العشوائیات السکنیة بین حق الإنسان فی السکن ومعاییر السکن اللائق
Residential slums between the human right to housing Standards for adequate housing
|
رقیب محمد جاسم الحماوی
کلیة الحقوق/ جامعة الموصل
Raqib Muhammad Jassim Al -Hamwi
College of law / University of Mosul
Correspondence:
Raqib Muhammad Jassim Al -Hamwi
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی *** قبل للنشر فی
(*) Received on *** accepted for publishing on .
Doi: 10.33899/alaw.2020.166858
© Authors, 2020, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
یقدر عدد الذین یعیشون فی العشوائیات السکنیة بحوالی ملیار إنسان یقطنون فی مساکن غیر لائقة، ویرزحون تحت أوضاع معیشیة متردیة للغایة، ویفتقر معظمهم إلى أمن الحیازة، مما یجعلهم عرضةً للإخلاء القسری وغیره من انتهاکات حقوق الإنسان، وغالباً ما یحرمون من الحصول على المیاه الصالحة للشرب وعلى خدمات الصرف الصحی والتعلیم والرعایة الصحیة.
وقد أکدت لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة أن الحق فی السکن اللائق لا یمکن أن یفسر تفسیراً ضیقاً، بل ینبغی أن ینظر إلیه على أنه الحق فی العیش فی مکان ما بأمان وسلام وکرامة، إذ یشمل الحق فی السکن اللائق العدید من الحریات والحقوق وفی مقدمتها حمایة الفرد من عملیات الاخلاء القسری ومن تدمیر وهدم مسکنه تعسفاً، وحق الفرد فی عدم التعرض للتدخل التعسفی فی مسکنه وحیاته الخاصة وشؤون أسرته، فضلاً عن حق الفرد فی اختیار محل اقامته وفی تحدید مکان عیشه وحریته فی التنقل، کما یجب أن یوفر السکن اللائق أکثر من مجرد أربعة جدران وسقف، بل یجب استیفاء عدد من الشروط قبل أن یکون بالإمکان اعتبار أشکال معینة من السکن ((سکناً لائقاً))، إذ یجب أن یستوفی سکن الإنسان فی حده الأدنى عدداً من المعاییر المتمثلة بأمن الحیازة وتوافر الخدمات والمرافق والبنى التحتیة، فضلاً عن القدرة على تحمل التکالیف، والصلاحیة للسکن، وتیسیر تلبیة الاحتیاجات، وأخیراً الملائمة من الناحیة الثقافیة.
الکلمات المفتاحیة: (السکن العشوائی، السکن اللائق، المعاییر الدولیة، الطبیعة القانونیة).
Abstract
The number of people living in slums is estimated to be about one billion people living in inadequate housing, living under extremely poor living conditions, and most of them lack security of tenure, which makes them vulnerable to forced evictions and other human rights violations, and are often denied access to safe drinking water and Sanitation, education and healthcare services.
The United Nations Committee on Economic, Social and Cultural Rights has affirmed that the right to adequate housing cannot be interpreted narrowly. Rather, it should be viewed as the right to live somewhere in safety, peace and dignity, as the right to adequate housing includes many freedoms and rights, foremost among which are Individual protection from forced evictions and the arbitrary destruction and demolition of his home, and the individual's right not to be subjected to arbitrary interference with his home, private life and family affairs, as well as the right of the individual to choose his place of residence and to determine his place of living and freedom of movement, and it must provide adequate housing more than Just four walls and a roof. Rather, a number of conditions must be met before certain forms of housing can be considered ((decent housing)), as human housing must meet, at a minimum, a number of criteria represented by security of tenure, availability of services, facilities and infrastructure, as well as Affordability, habitability, convenience to meet needs, and finally, culturally appropriate.
Key words: (random housing, decent housing, international standards, legal nature(
المقدمـة
یشکل موضوع العشوائیات السکنیة واحداً من أکثر المواضیع أهمیةً فی عصرنا الحاضر، لاسیما فی دول العالم الثالث، لما تشکله المناطق التی تستحوذ علیها هذه العشوائیات من بؤر تهدد الکثیر من الدول، کونها مرتعاً للکثیر من المخالفات القانونیة الخطیرة وفی مقدمتها تجارة المخدرات وتعاطیها، وجرائم الخطف والسرقات والقتل، وتجارة الأسلحة غیر المرخصة واستخدامها وغیرها من الجرائم.
کما أنه بات واحداً من المواضیع التی تتعلق بأزمة السکن التی تعصف بالکثیر من الفئات الاجتماعیة، کمحدودی الدخل والفقراء والمشردین داخلیاً والنازحین والعاطلین عن العمل، فضلاً عن العدید من الفئات الاجتماعیة التی لا تقدر على توفیر سکن مناسب لها، الأمر الذی یضطرها إلى السکن کیفما کان وبغض النظر عما یمکن أن تخلفه تلک المبانی العشوائیة من مظاهر سلبیة تؤثر بشکل مباشر على البیئة والصحة والمیاه وتساهم فی تقلیص الفراغات الحضریة والمساحات الخضراء.
إن حق الإنسان فی السکن یعد واحداً من أهم حقوق الإنسان الأساسیة التی لا غنى عنها، ویأتی فی الأهمیة بعد المأکل والملبس فی التسلسل الهرمی للاحتیاجات الإنسانیة، وقد ورد ذکره فی العدید من الاتفاقیات الدولیة بدءاً من الإعلان العالمی لحقوق الانسان لعام 1948 وصولاً إلى العهد الدولی للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة لعام 1966 فضلاً عن العدید من الإعلانات والقرارات الصادرة عن الکثیر من المنظمات العالمیة والاقلیمیة وذلک لما یمثله من أهمیة کبیرة تمثل عنصراً جوهریاً من عناصر ضمان الکرامة الإنسانیة، وانطلاقاً مما تقدم فإننا سنحاول فی بحثنا هذا أن نسلط الضوء على واحد من أهم الحقوق الأساسیة للإنسان ألا وهو حق الانسان فی السکن اللائق ومعاییره الدولیة فی ضوء الاتفاقیات الدولیة من خلال تقسیم بحثنا على وفق ثلاث مباحث، نبحث فی الأول منها التعریف بالعشوائیات السکنیة، ونتطرق فی المبحث الثانی إلى الإطار القانونی لحق الإنسان فی السکن، فیما خصصنا المبحث الثالث لبیان المعاییر الدولیة للسکن اللائق.
أهمیة البحث:.
تعد قضیة المناطق العشوائیة واحدة من أخطر القضایا التی تواجه دول العالم بشکل عام وبلدنا العراق بشکل خاص، بسبب ما ینجم عنها من مشاکل اجتماعیة وأمنیة، إذ أن سکان هذه المناطق یمکن تصنیفهم بکونهم الأدنى فی السلم التعلیمی والوظیفی، کما أنهم الأدنى فی السلم الاجتماعی والطبقی، کما أنهم یعانون من عدم استقرار اوضاعهم المهنیة والسکنیة، فضلاً عن أن الکثیر منهم یشکلون بؤر للتوترات المجتمعیة التی تنتقل سماتها بقدها وقدیدها إلى المناطق السکنیة القریبة منها، وهو ما یؤدی إلى انتقال آفات الانحراف والعنف والإدمان وممارسة الجریمة بکافة أشکالها وصورها، الأمر الذی یشکل خطراً داهماً یهدد أمن المجتمع کله، ومن ثم یؤثر على مستقبل التنمیة بکافة جوانبها ومجالاتها.
إشکالیة البحث:.
تکمن إشکالیة البحث فی أنه على الرغم من إدراک العالم کله لأهمیة الحق فی السکن ودوره الکبیر فی ضمان رغد الإنسان وبقائه، فإن التقدیرات الدولیة تشیر إلى أن أکثر من ملیار إنسان یعیشون فی مساکن دون المستوى اللائق، وإلى أن عدد من لا مأوى لهم یربو من مائة ملیون شخص، تلجأ حکومات دولهم إلى التذرع بعدم توافر الإمکانات والموارد اللازمة لتنفیذ البرامج واتخاذ الاصلاحات الرامیة للتوسع فی التمتع بالحق فی السکن اللائق.
منهجیة البحث:.
اعتمدنا فی هذا البحث على المنهج التحلیلی للآراء الفقهیة ونصوص الاعلان العالمی لحقوق الانسان والعهد الدولی للحقوق الاقتصادیة والثقافیة والاجتماعیة وذلک للوصول إلى حل ناجع لمشکلة العشوائیات.
المبحث الأول
التعریف بالعشوائیات السکنیة
برزت العشوائیات السکنیة کإحدى الظواهر الشاذة مع اتساع نطاق الهجرة من الریف إلى المدینة، دون أدنى تخطیط عمرانی ودون أی مواجهة حقیقیة من السلطات المعنیة، وقد نشأت هذه الظاهرة بسبب الأزمات الاسکانیة المتتابعة بعد زیادة نسبة البطالة وارتفاع النمو السکانی فضلاً عن ارتفاع اسعار الأراضی والعقارات، کما واکبت تقلبات اجتماعیة وثقافیة کان لها تأثیر سلبی على الفئات المجتمعیة من ذوی الدخل المحدود.
وقد نشأت المناطق العشوائیة فی ظل غیاب التخطیط العام وخروجاً على القانون وتعدیاً على أملاک الدولة، ومن ثم فهی مناطق محرومة من کافة انواع المرافق والخدمات الأساسیة من میاه وکهرباء وصرف صحی، بل لیس لها مرکز شرطة أو مرکز صحی أو مدرسة أو مواصلات، کما لا تستطیع أن تمر بها عربة إسعاف أو سیارة مطافئ.
ونتیجةً لهذا الحرمان القاسی من الحد الأدنى اللازم للمعیشة انتشرت بین سکان هذه المناطق الأمراض المستوطنة، وتفشى فیها الجهل وسادت الأمیة، وانتشرت السرقة والسطو، وظهرت بها الفئات الخارجة على القانون، فأصبحت مصدراً خطیراً للعنف والعملیات الإرهابیة بسبب ما تسببه هذه الأنماط من السکن من تولید للأحقاد الاجتماعیة نتیجةً لاتساع نطاق الفوارق الاجتماعیة.
وانطلاقاً مما تقدم فإننا سنتناول التعریف بالعشوائیات السکنیة على وفق ثلاث مطالب، نبحث فی المطلب الأول منها مفهوم العشوائیات السکنیة وخصائصها، ونتطرق فی المطلب الثانی إلى أسباب نشأة العشوائیات السکنیة وأشکالها، ونعرج فی المطلب الثالث إلى مخاطر العشوائیات السکنیة وسلبیاتها وکما یأتی:.
المطلب الأول
مفهوم العشوائیات السکنیة وخصائصها
حظى مفهوم العشوائیات السکنیة وخصائصها باهتمام الکثیر من الباحثین والمتخصصین فی حقل الدراسات الاقتصادیة والاجتماعیة والقانونیة کونها تعد ظاهرة ومشکلة ذات أبعاد متعددة، الأمر الذی ألقى بضلاله على تحدید مفهوم دقیق لها یحدد معناها ویوضح خصائصها التی تتمیز بها وهذا ما سنتطرق إلیه فی المطلب الأول من خلال الفرعیین الآتیین وکما یأتی:.
الفرع الأول
مفهوم العشوائیات السکنیة
إن تحدید مفهوم دقیق للسکن العشوائی هو أمر لا یخلو من صعوبة، حیث یرتبط هذا المفهوم بعوامل مختلفة، منها ما هو مرتبط بظروف النشأة ونوعیة البناء وجودته من ناحیة، ومنها ما هو مرتبط بالتجمعات السکنیة التی یکونها، ولذلک فهناک تعریفات کثیرة للعشوائیات السکنیة ومنها:.
- مناطق تم انشاء مساکنها بطریقة غیر قانونیة على أرض غیر مسجلة ولا تتفق مع المواصفات الصحیة والفنیة للمبانی ولا تتمتع بأی نوع من الخدمات وغالباً ما تنشئ هذه التجمعات السکانیة خارج خطة الامتداد العمرانی للمدن الرئیسیة.
