الأمن الفکری فی التشریع الجنائی دراسة مقارنة-(*)-
Intellectual security in criminal legislation Comparative study
|
عدی طلفاح محمد الدوری
کلیة الحقوق/ جامعة تکریت
Uday Talfah Muhammad Al-Douri
College of law / University of Tikrit
Correspondence:
Uday Talfah Muhammad Al-Douri
E-mail:
|
(*) أستلم البحث فی *** قبل للنشر فی
(*) Received on *** accepted for publishing on .
Doi: 10.33899/alaw.2020.166866
© Authors, 2020, College of Law, University of Mosul This is an open access articl under the CC BY 4.0 license
(http://creativecommons.org/licenses/by/4.0).
المستخلص
لعل أبرز ما تخلفه الحروب بالإضافة الى التدمیر والفقر هو ظهور شظف العیش والسکن العشوائی الذی یولد الافکار المتطرفة التی یؤدی استفحالها الى عزل الدولة وشل حرکتها وتقدمها بالکامل نتیجة للتقاتل والتناحر التی تولده تلک الافکار المتطرفة، لذلک تبرز الحاجة بشکل جدی الى وجود نصوص جزائیة تحقق المنع والرد بشقیه الخاص والعام لتضمن امکانیة وجود مجتمع سلیم یقوم على اسس صحیحة تؤهله للاستمرار کدولة فاعلة فی محیطها الدولی والاقلیمی. وبما ان صور الجرائم التی یجسدها التطرف الفکری متعددة ومتنوعة فی آن واحد الامر الذی یتطلب وجود نصوص مستوعبة للتطور المتسارع تتکفل بحمایة المجتمع من خطر تلک الجرائم الامر الذی یدعو الى ضرورة تعدیل بعض النصوص العقابیة لمواجهة الصور المستحدثة لمثل تلک الجرائم حفاظا على الأمن الفکری.
الکلمات المفتاحیة: السکن العشوائی، الأمن الفکری، التطرف الفکری.
Abstract
Perhaps the most important outcome of wars in addition to destruction and poverty is the emergence of extreme ideas, which may lead to the isolation of the state and paralyzed developmental policies and action plans in this country. This emphasizes the need for counter-terrorism policy and law that is sufficient to prevent terrorist conspiracies from achieving their aim or terrorist incidents from taking place. Indeed, criminalization of terrorist activities, including various acts associated with such activities, is a prerequisite to intervention by the criminal justice system. Criminalization is not only a legal obligation to implement international law, it also requires the state to take into consideration how technological advances can be exploited by such groups. This calls for the need to amending existing criminal rules to deal with new crimes.
Keywords: slum housing Intellectual Security intellectual extremism
المقدمة
لا شک بان غایة المشرع من وجود النصوص الجنائیة بشقیها الموضوعیة والاجرائیة هی تحقیق العدالة بالقدر اللازم لإنصاف المظلوم والمجنى علیه وتحقیق الردع بشقیه بواسطة القضاء، وقد سارت على هذا النهج الکثیر من النظم القضائیة الجنائیة قدیما وحدیثاً، لذلک یبتغی المشرع العمل على الاحاطة بأسباب الجریمة لمنع وقوعها قدر الامکان من خلال الضبط الاداری بکافة صوره حفاظا على امن المجتمع . والحقیقة تحقیق امن المجتمع والحفاظ علیه لیس بالأمر الیسیر وبشکل خاص اذ ما تعلق تحقیق الأمن بفکر افراد المجتمع ومعتقداته واعرافه وتقالیده، ومن خلال ما تقدم تبرز خطورة الافکار الدخیلة على المجتمع أیاً کان نوعها وبصورة خاصة بعد ان اصبح استخدام وسائل التواصل الاجتماعی امر متاح للجمیع .
ولکل ما تقدم ولتطور المجتمعات وازدیاد عددها وتشعب مصالحها وعلاقاتها کان لا بد من وجود نصوص تشریعیة تعمل على ایجاد التوازن بین حریة التفکیر والتعبیر عنه من جهة والحفاظ على امن المجتمع وسلامته من جهة اخرى، فالمتتبع لنصوص الدساتیر یجد انها تنص بشکر صریح على حریة التفکیر والمعتقد الا انها مع ذلک تنص على حضر وتحریم التطرف والغلو والاقصاء الامر الذی ینعکس حتما على النصوص الجزائیة التی تنظمها القوانین العقابیة.
أهمیة البحث.
تنبع أهمیة دراسة الأمن الفکری فی التشریع العراقی من أهمیة استقرار المجتمع، ذلک ان هدف وغایة المشرع من اعمال النصوص الجزائیة وتفعیلها وتطبیقها بحق الجانی هو تحقیق الاستقرار المجتمعی بخلق مجتمع خال من الجریمة والمجرمین من خلال تحقیق اهداف العقوبة فی المنع والردع، ای من خلال ردع الجانی ومنع الاخرین ممن تسول لهم انفسهم اتباع ذات السلوک المجرم، فاذا ما تکفلت تلک النظم فی اصلاح المجتمع فان ذلک یعد انجاز مهم یستحق ان یحیطه المشرع والفقه بالاهتمام البالغ . وبما ان التفکیر یسبق ای فعل ارادی فانه من الاهمیة ان ینظم المشرع الیات الحفاظ على الأمن الفکری من الانحراف او التطرف او الخلل من خلال منع مسبباته ومنها المسکن العشوائیة.
مشکلة البحث.
من البدیهی ان یکون البحث او الدراسة العلمیة منصبة على اشکالات نابعة من وجود مشکلة معینة تدور حولها وجودا وعدما، وفی بحثنا هذا نستطیع ان نقول بان هنالک العدید من التساؤلات التی هی بطبیعتها تعد اشکالات الدراسة ومنها هل ان المشرع العراقی نظم احکام الأمن الفکری فی النصوص الدستوریة والعقابیة، ام انه المعالجة اقتصرت على احداهما دون الاخر، وهل کانت تلک المعالجة صریحة فی مضامینها ام من خلال النصوص الغیر مباشرة، وهل وازن المشرع بین الحریة فی التفکیر وبین تجریمه اذ ما بلغ حد الخطورة التی تهدد المجتمع . بالإضافة الى بیان اثر السکن العشوائی على تغییر المفاهیم التی من الممکن ان تودی بالأمن العام.
منهجیة البحث.
تتطلب طبیة البحث إتباع المنهج التحلیلی، من خلال تحلیل النصوص التی أوردها المشرع فی هذا الخصوص، فی کل من النصوص الدستوریة من جهة، والنصوص التی اوردها المشرع فی قانون العقوبات والقوانین الخاصة من جهة اخرى, ومن ثم بیان آراء الفقه فی ذلک، مع الاشارة الى موقف التشریعات المقارنة فی هذا الخصوص.
هیکلیة البحث.
