| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
الهوية الذاتية في شعر الصعاليك في العصر الجاهلي
|
|
|
|
أبراهيم خلف احمد و صالح محمد حسن
|
|
|
|
قسم اللغة العربية / كلية التربية الأساسية / جامعة الموصل
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 8 July 2025
Revised: 13 August 2025
Accepted: 25 March 2025
|
|
أهمية هذا البحث تكمن في ما للصعاليك من هويات في هذا العالم الواسع بوصفهم عديمي الهوية ، فجاء هذا البحث لتوضيح أهمية الهوية عندهم ،أما في ما يتعلق بالمشاكل فقد كانت في الموافقة أو عدم موافقة الآخر على هذه الهوية ، وبيان الأسباب وحل المشكلة من خلال عينات الدراسة والنماذج التي وجدت فيها ، ولمعرفة ذلك الأمر، واشتمل بحثنا على عدة مصادر، فكان في مقدمة هذه المصادر كتاب الدكتور يوسف خليف "الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي" والكثير من المصادر الأخرى، ويهدف البحث إلى التعرف على العلاقة بين الشعراء الصعاليك وإقرانهم في القبيلة التي يريدون الحصول على هويتها ، فقد ضم هذا البحث عينة مختصرة من الشعراء الصعاليك الذين كان لهم ابيات شعرية تحمل مضمون الهوية، ولذلك وقفنا نتأمل من خلال هذا البحث الهوية ، بغية معرفة اثارها في حياتهم في فترة عصر ما قبل الإسلام، والوقوف على أبرز نتائجها، والعمل على فك الالتباسات والفروق بين الهوية والانتماء، كون الهوية تشكل أحد أبعاد الانتماء، والعمل على حلحلة الأزمات المتعلقة بالهوية ، ومعرفة ما للهوية من دور في المحافظة على السلم الأهلي، وهي تتشكل في أذهان الصعاليك بواسطة اطر معرفية.
الكلمات المفتاحية: الانتماء، الصعاليك ، الهوية.
|
|
Keywords:
Belonging
tramps
Identity
|
|
Corresponding Author
Ibrahim Khalaf Ahmed [email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i1.a4 , ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
- Self-identity in the poetry of vagabonds in the pre-Islamic era
A KH Ahmed and S M Hasan
Department of Arabic Language, College of Basic Education, University of Mosul, Iraq
Abstract
The importance of this research lies in the identities of the tramps in this vast world that considers them to have no identity، so this research came to clarify the importance of identity to them، but with regard to the problems، they were in agreeing or not agreeing with the other on this identity، and explaining the reasons. And solve the problem through study samples and the models that were found within them. To find out about this، our research included several sources. At the forefront of these sources was Dr. Youssef Khalif’s book, “The Tramp Poets in the Pre-Islamic Era” and many other sources. The research aims to identify the relationship between the vagabond poets and their associates in the tribe whose identity they want to obtain. This research included a brief sample of vagabond poets who had poetic verses that conveyed identity-based content. Therefore, through this research, we contemplated identity in order to understand its effects on their lives dur period. The pre-Islamic era، and identifying its most prominent results، and working to resolve the ambiguities and differences between identity and belonging، since identity constitutes one of the dimensions of belonging، and working to resolve crises related to identity، and knowing the role of identity in maintaining civil peace، as it was formed in the minds of the tramps by Cognitive frameworks.
المقدمة
الحمدلله والصلاة والسلام على أكرم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
فبعد ذلك سنقوم ببيان مقدمة للهوية في شعر الصعاليك، والسبب في اختيار الموضوع عائد إلى جملة من الأسباب:
- أهمية البحث: وذلك لجعل الشعراء الصعاليك من أصحاب الهويات القوية والمعترف بها، إذ كرسوا حياتهم من أجل إقامتها، والمحافظة عليها، والعيش تحت ظلها ، ويكمن الوصول إليها عبر النماذج- الأبيات – وتحليلها؛ للوقوف عليها .
- منهجية البحث: وقامت على استعراض عدة تعريفات، من بينها، تعريف الهوية لغة واصطلاحا ، وتقسيم الهوية إلى نوعين أو بعدين ، البعد الأول: الهوية الأجتماعية ، والبعد الثاني : الهوية السياسية ، وذلك عبر النماذج وتحليلها، للتعرف على ما هو اجتماعي وما هو سياسي.
- مشكلة البحث: ومن المشاكل التي واجهتها، كانت في مجملها متعلقة بالكتابة ،فنطاق الدراسة حول مفهوم الهوية في شعر الصعاليك في عصر ما قبل الإسلام، غير واسع بعض الشيء، مما جعلني أعتمد على نماذج مركزة من شعرهم، وبعض المعلومات المتناثرة في كتب الأدب الجاهلي، والرسائل والأطاريح.
- اهداف البحث: وهي تعريف الناس إنَّ للشعراء الصعاليك هوية وضرورة المحافظة عليها ،واثبات هويات الصعاليك ، وكذلك الدلالة على الشعراء الصعاليك أنهم متمسكون ببعضهم البعض .
- مشكلة البحث: عرض موجز لهذه الحالة، وهي الهوية وبيان الأبعاد الرئيسة في البحث، والانتظام في تحليل الأبيات التي تحمل المعاني الدالة على الهوية في شعر الصعاليك في عصر ما قبل الإسلام، وإعادة صياغة حالات قد تحمل معنى قريب من موضوع البحث وتدويرها.
الهوية في شعر الصعاليك في عصر ما قبل الإسلام
إذا بدأنا الحديث عن الهوية في شعر الصعاليك في العصر الجاهلي، يعني الحديث عن مدى الالتزام بالقوانين والأعراف في ذلك العصر، حين كانت القبيلة هي الباعث الحقيقي للعصبية القبلية، وكان سائر أفراد القبيلة يتمركزون فيها، في حين كان على الصعلوك الخارج عن القبيلة أثبات هوية ذاته فيها.
الهوية لغة:
جاء تعريف الهوية في المعجمات العربية بأنها "حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره " (1) ويجب أنْ نلتمس هذا المعنى في أكثر من مكان للدلالة عليه وتوضيحه ، ففي لسان العرب من " هوى ، يهوي ،هوة ، والهوية تصغير هوة ، وقيل الهوية بئر بعيد المهواة " (2) وعبر هذان التعريفان يمكن تشكيل الأطر المعرفية للإطار اللغوي للهوية التي يمكن التفريق بينها وبين المصطلحات الأُخر.
الهوية اصطلاحا:
ذكر أبو البقاء الكفوي في كتابه الكليات مفهومًا أكثر وضوحًا، وذلك عبر قوله :"إنّ لفظ الهوية فيما بين معان عدّة : التشخيص والشخص نفسه والجو الخارجي، وقال بعضهم: ما به الشيء هو بوصفه حقيقة وذاتًا، وباعتبار تشخيصه يسمى هوية، وإذا عم هذا الاعتبار يسمى ماهية ، وقد يسمى به الشيء هو ماهية اذا كان كليًا كماهية الأنسان " (3) وإنَّ الهوية بوصفها مصطلحًا يحمل مضامين ومعانٍ فلسفية ووجودية تتعلق بالبشر ولا سيما الشعر، إذ كان لها دور بارز وواضح في تحقيق الانتماء، وإيصال الغايات المنشودة من ذلك، وهي تتعلق بطبيعة الشخص، فالهوية تميز الشخص، وتجعل له خصوصية، وقد عبرت عن مصالحهم، فكانت حاجتهم إلى الهوية حاجة فطرية مكتسبة من أجل البقاء على أرضهم والإسهام في تحقيق تقدمها، فهي مرتبطة بالتنمية، فكلما كانت مستقرة وقوية هذه الهوية، زادت التنمية والانتماء ، وكلما ضعفت الهوية ضعف معها التنمية والانتماء.
