| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
التحيز الثقافي نحو سرد النهايات في رواية حكاية العربي الأخير لواسيني الأعرج
|
|
|
|
رغد محمد جمال و بيداء حازم سعدون
|
|
|
|
قسم اللغة العربية / كلية التربية للعلوم الانسانية / جامعة الموصل
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 8 July 2024
Revised: 13 August 2024
Accepted: 25 March 2024
|
|
ينطلقُ الروائي في معالجتهِ الفنية وتحديداً في مدونته السردية (حكاية العربي الأخير) من فكرةٍ كونيةٍ/ عالميةٍ، بالارتكازِ على المقولاتِ الفكريةِ والفلسفيةِ حول مفهومِ النهاياتِ، كنهايةِ الإنسانِ، الإنسانِ الأخير، نهايةِ التاريخ، نهايةِ المثقف، نهايةِ السياسةِ، موتِ الإله... إلخ مستبدلاً كلمة البداية بكلمة (النهاية) للدلالة النسقية على النزعة التشاؤمية المحيطة المتمثلة بـ عدم جدوى الحضارة العربية التي باتت تقفُ على حافة الانهيار بتخلي الإنسان عن مفاهيمه التاريخية وحاضنته الثقافية ربط وجوده بالعمل الدنيوي، والبدء بتبشير واقع جديد يمثله الحضارة الغربية بنموذجه الاميركي الليبرالي الديمقراطي التي شاركت الرواية في استشرافه وتخليقه وبلورته في إطار النفس الكاتب الاستشراقي الذي بات يُراهن على مستقبل الحضارة الغربية وتجاوز حد التلميح إلى التصريح فجعل زمن الحكي المفترض في عام (2084). كما يعد "نسق النهايات" من دائرة الدلالية المفتوحة الكاشفة عن عمق تجربة الكاتب الثقافية وخلاص المستقبل للأبد _ موفق في رؤية سوداوية متشائمة _ ليعلن بكل صراحة عن الحضارة العربية "العقلانية الصلبة" وموت الإنسان بعد بمرجعياته الحضارية والانتقال إلى قاعة المادية الكمونية لكن المرجعية الوحيدة المطلقة المكتفية بذاتها. لقد جاء السرد ليبشر الحديث بظهور وذوبانه وحلوله في النظام العالمي الجديد، والنظام المادي/ الطبيعي هو المركز الذي يدور حوله الوجود ويرى فيه بشائر الخير ودون ان يحثث عن بريق الأمل وبصيص النجاة من هذا الواقع المتصحر المنهار بالعقم واللامبالاة الذي بات يستمتع به الإنسان الى الحسرة وهو يتنهد زفرة نهائية الخانقة حزنا على حقيقة الموبوء لأنه يعي ان ساعة الخلاص بعيدٌ وما من بشائر لفجرٍ جديدٍ مشرق أو نصرٍ قريب من البعد على المدى.
الكلمات المفتاحية: نسق النهايات ، الحضارة الغربية، الإنسان الحديث، المادية الصلبة، واسيني الاعرج، الخطاب الروائي.
|
|
Keywords:
ending system
Western civilization
modern man
solid rationalism
the lame Asini
novelist discourse
|
|
Corresponding Author
Raghad Mohammed Jamal
[email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i1.ar7 , ©Authors, 2024, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
Cultural bias towards narrating endings in Wassini Al-Araj's novel The Tale of the Last Arab
R M Jamal and B H Sadoon
Department of Arabic Language, College of Education for Humanities, University of Mosul, Iraq
Abstract
In his artistic treatment, specifically in his narrative blog (The Story of the Last Arab), the novelist starts from a cosmic/universal idea, based on intellectual and philosophical statements about the concept of a system of endings, such as the end of man, the last man, the end of history, the end of the intellectual, the end of politics, the death of God... Etc., replacing the word “beginning” with the word “the end” to systematically indicate the surrounding pessimistic tendency represented by the futility of Arab civilization, which is now standing on the brink of collapse with man abandoning his historical concepts and his cultural incubator, linking his existence to worldly work, and beginning to preach a new reality represented by Western civilization with its American liberal democratic model that The novel participated in anticipating, creating, and crystallizing it within the psyche of the Orientalist writer who began to bet on the future of Western civilization and went beyond hinting at making a statement, setting the supposed time of the story in the year (2084). The “form of endings” is also one of the open semantic circles that reveal the depth of the writer’s cultural experience and the summary of his future vision of life - according to a dark, pessimistic vision - to announce in all frankness the end of the “solid rationalism” Arab civilization and the death of man linked to his cultural references and the transition to the space of fluid, latent rationality as the latent reference. The absolute, self-sufficient person. The narrative came to herald the emergence of modern man and his dissolution and solution in the new world order, and the material/natural system becomes the center around which existence revolves and in which he sees signs of goodness and hopes without talking about the glimmer of hope and the glimmer of salvation from this desertified reality collapsed with sterility and indifference, which is fading with the return to Heartbreak as he sighs the suffocating sigh of the end, mourning his afflicted reality because he is aware that the hour of salvation is far away and there are no signs of a bright new dawn or an imminent victory for man in the foreseeable future.
المقدمة:
ينطلقُ الروائي (واسيني الأعرج) في معالجتهِ الفنية، وتحديداً في مدونته السردية (حكاية العربي الأخير) من فكرةٍ كونيةٍ/عالميةٍ، بالارتكازِ على المقولاتِ الفكريةِ والفلسفيةِ حول مفهومِ النهاياتِ، كنهايةِ الإنسانِ، والإنسان الأخير، ونهايةِ التاريخ، ونهايةِ المثقف، ونهايةِ السياسةِ، وموتِ الإله... إلخ، مستبدلاً بكلمة البداية كلمة (النهاية)؛ للدلالة النسقية على النزعة التشاؤمية المحيطة المتمثلة بـ عدم جدوى الحضارة العربية التي باتت تقفُ على حافة الانهيار بتخلي الإنسان عن مفاهيمه التاريخية وحاضنته الثقافية وربط وجوده بالعمل الدنيوي، والبدء بتبشير واقع جديد تمثله الحضارة الغربية بنموذجه الأميركي الليبرالي الديمقراطي الذي شاركت الرواية في استشرافه وتخليقه وبلورته في إطار نفس الكاتب الاستشرافي الذي بات يُراهن على مستقبل الحضارة الغربية، بتجاوز حدِّ التلميح إلى التصريح، إذ جعل زمن الحكي المفترض في عام (2084).
لقد جاءت مقولةُ (النهاية) بالمعنى المجازي؛ للدلالة على انتهاء مرحلة معينة من التصورات الدوغمائية، والبدء بمرحلة جديدة، فالنهايةُ لا تعني (الموت)، بل تعني ولادة جديدة للإنسان الحديث المعولم، فيُسجل علامة ثقافية على تراجع الإنسان العربي المرتهن بسلطة التاريخ أمام سلطة المعلومة والتقدم التكنلوجي، لذا فإنّ المقولات حول النهايات "لا تقرأ بصورة حرفية وساذجة بوصفها قَطيعات حاسمة وفاصلة بين أطوار من الوجود والعدم؛ إذ الحاضر هو في النهاية ما قاد إليه الماضي تماماً، كما أنَّ المستقبل هو ما يمكن أن يقود إليه الحاضر، ولذا نحن إزاء عبارات تأويلها أنَّ العالم الموجود نفسه لم يعد كما كان عليه [...]، فالطفرات والانفجارات في الأفكار والمفاهيم قد تضافرت مع الانفجارات التقنية والتحولات الحضارية؛ لكي تشوّه خارطة العلاقات بالأشياء، مفسحة المجال لولادة نمط جديد للوجود والتعايش بين البشر") 1 )، يعيد الروائي إنتاج واقع ثقافي بديل بالتزامن مع التحولات المعرفية والثقافية التي يشهدها العالم، ممّا يستدعي نشوء مؤسسات جديدة تتجاوز ما هو سائد ومألوف، وسط لعبة منفتحة على اللامتناهي، تساعد الإنسان على التحرر من ماضيه ومسبقاته، والتكيف مع الوضع الراهن الذي بات يتجاوز ذاته، فإنَّ هذا الشكل الجديد، قد أنتج مفهوم (الإنسان الأخير) القادر على خلخلة المفاهيم والحقائق الكلية الثابتة، والموضوعية المتجانسة المهيمنة المثالية والقديمة ذات الجذر الديني أو ذات المنشأ العلماني واللاهوتي والناسوتي متجاوزة مقولة الإنسان الأعلى لدى نيتشه، وتحويلها إلى قيم أرضية معاشة (2)، فيُعيد الروائي تغليف المنظور الثقافي والفلسفي بالمنظور السردي الذي يقوم على التعدد والاختلاف، فجاء ذلك بالتزامن مع ظهور خطابات البُعديات المرتكزة على مبادئ التفكيك، والغموض، والغرابة، واللاانسجام مع تحطيم الحدود الأجناسية، للخطابات، والتشتتات.. إلخ.
لقد أظهر الروائي ولعاً خاصاً بفكرة (الموت) بمعناه المجازي؛ للدلالة على موت الإنسان العربي، وموت التاريخ، وهو يعيد تمثيل هذه المقولات مع إعادة بنائها داخل الخطاب السردي من منظور رؤية ثقافية تنبؤية استشراقية لمصير الإنسان العربي الأخير الذي ينتهي إلى العدمية والانقراض في سنة (2084)، فيعيد تشكيل صورة مغايرة ومأساوية للواقع العربي، تصدم القارئ وتتجاوز أُفق توقعه، وتستفزه، بالاعتماد على آليات الانتقاء، والتصوير، والتركيب.
يقول (لتيل بروز): "العَرَبيُّ الجَيّدُ والوَحِيدُ هُوَ العَربِيُّ المَيّتُ!" (3). لقد أصبح الشعور بالنهاية هو الهاجس المهيمن في الخطاب الروائي على طول الخط السردي وصولاً إلى النهاية، فاستثمر الروائي بشكل واضح طروحات (فوكو ياما) حول نهاية التاريخ، في إعادة تمثيله وتشكيل دلالاته داخل الخطاب مع اسقاطه على نسق الواقع العربي مقابل تدعيم نسق النموذج الأمريكي الليبرالي والديمقراطي، إذ تمّ تمثيله على أنّهُ نسق متعالٍ مُتعجرف ومتزمت، يؤمن بالاتجاه المادي، والعمل التجريبي، وبالتقدم العلمي التكنولوجي، وقد أصبحت (أمريكا) هي التي تمثل نهاية التاريخ، وكمال الإنسانية، وإن كلّ جهود (فرانسيس فوكويام(Fukuyama,1996) (4)تركز على هذه النقطة، وهنا يظهر الفخ الأيديولوجي الذي ينصبه (فوكو ياما) لقرائه إذ إنّهُ لا يلجأ إلى تبرير وتفسير عملية حدوث هذه النقلة، ولا يتطرق لمعنى التاريخ، وكيفية تحركه وصولاً إلى النهاية، فيستشهد بآراء (افلاطون، وهيغل، وكوجيف)، كشهادة على ما يريد الكاتب اثباته، كما أنّهُ يعمد إلى اقصاء شعور العالم داخل سجن محكم اسمه التاريخ، فالشعوب الضعيفة سيكون مصيرها إلى مكب التاريخ، وعلى هذا الأساس ستكون معظم البشرية قابعة في مرحلة ما قبل التاريخ، أمّا ما بعده فهو يخص مستقبل الإنسان الحديث الذي حقق التعايش مع الواقع الجديد، فالفوز بالتاريخ على حدِّ رأيه هو من نصيب الاعترافيين الذين استطاعوا أن يفرضوا قانونهم على العاجزين، وهم الأكثرية (4(، (د. ت)13، 14)، وقد شكلت(سرديات النهايات) المناخ الثقافي والتفكير الفلسفي الذي هيمن على الفكر الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين، رأى (Derrida, 2006)(4) أن : "الموضوعات الآخروية لـــنهاية التاريخ، ونهاية الماركسية، ونهاية الفلسفة، ونهايات الإنسان، والإنسان الأخير، إلى آخره، كانت في سنوات 1950، أي منذ 40 سنة، تشكل خبزنا اليومي، وخبز القيامة هذا، كان في فمنا بشكل طبيعي من قبل، بشكل طبيعي إلى درجة أني كنيته بعد فوات الأوان، في عام 1980، (نبر القيامة في الفلسفة)" (4) ، ويطلق (جاك دريدا) على كُتاب هذه الظاهرة بـــ" كلاسيكيي النهاية، ولقد كان هؤلاء يشكلون قانون القيامة الحديث" (4).