- تجمعات سکانیة أقیمت فی مناطق لا یجوز البناء علیها لأسباب قانونیة کالأراضی الزراعیة وأراضی الدولة فتواجه صعوبات فی الحصول على الخدمات والمرافق الأساسیة للحیاة.
- مناطق ینتشر فیها الفقر وتزداد بها الکثافة السکانیة وترتفع فیها معدلات الأمیة والبطالة وانتشار أشکال الانحراف کالجریمة والإدمان والتطرف مع عدم کفایة الخدمات والمرافق العامة.
- کما عرفها المعهد العربی لإنماء المدن بأنها مناطق أقیمت مساکنها من غیر ترخیص فی أراضی تملکها الدولة أو یملکها آخرون وغالباً ما تقام هذه المساکن خارج نطاق الخدمات الحکومیة ولا تتوفر فیها المرافق الحکومیة لعدم اعتراف الدولة بها.
- وبحسب برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشریة ((الموئل)) فإن السکن العشوائی هو المکان الذی یعیش فیه مجموعة من الأشخاص تحت سقف واحد ویفتقر إلى واحد أو أکثر من الاحتیاجات الآتیة:.
أ. إمکانیة الحصول على الماء النظیف
ب. إمکانیة الوصول إلى المرافق الصحیة
ت. توفر حیز کافٍ للعیش
ث. الصلاحیة الهیکلیة
ج. أمن الحیازة القانونی
وفی ضوء ما تقدم من مفاهیم للعشوائیات السکنیة یمکننا القول أن مفهوم العشوائیات السکنیة یقصد به أی تجمعات سکانیة تنشأ فی غیاب التخطیط العام وخروجاً على القانون وتعدیاً على الأملاک العامة للدولة غالباً والأملاک الخاصة أحیاناً قلیلة وتکون محرومة من کافة أنواع المرافق والخدمات الأساسیة.
وعادةً ما یستخدم الباحثون مصطلحات ومسمیات عدیدة للعشوائیات السکنیة منها مناطق واضعی الید، والمناطق الطفیلیة، والمناطق المهمشة، وتسمى فی مصر ((اسکان العشش))، وفی الجزائر ((البناء القصدیری))، أما فی العراق فیطلق علیها ((التجاوز)).
وفی ضوء ما تقدم یمکننا القول أن السکن العشوائی یقوم بتخطیطه وتشییده الأهالی أنفسهم على الأراضی الزراعیة أو الصحراویة وفی أطراف المدن، وهو إسکان غیر مخطط یقع فی أدنى مراتب الإسکان، ویقوم على أساس الاجتهادات الشخصیة فی التخطیط والتصمیم والبناء وینتشر هذا النوع من السکن فی العالم کله، لکنه یتضح جلیاً فی دول العالم الثالث، حیث یأخذ شکل تجمعات متلاصقة من المبانی ((العشش)) المتراصة بجانب بعضها البعض فی اتجاه طولی، ویلجأ الأفراد إلى هذا النوع من السکن بصفة مؤقتة أو دائمة بسبب أوضاعهم الاقتصادیة السیئة.
الفرع الثانی
خصائص العشوائیات السکنیة
یظهر لنا من خلال التعریفات السابقة أن العشوائیات السکنیة تتمیز بعدد من السمات أو الخصائص المشترکة یمکننا أن نوجزها بالشکل الآتی:.
- إنها تقع خارج الحیز السکانی المحدد من قبل الجهات المسؤولة
- تدخل بمرور الأیام حدود المدینة لتصبح جزء من المدینة نفسها
- تنشأ بعیداً عن سیطرة القانون
- لا تخضع للرقابة فی طریقة البناء والشکل وطریقة التنفیذ
- المبانی والمرافق التابعة لها غیر مرخصة
- تفتقد للشکل المنظم فی مواد البناء ومواد الطلاء وارتفاعات المبانی والدیکورات داخل وخارج المسکن
- أغلب الأنشطة فیها غیر مرخصة مثل الورش والمحلات والمساجد وغیرها
- انتشار الفقر نتیجةً لعدم توفر فرص العمل
- انتشار الانحراف بصورة کبیرة کالجریمة والإدمان والتطرف
وفی هذا السیاق یمکننا القول أن مجتمعنا العراقی یعانی کغیره من بلدان العالم الثالث من انتشار ظاهرة العشوائیات السکنیة فی مدنه کظاهرة استحکمت وفرضت نفسها کأمر واقع على الکثیر من مدنه، خصوصاً بعد انتشار ظاهرة الهجرة من الریف إلى المدینة بحثاً عن فرص العمل، کما لعبت الظروف الاقتصادیة التی تعرض لها العراق وبشکل خاص منذ مطلع عقد التسعینات من القرن الماضی دوراً کبیراً فی انتشار مستوى الفقر، الأمر الذی دفع بالکثیر من المواطنین فی ظل غیاب سلطة القانون إلى القیام بالاستیلاء على العدید من الأرضی وبشکل خاص الأراضی الزراعیة للسکن فیها.
وفی ذات السیاق تشیر أغلب الدراسات إلى أن جذور هذه المشکلة بدأت فی الظهور فی العراق فی بدایة الثلاثینات من القرن العشرین، ثم ازدادت فی الخمسینات، وبعد انهیار الاقطاع ارتفعت، ثم برزت مرة أخرى فی الثمانینات لتتفاقم بعد الاحتلال الأمریکی للعراق عام 2003، وأخذت تتنامى هذه الظاهرة بشکل ملحوظ دونما توقف یذکر، بشکل أصبحت معه عصیةً على ضبط احصاء رسمی ودقیق لها، لکن هناک بعض المؤشرات التقدیریة التی توصلت لها وزارة التخطیط العراقیة حول هذه الظاهرة، حیث بینت هذه التقدیرات الناتجة عن المسح المیدانی الذی أجرته الوزارة المذکورة أن عدد الوحدات السکنیة لهذه العشوائیات تقدر بحوالی (346,881) مسکناً بنسبة قدرها (7,3%) من إجمالی عدد المساکن فی العراق التی تقدر بحوالی (4,752) ملیون مسکن، وقد سجلت محافظة بغداد أعلى نسبة من العشوائیات السکنیة قدرها (33,4%) من مجموع المساکن العشوائیة، تلتها محافظة البصرة بنسبة قدرها (13,8%).
المطلب الثانی
أسباب نشأة العشوائیات السکنیة وأشکالها
تعود مشکلة ظهور العشوائیات السکنیة إلى بدایات القرن العشرین وذلک تواکباً مع التوسع العمرانی السریع للمدن وإعادة الإعمار بعد الحرب العالمیة الثانیة ومع تمرکز الخدمات والمصالح الحکومیة فی المدن الرئیسیة وظهور العدید من الصناعات الحدیثة الأمر الذی أدى إلى زیادة الهجرة الداخلیة للأفراد والنزوح من الریف إلى المدن سعیاً وراء الحصول على فرص العمل ومع سعی هؤلاء النازحین من الریف إلى المدن للحصول على سکن ملائم حسب مواردهم الضئیلة فقد لجأوا إلى أطراف المدن حیث الأراضی الزراعیة أو الصحراویة فأقاموا تجمعات عشوائیة بتکالیف أقل ودون ای خدمات، وبذلک تتعدد الأسباب أو العوامل التی تؤدی إلى نشأة ونمو العشوائیات السکنیة وتزایدها وتفاقم حدتها، کما تتعد الأشکال التی تتخذها العشوائیات السکنیة، وهذا ما سنتطرق إلیه فی المطلب الثانی ومن خلال الفرعیین الآتیین وکما یأتی:
الفرع الأول
أسباب نشأة العشوائیات السکنیة
لم تظهر العشوائیات السکنیة وتنتشر بهذا الحجم لرغبات شخصیة من سکانها فی الخروج على القانون أو الخروج عن إطار النطاق العمرانی الآمن، لکن نتیجةً لعدة عوامل مختلفة تراکمت مع بعضها، قد یکون بعضها بسبب أهالی العشوائیات أنفسهم، لکن مع ذلک یبقى الجزء الأکبر من المسؤولیة تتحمله الحکومات المتعاقبة فی الدول التی تنتشر فیها هذه الظاهرة، بسبب تواطؤها فی عدم تطبیق القانون، وإهمال الطبقات الفقیرة، وانشغالها بمصالحها الخاصة، أو حاجتهم إلى صیاغة ظهیر شعبی من الخارجین على القانون لاستخدامهم فی خدمة مآربهم السیاسیة.
ویمکننا أن نوجز أبرز الأسباب التی ساعدت على نمو هذه الظاهرة بالشکل الآتی:.
أولاً:. الأسباب الاجتماعیة
ویأتی فی مقدمتها ارتفاع معدلات النمو اسکانی، وتزاید الهجرة من الریف إلى المدینة سعیاً وراء طلب الرزق أو لتحسین مستوى المعیشة، حیث تعمل الهجرة على ازدحام الأحیاء الفقیرة فی عواصم المدن، مما یترتب علیه الکثیر من المشکلات الاجتماعیة وفی مقدمتها تفشی الجریمة والانحراف، وحث سکان بعض هذه المناطق لأقاربهم للسکن بجوارهم رغبةً منهم فی التجمع ومجاورة بعضهم البعض لتشکیل قوة فیما بینهم تجاه أی تهدید.
ثانیاً:. الأسباب الاقتصادیة
تلعب الأسباب الاقتصادیة والظروف المعیشیة التی تعانی منها شرائح مجتمعیة واسعة دوراً کبیراً فی تفشی ظاهرة العشوائیات السکنیة ومن أهم هذه الأسباب ما یلی:.
أ. فلة فرص العمل وزیادة معدلات البطالة والانخفاض فی دخول الفئة الغالبة من السکان وخاصةً عمال المهن الهامشیة وعجزهم عن ملاحقة الارتفاع المستمر فی تکالیف المعیشة.
ب. ارتفاع کلف مواد البناء والأیدی العاملة بشکل کبیر وضعف الدعم الحکومی له مقابل محدودیة دور القطاع الخاص.
ت. اختلال التوازن بین مقدار الدخل وبدلات إیجار الوحدات السکنیة وهذا ما یدفع فقراء المدن ممن یمتلکون مدخرات بسیطة بإنشاء مساکن دون أی تراخیص أو تخطیط فی محاولة منهم لتوفیر المسکن.
ث. عدم توافر الاستثمارات الکافیة لدى السلطات الحکومیة لإنشاء وحدات سکنیة تستوعب الفئات محدودة الدخل.
ثالثاً:. الأسباب الثقافیة:.
حیث ساعد انتعاش حرکة الفکر والثقافة والتعلیم وتمرکزها فی المدن على اجتذاب الطامحین فی مزید من التعلیم من شباب الریف للإقامة فی المدن الحضریة، وأمسى الکثیر من أبناء الریق یرفضون ثقافة القریة القائمة على بعض الأعراف وعادات وتقالید یعتبرونها بالیة فیهجرونها باحثین عن ثقافة المدینة حیث لا یجدون مأوى إلا السکن فی العشوائیات.
رابعاً: الأسباب التشریعیة ومن أهمها:.
أ. عدم التصدی لانتشار العشوائیات من بدایتها أدى إلى اتساع نطاقها وصعوبة مواجهتها وبالتالی شجع على امتدادها.
ب. القصور فی تنفیذ التشریعات والقوانین التی تنظم حرکة العمران وهذا یعنی غیاب دور الأجهزة التنفیذیة فی متابعة اقامة المبانی بالإضافة إلى ضعف العقوبات التی أوردها القانون مع طول الإجراءات التی حددها للتصدی للمخالفة.
ت. مد بعض العشوائیات السکنیة بالخدمات الأساسیة کالکهرباء والماء والصرف الصحی ولد قناعة لدى ساکنی هذه المناطق ومناطق أخرى لم تمتد لها الخدمات بأنهم أصبحوا (واقع حال) مفروض على الدولة.
خامساً: الأسباب الأمنیة:.
تساهم النزاعات المسلحة الدولیة والداخلیة فی تفشی ظاهرة العشوائیات السکنیة بسبب ما ینجم عنها من نزوح الملایین واضطرار الکثیر منهم إلى السکن فی الأملاک العامة أو مساکن متواضعة.
الفرع الثانی
أشکال العشوائیات السکنیة
هناک عدة أشکال للعشوائیات السکنیة یمکننا أن نوجزها بالشکل الآتی:.