تشكل الهوية في العصر الجاهلي بعدًا مهمًا في كشف المغزى من شعر الصعاليك الذي يمثل دورًا كبيرًا في التعبير عن حياة الشعر في العصر الجاهلي ، إذ كانت القبيلة تمثل رأس الرمح و البعد الأعمق في وعي الإنسان الذي عاش في العصر الجاهلي .
مثلت الهوية القبلية خيارًا مهمًا في حياة الشاعر الصعلوك، إذ نتج عنها مآسٍ كبيرة، مثل الحروب، والطرد من القبيلة، لكنها تظل ركيزة أساسية في حياة الصعلوك، ويرى يوسف خليف أنّ العقد الاجتماعي والسياسي للهوية :"بين الشاعر والقبيلة تحوّل إلى عقد فني جعله معبرًا عن مشاعرها وتطلعاتها قبل أن يكون معبرًا عن مشاعرها واتجاهاته الشخصية، لذا اتجهت الـ(أنا) نحو الـ(نحن) عبر الفخر، والإشادة بالقيم الجماعية التي تمثلها القبيلة، فكانت الغاية قبلية ، ولم تكن الوسيلة فردية " (4) بمعنى أن الغاية كانت هي أثبات هوية الشاعر الصعلوك، وتأكيد انتمائه إلى القبيلة وإنْ كان هو الشاعر شخصًا لوحده، وهذا كل ما يحتاجه لتأكيد وتثبيت هويته وهي الانتماء إلى قبيلته .
ذكر أبن رشيق: "إنّ القبيلة في العصر الجاهلي إذا نبغ فيها شاعر، أتت إليها القبائل، وهنأتها بذلك، وصنعت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعن بالأعراس، لأنه الحامي لأعراضهن، وهو المدافع عن أحسابهم، وهو الذي يخلّد مأثرهم ولم يكن يعدل فرحة القبيلة بالشاعر سوى فرحتها بغلام يولد أو فرس تنتج " (5) ونلمح خلف هذه الإشارات أن ميلاد الشاعر في القبيلة يمثل أيذانًا بمولود جديد، تكون شخصيته هوية القبيلة كأن تكون سياسية أو اجتماعية ، بمعنى إن شخصيته تشكل مدخلًا لصناعة الهوية وتشكيل قيمها كالفروسية والشجاعة والإيثار والكرم، فانتماء الشاعر إلى قبيلته "هو عين اكتساب الذات لهويته الفردية ووجودها ألأخلاقي " (1) وتتشكل الهوية في إطار الانتماء إلى القبيلة أو المجتمع؛ لأن الانتماء هو القاسم المشترك بين أبناء القبيلة، لكي يتشكل فيما يعرف بالمجتمع الكبير الذي يشكل القبيلة أو الدولة ومن ناحية أخرى كانت نظرة الفرد أو الشاعر الصعلوك نظرة محدودة، فينظر إلى من يحكمه في المجتمع الذي يعيش فيه نظرة تجعله يحكم عليهم بأنهم ليس أهلًا لتسلم الحكم .
وبرزت الهوية في شعر الصعاليك ، وكان الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي يسعون لأجل اثبات الهوية التي فقدوها ، وكان من هؤلاء الشعراء عروة بن الورد الذي يقول (الورد، 1988، 57):
ما بالثراءِ يسود كـــــــــل مـُــــــسوَّدٍ مثرٍ ، ولِــــــكن بالفعال يسودُ
بل لا أكاثرُ صاحبي في يُسرهِ، وأصُدُّ إذ في عيشه تصري
فإذا غنيتُ ، فإنَّ جــــاري نيـــــــلهُ من نائلي ،وميسري معهودُ
وإذا افتقرتُ ، فلن أرى متخشعًا لأخي غِنى معروفه مكدود
في هذه الأبيات السابقة دلالة على الالتزام بهوية الجماعة كأن تكون قبيلة أو اشخاص أ و اي فئة أو أشخاص ينتمي اليها الصعلوك ، وأنها من القيم الفنية في شعر الصعاليك ، والهوية في شعرهم بمثابة تبرير لسلوكهم المنفرد وأثبات هوية سيدهم أنها ليست بالغنى ، إذ أنكر عروة هويته التي كانت متصلة بعض الشيء بالجماعة، وينفيها في أغلب الأحيان حتى وصل به الأمر أن يهجوهم في بعض شعره إذ يقول: (الورد، 1988، 56)
وما بِيَ منِ عــــارِ إخــــــالُ عــــــلمُتهُ سوى إِنَّ أخوالي إذا نسبوا نَهدُ
إذا ما أردتُ المجدَ قصّرَ مجدهم فأعيا عـــلي ّ أن يقاربني المجْدُ
ولا أحد يعلم ما سبب هذا الكره ، ولا نظنّ أنّ سبب هذا الكره يعود إلى انطماس هوية نهد عن هوية عبس والابتعاد عنها، وكان يعتقد أنَّ العار الوحيد الذي يمكن أنَّ يلحق بالفرد هو قادم من أخواله،لا يريد مجدهم ، عليهم أن يبقوا أمجادهم لهم ، فهو لا يعتز بهويتهم ، ولا يريد أمجادهم. "وسلك عروة سلوكًا مختلفًا ومغايرًا عن سلوك الصعاليك الجاهلين، وهو سلوك يتلائم مع هويته وشخصيته ، وهو السلوك الاشتراكي الذي كان يدفعه إلى تجميع الفقراء والضعفاء، ثم يحضر لهم الأسراب، ويكنف عليهم الكنف، ويطعمهم" (6) فقد مثل عروة دور الأب الروحي للصعاليك الذين شكّلوا إحدى الطوائف في العصر الجاهلي، نتيجة الظروف التي اكتنفت الحياة في تلك الفترة.
وللهوية بعدان تتمثل في مجددات تحديدها، والهوية تتكون من بعدين هما البعد الاجتماعي والسياسي ، وعلى هذا ومدى استقرارها ووحدة كيانها ، وطبيعة عملية بنائها ، اساسية للقبيلة تساهم في تحديد طبيعتها ، ويتطلب تحديد هذه الابعاد ذات العلاقة بالقبيلة والتعريف الدقيق لها" (7). وقد شكلت الابعاد الاجتماعية والسياسية، عاملًا مهمًا في استقرار الهوية ، وإدامة المحافظة عليها ، فلهذين العاملين، أثر كبير وواضح في الهوية
البعد الاجتماعي
يتفق أغلب الباحثين على أنّ للهوية بعدًا اجتماعيًا خاصًا في شعر الصعاليك في العصر الجاهلي "وذلك بحكم إن الأنسان كائن اجتماعي بطبعه ، فليس من المعقول أن يكون الصعاليك بمنأى كامل عن المجتمع، ولا أن يكونوا خلقًا أخر في نفسياتهم وعواطفهم الاجتماعية، فكل منهم لابد أن تربطه بالمجتمع، حتى ولو كانت هذه الرابطة عداء وخصومة من باب اعتبارهم الضدية نوعًا من الروابط" (سعدي، 2015، 317) فقد كان البعد الاجتماعي في الهوية في شعر الصعاليك في فترة عصر ما قبل الاسلام هو تقليدي كالمدح والهجاء والفخر والرثاء، وهناك نوعان من الشعر الاجتماعي في شعر الصعاليك ، هو أن تمثل الخلق الاجتماعي للصعاليك، وأن الاجتماعية لم تكن متأصلة عندهم عدا بعض الأفراد، ولم تكن بارزة في شعرهم، ومن شعرهم التقليدي الدال على الفخر، وهذا ما جاء به عروة بن الورد حين أكرم ضيفًا زاره، إذ يقول (الورد، 1988، 83):
فراشي فراشُ الضيف والبيتُ بيْتُهُ ولم يـــــلهني عنه غزالٌ مقنَّعُ
أحُــــــدثه، إنّ الــــــــــحديثَ من الِقرى وتعلمُ نفسي إنه سوفَ يهجع
وهنا يقدم الشاعر صورة حية عن إكرام الضيف والتحدث معه، نوعًا من الإكرام أو التسلية عند الطعام، الذي ربما لا يمتلكه عروة كي يقدمه للضيف، وهنا اثبات للهوية في شعر الصعاليك وهي الكرم وأنّ لها بعدًا اجتماعيًا في شعرهم؛ لما نالته في بعض الجوانب أشعارهم من إشارات وصور للدلالة عليها، فهو يساعد الفقراء والمحتاجين على تخطي الظروف الصعبة التي يعيشونها.