يربطُ الكاتبُ (واسيني الأعرج) مقولةَ (النهاية) بالتقدم الاقتصادي والسياسي المتمثل في النموذج الأمريكي، ممّا يبشر بظهور شكلٍ جديدٍ قائم على عولمة الأنا الغربية يتيح للإنسان العادي الانتقال إلى مرحلة ما بعد الإنسان، بعد فك اشتباك تصوراته بالمحن والمجازر الحربية، بما ينسجم مع مقصدية الكاتب (واسيني)، ورؤيته وموقفه، وهو يعكس وعيه الذاتي بالوجود الإنساني وبالقضايا التي تشغل تفكيره وما يتلاءم مع حاجات عصره الراهنة وأسئلته الملحة، فحرص على أن يبرز موضوع (النهاية) الذي هو جوهر الرواية، ومادةُ فعل الوعي وأداؤه؛ للدلالة على اتساع وعيه بآليات اشتغال عمله، فيُعيد تشكيله في خطابه وفق جدلية المتن والتشكيل، لإثبات الوعي بالذات، "وإذا كان شعار الإنسان الإنسانوي هو (كن ذاتك) فإنّ شعار ما بعد الإنسان هو: لا تكن ذاتك، ولا غيرك، أو حتى لا تكن كغيرك، بل (تغير عمّا أنت عليه)، لكي تحسن ادارة العلاقة بينك وبين سواك، على سبيل الخلق والإبداع، بلغة الحوار والمفاوضة والتسوية، أو بعقلية المشاركة الفعالة والمسؤولية المتبادلة..." (1)
لقد امتلك الكاتب (واسيني الأعرج) حريته الفكرية، واتضح نتائجه على مستوى المعالجة الفنية التي اتسمت بالحساسية السردية في اختراقه للأرشيف الممتنع التفكير فيه (السلاح النووي)، والشروع بإمكانية تطوير قنبلة الجيب التي تمثل فكرًا محرمًا يمتنع الحوار فيه باستثناء الفرد الغربي؛ لتغذية نرجسيته المتعالية كي يؤمن بتحقيق القوة والتفرد، فجاء الخطاب يمثل هذه اللحظة السرمدية- على المستوى الحاضر- بتمثيل موت الحضارة العربية على الصعيدين المادي والمعنوي مع إعادة تمثيلها بطريقةٍ فنيةٍ محققاً الصدق الفني، فليس العمل الفني- أولاً وأخيراً- إلّا حصيلة التفاعل بين المادة التاريخية، وطموحات المبدع الثقافي، الذي يقرأ الوضع الراهن ويعارضه برؤية متناقضة تحمل روح التمرد، وهو يطرحُ الأسئلة، ويستشرف المستقبل حاملاً الأثر السلبي؛ لإنتاج هويّة مولدة ومحوّلة لطبيعة الواقع الثقافي، ومن ثمّ تتحول تلك الفكرة إلى حضارة أبدية ليبدأ جيل جديد من اللحظة اللانهائية، فيهيمن عليه النموذج الغربي (أميروبا)، فيرضخ تحت وصاية الأخ الأصغر (ليتل بروز) الذي ينتهي إلى سلالة الأخ الأكبر (بيغ برذر)، فتتحول اللحظة الراهنة إلى نقطة مفصلية داخل الحدث السردي نقطة تصور النهاية الافتراضية إلى لحظة بداية جديدة عبر المتخيل السردي، فتمكن الروائي من إعادة قراءة المسار الثقافي بعد انتزاع الفكر من أسر المطلق بموجب تلك المعادلة الثقافية (شرق/ غرب)، كونها رواية غير واقعية بالمعنى الحرفي الذي يحيل إليه السرد إذ تمثل صدى لثقافة الكاتب (واسيني) وفق رؤية مبأرة على الجانب الواعي للتجربة الإبداعية المنفتحة على الأنا المتعددة، حتى يبقى الخطاب مشدوداً إلى المفارقة الأليمة لحالة بؤس الواقع العربي، وهذه مشاهدُ تراجيدية منشورة على طول الرواية أمام القارئ، تطفو على السطح فتنطوي على قيمة أخلاقية ليتنبه المتلقي إلى ذلك الخلل الثقافي، فيعمل على تغييره، بهدف إعادة الذات إلى منطقة الوعي، وصوب العقل والرشد، يقول (آدم):
"كيف أنَّ سكّان آرابيا أصبحوا داخل تيه شديد القسوة. خسروا كلّ شيء، حتى النظام الأدنى الذي كوّنوه على مدى قرون. ينقرضون بهدوء وسكينة. لم يعودوا سادة مصائرهم. كلّ شيء يتمزق حول السدّ وفي الخلاء. التقينا مع ناس طيبين وعاليي الثقافة والوعد الكثير منهم كانوا مهندسين ومفكّرين وجامعيين، أصبحوا اليوم هائمين في الصحاري. تفكَّك آرابيا دمَّر كلّ التوازن المجتمعيّ في المنطقة. كلّ واحدٍ يصنع وضعه كما يستطيع..." (2).
جاء السرد ليعكس التحولات الحضارية والأحداث العظيمة داخل المنظومة العربية المتمثلة في النموذج الآرابي، بعد أن فقدت تلك الأمكنة شروط استمراريتها، وتقدمها وبعد نفاذ مواردها الاقتصادية، وتدمير بنيتها التحتية، وانعكاس الفساد على جميع الأنظمة المؤسساتية بجميع أشكالها الثقافية إلى جانب جشع حكامها، ففشلت في تقديم أسباب نهضتها، وبدأت مرحلةُ صراعِ الأنا مع الآخر داخل الهوية نفسِها بدلاً من الصراع العربي- الصليبي، فباتت تقف على حافة الانهيار، وتعاني من التدمير السلبي والفوضى والعبث في تفاعلها مع مصيرها وصيرورتها، فالخطاب الروائي جاء معلناً عن نهاية مرحلة معينة من التصورات الذهنية عن الخط التطوري لمسار التاريخ العربي بأبعاده كافة التي شهدها الإنسان، وشيّدها على المستوى الكوني في الأزمان البعيدة، وصولاً إلى حقبة زمنية بدأت تتمزق وتتفتت إلى دويلات صغيرة تتقاتل وتتصارع، إذ لم تكن الخبرات الثقافية والمعرفية المتراكمة كافية لتحقيق التقدم وضمان الاستقرار والأمن والسلام في ظل التقدم العلمي المطرد، ولم يعد الدين مجرد رادع يتحصن به العربي من شطط الآخر وسلطته الدكتاتورية، فعمد الروائي إلى إعادة إنتاج هذه الصورة الثقافية المنغرسة داخل المتخيل السردي، في قوله: "في أرابيا، أيضاً، حروب طاحنة مزقتها وقتلتها، بدأت بتمزُّق محدود، إثني، أو قبلي، أو عرقي، أو لغوي، قبل أن يتحول إلى حرب عبثية بلا نهاية. داخل هيكل آرابيا. هناك أرابيات، شيعة وسُنّة، دروز وأرمن، وأكراد وأمازيغ، لم يُعترف لهم بأيّ حقّ، الباقي يقفون على أرض هشّة" ((2.
يشير السرد هنا إلى تمزق الهوية العربية وتفككها وتشظيها إلى أثنيات؛ لمعرفة الشذوذ الذي تمارسه الذوات في تدمير ذاتها بذاتها بعد ازاحة الوعي الإنساني عن القيم، فما كان سائداً يتجه الآن نحو التشتت والتمزق، إذ لم يعد يصلح لفهم العالم ولا لإدارته أو تغييره؛ لأن ما يجري من أحداث تجاوزت حدود المنطق إلى وضع آخر ملغّز ومحيّر فأنتجت نوعًا من الوعي المثبط بالواقع غير القار والمتناقض بقدر ما يُزعزع مرجعيات المعنى للتنبيه إلى اللامقول في النص أي إلى صعوبة الوصول إلى معنى ثابت في ظل الأحداث المستجدية المستعصية على الفهم والتفسير والتأويل، كما هو مطروح في سرد الرواية.
إذ تَطرحُ شخصيةُ (آدم) عبر السرد نقداً نحو الداخل؛ لتصوير الحالة المأساوية والبؤس الذي وصل إليه الإنسان العربي في بعده الأنطولوجي وفق ما تطرحه الرؤية السرديّة، بقوله: "تبدو الوجوه من بعيد محروقة ومقشَّرة ومنهكة، وقامات الناس منحنية إلى الأمام من شدَّة التعب، بقايا الألبسة تحوَّلت إلى خرق بالية، تكشف جزءاً كبيراً من أجسادهم التي تحوَّلت بدورها إلى ظلال وهياكل عظيَّمة تقاوم الرياح بصعوبة عندما ترفع بقايا مِزَقهم عالياً..." (2). يرسمُ السردُ عبر هذا الخطاب صورةً قبيحهً ومقيتةً عن المجتمعِ الآرابي في ظلِ هدم المرجعيةِ المعياريةِ؛ للدلالة النسقية على الانكسار القيمي والحضاري في بنية الوعي المجتمعي للإنسان العربي إذ ظل البطش والدمار والتهجير القسري يعكس حالة التشرذم التي يعيشها الإنسان بعد أن فقد وجوده بأبعاده الثقافية والروحية؛ بسبب تخاذله وانشغاله عن أداء مهامه تجاه واقعه القابع في المحرمات والتابوهات، وهي صورة تلح في السرد يقول فيها (ليتل بروز) لـ (ﺍﻴﭭﺍ) أحد أعضاء (رابطة ليدرافيك): "انظري بشر آرابيا، يوم كان النفط يتدفَّق عند بيوتهم ويشترون ما يشاؤون من أوروبا، كانوا يستعبدون كلّ الناس ويحتقرونهم ماذا بقي لهم اليوم سوى التيه والموت البطيء!" (2).
يُشير السرد إلى التحولات التي تشهدها المجتمعات، فيعود بنا إلى النظرية الدارونية؛ كون المجتمعات تنمو وتتطور وتموت كالكائن الحي، فجاء السرد ليعلن عن نهاية الحضارة العربية بعد أن احتلت ردحًا من الزمن مركزاً مرموقاً، ثمّ حان الوقت لتبدأ دورة حياة النموذج الغربي بالتحول من موقع المهمش إلى مركز فاعل لحظة الوصول إلى قمة تطوره الإبداعي، ممّا وطن فكرة الانتماء، بين ماضٍ مازال متعلقًا به، وحاضرٍ فقد وهجه وشروط استمراريته ومستقبله وما يجيش في أُفقه؛ لأنَّ الأنا الغربية تؤمن بأنّ التاريخ لا يسير في حركة خطية، بل في إطار حركة دائرية بموجبه تعد كلّ الأنظمة غيرَ متكاملةٍ، فتدفع الفرد إلى الأمل في تغيير النظام وإعلان نهايته، يقول (ليتل بروز) للدكتور (ملارمي): "لو كان عليَّ لالتجأت إلى الحلول الرديكاليَّة لكنَّ الأَمر يتجاوزني، لأوَّل مرَّة، أشعر بالشلل أمام شخص يُفترض أنّهُ عدوٌّ ويجب أن يُقاوم بكلّ الوسائل. كنت أنوي أن أُخلّصه من ذاكرة شقية، ليصبح منسجماً مع حاضر يتغيرّ بسرعة. مع أنّهُ العيّنة الآرابية الأكثر ذكاءً التي كبرت بين حيطان جامعاتنا، البقية اليوم في آرابيا يِتقاتلون على الماء والكلأ وبقايا النخيل المحروق، لسبب تافه يسحبون السيوف والسكاكين بعضهم على بعض، ويحرقون الدبابات المتبقّية من الزمن الماضي من حروبهم ويمحون آثارهم منتصرين أو كانوا منهزمين. آدم المسكين لا يعرف أنّ عصراً انتهى. وحلَّ زمنٌ آخر" (2).
يعقد الروائي الصراع بين نسقين فاعلين بشريين، المتمثل بـ النموذج (الغربي والعربي)، فيعيد طرحه داخل السرد؛ للدلالة النسقية على نهاية التاريخ- إذ لم يعد الماضي هو الممكن- والدخول في عصر جديد قائم على النظام الاقتصادي العالمي الجديد الكفيل بتحرير البشرية من مخلفات التاريخ، ممّا يولّدُ شكلاً جديدًا يطلق عليه (الإنسان الحديث أو الأخير)، المتمثل في شخصية (آدم غريب)، كما يعقد السرد التقابلات التي تتأسس على مبدأ العلاقات غير المتكافئة، اللاتعادلية، على أنَّ الشرق يمثل نسق الشر والجحيم وهي علامة على التخلف والعزلة والتراجع، وأن الشرق لا يرقى إلى رقي الغرب، فينتزع المؤلف الضمني على لسان الشخصية (ليتل بروز) عن الشرق كلّ قيم الأصالة والحضارة، فيحطّ من شأنها، ويتعالى عليها؛ ليكرس ويعيد إنتاج الصورة النمطية الاستشراقية التي وصمت الشرق بأنّهُ خاضع وتابع، وقد صوّر السرد أثر البيئة الايكولوجية في صراع الأنا مع الآخر داخل الهوية الواحدة وتفككها، وانحلالها، من هنا يعلن السرد عن نهاية لحظة الانهيار الحضاري للشرق، وكأنَّ أبواب الجحيم قد فتحت على مصراعيها، فتتحول إلى أرض بور تركت بدون عناية، ويستحضر السرد بعض العناصر السردية الدلالية كالسيوف، والسكاكين، والدبابات المحروقة، والنخيل المحروق؛ ليرسم صورة قبيحة عن الواقع، توضحها الأفعال النسقية: (يتقاتلون، يسحبون، يحرقون، يمحون)؛ للدلالة على فعل الخراب الشامل للمرجعية الثقافية والحضارية المتماسكة من أجل ترسيخ فكرة التفتت، والنزعة التدميرية مع فعل الدمار الممنهج الذي تحول إلى غريزة يمارسُ فعل التدمير والمحو، إذ فَقَدَ الآليات الديناميكية المحركة لديمومة حياته، فيستحضر الروائي المقابل للضدّ من هذه الصورة المتشائمة السلبية صورة الغرب، الذي يمثل نسق الخير والمحبة للبشرية جمعاء، وهي علامة على التقدّم والانفتاح للغرب المنقذ للحضارة العربية كما هو واضح في المسرود عندما يقول (ليتل بروز): "هناك أُمم لا تصبح مفيدة إلّا عندما تتحول إلى رماد. نحن نمنحها فرصة الخروج من رمادها والدخول في تاريخ ظلَّت على حوافِّهِ لتستمرَّ في الحياة على الأرض. شرطنا الأوحد أن تؤمن بشعارنا: الكلّ من الواحد، والواحد سيِّد الكلّ" (2 ).
لقد استطاع السرد في ضوء النقد الثقافي اظهار البعد الإنساني والحضاري المزيف للثقافة الأمريكية، إلى جانب تضخم الأنا المركزية/ الفاعلة، التي تعكس الرغبة بالتفاخر الأنوي المولعة بالقوة، وحب السيطرة في تمثيل نموذج (الإنسان الأعلى/ الخارق) السوبرمان، المنقذ للحضارة العربية الذي يمنحها صفة الاستمرارية، فتخضع تحت وصاية (ليتل بروز) على أن تسير وفق إرادة الغرب وتوجيهاته؛ لضمان بقائها، بخلاف ذلك تتحول إلى رماد، في إشارة فكرية إلى تمكّن الأنا الغربية من فرض حضورها على المستوى الكوني، مع اخضاع الثقافات الفرعية لشروط إرادتها، والتمكّن من إعادة توحيدها واستقطابها نحو المركزية الغربية، فتلجأ إلى تعميم مبادئها ومفاهيمها الكلية، فتتحول الذات عينها إلى آخر ترغب منه أن يهابها، وترى بأنّ الفرد ليس مجرد ذوات منفصلة، بل هو عضو في جماعة يشتركون في صيغة الــ(نحن)، ويرتبطون بـمُثُلٍ مشتركة (الكل لواحد والواحد للكل)؛ ليعيد إنتاج علاقة السيد (المالك للقوة والذكاء والتخطيط) بالعبد (الخاضع/ الذليل) المتأسسة داخل السرد.
