف بالعشوائیات، نتیجة عوامل متعددة، منها حالة الفوضى التی شهدها العراق إبان الاحتلال الأمریکی للعراق، وفقدان سلطة الدولة، وضعف الجانب الرقابی، فضلاً عن عدم قیام الدولة بإنشاء المجمعات السکنیة للمواطنین، علاوة على عدم تخصیص الأراضی السکنیة لغرض إقامة المبانی السکنیة علیها من قبل المستفیدین منها، ومما زاد من تلک الظاهرة هو ما شهدته المحافظات التی احتلتها عصابات داعش الإرهابیة عام 2014، ومن بینها محافظة نینوى، ووقوع الثقل الأکبر فی ذلک على مدینة الموصل مرکز محافظة نینوى، نتیجة قیام تلک العصابات بتفجیر عدد لا یستهان به من منازل المواطنین، إضافة إلى تدمیر إعداد أخرى أثناء عملیة التحریر لتلک المدن والبلدات، کل تلک العوامل أسهمت بشکل وآخر بانتشار تلک الظاهرة.
وباتت هذه الظاهرة تمثل تحدیاً کبیراً یواجه الإدارة، لأنها تهدد التخطیط العمرانی، وتحد من الانتعاش الاقتصادی والتنمیة، وتمثل عائقاً أمام أیة خطط آنیة أو مستقبلیة فی سبیل النهوض بالواقع السکنی فی مراکز المدن، بل إن الأمر لا یقف عند هذا الحد، لأن ذلک الأمر یمثل تهدیداً للبیئة أیضاً، لذلک على الإدارة أن تمارس دورها فی إیجاد الحلول الناجعة لذلک، عن طریق جملة من الإجراءات، والسؤال هنا، أتقف الإدارة مکتوفة الأیدی تجاه ذلک ؟ أم أنها لابد أن تتحرک لمواجهة المد السکانی غیر المنظم ؟
للإجابة عن ذلک یمکن القول بأن الإدارة تستطیع أن تقوم بعدة وسائل تقوم بها أجهزة الضبط الإداری لإزالة تلک العشوائیات، والحد منها.
أهمیة البحث: تکمن أهمیة البحث من خلال وظیفة الإدارة ممثلة بأجهزة الضبط الإداری، فی حمایة النظام العام والمحافظة علیه، بکافة عناصره التقلیدیة والمستحدثة، علاوة على أن تلک الإجراءات ستکون على تماس مباشر بحقوق وحریات الأفراد، وبخاصة بعد انتشار المبادئ الدیمقراطیة، والتحول الذی شهده العراق، وتغییر الفلسفة السائدة فی الدولة، وما طرأ على المجتمع العراقی من ظواهر علیها ومن هنا تأتی الأهمیة، بأن على الإدارة أن تقوم بمهامها التی ذکرناها، وبالمقابل احترام قواعد المشروعیة، عن طریق القیود التی ترد على سلطاتها فی ذلک.
مشکلة البحث: تتمثل مشکلة البحث فی الإجابة على عدة تساؤلات علّ أهمها، ما الضبط الإداری؟ وما هی الإجراءات التی یمکن أن تلجأ إلیها أجهزة الضبط الإداری لإزالة العشوائیات؟ وهل أن یدها مطلقة فی ذلک ؟ أو أنه توجد بعض القیود على إجراءاتها تلک؟
منهج البحث: فی سبیل الإجابة عن التساؤلات التی تم طرحها، فإننا سنعمد إلى اتباع المنهج التحلیلی، عن طریق تحلیل النصوص القانونیة ذات الصلة بهذا الموضوع، علاوة على تحلیل أحکام القضاء الإداری، والآراء الفقهیة التی تناولته بالبحث والتقصی.
نطاق البحث: ستقتصر دراستنا على دراسة حالة العراق، وبیان موقف المشرع والقضاء العراقی، من هذا الموضوع.
خطة البحث: من أجل الإلمام بجوانب الموضوع فإننا سنقسمه على ثلاثة مطالب، الأول لبیان مفهوم الضبط الإداری، والثانی للحدیث عن وسائل الضبط الإداری فی إزالة العشوائیات، فیما نکرس الثالث للکلام عن القیود التی ترد على تلک الوسائل، ثم نختم البحث بأهم الاستنتاجات والمقترحات التی نرها جدیرة بالذکر، ومن الله التوفیق.
المطلب الأول
مفهوم الضبط الإداری
إن موضوع مفهوم الضبط الإداری، یقتضی منا تعریف هذا المصطلح، ومن ثم بیان هیئات الضبط الإداری، ولأجل ذلک، فإننا سنقسم هذا المطلب على فرعین، الأول لبیان تعریف الضبط الإداری، والثانی، للحدیث عن هیئات الضبط الإداری، وکما یلی:
الفرع الأول
تعریف الضبط الإداری
لقد اختلف الفقهاء فی وضع تعریف جامع مانع، وسبب الاختلاف هو نتیجة نظرة کل منهم إلى هذا المصطلح، فقد ذهب البعض إلى تغلیب الجانب العضوی، الذی یقصد به الهیئات والأجهزة الإداریة التی تمارس وظیفة الضبط الإداری فی إطار السلطة التنفیذیة، أی بمعنى الموظفین المکلفین بمهمة الضبط الإداری، فی حین فقد ذهب جانب آخر إلى تعریفه بالنظر إلى الجانب المادی أو الموضوعی، الذی یقصد به النشاط الذی تقوم به الهیئات الإداریة بهدف حمایة النظام العام والمحافظة علیه.
لذلک سنحاول بیان جزء من التعاریف التی أوردها جانب من الفقه فی کل من فرنسا ومصر والعراق، فقد عرفه جانب من الفقه الفرنسی بأن الضبط الإداری، هو النشاط الذی تتولاه الهیئات الإداریة، ویتمثل فی تقیید النشاط الخاص من أجل المحافظة على النظام العام وحمایته، فی حین ذهب جانب آخر من الفقه الفرنسی إلى تعریف الضبط الإداری بأنه: (مجموع الأنشطة الفردیة التی یکون موضوعها إصدار القواعد العامة، أو التدابیر الفردیة والإجراءات الضروریة، للمحافظة على النظام العام).
أما فیما یتعلق بموقف الفقه المصری، فقد عرف جانب من الفقه المصری الضبط الإداری بأنه: "وظیفة من أهم وظائف الإدارة تتمثل أصلاً بالمحافظة على النظام العام بعناصره الثلاثة الأمن العامة والصحة العامة والسکینة العامة، عن طریق إصدار القرارات اللائحیة والفردیة، واستخدام القوة المادیة مع ما یستتبع من فرض قیود على الحریات الفردیة تستلزمها الحیاة الاجتماعیة)، فی حین عرفه جانب آخر بأن الضبط الإداری هو "حق الإدارة فی أن تفرض قیوداً على الأفراد تحد بها من حریاتهم بقصد حمایة النظام العام".
أما بخصوص موقف الفقه العراقی فقد عرفه جانب منه الضبط الإداری بأنه: "النشاط الذی تباشره الهیئات الإداریة وتمس به حریات الأفراد ونشاطهم الخاص لغرض استتباب الأمن وصیانة النظام العام وإعادته إلى الحالة التی کان علیها إذا اضطرب أو اختل"، کما عرفه فقیه آخر بأنه ( تدخل الإدارة لفرض النظام عند ممارسة الأفراد لنشاطهم الحر، ذلک النشاط الذی یقتضیه العیش فی الجماعة) کما عرفه جانب آخر من الفقه العراقی بأنه ( وسیلة وقائیة تلجأ إلیها الإدارة فتصدر بشأنها القرارات التنظیمیة، والفردیة لحمایة النظام العام، فتتصدى للجرائم الماسة به قبل وقوعها)، فی حین ذهب جانب آخر من الفقه إلى تعریف الضبط الإداری بأنه: "مجموعة من الإجراءات والقرارات التی تتخذها السلطة الإداریة بهدف حمایة النظام العام والمحافظة علیه".
مما تقدم ومن خلال تحلیل التعاریف المذکورة آنفاً للضبط الإداری یتبین بأنه یتصف بعدة صفات وخصائص متعددة، وهی کما یلی:
أولاً: الصفة الوقائیة: بمعنى أنه یهدف إلى التدخل فی نشاطات الأفراد بقصد تنظیمها، لا تقییدها، وذلک من اجل وقایة النظام العام والمحافظة علیه، وسلامة المجتمع، وحمایة المصلحة العامة، لأنه یختلف عن النظام القانونی الذی لا یتدخل لمحاسبة الأفراد إلا بعد ارتکاب المخالفة أو الجریمة التی تستوجب العقوبة.