ويقدم الشاعر السليك بن السلكة، صورة أخرى من صور الهوية الاجتماعية "حين بلغ السليك طلائع جيش بكر بن وائل، ليغيروا على قبيلته تميم ولايعلم بها، فقالوا إن علم السليك بنا، أنذر قومه، فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلما هايجاه خرج يمحص، كأنه ظبي، فطاراداه سحابة يومهما، ثم قالا: إذا كان الليل أَعيا ثم سقط، أو قصر عن العدو فنأخذه، فلما أَصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة وندرت قوسه " ( 8)
أراد أنْ يخبر قومه قبل أن تحل بهم الكارثة لكن قومه لم يصدقوه وجوبه بالرفض لأنه كان من الشعراء الأغربة الذين ليس لهم أي رأي ولا تصديق فيقول في انذاره لهم : (ادم وسعيد، 1984، 47)
يكذَّبنُي الَعْمرانِ عمرو بن جُنْدبٍ وعمرو بن سعدٍ، والمكذّبُ أكذّبُ
سْعيت لعَمري سَعْيَ غيرِ معـــُجَّزٍ ولا نأنأٍ لـــــو أننـــــي لا أكــــذَّبُ
ثكلتكما إنْ لم أكُنْ قد رأيُـــــــتها كراديسُ يهديها إلى الحيَّ كوكِبُ
كراديسُ فيها الحوفَزانُ وحَــوْلهُ فوارِسُ هَـــمَّام مَــتى َيدْعُ يَركَــبوا
فوقع ما وقع فيهم حتى دخلوا عليهم على بني تميم، فكان لهم ما أرادو من تضليل للمعلومة ، فندم قومه ندمًا شديدًا، لأن تبليغه لم يبلغ صداه، وذلك لبعد الغاية، وسرعة عدوه لم تنفعه عندما لاحقه الفرسان ليخبر قومه، أنّ بكرًا كانت تعد لهم العدة، وعبر هذا نرى أنَّ بكرًا حصلت على ما أرادت ،"فكان السليك يشكو القهر الاجتماعي الذي كان من إفراز مجتمع بدائي يعتمد القوة ولا يعرف غيرها في إنصاف ابنائها، وعلى الرغم من سلكه في الشعراء الصعاليك إلاَّ إنه لم يكن من الصعاليك الذين يعني بهم البعض أنهم ثوار على المجتمع"(ادم وسعيد، 1984، 25) وهو يتحسس سوء حظه أنه انتمى إليهم، لكن لم يكن باليد حيلة، ولا يستطيع أن يدفع الذل والهوان عن نفسه فهو يقول(9):
أشاب الرأس إني كـــــل يوم أرى لي خــــــــالة وسط الرجال
يشق علي أنْ يلقين ضيما ويعجز عن تخليصهن مالي
بناءً على ما اكده علماء الاجتماع على العلاقة بين السليك بن السلكة وقومه وان قومه احتقروه اجتماعيًا . فقد كان هجينًا في بيئة تحتقر الهجين، وكانت أمه أمة سوداء، وعُدّ من طبقة الأغربة، ولكنه كان يشعر بالانتماء لهم؛ لأنه لا يريد العيش في صراع مع مجتمعه.
وإن البعد الاجتماعي يخلص إلى أن الفقر والاحساس بالجوع وإحساس الشاعر بالظلم كان من أهم أسباب انطلاق الشاعر إلى الصعلكة، وخروجه عن مجتمعه ورفضه العيش فيه ، فهنا يبدأ الشاعر برفض التشكيل الاجتماعي لمجتمعه ويبدأ بإصلاحه" (6) فبين الشاعر وجهة نظره في ذلك الموقف حيث يقول الشنفرى: (10)
أَقِيُمــوا بَـــنِي أُمَـــــّي صُدورَ مَطِيَّكُمْ فإنَّي إلى قَومٍ سِــــوَاكُمْ لَأمْيَلُ
فَقَدْ حُمّـــَتِ الحَاجَــــــــاتُ واللَّيْلُ مُقْمِرٌ وَشُدَّتْ لِطِيّاتٍ مَطَايَا وَأرْحُــلُ
وفي الأَرضِ مَنْأى لِلْكِريمِ عَنِ الأذَى وفيها لِمَنْ خَافَ الِقلَى مُتَعَزَّلُ
الشاعر هرب بنفسه إلى عالمه الخاص، الذي كان يعيشه مع جماعته، وكان هذا العالم يتكون من الحيوانات؛ لأنه قليل الانتماء إلى أبناء جنسه من البشر؛ بسبب إحساسه بالقهر الاجتماعي في مجتمعه، إذ عاش بذل وجفاء في قومه، ومنظومة القيم الأخلاقية يذكرها الشنفرى لا تتحقق، بل هي وهم، ولهم هوية واحدة ما دام تجمعهم الأم الواحدة، وقد أراد أنّ يبين إنه يتمتع بهوية أخرى، هوية العطف والحنان، فيبدي أستعداده للرحيل عنهم، فمضى إلى ذلك العالم الموحش بالمخاطر ويؤكد على هوية قوية يستعير بها بالحيوانات بدلًا من البشر، وهو يشعر بمزيد من التوحش، إذ يقول: (10)
وكُلٌّ أبيٌّ بَاسِلٌ غَيْرَ أنَّنِي إذا عَرَضَتْ أُولَى الطَرَائِدِ أبْسَلُ
فهو لايقبل الظلم، ويسعى لأقامة نظام عادل يحفظ لهم كرامتهم، وهذه هوية الرجل الشجاع، والبطل المقدام والفذ ، وهو لا يريد اخفاء هذه الأمور، فيعزم على مقارعة الظلم والاستبداد. إذ كان يسعى إلى إقامة نظام اجتماعي قيمي قريب من الواقع، يتساوى فيه الأبيض والأسود في الحقوق والواجبات، بمعنى أنّ ابناء السود أو الصعاليك ليسوا من خارج القبيلة، هم أنفسهم عملوا على إذابة الفوارق الطبقية التي كان يعيشها المجتمع الجاهلي وصهرها، والعمل على إزالة الأثار المترتبة على ذلك، فيؤكد أنه أبسل من ذلك كله.