ويستمر السرد في رسم صورة للعلاقات الداخلية المتعارضة والمتصدعة المتأصلة على منطق الوهم والتخييل، ويلح على ابراز تلك الصورة القاتمة السوداوية لنهاية العربي الأخير عندما يقول (لتيل بروز) لمساعده (سيرجون): "أنت تعرف موقفي جيداً. وحتى شعاري الذي أخذته من غيري، لأنَّه يعبَّر عن شيءٍ حقيقيّ: العربيُّ لا يصبح جيدًا إلَّا بموته. كائن غريب متعلِّق حتى الموت بفضلات التاريخ ولا أعرف ماذا يجني من وراء ذلك. هو يقتل نفسه بنفسه بحشرها في الموت" (2).
فيلجأ السرد على لسان الشخصية (ليتل بروز) إلى نزع صفة التقديس عن المجتمعات الحضارية، والعمل على ربط دلالة الشرق بثيمة (الموت)؛ للدلالة على انحصاره في نسق دوغمائي سرمدي مغلق، مفرغ من كلّ حياة لا تغيّر ولا تَغيِّر، تمهيداً للارتقاء الغربي نحو سلم التطور الحضاري، والوصول إلى درجة من المثالية، كما أظهر السرد شخصية (ليتل روز) بذهنية متحجرة ومستفحلة بكلِّ جبروتها، وإن ظهر بشكل مختلف عمّا كان؛ للدلالة على مدى كرهه وعدائيته للآخر؛ كونه خطابًا روائيًا يؤسس للوعي الذاتي بالاختلاف الثقافي، فينعكس أثره في مسألة المركز والأطراف وفق ثنائية الحضور والغياب، ثمّ يستمر السرد في الحديث عن الخلل الذي أعطب المنظومة القيمية المتحولة والمنزاحة عن معانيها الأصلية، على أنّها قيم تقليدية مستنفذة ومفرغة من مضامينها، وصلت إلى أخدود قيمي منحوس، فلم تشكل أية ضمانةٍ لتقدم وتطور المجتمع وسط عالم يتأسس وجوده على منطق القوة؛ وذلك من أجل تحرر الإنسان الحديث من الوهم المتعلق بإمكانية اختبار مباشر للقيم، تُعين (الأنا) على التحرر من هيمنة سلطة التاريخ بالخروج عن شبكة القيم، يقول (ليتل بروز) لـ (آدم غريب):
"نحن اليوم من يصنع التاريخ الجديد [...] ما معنى اليوم ألفاظ رنانة كحقوق، عدالة، مواطن، حرية، حقل، نبل، وفاء، سخاء، حقد [...] مجرد خردة. العالم اليوم للأقوى يا عزيزي [...] من ليس معنا عدونا فقط يجب أن يُمحى انسانيون إلى اقصى الحدود، لكننا نحارب العواطف الفارغة. فهي مورطة، قوانينا في قلعة أميروبا صارمة" ( 2). يُعلن الروائي عن رغبة الشخصيات الروائية في إنتاج واقع بديل يهدف إلى تغيير قناعات المتلقي، تمهيداً لتغيير الواقع من خلال رفد مسيرته بالتطور، وهو تغيير طويل المدى، لكنّه عميق التأثير، وهذه شخصيات منتقاة بعناية؛ لتجسيد رؤية الكاتب، وتسديد نظريته الاستشرافية للواقع.
ثمّ يعرج السرد على تقديم شخصية (آدم غريب) تقديمًا ذاتيًا/ مباشرًا، بوصفه أنا فاعلةً، وعنصراً ثابتاً داخل الخطاب الروائي، وهو الناظمُ الأساس الذي يقوم عليه محورُ العملِ، إلى جانب تراجع دور الراوي العليم، مع قيام السرد على الضمير المتكلم لمواجهة سلطة الغائب، فيضع الروائي الإنسان في مواجهة الآخر، ممّا يُعظم دوره كبطل ثقافي، يؤدي دوراً وسيطاً بين ماضٍ _وما يتناسلُ في رحمهِ_ ومستقبلٍ منشودٍ، إذ تُقدم (الأنا) وصفًا لذاتها بعد أن أصبحت ميدانا لمعايير متصارعة ومتقاطعة، فينفتح السرد على التصوير الجواني للشخصية التي تتعلق بظروف نشوئه الخاصة، فيسرد همومه وقلقه ثم ينحبس وعيه بين جدران تصوراته المنغلقة على ذاته، فيضطرب بندول انطباعاته الذهنية بعد انفتاحه على شباك يقينياته حتى سلم زمام أمره وقيادة إرادته للآخر/ الغربي، يقول عنها: "أنا آدم لمن لا يعرفني. من سلالةٍ شاء لها القدر أن تتوقّف مثل بقية السلالات المنقرضة أو التي في طريقها إلى الزوال [...] أن أعيش حاضراً مجرداً من كلّ آتٍ، أو أُقتل وأُستعاد بشكلٍ آخر، هذه فكرة ممكنة لكنَّها تحتاج إلى زمن طويل وصبر كبير ومخابر عديدة"(2).
فتشرع الذات بالتخندق في الانعزال بعد تصدع هويتها الوطنية والثقافية، وتتفاعل مع صيرورة لانهاية لها بعد نهاية الحضارة العربية التي أخذت في الافول؛ فتبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من الصراعِ الثقافي من أجل الاعتراف بها، وهي رغبةٌ تنبع من التفوق على الآخرين، للحصول على مزيدٍ من التقدير الذاتي، يعيد ترتيب نفسه من جديد، فالإنسان الأخير يغادر مجتمعه، ويحصل على كلّ السبل الكفيلة الضامنة لاستمراره وحريته وبقائه؛ لأنّه جعل من شرط المحافظة على الذات بدلاً من الموت والبقاء أولى الموجبات في موطنه، فتتفاعل الأنا مع صيرورتها ومصيرها، ليبدأ (آدم) رحلته المعرفية من الشرق إلى الغرب (أي من العتمة نحو الضوء)؛ ثم لينخرط (آدم) في نشاط الفعل والحركة وسط فضاء سوداوي يزج به في معركة التطور، فيعلن عن تلاقي الذاتي بالموضوعي والكوني واتحادهما معًا، وهو ينقل إلى الغرب خبراته العلمية، وانجازاته المعرفية في إشارة فكرية إلى دور الشرق في دعم وتطوير حركة الانجاز العلمي والتقدم التكنولوجي من خلال رحلة مجازية غير معلنة بشكل صريح داخل الخطاب الروائي.
فآدم هو عالم نووي كبير تخرج في الجامعات الامريكية، ويعمل في مختبر الابحاث النووية في جامعة بنسلفانيا، تعرض لحادثة اغتيال من قبل التنظيم الارهابي المدعو بـ (الكوربو) في أثناء محاولته الذهاب إلى العاصمة (باريس) لرؤية أبيه في المستشفى _الذي كان طريح الفراش_ فتعرّض هناك لحادثة اغتيال وقد تمّ انقاذه بواسطة عناصر القوى الغربية ونقلوهُ إلى قلعة (أميروبا) الواقعة في أقاصي صحراء الربع الخالي كي يتلقى العلاج، وبعد ذلك عاد واستأنف نشاطه للعمل في أبحاثه النووية؛ لتطوير قنبلة جيب فتاكة مطورة تستهدف العدو في نقطة محددة، مع تقليص خطر الاشعاع النووي؛ تمهيداً لحصوله على جائزة (نوبل للإبداع في مجال الفيزياء).
لقد جاء المسار السردي مَعنيًا بتصويره على أنّهُ المنقذُ للعالم من جنون الآخر وبطشه وأنه الممثل فعل التحرر والخلاص النهائي، فيحتفي السرد بالنصر العلمي الذي حققه الإنسان الأخير، فيقولُ الساردُ: "لم يشعر آدم بأنَّ سنة قديمة مضت وأُخرى جديدة حلّت. لكنَّه تأكَّد من أنَّ شيئاً ما يخصّهُ، قد تغيَّر نهائياً لم يكن قادراً على ادراك إلَّا بعض تفاصيله الهاربة. انكفأ كالعادة يسجل الحدث على كومات الأوراق البيضاء التي وفرَّتها له رابطة ليدرافيك في انتظار الحصول على اللوح الذي وعدته به من الجيل الأخير الذي يشتغل بالسماع ويخطَّ ما يُملى عليه. ممّا يعني أنّهُ سيتخلص من القلم" (2).
يصور السرد هنا انتقال آدم في رحلته من العتمة إلى الضوء، أي من حيز التجارب المحدودة والارتفاع به نحو مصاف العالمية _بعد أن أصبحت حياته تتسامى على المحلية الضيقة_ فقد استدمج طوعياً (أنا- هو) كمختلفات إنسانية إلى صيغة الـــ(نحن)؛ لإنجاز مشروع ثقافي وعلمي يعيد خلق ألفته على الرغم من منغصات الحياة الدنيوية، وهو يعيش النفي والاغتراب المكاني، فتدفعه الرغبة في انجاز (الموضوع)؛ لتحقيق السيطرة والفهم على الموجودات، فتتجه حركة الوعي نحو الخارج، لإعادة التفكير في الصيرورة، وما يتضمنهُ النص من إشارة فكرية بانتهاء الحضارة العربية القائمة على الثقافة الكتابية (القلم)، والانتقال إلى عصر المعلومات اللامتناهي، فيقول: "في هذا العالم الذي يحكمه الأقوى هو من يحدد صلاحية الشيء من عدمه، ما دورنا نحن؟ ستقول لي إنَّ العالم كان دائماً هكذا يحكمه دوماً المنطق الإمبراطوري".(2).
إنّ استبدال (آدم) النموذج السلبي بالإيجابي بعد أنَّ ارتهن بالآخر الذي يسعى إلى تأسيس هويته دون أن يصطدم بالآخر (الغربي)، لا يعني التخلي المطلق عن مكونات هويته، التي تصل إلى مرحلة الذوبان والانسلاخ الكلي عن مرجعيته الثقافية من خلال استجابته للمؤثرات الغربية، فيرسم السرد اعتزازه بلغة الأُم (اللغة العربية)، ثم يعيد تمثيلها في نشاطه اليومي وأبحاثه العلمية كتمثيل ثقافي مضاد للآخر وفق حركة ارتدادية نحو الماضي (مصدر القوة)، إذ لاشك في أنْ يعود آدم فيكسر النمط الغربي (الاستعلائي) بإثبات تفوقه وعلمه -كذات مُعْتَرَفٍ بها من قبل الآخر- بما يمتلكه من مؤهلات وخبرات علمية وثقافية، إلى جانب اتقانه للغات الأوروبية، ولاسيّما اللغة (الاورولينغوا)، إذ يعود ليجابه خصمه بالآليات نفسها؛ كونه يمثلُ العينةَ الآرابية الأكثرَ ذكاءً، فعاد ليكونَ نداً لهم وعالماً نووياً، يقول (ليتل يروز) لـ نائبه سيرجون: "أستغرب كيف لأميركي أن يصرَّ على الكتابة بلغة ماتت من زمان. طبيعيّ يا سيّدي. انظر إلى الهنود الحمر عندنا. انقرضوا من زمان، لكنّهم يصرُّون على لغتهم. الهنود الحمر لم يكن لهم حظّ آدم. يعرف الإنجليزية التي كبر في أحضانها. الفرنسيّة والاسبانيّة والالمانيّة. تعلم بسرعة الأورولينغوا التي أصبحت هي لغة الجميع ... (2). ويواصل حديثه في موضعِ آخر من الرواية، بقوله: "مشكلة العربي أنك أينما وضعته سيمكث في ظله الأول. حظه كبير. كان من المفترض أن يُقتل لحظة مغادرته مطار رواسي، لكنه خرج سالمًا. حتى إنَّ هناك من كان يخطط لاختطافه. فصراع المائة سنة بين أرابيا وأزاريا. جعله الطريدة النموذجية " (2).
يستمر السرد في بيان فاعلية اللغة العربية (كمادة ادراكية)، وبيان علاقتها بالذات المدركة الفاعلة بهدف إنتاج كتابة مضادة للنسق المألوف، وهذا ما يوقع الآخر (ليتل بروز) في فخ الدائرة المغلقة، إذ تمكن آدم من ازاحة أُفق توقعه، لأنه كان يعتقد أن بإمكان الجماعات الصغيرة الثقافية أن تتخلى عن هويتها؛ لكي تنضم إلى ثقافة الأقوى في ظل انفتاح الأنا على المتعدد، وقد أصبحت الذات تميل إلى تأكيد نقاط الاختلاف والمغايرة عن الجماعات الأُخرى، فاللغة عند آدم لا تقتصر وظيفتها على البوح، إنّما لملمة شتات وتجميع لأوجاع الروح، من هنا يلمس القارئ حرص الكاتب على الاعتزاز بالهوية الثقافية العربية، كما يلحظ أيضاً التوسع في استخدام طرق المعادل الموضوعي في كسب المزيد من التأييد المنطقي للروايات.