من المعلوم أن لکل دراسة هیکلیة تنسجم مع طبیعة موضوع البحث المراد دراسته , لذلک نرى بأن من الضروری أن تکون هیکلیة البحث موزعة على مبحثین وعلى النحو الاتی:
المبحث الاول: التعریف بالأمن الفکری.
المطلب الاول: مفهوم الأمن الفکری.
المطلب الثانی: مرتکزات الأمن الفکری.
المبحث الثانی: المعالجة التشریعیة للأمن الفکری.
المطلب الاول: المعالجة الدستوریة للأمن الفکری.
المطلب الثانی: المعالجة الجنائیة للأمن الفکری .
الخاتمة.
المبحث الأول
التعریف بالأمن الفکری
یعد موضوع الأمن بصورة عامة والأمن الفکری بصورة خاصة الشغل الشاغل لنجاح ای دولة واستمرارها بل وازدهارها، لذلک فان تناوله فی بحث مقتضب قد یخل بالمعلومة المطلوب عرضها والفکرة المطلوب ایصالها، ولغرض التعریف بالأمن الفکری بالقدر الذی یفی بمتطلبات البحث نجد ان نتناول بیان مفهوم الأمن الفکری فی مطلب اول ومن ثم بیان مرتکزات الأمن الفکری فی المطلب الثانی، وکما یأتی:
المطلب الاول
مفهوم الأمن الفکری
لغرض بیان مفهوم الأمن الفکری نجد انه من المناسب ان نتناول ذلک من خلال بیان تعریفه اللغوی والشرعی والاصطلاحی وعلى النحو الاتی:
الفرع الاول: الأمن الفکری لغة.
مفهوم الأمن فی اللغة من المفاهیم اللغویة ذات الثراء فی المعنى لشمولیته، اذ یقصد به سکون القسب والهدوء النفسی وعدم الخوف، وقد قال ابن فارس (الهمزة والمیم والنون اصلان متقاربان: احدهما الامانة التی هی ضد الخیانة، ومعناها سکون القلب، والاخر التصدیق)والامان والامانة بمعنى وقد امن من باب فهم وسلم وامناً وامنة بفتحتین فهو آمن، وآمنه غیره من الأمن والامان، فالأمن ضد الخوف.
والأمن، کصاحب ضد الخائف، امن، کفرح امنا وامانا، بفتحهما وامنا وامنةً محرکتین، وأمنا بالکسر فهو امن وامین، کفرح وأمیر . ورجل امنة کهمزة : یأمنه کل احد فی کل شیء. وهذا المعنى بینه المفسرون فی تعریف الأمن عند تفسیرهم للآیات التی ورد فیها ومنها ما ذکره الطبری فی تفسیر قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَیْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِیمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِیمَ وَإِسْمَاعِیلَ أَنْ طَهِّرَا بَیْتِیَ لِلطَّائِفِینَ وَالْعَاکِفِینَ وَالرُّکَّعِ السُّجُودِ) وقد سماه الله جل جلاله أمناً لان الحرم کان فی الجاهلیة معاذا لمن استعاذ به، وکان الرجل منهم لو لقی به قاتل ابیه او اخیه لم یهیجه ولم یعرض له حتى یخرج منه.
کما وانه یعنی الأمن والطمأنینة کما فی قوله تعالى: (وَإِنْ کُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا کَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُکُمْ بَعْضًا فَلْیُؤَدِّ الَّذِی اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْیَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَکْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ یَکْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِیمٌ)
اما معنى (الفکری) فهی من اصل (فکر) والتفکیر بمعنى التأمل، وافکر فی الشیء و (تفَکر) فیه بمعنى تمعن فی اصل حقیقته کما فی قوله تعالى: (قُلْ لَا أَقُولُ لَکُمْ عِنْدِی خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَیْبَ وَلَا أَقُولُ لَکُمْ إِنِّی مَلَکٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا یُوحَى إِلَیَّ قُلْ هَلْ یَسْتَوِی الْأَعْمَى وَالْبَصِیرُ أَفَلَا تَتَفَکَّرُونَ). ومن خلال ما تقدم یتبین ان المعنى اللغوی للأمن الفکری هو تضافر الجهود الذهنیة فی تحقیق السکینة والطمأنینة، التی من شأنها توحید القلب والفکر على الصراط السوی المستقیم.
الفرع الثانی: الأمن الفکری اصطلاحا.
عرف الباحثون الأمن بصورة عامة تعریفات متعددة منها انه (عدم توقع المکروه فی الزمن القادم) وعرف کذلک بأنه (تأمین کیان الدولة والمجتمع ضد الاخطار التی تتهددها داخلیا وخارجیا، وتأمین مصالحها وتهیئة الظروف المناسبة اقتصادیا واجتماعیا لتحقیق الاهداف والغایات التی تعبر عن الرضا العام فی المجتمع) کما ویذهب بعض الشراح الى ان للأمن مفهومین اساسین الاول الأمن الجنائی، ویراد به امن الضروریات الخمسة –الدین، النفس، العقل، العرض، المال –وامن المجتمع من امن افراده، فبالقدر الذی یکون فیه الافراد آمنین بقد ما یکون المجتمع امناً، والثانی الأمن الوطنی، ویقصد به امن الدولة فی عناصرها الاساسیة – الشعب، الارض، السیادة، نظام الحکم – من حیث حفظ حقوق مواطنیها الخاصة والعامة ومنه الاعتداء على سیادة الدولة وکیانها وحمایتها من الفتن الداخلیة والاعتداءات الخارجیة.
ولذلک یذهب بعض آخر من الشراح الى تعریف الأمن الفکری بانه: "التصورات والقیم التی تکفل صیانة الفکر وحفظه من عوامل الشطط وبواعث الانحراف التی تمیل به عن الجادة وتخرجه عه وظیفته الاساسیة، التی تتمثل فی اثراء الحیاة بالسلوک القویم والاثار النافعة وحفظ الضروریات فیغدو عامل تخریب وتهدید لکل ضروریات المجتمع ومصالحه"، کما وعرف بأنه: "سلامة فکر الانسان وعقله وفهمه من الانحراف والخروج عن الوسطیة والاعتدال فی فهمه للأمور الدینیة والسیاسیة، وتصوره للکون بما قد یؤول الى الغلو او الى الالحاد"، وعرف کذلک بأنه: "النشاط والتدابیر المشترکة بین الدولة والمجتمع، لتجنیب الافراد شوائب عقدیة او فکریة او نفسیة، تکون سببا فی انحراف السلوک والافکار والاخلاق عن جادة الصواب او سبباً للإیقاع فی المهالک" بینما یذهب بعضٌ الى تعریفه على انه: "اطمئنان مجتمع الدولة الى قدرته على التصدی للاتجاهات الفکریة التی من شأنها ان تؤثر سلبا [فی] تصوره لمشکلاته ورؤیة اسبابها وجذورها وصلبها وهوامشها وتناقضاتها الداخلیة وعلاقتها التبادلیة مع غیرها ومن ثم تقریر حلولها [على] وَفقِ منهجٍ صحیح ورشید یراعی الواقع والمصالح الحقیقیة للدولة وینسجم مع مبادئها واصولها الثابتة الکبرى".