كان الصعاليك أكثر وعيًا للوجود الإنساني ولكن الذات الإنسانية من غيرهم ، وكان ثمة جدل بين العصبية القبلية القائمة على الدم والوعي الفردي الإنساني لديهم الذي يحيل مضمونًا اخلاقيًا، جعل الجدل في أنفسهم اكثر حساسية في نشدان المثل الأعلى للقيم في المجتمع الجاهلي " (11) وذلك كان بسبب مواهبهم في الشعر، فقد قضوا أكثر حياتهم في كتابة الشعر وإدامته ، أو ربما اتخذ البعض الصعاليك ستارا وأختفى بعدهم، ليلصلق التهم الجزاف بهذه الفئة المهمشة، وقد تكون هذه سببًا في خلعهم من قبائلهم وتجريدهم من هويتهم، أو قد تكون البئية القاسية هي من تدفعهم إلى ذلك، دون تحريك من أحد، فما كان من أقوامهم أنَّ يفعلوا شيئا تجاههم سوى نبذهم وسحب الهوية منهم" ولكن بعضهم نبذتهم أقوامهم بسبب قطع الطرق والأغارة والاستجداء، والبيئة الاجتماعية في شعر الصعاليك هي التي دفعتهم إلى الخروج عنها رغم محاولتهم إثبات وجودهم فيها لكن دون جدوى، فقد كانت بيئتهم شديدة القسوة، وحالفتهم هذه القسوة منذ أن عرفوا انفسهم ، وكانت شديدة الوفاء لهم، فلم تتخلَ عنهم حتى لقي أكثرهم مصرعه، أو على سبيل المثال دفعت أكثرهم إلى ممارسات لم يقبل بها المجتمع" (حفتي، 2008، 40) وبناء على ذلك فإنّ أكثرهم لم يعرفوا حياة الراحة التي عاشها الأغنياء في المجتمع الجاهلي وأبناء المترفين، وإنّ عدم امتلاك الصعاليك ما يفخرون به من نسبهم لم يمنعهم ذلك من منح أنفسهم مكانة عالية وعزة نفس كبيرة ، عدا القلة منهم، وكان في مقدمة القلة عروة بن الورد الذي اعترف بنسبه من أمه فيقول: (بن الورد، 1988، 40)
لا تلُمْ شيخي ، فما أدرى به غيَر أنْ شارك نهدًا في النسب
كـــــان في قيسٍ حسيبًا ماجدًا فأتت َنهــــــــــدٌ على ذاك الحسبَ
وكان هو في بني قيس له اليد الطولى، وقلما نجد شاعرًا وفارسًا مثل عروة الذي كانت صعلكته ضمانًا اجتماعيًا أو ما يسمى بالاشتراكية، وهو أعلى الحسب ، وهو الاشتراك في الهوية، وتعدد المحاور، فأغلب شعره يأتي لتأكيد هوية الفقراء وإبقاء اتصالهم بالمجتمع، فكان يهدف للعدالة الاجتماعية، فكان عروة بن الورد يقوم بالسلب والنهب لتحقيق فصل من فصول العدالة الاجتماعية. تلك الصحراء القاحلة في جورها وضيمها على الصعاليك "لم تكن قد ذاقت مرارة العبودية حتى في ما تعارفت عليه قبائلها من شرائع وقوانين ، فقد كانت هي والحرية تؤامين لا ينفصل إحداهما عن الآخرى فالتلال العارية والفجاج الممدودة لا يطوف منها إليه الا كل طلق النجاح" (البستاني، 1981، 79) فقد نتج عنها أنّ يكون هناك صراع مستمر بين الصعلوك والشاعر والقبيلة، وهذا الصراع نجم عنه تمزيق الهوية الاجتماعية ،وقد كان هناك ظروف ألت بهم لفعل ذلك .
فلا يمكن للصعلوك التمرد على القبيلة تمردًا كاملًا، فلا يمكنهم ايضًا التخلي عن هويتهم القبلية "ولقد كان للبيئة والظروف التي أحاطت بالقبائل العربية قبل الاسلام اثر كبير في حالتهم الاجتماعية، فالنظام القبلي ،وعدم وجود حكومة مركزية، وجدب الصحراء، وضيق الأفق كان لها دخل كبير في وجود كثير من الصفات والعادات عند العرب الجاهليين" (الجندي، 1960، 2011) وقد طغى الطابع الشخصي على حياة البدوي ،بعدما أحس بضيق الحياة وصعوبة تلك التبعات عليه، فمن غير منظور أو زاوية، سعى لتكيف مع ظروف البيئة الصحراوية. فقد كان هناك تخلخل في هوية البدوي، أو على الأغلب الصعلوك " حيث كانت شخصية البدوي سلبية تجاه ظروف الطبيعة والحياة، يتقبلها ويتكيف معها، وقلما يحاول تطويرها أو تحويرها، ولا كانت البيئة التي يعيش فيها البدوي هي الصحراء ذات المناخ الحار والموارد الطبيعية المحدودة المرتبطة بالمطر تجود به السماء في فترات غير منتظمة". (7) بعدما كان البدو يرتحلون وينتقلون في الجزيرة طلبًا للرزق والأكل والشرب، حيث كان الفقر هو الشكل الفريد في حياته وعندما نتحدث في عصر ما قبل الإسلام، فقد تحدثوا عن الصعاليك ورأوا فيهم أنهم كانوا مبتعدين عن القبيلة، فلم تكن هويتهم تخرج من بطون قبائلهم ، فلقد كانت فطرتهم تحضهم على ذلك.
فقد كانت الهوية عندهم بمثابة عودة، وانتهاء أزمة الانتماء، إلا إنهم وصفوهم بصفات تختلف عن ما أشير إليه ، فقد وصفوا بصفات ليس لها علاقة بالقبيلة "نجد أنهم كانوا يتحدثون عن الصعلكة وعن الصعاليك ، على أنه فئة خاصة تتميز من المجتمع بطابع خاص، شعاره الاعتداد بالنفس دون القبيلة والاهل ووسيلته العدوان في أي صورة تتهيأ له فيقطع الطريق حينما يتاح له قطعها ، ويسطو ويغزو متى وجد لذلك سبيلًا ويفتك فيما تمكنه الغرة ، ويتلصص أنا لم يجد ما تسبق وسيلة ، ويجعل غايته من ذلك كله الحصول على الغنى والمال في أغلب الأحيان " (جعفر، 2007، 17) وأنه كان امرًا بديهيًا وان كان عند بعضهم ولم يكن عندهم جميعًا، إلا ما رحم ربي، فلم يكن كل صعاليك سراق ،أو عديمي الهوية.
إن الحياة الكريمة في رأي الصعاليك أن يكون الأنسان ذا مال، وأن يكون هناك تعاطف وتكاتف ما بين ابناء القبيلة الواحدة، بعدما كانت قبائل العرب تنظر إلى الفقير على أنه ليس من أبنائها ،هذا ما دفع كثير من ابناء القبيلة إلى ممارسة الصعلكة بسبب عدم شعورهم بالانتماء إلى قبائلهم التي نبذتهم اجتماعيا وسياسيًا، ولكن مع هذا الشعور بعدم الانتماء، حاول كثيرٌ منهم أنَّ يثبت هويته، وذلك عبر ما تجود به قريحته الشعرية، من أمثال هؤلاء الشنفرى، إذ يقول: (10)
وإنْ مُدَّتِ الأْيدِي إلى الزادِ لم أكُنْ بأعْجَلهِمْ إذْ أ جْشَعُ القومِ أعْجَلُ
وما ذاكَ الاَّ َبســـطَةٌ عَنْ تَفـــــــَضُّلٍ عَلَيْهم وكان الأفْضَلُ المُتُفضَلُ