لقد استطاع السرد أن يوحد جميع مواقف الشخصيات المتخيلة (سميث، وسيرجون) أيضاً (السويدية)، و (ريمز الفنلندية)، والألمانية (ميري)... إلخ، وتوجيهها نحو هدف واحد، بطرح وجهة نظر واحدةٍ، عملت على تكثيف جهودها وتوحيدها لمساعدة (آدم) في تنفيذ مشروعه النووي/ الامريكي، وجهة نظر تعد حوافز ثانوية/ حرة، ضرورية؛ لتنمية الحدث وتحويله إلى مكون سردي كما أن لها وظائف تكميلية تكافح وتناضل ضد الأوضاع المعيقة المعاكسة التي تحول دون انجاز المشروع، فيُلحظ أنّ هذه الشخصيات تكون هي المتحكمة في دواليب السرد (المسارات السردية)، إذ استطاعت رسم سياسة تضليل الواقع الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان الحديث في ظل التقدم العلمي، وتذهب إلى قول عن أحد أعضاء رابطة (ليدرافيك) للدفاع عن حقوق الأجناس الآيلة إلى الزوال: "نحن لا نريد شيئاً إلَّا أن يظلَّ وجه أميركا ناصعاً، وتبقى قلعة الحرية والحداثة" (2). أو يقتصر دورها على الكشف عن عيوب المجتمع كشخصية (ستيفنسن) الذي يضطلع بدور عامل مساعد داخل الخط السردي: "في لحظة من اللحظات شعرت بأني لا اختلف عن أيَّ مجرم حرب. أنا لستُ مجرماً ولا قاتلاً بل ضحيّة كلّ الجهات. وجدت نفسي على حافّة عالم آرابيا الذي مات كلياً، ولم تبق إلَّا علاماته القليلة وتمزُّقاته وحروبه، وعالم غربيّ في عزِّ انهياراته بسبب أزماته البنيويّة. وإسلام فقد كلّ مبرراته الإنسانيّة ما أن استلمه التنظيم؟ كيف يمكنني أن أكون وسط هذه الحوافِّ" (2).
تشير القراءة العميقة لهذا المقتبس إلى سقوط علامات التقديس والتبجيل الوهمية عن الواقع الثقافي، بتوضيح أزمة البطل واشكاليته في ظل انفتاح الأنا على المتعدد، من ثم العودة في حركة ارتدادية نحو الذات، حتى يصبح الاختلاف الثقافي مع الآخر ممكنًا ومتقبلاً، كونه يعاني التمزق الداخلي فيعكس أزمة الضمير المثقل بالذنب داخل الحقل الانطولوجي بعد تأمل أفعاله في ظل ارتهانه كنقطة للانطلاق والتضامن والإجماع عن طريق التعاضد.
كما تمثل شخصية (ليتل بروز) داخل الخطاب الروائي النموذج المضاد للتنظيم الارهابي، من هنا عرف بمناوأته للإرهاب، يمارس فعل الاحتجاج والتسلط لإحداث التغيير كذات مطلقة وفاعلة، إذ يشكل نموذجًا للعقل الأداتي الذي حرص على مصالح المشروع الامريكي وفيدراليات أوروبا في الشرق رغبةً منه في الحصول على لقب (المارشال)، جنرال عنصري مولع بالقوة متحكم في نمط طبيعة الوجود، فيمارس سلطته على سكان القلعة، ويرسم خطاً تصاعديًا لمسيرة الحضارة الغربية التي تأخذ بالتقدم العلمي نحو مصاف الأعلى، لأنه يؤمن بسياسة التقدّم، وعدم الاعتراف بالماضي، فيرغب في البقاء في دائرة الظل؛ ليكتسب صفة القوة والتعالي من خلال اشرافه على انجاز قنبلة (جيب نووية) حتى وصف (بالعين التي لا تنام) التي تحددت وظيفته؛ كونه عاملاً مساعدًا "ليتل بروز لا يراكم هو فيكم" (2). ونجد في موضع آخر وهو يكرر كلماته المعتادة بقوله: "ناموا قريري العيون. عين ليتل بروز ترعاكم جميعاً. تعرف ما يضركم وتعرف أيضاً ما لا ينفعكم وما لا ينفعكم هو الأهم بالنسبة لنا. لأننا لا نريد الإنسان الناقص. القلعة تكون الإنسان التام" (2 ).
يتضمن السرد في نسقه المضمر مجالاً لتوليد الدلالات المتعددة للمحمولات المضمونية المباشرة إشارة فكرية إلى تولي الأنا (الغربية المركزية) التخطيط والتفكير نيابة عن الشرق من خلال التكلم باسمه والتفكير بمنطقه، فيحدد ويرسم لهم ما يرغبون به وما يمتنعون عنه؛ لأجل ضمان سلطتها وثبات استمراريتها، وهذا انتقاص واضح من العقل الشرقي العاجز عن تمثيل طموحاته واحتياجاته إذ بات يعيش عالة على الغرب، فيعمد الخطاب الروائي إلى رسم صورة قبيحة عن الشرق.
إنّ متلقي النص يقف أمام الشعور بشمولية العقل السالب لسلطة (ليتل بروز) والشعور بحالة من اليأس والإهانة الحتمية لثقافة الإنسان العربي الذي وصمه في الخطاب الروائي بـ (الإنسان الضعيف) المرتبط بدلالة اللاجدوى، واللاقوة، وانعدام القيمة، يقول:
"آلتنا التي تسيّر هذا العالم القلق لا تخطئ أبداً. هي وجدت أصلاً لكي لا تخطئ، متجاوزة كلّ الضعف البشري الممكن" (2 ).ويقول في موضع آخر: "لا شيء يغيب عنّا. حتى الأنفاس نعرفها وندقق في الخوف، الدهشة، وغيرها، ونسجّلها قبل اتخاذ أيّ قرار. نسهر على كلّ شيءٍ، ونفكر لك ستصبح جزءاً من المنظومة العامة. نظامنا وشعارنا الكلّ مع الواحد، لأنَّ الواحد هو حامي الكلّ" (2).
يتحرك السرد هنا للكشف عن بؤرة الحكي الذي هو جوهر الفعل السردي، إذ يتسلم (ليتل بروز) زمام المبادرة السردية، فيتحول هنا إلى فاعل سردي يسهم في تخليق الحكاية؛ فيرسم السرد صورة متضمنة للأنا(المركزية المتعالية) التي تمثل نسق الثبات؛ كونها تسعى إلى تحقيق التفوق والتقدم على حساب الشعوب الضعيفة، مدفوعة برغبة الحصول على لقب (المارشال)، مفصحة عن سياسة أهوائها المدمرة، وهي تُزيد من طغيانها وجبروتها، وقد تمكنت من فرض سلطتها على الآخر، وإعادةِ تكريس النزعة التشاؤمية للواقع المزري المأساوي القائم على تبني فلسفات القوة السياسية التي تتأسس على مفاهيم المنفعة المادية، والتمايز الطبقي، وإرادة القوة، التي جعلت من الإنسان وسيلة لا غاية، فنظرت إليه كبنية مستقلة عن نسق المجموع، هكذا يرغب الروائي في إثارة دهشةِ القارئ بسحبه إلى منطقة المروي له ودمجه فيرتفع بالسرد إلى أعلى مستوى، ثمّ يثير دهشة القارئِ ويحفزه جمالياً، فضلاً عن إثارة تحديه، فيقف أمام شمولية الفعل السالب لسلطة (ليتل بروز)، كما هو واضح في تبنيه للشعارات التي تكرسُ مدلولَ الكراهيةِ والبغضِ للآخر، فضلاً عن التفرد في إدارة التوحش، يقول الراوي على لسان آدم غريب:
"الشعارات التي ترفرف بالقرب من العلم والمختزلة، في الثالوث، تمَّ تطويرها:
الحرب هي السلام
الحرية هي العبودية
الجهل قوة".(2).
ينظم الروائي شبكة من الدوال السردية، ثم يعيد توزيعها داخل الفضاء السردي وفق رؤية ثقافية قائمة على خاصية التقابل الجمالي المتأسسة على مبدأ التضاد، فتمثل الدوال المتجانسة في المحور الأول (الحرب، الحرية، الجهل)، فيقابلُها ضدياً في المحور الثاني من الدوال (السلام، العبودية، القوة) القائمة على مبدأ التكثيف والاختزال؛ بهدف تعميق الرؤية، وهو ما يعزز سياسة العنف وإدارة التوحش، إنَّ هذا التشكيل الهندسي جاء ليدعم الموقف الفني والصنعة الجمالية للرواية، ممّا يمنح تجربته مزيدًا من التوهج الإبداعي على وفق مؤثرات بنائية تفرضها الحالة الشعورية التي تعبر عن إشكالية الشخصية النرجسية التي تسعى إلى امتلاك الحقيقة المطلقة والرغبة التواقة إلى تدمير النزعة الإنسانية للجنس الآخر، والقضاء عليه، كما تعكسُ شعاراتهُ التي ألح (ليتل بروز) على تثبيتها عند المدخل الجنوبي الغربي للقلعة، يقول فيها:
"كثرة الحروب تقتل الحرب
الحرية ضد التوحش
كل من ليس معنا فهو ضدنا (...)
العربي الجيد هو العربي الميت" (2).
وهي شعارات تقف ضد مفهوم فكرة الإسلام والأمن والعدالة الإنسانية، فجاءت لترسخ هيمنة الغرب، ونمط استعلائه، وسيلة لإذلال المقيمين من سكان آرابيا المنتمين لتنظيم الكوربو الإرهابي، الذي يمثل نسقًا مضادًا للأنا المركزية، ونحن نقف في هذا الخطاب أمام هندسة تشكيلية عالية المستوى، تنبع من مقصدية الروائي كمحفز (جمالي وإبداعي) ينهض على فعالية سردية اخبارية؛ بهدف تعميق التوظيف، ويُعيد تفكيك الثوابت فلا قيمة للماضي في ذلك بل هو للمستقبل وما ينجزه الفرد، ودوره في رفد مسيرته الإبداعية، يقول (ليتل بروز): "كل آرابي إرهابي حتى يثبت العكس" (2).
وفي ضوء ما سبق تتحرك الذات السرديّة لـــ(آدم) الكامنة في فعل الخطاب في إطار التغيّر؛ لأنها لا تجد نفسها في السكون والثبات، بل تؤسس وجودها الانطولوجي في الاتصال القائم على مبدأ خرق النسق الثقافي؛ لتحيا لحظة الـــ(ما بين)، وهما لحظتا الحضور والغياب، فتنقسم الذات إلى جزأين يستقطب كلّ واحدٍ منهما الآخر إلى زاوية في حركة متموجة ومتراوحة بين قطبين (ِالشرق/الغرب) متقاطعين؛ لتعميق الفهم العميق للواقع المتحول، ولتؤسس وجودًا إنسانيًا حرًا وعادلاً في الكون، إذ يقول: "وحده الذئب يبحث عن حرِّيَّته، يتأقلم مع كلّ الصعوبات. فيّ شيء يشبه الذئب يمكنني أن أكتفي بالَّلامكان"(2).
إن السرد في هذا النص ينقل القارئ عبر المحفزات الديناميكية للحديث عن المشكلات الأخلاقية والمخاطر الناجمة عن الاشعاع النووي، وأثرها على المجتمع، بعد أن ربط السرد دلالته بالمحو والإبادة البشرية كما حدث في (هيروشيما وناغازاكي) على اليابان، فمحت الوجود الإنساني وما تركته من آثار على الجسد الإنساني بمرور المستقبل، فيما يتعلق بالأجيال، كالولادات المشوهة والسرطانات، والحروق، والتشوهات، إذن يستحضر الروائي شخصيتين إحداهما: تمثل نسق الخير (مايا زوجة آدم)، والثانية (آدم): التي تمثل هنا نسق الشر إذ وضعه الروائي أمام مهمة ضخمة داخل البرنامج السردي، وهي إنجاز مشروع قنبلة جيب نووية، هذا الموضوع جاء ليمثل صلب الرواية وقاعدتها السردية؛ وذلك لحماية الأبرياء من الموت المجاني، ولاسيّما أن عملية التصنيع والاكتشافات العلمية تمثل معياراً للقوة والسلطة المطلقة، تقول (أمايا لــ آدم): "لو رأيت الولادات المشوهة التي ماتزال حتى اليوم، والسرطانات بسبب الإشعاعات والأخطاء في التجارب التي مسّت ناساً كثيرين إلى اليوم بحروق وإشعاعات خطيرة، ستنتهي بأصحابها إلى القبور، لغيَّرت رأيك. أعرف أن طموحك كبير، وأنَّ رغبتك في خدمة الإنسانية أكبر لكن لا نلعب مع النوويِّ، أحياناً، ألعن أو بنهايمر وكلّ آباء هذه الاكتشافات الخطيرة.
-مثاليَّة هذه يا أمايا.
-المثاليَّة أحسن من القتل.
-المثاليَّة تقتل العدمية. تحتاج المثالية إلى أن تتسلّح بقليل من الواقع.
-المثاليَّة عندما تتسلح، وتخسر نبلها، تصبح قاتلة" (2 ).
جسد السرد هنا حقيقة اختلاف وجهات النظر حول جدوى وأهمية هذا المشروع، وتراوحت هذه الرؤية بين النزعة المثالية/ والعدمية التي تمثل (أمايا) نسقًا ثقافيًا مضادًا لها؛ كونها تقف ضد هذه التجارب، وبين (آدم) الذي جاء ليمثل النسق المركزي الداعم لوجهة نظره في حماية البشرية من أخطار الإرهاب وجرائمه، ممّا وطن لديه الشعور بالانتماء والتضامن، فيتسع ويتنامى؛ ليسهم في خلق موقف عالمي للمحافظة على الجنس البشري من الزوال، في إشارة فكرية إلى أن توحد العالم من الناحية العلمية قد يُساعد على نفي الفوارق الطبقية.