أولاً:. السکن الفوضوی:. وهو سکن تم بناؤه بطریقة جیدة داخل الحدود الإداریة للمدینة ولکن بدون الحصول على ترخیص مسبق من السلطات المحلیة المختصة وبطریقة عشوائیة لم یراع فیها تقسیمات المنطقة.
ثانیاً:. السکن المشوه:. وهو کل ما بنی بمواد غیر ثابتة ولم یراعى فیها شروط الصحة العامة أو الظروف البیئیة.
ثالثاً:. السکن الهامشی:. ویقصد به الأماکن غیر المعدة للسکن فیها أصلاً ولکنها مشغولة من قبل الناس، مثل باحات المساجد والدکاکین والکراجات والفراغات تحت السلالم.
رابعاً:. إسکان الغرف المستقلة:. وهو عبارة عن سکن عائلة فی غرفة واحدة بدون منافع وتشارک غیرها فی دورة میاه واحدة، وتقع عادةً فی الأسطح وأفنیة المنازل، وتشتمل هذه الغرفة على کافة الأنشطة المعیشیة من نوم وجلوس وطهی وغسیل وتخزین، وهذا یؤدی آثار نفسیة واجتماعیة سیئة، کما یؤدی إلى فقدان الإحساس بالخصوصیة والذاتیة ویعمل على خلق شخصیة غیر سویة.
المطلب الثالث
مخاطر العشوائیات السکنیة وسلبیاتها
تحمل العشوائیات السکنیة بین طیاتها العدید من المخاطر والسلبیات، حیث لا یقتصر ضررها على من یعیشون بداخلها فقط، بل یمتد لیطال معظم فئات المجتمع التی ربما فی کثیر من الأحیان تنظر إلى هذه المناطق وساکنیها بعین الشک والریبة والخوف وتحاول أن تنعزل عنها أو حتى تعزلها اجتماعیاً، وسنحاول فی هذا المطلب أن نلخص المخاطر الناتجة عن تلک المناطق فی الفرعیین الآتیین وکما یأتی:
الفرع الأول
مخاطر العشوائیات السکنیة
تمثل العشوائیات السکنیة مظهراً خطیراً على الأمن الوطنی للعدید من الدول، ویأتی فی مقدمة هذه المخاطر انتشار أحداث الشغب والبلطجة التی تحاول افتعالها عدد من الفئات الساکنة فی مثل هذه المناطق فی محاولة منها للاحتجاج على واقعها الاجتماعی من خلال افتعال عدد من المشکلات التی تسعى من خلالها إلى زعزعة النظام العام بهدف التأثیر على استقرار النظام السیاسی القائم بسبب شعورها بالتهمیش والاقصاء من مشهد الحیاة العامة وبعدها عن مراکز إصدار القرار الذی غالباً ما یکون مؤثراً فی حیاتها من دون أن یکون لها دور فی صیاغته.
وقد ارتبطت معظم المناطق العشوائیة بکونها مرکزاً لانتشار الجریمة بمختلف أنواعها، إذ أصبحت مکاناً للخارجین عن القانون ونقطة جذب للجماعات المتطرفة، کذلک تشهد العشوائیات السکنیة تضخم فی معدلات العنف وبشکل خاص انتشار جرائم القتل والاغتصاب وهتک العرض، وانتشار الإدمان وتعاطی المواد المخدرة، وهو ما یلقی بضلاله على انتشار ظاهرة السلوک العدوانی تجاه الآخر.
وبذلک تمثل العشوائیات السکنیة مشکلة کبرى تحول دون إمکانیة التحکم فیها أو ضبطها من قبل الأجهزة الأمنیة، وقد تتحول تلک المناطق إلى جیوب للتطرف والارهاب، إذ تتمیز معظم المناطق العشوائیة بعدم وجود منافذ لبعض المواقع المشیدة داخلها مما یؤدی إلى بعدها عن أنظار الأجهزة الأمنیة وصعوبة الوصول إلیها فی حالات کثیرة، مثل مطاردة المجرمین وإلقاء القبض علیهم، الأمر الذی یجعل من العشوائیات السکنیة بؤرةً خطیرة لتفریخ الإجرام والمجرمین الذی یقضون مضاجع مجتمعاتهم، وهو ما یؤدی إلى نشوء مجتمعات معزولة بهذا الشکل العشوائی تهدد مجمل منظومة الأمن الوطنی للدول التی تنشر فیها هذه الظاهرة، لوجود خطین متوازیین لا یلتقیان أمام المنظومة الامنیة، خط المناطق المنظمة التی ترتبط بالأمن الوطنی وتسیر على وفق قوانینه وإجراءاته، وخط المناطق العشوائیة التی تتقاطع مع قوانینه وتشکل ضغطاً وعبئاً على منظومته.
الفرع الثانی
سلبیات العشوائیات السکنیة
تتمیز المناطق العشوائیة بتدنی مستوى الخدمات فی بعضها وانعدامها فی البعض الآخر، ذلک لأن نزوح الناس واستیطانهم فی تلک المناطق یسبق نزوح الجهات الحکومیة المعنیة بتوفیر تلک الخدمات، ولا یتم إدخال تلک المرافق إلا بعد عشرات السنین من استیطان الناس لتلک المناطق.
ویمکننا القول أن هناک الکثیر من السلبیات الاجتماعیة والاقتصادیة والعمرانیة التی من الممکن أن تبرز فی المناطق العشوائیة وکما یأتی:.
أ. تدنی المستوى الحضاری والمدنی فی المناطق العشوائیة مما یؤثر سلباً على نمط العیش والتعامل الاجتماعی.
ب. کثرة حالات الطلاق والانفصال المتکرر مما یجعل الذکور یتزوجون بأکثر من امرأة فی هذه الأحیاء.
ت. ارتفاع عدد أفراد الأسرة وتکوین عدد کبیر من الأفراد فی مساحة سکنیة صغیرة بسبب اللامبالاة.
ث. تدهور القیم والتقالید الاجتماعیة فی المناطق العشوائیة أکثر من المناطق الأخرى.
ج. انعدام الخصوصیة الأسریة وانخفاض مستوى الأمن فی المناطق العشوائیة.
ح. تدنی مستوى الخدمات التعلیمیة والثقافیة والدینیة فی المناطق العشوائیة مما یساهم فی زیادة معدلات الجریمة.
خ. النقص الشدید فی المرافق العامة وخاصةً الصرف الصحی مما یؤدی إلى إضافة کتلة عمرانیة ملوثة للبیئة بسبب الصرف الجوفی فی باطن الأرض.
د. أسفرت هذه المناطق عن ضیاع أجزاء کبیرة من الأراضی الزراعیة التی تم تحویلها إلى أراضی للبناء مما اثر على الناتج القومی لهذه الدول.
ذ. تسجل هذه المناطق معدلات انجاب ووفیات مرتفعة نظراً لسوء الرعایة الصحیة أو انعدامها فی کثیر من المناطق ولجوء الأهالی إلى الوصفات الشعبیة للعلاج حیث لا یستطیع معظمهم تحمل تکالیف العلاج فی المستشفیات أو العیادات الخاصة.
المبحث الثانی
الإطار القانونی لحق الإنسان فی السکن
استأثر موضوع الحق فی السکن باهتمام واسع من قبل المجتمع الدولی منذ منتصف القرن الماضی تقریباً، حیث سعى جاهداً لإعمال هذا الحق على أرض الواقع، وذلک من خلال التأسیس لمنظومة تشریعیة دولیة تکرس هذا الحق بشکل مباشر وغیر مباشر، وهو ما کانت له تداعیاته السریعة لاحقاً على استجابة الکثیر من الحکومات التی سعت جاهدة إلى تکییف قوانینها بما یحقق هذه الغایة.
غیر أن هذه المساعی ظلت تتفاوت فی نسب الاستجابة لها وکیفیة التعاطی العملی معها من دولة إلى أخرى، ویرجع السبب فی ذلک إلى بعض العراقیل التی لازالت تحول دون تکریس کلی وجاد لهذا الحق من جهة، وتفاوت مستوى نضج الوعی السیاسی والاجتماعی من جهة أخرى، وانطلاقاً مما تقدم فإننا سنتناول الإطار القانونی لحق الإنسان فی السکن على وفق مطلبین، نتناول فی المطلب الأول التعریف بالحق فی السکن، ونتطرق فی المطلب الثانی إلى نشأة الحق فی السکن وموقف الاتفاقیات الدولیة منه وکما یأتی:.
المطلب الأول
التعریف بالحق فی السکن
یعد الحق فی السکن واحداً من الحقوق الأساسیة للإنسان التی لا یمکنه الاستغناء عنها کالتعلیم والصحة والمأکل والملبس، حیث یعتبر السکن عنصراً جوهریاً من عناصر ضمان الکرامة الانسانیة، کما أنه ضرورة أساسیة من ضرورات المعیشة الصحیة السویة، أی أنه یلبی حاجات نفسیة عمیقة للتمتع بالخصوصیة بمکان مقصور على الشخص وحده، وحاجات مادیة للتمتع بالأمن والاحتماء من عوادی الطقس، کما أنه یلبی أیضاً الحاجة الاجتماعیة إلى وجود أماکن تجمع أساسیة تنشأ فیها العلاقات وتترعرع.
وعلى الرغم من إدراک العالم کله لأهمیة المسکن فی تحقیق رغد الإنسان وبقائه واستقراره، فإن التقدیرات تشیر إلى أن اکثر من ملیار شخص یقیمون فی مساکن دون المستوى الملائم، وإلى أن عدد من لا مأوى لهم یربو على (100) ملیون شخص، وسنتناول التعریف بالحق فی السکن على وفق ثلاث فروع، نبحث فی الأول منها مفهوم الحق فی السکن، ونتطرق فی الفرع الثانی إلى أهمیة الحق فی السکن، ونخصص الفرع الثالث لبیان علاقة الحق فی السکن بحقوق الإنسان الأخرى وکما یأتی:.
الفرع الأول
مفهوم الحق فی السکن
یتجاوز مفهوم الحق فی السکن الغرفة ذات الجدران الأربعة والسقف الذی یغطیها لحمایة قاطنها، إلى مضمون أوسع وأشمل مرتبط بالکائن البشری باعتباره أحد العناصر الرئیسیة لکرامة الإنسان، ولا یمکن بالتالی أن نفهم هذا الحق باقتصاره على توفیر مبلغ مالی وقطعة من الأرض یمکن عبرها أن تحل مشکلة السکن، فالمسکن هو المکان الذی یقضی فیه الأنسان أکثر وقته، ومنه ینطلق للعالم والبیئة المحیطة یؤثر فیهما ویتأثر منهما، وبقدر ما یکون ملائماً بقدر ما یکون الإنسان مبدعاً وفاعلاً وخلاقاً.
ویعرف السکن بالمفهوم المبسط بأنه الجدران والسقف، إلا أن المفهوم الحقیقی له یتجاوز هذا التعریف لیشمل الحیز المکانی الذی یوفر العیش براحة واستقرار، ویتجسد ذلک فی توفیر الخدمات المساعدة والتسهیلات التی تقدم لشاغلی السکن، ویرى الأستاذ: Nevitt Adam أن السکن حق وأحد عناصر مستوى المعیشة المناسب شأنه شأن الغذاء وجمیع متطلبات الحیاة الأخرى.
إن مفهوم الحق فی السکن والمعنى المراد الوصول إلیه من وراء استخدام هذا المفهوم لا یأتی مرادفاً للحق فی الملکیة ولا مساویاً له فی المعنى، باعتبار أن الحق فی الملکیة مصان بشکل مستقل، سواء أکان ذلک فی الإعلان العالمی لحقوق الإنسان أو غیره من المعاهدات الأخرى، کما أن الحق فی السکن یعد أوسع مفهوماً من خلال تطرقه لعدد من الجوانب التی لیست لها صلة بالملکیة، فهذه الأخیرة یمکن لها أن تکون فی بعض الأحیان آلیة لإعمال هذا الحق، کما أنه یتعدى أیضاً نطاق المعنى الظاهر، والمنبثق من جراء استخدام لفظة السکن، والتی تعنی غالباً المبنى المادی الشاخص فی شکل غرفة ذات أربعة جدران والسقف الذی یغطیها إلى معنى أوسع وأشمل مرتبط بشکل مباشر بالکائن البشری والکرامة الإنسانیة التی یطمح لها المجتمع الدولی برمته.