وهنا صوّر الإباء وعزة النفس وجعلهما في لقطة تصويرية ، لمجتمع ولشخص يعيش بإباء وكبرياء، إذ أشار إلى أنه يملك الهوية والقيمية الأخلاقية في مجتمع يسوده عدم الالتزام بالاخلاق، فكان للهوية القبلية في تلك الفترة، دور واضح في شعر الشنفرى الأزدي، فهو يصف نفسه بأنه غير جشع وهذا منظر أو مظهر سلبي ،وفي هذه الأبيات إشارة واضحة إلى ذكر فضائله ، وكان يعتقد أن الكرم من مكملات هويته ، وكان لديه إباء شديد، ومن الميزات الحسنة التي تدل على شخصيته أنه يذكر نفسه بأنه أفضل من السباع، فصوّر مظاهر القوة في هذه الأبيات ، وبيّن هوية الصعلوك ،التي أعطته القبيلة هذه الهوية، وذكر البسطة أي البساطة، والتفضّل على الغير من رفاقه، وأنه لا يريد أنَّ يزاحم أحدًا في قوته ، إذ التزم شيئًا رفيعًا ، هو ورفاقه الصعاليك. ويشير الشاعر إلى هويته الاجتماعية عبر انتمائه إلى أبناء قومه فهو يشعر بالاعتزاز والفخر، ويصف نفسه بأنه ليس من الشجاعة أنا يأتي الطعام عكس ابناء قبيلته من أبناء الاشراف والمترفين، وكل ذلك بسبب أخلاقه الحميدة والمجيدة التي تغنى بها، فهو يريد اثبات أنه احد أبناء القبيلة لكن سادات القبيلة وأشرافها يرفضوه بسبب سواد لونه من جهة أمه، لأنه كان يعد من أغربة العرب مما دفعه إلى الخروج عن سكن القبيلة، ولكن لم يتركهم ولكنه جنح إلى عالم آخر وهو عالم الحيوان بعيدًا عن قومه، وكان عالمًا بدروب الصحراء ومجاهيلها، ليمثل لنا صورة جميلة من صور الانتماء إلى مجتمعه، دون النظر أو الاكتراث إلى قومه حين نبذوه ،لأن الانسان وأي شخص في الحياة الجاهلية، كان له لا بد من الانتماء إلى ركيزة قوية تحفظ له ماء وجهه وتسانده في أوقات الذروة وعندما يشعر بصعوبات الحياة عندما تشكل عبئًا ثقيلًا عليه. وارتبط هذا البعد ارتباطًا وثيقًا بحياة الصعاليك، لما فيه من انعكاس على حياتهم التي اثرت عليهم وعلى انتمائهم، عن طريق بعض اعمالهم التي جرت بواسطة الاحداث الاجتماعية والسياسية الهامة. وكتبوا قصائد تعبر عن أبعاد سياسية "ويحاول الشنفرى أن يثبت ذلك بعدما بدأ قصيدته المشهورة باللامية بفعل الأمر أقيموا وهو أمر موجه للجماعة، والامر عادة ٍ يصدر من الأعلى إلى الأسفل، فهنا الشنفرى ينصب نفسه حاكمًا سياسيًا يأمر في قبيلته كونه أحد أعضائها" (الجعافرة، 2003، 33)
وفي الوهلة الاولى يتبادر إلى اذهاننا إن الشاعر كان عازمًا عن الاغتراب عن قومه لكن كان الامر على العكس من ذلك، وهو بذلك كون هوية مخالفة لما هو متفق، فقد نهضت هذه الهوية على أخلاقيات جديدة، وهي البحث عن السلطة "تبين لنا الشاعر سوف يمارس السلطة الحقيقية في امره للجماعة بالتهيؤ والتيقظ والإنصات لما يقول، ويبدو أنها المرة الأولى والاخيرة التي ذهب فيها الشنفرى ليمارس السلطة الحقيقية في المجتمع البشري مما يشير إلى رغبة مكبوتة دفينة تكمن في عشقه للسلطة "(الجعافرة، 2003، 34) فقد عرف الناس ذاته المتصعلكة التي لا تنسجم مع هويته القبلية، فقد كان مخالفًا للهوية القبلية، على الرغم من كل ذلك .
فهو يريد أنَّ يبقى ملاصقًا لقبيلته، ولا يريد مفارقة قومه، أي يريد الانتماء إليهم، ويطمح في الوصول إلى مكانة سياسية مرموقة في قومه ، لكن لا يستطيع لأسباب ذكرت سابقًا ، بعدما ذكر في لاميته أنه يريد أن يكون مملكة من الحيوان ليتسيد عليهم، ويكون بمثابة زعيمهم ، فكان ذلك جنوح إلى عالم آخر وهو عالم الحيوان، وهو ينظر بمنظور فلسفي قائم على ذكر أوصاف من العالم الآخر، كأنهم يأتمنون على السر ويستطيع التحدث معهم، والخروج للهو معهم، وهذه مجرد أحلام يقظة حلم بها كل شاعر، كأنه يريد السلطة أو يحض ابناء قومه على الدفاع عن أنفسهم.
رأينا أن الصعلكة اتخذت طابع الحركة أو الحزب أو الانتفاضة، وإن وجد من يخرج على مبادئها، من باب أن لكل قاعدة شواذ، فمن الطبيعي أن يكون لها قادة وأنصار وأن يضعوا الأسس والمبادئ العامة لها وأن يسعوا إلى الدعوة إلى مبادئهم العادلة، على الاقل من وجهة نظرهم وبالتالي فإنهم كانوا معنين بالدرجة الأولى بتبرير حركتهم المعادية لأقوامهم والمناقضة لنواميس المجتمع، ومن هذا المنطلق نجد عمرو بن برَّاقة يقول : (عبدالرؤوف، 2009، 13)
متى تجمع القلب الذكي وصارما وأنفًا حميًا ، َتْجـــتَنبْك المــــــظالم
متى تطلب المال المُـــمَّنع بالقنا تعش ماجدًا وتَخْترمك المخارمُ
فهو من الصعاليك المشار إليهم بالبنان، ورفيقًا للشنفرى وتأبط شرًا ، وإبرز ما ويميز هويته أنّه إتخذ العناد وقلّة الصبر مبدئًا له ، وأتخذ رفاقه هذه الأبيات هوية لهم وشعارًا. ورأى أنّ القوة هي الحل الوحيد لضمان الانتماء، إذ أستخدم الصارم، وهو سلاح قوي وفتاك، والمراد هنا إثبات قوته أو هويته في انتمائه لفئة الصعاليك، فالأنف الحميم هم لرفاق، فإنَ الأنسان إذا كان يملك مصادر القوة ، والعزة والكرمة ، ولن يجرؤ عليه أحد، حيث وضع لنفسه طريقًا يضمن له وللصعاليك سعة العيش، ويبعد عنهم الظلم والحيف ، ويؤكد هويتهم "حيث يضعون لأنفسهم معيارًا للتفاضل غير معيار النسب، ويرسمون لأنفسهم سبيلًا يضمن لهم أما موتًا كريمًا أو حياة كريمة ، ويحذرون من يرضى ويقصر في سبيل تحقيقه " (مجي، 1994، 75) وكان الشعراء الصعاليك يحلمون بإقامة مجتمع مترابط يكونون فيه هم السادة "ولكنه لم يتحقق لهم ذلك بسبب انهم لم يملكوا صفات السادة ، أو أنهم غير مؤهلين للحكم في مجتمعهم ، فكثير منهم شن حروبًا على مجتمعاتهم من أجل الزعامة وأثبات هويته عبر البعد السياسي. ونعود إلى الشنفرى مرة أخرى، إذ يقول
فان تبتئس بالشنفرى أم قسطلٍ لمَا اغتبطتْ بالشنفرى قبلُ أطول
فكان هذا صراع من أجل الهوية، ومحاولة منه أن يعيش حياة كريمة يغمرها الحنين، والشعور بالانتساب إلى القبيلة، ففي بيته هذا أفتخار بهويته القبلية ، فهو يصور لنا كيف ينفض غبار المعركة، وهو القسطل، وأم القسطل هي كناية عن الحرب، هنا يشغله الفخر بالانتماء إلى القبيلة والمحافظة على هويتها ، وعدم الشعور بالبؤس من تركهم له ، فقد جسد الفخر بهويته القبلية "ففي كلامه هذا دلالة على أنه كان يريد ان يشن حربًا إلى جانب قبيلته حين ما كان منتميًا اليها " (12) ففي هذا كلامه نجد انه كان منتميًا إلى قبيلته ويخوض الحروب معهم لكن هناك أسباب عدة دعته للخروج عن القبيلة والعيش في كنف غير جماعة تضمن له الحرية والكرامة.