ثانیاً: الصفة الانفرادیة: بمعنى أن أجهزة الضبط الإداری تقوم بإجراءاتها بإرادتها المنفردة دون الحاجة إلى موافقة الطرف الذی یتعلق به ذلک القرار.
ثالثاً: الصفة التقدیریة: من المسلم به أن مهمة المشرع وضع القواعد القانونیة العامة، ومن ثم یترک التفصیلات للسلطة التنفیذیة، لأنها هی الأقدر والأعرف بذلک لتماسها المباشر مع الأفراد، عن طریق وضع القواعد القانونیة موضع التطبیق، وأن المشرع لا یمکنه أن یتنبأ سلفاً ماذا سیحصل على ارض الواقع، لذلک فإنه یترد للإدارة قدر أو هامش من الحریة فی تقدیر إمکانیة التصرف من عدمه بحسب تغیر الزمان والأحوال، وعلى وفق معطیات وظروف الحالة التی تستوجب ذلک، وهو ما یعرف بالسلطة التقدیریة للإدارة، والتی تعد من سمات الضبط الإداری.
رابعاً: صفة تخصیص الأهداف: أی أن الهدف أو الغایة من نشاط الضبط الإداری تحقیق أهداف محددة تتمثل فی حمایة النظام العام بعناصره التقلیدیة "الأمن العام، والصحة العامة، السکینة العامة"، والعناصر غیر التقلیدیة المتمثلة، بالمحافظة على الآداب العامة، والمحافظة على جمال الرونق والرواء، والمحافظة على النظام الاقتصادی.
وثمة سؤال یثار بهذا الموضوع مفاده: ما هی علاقة الضبط الإداری بمسألة مواجهة العشوائیات والحد منها؟
للإجابة عن ذلک نقول بأن هدف الضبط الإداری هو حمایة النظام العام والمحافظة علیه بعناصره المختلفة التقلیدیة وغیر التقلیدیة، أما النظام العام فیعرف بأنه مجموعة مصالح علیا مشترکة لمجتمع ما فی زمن معین یهدف الجمیع إلى حمایتها والمحافظة علیه، لذلک فإن فکرة النظام فکرة مرنه وقابلة للتطور والتغیر، فقد کانت تقتصر على عناصر تقلیدیة، أما الیوم فإن النظام العام بدأ یشتمل على عناصر مستحدثه، منها النظام العام الاقتصادی، حمایة البیئة، والآداب والأخلاق العامة، والمحافظة على جمال المدن ورونقها، ومن هنا یأتی دور الضبط الإداری بمواجهة العشوائیات کون هذه الظاهرة تمثل خروجاً عن النظام العام الذی یهدف الجمیع للمحافظة علیه، لأن التخطیط العمرانی، ونظافة المدن والمحافظة على رونها، تعد من أهم أولویات أجهزة الضبط الإداری فی ظل الظروف التی تشهدها اغلب دول العالم الثالث، من التزاید الکبیر فی أعداد السکان، وعدم وجود الخطط الاستراتیجیة البعیدة الأمد، لمواجهة ذلک، ومحاولة الحد من التجاوز على أموال الدولة، ومن بینها مواجهة السکن العشوائی لمواطنی تلک الدول.
الفرع الثانی
هیئات الضبط الإداری المسؤولة عن إزالة العشوائیات
توجد عدة هیئات للضبط الإداری فی العراق تتولى وظیفة مواجهة العشوائیات، وتلک الهیئات بعضها یکون على الصعید الاتحادی، والبعض الآخر على الصعید المحلی، وکما یلی:
أولاً: هیئات الضبط الإداری الاتحادیة: تتمثل تلک الهیئات بالآتی:
- رئیس مجلس الوزراء: یعد رئیس مجلس الوزراء اعلى سلطة تنفیذیة فی الدولة، وهو المسؤول التنفیذی المباشر عن سیاسة الدولة، ویترأس مجلس الوزراء، لذلک یستطیع رئیس مجلس الوزراء، أن یؤدی دوراً مهماً فی مواجهة العشوائیات عن طریق إصدار الأنظمة والتعلیمات، وتنفیذ القوانین التی تعنى بالتخطیط العمرانی، حمایة النظام العام بعناصره المختلفة ومن ببینها حمایة جمالیة المدن ورونقها.
- أجهزة وزارة الداخلیة والأجهزة التابعة لها: إذ أن من بین مهام هذه الوزارة والأجهزة التابعة لها الحفاظ على النظام العامعلى وفق ما نص علیه قانون هذه الوزارة رقم 183 لسنة 1980، ومما تجب الإشارة إلیه أن الفقه والقضاء الإداریین استقرا على اعتبار المحافظة على جمالیة المدن من عناصر النظام العام غیر التقلیدیة التی یجب على أجهزة الضبط الإداری العمل على حمایتها والمحافظة علیها.
- وزارة الإعمار والإسکان والبلدیات والأشغال العامة والأجهزة التابعة لها: إذ تعنى هذه الوزارة بالتخطیط العمرانی للمدن والقصبات، وإنشاء المبانی، وبالتالی یقع على عاتقها اتخاذ الإجراءات اللازمة بإلزام الأفراد والشرکات بإقامة المبانی والمنشآت الصناعیة على وفق التخطیط العمرانی السلیم، کما أنها الجهة المعنیة بتوزیع قطع الأراضی للأفراد بمختلف أنواعها، وکذلک هی المسؤولة عن منح الإجازات الأصولیة للبناء، وکل ما یتعلق بها، فضلاً عن إزالة البناء غیر المرخص به وغیر الأصولی یقع بالدرجة الأولى على عاتقها، وعلى فروعها فی المحافظات.
- وزارة العدل والأجهزة التابعة لها: تُسهم هذه الوزارة بمواجهة العشوائیات عن طریق عدة إجراءات یمکن أن تقوم بها، وذلک بدورها فی تثبیت حدود العقارات کون الغرض منه هو منع التجاوز.
ثانیاً: أجهزة الضبط الإداری المحلیة: من أجهزة الضبط الإداری والتی یقع على عاتقها حمایة البیئة فی الإدارات المحلیة، هی الدوائر التابعة للوزارات الاتحادیة التی تناولناها فی الفقرة أولاً من هذا المطلب، ولا داعی لتکرار الحدیث عنها، فضلاً عن هیئات أخرى سنتناولها فی الآتی:
- المحافظ: یعد المحافظ اعلى سلطة تنفیذیة فی المحافظات غیر المنتظمة فی إقلیم، وهو یعد الرئیس التنفیذی الأعلى فی المحافظة، ویمارس صلاحیات ومهام متعددة ضمن الحدود الإداریة للمحافظة، ومن بینها ما یتعلق بالحافظ على النظام العام بمدلولاته المختلفة، ومنها جمالیة المدن ورونقها،
- القائم مقام: لقدنص قانون المحافظات غیر المنتظمة فی إقلیم بأن القائم مقام یعد اعلى موظف تنفیذی فی وحدته الإداریة، ونص القانون المذکور أیضاً، بأن من بین مهام القائم مقام هو الحفاظ على النظام العام ضمن الحدود الإداریة للقضاء.
- مدیر الناحیة: یعد مدیر الناحیة الموظف التنفیذی الأعلى فی الناحیة، ویقع على عاتقه المحافظ على النظام العام فی الحدود الإداریة للناحیة.
المطلب الثانی
وسائل وإجراءات أجهزة الضبط الإداری فی إزالة العشوائیات
بعد أن بینا فیما سبق مفهوم الضبط الإداری، وأهدافه التی یسعى لتحقیقها وهی المحافظة على النظام العام بعناصره المختلفة، وأن هذه العناصر قابلة للتطور ولم تعد تقتصر على العناصر التقلیدیة، ومن بینها المحافظة على جمال المدن ورونقها، أصبح لزاما علینا أن نبین الوسائل التی تلجأ إلیها أجهزة الضبط الإداری بهدف إزالة العشوائیات.