ورغم حداثة مصطلح الأمن الفکری وکثرة التعریفات التی قیلت فیه الا اننا یمکن ان نعرفه بانه : الجهود المشترکة للمجتمع وسلطات الدولة فی التثقیف والتوعیة والحوار الصحیح بوجود الحقوق والحریات، لمنع انتشار الافکار المتطرفة او المنحرفة التی تکون سببا فی انحراف السلوک والاخلاق والوقوع فی اتون الجریمة.
المطلب الثانی
مرتکزات الأمن الفکری
یستند الأمن الفکری إلى العدید من المرتکزات التی تعد اساسا له، وتلک المرتکزات تختلف بطبیعتها من مجتمع الى اخر، بحسب طبیعة تکوین ذلک المجتمع، ولغرض تناول مرتکزات الأمن الفکری بدون اسهاب ممل او ایجاز مخل وبالقدر الذی یخص موضوع البحث نرى ان نتناول اهمها وکما یأتی:
اولاً : الاسرة.
تعد الاسرة حلقة الوصل بین الفرد والمجتمع ویرى علماء النفس ان للأسرة اهمیة قصوى فی تشکیل شخصیته، فالطفل یتعلم مسؤولیاته تجاه الاخرین من خلال تجاربه فی المنزل اولا لذلک یعد سوء التربیة التی یتعرض لها الشخص احد أهم عوامل الانحراف الفکری اولاً وارتکاب الجرائم ثانیاً , ولقد زاد تأثیر هذا العامل فی الآونة الأخیرة بسبب خروج المرأة وانشغالها وحرمان الأبناء من رعایتها المستمرة , ویزید من حدة هذا الأمر تفکک الأسرة مادیاً أو معنویاً وضعف سلطانها على جمیع أعضائها. ولکثرة أعباء الحیاة التی باتت تشغل کل من الأب و الأم عن توفیر الإشراف الأبوی السلیم لأبنائهم فضلاً عن حالات الانفصال والطلاق والخلافات والشجار المستمر بین الأبوین, کل ذلک قد یکون عاملا محفزا یدفع بالشخص إلى الانحراف الفکری، وخاصة عند انعدام لغة الحوار الهادف بین افراد الاسرة .
ففی إطار المهام والنشاط الوقائی للأسرة ضمن مجهودات التربیة والتنشئة الاجتماعیة یجب الابتعاد عن العنف والمبالغة فی التدلیل أو اعتماد العقاب البدنی فی مجال التربیة والتنشئة الاجتماعیة، فعند قیام الطفل ببعض السلوکیات وعند علم الوالدین بها، فإنها تصاحب ذلک عادة باستحسان أو استهجان من طرف الوالدین، والطفل یعلم ذلک لیس فقط من العقاب أو الاستحسان الذی یظهره الوالدین فی صورة عقاب بدنی أو غیره، بل إنه یعلم ذلک من خلال الجمل والعبارات المستخدمة والصادرة من الوالدین عن ذلک السلوک، لذلک فان الطفل فی الأساس لیس بحاجة إلى عقوبة بدنیة أو عبارات قهر وإذلال لیشعر بغلطته وبسوء سلوکه أو تصرفه کما هو شائع فی المجتمعات العربیة، بل یجب ان تسود لغة الحوار والنقاش والفهم فالأسرة لها وظیفة وقائیة من الانحراف الفکری بلا منازع، حیث تقوم بها من خلال ما توفره لأطفالها من تربیة وتنشئة صالحة ورعایة شاملة وتوجیه صحیح للأطفال، وکشف مبکر عن الخلل الذی قد یصیب أحد أطفالها، والعمل على مساعدتهم على تقویم ذلک الخلل وعلاجه.
ثانیاً – المؤسسة التربویة.
فی مجتمع المدرسة یصادف الفرد سلطة غیر سلطة العائلة , ویحس أن من واجبه أن یتقبل هذه السلطة الجدیدة وان یتعامل مع هؤلاء الأفراد الجدد فإذا نجح فی هذه التجربة کانت البدایة جیدة لمسایرة الحیاة فی الوسط الاجتماعی , أما إذا کان الفرد مصاباً بأمراض وراثیة أو مکتسبة تقلل من قدراته الجسدیة والعقلیة فلا شک أن التئامه مع المجتمع وتجانسه وإیاه یغدو أمراً عسیراً . ففی بیئة المدرسة یمکن أن تظهر علامات الانحراف الفکری عند الأحداث کما انه فی ظل هذه البیئة یمکن أن تظهر علامات السلوک الذی یمکن أن یؤدی بالشخص الحدث إلى ارتکاب الجریمة . ومن العوامل التی تزید من احتمالیة الانحراف الفکری ما یأتی:
أ- فشل الشخص فی الدراسة.
ب- الصحبة السیئة فی بیئة المدرسة.
ت- النظام الصارم داخل المدرسة وفشله فی احتواء الطالب.
ث- الدور السلبی للمعلم فی تنشئة الطالب.
فالمؤسسة التربویة یمکن ان تسهم فی ملاحظة ظهور الانحراف الفکری ومعالجته، کما وانها من الممکن ان تکون سببا فی انتشاره، ذلک ان المدارس والمعاهد مجال رحب لتعلم المزید من المعاییر الاجتماعیة والقیم والاتجاهات والادوار الاجتماعیة الجدیدة بشکل منضبط ومنظم، لذلک یجب ان تبدأ معالجة الانحرافات الفکریة بمعالجة الاسباب والعوامل المؤدیة لها والوقایة منها، لذلک لا نغالی اذا ما قلنا إن المدرسة او المؤسسة التربویة لها الدور المکمل لدور الاسرة فی صقل شخصیة الطالب وتطویعها وتوجیهها الوجهة الصحیحة، مما یزید حصانة الفرد ضد المؤثرات الفکریة السلبیة أیاً کان مصدرها.
ولا یفوتنا ان نذکر بأن الفرد فی مرحلة الحداثة والشباب یمیل إلى تکوین علاقات صداقة مع مجموعة من الأصدقاء یتفق معهم فی میوله واتجاهاته ویتقارب معهم سناً لیمضی معهم أوقات فراغه ویمارس هوایاته بصحبتهم, ولا شک أن هناک تأثیرا فکریا متبادلا بین الأصدقاء فکل منهم یؤثر فی تکوینه الشخصی على الآخر ومن هنا تبرز أهمیة الصداقة, فإذا کانت مجموعة الأصدقاء تمارس أعمال منحرفة أو إجرامیة فإن انضمام الشخص الیها یترتب علیه تأثره بها وانحداره معها. وبخاصة أن بعض الأفراد یجدون فی صحبة هؤلاء الأصدقاء نوعا من الحریة یتخلصون بها من سوء معاملة الأبوین وفرصة لإثبات وجوده بعد فشله فی الدراسة, مما یشکل عاملا یدفع به الى الانسجام فکریا وجسدیاً مع مجموعته ومن هنا تبرز اهمیة مؤسسات المجتمع المدنی فی التوعیة والتثقیف لتکون رکیزة اساسیة یعتمد علیها اضافة لمؤسسات الدولة الرسمیة الاخرى.