كما يعبّر السرد على لسان الشخصية (مايا) عن الكراهية التي تولد حقداً إذ تتسع دائرة الخطر المشترك بدلاً من فهم تفاصيل الحياة الدنيوية في ضوء اعتبارات معينة لإنقاذ البشرية؛ نتيجة لاستعمالُ القوةِ الناعمةِ ضد بعض الشخصيات الحاكمة المتزمتة، لا على سبيل الحتمية للظروف الخارجية المطلقة، بل ليتم ربط الأخلاق بالسياسة أمام همجية القوى الاستعمارية، كي تصبح القنبلة سحباً محملة بالإشعاع تتقاذفها الرياح هنا وهناك دون أي احترام للحدود الأخلاقية السياسية، إذ إنّ سياسةَ التراخي والأخذ بمبدأ ايتيقيا المناقشة هي الكفيلة بحل هذه المشكلات بما يخدم الوجودَ الإنساني وإرادته، يقول (سميث لــ آدم):
"عزيز أد. لابدّ أن تسمح لنا بصورة تذكارية معك. يوم تحرز على نوبل، سنقول بأننا كنا معه، وأنّه كان صديقنا. ونُري هذه الصور لأبنائنا وأحفادنا. طبعاً، أعرف جيّداً أنَّ آدم عندما يسأله أحفاده من يونا، سيتنكر للجميع... ههههه!" (2 ).
أراد الكاتب هنا أن يجعل من فعل (آدم) بطولة ثقافية –بطلاً اسطوريًا- كونه يمثل حلقة متوهجة من الإبداع المتواصل بين إنسان اليوم وسوبرمان الغد، ومن جانبٍ آخر، إنه دليل قاطع على رغبة الكاتب في اقناع الخصم بقوة وذكاء العقل الشرقي الذي استعبده وتعالى عليه، فيرتكز عليه لامتلاكه لعناصر القوة وفعل الوجود، من هنا، يصبح الاختلاف الثقافي أمرًا واقعيًا ومتقبلا يتحولُ عبر الانزياحِ الدلالي داخلَ نسيجِ الخطابِ الروائي إلى عناصرَ من الابداعِ والأصالةِ واختراع الآلةِ بما يسمحُ بالقبض على ما هو غائبٌ ومثاليٌ، وفي ضوء النقد الثقافي إذ يمثل (آدم) النسقَ المضاد لنسقِ الارهابي المدعو بـ (سيف الكوربو) الذي يقول لآدم: "طيارتكم انطلقت. أسمعُها جيداً. شوف يا قحبة الماريكان. أنتَ صاحب أهم اكتشاف القرن: قنبلة الجيب. أخطأناك المرَّة الماضية في مطار رواسي لنحمي الأمة من جريمتك، بسبب غباوة المكلَّفين بالعمليَّة وتسرُّعهم وقلة نباهتهم، المرّة القادمة ستكون العملية أدق وبلا أخطاء. وستكون آخرتك" (2).
ينعطف السرد قليلاً ليعقد الصراع بين شخصية (آدم) وشخصية (سيف الباكستاني) المدعو بـ (الكوربو) وهو ارهابي معروف تخرج في أمريكا، وهو المنافس الحقيقي لآدم، لكنّه لا يمتلك مؤهلات آدم العلمية، فيبرز السرد هنا قضية الصراع الداخلي العربي بين نسقين مضادين، وتبرز مفاتيحه على مستوى النص، ويتأسس داخل الخطاب وفق فاعلية محورية بين العناصر الإنسانية ذات الرؤى الثقافية المتعارضة، فيسعى الروائي عبر آلية السرد إلى تمثيل مبدأ التنافر بين الأضداد؛ للوصول إلى الفهم والادراك العميق للأبعاد السيكولوجية للشخصيات، فاتضح أثر السرد من خلال المحاورة الدائرة بينهما وتبادل الطرفان الشتائم والتهم والتهديد، إذ يقول (آدم):
" -سيف! هذا لعبٌ خطير
-ستعرف جديّتي عندما نحرق قاعدة اليهود والمسيحيين والمسلمين الكفرة. ستُحرقون فيها كالجرذان. نعرف كلّ شيء عنك. كم قبضت على قنبلتك الوسخة؟ تَقتل أبناء جلدتك خدمة لأسيادك؟
-كلّه كذب.
أسمع الآن طائرة تُقلع من قاعدة الشؤم. هذه المرَّة أكبر. لابدَّ أن تكون طائرة فريتف الشبح المتطوِّرة. أتركك بخير مع نفسك أيُّها اللارست أرابيك العظيم" (2).
يرصدُ النصُ الروائي حركةَ الشخصيات وايقاعها، ومدى تطورِها وعجزِها، خدمةً لمقصدية الكاتب (واسيني الأعرج) ودوره في تدعيم فكرة الصراع وتصدع الواقع، والكشف عن تأزم الحدث الروائي، لقد انطلقت الشخصيات للدفاع عن آرائها وتبرير وجهات نظرها المتعارضة كُلٌ من زاويته، يمثل آدم المولع بنظرية المؤامرة دفاعاً عن الإنسانية، فهو المنقذ للبشرية، والباحث عن مصلحته أولاً، ثم مصلحة الآخرين ثانياً، وفق فلسفته النضالية قائمة على مبدأ المنفعة البراغماتية. أمّا الكوربو المنتمي للتنظيم الارهابي فقد تبنى دور الدفاع عن آرابيا من خلال منظوره المعاكس لإطار الوعي في ثقافة الأنا، فنظرته إلى (آدم) تنبئ عن اتهامه بالعمالة للمركزية الغربية؛ فارتبط وجوده من منظور الكوربو بدلالة الشر، وبيع النفس للشيطان وخدمة مشروعه التدميري، فاتهمه بأنه عميل لأسياده من الإفرنج ثم يأخذ الحدث بالتعقد كي ينمو الموقف الوجودي من الشخصيات، فنجدَ أن الكوربو هو من يقود دفة الحدث وعليه تأتي ردود أفعال الشخصية (آدم)، يقول (سيف/ الكوربو) لــــ(آدم): "أنا أحرر أرضا مقدسة من خبائث البشر، وهم من وسخها. أسأل نفسك فقط سؤالاً واحداً: من أين جاؤوا؟ ماذا يفعلون عندنا؟ هل تعلم كم قتلوا في آرابيا منذ أن دخلوا إلى العراق؟" (2).
يمثل الكوربو نمط الإنسان الرافض المتمرد للوجود الغربي على أرض العرب، الذي يرغب في استعادة الفردوس المفقود، فيشكل مصدر تهديد للوجود الغربي المقيم في قلعة أميروبا، ويأتي السرد عبر آلية الحوار فيكشف عن بواطن الشخصيات وأفكارها الايديولوجية، يقول (آدم): "حتى تهديدات الكوربو، بسبب كثرتها المبالغ فيها، لم تعد تخيف أحداً. فقد احتلَّ الكوربو عدداً من المواقع الاجتماعية في الفيسبوك، بل اخترق صفحات الكثير من القادة العسكريين في القلعة. وشتم من هناك، مستعملاً الأورولينغوا من بين اللغات الاخرى، كلّ التحالفات الدولية متّهمًا إيّاها برغبتها المحمومة لإجهاض مشروع الدولة الإسلامية الحقيقيّة الذي يُدافع عنه التنظيم [...] موقع التنظيم الذي لا يتوانى عن تسمية القلعة بـ عش القراصنة الذي يجب أن يُحطم نهائياً ويُمسح على الأرض بحيث لن تقوم له قائمة وتُحطم كلّ الأصنام التي عدها داخله الفاسقون والقتلة..." (2).
تفرض شخصية الكوربو سلطتها على الأحداث في إطار هذا المشهد الغامض إذ ليس للعمل الفني أولاً وأخيراً إلَّا أن يعبر عن احساس الكاتب أو الفنان بعالمه وواقعه الذي يمكث فيه، فيغدو عالم الأدب بناءً تشكيلياً موازياً للواقع، وما يعانيه الكاتب في ظله، فيعبر الفنان عن رؤيته للعالم من منظور رؤية ثقافية تصور تصدع الواقع وتفسخه بكل مؤسساته وعلاقاته، فتنحصر دلالته بجدل (الموت/ والحياة) فيؤسس لنسق القبح داخل الخطاب الروائي، يقول (آدم لسميث):
"تعرف أكبر خطر يهدد أزاريا ليس آرابيا، آرابيا انتهت كقوة موازية لها. لكن إحساسها بالتضخُّم سيجعلها ترتكب حماقة تقضي عليها. لهذا، فالإرهاب شيء آخر يا سميث، لا علاقة له بالتهوُّر. هو مثل الحيَّة، إذا لم تجد ما تأكله خرجت من غارها لتصبح عرضة للكواسر والحيوانات المفترسة الجائعة. وجدت في هزائم وإخفاقات آرابيا ضاّلتها الكبرى. الجسد الآرابي كلُّه أصبح حطباً لحروب لا علاقة له بها، لكنَّه يَدفع ثمنها بمزيد من الغرق والتخلف. شعارات الحركات المتطرفة من الموت وبالموت وفي الموت وإلى الموت. لا حياة من ورائها. في أقل من نصف قرن مات أكثر من مليون من سكّان أرابيا بالقتل الإرهابّي على مستوى واسع، أو بسلاح الغرب الجديد الذي كثيراً ما يحرق مدنًا بكاملها في مطاردة إرهابي واحد، يتضح في النهاية أنّهُ لم يكن هو المقصود. والباقي تقتله اليوم الصراعات القبلية والعرقية..." (2 ).
يربط الكاتب (واسيني الأعرج) بين نسق الإرهاب وفعل القبح، ثمّ يُعيد طرحه داخل المسرود، فيكشف السرد في إطار هذا المشهد المأساوي الصراع بين النموذجين (الغربي والعربي) المتمثل في مقاطعتي (أزاريا وآرابيا)، لتتحول دائرة الصراع داخل الهوية العربية المتمثلة في صراع الأنا مع الآخر(الإرهابي)، فيقع الشرق ضحية الأنا (المركزية/ الغربية) ومخططاتها التدميرية التي بسطت نفوذها وقوتها وسلطانها على الشرق بما امتلكته من مخابر وعلماء ومصانع، من هنا يعلن السرد عن نهاية الحضارة العربية.
"تخيَّل في آرابيا أو ما تبقَّى منها، محا التنظيم كلُّ الماضي الإنساني نهائياً، فحُطِّمت ألواح جلجامش أو ما تبقَّى منها، ومُحيِت المدن البابليّة والرومانيّة وحتى الإسلاميّة على مرأى من المجتمع الحرّ!" (2). إنّ الرواية استمدت وجودها من الواقع الأحط والأردأ في طريق الزوال والتيه، الذي خلق وعيًا غير قابل للفهم، وكشف عن واقع بات يتأوه باستمرار، فيُعيد الروائي تشكيله وفق رؤيته ومقصديته من أجل رسم مقاربة جديدة للواقع.
ثانيًا: التحيّزُ نحوَ عصرِ الآلة والذكاء الاصطناعيّ:
يعرج السرد على الحديث عن إمكانية استبدال الإنسان بالآلة في ظل الانفجار التقني والتقدم التكنولوجي؛ للدلالة على (نهاية الإنسان) وموته بالمعنى المجازي عبر نزع المركزية عن ذاته، واقصائها وتراجعها أمام سلطة الآلة والمعلومة (الثورة التكنولوجية) لوسائل الاعلام وتقانات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت تحلّ محلّ الإنسان البشري في نشاطه العقلي، ممّا يسمح بتقديم وسيط (ثقافي وحضاري) وفاعل جديد كبديل مغاير عن الإنسان، إذ من نتائجه السلبية تراجع العقل الإنساني/ الأكاديمي أمام سلطة التقدّم التكنولوجي بمنجزاته العلمية المعولم والمحوسب، كما يفتح للإنسان آفاقًا جديدةً من الخبرات العلمية والتقنيات الجديدة ممّا ينتج عنه تغيير في عملية الادراك والوعي وعلاقته بالواقع، ممّا يجعل المعرفة صناعة للواقع، وليس إعادة تقديم تصور له، كما هو واضح في المسرود، يقول ليتل بروز:
"يمكن الحديث عن تعويض الإنسان بالآلة. وقتها فقط، يمكن تصوُّر عقل بديل يراقِب ويراقَب. خلق الجيل الجديد المراقب للأحلام وربَّما تحويلها عن مساراتها، لدرجة أنّهُ يمكن التفكير في خلق شرطة الأحلام، لأنَّ هناك بعض العقول تستعصي على المراقبة. أجهزة متطوّرة موجودة حالياً. تمنى ليتل بروز أن يحصل عليها في آخر نماذجها. فهي تخبر عن الأحلام، وتقيس درجة الانفعال وتفسّرها بالاعتماد على المعلومات المثبتة في الشريحة في جيلها الذي أنتجته شركة جاوبون لـلــــ up3, up2 الأميركيتين التي تعالج كلّ النشاطات الذهنية، وحتى النظام الغذائيّ الذي يجب اتّباعه..." (2).
في إطار هذا النصِّ المقتبس، يقدم السرد معرفة عن آخر المستجدات في عالم التكنولوجيا التي هيمنت على الإنسان الأخير، فتسببت في خلق تفاوت على مستوى الثالوث: القوة، المعرفة، الثروة، إذ أنتج هذا الشكل الجديد مفهوم الإنسان الأخير أو المعولم، بفتحه الآفاق للانتقال نحو عصر (ما بعد الإنسان)، من هنا يعطي الروائي أهمية لصناعة المستقبل مع منح السلطة المطلقة للفكر الأداتي الذي اصطنع واقعًا جديدًا فيسجل علامة ثقافية على تراجع سلطة الإنسان الذي وقع ضحية ذلك التقدّم وسياسة التمثيل المخادع من قبل المركزية الغربية وهيمنتها على الموجودات، وهي تعيد إنتاج مفاهيم جديدة حول الحقيقة والحرية والعدالة، إنّ ترسيخ مقولة (نهاية الإنسان)، أو(الإنسان المعولم) علامة ثقافية على انتهاء العصر التقليدي له، إذ أصبح النظام الكوني يسير وفق دنيوية متغيرة، ويخلخل سلم القيم الثقافية، ويخربط الأنظمة والمعادلات الحياتية، ويضع الحدّ الفاصل بين العالم القديم بموروثه الثقافي وتصوراته الدينية، والعقلانية والماورائية، وبين العالم الحديث بخبراته والتكنولوجيا، وبفلسفاته العلمية والعلمانية؛ للدلالة النسقية على نهاية الإنسان العربي بكلّ تصوراته وحمولاته الفكرية والأيديولوجية والبدء بمرحلة مغايرةٍ من العصرِ الحديث، يقول السارد:
"نحن نؤمن يا ماريشال بأنّ كلّ شيءٍ يمكن أن يُخترق، بما في ذلك الذاكرة والحلم، ويمكن تحويل الأشياء باتّجاه الوجهة التي نريد، يحتاج الأَمر فقط إلى متابعة الشخص المعنيّ والاطّلاع على كلّ ما أنجزه من حوارات ولقاءات أو التسجيل معه مدَّة طويلة، حركاته الخاصَّة والمتكررة أيضا، لباسه، عيوبه في الكلام. الفيسبوك يمنحنا مادة كبيرة واستثنائية. هكذا يتمكّن البرنامج من تحديد خاصيّاته الصوتيّة الدقيقة [...] نفكر اليوم في شيء أكبر، وقتها لا مشكلة مطلقاً. وقت المقابلة، الدخول في مخّ الإنسان ودفعه إلى طرح الأسئلة التي يشاءها البرنامج. حينها لا مشكلة، ننجز المقابلة وفق ما نريد نحن، مشكلة هذه الطريقة الناجحة مائة بالمائة أنك لا تعرف نوايا العدوّ العميقة. أنت من يصنعها له. لكنْ هي في طور التجريب، قد تصلح في حالات ولا تصلح في أُخرى" (2).