والسؤال هنا: ما هی إجراءات أجهزة الضبط الإداری فی سبیل مواجهة العشوائیات وإزالتها ؟
للإجابة عن ذلک یقتضی أولاً بیان وسائل أو أدوات الضبط الإداری التی تمکنها من القیام بمهامها المتمثلة بمواجهة العشوائیات، ومن ثم بیان الإجراءات التی تقوم بها تلک الأجهزة فی سبیل ذلک، وهو ما سنتکلم عنه فی هذا المطلب عن طریق تقسیمه على فرعین، وکما یلی :
الفرع الأول
وسائل أجهزة الضبط الإداری فی إزالة العشوائیات
هناک عدة وسائل یمکن أن تلجأ إلیها أجهزة الضبط فی سبیل القیام بمهامها فی إزالة العشوائیات، وتلک الوسائل هی:
أولاً: أنظمة الضبط الإداری:تعدأنظمة الضبط الإداری من بین أهم الوسائل التی یمکن أن تلجأ إلیها أجهزة الضبط الإداری فی المحافظة على جمالیة المدن ورونقها، وتعرف تلک الأنظمة بأنها قرارات إداریة تصدرها الإدارة بقصد المحافظة على النظام العام بعناصره المختلفة، وتتضمن قواعد عامة مجردة، وتعد من اهم أنواع الأنظمة وذلک لتعلقها بحیاة الأفراد وأنشطتهم المختلفة وتقیید لحریاتهم، لما تتضمنه من أوامر ونواهی، وتوقیع العقوبات على المخالفین، ومن الأمثلة علیها أنظمة المرور، وحمایة الأغذیة والمرافق الصحیة والمحال العامة، وقد أشار إلى ذلک قانون إدارة البلدیات رقم 165 لسنة 1964 المعدل إذ نص على قیام الحکومة بإصدار التعلیمات والأنظمة الخاص بتسهیل تنفیذ أحکام القانون وتنفیذ ما ورد فیه من إجراءات.
ثانیاً: القرارات الإداریة الفردیة: وهی القرارات التی تصدر لمعالجة حالات فردیة، فهی تخاطب فرداً أو أفراداً معینین بذواتهم کقرار تعیین شخص فی وظیفة معینة، وفیما یخص استعمال أجهزة الضبط الإداری لهذه الوسیلة فقد نص على ذلک قانون إدارة البلدیات رقم 165 لسنة 1964 المعدل.
ثالثاً: القوة المادیة (التنفیذ الجبری): وهی وسائلمادیة جبریة یمکن لأجهزة الضبط الإداری اللجوء إلیها، من أجل تنفیذ قرارتها المتعلقة بالضبط الإداری، فی حالة عدم تنفیذها طواعیة، وتعد هذه الوسیلة من اخطر الوسائل الممنوحة لتلک لأجهزة، لأنها تؤدی إلى المساس بحقوق وحریات الأفراد، وربما تستغل من جانب الإدارة، ومن ثم الانحراف عن غایاتها الأساسیة، وبالتالی الإساءة أو التعسف فی استعمال السلطة، لذلک یرى جانب من الفقه أن الأصل هو لجوء الإدارة إلى القضاء للحصول على حقوقها وإجبار الأفراد على التنفیذ، علیه فإن القوة المادیة تعد استثناء من الأصل، وبالتالی یجب عدم التوسع فی استعمالها إلا فی أضیق نطاق، وأن تکون على وفق ضوابط محددة ، ویضیف جانب آخر من الفقه بأنه یجوز لهیئات الضبط الإداری أن تستعمل القوة المادیة عند اختلال النظام العام، وتقوم بالتنفیذ الجبری دون الحصول على إذن مسبق من القضاء، وذلک لمقتضیات المصلحة العامة، وقد نص ذلک قرار مجلس قیادة الثورة (المنحل) ذی الرقم (154 فی 27/6/2001) والخاص بإزالة التجاوزات على العقارات العائدة للدولة والبلدیات.
الفرع الثانی
إجراءات أجهزة الضبط الإداری فی إزالة العشوائیات
بات من غیر المعقول، ومما لا یمکن تصوره ترک المدن والبلدات الحضریة من دون تخطیط عمرانی سلیم، وفسح المجال لکل من هب ودب أن یقوم بتشیید المبانی السکنیة وغیرها دون الرجوع إلى الجهات المختصة بهدف اخذ الموافقات الأصولیة على وفق ما هو مرسوم ومخطط له، بهدف الحفاظ على جمالیة المدن، وعدم انتشار الفوضى العمرانیة التی تؤدی إلى عدم إمکانیة الدولة النهوض بالواقع الاقتصادی والاجتماعی، ومن بینها الظاهرة التی باتت منتشرة فی اغلب مرکز المحافظات والمدن العراقیة فی الوقت الحاضر وهی ما تعرف بالعشوائیات، لذلک تحاول الإدارة جاهدة عن طریق أجهزة الضبط الإداری إلى محاولة مواجهة تلک الظاهرة، بما متاح لها من إجراءات تساعدها فی ذلک.
والسؤال هنا ما هی إجراءات الضبط الإداری التی تقوم بها لإزالة أو مواجهة العشوائیات ؟
للإجابة عن ذلک نقول بأن هناک عدة إجراءات یمکن لأجهزة الضبط الإداری اتخاذها لمواجهة العشوائیات والحد منها، وتلک الإجراءات البعض منها وقائی، والآخر علاجی، وکما یلی:
أولاً: إجراءات الضبط الإداری الوقائیة لمواجهة العشوائیات: یمکن لأجهزة الضبط اللجوء إلى عدة إجراءات وقائیة تقوم بها بهدف مواجهة العشوائیات، وتتلخص تلک الإجراءات بالآتی:
- الحظر (المنع): یعرف الحظر بأنه إجراء تقوم به أجهزة الضبط الإداری یهدف إلى منع، ممارسة نشاط معین،وبخصوصهذا الإجراء نجد أن المشرع العراقی قد منح أجهزة الضبط الإداری اللجوء إلى هذا الإجراء بصریح العبارة، وذلک فی المادة (الخامسة والتسعون مکرر/2) التی نصت على (مع عدم الإخلال بالفقرة (1) من هذه المادة یمنع مدیر عام الدائرة أو مدیر البلدیة استمرار العمل فی البناء الممنوع أو الاستعمال المخالف للتصامیم الأساسیة وینذر المسؤول عنها بلزوم معالجة وتصحیح أو إزالة الأسباب الداعیة للمنع ....).
- الإذن السابق (الترخیص): یقصد بالإذن السابق هو وجوب حصول صاحب الشأن على الموافقة المسبقة لأجهزة الضبط الإداری، أو السلطات المختصة قبل ممارسة النشاط المزمع القیام به، ویعد هذا الإجراء اقل وطأة وتأثیراً من الحظر، إذ عن طریقه تستطیع أجهزة الضبط الإداری فرض ما تراه مناسباً لمنع وقوع الضرر إذا تراءَ لها أن ذلک النشاط سیلحق ضرراً ما، إن لم یکن مستوفیاً للشروط الضروریة لذلک، وبالتالی رفض منحه الترخیص اللازم لمزاولته، وقد نص على ذلک المشرع العراقی فی المادة (الثالثة والستون) من قانون إدارة البلدیات رقم 165 لسنة 1964 المعدل .
- الإخطار المسبق: ویتمثل هذا الإجراء بوجـوب إشعار أجهزة الضبط الإداری، أو السلطات المختصة بممارسة النشاط، کی تقوم تلک الأجهزة باتخاذ إجراءات الحمایة الخاصة بذلک النشاط، وهو بذلک یختلف عن الترخیص، لأن الأخیر یتوجب حصول الموافقة قبل المباشرة، أما الإخطار المسبق فإن صاحب الشأن یقوم بإشعار الأجهزة المختصة والاستمرار بالعمل، إلا إذا ما قامت تلک الأجهزة بإیقافه عن ممارسة ذلک العمل، وبخصوص هذا الإجراء لم نجد أیة إشارة فی قانون إدارة البلدیات النافذ.
- الحوافز التشجیعیة: من الإجراءات الوقائیة الأخرى التی یمکن أن تلجأ إلیها أجهزة الضبط الإداری فی مواجهة العشوائیات هی الحوافز التشجیعیة ومنها على سبیل المثال الإعفاءات الضریبیة، وذلک عن طریف منحها للأشخاص الذین یقومون باتباع الإجراءات الأصولیة فی عملیة البناء، أو منح الأشخاص الذین یقومون بإزالة التجاوز بعض المبالغ المالیة لمساعدتهم فی إنشاء دور سکنیة على وفق الإجراءات الأصولیة، أو منحهم قروض میسره، أو توزیع ارض سکنیه لهم حتى ولو کانت بأسعار مدعومة، ومن الجدیر بالذکر أن المشرع العراقی لم یتطرق إلى مثل هذه الحوافز، ومن هنا ندعو المشرع العراقی إلى اللجوء إلى هذه الوسیلة کونها تمثل أداة یمکن أن تسهم بشکل کبیر فی إزالة العشوائیات أو الحد منها.