ثالثاً – وسائل الاعلام .
تلعب الأجهزة الإعلامیة والثقافیة بکافة أشکالها وأنواعها – وبخاصة بعد التطور الهائل فی المجال الالکترونی- دوراً قد یکون ایجابیاً وقد یکون سلبیاً فی خلق المشاکل الاجتماعیة, إذ لوحظ فی الآونة الأخیرة أن برامج الإذاعة والتلفاز والانترنت وغیرها من وسائل التواصل الاجتماعی لا تخضع لرقابة من قبل أخصائیین نفسیین أو اجتماعیین أو حتى رجال الدین والقانون , لذلک فان الغالب منها أی من برامجها لا تربی المشاهد على الفضیلة والعفة والأخلاق الحسنة , فضلاً عن ما تقدمه دُور السینما والمسرح لمشاهد لا تخدم الأغراض الوطنیة والاجتماعیة بل إنها غالباً ما تثیر الفتن من عنف وغیره , وکذلک الأمر بما یتعلق بإثارة الغرائز والشهوات التی تعکس وتترجم بشکل واضح مدى الانحراف الفکری وخطره على امن الفرد الفکری.
لذلک فان الاعلام یجب ان یکون موجها للحق الذی تؤمن به الامة، لینطلق من ذلک الحق ویعززه ویدعو الیه، اما اذا تبنى الاعلام افکارا غیر ما تؤمن به الشعوب الموجه لها والتی تتفاعل معه وتؤثر فیه، اصبح ذلک الاعلام غریب النزعة، اجنبیَّ المفهوم، مبتورَ الجذور، دخیلا على مجتمعه واهدافه، مما یتسبب فی تهدید الأمن الفکری للمجتمع، وبذلک تکمن خطورة دوره فی ان یکون مرتکزا للأمن الفکری.
وفضلا عما تقدم فإن وسائل الترفیه السلبیة مثل تعاطی المخدرات وتناول المسکرات والمقامرة والتردد على أماکن الفساد الأخلاقی ومشاهدة الأفلام والمقاطع المفسدة والمطالعة المضللة قد یکون لها أثرها الفاعل فی تهدید الأمن الفکری.
رابعاً- دُور العبادة.
من بین ما یؤمن به الفرد فی المجتمع الاسلامی منطق الأمن فی هذه الحیاة الدنیا، وطمأنته فی دارها الفانیة وهذا هو الإیمان الشرعی الذی ینتظم جمیع أرکانه وجملة خصاله، من الإیمان بالله وملائکته وکتبه ورسله، والإیمان بالیوم الآخر، وبقضاء الله وقدره بما فیه خیره وشره، والإیمان بما جاء به نبینا محمد (صلى الله علیه وسلم) من الشرائع والأحکام، فالذی یجزم به العقل، ویطمئن إلیه القلب کاملاً صحیحاً یؤمن بهذه الأرکان إیمانا غیر مشوب بشک، ولا مخلوط بشرک، وفی هذا السیاق یقوم المسجد بمهمة کبیرة فی مجال تعزیز الأمن الفکری فی نفوس الناس، فالمسجد بوصفه المؤسسة التربویة الأکثر احتراما یستطیع القیام بما لا تستطیع القیام به المؤسسات الأخرى وذلک من خلال الاتی:
1- تأصیل القیم الاجتماعیة النابعة من الشریعة الإسلامیة السمحاء وابراز اهمیة التکامل الاجتماعی الذی یفرضه الإسلام لضمان أمن الفرد والمجتمع.
2- تقویة الأدوار الإیجابیة للتنشئة الدینیة خاصة فی ضبط کل ما یؤدی إلى الجنوح أو ارتکاب الجریمة.
3- تقویم الجانب الدینی فی النفوس من خلال الوعظ والإرشاد والتوجیه وذلک یضمن العصمة من الوقوع فی المعاصی.
4- تحصین مدارک الشباب وثقافتهم بأحکام الحدود الشرعیة کتحریم القتل والاعتداء على الاخرین وخطورة التکفیر والغلو.
5- طاعة أولی الامر وجمع کلمة المسلمین وقطع الشقاق والنزاع.
6- الإرشاد والتوجیه للفضائل الإسلامیة، وبیان محاسن السلوک الإسلامی الصحیح بین الفرد وأخیه وسائر قطاعات المجتمع.
7- نشر الوعی الدینی بین أفراد المجتمع، الأمر الذی یقرب الناس من دینهم، ویحبب إلیهم الالتزام بأحکامه عن فهم وإیمان، فیقیهم ذلک شر الانحراف.
8- الارتقاء بتربیة الخلق والضمیر إلى أعلى المستویات مما یشیع روح الفضیلة.
9- توجیه الناس بالالتزام بأوامر الدین واجتناب نواهیه، وکلها تبعد الفرد.
مما تقدم نَلحظ ان بعض مرتکزات الأمن الفکری تقوم اساسا على الاسرة من جهة والمؤسسة التعلیمة من جهة اخرى، وهذا یتناقض کلیا مع السکن العشوائی الذی یفتقر لأبسط انواع التنظیم، ذلک ان سبب اتخاذ الاسرة السکن العشوائی کمأوى لهم یعود الى انعدام المقدرة على توفیر السکن المناسب للأسرة الامر الذی ینعکس بدون شک على دور الاسرة بالتوعیة وکذلک الامر فیما یتعلق بحثها على تعلیم افرادها او توفیر التعلیم المناسب لهم، الامر الذی ینعکس على مستوى تفکیرهم، مما یجعلهم اداة طیعة لمن یتبنون الفکر المتعصب.