يشيرُ هذا النصُ المقتبسُ إلى امكانيةِ خلقِ نموذجٍ (إنساني آلي)، يتم تزويدهُ بمعلوماتِ الشخص المعني التي يمكن الحصولُ عليها من الفضاء الرقمي (الفيسبوك)، أو عن طريقِ اللقاءات والمحادثة كمواد أوليةٍ، يعيدُ النظامُ التكنولوجي برمجتهَا لإنتاجِ الوعي الزائفِ؛ للدلالةِ على التحكم التكنولوجي في العقل الإنساني، ونقل المخاطب إلى مساحة الإيهام، فتلجأُ إليها السلطة السياسة العسكرية لتنفيذها كقوة أيديولوجية ناعمة، تسهل تحرير مخططاتها الثقافية في اقناع الخصم بصدق ما يشاهد، فتكون التكنولوجيا في خدمة الخير، وهذا ما حدث بالضبط مع (آدم)، إذ وجّه (ليتل بروز) إلى تطبيق هذه التقنية داخل القلعة، كخيار وحيد في تنفيذ مشروعه التدميري لإقناع (آدم) بإنجاز المشروع النووي، وبالفعل لقد تمَّ خداع البطل بالكذبة التي افتعلها (ليتل بروز) مع نائبيه (بيرل غروسمان وفرناند وليفي) فتم اجراء اتصال عبر الأقمار الصناعية بزوجته (أمايا) اليابانية، كي يدخل البطل في لعبة افتراضية عن طريق تفعيل الشخصية الألكترونية (أمايا) التي تتحدث معه، إلَّا أنّ الحقيقة قد فارقت زوجته الحياة في مطار (روداسي) في أثناء عملية اغتياله، فالمشهد يعكس احتفالية ساخرة للأنا الغربية التي مثلت في الخطاب السردي كأنا متعالية أمام سلطة التكنولوجيا المعلوماتية، وقدرتها على إنتاج شخصية إنسانية الكترونية بديلة عن الواقع، وبالمقابل يمثل (آدم) أمام هذا المشهد علامة ثقافية على تراجع العقل الإنساني، كما هو واضح في النص الآتي:
" أعاد ليتل بروز. تأمّل الصورة واحدة واحدة، وكأنه يريد أن يحفظها عن ظهر قلب. بدأ يمرّرها بالتصوير البطيء أمام عينيه المفتوحتين على آخرهما. تبدو واضحة الخطوط الانفصاليّة الصغيرة بين الصورة والصورة ما يدل على العمليات التركيبية والتقنية التي مرت عليها هذه الصورة، لكنه استغرب كيف وصل الإنسان إلى أن يخلق أشباهاً بدقة متناهية، انطلاقاً من صور ومعلومات أوّليّة يتم تخزينها والعمل عليها. أيعقل أنَّ العلم وصل إلى هذا الحد من الدقَّة والجنون؟....أجاب سام: ههههة. هل هي الغباوة الكبيرة أم الذكاء المطلق للتكنولوجيا؟! على أيِّ حالٍ، لو كنت مكان آدم المسكين لصدّقتُ كلّ هذا الهراء. فهو من الدقّة بحيث لا يترك مجالاً للشكّ أبداً" (2).
يقف القارئ أمام مشهد السخرية من غباء الشخصية (آدم)، وعدم قدرته على كشف ألاعيب القوى الإمبريالية ودورها في تزييف الحقائق، وهي تُريد تطبيق هذا البرنامج لأول مرة داخل قلعة (أميروبا) بطريقة متقنة، لا تترك مجالاً للشك عن طريق تبرير الأخطاء الواردة في أثناء الاتصال بردّها إلى سوء الإرسال، وصعوبة الاتصال الذي أدى إلى حدوث التشويش، كأن يرى صورة زوجته (أمايا) ولا يسمع صوتها أو بالعكس فتلك الأخطاءُ ناجمةٌ عن عدم قدرة الحاسوب على ترجمة الكلام وفك شفراته عندما قال لها (نحبك ونموت عليك)، ممّا أحدث التشويش على صورة (المانغا) بعد أن تمّت برمجتُها مسبقاً كشخصية افتراضية تملك خزانًا لغويًا، كما يوضح الخطاب الروائي حقيقة عمل برنامج (الذكاء الاصطناعي) بصورةٍ أدق في قوله:
"الشخصية الافتراضية تملك خزّاناً لغوياً وجملاً احتمالية، وتركيبات تُعدّ بالملايين، يشكلها البرنامج نفسه على ضوء كلام الشخص الحقيقي. الوقت الذي قضيناه في خلقٍ وترقُّب أمايا افتراضية تتحدث بطلاقة وحب، لم يكن أمراً سهلاً بكلِّ تأكيد. كان يجب علينا اقتفاء كلّ صورها وأرشيفها العائلي الخاص الذي استطعنا الوصول إليه لحظة البياض التي خدعتنا هي تلك التي لم نترقبها ولم نخزنها، لأنّه جاءنا بخبث من حيث لا أحد ينتظر، عندما قال لها بالعربية نحبك ونموت عليك. لأنَّ البرنامج لم يفهمها ثم كرّرها ثانية ، لكنَّها كانت تحني رأسها كأنها لم تفهم شيئاً، قبل أن نبادر ونُدخل قليلاً من التشويش وصوت الموجات. لكي يدرك أنَّ الوضع تقنيُّ لا أكثر" .(2).
تعيدُ التكنولوجيا وفقَ هذا المقتبس صناعةَ شخصية افتراضية تدعى (أمايا) كشكل تمثيلي رمزي، يحلُّ محلّ زوجتهِ في الواقع، بعد أن تمّت إعادة تشكيلها وبرمجتها بإضافة خزان لغوي إليها، ومع تحديد الشروط الخطابية وعبارات افتراضية يلجأ إليها النظام في أثناء البث والتواصل مع الآخر تمهيداً لظهور فاعل بشري جديد يأخذ في التكوين لإنتاج شكلٍ جديدٍ من أنظمة التفاعل الإنساني، يجسد نمطاً مغايراً للوجود، تمهيدًا لنزع القداسة عن الذات، فلم يعد الروائي يرى بأنّها تمثل كيانًا وجوديًا موِّحدًا للنظام الثقافي، أو أنها تمثيل للوحدة الثقافية، إنّما هي أثرٌ من آثار اللغة التي أنتجت عن طريق تفاعل الخطابات عبر آلية التمثيل الرمزي، فأصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة الطبقة البرجوازية الليبرالية (الفردانية): "هكذا نحن نحيا الآن بين ثلاثة عوالم، الأول هو عالم الأفكار، والثاني هو العالم الفيزيائي، تماماً كما كان يقول كار بوبر، ولكن العالم الثالث ليس عالم التجارب الذاتية، بحسب تصنيف بوبر، بل العالم الأثيري أو الافتراضي، الذي تخلقه تقنيات الاتصال، الأمر الذي يضعنا أمام تصنيف مغاير للعوالم، تتغير معه سياسة الحقيقة وإدارة الواقع، فمنذ أفلاطون حتى هيغل، كانت معرفة الحقيقة هي التطابق مع ما هو واقع، وكان عالم الكليات من المثل المجردة والأفكار المطلقة هو العالم الحقيقي، أي أنّهُ الحاكم على هذا العالم الواقعي والناظم له، أمّا الآن فإنّ الحاكم والناظم هو عالم الأشباح الضوئية من المنتجات الالكترونية غير الملموسة" (2). يمكن القول إنَّ البشرية تستطيع السيطرة على الذكاء الاصطناعي، فالعواطف والمشاعر مفاهيم مجردة لا تخضع لعنصر المراقبة الدقيقة؛ لأنَّ الإنسان يبقى هو سيّد كلّ شيءٍ، يقول آدم: "كلُّ شيءٍ تغيّر في عالم يسير بسرعة متناهية الدقة لا دخل للبشر فيها، إذ كلّما تدخَّلوا أفقدوها نظامها. اليد البشرية. تمسّ كلّ شيء وتهيكله كما تشاء، إلَّا جوهر القلب وعمق التخييل الذي لا تراقبه الآلة مائة بالمائة. كلّ جهاز مراقبة يفلت منه شيء صغير مرتبط بالذي لا يمكن توقعه. الإنسان في النظام ساعة خارج النظام" (2).
إنَّ العالم القديم المتمثل في (آرابيا) استنفد كلّ طاقته، إذ يمضي في حركة ارتدادية إلى الوراء، ممّا يحول دون تحقيق نهضته واستمراريته في الخلق والبناء الذي يسير نحو التفكك والانحلال، من هنا لم يعد الماضي هو المقدس والثابت، أو المعيار النموذجي للاحتكام، بل على العكس لقد أصبح يقف على حافة الانهيار معلناً عن سقوط الإنسان ونهايته، إذ يقول:
"نحن اليوم بقايا بشر بلا تاريخ ولا هوية. والأشدّ خطورة، بلا ذاكرة إلَّا ذاكرة الطائفة القبيلة والحارة التي لا تقاوم الزمن أبداً ورياحه" (2). كما يتضمن النص دلالة نسقية إشارة إلى اللامقول في النصِّ إذ يهدف الكاتب إلى إيقاظ الوعي بوصفه جزءًا لا يتجزأ من رؤيته الثورية؛ للتأكيد على ضرورة أخذ المجتمعات بمبدأ التحديث المستمر من أجل مواكبة المتجمعات العالمية، وتلافي الانهيار الحضاري الذي يمكن أن يحدث مستقبلاً.
ثالثًا: التحيّزُ على مستوى الفنيّ/ التحيُّز نحو فن السينما- سينما السرد:
ينعطف السرد انعطافًا جديدًا داخل الخطاب الروائي؛ ليسلط الضوء على مشهد حادثة اغتيال البطل (آدم) من قبل عناصر التنظيم الارهابي المدعو بـ (سيف الكوربو) إذ لا يلبث حتى ينفتح فعل الحكاية على المنتظر غير المتوقع، كي يباشر عمله في ملء فجوات السرد، فيلجأ الروائي إلى مزج المحكي السردي الذي يعتمد على وسيط (اللغة) بـالمحكي السينمائي الفيلمي، معتمداً على وسيط تعبيري مختلف، وهو (الصورة)، من هنا أصبحت الكلمة توازي اللفظة السينمائية؛ لأن المزج بين أساليب الكتابة الروائية بالسرد السينمائي يتحقق من خلال عنصر التجريب والحداثة على مستوى الكتابة، إذ يتحول السرد من نص مكتوب/ مقروء إلى نص مرئي خال ٍمن الخيال لإقناع المتفرج بواقعية ما يشاهد، كما يمنح السرد طاقة تعبيرية من خلال استثماره لتقانات الأدوات السينمائية وتكتيكها، منها: زوايا التصوير، ومدة اللقطة، والحذف، والقطع... إلخ.
لقد جاء الحدث الروائي على شكل لقطات متعددة، تتكوّن بتعددها مشاهد متنوعة في أماكن مختلفة لتوليف المونتاج السينمائي الذي يتمّ جمعه من مشاهد متسلسلة ومترابطة مكثفة سرديّاً فيبدأ الحدث بالتنامي ويقدّم وفق سرد موضوعي، فيكون المؤلف الضمني محايدًا غير مشارك في الحدث أي مجرد ناقل للتجربة وفق رؤية تقع من الخارج بإعادة قراءة مشهد اغتيال آدم بطريقة فنية، فيقسم الخطاب إلى لقطات متعددة متسلسلة من الرقم (1) إلى أن ينتهي الشريط بالرقم (15)، فيتحول الحدث من عمل مقروء إلى عمل مشاهد، ثم تجري عملية (توليف) المقاطع من خلال الترقيم التصاعدي الذي استعمله الروائي بصورة قصدية كحدٍ فاصل بين المشاهد السينمائية التي تنتهي بخلاصة الرؤية الإخراجية، وقد اشترط (سميث) على (آدم) بالتزام الصمت حتى نهاية الشريط الذي وضعه على (USB) الذي يظهر على الشاشة، فتعرض الصورة في حالتها الأولية مركبة، ثم تظهر فيها تقنيات القطع واللصق، كما هي الحال في الأفلام الكلاسيكية القديمة وفق مؤثرات ضوئية تتأرجح بين اللونين الأبيض والأسود، ثم يبدأ العرض على الشاشة.