إن الحق فی السکن اصبح الیوم حق من حقوق الإنسان یعترف به القانون الدولی لحقوق الإنسان کجزء من الحق فی التمتع بمستوى معیشی کافِ أو مناسب، وقد وردت أولى الإشارات إلیه فی الفقرة (1) من المادة (25) من الإعلان العالمی، وأما العهد الدولی الخاص بالحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة الذی یعتبر على نطاق واسع الصک الرئیسی لحمایة الحق فی السکن فیشیر فی المادة (11) إلى حق کل شخص فی مستوى معیشی کافِ له ولأسرته یوفر ما یفی بحاجتهم من الغذاء والکساء والمأوى وبحقه فی تحسین متواصل لظروفه المعیشیة.
وقد أکدت لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة أن الحق فی السکن لا ینبغی أن یفسر تفسیراً ضیقاً بل ینبغی النظر إلیه على أنه الحق فی العیش فی مکان ما بأمان وسلام وکرامة، کما یشمل الحق فی السکن عدداً من الحریات نوجزها بالشکل الآتی:.
- حمایة الفرد من عملیات الإخلاء القسری ومن تدمیر وهدم مسکنه تعسفاً
- حق الفرد فی عدم التعرض للتدخل التعسفی فی مسکنه وحیاته الخاصة
- حریة الفرد فی اختیار محل إقامته وفی تحدید مکان عیشه وفی حریة التنقل
وعلیه ینبغی أن یوضع الحق فی السکن فی إطاره الصحیح على أساس انه حق عالمی وجزء أساسی من القانون الدولی لحقوق الإنسان کونه یمثل حقاً أساسیاً لکل إنسان للعیش فی مکان یضمن له العیش بکرامة وأمان، وبما یضمن له خصوصیته وتمکینه من بناء علاقات عائلیة واجتماعیة والتأثیر فیمن حوله اجتماعیاً وسیاسیاً وثقافیاً، فهو المکان الذی یعطی الفرصة لقاطنیه للمساهمة النشطة والواعیة والخلق والإبداع فی إطار الحیاة الاجتماعیة والاقتصادیة والسیاسیة والثقافیة التی یعیشونها.
ویصف السید (سکوت لیکی) مدیر مرکز حقوق السکن الحق فی السکن فی إطاره الشامل قائلاً "إن السکن یتجاوز البناء المادی للمبنى لیعمل کتعبیر حیزی (مکانی) لمکان الفرد فی المجتمع وله ارتباطات یصعب حصرها بالعمل، الوصول للخدمات مستویات الصحة، الأمن الهویة الشخصیة، واحترام الذات، إذن فالحق فی السکن لا یمکن بأی حال أن یعنی حداً أدنى یمکن من خلاله ضمان البقاء، بل هو شرط أساسی للحریات المختلفة بالانتماء لجماعة ما وإقامة الصلات والعلاقات معها فی إطار من الخصوصیة بما یضمن ویحمی تلک العلاقات مع المجتمع الذی ینتمی إلیه الفرد".
إن انتهاک الحق فی السکن ینجم عنه انتهاک لحقوق أخرى کثیرة مدنیة وسیاسیة اقتصادیة واجتماعیة وثقافیة، کما أن انتهاک الحق فی السکن یتولد عنه انتهاک الحق فی الحیاة العائلیة والخصوصیة والحق فی حریة التنقل والذی یشمل حق الفرد فی اختیار مکان إقامته وألا یتم إخلاؤه بالإکراه وبالنظر إلى المسکن کمکان یوفر الأمان لقاطنیه فإن انتهاکه یعنی انتهاکاً للحق فی الحیاة إضافةً لذلک فإن حقوقاً أخرى کالحق فی الصحة والبیئة السلیمة والضمان الاجتماعی والحیاة العائلیة وغیرها من الحقوق یجری انتهاکها.
الفرع الثانی
أهمیة الحق فی السکن
حظى الحق فی السکن بأهمیة کبیرة تجلت فی السعی الحثیث للمجتمع الدولی من أجل إعماله کواقع عملی، أذ لم یعد الحق فی السکن مجرد أحد حقوق الإنسان، بل أیضاً آلیة هامة لإعمال حقوق الإنسان الأخرى، لذا فإن عدم احترام هذا الحق والوفاء به، ینجم عنه آلیاً انتهاک لطائفة واسعة من الحقوق الأخرى، وفی مقدمتها التعلیم والصحة واحترام الذات والأمان الشخصی، إلى جانب نشوء حلقة مفرغة یضطر فیها الناس لأسباب تتعلق بطبیعة ظروفهم المعیشیة غیر المستقرة إلى مکابدة الآم التشرد الداخلی والعیش فی الأحیاء العشوائیة، کما ان الحرمان من الحق فی السکن یولد الاحباط النفسی والاجتماعی ویؤثر بشکل کبیر على سلوک الأفراد.
کما أن انتهاک الحق فی السکن هو انتهاک الحق فی السکن هو انتهاک لحاجات أساسیة غیر مادیة کالحمایة والأمان الشخصی والشعور بالانتماء الهادف لعائلة أو جماعة واحترام الذات والحریة فی السماح بالتنمیة الکاملة لمواهب وقدرات الإنسان وتحقیق ذاته.
إن حاجات الإنسان الأساسیة تشکل کلاً مترابطاً یقوم على أساس إشباعها ومن هنا تکمن اهمیة الحق فی السکن فی کونها لا تخرج عن مسألة إشباع تلک الحاجات، وحیث أن الحاجات الأساسیة التی ینبغی من المسکن تلبیتها تتصف بالاتساع والشمولیة، وتحتوی على قائمة واسعة من المتطلبات التی تلبی الحاجة البشریة، ویمکننا أن نوجز أهم الوظائف الأساسیة التی یلبیها الحق فی السکن من حیث وفائها بالحاجات الأساسیة للإنسان وکما یأتی:.
- وظائف الحاجات الجسمیة:. وتشمل الأکل والنوم والاستحمام والعدید من النشاطات الأساسیة کالطبخ والغسیل والکی والتنظیف وتخزین الأغذیة والمعدات الشخصیة.
- وظائف الحاجات النفسیة والاجتماعیة:. وتشمل التواصل الاجتماعی وتبادل الحدیث والقراءة والممارسات الدینیة والرعایة الشخصیة ورعایة الأطفال والهوایات الإبداعیة ومجمل أسباب المتعة الجمالیة ممثلة فی مکان الاقامة والبیئة المحیطة.
الفرع الثالث
علاقة الحق فی السکن بحقوق الإنسان الأخرى
حقوق الإنسان حقوق مترابطة وغیر قابلة للتجزئة ویتوقف بعضها على البعض الآخر، وبعبارة أخرى قد یؤثر انتهاک الحق فی السکن على التمتع بطائفة واسعة من حقوق الإنسان الأخرى والعکس صحیح.
ویمکن أن یکون الحصول على سکن شرطاً مسبقاً للتمتع بعدد من حقوق الإنسان، منها الحق فی العمل أو الضمان الاجتماعی او الخصوصیة او التعلیم، ویکمن أن تتضرر إمکانیة کسب العیش بشکل کبیر عندما ینقل شخص عقب عملیة إخلاء عسکری إلى مکان بعید عن فرص العمل. وبدون وثیقة الإقامة قد لا یکون بمقدور الشخص التصویت أو التمتع بالخدمات الاجتماعیة أو تلقی الرعایة الصحیة، وقد ترفض المدارس تسجیل أطفال الأحیاء العشوائیة لأن مستوطناتهم تفتقر الى الوضع الرسمی، کما یمکن أن یکون لعملیات الإخلاء القسری آثار على التمتع بعدد من حقوق الإنسان ومنها الحق فی التعلیم والحق فی الأمن الشخصی، فکثیراً ما تؤدی عملیات الإخلاء القسری إلى انقطاع الأطفال عن الدراسة أو توقفهم عنها تماماً، وبذلک فإن الحق فی السکن یمکن أن یتأثر أو یؤثر فی العدید من الحقوق الأساسیة للإنسان بسبب الترابط الکبیر بینها بحیث یمکن القول أن بعضها یعد سبباً أو نتیجة لبعضها الآخر.
المطلب الثانی
نشأة الحق فی السکن
نتناول نشأة الحق فی السکن على وفق فرعین، نبحث فی الأول منهما عوامل نشأة الحق فی السکن کإطار تاریخی قانونی، فیما نتطرق فی الفرع الثانی إلى موقف الاتفاقیات الدولیة من الحق فی السکن وکما یأتی:.
الفرع الأول
عوامل نشأة الحق فی السکن
سجلت العدید من مبادئ حقوق الإنسان بمفهومها المعاصر أولى ملامح وجودها فی ظل النظم القانونیة الداخلیة للدول، کما هو الأمر بالنسبة للحق فی السکن، باعتباره واحداً من أبرز أمثلتها، حیث تبلورت بدایاته الحقیقیة فی النصف الثانی من القرن التاسع عشر فی العدید من البلدان الأوربیة، والتی کانت تعانی البؤس وفداحة الأوضاع المعیشیة التی تکابدها طبقة العمال، حیث تشیر العدید من الشواهد المتاحة فی هذا السیاق إلى أن التقلبات الاقتصادیة التی نشبت إبان هذه الفترة أدت إلى نشوء اضطرابات شدیدة عکسها تفشی حالات الفوضى وشغب العمال، مما دفع بالعلماء الإنکلیز إلى المناداة بإصلاح حالة العمال اجتماعیاً واقتصادیاًن وذلک عبر توفیر المنازل الجیدة للعمال، وهی المطالب التی سرعان ما ترجمت فی عدد هائل من التجارب التی جرى إطلاقها فی تلک الأثناء، والتی استهدفت إنجاز ما سمی لاحقاً بمدن العمال، والتی بادر بها طائفة من رواد تلک المرحلة من أمثال روبرت أوین و تشارلز بوت وغیرهم، والتی کانت دافعاً لإصدار قانون الإسکان لسنة 1857 والذی استهدفت به انکلترا إعداد أعلى مستوى للإسکان لطبقتها العاملة، وبذلت فی سبیل تحقیق ذلک اکثر مما أن تدخل الحکومة الهولندیة فی مجال السکن الاجتماعی الذی تم فی تلک الأثناء لم یتم إلا فی أعقاب تفشی اوبئة متعددة، عندما تنامت حرکة المطالب المنادیة بتحسین بیئة العمل، والظروف المعیشیة للطبقة العاملة، وتمکینها من الحصول على الدعم المناسب لذلک، وهی الجهود التی کللت فی النهایة باعتماد قانون الإسکان لسنة 1901، والذی بموجبه بات السکن الاجتماعی عنصراً معترفاً به فی السیاسة الحکومیة.