ثانیاً: إجراءات الضبط الإداری العلاجیة لمواجهة العشوائیات: إجراءات الضبط الإداری لا تقتصر على الجانب الوقائی فقط، بل أنه قد یحدث أن تلک الإجراءات لا تؤتی أکلها فی مواجهة العشوائیات، فلابد لأجهزة الضبط الإداری اللجوء إلى الإجراءات العلاجیة لردع المخالفین وإجبارهم إلى إزالة التجاوزات ومنعهم من الاستمرار بها، ومما تجب الإشارة إلیه أن أجهزة الضبط الإداری عندما تقوم بهذا النوع من الإجراءات، فإنها تقوم بها بوصفها جهة ضبط إداری ولیس سلطة قضائیة، أما سلطة إیقاع بعض تلک الجزاءات فهو للسلطة المختصة فیه، إذ قد یکون القاضی الجنائی أو المدنی أو السلطة الإداریة ذاتها، وتتلخص تلک الإجراءات بالآتی:
- الجزاء الجنائی: على الرغم من أن الوظیفة الإداریة تعود لأجهزة الضبط الإداری، إلا أن ذلک لا یمنع تلک الأجهزة من اتخاذ بعض التدابیر الجزائیة بحق المتجاوزین على أراضی الدولة والمتمثلة ببناء العشوائیات، وتتلخص تلک المسائل بالآتی:
أ. العقوبات السالبة للحریة: تعرف العقوبات السالبة للحریة بأنها التی یترتب علیها حرمان الشخص المحکوم علیه من حریته فی الحدود التی یفرضها تنفیذ تلک العقوبة، وقد نص المشرع العراقی على هذا الجزاء، وذلک بفرض عقوبة الحبس بحق الممتنعین عن إزالة التجاوز على عقارات الدولة والبلدیة.
ب. الغرامة المالیة: تعرفالغرامة بأنها إلزام المحکوم علیه بأن یدفع إلى الخزینة العامة للدولة مبلغ مالی معین یحدد مقداره فی قرار الحکم، فی حین عرفها المشرع العراقی بأنها (إلزام المحکوم علیه بأن یدفع إلى الخزینة العامة المبلغ المعین فی الحکم وتراعی المحکمة فی تقدیر الغرامة حالة المحکوم علیه المالیة والاجتماعیة وما أفاده من الجریمة أو کان یتوقع إفادته منها وظروف الجریمة وحالة المجنی علیه....)، وفیما یتعلق بموقف المشرع العراقی من هذا الإجراء فإنه لم نص علیها بوصفها عقوبة جزائیة، وکانالأجدر بالمشرع العراقی النص على هذه العقوبة کونها تمثل وسیلة ردع یمکن عن طریقها مواجهة العشوائیات.
ت. المصادرة: تعرف المصادرة بأنها الاستیلاء على مال الشخص وانتقال ملکیته إلى الدولة من دون أی عوض، وبخصوص هذا الإجراء ویقصد بعقوبة المصادرة، نقل ملکیة الأموال ذات الصلة بالجریمة إلى خزینة الدولة جبرا عن صاحبها، من دون مقابل مع مراعاة حقوق الغیر حسنی النیة، وبشأن هذا الإجراء فلم ینص علیه المشرع العراقی فی قانون البلدیات النافذ.
- الجزاء الإداری: من الوسائل العلاجیة الأخرى التی یمکن أم تلجأ إلیها الإدارة ممثلة بأجهزة الضبط الإداری البیئی لحمایة لإزله العشوائیات، هو الجزاء الإداری، ویمکن القول بأن هذا النوع من الإجراءات تمثل صلب عمل سلطات الضبط الإداری المعنیة بهذا الموضوع، وتتمثل تلک الإجراءات بالتالی:
أ. الإنذار والتنبیه: ویتمثل ذلک بإشعار الأشخاص التی تقوم بأفعال تؤدی إلى الإضرار البیئة، بضرورة تعدیل نشاطها، وبعکسه سیتم اتخاذ إجراءات أخرى اکثر شدة من أجل إجباره على التنفیذ وتحسین نشاطه، وقدأشار المشرع العراقی إلى ذلک فی المادة (الخامسة والتسعون /3) من قانون إدارة البلدیات رقم 165 لسنة 1964 المعدل، وهذا یحسب للمشرع العراقی وذلک بالأخذ بتدرج الجزاءات فی معالجة التجاوزات على أموال الدولة.
ب. الغرامة التهدیدیة: تعرف الغرامة التهدیدیة بأنها عبارة عن حکم بالإدانة أو التغریم المالی یفرضها القاضی على أشخاص القانون العام، فی حال التأخر أو الامتناع عن تنفیذ الحکم القضائی، وهی تحسب عن کل یوم تأخیر وتبقى ساریة حتى تنفیذ ذلک الحکم ، وقد نص المشرع العراقی على هذا الإجراء فی المادة (الخامسة والتسعون /7/أ) من قانون إدارة البلدیات رقم 165 لسنة 1964 المعدل التی نصت على ( تنفذ القرارات الصادرة وفق أحکام هذه المادة التی اکتسبت درجة البتات من صاحب الملک أو شاغله خلال المدة التی تحددها أمانة بغداد أو البلدیة المختصة، واذا امتنع عن ذلک فلمدیر عام الدائرة أو مدیر البلدیة فرض غرامة تهدیدیة علیه مقدارها (25000) خمسة وعشرون الف دینار کل ثلاثین یوماً)، وهذا موقف یحسب للمشرع العراقی بفرض مثل هذا الجزاء.
ت. الغرامة الإداریة: تعرف الغرامة الإداریة بوصفها جزاء إداری بأنها مبلغ مالی تفرضه الجهة الإداریة المختصة وتفرضه على المخالف بدلاً عن ملاحقته جنائیاً عن المخالفة المرتکبة، وقد نص المشرع العراقی على هذا الإجراء فی المادة (الخامسة والتسعون/1/أ) من قانون إدارة البلدیات رقم 165 لسنة 1964 المعدل التی نصت على( لمدیر عام دائرة البلدیة التابعة لأمانة بغداد ومدیر البلدیة المختص فرض غرامة مقدارها (25000) خمسة وعشرون الف دینارعلى کل من : أولاً: أقام بناء أو منشآت سکنیة بدون إجازة أصولیة أو خلافاً لها ..... ویکون صاحب الملک والقائم بعملیة البناء أو الأشراف مسؤولاً عنها).
ث. إیقاف النشاط: وهذا الإجراءیتمثل بقیام أجهزة الضبط الإداری بإیقاف النشاط، وهذا الإیقاف إما أن یکون مؤقتاً لمدة محددة أو إیقافاً نهائیاً وغلق بصفة دائمة، وفیما یتعلق بإزالة التجاوز والحد من العشوائیات، فقد نص المشرع العراقی فی قانون إدارة البلدیات النافذ، على إیقاف عملیة البناء المخالفة لأحکام إجازة البناء أو القانون أو الأنظمة الصادرة بهذا الشأن، أو تغییرها أو إزالتها بصفة نهائیة.
ج. سحب الترخیص: یقصد بسحب الترخیص بصفة عامة، هو ذلک الجزاء الذی تفرضه السلطة الإداریة المختصة على من یخالف الشروط والضوابط الخاصة بالترخیص لممارسة نشاط معین، فکما أن للإدارة حق منح الترخیص عند توفر الشروط القانونیة اللازمة لممارسة أنشطة معینة فلها کذلک إلغاء الترخیص أو سحبه عند مخالفة المرخص له لهذه الشروط ، وهذا الإجراء یشابه لحد ما إیقاف النشاط أو الغلق النهائی من حیث الأثر لأنه یؤدی إلى عدم مزاولة النشاط بصورة نهائیة، ولکنه یختلف عنه فی أن سحب الترخیص یکون بسبب مخالفة صاحب النشاط للشروط اللازمة لمزاولة ذلک النشاط، وبخصوص هذا الإجراء فإن المشرع العراقی لم یشر إلى ذلک، وقد نصت على ذلک المادة (38) من نظام الطرق والأبنیة رقم 44 لسنة 1935 المعدل، إذ عدت إجازة البناء ملغاة فی حال عدم المباشرة بالبناء خلال سنة من صدورها ولم یطلب تأیید مندرجاتها، کما أشارت إلى ذلک المادة ( الثالثة والأربعون /2/د) من قانون إدارة البلدیات رقم 165 لسنة 1964 المعدل التی نصت على (إلغاء تصامیم المناطق المزدحمة بالسکان وإعادة إنشائها وفق شروط خاصة لمنح رخص البناء فی المناطق).