يفتتح المشهد الأول على مجموعة من اللقطات، وتتحرك آلة التصوير، فتتوجه كاميرا الروائي إلى تصوير المكان بوصفه فاتحًا للحدث السردي المرتبط بالشخصية، فالمكان جاء بارزاً ومصرحاً به في مطار (رواسي شارل دوغول) في العاصمة (باريس)، وكذلك الزمن محدد (صباحاً)، وينفتح الحدث على محفز جمالي بتركيز اللقطة في المشهد الأول وتماهيها مع جمال الطبيعة بصور الفضاء الخارجي لمدينة باريس، وآليات عمل المطار، وحركة الناس اليومية، فجاءت اللقطة من زاوية مرتفعة (نظرة عين الطائرة)؛ للدلالة على تهميش ذلك المكان، والتقليل من شأنه، ثم يتابع المؤلف الضمني الحدث ابتداءً من اللقطة الصاعدة وصولاً إلى اللقطة النازلة إلى جانب توظيف الروائي للأصوات والمؤثرات السمعية والبصرية، ممّا يجعلنا أمام عدسة تلتقط المشاهد والأحداث بعين الحقيقة وليس بالخيال، هكذا بدأ المشهد في اللقطة الأولى بتوطئة الحدث، بقوله: "1- تظهر باريس تحت الثلج مدينة شهيَّة ورومانسيّة جداً. تتماهى الصورة مع مطار رواسي شارل دوغول. 2- الكاسحات وهي تنظّف المطار من الكتل الكبيرة من الثلج. الطائرات جاثمة باستقامة. بعضها ينزل، والقليل منها كان يطير. لا طير في السماء. ثم طائرة أميركان آيرلانز. تنزل بهدوء، تتبعها الكاميرا حتى تمسّ الأرضيّة تحت وابل من الماء، تتوقف، في نهاية مدرجها الخاص، محركاتها النفّاثة " (2 ).
يقدّم المؤلف الضمني صورة استعراضية (مفصلة) عن مطار (رواسي شار دوغول) إذ تنفتح كاميرا التصوير على الفضاء العام في لقطة كلية وشاملة، وفي اللقطة الثانية ترصد الكاميرا لحظة وصول (آدم) إلى المطار؛ ليكشف عن هيئة الشخصية التي تظهر من خلال اللقطة البعيدة من زاوية عين الضفدع بتصوير اللقطة من الأسفل إلى الأعلى، فيتابع السرد لحظة نزول الركاب مع تركيز على شخصية (آدم)، وهو يتابع توجهه نحو المطار حاملاً حقيبته وراء ظهره، وهو يمتطي السلم الالكتروني، يقول المؤلف الضمني: "2- يظهر الركَّاب وهم ينزلون من الطائرة من بينهم، تتّضح هيئة آدم وهو يمتطي السلّم الميكانيكي، بقبّعته السوداء وكوفيّته الحمراء، وحقيبته الصغيرة التي أهدتها له أمايا التي كانت قد سبقته إلى باريس قبل أُسبوع لاستقبال والده مع أخته تالا وإدخاله إلى مستشفى (فال دو غراس). عندما انتهى السلّم الميكانيكي، جر حقيبته وراءه" (2).
لقد التقطت الصورة مادتها المصورة من مستوى منخفض لتصويرها حركة الشخصية التي تتمظهر أمام عدسة الروائي؛ للدلالة على تعظيم أهمية الشخصية الرئيسة وحضورها الكبير في الحدث الروائي الذي يعطي المؤلف الضمني ويضفي عليها صفة الغموض، إذ لم تتضح هيئته بشكل كامل وواضح بهدف تعظيم هذه الشخصية، واشعار المتفرج بمدى أهميتها، فيعطي للمتلقي عنصر التشويق والإثارة من أجل شده لمتابعة الحدث للكشف عن أبعاده الثقافية، فجاءت الكاميرا تصور الشخصية من الخلف على مستوى المنظور (زاوية الخلفية)، فأعطت الروائي صفة التخفي والاختباء داخل بنية الصورة الروائية وعدم الظهور في رصد ملامح الشخصية عن بُعد.
ويستمر المؤلف الضمني في سرد تفاصيل الحكي المتعلقة بلحظة دخول آدم إلى المطار، إذ تتابع الكاميرا حركة الشخصية، فتنشر تفاصيل إجراءات الدخول إلى المكان وبيان جميع البروتوكولات المتبعة في الدخول، فتكون لقطة بطيئة من حيث السرعة لأنّ الكاميرا متحركة غير مستقرة لا تعرف الثبات في إطار مشهد يسيطر عليه الطابع الحركي، يقول المؤلف الضمني في اللقطة الثالثة: "3- يتوقف آدم قليلاً عند معبر شرطة الحدود، يُخرج جوازه الأميركيّ. يقرأ ما هو مكتوب على اللوح الضوئي. جهة الأُوروبيين والفرنسيين وكلّ الجهات الأخرى، المخصَّصة لبقية الجنسيّات. يسأل المصورة الواقفة تحت اللوح الضوئي. تؤشر بيدها مع ابتسامة مشرقة نحو الجهة الأُوروبية التي كانت شبه خالية. يقدم جوازه لشرطية الحدود، وتنظر إليه قليلاً. وفي ثانية واحدة تُرجع له جوازه" (2 ).
تلتقط الكاميرا الصورة بالاعتماد على الرؤية من الأمام فتتحول الكلمة هنا إلى صورة رمزية متحركة ومؤثرة، إذ توجّه كاميرا الحدث نحو أبعاد رؤيوية وفنية بهدف تعميق فاعليّة الرؤية الثقافية، كما يعكسها تحرك الشخصية في أكثر من اتجاه مكاني، مرتبط ببعده الدلالي الايحائي، بما يجسد قدرة المؤلف الضمني على التقاط الأشياء المروية.
وفي اللقطات الرابعة والخامسة والسادسة تتوجه الكاميرا نحو الشخصية من خلال تركيز السرد على عدسة الكاميرا (من فوق) الموجهة نحو (آدم)، فتصوره على أنّهُ رجلٌ يرتدي قبعة سوداء وكوفيته الحمراء التي تكون أقرب إلى تقنية الاكسسوار، إذ تلتقط الكاميرا حركة (آدم) داخل المطار وهو يصعد الأدراج الميكانيكية فيختفي ثم يظهر من جديد، لقد تمّ تصوير اللقطة من الخلف علماً بأنها التقطت من زاوية مرتفعة (نظرة عين الطائر)، وتأتي الرؤية من الخلف بهدف تحقيق عدم ظهور الشخصية، وذلك باختفائها داخل بنية الصورة الفيلمية، فيتضح فيها ذكاء تقني عالي المستوى، إذ جسد قدرة المؤلف الضمني على بناء معالم الشخصية داخل الخطاب الروائي هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فإن الرؤية من الخلف تهدف إلى خلق الإثارة لدى المتلقي، وتعظيم شأن الشخصية في تحقيق فاعليّتها بالشكل الفني المناسب داخل الخطاب؛ لأننا أمام شخصية رئيسة تتمحور حولها الأحداث التي تجسد المعنى الماورائي المقصود، إلى جانب نمو الأفعال الدرامية(يسير. يمر. يخرج. يجر...إلخ) نمواً مثمراً، فتصل فاعليّة التشكيل مرحلة مهمة في إنتاج الحكي الجمالي إلى جانب توظيفه للمؤثرات السمعية (التلفون)، والبصرية (اللوح الضوئي) إلى جانب الإضاءة التي تراوحت بين مستوى الانخفاض لدرجة التشويش، أو الشدة في البياض في درجة الوضوح الدالة على وضوح الرؤية، يقول المؤلف الضمني كما في اللقطات (4) و(5) و(6):
"4-بياض خفيف يبين أن الفيلم رُكّب على عجل، آدم وهو يصعد الأَدراج الميكانيكية يغيب قليلاً وسط الوجوه الكثيرة قبل أن يظهر من جديد. وهو يقف مع الذين وصلوا معه، لأنَّه لم تكن لديه أي أمتعة يسير. يمرّ عبر حاجز الكمارك. يخرج من جهة الذين ليس لديهم ما يصرّحون به.
5- بياض. ثم، وهو يجرّ حقيبته وسط مطار عامر. الصورة مأخوذة من فوق لكنَّه يظهر بقبعته وكوفيتّه الحمراء. يُخرج شيئاً من جيبه تليفون. يتلفن [...].
6- يتّجه آدم نحو الباب الدوَّار الذي يؤدّي إلى الخارج يظهر بشكل أكبر. تخرج من فمه جملة بالكاد مفهومة، وهو على التليفون. لا مشكلة، أنتظرك. الطائرة وصلت متقدمة. ثم صوت غير مسموع يقفل على إثره التليفون..." (2).
يتوقف السرد ليصف الفضاء الخارجي للمكان، وما يؤثثه من أشخاص وديكور في لقطات متتالية متحركة وسريعة، فتتجه الكاميرا نحو اتجاهات مختلفة كي تأتي اللقطة لتصور تساقط الثلوج لتصور حركة دخول وخروج المسافرين وأخرى موجهة نحو السيارات الخاصة التي تكون باجتماعها مشهدًا رائعًا، كما في اللقطة السابعة التي جاءت محددة بزمن عشر دقائق، يقول المؤلف الضمني: "7- في الخارج، الثلج يتساقط. يغطي ظهور السيارات والحافلات ورؤوس الناس. حركة عادية تشبه حركة كلّ المطارات. المغادرون يدخلون. والقادمون يخرجون. حافلات الهيلتون الرمادية، الصغيرة والخاصة، تتوقف. تأخذ المسافرين ثم تنطلق لتحلّ محلّها أخرى...".(2).
يتفرج (آدم) مع (سميث) على المشهد البانورامي في حركة متابعة ذهنية، فتتزايد طاقة التوتر النفسي الداخلي وينفتح الحدث في حركة تصاعدية ليصل إلى العقدة الحكائية وذروتها، ثم تستمر سيرورة السرد فتتوجه الكاميرا من زاوية اللقطة من الأعلى من خلال لقطة استعراضية مفصلة إلى عرض التفاصيل والأحداث المتعلقة بحادثة اغتيال آدم من خلال تقنية zoom بغية تقريب المشهد من المتفرج، ثم تتوجه عين كاميرا إلى المؤلف الضمني لتلتقط لحظة نزول (أمايا) زوجة (آدم) من السيارة، وهي تلوح له بيدها التي أظهرها المؤلف بأزياء (اكسسوارية) تميل إلى الطابع الياباني
لقد ظهرت الملابسُ والاكسسوار كعناصر بصرية ليبدأ المشهد الثامن ثمّ يعود المؤلف إلى الكشف عن الطبقة الاجتماعية التي تنتمي لها شخصيات الفيلم إذ أظهر الخطاب ردود أفعالها تجاه (آدم) كما في اللقطتين الثامنة والتاسعة، إذ يقول: "8- صورة أخذت من فوق، من طابق علْويّ في المطار أو من سطح قريب. سيارة حمراء صغيرة تتوقف في مكان التوقف السريع والمؤقت. عرفها سيارة أمايا. نزلت منها. كانت ترتدي معطفاً زهرياً في جزئه العُلْويّ، المحيط برقبتها، صوف اصطناعيّ. تحته يظهر قليلاً لباس ورديّ خفيف منقط بالأحمر مثل القلم اليابانيّ على رأسها قبعة حمراء أشْرت بيدها وهي ترفعها عاليًا. قرأ بين شفتيها وفي عينها: حبيبي. يرفع يده نحوها ويهمّ بالتقدّم، بينما تضع مفتاح السيّارة في جيب حقيبتها الزهريَّة الصغيرة.
9- فجأة، فصلت بينهما حافلة الخطوط الجوية الفرنسية المتجهة عادة إلى الأوبرا. أو إلى مطار أورلي" (2).
ويمكن التعبير عن اللقطات وحركة الكاميرا داخل الخطاب الروائي بالشكل الآتي:
|
المشهد
|
المكان
|
الكاميرا/ المسافة
|
الإضاءة
|
الشخوص
|
الوحدة الديكورية
|
الاكسسوار
|
|
اللقطة (8)
و(9)
الفضاء الخارجي
|
مطار رواسي شارل دوغول العاصمة باريس
|
متحركة/ لقطة متوسطة
فضاء مفتوح
زاويا الكاميرا/ مرتفعة جداً
|
بيضاء
|
أمايا وآدم
|
سيارة حمراء
حافلة الخطوط الجوية الفرنسية
|
معطف زهري
صوف اصطناعي
اللباس العالي
حقيبة/ زهرية
|
ويستمر الحدث فتقطع اللقطة بلقطة أخرى فتشتد وتيرة الحدث، ويتعاظم حضور (آدم) داخل السرد وتعود الحافلة إلى الخطوط الجوية الفرنسية، وهي تفصل بينهما، فتكون هذه اللقطة هي اللحظة المفصلية في الحدث، إذ يبدأ فعل الاثارة والدهشة الجمالية، فيتوقف الزمن فيسود لحظة صمت مع انفتاح رؤية الحدث على الفضاء العام الكلي، كي يبدأ مشهد الرعب لحظة اغتيال آدم من قبل العناصر الإرهابية التي جسدت القبح داخل الخطاب الروائي ليتم انقاذ (آدم) بواسطة ثلاثة رجال من الحرس الخاص التابعين للقلعة (أميروبا)، في عملية انقاذ محكم، فيشكل هذا الحدث النقطة المفصلية في حياة (آدم)، فيعلن عن نهاية وبداية حياة أخرى يلتزم بها في الدفاع عن المشروع الأمريكي من خلال برحلة التغيير والاغتراب المكاني.
لقد جاءت زاويةُ الكاميرا وهي تصورُ الموضوعَ من الأعلى إلى الأسفل بهدف تحفيز مشهد الارهاب الثقافي ودوره في نشر القبح، ممّا يضع (آدم) أمام كورسًا جنائزيًا، إلى جانب تحقير وتصغير الشخصية، فيُعلن عن انتهاء مرحلة معينة من حياة الشخصية، وابتداء مرحلةٍ أُخرى يعيش فيها بين الانتماء واللاانتماء، فتكون تقنية المونتاج السينمائي في خدمة الفكرة الأصلية (سرد النهاية- البداية)، كما في اللقطات (10) و(11) و (12):
"10- فجأة، بياض. كأن الزمن توقف. أصبح المشهد واسعاً. طلقة أولى جافة تفرق الناس في كلَّ الاتجاهات. رجل يسقط على الرصيف. يرفع آدم رأسه قليلاً ويتراجع للدخول إلى المطار. يهجم عليه ثلاثة رجال يرتدون الأسود مثل الحرس الخاص. يغطونه كلياً. ثم يدفعون به في عمق السيارة المحصنة. رشقات الرصاص تزداد كثافة.