المبحث الثانی
المعالجة التشریعیة للأمن الفکری
تتجسد المعالجة الجنائیة للأفعال الماسة بالمصالح عادة بنصوص القوانین العقابیة بصورة خاصة والنصوص الاخرى بصورة عامة، بینما تقتصر نصوص الدساتیر على بیان قدسیة بعض الحقوق دون النص على العقوبة المناسبة لها، ذلک ان التجریم والعقاب من اختصاص القوانین الجنائیة والتی تسنها السلطة التشریعیة استناداً على الدستور على وَفقِ ما یتلاءم مع أیدولوجیته، ومع ذلک نجد ان النصوص الدستوریة تتناول تحریم بعض الافعال ذات الخطر الکبیر على مصلحة البلاد محددة بذلک صور الفعل المجرم والعقوبة المناسبة لذلک الفعل او مجرد تحریمه لبیان اهمیته وقدسیته وترک تحدید صور الافعال المجرمة والعقوبة المناسبة للقوانین الجزائیة، ولغرض بیان المواجهة الجنائیة لظاهرة التطرف الفکری نرى من المناسب ان نتناول ذلک فی النصوص الدستوریة ومن ثم فی النصوص العقابیة فی المطلبین الآتیین، وعلى النحو الاتی:
المطلب الاول
المعالجة الدستوریة للأمن الفکری
من المعلوم ان الحمایة الجنائیة للحقوق والحریات هی عمل من اعمال التشریع العادی من خلال قانون العقوبات والقوانین الاخرى بما تتضمنه من نصوص جزائیة، الا ان حرکة المشرع فی هذه الحمایة تخضع لأحکام الدستور؛ اذ إن الدستور قد یوجه المشرع إلى ضرورة تجریم بعض الافعال لحمایة حقوق وحریات دون غیرها، فالحمایة الدستوریة للحقوق والحریات یتکفل بها الدستور، وتُحَدّد الشرعیة الدستوریة لهذه الحقوق على وفقِ ما ینص علیه الدستور بصورة مباشرة او غیر مباشرة، تبعاً للصیاغة التی یؤمن بها واضع الدستور.
ولغرض تناول المعالجة الدستوریة للأمن الفکری نرى من الضروری ان نتناول ذلک فی نصوص الدساتیر المقارنة ومن ثم بیانها فی الدستور العراقی وعلى النحو الاتی:
الفرع الاول: المعالجة فی الدستور العراقی.
جاء الدستور العرقی لعام (2005) موزعاً على (144) مادة، وقد استهل بدیباجة مطولة تضمنت الاشارة الى موضوعات عدیدة من بینها الاشارة الى تحریم العنف والتطرف من خلال النص على انه: "...لمْ یُثْنِنِا التکفیرُ والإرهابُ من أن نَمْضِیَ قُدُماً لبناءِ دَوْلةِ القانونِ، وَلَم تُوقِفْنَا الطَائِفِیَةُ وَالعُنْصُریةُ منْ أَنْ نَسیرَ مَعَاً لِتَعْزِیزِ الوحْدَةِ الوَطَنیةِ، وَانْتِهَاجِ سُبُلِ التَداولِ السِلْمی لِلسُلْطَةِ، وَتَبْنی أسْلُوب التَوزیعِ العَادِلِ لِلِثَروْةِ، ومَنْحِ تَکَافُؤ الفُرَصِ للجَمْیع...". وعلى الرغم من ان ما تقدم جاء بصیغة الوصف لحال البلاد فی الحقب الماضیة الا انه یدل وبشکل واضح على تحریم وتجریم الافعال التی تم ذکرها من تکفیر وارهاب وطائفیة وعنصریة وهو بذلک یشیر اشارة صریحة الى اهمیة الأمن الفکری فی المجتمع. وقد اختلف الفقه فی القیمة القانونیة لمقدمة الدساتیر الا ان الرأی الراجح یذهب الى ان مقدمة الدستور برمتها تتمتع بقوة قانونیة معادلة للدستور مادامت جزءاً منه.
کما اشار الدستور العراقی لعام 2005 صراحة على تجریم التطرف والعنف بای صورة کانت علیه من خلال النص على انه: "أولاً:- یحظر کل کیانٍ أو نهجٍ یتبنى العنصریة أو الإرهاب أو التکفیر أو التطهیر الطائفی، أو یحرض أو یمهد أو یمجد أو یروج أو یبرر له ..... ثانیاً:- تلتزم الدولة بمحاربة الإرهاب بجمیع أشکاله، وتعمل على حمایة أراضیها من أن تکون مقراً أو ممراً أو ساحةً لنشاطه". ومما یُلحظ على هذا النص انه حظر العدید من صور التطرف والتی تتمثل بالاتی :
1- العنصریة.
2- الارهاب.
3- التکفیر.
4- التطهیر الطائفی او التحریض او التمهید او التمجید او الترویج او التبریر له. الامر الذی یستوجب ایجاد نصوص جزائیة ضمن قانون العقوبات تجسد من خلال المعالجة الصریحة ما تضمنه الدستور فی هذا النص، ذلک ان النص الدستوری جاء ملبیاً لحاجة المجتمع فی توفیر الحمایة اللازمة ضد ابرز صور التطرف سیما اکثرها فتکاً والمتمثل بالإرهاب على اختلاف اشکاله . وقد سارع المشرع العراقی فی توفیر الحمایة اللازمة من الجرائم الارهابیة من خلال سن قانون لمکافحة الارهاب. ومع ذلک نرى من الضروری ان یضع المشرع النصوص الجزائیة التی تحدد العقوبة بشکل لا یقبل اللبس او التأویل لبقیة الجرائم التی تضمنها النص وهی کل من العنصریة والتکفیر والتطهیر الطائفی او التحریض او التمهید او التمجید او الترویج او التبریر له حمایة للأمن الفکری؛ لکون النصوص العقابیة المتمثلة بقانون العقوبات وقانون مکافحة الارهاب قد تکون قاصرة عن الاحاطة بجمیع صور التطرف التی بینها النص الدستوری.
وعلى الرغم من ان الدستور العراقی کفل للمواطن حق السکن الا ان ذلک لا یعنی ان یقوم المواطن ببناء المساکن على وفق هواه مما یؤثر على تخطیط الدولة وامنها سلباً، الامر الذی یخل بأمنها.
الفرع الثانی: المعالجة فی الدساتیر المقارنة.
جاء فی التعدیل الدستوری للفصل السادس من الدستور التونسی والمصادق علیه من قبل مجلس النواب الوطنی التأسیسی طبقا لمقتضیات الفصل (93) من النظام الداخلی للمجلس النص على انه:" الدولة راعیة للدین، کافلة للحریة والمعتقد والضمیر وممارسة الشعائر الدینیة، حامیة للمقدسات، ضامنة لحیاد المساجد ودور العبادة عن التوظیف الحزبی . یحجر(یمنع) التکفیر والتحریض على العنف". اذ یُلحظ على النص الدستوری انه استهل النص بالحرص على کفالة الدولة امور عدة منها رعایة الدین بصورة عامة أیاً کانت تلک الدیانة، وکفالة الحریة بصورة عامة مع کفالة المعتقد الذی یؤمن به الفرد والضمیر من باب اولى کون ان الاخیر امر داخلی (حدیث نفس) قلما یترجم الى واقع خارجی ملموس. کما اشار النص اعلاه إلى کفالة الدولة لممارسة الشعائر الدینیة أیاً کانت صورة تلک الشعائر، مع ضرورة حمایة المقدسات التی یؤمن بها الافراد على اختلاف معتقداتهم، ومهما کانت قدسیة ذلک الشیء.