ح. إزالة التجاوز: ویتمثل هذا الإجراء بقیام أجهزة الضبط الإداری بإزالة الأبنیة المتجاوزة على أراضی البلدیة، وقد نص المشرع العراقی على إزالة تلک التجاوزات خلال مدة محددة وعلى نفقة البلدیة ، أما قرار مجلس قیادة الثورة (المنحل) ذی الرقم (154 فی 27/6/2001) والخاص بإزالة التجاوزات على العقارات العائدة للدولة والبلدیات، فقد نص فی الفقرة (ثالثاً) على إزالة جمیع التجاوزات من مبانی أو استغلال مشیدات أو استغلال أراضی، وعلى نفقة المتجاوز، وهذا القرار هو الذی یطبق فی الوقت الحاضر لإزالة العشوائیات کونه لاحق للقانون المذکور، ولم یلغى لغایة الآن، ویعد هذا الإجراء من اهم الوسائل التی یمکن لأجهزة الضبط الإداری اللجوء إلیه فی إزالة العشوائیات فی حالة عدم امتثال المتجاوزین لقرارات الضبط الإداری السابقة الذکر.
- الجزاء المدنی: یعد الجزاء المدنی من الإجراءات التی یمکن أن تسهم فی مواجهة العشوائیات، إذ تستطیع أجهزة الضبط الإداری إثارة المسؤولیة المدنیة بحق الأشخاص المتجاوزین على أموال الدولة، ومن ثم إیقاع الجزاء المدنی بحقهم، لغرض إجبارهم على إزالة التجاوز، کما یمکنها اللجوء إلى القضاء لإجبار الأشخاص الممتنعین عن التنفیذ عن طریق إقامة دعوى مدنیة، وهو ما سنبینه فی الآتی:
أ. التعویض النقدی: إن إثارة المسؤولیة المدنیة بحق المخالفین للقوانین والأنظمة التی تتعلق بإقامة العشوائیات والتجاوز على أراضی الدولة، فإذا ما ثبتت تلک المسؤولیة، عندئذ یتعین على الشخص المسؤول دفع تعویض نقدی، أی بمعنى توفیر الحمایة المدنیة لأموال الدولة والتی یقصد بها الحمایة المقررة فی نصوص القانون المدنی ، وقد القانون المدنی العراقی رقم 40 لسنة1951 المعدل، فی المادة (71) منه التی نصت على (إن الأموال العامة لا یجوز التصرف بها، أو الحجز علیها، أو تملکها بالتقادم)، وهذ الموقف یحسب للمشرع العراقی، لأنه سوف یسهم بشکل کبیر فی توفیر الحمایة لأموال الدولة والمحافظة علیها، وفیما یتعلق بالتعویض النقدی بوصفه جزاء مدنی یمکن أن تلجأ إلیه أجهزة الضبط الإداری فی إزالة العشوائیات، وفیما یتعلق بموقف المشرع العراقی من هذا الجزاء فقد الزم المتجاوز على أموال الدولة بدفع التعویض من قبله إلى الدولة عن قیمة الأضرار الناجمة عنه، وذلک فی قرار مجلس قیادة الثورة (المنحل) ذی الرقم (154 فی 27/6/2001)، والخاص بإزالة التجاوزات على العقارات العائدة للدولة والبلدیات.
ب. الدعوى المدنیة: تعرف الدعوى المدنیة بأنها: (النزاع فی محکمة لاسترداد حق خاص یعود لفرد أو طلب التعویض عن حق شخصی)، وبشأن موضوع إزالة العشوائیات بوصفها تجاوزاً على أموال الدولة فی العراق، فإن جانب من الفقه یرى بأنه لا یوجد ما یمنع الإدارة من رفع دعوى مدنیة لتنفیذ قراراتها الإداریة، إذا رأت أن تحقیق المصلحة العامة لا یکون إلا باتباع هذا الطریق، أما إذا وجدت بأن هنالک إهداراً للمصلحة العامة، بسبب طول إجراءات التقاضی فبإمکانها تنفیذه تنفیذاً مباشراً، وبشأن نوع الدعوى المدنیة التی یمکن لأجهزة الضبط الإداری إقامتها لإزالة التجاوز على أموال الدولة هی (دعوى رفع التجاوز)، والتی تعرف بأنها (الدعوى التی تقام أمام محکمة البداءة للنظر فی التجاوزات الحاصلة من قبل الأفراد فیما بینهم من جهة، ومن قبل الأفراد على الدولة من جهة أخرى)، وبشأن موقف المشرع العراقی فی ظل قانون إدارة البلدیات النافذ من هذا الموضوع، فإنه لم یشر إلى إمکانیة قیام الإدارة باللجوء إلى القضاء المدنی، لغرض إزالة العشوائیات، ونص فی المادة (الرابعة والتسعون) من قانون إدارة البلدیات على (1. لوزیر العدل إن یشکل محکمة جزاء فی أمانة العاصمة أو البلدیات بناء على قرار المجلس واقتراح الوزیر للنظر فی القضایا الناشئة من هذا القانون.2. یکتسب أمین العاصمة ومدراء البلدیات کل ضمن حدود بلدیته صفة قاضی جنح للنظر فی المخالفات الناشئة عن تطبیق أحکام هذا القانون، وکذلک المخالفات المنصوص علیها فی المواد (487 – 493) من الباب الأول من الکتاب الرابع من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وذلک لفرض غرامة لا یزید مقدارها عن عشرة دنانیر عن المخالفات التی تقع أمامهم فقط. 3. یخضع القرار الصادر بمقتضى الفقرة (2) من هذه المادة للطعن أمام محکمة الجنح المختصة من قبل المحکوم علیه بالغرامة، وللمحکمة المختصة أن تلغیه أو تعدله أو تصدقه، ویکون قرارها فی هذا الشأن باتاً )، ونرى بأن ذلک موقف المشرع العراقی غیر موفق، إذ ما المانع من أن تتوجه الإدارة إلى القضاء المدنی لغرض إزالة التجاوزات على أموالها، فی حال عدم جدوى الوسائل التی اشرنا إلیها آنفاً.
المطلب الثالث
القیود التی ترد على وسائل أجهزة الضبط الإداری فی إزالة العشوائیات
إن الوسائل التی تمتلکها أجهزة الضبط الإداری، والإجراءات التی تقوم بها مواجهة العشوائیات، لیست على إطلاقها، إذ یمکن للإدارة أن تتعسف فی استعمال سلطاتها تلک لتحقیق أهداف أو غایات بحجة أو تحت ذریعة تحقیق المصلحة العامة، والمتمثلة بحمایة النظام العام، بعنصره المتعلق بالحفاظ على جمالیة المدن ورونقها، عن طریق إزالة العشوائیات، وذلک لـتأثیرها السلبی على المظهر الحضری للمدن، فضلاً عن الأضرار البیئیة التی تسببها تلک الظاهرة، وما ینجم عنه من عرقلة تحقیق التخطیط العمرانی السلیم، ومن ثم الإضرار بالدولة فی عدة مجالات، ومنها بوجه التحدید التجاوز على أراضی الدولة، والتی یمکن أن یتم استغلالها فی إنشاء مشروعات أخرى تحقق أهداف أخرى للدولة، وبالتالی قد تنحرف الإدارة عن طریق تلک الوسائل وتسیء استخدام السلطة، لذلک لابد من وجود بعض القیود التی یجب على الإدارة التقید بها وأخذها بنظر الاعتبار عند القیام بوظیفتها تلک، والتی تعیدها إلى جادة الصواب فیما لو انحرفت عن المسار الصحیح، والمتمثل بحمایة النظام العام.
والسؤال هنا ما هی القیود التی ترد على سلطات الضبط الإداری، عند قیامها بإداء واجباتها فی مواجهة العشوائیات ؟
للإجابة عن ذلک نقول هناک عدة قیود ترد على سلطات الضبط الإداری فی هذا المجال، تتمثل فی وجوب تقیدها فی مبدأ المشروعیة والرقابة القضائیة على تلک الإجراءات، وکذلک القیود المستمدة من الحقوق والحریات العامة التی یتمتع فیها الأفراد، وعلیه سنحاول بیان مدى تأثیر تلک القیود على إجراءات الضبط الإداری، وذلک بتقسیمه على فرعین، الأول لبیان مبدأ المشروعیة والرقابة القضائیة، والثانی للحدیث عن القیود المستمدة من الحقوق والحریات، وکما یلی:
الفرع الأول
مبدأ المشروعیة والرقابة القضائیة على إجراءات الضبط الإداری
من أولى القیود التی ترد على إجراءات الضبط الإداری فی مواجهة العشوائیات هو، وجوب تقیدها بمبدأ المشروعیة فی جمیع الأنشطة التی تقوم بها، وهذا یقتضی احترامها قبل جمیع السلطات فی الدولة ومن بینها الإدارة ممثلة بأجهزة الضبط الإداری، ویجب أن تکون جمیع أعمالها موافقة لهذا وعدم الخروج علیه، وإلا عُد عملها غیر مشروع.