الفرع الثانی
موقف الاتفاقیات الدولیة من الحق فی السکن
مع بدایة القرن العشرین بدأت فکرة الحق فی السکن تنتقل تدریجاً إلى میدان العلاقات الدولیة، ولکن ویلات الحرب العالمیة الثانیة، وحجم الدمار والخراب الذی أصاب کل جوانب الحیاة الإنسانیة، کان حافزاً قویاً لتدویل حقوق الإنسان، وهو ما تحقق بإصدار العالمی لحقوق الإنسان عام 1948 حیث تم الإقرار بهذا الحق باعتباره حقاً أساسیاً من حقوق الإنسان کما هو وارد فی المادة (25) التی نصت على أن "لکل فرد الحق فی مستوى معیشة یکفی لضمان الصحة والرفاهیة له ولأسرته وخاصة على صعید المأکل والملبس والمسکن والعنایة الطبیة وصعید الخدمات الاجتماعیة الضروریة". وعلى الرغم من کونه مجرد إعلان ولیس اتفاقیة دولیة فقد شکل هذا الإعلان وثیقة مرجعیة حظیت بالقبول العالمی، کما استلهمت منه کافة الإعلانات والاتفاقیات الدولیة اللاحقة، وهو ما جعل قطاع عریض من فقهاء القانون الدولی یعتبرون نصوصه جزء من القانون الدولی العرفی وبالتالی فإن أحکامه ملزمة لجمیع دول العالم، هذا الاعتراف الدولی لم یکن الأخیر وإنما تلته سلسلة من الاتفاقیات الدولیة التی مکنت من تعمیق الاعتراف به لکن على نحو غیر متواصل. حیث کانت بدایتها مع مصادقة الجمعیة العامة للأمم المتحدة على العهدین الدولیین للحقوق المدنیة والسیاسیة والحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة، واللذان جاءا لتدعیم حرکة الاعتراف الإیجابی بحقوق الإنسان، وهو ما نصت علیه المادة (11/1) من العهد الدولی للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة بقولها " تقر الدول الأطراف فی هذا العهد، بحق کل شخص فی مستوى معیشی کافی له ولأسرته، یوفر ما یفی بحاجتهم من الغذاء والکساء والمأوى، وبحقه فی تحسین متواصل لظروفه المعیشیة،" لیتعزز المقصد العالمی بعد ذلک بأکثر من ثمانین وثیقة دولیة متعلقة بحقوق الإنسان، تراوحت ما بین الاتفاقیات والاعلانات الدولیة، والتی ترتب على إقرارها ومصادقة الدول علیها حتمیة خلق مؤسسات دولیة متخصصة للإشراف والمراقبة على مدى احترام الدول التی صادقت علیها لبنودها والتقید بها، ومنها ((إعلان فانکوفر للمستوطنات البشریة)) لعام 1976 والذی رعته الأمم المتحدة وحضره ممثلی (132) دولة والذی یعتبر من أکثر الوثائق تفصیلاً فیما یخص الإشکالیات القانونیة الخاصة بالسکن وهو ما أکدته الفقرة (8) من الجزء الثالث منه بنصها على أن السکن "السکن والخدمات المناسبة هی حق أساسی للإنسان یفرض على الحکومات واجب ضمان بلوغ جمیع الناس له، بادئةً بتقدیم مساعدة مناسبة إلى أقلهم حظاً عن طریق برامج موجهة تعتمد على الجهد الذاتی والمجتمعی، وینبغی على الحکومات السعی إلى تذلیل جمیع العقبات التی تحول دون بلوغ هذه الأهداف".
ثم تلاه کل من المؤتمر العالمی لحقوق الإنسان عام 1993 فی فینا والذی أعاد تعزیز وحدة وترابط حقوق الإنسان المدنیة والسیاسیة من جهة والحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة من جهة أخرى، حیث دعا الجزء الثانی من الفقرة (19) على أن یطالب المؤتمر العالمی لحقوق الإنسان الدول بالامتناع عن اتخاذ أی تدابیر من جانب واحد لا تتفق مع القانون الدولی ولا مع میثاق الأمم المتحدة، ما من شأنه أن یخلق عقبات امام العلاقات التجاریة فیما بین الدول، ویعرقل الإعمال التام لحقوق الإنسان المنصوص علیها فی الإعلان العالمی لحقوق الإنسان وصکوک حقوق الإنسان الدولیة، ولا سیما حق کل شخص فی مستوى معیشی ملائم لصحته ورفاهیته بما فی ذلک الغذاء والرعایة الطبیة والسکن وما یلزم من الخدمات الاجتماعیة.
وبعد ذلک جاء المؤتمر الثانی للمستوطنات البشریة المنعقد بإسطنبول عام 1996، والذی صدر عنه إعلان اسطنبول للمستوطنات البشریة، الذی کرس بعداً أوسع لمضمون الحق فی السکن، کما تذهب إلى ذلک الفقرة (8) من الاعلان الصادر عن المؤتمر التی أکدت الالتزام "بإعمال الحق فی السکن الملائم على النحو المنصوص علیه فی الصکوک الدولیة إعمالاً تاما ً ومتدرجاً، ووصولاً إلى تلک الغایة سنسعى إلى تحقیق المشارکة النشطة من جانب شرکائنا العامین والخاصین وغیر الحکومیین على کافة المستویات من أجل کفالة الضمان القانونی للحیازة والحمایة من التمییز والمساواة فی فرص الحصول على سکن ملائم ومعقول التکلفة لجمیع الأشخاص وأسرهم."کما شکل مفهوم ((الحق فی السکن)) موضوع إقرار دولی أیضاً، من خلال العدید من الاتفاقیات الأخرى التی أقرتها الجمعیة العامة للأمم المتحدة، والتی تم فیها إقرار هذا الحق ضمن حقوق أخرى تم إدراجها ومن جملتها:.
- اتفاقیة القضاء على کافة اشکال التمییز ضد المرأة الصادرة عام 1959.
- التوجیه الصادر عن منظمة العمل الدولیة رقم (15) لسنة 1961.
- اتفاقیة القضاء على کافة اشکال التمییز العنصری والمعاقبة علیها لسنة 1965.
- اعلان الحق فی التنمیة لسنة 1986.
- قرار الجمعیة العامة للأمم المتحدة رقم 42/146 المتعلق بإعمال الحق فی السکن الملائم الصادر فی 7/کانون الأول لسنة 1987.
المبحث الثالث
المعاییر الدولیة للسکن اللائق
المطلب الأول
الطبیعة القانونیة للحق فی السکن
إن البحث فی الطبیعة القانونیة للحق فی السکن یعنی توضیح حجم ونوع الالتزامات القانونیة تجاه هذا الحق وسبل الوفاء به، فإقرار القانون الدولی لحقوق الإنسان بحق الأفراد بالسکن فی العدید من الصکوک الدولیة التی سبقت الإشارة الیها، والسعی لإعماله کممارسة میدانیة یستوجب من کافة الدول التی صادقت على العهد الدولی للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة ضرورة الإسراع فی اعتماد مجموعة من التدابیر والآلیات المناسبة التی من شأنها أن تمکن هذه الحقوق لمواطنیها أو الأشخاص الذین یقعون تحت ولایتها الإقلیمیة، وذلک من دون أن تشکل هذه الالتزامات الناشئة إلزاماً یقتضی اعتماد استجابة موحدة أو استراتیجیة محددة بعینها من قبل الجمیع کوجوب بنائها مسکناً لکافة مواطنیها أو أن تعمل على توفیر مساکن لکافة الأفراد بشکل مجانی فی کل مکان وفی کافة الأوقات باعتبار أن ذلک سوف یتنافى مع الفلسفة السیاسیة لکثیر من نظم الحکم، ویجعل من المسألة تفوق إمکانیات أعتى الاقتصادیات العالمیة، بقدر ما تتعلق بضرورة الحرص على تأمین العروض السکنیة بالحجم الکافی، والمستوى اللائق مع احتیاجات کل أصناف الفئات السکانیة على تباین مستویاتها المادیة والاجتماعیة.
ورغم ذلک فإن تناول هذا الالتزام القانونی للدولة تجاه الوفاء بالحق فی السکن اللائق یشکل اهمیةً کبرى، بحیث یمکننا فهم الترجمة العملیة لتلک الالتزامات بالخطوات الفعلیة والعملیة التی تقوم بها الدولة لصالح الوفاء بذلک الحق لکافة الأفراد المؤهلین للتمتع به.
وفی ذات الوقت فإنه لا ینبغی علینا النظر إلى هذه الالتزامات القانونیة للدولة بشکل ضیق، أو أن یتم تسلیط الضوء على معیار تخصیص أو توفیر الدولة للأموال الخاصة بقطاع الإسکان والإعمار فقط، ما یفهم على أن الدولة قد أخلت مسؤولیتها ووفت بالتزاماتها، فالحق فی السکن یفرض على الدولة التزامات قانونیة تتعدى کثیراً الجوانب المالیة لتشمل جملة من الخطوات الأخرى بالغة الأهمیة التی تؤدی فی المحصلة النهائیة إلى إحقاق هذا الحق وکفالة التمتع به.
وعموماً یمکن تقسیم الالتزامات الناشئة عن التصدیق على الاتفاقیات الدولیة لحقوق الإنسان إلى ثلاثة التزامات محددة تتمثل بــ (الالتزام بالاحترام والالتزام بالحمایة والالتزام بالوفاء)، وینطلق هذا التقسیم من نص المادة (2) من العهد الدولی الخاص بالحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة، وقد استقر هذا التقسیم لالتزامات الدولة فی أدبیات الأمم المتحدة بحیث أضحت جمیع وثائق الأمم المتحدة تتحدث عن هذه الالتزامات الثلاثة، وهذا ما اکدت علیه أیضاً مبادئ ماستریخت التوجیهیة المتعلقة بانتهاکات الحقوق الاقتصادیة الاجتماعیة الثقافیة فی المبدأ التوجیهی السادس منها.
وفی ضوء ما سبق یمکننا أن نبحث الطبیعة القانونیة للحق فی السکن من خلال ما ترتبه من التزامات ناشئة عنه على وفق فرعین، نتطرق فی الأول منهما إلى الالتزامات القانونیة العامة الناشئة عن نص المادة (2/1) من العهد الدولی، فیما نخصص الفرع الثانی لبحث الالتزامات القانونیة الخاصة الأکثر تحدیداً الناشئة عن العهد الدولی وکما یأتی:.
الفرع الأول
الالتزامات القانونیة العامة
تنص المادة (2/1) من العهد الدولی للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة على أن "تتعهد کل دولة طرف فی هذا العهد بأن تتخذ بمفردها وعن طریق المساعدة والتعاون الدولیین ولا سیما على الصعیدین الاقتصادی والتقنی وبأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة ما یلزم من خطوات لضمان التمتع الفعلی التدریجی بالحقوق المعترف بها فی هذا العهد سالکةً إلى ذلک جمیع السبل وخصوصاً سبیل اعتماد تدابیر تشریعیة ".
إن وقراءة وتحلیل النص أعلاه تفرز لنا مجموعة من الالتزامات التی یتعین على الدولة عند انضمامها للعهد الدولی أن تعمل على القیام بها یمکننا أن نوجزها بالشکل الآتی:.
المقصد الأول
التعهد باتخاذ الخطوات اللازمة
حیث یجب على الدولة اتخاذ الخطوات الملائمة لإحقاق الحقوق بشکل فوری دون أی تأجیل أو تأخیر، فبالرغم من ان ضمان التمتع بالحقوق الاقتصادیة هی عملیة مستمرة وتدریجیة، إلا أن اتخاذ الخطوات بهذا الصدد هی مسألة فوریة، ویجب أن تتم کافة الخطوات التی تقدم علیها الدولة فی وقت قصیر من انضمام الدولة لهذه الاتفاقیة، ولا تنحصر تلک الخطوات فی مبادرة الدولة باتخاذ الخطوات التشریعیة فقط رغم أهمیتها، بل یجب أن تتعداها عبر اتخاذ جملة أخرى من الخطوات الإداریة والقضائیة والاجتماعیة والتعلیمیة من أجل الوفاء بذلک التعهد، ویحظى ذلک بأهمیة قصوى إذا ما تبین وجود اختلاف أو تعارض بین التشریع الوطنی القائم والالتزامالجدید الناشئ من انضمام الدولة للعهد.
المقصد الثانی
استخدام الموارد المتاحة لها ضمن الحد الأقصى
ویعنی ذلک أن على الدولة التزام بأن تقوم باستخدام الموارد المادیة المتوفرة لدیها، وبغض النظر عن مصدر هذه الموارد سواء کانت موجودة لدیها أصلاً أو توفرت عبر المساعدة والتعاون الدولیین، وذلک من أجل الوفاء بالحقوق الواردة فی هذا العهد الدولی، وبغض النظر عما إذا کانت تلک الموارد المتاحة لدى الدولة غیر کافیة بشکل ملموس، فإن الدولة رغم ذلک ملزمة بأن تسعى لضمان أوسع تمتع ممکن بالحقوق الواردة فی هذا العهد الدولی.