11-سيارة سوداء كانت تقف في الزاوية في الظل. تدور في مكانها دورة مجنونة. ثم تنطلق بسرعة وتخرج نهائياً من المشهد.
12-الرصاص يتكاثر. يسقط شخص كأنّه قُنص من الأعلى. ثم ثان. جثتان، واحدة لم تكن بعيدة عن حافلة الخطوط الفرنسية.... تظهر. يحوط الأمن سيارة آدم. الكثير من الناس كانوا عاجزين عن القيام يصرخون في أمكنتهم، بينما امتلأ مدخل المطار بسيارات الإسعاف" (2 ).
يمثل هذا المشهد المقسم إلى مجموعة من اللقطات المحددة في زمان ومكان ثابت صورة الصراع الذي تعانيه الشخصية الرئيسة داخل الحدث بتوسيع دائرة الكاميرا مع الفضاء في لقطة بعيدة، وبذلك أصبح مفهوم الزمن غامضاً يصل الحدث إلى نقطة الذروة من خلال محاولة اغتيال آدم بالتفصيل معتمدًا على بناء المناظر وتوزيع الوحدات والديكور على مساحة المناظر، وانتهاء الحدث بمشهد مأساوي.
من الممكن التعبير عن اللقطات وحركة الكاميرا داخل السرد بالشكل الآتي:
|
المشهد
|
المكان
|
الكاميرا/ المسافة
|
الإضاءة
|
الشخوص
|
الوحدة الديكورية
|
الاكسسوار
|
|
اللقطة: (10-12)
الفضاء الخارجي
|
مطار باريس شارل دوغول العاصمة باريس
|
متحركة/ لقطة بعيدة عامة
فضاء مفتوح
زاوية الكاميرا/ مرتفعة جداً
|
اللون الأبيض
|
آدم وشخصيات اخرى ثلاثة رجال من الحرس الخاص
|
يمثل حالة الفوضى والعبث
(ركام/ انقاض/ جثث/ قتل/ حطام/ مصابين) هنا وهناك
|
الطلقة جنود سيارة سوداء سيارة اسعاف
|
ثم تقترب الكاميرا في لقطة قريبة zoom لتصوير المسار الكابوسي في نهاية المشهد، السيناريو الذي يمثل خلاصة الرؤية الاخراجية في تتبع التحولات الدرامية لحياة البطل الثقافي (آدم) وسط مشهد يتسم بالصخب والفوضى والعبث، وقد اعتمد على المشهد في تحديد المنظر من حيث المكان والزمان الذي وقع في العاصمة باريس (صباحاً) فاستُنطقَ المشهد عبر وحدات الديكور؛ لمعرفة البُعد النفسي للشخصية (آدم) وعلامات الدهشة والصدمة والذهول الذي أصابه ومدى حجم الخطر الذي كان يلاحقه وقد تحوّلت دلالة المكان من الفضاء المفتوح إلى فضاء مغلق (كابوسي) بعد أن تحوّلت إلى ساحة من الدم وسط مشهد مفتوح على الفضاء الخارجي الذي بدأ بلقطة بعيدة مفتوحة على مساحة مضاءة بنور شديد، يقول المؤلف الضمني: " 13-صورة مكبّرة قليلاً. الحافلات لم تتحرك من مكانها جاثِمة. حافلة الخطوط الجوية الفرنسية التي فصلت بينهما، لم تتحرك من مكانها أيضاً. فيها الكثير من الثقوب، وزجاجها مكسور كلّياً. 14- سيّارات الإسعاف الكثيرة لا تتوقّف. أضواؤها الملوَّنة والدوارة. تملأ المكان. مع سيّارات الشرطة.
15-بياض وصوت خفيّ لشريط كان يتحرك. ثم سواد. ضغط آدم بيده اليمنى على فمه مرّة أخرى حتى لا يصرخ. أغمض عينيه بعد أن انسحبت من لسانه لغته. بقي في حالة وجوم كلّيّ.." (2 ).
يمثل هذا المشهد الأخير المشتمل على عدة لقطات (13-15)، خلاصة الرؤية الإخراجية للعمل الأدبي؛ لأنّهُ يزيل العتمة عن المستور فيلقي الضوء على واقع سريع التحوّل حتى بات يتخطى كلّ الصيغ المتخيلة والممكنة ليصبح المشهد اللامعقول الذي يدور وفق معادلة غير متوازنة بمجرياته وأحداثه المأساوية، فيعيد بثها وفق ايقاع سردي محكم ومترابط، يحقق من خلاله عنصر التشويق والإثارة، هكذا يرسم الكاتب (واسيني) السيناريو للحلم الجديد؛ ليعلن عن نهاية مرحلة والبدء بمرحلة أُخرى، فيأتي توظيف السينما بما ينسجم مع فكرة نسق (النهاية) التي حرص الكاتب على تقديمها وفق مشهد بانورامي (درامي)، يبعث في جوهر التشكيل حالة من الحزن إذ كلّ لقطة ترتبط دلالياً وسينمائياً باللقطة الأُخرى، مع إعادة ترتيب اللقطات السردية وتنضيدها كي تكوّن الوحدة الفنية للفيلم فيتشكل متن الحكاية، وهو ما يطلق عليه بـ (المونتاج السينمائي) الذي يقصد به: "ترتيب مجموعة من اللقطات السينمائية على نحو معين بحيث تُعطي هذه اللقطات- من خلال ذلك الترتيب- معنىً خاصاً، لم تكن لتعطيه لو رُتبت بطريقة مختلفة أو قدمت منفردة" (5 ).
بهذا التشكيل الفني (الجمالي) يقدّم الكاتب نصه الإبداعي البصري الذي يتضمن خطاباً مثيراً للرصد والمعاينة بعد حلول الرؤية فيه، فيحقق المتعة الجمالية المنطوية على أبعاد ثقافية خصوصا أنّ تلك المشاهد بنيت في هذا الفيلم بناءً منطقياً لأنّ كل لقطة فيها تحمل مضموناً جديداً يسهم في رفع الأحداث إلى الأمام وفق توليف روائي محكم، لا تشوبه أية فجوات تأتي ضمن التدرج الدرامي، فكلّ لقطة اضافت معلومة جديدة، إذ صاحبنا هذا الإحساس من خلال تقدّم الحكاية، باستخلاص المعنى العميق من كلّ لقطة، فجاء أسلوب المونتاج مختلفًا باختلاف العلاقة بين الصور واللقطات التي باختلافها ما يُخلق بالمنطق السينمائي الخاص بالفيلم، والذي يهدف إليه الفنان؛ لتحقيق التأثير المراد بثه في المشاهد، ومن خلال عمليات المونتاج تكتسب اللقطات معنى ومغزى مؤثراً عميقاً، فضلاً عن
|
لقطة (4)
لحظة دخوله بناية المطار
|
|
لقطة (1)
وصف الفضاء الخارجي لمدينة باريس
|
|
لقطة (2)
نزول آدم من الطائرة
|
|
لقطة (6)
استمراره في الحركة
|
|
لقطة (7)
وصف الفضاء الخارجي لمدينة باريس
|
|
لقطة (8)
لقاؤه بـ أمايا زوجته
|
|
لقطة (9)
اغتيال آدم
(ذروة الحدث)
|
|
لقطة (10)
انفراج العقدة
الفوضى والعبث
|
|
- هجم عليه ثلاثة أشخاص من الحرس الخاص
- يسقط شخص قنص من الأعلى
- يحوط الأمن سيارة آدم
|
|
- لقطة حافلة فيها الكثير من الثقوب
- زجاج مكسور
- سيارات اسعاف
|
|
لقطة متحركة/ من زوايا مرتفعة
مشهد/ محاولة اغتيال آدم من لحظة دخوله إلى لحظة خروجه
|
القدرة على التفكير والإحساس اللذين يمدُ بهما المونتاج آلة التصوير (فيلدمان، 1996، 152-153). ومن الممكن التعبير عن هذا المشهد وعدد اللقطات التي عملت على زيادة التشويق، وإطالة المشهد والتعبير عن عملية توليف هذه اللقطات عبر المونتاج من خلال الرسم الآتي:
في ضوء ما سبق، يمثلُ الخطابُ الروائي في ضوء النقد الثقافي مؤشرًا فنيًا ذا طابع مشهدي، كونه يقدّم معالجة بصرية لسيناريو الحدث وفق صورة متحركة غير ثابتة، إذ يتحرك المشهد بمراحل متتالية: بداية، وسط، ونهاية؛ للتعبير عن أيديولوجية الكاتب في رصد حالة التصدع والتمزق الذي تعرض له (آدم) ممّا يسهم في إنتاج تجربة فنية تنطوي على رؤية ثقافية، تسمح في تطوير القصة، وتنامي أحداثها بما ينسجم مع مقصدية المؤلف (واسيني الأعرج). يُشكل (نسق النهايات) من منظور النقد الثقافي من الدوائر الدلالية المفتوحة الكاشفة عن عمق تجربة الكاتب الثقافية، وخلاصة رؤيته المستقبلية للحياة وفق رؤية سوداوية متشائمة؛ ليعلن بكل صراحة عن نهاية الحضارة العربية (العقلانية الصلبة)، وموت الإنسان المرتبط بمرجعياته الحضارية، والانتقال إلى حيز العقلانية السائلة الكمونية بوصفها المرجعية الكامنة المطلقة المكتفية بذاتها، فجاء الخطاب ليبشّر بظهور الإنسان الحديث، وذوبانه وحلوله في النظام العالمي الجديد، فيصبح هذا النظام المادي (الطبيعي) هو المركز الذي يدور حوله الوجود، ويُرى فيه بشائر الخير والآمال دون أن يبحث عن بريق الأمل، وبصيص النجاة من هذا الواقع المتصحر المنهار المعروف عنه العقم واللامبالاة الذي بات يتلاشى بالعودة إلى الحسرة، وهو يتنهد زفرة النهاية الخانقة؛ حزنًا على واقعه الموبوء؛ لأنّه يعي أنّ ساعة الخلاص بعيدةٌ، وما من بشائر لفجرٍ جديدٍ مشرق، أو نصرٍ قريب للإنسان على المدى المنظور. لقد جاء الخطاب الروائي_ من خلال قفزة في براري الزمن الإبداعي الطليق_ مفجرًا عن رؤية مستقبلية؛ للدلالة على نهاية التاريخ الحضاري، وانتصار الأنا الغربية العالمية على حساب الطبقة المهمشة البروليتارية، فيصبح (نسق النهايات) ثيمة محفزة على الكتابة الإبداعية أو رمزًا مبتكرًا يجسد به الكاتب ألق تجربتهِ في الكشف عن مدلولاته التي تتأسس في إطار حركةٍ متناميةٍ بالصعود في شكلها الإبداعي الذي يشكل نتيجةً لهذا الحس المتنامي بما يكشف عن التحيزات الثقافية (تحيز كلي نحو النموذج المعرفي الغربي) المنعكس في رؤية الكاتب الثقافية، بعد تبنيه لرؤى فلسفية غربية انعكست مؤثراتها الخلاقة ومغرياتها على رؤيته الثقافية، فأعاد تشييد وهندسة تجربته الإبداعية في ضوئيها بالارتكاز على عنصر التخييل، وبناء الأنساق الثقافية الدلالية المعبرة عن حسه الإبداعي، ومن هنا جاء التحليلُ الثقافي للخطاب الروائي متتبعًا مسارَ الرؤيةِ وحركاتِها ومنعرجاتِها النصيِة العميقةِ للارتِقاء بها جماليًا، كما أنّ المتابعةَ الدقيقةَ لهذا الخطابِ (نسق النهايات) تكشفُ عن كثبٍ ودرايةٍ واهتمامٍ انعكاس التحولات في الرؤى والمضامين الفنية، إلى جانب التنوع في التقانات السردية التي طرأت على رؤية الكاتب (واسيني) فيعكس موقفه الوجودي ورؤيته المأساوية المتشائمة التي يستشرف بها المستقبل في سنة(2084)، وهو بذلك استطاع أن يُكوّن لتجربته الخلاقة شكلها الخاص بها، وقدرته على الارتقاء بها إلى مرتبة الجودة والاتقان الفني في تأسيسه للمتعة الجمالية على مستوى التلقي من خلال انفتاح ادراك المبدع الذي يسعى للتحرر من قيود الواقع الدنيوي، خصوصًا أنّ كلّ ما يفكر فيه المبدع هو أن يُباشر في التفاعل الثقافي مع الآخر، يمثل امتداداً من عالمه الخاص الجواني إلى فضاء الكتابة الإبداعية ذات وظيفة وجودية وتطهرية؛ لتظهر رؤيتهُ للوجود، وتنزع عن ذاته عبء الحياة الحقيقية والانعتاق من الواقع وصدماته المدمرة وشدة سلاسلها، فيعيد إدراكه للعالم بعين جديدة، وتجدد دائم، وحيوية مستمرة عبر ارتحاله في كون فني آخر.
References
1.Harb A. The Discourse of Endings: The Openings of Globalization and the Dilemmas of Identity. Arab Cultural Center, Beirut, Lebanon, 1st Ed., 2000.
2.2.Al-A‘raj W. The Last Arab’s Tale 2084: A Novel. Dar Al-Adab, Beirut, 1st Ed., 2016.
3.Fukuyama F. The End of History. Translated and annotated by Hussein Al-Sheikh. Dar Al-‘Ulum Al-‘Arabiyya, Beirut, Lebanon, n.ed., n.d.
4.Derrida J. Specters of Marx. Translated by Mundhir ‘Ayashi. Center for Civilizational Development, 2006.
- Ubayd M S. The Structure of the Modern Arabic Poem between the Semantic Structure and the Rhythmic Structure. Arab Writers Union, Damascus, 2001.
6.Feldman H & Joseph. The Dynamics of Film. Translated by Mohammed Abdel-Fattah Qanawi. Egyptian General Book Authority, n.ed., 1996.