البعد السياسي
يقدم الشاعر حاجز بن عوف الأزدي، صورة جميلة عن الانتماء وعن البعد السياسي لغير قومه إذ يقدم لنا مجموع من الحجج التي تركز على ذلك البعد ،ويؤكد فيه مصلحة القوم المنتمي إليهم، وليس بالضروري أن يكون منتميًا لقبيلته أو قومه ،فقد يكون الشخص أفكار مختلفة ، حول البعد السياسي للقبيلة وذلك من خلال ما جاء به ، حاجز بن عوف الأزدي إذ يقول: (عبد المتين، 1971، 147) قومي سلامانُ إمَّا كُنتْ سائلةً وفي قريشٍ كريم الحِلفِ والنسب
إنّي متى أدع مخزومًا تَرىْ عنقًا لا يَرْعَشون لضِرب القوم من كثب
يدُعيِ المغيرةُ في أولى عديدهمُ أولادُ مـــرأسةٍ لــــيسوا من الـــذنَبِ
أنه يعقد الأحلاف مع القبائل الأخرى، وكان ذلك من مظاهر الهوية السياسية ، إذ عقد الحلف لبني مخزوم، فلذلك السبب كان من الشعراء الذين لم يكن لهم دور في قبيلته، فقد كان من الشعراء المغمورين ،الذين لم يكن لهم أي دور تحقيق الهوية، وحسب ما أعتقد فإنه قد طمست هويته، فقدكانت حجته في ذلك ضعيفة ، وذلك لكثرة غاراته، وكثرة غزواته، فقد عُدى من اللصوص "وكان هذا الشاعر من الشعراء الصعاليك اللصوص في العصر الجاهلي ومن العدائين الذين اشتهروا بسرعة عدوهم، لذلك أعتد حاجز بسرعة العدو على رجليه، علمًا أنه كان من أصحاب الخيل التي نالت شهرة في الجزيرة العربية، وكانت فرسه تسمى ذئبة "(عبد) ويقول مخاطبًا ضمرة بن ماعز: (13)
يـــا ضـــَمْرُ هل نلناكُمُ بدمـــــائنا أم هل حـــــــذونا َنعْلكم بـــمثال
تبــكي لـــقتلى مــــن فـــقيمٍ قــــتلوا فاليــــوم تبــكي صادقًا لهلال
ولقد شـــفاني أنْ رأيتُ نســـــاءكمْ يبــــيكنَ مُرَدَفةً على الأكـــفالِ
يا ضمُر إنَّ الحربَ اضحت بيننا لقَحَتْ على الدَّكاَّء بعد ِحيـــــال
ففي هذه الأبيات أيضا تأكيد على الهوية السياسية، وفيها شيء من الهوية الحربية التي امتاز بها شعراء تلك الفترة، فقد عاش حالة صراع بيين هاتين الهويتين، الهوية السياسية وهي عقد الأحلاف وما أشبه ، والهوية الحربية، وهي شن الحروب من أجل الانتماء إلى القبيلة، فهما يصدران من مكان واحد، وتتعلق بالشعراء الصعاليك ، أكثر من غيرهم؛ لأنها أصبحت هوية عنوانهم الأبرز. وقال هذه الأبيات لضمرة عندما اجتاز قوم حجاج من الأزد ببني هلال بن عامر بن صعصعة ، فعرفهم ضمرة بن ماعز سيد بني هلال فقتلهم هو وقومه، وبلغ ذلك حاجزًا ، فجمع جمعًا من قومه وأغار على بني هلال، فقتل فيهم وسبى منهم، وهذا أن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الشاعر كان محبًا لقومه ، ويثأر لهم ويساعدهم في الضراء والسراء، وفي أوقات الحرب والسلم ، وإنه يتألم إذا أصابهم شيء على الرغم من تمرد الصعاليك على قبائلهم، لكن بقي جانب مخفي في أنفسهم ، يبرزونه في شعرهم ، وهو الانتماء والهوية. فكانت طاعة الرئيس مفخرة عندهم، وعصيانه جريمة يحاسب عليها القانون القبلي في فترة عصر ما قب
ل الإسلام، وقد نصت جميع المواثيق والأعراف في ذلك العصر على ضرورة الطاعة للرئيس، إذ فصّل القول في ذلك عروة بن الورد وهو يقول: (بن الورد، 1988، 84)
لــكل أُناس سيّـــــدٌ يعرفونه وسيدُنا، حتــــــــــى المماتِ ربيعُ
إذا أمَرتَنْي بالعقوقِ حليلتي فلم أعصِها ، إني إذا لمضَّيعُ
وهذا يشكل هوية لسيادة القوم وترأسهم؛ لكونه الأحق منهم جميعًا؛ وذلك لكونه شخصًا يحمل طابعًا مميزًا وفريدًا عن مَنْ يعيش في ذلك العصر، فقد عد للناس أسياد وقال أنكم تعرفونهم، وفي ذلك أشارة للهوية القبلية، وهي الانتماء والبقاء في القبيلة، فقد أشار إلى هوية سيد عبس في تلك الفترة ، ورأى من الضروري البقاء والالتفاف حوله، إذ يعدّ أحد سادات بني عبس، ويجب طاعته والمضي في حكمه.
بمعنى أن طاعة الرئيس هي أحدى وجوه التعظيم في ذلك الوقت والتفاخر بما فعلوه من أفعال " (أحمد، 1998، 243) وهناك أشياء أُخر لها بعد سياسي فضلا عن التفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء، فالفقر هو سبب استضعاف الأنسان في ذلك الوقت وكان الاغنياء هم سادة المجتمع وأشرافه لما كان المال يؤديه في تلك الفترة من دور حاسم في كثير من الأمور؛ مما دفع كثير من أبناء القبيلة إلى التصعلك بحثًا عن المال، هذا هو المنهج الذي يقوم عليه المجتمع الجاهلي آنذاك ، أما الأمور المادية في تلك الفترة فكانت تصب في تعظيم الأموال للأغنياء وتحجيمها ومصادرتها من الفقراء الذين لا حول ولا قوة لهم، وهذا من الأسباب التي آلت بالفقراء إلى نفي هويتهم القبلية، والتسليم لهويات جديدة، بدأت تعد مسبقًا للحصول عليها، وهي الصعلكة التي عدّوها من أبرز هوياتهم، كما أن الصعلكة أسهمت في تطور الانتماء وظهور انتماءات جديدة نافست الانتماءات الأُخر.
وبالرجوع إلى عروة نجده يقول : ( احمد، 1998، 243)
إذا المرءُ لَمْ يبعثْ سوامًا ولم ُيرحْ عـليهِ ولم تعطف عليه أقاربُهْ
فللموت خيٌر للفتى من حيــاته فقيرًا ومن مولَّى لن تِدبُّ عقاربه
ففي هذا الشعر اشارة إلى التمرد والغزو والفقر، فهو يشير إلى ضرورة المحافظة على الهوية السلمية التي تحفظ للأنسان أو الشاعر الصعلوك ماء وجهه "وهذه ظاهرة جديدة من ظواهر الانتماء، إذا باستطاعتنا الافتراض أن الشرط الذي يفض بالصعلوك الخروج عن قبيلته هو حاجته إلى المال ليعيش فيه" (14) وفي ذلك إشارة إلى ضرورة المحافظة على أقاربهم، والإحاطة بهم بالعناية والرعاية؛ كي يكونوا شعورًا انتمائيًا إلى القبيلة والمحافظة على الهوية وعلى السلم الأهلي. فـ" للشعر في هذه المرحلة فضل الريادة في كشف الوعي وتعميقه ، وأنه واكب مسيرة الأمة في مواجهة التحديات، فكان ذلك صوت الضمير العربي المعبر عن أرادة النهوض إلتي جسدها العرب بتمسكهم بقيمهم الأصيلة ومواجهتهم لمحاولة الغزاة النيل منهم ، كما كان هذا الشعر صوتًا اصيلًا ينذر الأمة وينبهها لنيات العدو ،ويوثبها لمواجهته ،فغذا هذا الشعر سلاحًا من أسلحة العرب في ميدان المواجهة المصيرية لهذه التحديات"( حسون، 1989، 95) كان الشعر هو وسيلة لنقل المعلومات من شخص لأخر ومن قبيلة إلى أخرى، وكان الشاعر هو الناطق الرسمي باسم القبيلة ، أو المتحدث الرسمي ، وهو الوسيلة الأمثل لإيصال صوت القبيلة إلى أبعد مكان ممكن الوصول إليها ،"ولم يفت الشعر في خضم هذه المواجهة أن يكون التعبير الصادق عن الروح العربية المتطلعة لتجاوز مظاهر التناقضات الثانوية التي كانت تنهك جسم المجتمع العربي، فاقترن صوته بدعوات تكريس السلام بين أبناء الأمة، وتجنب أجواء الحرب، وتعميق مظاهر الالتقاء الموحد، من أجل امتلاك اسباب النصر في مواجهة الغزو الاجنبي "(حسون، 1989، 95). بمعنى أن الدفاع عن النفس حق مشروع أقرته جميع الأديان السماوية، وما دامت المعارك والغزوات مستمرة فيما بين القبائل ومستعرة ، ففي هذه الحال ينشط الشعراء الصعاليك ليثبتوا هويتهم السياسية في الانتماء إلى قبائلهم، ومنهم تأبط شرًا، إذ يقول : (ذو الفقار، 1984، 250)
تَضْحَكُ الضَّبعُ لقَتْلى هُذّيْل وترى الذئبَ لها يستهِلُّ
وَعِتاقُ الطّيرِ تَهْفُو بــــــــــطانًا تتخطاهُمُ فيــــــــما تستقلُّ
ففي هذه الابيات دلالة على الضرب من أجل الانتماء، فشاعرنا هنا كاسر لقوانين القبيلة، وظل متشبثًا بهوية القبيلة ، فالصعلكة عنده نتيجة لشراسته ، وهو يكثر الخروج عن قبيلته وقوانينها ، فقد كان شريرًا ، فقد وضّح في أشعاره ملامح الصعلكة، "ومن هذه الأبيات يتبين لنا اعتماد الشاعر الصعلوك على خياله ، في ابراز وتوضيح الصورة المتمثلة بالانتقام من الاعداء وذلك بترك جثثهم تتفسخ وتتحلل في الصحراء ، وبقائها غذاء للحيوانات والطيور التي يصورها الشاعر واقفة على جثث الفرسان ،كأنها بطل منتصر ،أو تحجل فرحة بغنيمتها" (15) ،فقد كان الشاعر تأبط شرًا فخورًا بهويته القبلية ضمن نطاق الصعلكة، عزز الشاعر الصعلوك من قيم الانتماء إلى القبيلة ، والحد من ازمة الانتماء التي كانت الشغل الشاغل في تلك الفترة.