إن هذا الالتزام یعرف بالحد الأدنى للدولة، وعلیه لا ینبغی أن تلجأ الدولة فی تبریرها لعدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عن هذا العهد إلى ضعف مواردها أو ندرتها أو محدودیة إمکانیاتها مما یدفعها لعدم السعی لاستخدام مواردها، لأن الصیاغة القانونیة تعنی أن الدولة یجب أن تسعى للوفاء بالالتزام الناشئ ارتباطاً بالموارد المتاحة لدیها، وبغض النظر عن وفرتها أو محدودیتها، وفی حال تذرع الدولة بعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها (الأدنى) بسبب ضعف أو ندرة تلک الموارد فیجب علیها أن تکون قادرة على إثبات أن کل الجهود قد بذلت لاستخدام کل المصادر المتوفرة لدیها فی مسعاها للوفاء بالتزاماتها کأمر له الأولویة فی إطار تلک الالتزامات الدنیا.
المقصد الثالث
السعی لضمان التمتع الفعلی التدریجی بالحقوق
ویعنی ذلک أن تسعى الدولة أولاً وقبل کل شیء إلى إعمال الحقوق الواردة فی العهد الدولی، وینبغی ألا یفهم من ذلک إعطاء الدولة الحق فی إعاقة أو تأخیر خطوات السعی للوفاء بهذه الحقوق، غن تفسیر هذا الالتزام یوصلنا إلى نتیجة مفادها أن عملیة التمتع الفعلی التدریجی بالحقوق هی عملیة مستمرة ومتواصلة تدریجیاً، کما تعنی مواصلة واستمرار الاستخدام الناجع والفعال التراکمی للمصادر المتوفرة لدى الدولة.
الفرع الثانی
الالتزامات القانونیة الخاصة
هناک عدد من الخطوات العملیة التی یجب على الدولة القیام بها بوصفها التزامات قانونیة خاصة سواء تعلق ذلک بالتدابیر التشریعیة أو الإداریة أو غیرها من التدابیر، فالحق فی السکن شأنه شأن باقی الحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة یفرض على الدولة مجموعة کبیرة من الالتزامات المتداخلة والمعقدة، حیث تجد هذه الالتزامات مصدرها فی العهد الدولی نفسه، ویمکننا تقسیمها إلى ثلاث أنواع من الالتزامات نوجزها بالشکل الآتی:.
المقصد الأول
الالتزام باحترام الحق فی السکن اللائق
یقتضی هذا الالتزام من الدولة الکف عما ینتهک حقوق الأفراد أو یخل بحریاتهم، من خلال التوقف عن أیة أفعال من جانب سلطاتها قد تقوض تمتع الأفراد بأی حق من حقوقهم، فحق الإنسان بالسکن اللائق یفرض التزاما سلبیاً على الدولة یلزمها بموجبه الامتناع عن التصرفات التی قد تنتهک الحق فی السکن اللائق وتلحق الضرر بمالک السکن وقاطنیه.
وقد أکدت لجنة الحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة على الالتزام باحترام الحق فی السکن اللائق بقولها "إن العدید من التدابیر اللازمة لتعزیز الحق فی السکن لا تتطلب سوى امتناع الحکومات عن انتهاج ممارسات معینة والتزامها بتیسیر قیام الجماعات المتأثرة بمساعدة نفسها بنفسها، وبقدر ما تعتبر أی خطوات کهذه متجاوزة الموارد القصوى المتاحة لدولة من الدول الأطراف، یکون من المناسب تقدیم طلب فی أقرب وقت ممکن للحصول على التعاون الدولی وفقاً للمـواد (11/1) و(22) و(23) من العهد". وقولها کذلک "ولا بد للدولة نفسها من أن تمتنع عن القیام بعملیات إخلاء المساکن بالإکراه وأن تکفل تطبیق أحکام القانون على موظفیها أو على أطراف ثالثة تمارس هذه العملیات".
یستخلص مما سبق أن هذا الالتزام یوجب على الدول الامتناع عن اتخاذ أی إجراء أو تصرف یشکل تدخلاً مباشراً أو غیر مباشر فی التمتع بالحق فی السکن اللائق، ومن أهم الإجراءات التی یجب على الدولة الامتناع عن تنفیذها:.
أولاً:. حظر عملیات الإخــــلاء غیر القانـــــونی وعملیات الإخـــــلاء الــقســـری وهــــدم المـــنــــازل:
فقد أکدت علیه لجنة الحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة على حظرعملیات الإخلاء غیر القانونی وعملیات الإخلاء القسری وهدم المنازل، بأن أوجبت على الدولة الامتناع عن هدم المنازل بقولها: "لابد للدولة نفسها من أن تمتنع عن القیام بعملیات إخلاء المساکن بالإکراه وان تکفل تطبیق أحکام القانون على موظفیها او أطراف ثالثة تمارس هذه العملیات".
ثانیاً:. التأکید على حق المساواة وحظر جمیع الممارسات التمییزیة
حظر القانون الدولی لحقوق الإنسان جمیع الممارسات التمییزیة التی تحد من فرص الحصول على المساکن والأراضی والممتلکات والتحکم بها بما فی ذلک حرمان الفئات المهمشة وعلى رأسها المرأة، فالقانون الدولی لحقوق الإنسان ینطلق من قاعدة أساسیة تتمثل بإقرار المساواة وتحریم التمییز فی مجال حق الإنسان فی المسکن اللائق سواء اتخذ هذا شکل قوانین أو سیاسات أو تدابیر تمییزیة أو أنظمة تقسیم المناطق، أو سیاسة إنمائیة إقصائیة أو الاستثناء من استحقاقات السکن أو الحرمان من أمن الحیازة أو عدم وجود إمکانیة للوصول إلى الائتمان، أو محدودیة المشارکة فی صنع القرار، أو نقص الحمایة من الممارسات التمییزیة التی یمارسها الفاعلون الأهلیون.
ثالثاً:. حظر أی تصرف ینتهک الحریات المرتبطة بالحق فی السکن اللائق
کالحق فی التنظیم والتجمع وتکوین الجمعیات وبخاصة منظمات المجتمع المدنی التی تسعى لتعزیز وحمایة الحق فی السکن اللائق، إذ تؤکد أحکام القانون الدولی لحقوق الإنسان على حق الإنسان فی التجمع السلمی والتنظیم نظراً لأهمیة هذه الحقوق فی تمکین الأفراد من التعبیر عن آرائهم والدفاع عن حقوقهم، فهی تشکل المقیاس الحقیقی لفلسفة الدولة وسیاستها ومدى تکریسها واحترامها لمبادئ حقوق الإنسان بما فی ذلک الحق فی المسکن اللائق. وقد أکدت الاتفاقیات الدولیة على هذا الحق وکان فی مقدمتها الإعلان العالمی لحقوق الإنسان، والعهد الدولی الخاص بالحقوق المدنیة والسیاسیة الذی نص فی المادة الحادیة والعشرین منه على أنه "یعترف بالحق فی التجمع السلمی ولا یجوز وضع قیود على ممارسة هذا الحق غیر ما یفرض منها تماشیاً مع القانون، والتی تستوجبها، فی مجتمع دیمقراطی مصلحة الأمن الوطنی أو السلامة العامة أو النظام العام أو حمایة الصحة العامة أو الأخلاق العامة أو حمایة حقوق الآخرین وحریاتهم."
رابعاً:. حظر التدابیر التراجعیة التی تقلص من تمتع الأفراد بالحق فی السکن اللائق
حیث أکدت لجنة الحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة على ثنی الدول الأطراف فی العهد عن التدابیر التراجعیة المتعمدة، إذ قالت "إن اتخاذ الدول لأی تدابیر من هذا القبیل سوف یلزم تبریرها تبریراً تاماً بالإشارة إلى کامل الحقوق التی ینص علیها العهد وفی سیاق الاستخدام الکامل لأقصى ما هو متاح من الموارد".
خامساً:. حظر المساس باحترام الخصوصیة الثقافیة للمسکن
أکدت لجنة الحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة على أن من جوانب الحق فی السکن اللائق مراعاة الخصوصیة الثقافیة بحیث تتیح طریقة بناء المساکن والمواد المستخدمة فیها والسیاسات الداعمة لها إمکانیة التعبیر على نحو مناسب عن الهویة الثقافیة والتنوع فی السکن، وعلى أن لا تضحی الأنشطة المستخدمة فی تطویر وتحدیث المساکن بالأبعاد الثقافیة للسکان.
المقصد الثانی
الالتزام بحمایة الحق فی السکن اللائق
یقتضی هذا الالتزام من الدولة القیام بحمایة حقوق الأفراد من التجاوزات التی ترتکبها جهات غیر تابعة لها، کما ینبغی للدول أن تعتمد تشریعات أو تدابیر أخرى لضمان الامتثال لمعاییر حقوق الإنسان المتعلقة بالحق فی السکن اللائق من قبل الجهات الفاعلة الخاصة، مثل المؤجرین العقاریین والمقاولین العقاریین وملاک الأراضی والشرکات. فعلى سبیل المثال ینبغی على الدولة أن تنظم سوق السکن والإیجار بطریقة تعزز وتحمی الحق فی السکن اللائق وتضمن أن تقدم المصارف والمؤسسات المالیة خدمات تمویل السکن دون تمییز، وتکفل ألا یؤدی توفیر خدمات المیاه والإصحاح وغیرها من الخدمات الأساسیة المنزلیة من طرف القطاع الخاص إلى الإضرار بها من حیث توافرها وسهولة الحصول علیها ومقبولیتها وجودتها، وتضمن ألا توقف أطراف ثالثة هذه الخدمات بصورة تعسفیة وغیر قانونیة، وتمنع الممارسات التمییزیة التی تتعلق بالمیراث وتؤثر فی فرص حصول المرأة على السکن، وتضمن کذلک ألا تؤدی الجهات الفاعلة الخاصة عملیات الإخلاء القسری.
ففی الحالات التی یخل فیها طرف ثالث بحقوق غیره یتعین على السلطات العامة العمل على وقف هذا الانتهاک وضمان الانتصاف القانونی للضحایا، ویعد الالتزام بالحمایة فی القانون الدولی لحقوق الإنسان التزاماً ضروریاً وطبیعیاً لإعمال الحق بالسکن اللائق على الرغم من عدم النص علیه بشکل صریح فی العهد الدولی کونه یعد شرط مسبق لتفعیل وإعمال الحق. ویذکر ان المبدأ رقم (40) من مبادئ لیمبورغبشأن تنفیذ العهد الدولی الخاص بالحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة قد أکد هذا الالتزام بقوله: "وتقتضی المادة (2/2) من الدول الأعضاء أن تمنع الأشخاص العادیین والهیئات الخاصة من ممارسة التمییز فی أی مجال من مجالات الحیاة العامة"، ولتحقیق هذا الالتزام یجب على الدولة اتخاذ الإجراءات التالیة:.
- اعتماد التشریعات أو تدابیر أخرى لضمان الامتثال لمعاییر الحق فی السکن اللائق من قبل الجهات الفاعلة من القطاع الخاص.
- کفالة قیام القطاع الخاص بتوفیر الخدمات الأساسیة للمساکن.
- کفالة سبل انتصاف قانونیة نزیهة فی الحالات التی یزعم فیها قیام القطاع الخاص بانتهاک الحق فی السکن اللائق.
- اتخاذ تدابیر فعالة لحمایة جمیع الأشخاص من التمییز العنصری.
وبهدف بیان مضمون هذا الالتزام بشکل تفصیلی سیتم توضیح الواجبات المفروضة على الدولة فی ظل الالتزام بحمایة الحق فی السکن اللائق وهی:
أولاً: اعتماد التشریعات والسیاسات التی تلزم القطاع الخاص بمعاییر الحق فی السکن اللائــق:
تؤکد المعاییر الدولیة على اعتماد التشریعات أو تدابیر أخرى لضمان الامتثال لمعاییر الحق فی السکن اللائق من قبل الجهات الفاعلة من القطاع الخاص، مثل مؤجری المساکن، والشرکات ومقاولو بناء المساکن، والشرکات المالیة ومؤسسات الإقراض التی تقدم قروض لغایات شراء أو بناء المساکن، إذ یجب على الدولة ان تنظم سوق السکن والإیجار بطریقة تعزز وتحمی حق الإنسان فی السکن اللائق.
ثانیاً: کفالة قیام القطاع الخاص بتوفیر الخدمات الأساسیة للمساکن
تؤکد المعاییر الدولیة لحقوق الإنسان على دور الدولة بإلزام القطاع الخاص بتوفیر الخدمات الأساسیة للمساکن کخدمات المیاه والطاقة والخدمات الصحیة بصورة میسرة وذات جودة مناسبة وعدم توقف مقدم الخدمة من القطاع الخاص بصورة تعسفیة وغیر قانونیة.
