| كثيرة هي الإشكالات التي أفرزتها علينا الحضارة الغربية , فبقدر ما أضافت لحياتنا من تقدم وازدهار بكافة مجالات الحياة سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي , أو العلمي بكافة أقسامه من طب وصيدلة وهندسة وتكنيك وصناعة عامة , فقد تركت بالمقابل سلبيات وآثار سيئة على مجتمعاتنا لما لها من الوقع في نفوس الأمم , حيث اندفع البعض من الناس إلى رغبتهم في البقاء إلى ما كانت عليه الحياة سابقاً ليعيشوا في كنفها وهم يشعرون بالسعادة والارتياح ونفوسهم مطمئنة بين طيب السرائر وبساطة العيش , مبتعدين عن التعقيد الذي اصبح من افرازات الحاضر المتميز .ومع تطور الحياة وتقدمها يتطور معها التغير في النفوس , وذلك بسبب التحول المفاجئ في برامج الحياة العامة وإحلال الجديد الذي لا ينظر إلى الماضي سوى سراب لا يمت إلى الواقع بشيء ,فالعالم الذي يعيش اليوم عصراً جديداً يختلف تمام الاختلاف عن العصور السابقة التي عاشها أسلافنا (رحمهم الله ) فعصرنا هو عصر المؤسسات الضخمة وعصر الأنظمة والبرامجيات , كما انه عصر العلم والمعرفة والحضارة والمعلومات إضافة إلى انه عصر السعة والسرعة في كل مرافق الحياة والميادين المختلفة الأخرى .وهذا لا يعني ان الأديان والمعتقدات قد دعت إلى التقوقع وأمرت معتنقيها بالتخلي عن التطور في الحياة , بل بالعكس فقد دعت الأديان وباستمرار إلى الكشف عن الطاقات التي تؤدي بالمجتمعات إلى الوصول إلى شاطئ السلامة وكسب ما هو أوفر في كافة مجالات الحياة.ولو اخذنا الإسلام أنموذجاً لبقية الأديان السالفة , وهو أحق بهذا الاتخاذ قطعاً, باعتباره خاتم الأديان السماوية وبه وصل الناس إلى القمم , ولو كان غيره أكثر منه فائدة إلى الأمم لجادت به السماء على الإنسان واوصلته إليه لأنها أرادت له التكريم بدليل قوله تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ] ( ) .ان القرآن الكريم أراد للأمة ان تكون سباقةً في ميادين العمل فقال جل وعلا[فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ] ( )فقدَّم الله سبحانه وتعالى السعي وهو (العمل) على الأكل الذي لا يكون الا بعد الجهد ثم النشور والتمكن في الأرض . ثم دعا إلى ان يكون المجتمع ضمن قاعدة عريضة من السعة وان يتجاوز بيئته ومساحته وان لا يتقوقع بزوايا محصورة من العالم الرحب الذي خلقه الله لعباده والخروج عن عالم العزلة والانفرادية بقوله جلت قدرته [وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ( ) .كما دعا القرآن الكريم الى التكافل الاجتماعي والتبشير بالتعاون ودحض اباطيل العصبية والنداءات العرقية وهذا من الثوابت التي اكدت عليها الشريعة حيث الإنسان اما ان يكن لك اخ في الدين او نظير لك في الخلق كما أكد على ذلك العهد الذي عهده أمير المؤمنين (ع) إلى مالك الأشتر (رض).ومن هنا يظهر ان مبدأ التمايزأمر يرفضه الإسلام ودعا إلى فتح الحدود امام الإنسان فلا رفاهية في قوقعة الإنسان ضمن حدود مرسومة , فعادت الأرض كلها ملكاً لعباد الرحمن وهو الذي استخلفهم فيها( ) . حيث قال سبحانه [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ] ( ) . كما عمم ملكيتها إلى جميع العباد بعد ان استخلفهم فيها فقال جل وعلا [وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ] ( ) .اما الطروحات الجديدة الداعية إلى خصخصة الثقافات وانحسار الحقوق على طائفة دون أخرى فهذا أمر قد نهى عنه الإسلام , لأنه لا يؤدي إلا إلى عودة نظام طبقات الأسياد والعبيد, تلك الظاهرة التي حاربها الإسلام قبل اربعة عشر قرناً من الزمن والتي كانت نمطاً من انماط الجاهلية التي طُوي ملفها والى يوم الدين .انا لسنا مع السياسات التي تقول بـ(عولمة) الفكر والثقافة أو التكنولوجيا , ان الأرض وما بها ملك لكل العباد فلا فرق بين اسود وابيض , وبين شمالي وجنوبي وبين عربي واجنبي , وبين قوي وضعيف .... اننا لسنا مع سياسة الغاب ... ولسنا مع العنجهية ... ولسنا مع نظرية (من لايحمل السلاح عليه ان يموت) اننا مع (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ( ) (اتقاكم) وليس (أقواكم) !!! انه القران الكريم .وقد جاء بحثنا هذا وفق ثلاثة محاور سيتناول الاول منها : ماهية (العولمة) وتعريفاتها والتعريف المختار برأينا, اما المحور الثاني فسيكون مختصاً بايضاح اسباب اهتمام المعسكر الغربي وخصوصاً امريكا بمسألة مفهوم (العولمة) .اما المحور الثالث فخصصناه في (سبل افشال مفهوم ــ العولمة ــ وطرق مواجهتها من قبل الشعوب المتضررة بسببها) ولقد لخصنا هذه السبل بطروحات عشر نقترحها للوقوف بوجه تيار العولمة .[رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] ( ) |