وكان الشنفرى من أكثر الشعراء وعيدًا لمن عاصره من الشعراء ، وقد يكون في ذلك الهوية الجديدة التي تحصل عليها الشاعر ،فان الرؤية في شعر الشنفرى تأتي مغايرة لما رأه البعض، من الذين كانوا يعتقدون إنه منقطع عن أهله،لكنه بقي لصيقًا بهم منتميًا لهم ، وذلك ما جاء في مقطوعة له،مطالبًا بالأخذ بالثأر لأهله وأقاربه،و التي يقول فيها الشنفرى : (10)
فإنْ لا تَــزُرْني حَـتْفَتي أوْ تُـلاقني أُمَــش بَـدهْرٍ أو ِعــدَافٍ فَنَّورا
أُمــشَّي بأطـرافِ الحـمَاطِ،وَتَـارةً ينفَّضُ رِجْلِي ُبْسبثطًا فَعَصَنْصَرا
أُبَغَّي بَنيِ صَعْبِ بْن مُرًّ بــــلادَهُمْ وســوفَ أُلاقِيـــهِمْ إنِ الله أخَّرَا
وَيَوْمًا بِذَاتِ الرسَّ أو بَطْنِ مِنْجَلٍ هُنَـالِكَ نَبْــغِي الــقاصِيَ المَتغَوَّرا
وقد ذكر أماكن في ديار بني سلامان، وهم الذين قتلوا أباه وعمه ، وقرر الانتقام منهم ، وكان لهذه الهوية دور بارز في شعره، وذكر إنه يتربص بهم ويراقب تحركاتهم، وهنا استعارة بعيدة ومولدة، وكان خطابًا حميًا ، فالكلام عن عمه وأباه، ضمان لعودة الهوية والانتماء للقبيلة؛ ونتيجة لذلك قرر الأخذ بثأرهم ، فكانت هذه هي أحدى الهويات التي انماز بها الشاعر، "فالتهديد والوعيد ليس الغرض منه الغزو أو الأغارة على عدوه ، وإنما الأمر يتعلق بالهوية الجديدة التي ترفض الظلم والتمييز ، وهذه من إحدى أدواتها إظهار القوة والمقدرة ، تلك التي تجبر الآخر على التفكير في الأمر والمراجعة"( نور الدين، 1994، 592) فضلا عن إثبات أنّ الشاعر حاضر روحًا وجسدًا في الفئة التي ينتمي إليها بغض النظر عن الجنس والدين واللون والأمور الأُخر المتعلقة بالجنس البشري التي تُعدّ مكملة لشخصية الشاعر الصعلوك، ويمكن أن تهدف إلى دلالات أُخر، و"يمكن أن يكون النسق الثقافي السائد في المجتمع الجاهلي هو لا يفرق بين غني أو فقير ، من علية القوم أو من سوادهم ، فالكل سواسية. ومن ثم فإننا إذا أردنا ان نقرأ ذلك الشعر يجب ألا نبتعد به عن أطره الثقافية التي تحتم علينا التعايش مع مناخه حينئذٍ"(نور الدين، 1994، 582)
إن هذه الانساق الثقافية قد حملتهم كثيرًا من الأمور السياسية ، كالصراع على السلطة والسيادة في القبيلة، والغاء التفاوت الطبقي بين طبقات المجتمع الجاهلي لما أدّت من دور في تأجيج الصراعات والنعرات القبلية، وذلك يحفظ للقبيلة وحدة كيانها وعدم شق صفها ، وهذا كله في عصور الظلام عندما لم يكونوا يبحثون عن مقومات النهوض بالهوية ، وأكثرهم المحافظ عليها .