ثم استتبع النص تحمیل الدولة ضمان حیادیة المساجد ودور العبادة عن التوظیف الحزبی وهو جانب مهم یحسب للمشرع الدستوری التونسی، ذلک ان تجییر دور العبادة لخدمة حزب معین من الامور ذات الخطورة البالغة، وهو یذکرنا بما ترویه کتب التاریخ عن دور الکنیسة فی الحقبة المظلمة لدول قارة اوروبا فی السیطرة على هیئات الحکم فی الدولة وتجییرها السلطة لصالحها، لذلک نجد ان المشرع التونسی قد تنبه لهذا الامر ومنع الاحزاب من استغلال الدین فی الوصول الى السلطة او حتى البقاء بها او التستر على فساد القائمین بإدارة الدولة مستغلة حالة التضلیل التی تهدد الأمن الفکری.
وبعد کل هذا التقدیم نلحظ ان المشرع الدستوری التونسی جاء بعبارة "یحجر التکفیر والتحریض على العنف" وهی عبارة عامة تشمل کل صور التکفیر بوصفه احد صور الانحراف الفکری والتطرف المهمة التی تعانی منها المجتمعات الاسلامیة فی الوقت الراهن، فضلاً عن تحریم التحریض على العنف بکل صوره طالما کان ذلک العنف مقترنا بالتکفیر او التطرف المؤدی الیه، لیکون بذلک الارهاب احد صور العنف التی اراد المشرع الدستوری شمولها من خلال النص المعدل.
وبذلک یکون الدستور التونسی سباقاً فی تجریم التطرف الفکری من خلال تجریم اهم صور التطرف والمتمثلة بالتکفیر والعنف او کلاهما معاً. وعلى اثر ذلک طالب ممثلو السلطة التشریعیة فی دول عربیة عدة بتجریم التکفیر بوصفه آفة العصر التی تهدد کل المجتمعات العربیة، حیث تقدم عضو مجلس الشورى السعودی سنة 2010 بمقترح قانون یطالب فیه بسن نص یجرم فتاوى التکفیر الصادرة من خارج المؤسسة الدینیة فی المملکة. کما تقدم عدد من اعضاء مجلس النواب المغربی بمقترح یقضی بإضافة بنود تتعلق بتجریم التکفیر . وکذلک الامر بالنسبة لکل من الجزائر ولیبیا وموریتانیا، وهذا ان دل على شیء انما یدل على تنبه المشرع الى اهمیة وخطورة الأمن الفکری فی المجتمع.
المطلب الثانی
المعالجة الجنائیة للأمن الفکری
لغرض بیان المعالجة الجنائیة للأمن الفکری فی القوانین العقابیة نرى انه من الانسب ان نبین ذلک على وفق التقسیم الذی تناولنا فیه المعالجة فی النصوص الدستوریة، ای من خلال بیانها القوانین العقابیة العراقیة ثم بیانها فی القوانین العقابیة المقارنة وکما یأتی:
الفرع الاول: المعالجة الجنائیة للأمن الفکری فی القانون العقابی العراقی.
لم ینص المشرع العراقی على حمایة الأمن الفکری بصورة مباشرة فی قانون العقوبات العراقی الا انه من الممکن ان نستخلص تجریم التطرف الفکری من خلال النصوص التی اوردها فیه ومنها نص المادة (200) والتی جاءت ضمن الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلی على انه: "یعاقب بالسجن مدة لا تزید على سبع سنوات او بالحبس کل من حبذ او روج أیا من المذاهب التی ترمی الى تغییر مبادئ الدستور الاساسیة او النظم الاساسیة للهیئة الاجتماعیة او لتسوید طبقة اجتماعیة على غیرها من الطبقات او للقضاء على طبقة اجتماعیة لقلب نظم الدولة الاساسیة الاجتماعیة او الاقتصادیة او لهدم ای نظام من النظم الاساسیة للهیئة الاجتماعیة متى کان استعمال القوة او الارهاب او ایة وسیلة اخرى غیر مشروعة ملحوظا فی ذلک. ویعاقب بالعقوبة ذاتها: کل من حرض على قلب نظام الحکم المقرر فی العراق او على کراهیته او الازدراء به او حبذ او روج ما یثیر النعرات المذهبیة او الطائفیة او حرض على النزاع بین الطوائف والاجناس او اثار شعور الکراهیة والبغضاء بین سکان العراق".
کما نصت المادة التالیة لها على انه: "یعاقب بالإعدام کل من حبذ او روج مبادئ صهیونیة بما فی ذلک الماسونیة، او انتسب الى ای من مؤسساتها او ساعدها مادیا او ادبیا او عمل بای کیفیة کانت لتحقیق أغراضها". فمن المعلوم ان مبادئ وافکار الصهیونیة متطرفة تبتغی نشر العنصریة وتفترض التفوق النوعی بغض النظر عن ای اعتبارات اخرى وهی بذلک تخل بالأمن الفکری اخلالاً مباشراً وان لم یتم ذکر ذلک بصیغة مباشرة .
کما یمکن استخلاص ذلک من خلال نص المادة (202) من القانون ذاته والتی نصت على انه:" یعاقب بالسجن مدة لا تزید على عشر سنین او بالحبس کل من اهان بإحدى طرق العلانیة الامة العربیة او الشعب العراقی او فئة من سکان العراق او العلم الوطنی او شعار الدولة". فکل ما اورده المشرع فی هذه النصوص یعکس حالة حرص المشرع على الأمن الفکری من خلال نبذ التطرف الفکری للشخص الذی یقدم على ارتکاب أیٍّ من الافعال التی حددتها النصوص السابقة.
وبالإضافة الى ما نظمه المشرع فی قانون العقوبات ضمن الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلی من احکام تجرم التطرف الفکری ضمناً، نجد ان المشرع العراقی قد عالج الجرائم الماسة بالشعور الدینی کذلک حیث نصت المادة (372) على انه: "یعاقب بالحبس مدة لا تزید على ثلاث سنوات او بغرامة لا تزید على ثلاثمئة دینار. 1 – من اعتدى بإحدى طرق العلانیة على معتقد لإحدى الطوائف الدینیة او حقر من شعائرها. 2 – من تعمد التشویش على اقامة شعائر طائفة دینیة او على حفل او اجتماع دینی او تعمد منع او تعطیل اقامة شیء من ذلک 3 – من خرب او اتلف او شوه او دنس بناء معدا لإقامة شعائر طائفیة دینیة او رمزا او شیئا آخر له حرمة دینیة. 4 – من طبع ونشر کتابا مقتبسا عند طائفة دینیة اذا حرف نصه عمدا تحریفا یغیر من معناه او اذا استخف بحکم من احکامه او شیء من تعالیمه. 5 – من اهان علنا رمزا او شخصا هو موضع تقدیس او تمجید او احترام لدى طائفة دینیة. 6 – من قلد علنا نسکاً او حفلاً دینیا بقصد السخریة منه". فکل الصور التی بینها المشرع وفق هذه المادة تنبع بلا شک من تطرف فکری یستوجب التجریم، ومع ذلک نرى من الضروری تعدیل نص المادة اعلاه والاشارة صراحة الى تجریم التطرف الفکری من خلال اضافة فقرة سابعة تتضمن النص على انه: "وتشدد العقوبة اذا کان ارتکاب ای فعل من الافعال السابقة نتیجة لتکفیر الفئة المستهدفة. وتکون العقوبة الاعدام اذا نتج عن ذلک وفاة شخص او مجموعة اشخاص".