ثالثاً: توفیر سبل انتصاف فعالة فی حال انتهاک حق الأفراد بالسکن اللائق من قبل القطاع الخاص:
یؤکد القانون الدولی لحقوق الإنسان على أن من أهم واجبات الدولة لحمایة الحق فی السکن اللائق هو توفیر سبل انتصاف قانونیة نزیهة فی الحالات التی یزعم فیها قیام القطاع الخاص بانتهاک الحق فی السکن اللائق. وتؤکد المعاییر الدولیة على أن الآلیات القضائیة تمثل عنصراً حاسماً من عناصر تدابیر الإنفاذ المحلی للحق فی السکن اللائق، فوجود السلطة القضائیة المستقلة الفاعلة یعد ضمانة حقیقیة لضمان عدم تعسف ملاک العقارات وأصحاب الشرکات ومقدمو الخدمات من القطاع الخاص من التعسف فی استعمال أموالهم، وانتهاک حق الأفراد بالحق فی السکن اللائق وخصوصاً الفئات الأکثر تعرضاً للتهمیش والتمییز.
رابعاً: اتخـــاذ تدابیر فعالة لحمایــة جمیع الأشخــاص مـن التمییز العنصـــری أو غـیـره من أشکـال التمییز
تؤکد المعاییر الدولیة لحقوق الإنسان والمستمدة من أحکام الاتفاقیات الدولیة لحقوق الإنسان على واجب الدولة باتخاذ تدابیر فعالة لحمایة جمیع الأشخاص منالتمییز العنصری أو غیره من أشکال التمییز والاضطهاد والحرمان من الخدمات، کمنع الممارسات التمییزیة الخاصة بالمیراث وتحدیداً التی تؤثر على فرص حصول المرأة على المساکن والعقارات والتحکم بها، کما یجب على الـدولـة أن تکفـل عـدم ممارسـة أصحاب العقارات السکنیة التی یؤجرونها التمییز ضد فئات معینة.
المقصد الثالث
الالتزام بالوفاء بالحق فی السکن اللائق
ویقصد بهذا الالتزام اتخاذ الدولة عدد من التدابیر ایجابیة فی الحالات التی لم تنجح فیها التدابیر الأخرى فی ضمان الإعمال التام للحق فی السکن اللائق، ویتطلب تحقیق هذا الالتزام معالجة مسائل من قبیل الإنفاق العام، وتقنین الحکومة للقطاع الاقتصادی وتوفیر الخدمات العامة الضروریة، إن تحقیق هذا الالتزام یفرض على الدولة اتخاذ جملة من الإجراءات والواجبات ومن أهمها:.
أولاً:. قیام المؤسسات التشریعیة باستعراض شامل للتشریعات الوطنیة وإقرار حق الأفراد بالسکن اللائق
من خلال سن تشریعات وطنیة تقر بشکل مباشر وواضح بحق للمواطنین فی السکن اللائق، وهذا ما أکدت علیه المعاییر الدولیة لحقوق الإنسان والتی أکدت کذلک على أن التشریعات وحدها لا تکفی للوفاء بالالتزامات الواردة فی العهد، وإنه لا بد للدولة من اتخاذ تدابیر إداریة وقضائیة وسیاسیة واقتصادیة واجتماعیة وثقافیة لکفالة هذا الحق، ویجب أن تنعکس جمیع هذه التدابیر فی المجالات التالیة:.
- التخطیط الإقلیمی المستقبلی للدولة.
- زیادة الإنفاق العام على السکن وتخصیص نسبة کافیة من الإنفاق العام لمسألة الإعمال التدریجی للحق فی السکن اللائق فی الموازنة العامة للدولة.
- ضمان التشریعات الوطنیة لحق الأفراد فی ملکیة المساکن.
ثانیاً:. تبنی الاستراتیجیات والخطط ذات الأطر الزمنیة المحددة لتفعیل الحق بالسکن اللائق
تؤکد المعاییر الدولیة على واجب الدولة بتبنی استراتیجیات وخطط عمل محددة الأهداف خاصة بالحق فی السکن اللائق ذات أطر زمنیة والتزامات مالیة محددة، ووضع مقاییس لرصد إعمال الحق فی السکن اللائق، بما فی ذلک اعتماد مؤشرات ملائمة لهذا الغرض، وتأمین عرض کاف من الأراضی بکلفة میسرة، بما فی ذلک تنفیذ مشاریع إسکانیة شعبیة تسمح لأکبر فئة من أفراد المجتمع الحصول على مسکن ضمن هذه المشاریع وتنفیذ برامج للادخار الشعبی الذی یساعد المواطنین فی الحصول على المسکن.
ثالثاً:. وضع معاییر مادیة للسکن المناسب وتوفیر الخدمات العامة الأساسیة للمساکن
ویشمل ذلک المیاه والطاقة الکهربائیة والمرافق والخدمات الصحیة والتدفئة ونظام الصرف الصحی والطرق ومرافق الرعایة الصحیة وخدمات الطوارئ.
رابعاً:. الترکیز على حقوق الفئات المهمشة
وبشکل خاص فئة المسنون والأطفال والأشخاص ذوی الإعاقة وضحایا الکوارث والقاطنون فی المناطق المهددة بالکوارث وتوفیر جمیع الخدمات الضروریة والهیاکل الأساسیة لهذه الفئات، مما یعنی أنه یجب على الدولة أن تتخذ الإجراءات والنشاطات التی تهدف إلى مکافحة التشرد ومنعه وإنهاؤه وذلک من خلال توفیر المساکن لهذه الفئات.
وفی ضوء ما تقدم یمکننا القول أن التدابیر الرامیة إلى وفاء الدول الأطراف بتعهداتها فی مجال إقرار الحق فی السکن یمکن أن تضم خلیطاً من الإجراءات التی تستهدف إلى جانب تخصیص الموارد المالیة الکافیة لتحقیق هذه الغایة، وتنویع المبادرات فی مجال سیاسات الإسکان، عبر تحفیز القطاع الخاص على الاستثمار فیه، فإنه ینبغی کذلک عدم إغفال أثر التدابیر التشریعیة والإداریة الرسمیة فی هذا السیاق، والتی تؤدی فی نهایة المطاف إلى ضمان تمتع الأفراد بهذا الحق کواقع حسی ملموس کما تذهب إلى ذلک الفقرتان (66،76) من الاستراتیجیة العالمیة للمأوى، واللتان تلفتان الانتباه إلى أنواع وأهمیة التدابیر التی یمکن اتخاذها فی هذا الخصوص، وفی حالة تعذر ذلک فیجب على الدولة أن تکون قادرة على إثبات أن کافة الجهود قد بذلت لاستخدام المصادر المتوفرة لدیها فی مسعاها للوفاء بالتزاماتها کأمر له الأولویة فی إطار تلک الالتزامات بما فیها التعاون الدولی، الذی یشکل أحد الروافد الهامة التی یمکن أن تلجأ الکثیر من دول العالم من أجل إعمال هذا الحق على الوجه اللائق على نحو ما أوجزته المواد (2/1) و (11) و (23) من العهد.
المطلب الثانی
معاییر السکن اللائق فی مواثیق حقوق الانسان
یحظى الحق فی السکن اللائق باعتراف واضح فی القانون الدولی لحقوق الانسان، حیث تحتوی غالبیة المواثیق الدولیة والتی شملت العدید من الاعلانات والاتفاقیات الدولیة والاعمال الاخرى الخاصة بحقوق الانسان، على نصوص واضحة خاصة بالسکن اللائق، کما تعزز الاعتراف بالحق فی السکن اللائق على الصعید الوطنی على مستوى واسع، حیث اصبحت تنص علیه العدید من الدساتیر الوطنیة للدول، بحیث اصبح السکن، بموجب القوانین الوطنیة للدول، حقاً للمواطن وواجباً على الدولة ان تعمل على توفیره لمواطنیها.
ان السؤال الذی یطرح نفسه هنا: ما هو الفارق بین السکن العشوائی والسکن اللائق وما علاقة ذلک بان یعیش المواطنون بسلام وکرامة فی بیئة صحیة جیدة؟
وبموجب المادة (11/1) من العهد الدولی "تقر الدول الأطراف بحق کل شخص فی مستوى معیشی کاف له ولأسرته، یوفر ما یغطی حاجتهم من الغذاء والکساء والمأوى، وبحقه فی تحسین متواصل لظروفه المعیشیة". وقد اکدت لجنة الامم المتحدة للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة ان الحق فی السکن اللائق لا ینبغی ان یفسر تفسیراً ضیقاً بل ینبغی النظر الیه على انه الحق فی العیش فی مکان ما بأمان وسلام وکرامة.
لقد تم ایراد المعاییر الدولیة الخاصة بالحق فی السکن اللائق فی تعلیقی اللجنة العامین رقم (4) لسنة 1991 بشأن الحق فی السکن اللائق والتعلیق رقم (7) لسنة 1997 بشأن عملیات الاخلاء القسری وهذا ما سنتطرق الیه على وفق الفرعیین الآتیین وکما یأتی:
الفرع الاول
معاییر السکن اللائق
ترى اللجنة المعنیة بالحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة ان الحق فی السکن ینبغی ان لا یفسر تفسیراً ضیقاً او تقییدیاً یجعله على سبیل المثال مساویاً للمأوى الموفر للمرء بمجرد وجود سقف فوق رأسه، بل ینبغی النظر الى هذا الحق باعتباره حق المرء فی ان یعیش فی مکان ما فی امن وسلام وکرامة.
وهکذا فان الکرامة المتأصلة فی شخص الانسان تقتضی ان یفسر مصطلح السکن تفسیراً یأخذ فی الحسبان مجموعة متنوعة من الاعتبارات الاخرى، کما یجب ان تقرأ الاشارة الواردة فی المادة (11/1) باعتبارها الاشارة لا الى السکن فحسب، وانما الى السکن اللائق.
ان ما قامت به لجنة الحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة المکلفة بمراقبة تنفیذ احکام العهد الدولی للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة بإصدارها التعلیق العام رقم (4) والخاص بالحق فی السکن اللائق بموجب المادة (11/1) من العهد الدولی على غایة من الاهمیة، فقد قامت اللجنة بجهد کبیر فی وضع المعاییر القانونیة الدولیة للحق فی السکن اللائق، حیث حددت سبعة معاییر اساسیة تشکل فی مجموعها الضمانات الاساسیة التی یوفرها القانون الدولی لتمتع الافراد بالحق فی السکن اللائق ویمکن ان نوجز هذه المعاییر بالشکل الاتی:
اولاً: الضمان القانونی لشغل المسکن:
ان شغل المسکن یتخذ اشکالاً مختلفة منها الایجار (العام والخاص) او الاسکان التعاونی، او اشغال المسکن من قبل مالکه والاسکان فی حالات الطوارئ، والاستیطان غیر الرسمی السکن العشوائی بما فی ذلک الاستیلاء على الاراضی والعقارات، وبصرف النظر عن نوع شغل المسکن، فانه ینبغی ان یتمتع کل شخص بدرجة من الامن فی شغل المسکن تکفل له الحمایة القانونیة من الاخلاء بالإکراه، ومن المضایقة وغیر ذلک من التهدیدات.
ثانیاً: توفیر الخدمات والمواد والمرافق والهیاکل الاساسیة:
ان السکن اللائق یجب ان تتوفر له بعض المرافق الاساسیة اللازمة للصحة والامن والراحة والتغذیة وینبغی ان تتاح لجمیع المستفیدین من الحق فی السکن اللائق امکانیة الحصول بشکل مستمر على الموارد الطبیعیة والعامة ومیاه الشرب النظیفة والطاقة لأغراض الطهی والتدفئة والاضاءة الاستحمام والغسل، ووسائل تخزین الاغذیة، والتخلص من النفایات، وتصریف المیاه وخدمات الطوارئ.