ومبدأ المشروعیة یعنی سیادة حکم القانون فی الدولة، بحیث تعلو أحکامه وقواعده فوق کل إرادة سواء کانت إرادة الحاکم أو المحکوم، وأن تکون تصرفات جمیع السلطات فی الدولة ومن بینها الإدارة فی حدود القواعد القانونیة، أیا کانت تلک القواعد مکتوبة وعیر مکتوبة وأیا کان مصدرها.
والسؤال هنا ما هی الوسیلة التی یمکن أن تجبر الإدارة على احترام القواعد القانونیة فی تصرفاتها وعد استغلال السلطات الممنوحة لها فی ممارسة أنشطتها المختلفة، والتی یؤدی بها إلى الخروج عن ذلک المبدأ؟
للإجابة عن ذلک نقول لا بد من وجود وسیلة تتمتع بالحیادیة والاستقلال تراقب عمل الإدارة، من وجود أی تأثیر للإدارة علیها، وهذه الوسیلة هی القضاء، الذی یراقب عمل الإدارة، إذ أن المبادئ الحدیثة التی تحکم عمل السطات العامة فی الدولة، هو مبدأ الفصل بین السلطات، الذی یعنی، أن تستقل کل سلطة من سلطات الدولة العامة فی مباشرة وظیفتها التی أسندها إلیها الدستور والقانون، إذ لا یجوز لأی منهما الاعتداء على وظیفة السلطات الأخرى، أو تجاوز حدود اختصاصاتها، ولهذا المبدأ مدلولان أحدهما عضوی، الذی یقصد به استقلال أعضاء کل من السلطات، وعدم التدخل فی شؤون باقی السلطات الأخرى، والآخر مادی أو موضوعی، ویقصد به استقلال کل سلطة بممارسة اختصاصاتها، إذ تقتصر وظیفة السلطة التشریعیة على سن القوانین، فی حین تقتصر وظیفة السلطة التنفیذیة بمهمة تنفیذ القوانین، أما السلطة القضائیة تنفرد بمزاولة وظیفتها القضائیة التی تتمثل بتطبیق القانون على المنازعات والخصومات التی ترفع إلیها، أی استقلال کل من سلطات الدولة عن الأخرى، ومن بینها السلطة القضائیة، وهذا الأمر یتیح لها مراقبة عمل الإدارة، وإلغاء ما صدر عنها من قرارات إداریة تمثل خروجاً عن مبدأ المشروعیة.
وتختلف الدول فیما بینها بشأن النظام القضائی المعتمد فیها، بین القضاء الموحد، والقضاء المزدوج، إذ یقصد بالأول، وجود جهة قضائیة واحدة فی الدولة هی جهة القضاء الاعتیادی، تتولى الفصل فی جمیع المنازعات، سواء بین الأفراد فیما بینهم، أو بینهم وبین الإدارة، وهذا النوع هو السائد فی إنکلترا وکثیر من الدول التی أخذت عنها(1)، أما النوع الثانی فیقصد به وجود جهتان قضائیتان مستقلتان تتولیان الوظیفة القضائیة، تختص الأولى بالفصل فی المنازعات التی تنشأ بین الأفراد فیما بینهم، أو بینهم وبین الإدارة عندما تتصرف بوصفها فرداً عادیاً، وهی جهة القضاء العادی، والثانیة التی تختص بالفصل فی المنازعات القضائیة ذات الطابع الإداری، أی التی تکون بین الأفراد والإدارة عندما تتصرف بوصفها سلطة عامة، أو بین الأشخاص العامة ذاتها، وهذا الأخیر هو المعمول به فی فرنسا، والکثیر من الدول التی أخذت عنها، ومنها العراق.
والسؤال هنا: هل تخضع أعمال أجهزة الضبط الإداری فی موضوع مواجهة العشوائیات فی العراق لرقابة القضاء ؟
للإجابة عن ذلک إن إجراءات الضبط الإداری فی العراق تعد قرارات إداریة، وبالتالی فإن هذه المنازعات تخضع لولایة القضاء الإداری کون العراق من الدول التی تأخذ بالقضاء المزدوج کما اسلفنا، وبشأن رقابة الإداری فی العراق على المنازعات الناشئة تلک الإجراءات فإن المشرع العراقی قد أخرج تلک المنازعات لولایة القضاء الإداری، ولم یکتفی المشرع بذلک فقط بل أنه فی ظل قانون إدارة البلدیات النافذ قد نص على إنشاء محاکم جزاء خاصة تشکل لهذا الغرض ومنح أمین العاصة ومدراء البلدیات صلاحیة قاضی جنح للنظر فی تلک المنازعات المتعلقة بالتجاوز على أموال الدولة، علاوة على ذلک فإنه فی ظل قرار مجلس قیادة الثورة المنحل رقم (154) لسنة 2001 والتعلق بإزالة التجاوزات فقد منع القضاء بکافة أنواعها من النظر فی المنازعات الناشئة عن تطبیق ذلک القرار.
وهذا الموقف غیر موفق من المشرع العراقی، لأن الإدارة ربما تتعسف استعمال سلطاتها، کما أنها ستکون قد تحررت من أول تلک القیود الواردة على إجراءاتها تلک، لذلک ندعو المشرع إلى إخضاع تلک المنازعات لرقابة القضاء الإداری من تحقیق نوع من التوازن بین إجراءات سلطات الضبط الإداری، والضمانات التی یتمتع بها الأفراد فی هذا الجانب، وذلک لإعادتها لجادة المشروعیة فی حالة الخروج عنها.
الفرع الثانی
القیود المستمدة من الحقوق والحریات ذاتها
من بین القیود الأخرى التی ترد على إجراءات الضبط الإداری المتعلقة بإزالة العشوائیات هی فکرة الحقوق والحریات ذاتها، إذ أن تلک الحقوق لم تعد تقتصر على الصعید الداخلی، بل اصبح لها بعداً دولیاً عن طریق اعتراف العهود والمواثیق الدولیة بحقوق وحریات الإنسان والتی تجسدت فی إصدار الإعلان العالمی لحقوق الإنسان لعام 1948، الذی یمثل الخطوة الأولى من خطوات المنظمة الدولیة على طریق تعزیز حقوق الإنسان وحمایتها، إذ جاء فی مقدمة الإعلان (إن الإقرار بالکرامة المتأصلة لکافة أعضاء الأسرة الإنسانیة بحقوقهم المتساویة التی لا یمکن التصرف بها إنما یشکل الأساس الذی تقوم علیه الحریة والعدالة والسلام فی العالم).
کما أصبحت تلک الحقوق ومن بینها حق الإنسان فی السکن من المبادئ الدستوریة، ففی هذا المجال بدأت تحرص غالبیة الدساتیر المعاصرة للدول على أن تضمن دیباجة أو مقدمة دساتیرها، بعض المبادئ الأساسیة التی یحرص علیها المجتمع، وبشکل أساسی ما یحرص علیه الشعب من حقوق وحریات، وفیما یتعلق بموقف دستور العراق لسنة 2005 من حقوق وحریات الإنسان ذات الصلة بالسکن، فقد نص على ذلک فی عدة مواد، إذ نص فی الباب الثانی (الحقوق والحریات) على حرمة المسکن وذلک فی المادة (17/ ثانیاً) التی تنص على (ثانیاً: حرمة المساکن مصونة، ولا یجوز دخولها أو تفتیشها أو التعرض لها إلا بقرار قضائی، ووفقاً للقانون)، کما نص فی المادة (23) على حق الفرد فی الملکیة، إذ جاء فی الفقرة (ثانیاً) منها على (لا یجوز نزع الملکیة إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعویض عادل وینظم ذلک بقانون)، فی حین نصت (الفقرة ثالثاً/أ) من المادة ذاتها على (للعراقی الحق فی التملک فی أی مکان فی العراق ....)، أما فیما یتعلق (بالحریات) فقد جاءت عدة مواد تنص على الحریات التی یتمتع بها الإنسان ومنها حریة السکن، وقد تناولت ذلک المادة (44/ أولاً) فقد نصت على (حریة السکن)، إذ جاء فیها ما نصه ( للعراقی حریة التنقل والسفر والسکن داخل العراق وخارجه).