إن قراءتنا للنص الشعري في العصر الجاهلي تدفعنا إلى القول بأنّ : " الشعراء الصعاليك ما كان تمردهم إلا بحثًا عن هوية ينتمون إليها، يجد الأنسان فيها نفسه ، يدرك من خلالها وجوده ، ومن ثم جاءت تعبيراتهم مجسدة لذلك ومعبرة عن اعتقاده في هذه الهوية الجديدة، إننا أذن وعبر ما سبق أمام هويتين ،الأولى وهي الهوية الأصلية والتي نلحظها عبر القبيلة بكل أعرافها، فهي هوية أقرب ما تكون إلى الهوية الجمعية التي تجمع الناس أو القبيلة على نمط واحد، وهوية أخرى وهي الهوية المستجدة ، تلك التي ترفض الخروج عن المبادئ الأساس للحياة الإنسانية ، وهي التي رأى فيها الشعراء الصعاليك الوجه الأمثل للحياة، فجاء رفضهم لأنماط المغايرة التي طغت على المجتمع الجاهلي حينذاك (نور الدين، 1994، 586) وعبر هذا الكلام تمكّنا من كشف نمط الانتماء إلى السياسة أو الهوية السياسية. يقول تأبط شرًا :( ذو الفقار، 1984، 157)
وبالشعبِ ، وإذْ سدَّتْ بــجيلة فجَّهُ ومنْ خَلْفِهِ هَضْبٌ صِعــَابٌ وَجَامِلُ
شَدَدْتُ لنَفْسِ المــرءِ مُـــرَّةَ حَـــزْمَهُ وَقـــَدْ نُـــصَبتْ دُونَ النَّـــَاءِ الَحَبائلُ
وقُلْتُ لَهُ :كُنْ خَلْفَ ظَهْرِي ،فإنَّني سأفدِيكَ وانْــــــظُرْ بَعْدُ مَا أنْتَ فَاعِلُ
فَعَاذَ بِحَدَّ السَّيْفِ صَاحِبُ أمْـــرِهِمْ وَخَلَّوا عَنِ الشَّيء الذي لَمْ يُحَاولُوا
وأخْطَأَهُمْ قَتــْلِي وَرَفَّعت صُـاحبِي عَلىَ اللَّيل لَمْ تُؤْخَذْ عَلَيْهِ المـخَاتِلُ
وأشطأ غُنـــــــْمَ الحَيَّ مُــــرَّة بَعـــدَمَا حَـــوَتْهُ إلــــيه كَـــــفُّه والأَنــامِلُ
يَعَضُ على أطْرَافِهِ.. كَيْفَ زَوْلُهُ؟ وَدُونَ الَملاَ سَهْلٌ مِنَ الأَرْضِ مَائِلُ
فَقُلْتُ لَهُ: هَذِي بِتلْكَ ، وَقَدْ يـــــــَرَى لَهـــَا ثَمَــنًا مِــنْ نــَفْسِهِ مَا يــُزَاوِلُ
تولول “سُعْدَى” أنْ أتَـــــيْتُ مُجَرَّحًا إليــــــــتهَا ، َوقـــــــتدْ مَنَّتْ عَلَيَّ المقَاتِلُ
وَكَائِـــن أتَاهَا هَــاربًا قَبْلَ هَــــذِهِ وَمِـــنْ غــانمٍ ، فأيْنَ مِنْكِ الوَلاَوِلُ؟
قراءة هذه الأبيات مرة تلو المرة تكشف لنا هوية الشاعر السياسية، المتمثلة بإبراز الواقع المتمثل بالصراع من أجل السلطة التي يطمح إليها الشاعر؛ ليثبت أنه من أبناء قومه وأنه يريد أن ينافس على سيادة القبيلة، وهذه الأبيات في الأصل قيلت عندما خرجَ تأبط شرًا ومرة بن خليف ، يريدان مقاتلة قبيلة الأزد، وقد جعلا الهدايا بينهما، وعندما كانت هدية مرة جاءه النعاس فظل عن الطريق، ومضيا وأحدهما ينتمي إلى الآخر. و" الهوية بهذا المعنى نتاج عملية تشكيل تقوم بها جماعات تجمعها ضروب متعددة من القرابات الحقيقة او المتخيلة "(16) بمعنى أنها خليط متجانس من عدة أمور، منها ما هو اجتماعي، وما هو سياسي، ليس في زمننا فحسب، وإنما في عدة أزمنة سابقة؛ كونها حاضرة في تجارب الإنسان والشاعر على مدار العصور البشرية ، وهي تشكل التأصل والترابط بين الثقافات المختلفة؛ لما لها من دور محوري وقوي في أثبات الذات البشرية " والهوية بوصفها كيان يتشكل أو يشكّل في مجرى التاريخ، وبذلك تكون عرضة كأي حدث تاريخي- للتغيير والتقلب والتحول والانقطاع ، وهي أحوال تقع على النقيض من سمات اليقين والاستقرار والثبات والاطراد ،وهي سمات تحول الهوية إلى كيان متعال لا يتأثر بالظروف الدنيوية والسياقات التاريخية "( 17) لكونها تعد وثيقة تاريخية والهوية يعتد بها ويشتمل بها وتكون إحدى مصادر الاعتزاز والفخر لدى الكائن البشري ، وقد تكون غير مستقرة نتيجة للاضطراب في الحالات السياسية والاجتماعية أو تقع ضحية لتقلبات المزاج ، أو بالأحرى قد تكون مستقلة لا يهز كيانها أي مشتت من المشتتات التي تمرّ أو مرّت على البشرية منذ غابر الأزمان .
وهناك من يقول أن الهوية رمز معطى أو مرتبط جوهريًا بالأشياء، ولكنها غير تاريخية، وبين هذا وذاك ضاع جوهرها الرئيس، وبدأت تأخذ طابع الصراع الايدلوجي ، بعدما يظن كل شخص إن هويته هي الأصيلة، فالأثر كبير جدًا في التشكيل، إذ كانت الأرض صحراء قاحلة وقليلة الزرع ، وفيها كثبان رملية كثيرة ، ويفرضون على أنفسهم مزاجًا حادًا، لا يشترك فيه مع أحد من البيئات المجاورة لهم "فمن أخص خصائص العرب في الجاهلية ،أنهم مجتمع قبلي، وللقبيلة نظامها الذي تأخذ به وتسير بهديه تضامنًا وتكافلًا وسيادة وقوة وزهوًا لها حمى تحميه، وتذود عنه، وشرف تبذل الغالي والنفيس في سبيل حفظه "( 71) يعني له هوية حتى تحميه من المخاطر التي تحدق به ، وتطوف من حوله، بمعنى أن لها دور كبير في حمايته، والمحافظة عليه من شر الأشرار.
الخاتمة
شكلت الهوية البعد الأعمق في شعر الصعاليك، وتوصل الباحث في نهاية البحث إلى عدة نتائج:
- 1. شكلت الهوية البعد الأعمق في شعر الصعاليك ، إذ سعى إليها كلهم، وجعلوا اهتمامهم ينصب عليها، فالصعاليك سعوا إلى تعزيزها بعد إحساسهم بفقدانها، وكانت بمثابة الشغل الشاغل عندهم .
- للهوية في شعر الصعاليك في عصر ما قبل الإسلام مواقف وآليات تنسجم مع طبيعة الحياة، وبدا هذا واضحً، إذ كانوا أكثر التماسا لهذا المفهوم .
- 3. أصبح لها تأثير واضح جدًا في حياتهم، مما دفعهم إلى إقامتها ضمن جملة من القيم والمبادئ ، فالشاعر الصعلوك في ظل هذه الظروف الراهنة ضائع ما بين البحث عن هوية تضمن له الحقوق والتطور الذي بدأت تشهده البشرية .
Reference
1.Marouf N and Al-Jawzo M. The Intermediate Dictionary، Article (Ha)، Lisan Al-Arab Library، Beirut.2010
2.Ibn Manzur .Lisan al-Arab، Bulaq، Cairo.1885.
3.Al-Kafawi Abu Al-Baqa. Colleges، Al-Resala Foundation، Beirut. 1998.
4.Khalif Y. Studies in Pre-Islamic Poetry، Dar Gharib for Printing and Publishing، Cairo. 2001.
5.Al-Qayrawani Abi Ali. Al-Umda fi Making Poetry and Its Criticism، Al-Khanji Library، Cairo. 2000.
6.Abu Dhiyab K. Pre-Islamic Literature، Dar Ammar for Publishing and Distribution، Amman. 2000.
7.Hamdouch El-Arabi. Humanism in the Poetry of Pre-Islamic Tramps، Master’s Thesis، Constantine University. 2009.
8.Ibn Qutaybah Poetry and Poets، Dar Al-Ma’arif، Cairo. 1985.
9.Adam H Saeed A. Al-Salik Ibn Al-Salka، His News and Poetry، Al-Ani Press، Baghdad. 1984.
10.Badie Emil. Diwan Al-Shanfari، Al-Kitab Al-Arabi for Publishing and Distribution، Beirut. 1996.
11Saleh B. The Other in the Poetry of the Tramps in the Pre-Islamic Era، International Journal for the Publishing of Research and Studies. 2022;3،(3).
12.Al-Bustani B. Pre-Islamic Poetry، New Palace of Justice Press، Beirut. 1981.
13.Abdul-Mateen. The role of vagabond poets in the development of the pre-Islamic era، Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah، Beirut.1971.
14.Al-Youssef Y. Essays on Pre-Islamic Poetry، Dar Al-Haqiqat in cooperation with the Office of University Publications in Algeria، Algeria. 1980.
15.Nayef I.The image of war and its mythical dimensions in pre-Islamic poetry، doctoral thesis، in (Arabic language and literature)، discussed and approved by An-Najah University.2006.
16.Kazem N. Identity and Narrative، Moamen Quraish Library، Bahrain. 2016.
Magdy K. The Sweetest Poems of the Tramps، Dar Al-Kutub Al-Arabi، Cairo. 1994.
17.Hour M. Arab identity in contemporary Arabic poetry from truth to illusion and from illusion to truth، Ministry of Culture، Amman. 2015.