وقد تبنى قانون الاحزاب السیاسیة العراقی مبدأ حمایة الأمن الفکری من خلال النص على تحریم عدة افعال من بینها انه: "لا یجوز تأسیس الحزب على اساس العنصریة او الارهاب او التکفیر او التعصب الطائفی او العرقی او القومی"، ولم یکتفِ المشرع بالتحریم الذی بینه فی النص السابق بل انه نص على عقوبة تتلاءم مع خطورة الفعل المرتکب من خلال النص على مجموعة من العقوبات الجزائیة من بینها انه: "یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن (10) عشر سنوات کل من انشأ او نظم او ادار او انتمى او مول حزباً غیر مرخص یحمل فکرا تکفیریا او ارهابیاً او تطهیریا طائفیا او عرقیا یحرض او یروج له او یبرر له"، وهذا یدل على تنبه المشرع لأهمیة امن الفکر فی المجتمع العراقی ولا سیما الاحزاب التی تمثل شریحة غیر قلیلة من الشعب.
اما بالنسبة لقانون مکافحة الارهاب العراقی فانه اختص بتجریم الافعال الارهابیة ضمن الصور التی حددها القانون وبالتالی من غیر الممکن تجریم التطرف الفکری اذا بقی قید التصریح ما لم یترجم الى افعال ینطبق علیها احکام القانون، ولخطورة التطرف الفکری نرى ضرورة اضافة نص مادة تجرم التطرف الفکری اذ ما تم نشره بالوسائل العلنیة بغیة تحقیق جرائم ارهابیة.
الفرع الثانی: المعالجة الجنائیة للأمن الفکری فی القوانین العقابیة المقارنة.
من بین الدول التی اخذت على عاتقها حمایة الأمن الفکری من خلال تجریم التطرف تونس، فقد نص قانون مکافحة الارهاب وغسیل الاموال التونسی على انه: "یعد مرتکباً لجریمة ارهابیة کل من یرتکب فعلاً من الافعال الاتیة :...ﺛﺎﻣﻨﺎً : التکفیر أو الدعوة الیه او التحریض على الکراهیة او التباغض بین الاجناس والادیان والمذاهب او الدعوة الیهما. یعاقب بالإعدام وبخطیئة قدرها مائتا الف دینار کل من یقترف الفعل المشار الیه بالصورة الاولى او تسببت الافعال المشار الیها ببقیة الصور فی موت شخص. ویعاقب بالسجن بقیة العمر وبخطیئة قدرها مائة وخمسون الف دینار کل من یقترف الفعل المشار الیه بالصورة أو إذا تسببت الافعال المشار الیها بالصور الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة فی الحاق اضرار بدنیة من النوع المقرر بالصورة الثالثة. ویکون العقاب بالسجن مدة عشرین عاماً وبخطیئة قدرها مائة الف دینار اذا تسببت الافعال المشار الیها بالصور الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة فی الحاق اضرار بدنیة من النوع المقرر بالصورة الثانیة. ویعاقب بالسجن من عشرة اعوام الى عشرین عاما وبخطیئة من خمسین الف دینار الى مائة الف دینار کل من یقترف فعلا من الافعال المشار الیها بالصور الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة . ویعاقب بالسجن من عام الى خمسة اعوام وبخطیئة من خمسة الاف دینار الى عشرة الاف دینار کل من یقترف الفعل المشار الیه بالصورتین الثانیة او الثامنة.". اذ یلاحظ ان المشرع التونسی جرم من خلال النص اکثر من صورة للتطرف الفکری حیث إنه جرم التکفیر والدعوة الیه وجرم کذلک التحریض على الکراهیة او التباغض بین الاجناس او الادیان او المذاهب وجرم ایضاً الدعوة الى هذا التباغض او الکراهیة، وقد عاقب علیها بعقوبات رادعة تتراوح بین الاعدام والسجن لمدة عام – حسب القانون التونسی- على حسب الاثر المترتب على الفعل المجرم .
وقد احسن المشرع التونسی فی تحدید صور الافعال المتطرفة فی قانون مکافحة الارهاب لکی یکون القانون شاملاً لأغلب انعکاسات التطرف التی تعانی منها المجتمعات الاسلامیة، وبذلک ندعو المشرع العراقی ان یحذو حذو المشرع التونسی فی هذا المجال.
اما المشرع الاماراتی فانه لم یعمد الى درج النصوص الجزائیة المواجهة للتطرف فی قانون مکافحة الارهاب کما فعل المشرع التونسی بل جعل ذلک فی تشریع خاص اطلق علیه قانون مکافحة التمییز والکراهیة، حیث نص على انه: "یعاقب بالســجن المؤقت کل من اســتغل الدین فی رمی أفراد أو جماعات بالکفر باســتخدام إحدى طرق التعبیر أو باســتخدام أی من الوسائل وذلک لتحقیق مصالح خاصة أو أغراض غیر مشروعة. وتکــون العقوبــة الإعــدام إذا اقتــرن الرمی بالکفــر تحریضاً على القتل فوقعت الجریمة نتیجة لذلک". حیث ان المشرع الاماراتی جرم استغلال الدین من قبل ای شخص من خلال تکفیر جماعة بای وسیلة من وسائل التعبیر عن الرأی , وقد تصل العقوبة الى الاعدام اذ ما ادى ذلک الى قتل احد الاشخاص وهی عقوبة منطقیة تنسجم مع فداحة الفعل المرتکب.
الا اننا نرى ان المشرع الاماراتی قد اخفق فی معالجة حمایة الأمن الفکری من التطرف عموما والتکفیر ــ بوصفه أحد صور التطرف ــ خصوصا فی عدة جوانب هی :
1- اشتراط ان یکون التکفیر استغلالاً للدین مما یفترض ان یکون المحرض احد رجال الدین او العاملین فی هذا المجال، علما ان التکفیر قد یقع بصور مختلفة ومن اشخاص بعیدین کل البعد عن الدین فی بعض الاحوال.
2- اشتراط ان یکون التکفیر لتحقیق مصلحة خاصة او تحقیق اغراض غیر مشروعة، وهنا نتساءل عن مدى جدوى النص ان کان التکفیر قد صدر لمصلحة عامة او لتحقیق غرض مشروع لکن بطریقة غیر مشروعة. فالحمایة الجنائیة لا تتحقق بوجود ثغرات قانونیة یبرر فیها الجانی فعله الاجرامی للإفلات من العقاب وخاصة فی الجرائم الخطرة على المجتمع.