والسؤال هنا: هل تعد تلک النصوص الدستوریة التی ذکرناها آنفاً قیداً على سلطات الضبط وإجراءاتها المتعلقة بإزالة العشوائیات، أو بتعبیر أدق هل أن إجراءات الضبط الإداری تتعارض مع تلک النصوص الدستوریة؟
للإجابة عن ذلک أنه على الرغم من وجود تلک النصوص الدستوریة التی تشیر حریة السکن والتملک والملکیة الخاصة، إلا أن ذلک لیس على إطلاقه، بمعنى أن للفرد کامل الحریة فی السکن والتملک، بل یجب أن یکون ذلک على وفق القوانین المنظمة لتلک الحقوق ومن بینها الحق فی السکن، کما أنه على الرغم من تلک النصوص الدستوریة فقد جاءت نصوص دستوریة أخرى تؤکد على عدم جواز أن یکون استعمال الفرد لتلک أی تعارض مع النصوص الدستوریة أو القوانین، ومن بین تلک النصوص ما یتعلق بحرمة الأموال العامة إذ نصت المادة (27/أولاً) على (للأموال العامة حرمة، وحمایتها واجب على کل مواطن)، وبخصوص ذلک یجب التمییز بین نوعین من السکن العشوائی، فیما إذا کان تجاوز على أراضی الدولة ففی هذه الحالة فإن إجراءات الضبط لا تتعارض مع حریة السکن التی نص علیها الدستور، وذلک تطبیقاً لنص المادة (27/أولاً)، وهذا لا یمثل قیداً على تلک الإجراءات ولا یقید من حریة الإدارة فی اتخاذ ما یلزم من إجراءات لحمایة أموال الدولة، أما إذا کان السکن فی أراضی لا تعود ملکیتها للدولة، فیجب على الإدارة التقید بتلک النصوص الدستوریة، والمسألة الثانیة هی أن الدستور قد نص على عدم الاعتداء على حرمة المسکن أو التعرض إلا على وفق القانون، وقد نصت القوانین التی ذکرناها آنفاً على إمکانیة التعرض لتلک الحریة إذا ما تمت مخالة القوانین المنظمة للسکن، وبالتالی تستطیع أجهزة الضبط الإداری اتخاذ إجراءاتها فی مواجهة العشوائیات شریطة عدم التعسف فی استعمال السلطة ومن ثم التقید بنصوص الدستور والقانون، وعدم الخروج عنهما.
ویرى جانب من الفقه، وبموجب هذه النظریة (الحقوق والحریات)، أنه یجب أن یتم التمییز بین الحریات الأساسیة والحریات الثانویة, إذ تکون الحریة من النوع الأول على حسب أهمیتها السیاسیة أو الاقتصادیة أو الاجتماعیة, على وفق المبادئ المستقرة لدى المجتمع, وبناءً على ذلک فإن هناک من الحریات التی تعد أساسیة على الرغم من عدم تدخل المشرع فی تنظیمها وتحدید مضمونها, کونها لا تقبل بطبیعتها مثل ذلک التدخل, ومنها حریة العقیدة وحرمة المساکن.
وقد جاءت بعض أحکام القضاء الإداری العراقی لتوکد ذلک, إذ قضت محکمة القضاء الإداری (فإنها قد أوجبت تحقیق المساواة بین الأفراد فی إجراءات الضبط الإداری, لذا فقد قضت محکمة القضاء الإداری إلى إلغاء القرار الإداری المتضمن رفض منح احد الأشخاص إجازة بناء وحفظ الطلب المقدم من قبله, بعد ما تبین للمحکمة بأن الجهة الإداریة المختصة قد منحت إجازة بناء سابقة لشخص آخر على قطعة الأرض المجاورة, وذلک ما تأکد من الکشف الذی أجرته المحکمة بمعرفة احد الخبراء المساحین، والاطلاع على الإجازة التی منحتها الجهة الإداریة سابقاً لغرض البناء على القطعة المجاورة لأرض المدعی, الأمر الذی یجعل من امتناع الجهة الإداریة بمنح المدعی إجازة البناء تعسفاً فی الإجراءات الصادرة بهذا الخصوص, مما یوجب إلغاء القرار الإداری).
وبناءً على ما تقدم نخلص إلى القول بأن الحمایة الدستوریة والتشریعیة للحریات العامة، تمثل قیداً على إجراءات أجهزة الضبط الإداری فی مواجهة العشوائیات, وأن هناک حدوداً مقیدة لسلطات الضبط الإداری سواء کانت تلک الحدود ناجمة عن طبیعة عمل الضبط الإداری ومرونة فکرة النظام العام، أو کانت ناتجة عن فکرة الحقوق والحریات ذاتها, إلا أن تلک القیود یجب أن تحول دون تدخل أجهزة الضبط الإداری فی تحقیق هدفها فی حمایة النظام العام, شریطة أن تعمل تلک الأجهزة على تحقیق نوع من التوازن بین حمایة الحقوق والحریات العامة من جهة والمحافظة على النظام العام من جهة أخرى, مما یتطلب خضوع تلک الإجراءات التی تقوم بها أجهزة الضبط الإداری لرقابة القضاء الإداری.
الخاتمـة
بعد أن انتهینا من بحثنا، لا بد لنا أن نسجل أهم ما توصلنا إلیه من استنتاجات، والمقترحات التی نأمل أن تجد طریقاً للتطبیق، بما یمکن الإدارة من مواجهة العشوائیات والحد منها، وکما یلی:
أولاً: الاستنتاجات: لقد توصلنا إلى عدة استنتاجات هی کما یأتی:
- هناک عدة وسائل یمکن لأجهزة الضبط الإداری عدة وسائل یمکن تستعملها لمواجهة العشوائیات، والحد منها.
- لأجهزة الضبط الإداری اتخاذ عدة إجراءات وقائیة أو علاجیة، نص علیها المشرع العراقی، لمواجهة العشوائیات والبعض منها له تأثیر کبیر، والبعض الآخر تأثیرها محدود.
- من بین الإجراءات الوقائیة التی یکون لها تأثیر فی مواجهة العشوائیات هو (الترخیص)، (والحظر)، وذلک بوجوب الحصول على موافقة الجهات المختصة فی البناء قبل مباشرته، ومنعه من الاستمرار فی البناء فی حالة تجاوز الإدارة والبناء غیر الأصولی وعدم حصوله على موافقة الجهة المختصة.
- لم ینص المشرع العراقی على الحوافز التشجیعیة بوصفها من الإجراءات الوقائیة التی یمکن أن تلجأ إلیها أجهزة الضبط الإداری، ولما لها تأثیر کبیر فی مواجهة العشوائیات وتمثل عاملاً تشجیعیاً ربما یدفع الأفراد إلى عدم الاستمرار فی بناء العشوائیات، والتقلیل منها.
- وفیما یتعلق بالإجراءات العلاجیة التی تتخذها أجهزة الضبط الإداری، فقد نص المشرع العراقی على عدة إجراءات، منها الجزاءات الجنائیة، والمتمثلة بالغرامة أو الحبس لمن یمتنع عن رفع التجاوز على أموال الدولة.
- ومن الجزاءات الإداریة التی نص علیها المشرع العراقی هی الغرامة التهدیدیة والغرامة الإداریة فی حالة عدم امتثال المتجاوز لقرارات الضبط الإداری فی إزالة التجاوز على أراضی الدولة، أو البناء دون ترخیص.
- من أهم الإجراءات العلاجیة التی نص علیها المشرع لإزالة العشوائیات، هو رفع التجاوز من قبل الإدارة وعلى نفقة الشخص المتجاوز، وفی حالة عدم دفع مبلغ التجاوز فسیتم حبس المتجاوز، وهذا یحسب للمشرع العراقی فی تمکین الإدارة من مواجهة العشوائیات.
- فیما یتعلق بالقیود التی ترد على سلطات وإجراءات الضبط الإداری فی مواجهة العشوائیات، هی عدم خضوع إجراءاتها تلک لرقابة القضاء الإداری، وهذا یقلل من الضمانات المقررة للأفراد تجاه احتمالیة تعسف الإدارة فی إجراءاتها.