ثالثاً: القدرة على تحمل التکلفة:
ان التکالیف المالیة الشخصیة او الاسریة المرتبطة بالسکن ینبغی ان تکون ذات مستوى یکفل عدم تهدید تلبیة الاحتیاجات الاساسیة الاخرى او الانتقاص منها، وینبغی للدول للأطراف ان تتخذ خطوات لضمان ان تکون النسبة المئویة للتکالیف المتصلة بالسکن مناسبة بصورة عامة مع مستویات الدخل. وقد عبرت لجنة الامم المتحدة للحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة عن هذا العنصر بالعبارة الاتیة: "لا یکون السکن لائقاً اذا کانت تکالیفه تهدد قاطنیه بحقوق الانسان الاخرى او تمس بها".. وینبغی للدول الاطراف تقدیم اعانات سکن لأولئک الذین لا یستطیعون الحصول على مساکن یمکنهم تحمل تکلفتها فضلاً عن تحدید اشکال ومستویات تمویل الاسکان التی تعبر بصورة کافیة عن الاحتیاجات للسکن، ووفقاً لمبدأ مراعاة القدرة على تحمل التکالیف ینبغی حمایة مستأجری المساکن من مستویات الایجار او زیادات الایجار المرتفعة على نحو غیر معقول وذلک من خلال اعتماد وسائل مناسبة.
رابعاً: الصلاحیة للسکن:
ان المسکن الملائم یجب ان یکون صالحاً للسکن من حیث توفیر المساحة الکافیة لساکنیه وحمایتهم من البرد والرطوبة والحر والمطر والریح او غیر ذلک من العوامل التی تهدد الصحة، کما یجب ضمان السلامة الجسدیة لشاغلی المساکن.
خامساً: إتاحة امکانیة الحصول على السکن:
ان امکانیة الحصول على سکن ملائم یجب ان تکون متاحة لأولئک یحق لهم الاستفادة منها، وهکذا یجب ایلاء درجة معینة من الاولویة فی مجال الاسکان لفئات معینة مثل الاشخاص المسنین والاطفال والمعوقین جسدیاً والمصابین بأمراض لا شفاء منها والمرضى عقلیاً وضحایا الکوارث الطبیعیة والاشخاص الذین یعیشون فی مناطق معرضة للکوارث وغیرهم، وینبغی لقوانین وسیاسات الاسکان ان تأخذ فی الاعتبار الکامل الاحتیاجات السکانیة الخاصة لهذه الجماعات.
سادساً: الملائمة من الناحیة الثقافیة:
عبرت لجنة الامم المتحدة للحقوق الاقتصادیة عن هذا العنصر بقولها "لا یکون السکن لائقاً اذا لم یکن یحترم التعبیر عن الهویة الثقافیة ویأخذه فی الاعتبار". واوضح التعلیق العام رقم (4) تفاصیل ذلک بان الطریقة التی یتم بها بناء المساکن ومواد البناء المستخدمة والسیاسات الداعمة لها ینبغی ان تتیح امکانیة التعبیر على نحو مناسب عن الهویة الثقافیة والتنوع فی السکن وینبغی للأنشطة الموجهة نحو التطویر او التحدیث فی قطاع الاسکان ان تکفل عدم التضحیة بالأبعاد الثقافیة للإسکان وتوفیر المعدات التکنلوجیة الحدیثة ایضاً.
فالملائمة من الناحیة الثقافیة تتعلق بطریقة بناء المسکن، ومواد البناء المستخدمة، والابعاد الثقافیة للإنسان والتی ینبغی ان تشتمل على مراعاة الخصوصیة والمستوى الثقافی للمنطقة السکنیة التی ینبغی ان تکون متلائمة مع ثقافة الساکن، فمقدار الخصوصیة الذی یجب ان یوفره السکن اللائق ینبغی ان یتناسب مع حاجات الساکن وعادته وتقالیدیه والمواریث الثقافیة المتبعة، وتعرف الخصوصیة هنا بکونها اکبر عدد من التصرفات التی یستطیع الساکن القیام بها دون حرج.
الفرع الثانی
الضمانات فی مواجهة الاخلاء القسری
تعد الحمایة من عملیات الاخلاء القسری عنصراً اساسیاً من عناصر الحق فی السکن اللائق وترتبط ارتباطاً وثیقاً بأمن الحیازة. وتعرف عملیات الاخلاء القسری بانها "نقل الافراد او الاسر او المجتمعات المحلیة بشکل دائم او مؤقت ورغم ارادتهم، من المنازل او الاراضی التی یستغلونها، دون اتاحة سبل مناسبة من الحمایة القانونیة او غیرها من انواع الحمایة".
وتجری عملیات الاخلاء القسری فی ظروف ولأسباب شتى، منها على سبیل المثال فسح المجال لمشاریع التنمیة ومشاریع البنیة التحتیة، او نتیجة التجاوزات الخاصة على الاراضی العامة واللجوء الى السکن العشوائی فیها. وکثیراً ما تثیر عملیات الاخلاء القسری المزید من اعمال العنف التی تؤثر بشکل کبیر على الفقراء الذین کثیراً ما یعانون من انتهاک لحقوقهم الاساسیة بسبب ذلک.
ولذلک یوجب القانون الدولی لحقوق الانسان قیام حکومات الدول المعنیة باستکشاف جمیع البدائل الممکنة قبل تنفیذ ای عملیة اخلاء من اجل تفادی الحاجة الى استخدام القوة او استخدامها بأدنى حد ممکن، وعند تنفیذ عملیات الاخلاء یجب ان تمنح للمتضررین ضمانات اجراءات فعالة قد یکون لها اثر رادع على عملیات الاخلاء المعتزمة ومنها ما یلی:
- اتاحة الفرصة للتشاور الحقیقی.
- الاشعار قبل اجراء الاخلاء بوقت کاف او معقول.
- توافر المعلومات عن الاخلاء المقترح قبل تنفیذه بوقت معقول.
- حضور موظفین حکومیین او ممثلیهم اثناء الاخلاء.
- التعریف الصحیح بهویات الاشخاص الذین ینفذون الاخلاء.
- حظر اجراء عملیات الاخلاء فی الاحوال الجویة السیئة او لیلاً.
- توفیر سبل الانتصاف القانونیة.
- توفیر المساعدة القانونیة لمن یحتاجونها من اجل التنظیم امام المحاکم.
الخاتمـة
یعتبر حق الإنسان فی السکن اللائق حقاً أساسیاً من حقوق الإنسان الذی أولته النظم الاجتماعیة والاقتصادیة والسیاسیة والقانونیة اهتماماً کبیراً على مر العصور، بدءاً بالمواثیق الدولیة مروراً بالدساتیر وانتهاءً بالقوانین الوطنیة. ویعود الاهتمام بهذا الحق کونه من أهم الرکائز الأساسیة لحیاة الإنسان وإحساسه بکرامته المتأصلة فیه.
وهو فی حد ذاته حق أساسی من حقوق الإنسان، وبذات الوقت أداة هامة لإعمال حقوق الإنسان الأخرى المدنیة والسیاسیة وکذلک الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة.
إن الحق فی السکن اللائق لا یمکن مطلقاً النظر إلیه بمعزل عن سائر حقوق الإنسان الأخرى المعترف بها فی الصکوک الدولیة المختلفة الخاصة بحقوق الإنسان، فالتمتع الکامل بسائر هذه الحقوق، مثل الحق فی حریة التعبیر او تکوین الجمعیات او اختیار مکان الاقامة، هو شرط اساسی من اجل إعمال الحق فی السکن اللائق.
وفی المقابل فإن الحق فی الخصوصیة وفی الأمان الشخصی هو أحد الأبعاد المهمة فی تعریف الحق فی السکن اللائق. فغالباً ما تؤدی حالات الاخلاء بالإکراه إلى إهدار حق الإنسان بالأمان الشخصی، إذ یتشرد الاشخاص، وتغدو النساء بالذات من الجماعات الأکثر عرضة للعنف، بما فی ذلک العنف الجنسی.
أما بالنسبة للعلاقة بین الحق فی السکن اللائق والحق فی الخصوصیة فإن السکن یشکل عنصراً أساسیاً لا غنى عنه للتمتع بالحق فی حرمة الحیاة الخاصة والعائلیة وذلک أن السکن یتیح للإنسان إنشاء مجال خاص به معزول عن الآخرین وبعیداً عن أعینهم ورقابتهم.
The Author declare That there is no conflict of interest
References (Arabic Translated to English)
First: Books
1. Ahmad Saleh Mahdi and others, Social problems of slums, College of Arts, University of Baghdad, 2018
2. The Palestinian Center for Human Rights, The Right to Adequate Housing in International Human Rights Charters, Gaza, Palestine, without a year of printing.
3. The General Assembly, the Human Rights Council, the twenty-second session, a report on the promotion and protection of all human rights, civil, political, economic, social and cultural rights, including the right to development A / HBC / 22/46/2012
4. Firas Jassim Musa, Informal Settlements in Iraq, A Reading in Risks and Solutions, Research Department, Research Department, Iraqi Parliament, 2017
5. Felix Murca, Right to Adequate Housing, Department of Rights, without publication date
6. Amnesty International, Housing is a Human Right, First Edition, United Kingdom, 2012
7. Office of the High Commissioner for Human Rights, The Right to Adequate Housing,
8. Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, Geneva, Switzerland, 2010
9. Alaa Kaoud, the inherent and acquired of economic, social and cultural rights, Cairo Institute for Human Rights Studies, Cairo, Egypt, 2002
Second: Research
1. Dr. Jamal Baqer Mutlaq, Economic, Social and Cultural Rights for Adequate Housing, Journal of the Center for Kufa Studies, University of Kufa, Issue (50), of 2018
2. Khawla Karim Kawthar, Violations of Building Regulations and Laws and their Impact on the Urban Environment of the City of Baghdad, Iraqi Journal of Architecture, Issue (3), for the year 2015, Al-Mustansiriya University, Baghdad, 2015
3. Dr. The memory of Abdel Moneim Ibrahim, Slums from the point of view of the residents of the surrounding urban areas, Journal of the College of Arts, Issue (100), without a year of publication, University of Baghdad
4. Riyad Hani Bahar, Informal Settlements (Housing Hawasim): Between Security Risks and the Humanitarian Situation, Journal of Social Studies, Issue (32), for the year 2014, House of Wisdom, Baghdad, 2017
5. Dr. Shawki Khasemi, Legislation for the Right to Housing between the International Perspective and the Reality of Local Commitment, Journal of Human and Social Sciences, Issue (19), for the year 2015, Biskra University, Algeria, 2015
6. Abdul Rahman Syed Issa Idris, Public Housing Development in Bahariya Oasis, Journal of Al-Azhar University, College of Engineering, Volume (11), Issue (41), for the year 2016
7. D. Abdel-Azim Ahmed Abdel-Azim, the slums in the governorate of Alexandria, an applied geographic study, a research published in the Journal of Humanities, without an issue number, Faculty of Arts, Alexandria University, 2005
8. Dr. Ali Al-Dabbas, The Nature and Content of the Right to Adequate Housing in the Jordanian Constitution, A Comparative Study, Al-Manara Magazine, Volume (23), Issue (1/August), of 2017
9. Dr. Kamel Allawi Kazem and others, Housing and Human Security in Iraq, Al-Ghary Journal of Economic and Administrative Sciences, Volume Ten, Special Issue of the Housing Conference, 2015, College of Administration and Economics, University of Kufa, 2015
10. Dr. Makki Abdul Majeed, Prospects for Urbanization and Unplanned Housing, a field study in the city of Karbala, Ahl al-Bayt Magazine, Issue (15), for the year 2016, Karbala, Iraq
11. Hala Ali Hilal, The Constitutional and Legal Basis of the Right to Housing in Iraq and Some Countries, Journal of Legal and Political Sciences, Issue (1), Volume VIII, for the year 2019, College of Law, University of Diyala, Iraq, 2019
Third: Internet sources
1. Solidarity, the right to adequate housing in the Egyptian constitution, available at the following link
www.yadamun.com
2. The Egyptian Commission for Rights and Freedoms, Slums are tangible problems and forgotten solutions, available on the following website
www.ec-rf.org
3. The Iraqi Ministry of Planning, the Central Bureau of Statistics, in order to provide indicators that reflect the reality of the random housing phenomenon, a report published on the following website
www.cosit.gov.iq