ومع ذلک ندعو المشرع العراقی الى ان یأخذ بما نظمه المشرع الاماراتی بعد تعدیل النص على وفق ما یتلاءم مع طبیعة المجتمع العراقی من خلال اضافة نص الى قانون العقوبات یتبنى النص على الاتی: "یعاقب بالســجن المؤقت کل من رمى أفرادا أو جماعات بالکفر باســتخدام إحدى طرق التعبیر العلنیة. وتکــون العقوبــة الإعــدام إذا اقتــرن الرمی بالکفــر تحریضاً على القتل فوقعت الجریمة نتیجة لذلک".
وفی الواقع فان غالبیة القوانین العقابیة تجرم الافعال التی تمس الادیان ضمن نصوص ازدراء الادیان باعتبار ذلک من ابرز صور الاخلال بالأمن الفکری، ومن تلک الدول الهند وایسلندا والیونان وجنوب افریقیا واسبانیا وسویسرا. فضلاً عن القوانین العقابیة العربیة التی اخذت على عاتقها تجریم المساس بالأدیان السماویة ومنها الدین الاسلامی الحنیف.
وفیما یتعلق بتجریم السکن العشوائی فی قانون العقوبات، نجد ان قانون العقوبات لم یجرِّم ظاهرة السکن العشوائی بوصفه ظاهرة تؤثر على امن الدولة، الا ان هذا لا یعنی ان قانون العقوبات جاء خالیا من حمایة الاراضی من التعدی علیها، اذ نصت المادة (481) من قانون العقوبات على انه: "یعاقب بالحبس مدة لا تزید على سنتین وبغرامة لا تزید على مائتی دینار او بإحدى هاتین العقوبتین من ردم خندقا او سورا او خرب سیاجا متخذا من اشجار خضراء او یابسة او من مادة اخرى. او نقل او ازال ایة علامة اخرى معدة لضبط المساحات او لتعیین الحدود او للفصل بین الاملاک. وتکون العقوبة الحبس اذا ارتکبت الجریمة باستعمال العنف على الاشخاص او بقصد اغتصاب ارض مملوکة للغیر او کانت العلامات موضوعة من قبل دائرة رسمیة او شبه رسمیة"، فنص المادة الاخیر کان یتضمن ای اعتداء على اراضی مملوکة للغیر وعموم النص یشیر الى ان النص یشمل الاراضی المملوکة للدولة او للأشخاص اذ ما تم استغلالها ببناء مساکن عشوائیة تخل بالتخطیط العمرانی الذی تتخذه الادارة الخاصة بذلک، هذا فضلا عن القرارات الاداریة التی تتخذ من الجهات الاداریة المعنیة التی تتضمن جزاءات منها ما هو مادی ومنها غیر مادی کتنفیذ قسری على الاشخاص والممتلکات؛ لکون تلک المساکن لها اثارها المباشرة على امن الدولة بشکل عام والأمن الفکری بشکل خاص.
الخاتمـة
من خلال دراستنا لموضوع الأمن الفکری فی التشریع الجنائی توصلنا الى مجموعة من النتائج والمقترحات والتی من الممکن ایجاز اهما بالاتی:
اولاً: النتائج.
1- ان فکرة الأمن الفکری فکرة حدیثة التداول قدیمة الوجود، ذلک ان اهتمام الباحثین لم یکن یتداول هذا المصطلح رغم ان رصانة ای مجتمع لا تخلو من ضرورة تأمینه، غیر ان الاهتمام ازداد فی الحقبة الزمنیة الاخیرة لسهولة التحاور ونقل المعلومة عبر وسائل التواصل من بلد الى اخر، وخطورة ذلک على تهدید امن المجتمع اذ ما استغل فی حرف الافکار لتسلیط ابناء المجتمع بعضهم على بعض.
2- اهتم الدستور العراقی بأسس الأمن الفکری من خلال تحریم کل ما یؤثر فی استقراره، وهذا نابع من حرص المشرع على رصانة وتماسک المجتمع العراقی.
3- لم یتناول المشرع فی قانون العقوبات مصطلح الأمن الفکری بصورة مباشرة على الرغم من انه خص الجرائم الماسة بأمن الدولة فی نصوص مستقلة، وکذلک الامر بالنسبة للنصوص الجزائیة الخاصة، الا انه ومع ذلک من الممکن ان نستخلص تبنی المشرع ذلک فی النصوص الجزائیة المشرعة فی الوقت الحدیث؛ ذلک انها جاءت الى حد ما ملبیة لحاجة المجتمع فی ضمان امنه الفکری.
4- ذهبت بعض التشریعات الجزائیة العربیة الى تشریع قوانین خاصة تهدف الى منع التطرف فی الفکر ومنع خطاب الکراهیة کضمانة لحمایة امن مجتمعها الفکری، کما هو الحال فی التشریع الاماراتی والتونسی.
5- لم ینظم المشرع العراقی تجریم المساکن العشوائیة بوصفها احد الاسباب المؤدیة الى الاخلال بالأمن.
ثانیاً: المقترحات.
1- بما ان الافعال التی تهدد الأمن الفکری برزت فی الآونة الاخیرة اکثر من الحقب الزمنیة السابقة، ولقدم نصوص قانون العقوبات، نرى انه من الضروری ان یتم اضافة نصوص قانونیة جزائیة صریحة تجرم الافعال التی تمس امن المجتمع الفکری.
2- ضرورة الاهتمام بالأسرة والمؤسسات التربویة لکونها المؤثر الاول فی الفرد منذ نعومة أظفاره، لغرض الوصول الى بناء جیل محصن ضد مخاطر الفکر المنحرف.
3- ضرورة ضبط وتقنین وسائل الاعلام ومراقبتها من جهات متخصصة فی حمایة امن المجتمع الفکری، من خلال سن قانون الجرائم المعلوماتیة الذی اصبح من متطلبات عصرنا الحالی.
4- الترکیز على دور مؤسسات المجتمع المدنی وتفعیل دورها الایجابی فی حمایة امن المجتمع الفکری، من خلال النشاطات الاجتماعیة الهادفة.
5- الاهتمام بالخطاب الدینی من خلال رجال الدین ودور العبادة، وتفعیل تجریم الخطب المحرضة على الفتنة والعنصریة والطائفیة والکراهیة بین فئات المجتمع الواحد.
6- نقترح على المشرع ان یعدل نص المادة (81) من قانون العقوبات وتجریم بناء المساکن التی تتم خلافا للتخطیط العمرانی للمدن؛ لکونه یؤثر ابتداءً على جمالیة المدن فضلا عن آثاره الماسة بالأمن ومنها الأمن الفکری.
The Author declare That there is no conflict of interest