ثانیاً: المقترحات: بناء على الاستنتاجات التی أوردناها نقترح الآتی:
- ندعو المشرع العراقی إلى النص على الحوافز التشجیعیة بوصفها إجراء وقائی، وتمثل أداة یمکن أن تسهم بشکل کبیر فی إزالة العشوائیات أو الحد منها.
- ندعو المشرع إلى إخضاع المنازعات المتعلقة بإزالة العشوائیات لرقابة القضاء الإداری لتعزیز ضمانات الأفراد تجاه احتمالیة تعسف أجهزة الضبط الإداری.
- ندعو المشرع العراقی إلى منح الإدارة الحق فی التوجه إلى القضاء لغرض إلزام المتجاوزین بإزالة تجاوزاتهم والمتمثلة بالعشوائیات، فی حال عدم جدوى الإجراءات التی یمکن أن تلجأ الیها سواء الوقائیة أو العلاجیة .
- ندعو المشرع العراقی إلى إعادة النظر بالقوانین المنظمة للسکن، ولا سیما فیما یتعلق بتخصیص قطع أراضی سکنیة للموظفین، وذوی الدخل المحدود ببدل محدود مع الأخذ بآلیة التقسیط بعید الأجل.
The Authors declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
List of sources
First: Books:
- Dr. Ahmed Khorshid Hamidi Al-Mafraji and d. Saddam Hussein Yassin Al-Obaidi: Al-Wajeez in the Iraqi Administrative Judiciary, 1st edition, Comparative Law Library, Baghdad, 2017.
- Dr. Adam Wahib Al-Nadawi: Civil Procedure, 3rd Floor, Al-Atak for Book Production, Cairo, 2011.
- Dr. Sami Jamal Al-Din: The Origins of Administrative Law, Theory of Labor and Administrative Control, No Publishing House, 1982.
- Dr. Saad Al-Alwash: Principles of Public Law, (Constitutional Law, Administrative Law), Al-Irshad Press, Baghdad, 1972.
- D. Suleiman Muhammad Al-Tamawi: Principles of Administrative Law, 4th edition, Dar Al-Fikr Al-Arabi, Cairo, 1961.
- Dr. Shab Toma Mansour: Administrative Law, K 1, i 1, Iraq House for Printing and Publishing, Baghdad, 1979.
- Dr. Adel Al-Saeed Mohammed Abu Al-Khair: The Administrative Police, 1st Floor, Dar Al-Fikr Al-Jami'a, Alexandria 2008.
- D. Abdel-Ghani Basiouni Abdullah: Administrative Law - An applied study of the foundations and principles of administrative law and their application in Egypt, Monshaat Al-Maaref, Alexandria, 1990.
- Dr. Abdel-Ghani Basyouni Abdullah: Administrative Law, University House, Cairo, 1986.
- Dr. Abdel-Ghani Basyouni Abdullah: Administrative Judiciary, University House, Beirut, 1993
- Essam Neama Ismail: Compulsory Cancellation of Unlawful Administrative Systems - A Comparative Study in the Light of Law and Diligence, Al-Halabi Law Library, Beirut, 2003.
- Dr. Ali Hussein al-Khalaf and d. Sultan Abdul Qadir Al-Shawi: General Principles in the Penal Code, Al-Atik Company, Cairo, 2006.
- Dr. Ali Muhammad Bedair and d. Essam Abdel-Wahab Al-Barzanji and d. Mahdi Yassin Al-Salami: General Principles in Administrative Law, Dar Al-Kutub Printing and Publishing Directorate, Baghdad, 1993.
- Dr. Fouad Al-Attar: Administrative Judiciary, Arab Renaissance House, Cairo, 1966.
- Kadri Abdel Aziz: Human Rights in International Law and International Relations, Dar Houma for Printing, Publishing and Distribution, Algeria, 2002.
- Dr. Majed Ragheb Al-Helou: Administrative Law, University Press House, Alexandria, 1998.
• Dr. Majed Ragheb Al-Helou: Administrative Judiciary, University Press House, Alexandria, 1985.
- D. Maher Saleh Allawi Al-Jubouri: Mediator in Administrative Law, 2nd edition, Dar Ibn Al-Atheer, Mosul, 2012
- Maher Saleh Allawi: Administrative Decision, Dar Al-Hekma for Printing and Publishing, Baghdad, 1991.
- Dr. Mohamed Refaat Abdel-Wahab: Administrative Judiciary, New University House, Alexandria, 2007.
- Dr. Muhammad Sharif Ismail Abdul Majeed: Administrative Control in Exceptional Conditions - A Comparative Study, Arab Renaissance House, Cairo, 1980.
- Dr. Muhammad Abdul Hamid Abu Zaid: The Reference in Administrative Law, 2nd Edition, Al-Ashry Press, Cairo, 2007.
- d. Mohamed Fouad Abdel Baset: Administrative Law, New University House, Alexandria, 2006.
- Dr. Muhammad Kazem Al-Mashhadani: Political Systems, Dar Al-Hekma Press for Printing and Publishing, Mosul, 1991.
- Dr. Muhammad Mahmoud al-Ruby Muhammad: Administrative Control and its Role in Environmental Protection - A Comparative Study, Law and Economics Library, Riyadh, 2014.
- Dr. Mahmoud Ahmed Taha: Criminal Protection of the Environment from Pollution, Maarif facility, Alexandria, 2007.
- Dr. Mahmoud Helmy: Grades the Legal Rules, Journal of Administrative Sciences, No. 1, 1963.
- Dr. Atef Mahmoud Al-Banna: The Mediator in Administrative Law, 8th Edition, Dar Al-Fikr Al-Arabi, Cairo, 1992, p. 337.
- Dr. Mohi Shawky Ahmad: Constitutional Aspects of Human Rights, 1st Floor, Dar Al-Fikr Al-Arabi, Cairo, 1986.
- Dr. Naguib Khalaf Ahmed, and d. Muhammad Ali Jawad Kazim: Administrative Judiciary, 5th edition, Al-Mustansiriya University, College of Law, Baghdad, 2016.
Second: University theses and dissertations:
- Ahmad Abdul-Aziz Al-Shaibani: State Responsibility for Administrative Control Work in Normal Conditions in Yemeni Law - A Comparative Study, PhD Thesis, College of Law, University of Baghdad, 2005.
- Jalti Omar: Modern Goals for Administrative Control, PhD thesis, Faculty of Law and Political Science, University of Tlemcen, Algeria, 2015-2016.
- Habib Ibrahim Hamada Al-Dulaimi: The Limits of the Authority of Administrative Control in Normal Conditions - A Comparative Study, PhD thesis, College of Law, University of Babylon, 2007.
- Anniversary of Abbas Ali Nasser Al-Daini: Management Methods to Eliminate Abuse of Public Funds, Master Thesis, College of Law, University of Baghdad, 2005.
- Sabhan Abdullah Yunus Al-Taie: Restrictions on the Administrative Control and Judicial Control Powers - A Comparative Study, Master Thesis, Faculty of Law, Tikrit University, 2010
- Seban Jamil Mustafa Atrushi: The Principle of Judicial Independence - A Comparative Constitutional Study, Master Thesis, College of Law, University of Mosul, 2003.
Third: Research and Studies:
- Dr. Ismail Sa`sa 'al-Badiri and Hawraa Haider Ibrahim: Legal Methods to Protect the Environment from Pollution - A Comparative Study, research published in the Journal of the Investigator Al-Hali for Legal and Political Sciences, No. 2, Volume 6, 2014.
1.Fourth: Constitutions and Legislations:
- Roads and Buildings Regulation No. 44 of 1935 as amended.
- Iraqi Civil Law No. 40 of 1951, as amended.
- Municipal Administration Law No. 165 of 1964 as amended.
- Iraqi Penal Code No. 111 of 1969, as amended.
- Real Estate Registration Law No. 43 of 1971.
- Iraqi State Shura Council Law 65 of 1979.
- Law of the Ministry of Justice No. 101 of Attribute 1977 repealed.
- Iraqi Ministry of Interior Law No. 183 of 1980.
- Law No. 106 of 1989 Law of the Second Amendment of the Law of the Iraqi Council of State.
- The Revolutionary Command Council (dissolved) Resolution No. (154) for the year 2001 regarding removing abuses of real estate belonging to the state and municipalities.
- The Constitution of the Republic of Iraq of 2005.
- Law of the Ministry of Justice No. 18 of 2005 in force.
- Law of Governorates not organized in Region No. 21 of 2008, as amended.
- Iraqi Ministry of Construction and Housing Law No. 33 of 2012.
- Iraqi State Council Law No. 71 of 2017.