| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
القلق السردي في رواية (الحافات) لمحمود جنداري
|
|
|
|
سالم نجم عبدالله
|
|
|
|
قسم اللغة العربية / كلية التربية الاساسية / جامعة الموصل
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 8 July 2025
Revised: 13 August 2025
Accepted: 25 March 2025
|
|
يدور محور البحث حول قلق السرد الذي ينتهجه الراوي وتظهر بصماته واضحة على بقية العناصر السردية ،وذلك متأت من العلاقة التجاذبية بين مكونات السرد كافة ،ويعرف مصطلح القلق في الحقل النفسي بأنه حالة مرضية أكثر منها جسدية وإن كان ارتباطها بالجسد قويا مما يعكس حالة سلبية تصيب البدن وتؤثر في السلوك العام للشخصية فتتصرف بما يغاير المألوف والطبيعي ،وعادة ما يرتبط هذا المرض بأشخاص لهم الاستعداد على تقبله لأنه مرض وهمي أكثر من كونه حقيقة ، فهو حالة وجدانية تتسم بعاطفة قوية تجاه الآخر وتتوقع له أو لنفسه حدوث الخطر والشعور بالعجز التام على تجاوزه وغالبا ما يصيب القلق ذوي الأعصاب الضعيفة أو الذين يمتازون بعاطفة وقّادة وإحساس مرهف أو ممن يستشعرون الخطر سواء أكان ذلك الخطر وهما أم حقيقة ، وفي الوقت نفسه يشكل السرد الروائي قيمة فنية للولوج إلى قص الحكاية وعرضها بطريقة فنية عبر اجراءات متباينة بين قاص وآخر؛ وذلك بحسب الطريقة التي يختارها والآليات التي يوظفها وذلك بهدف رسم الصورة التخييلية النهائية لمحور القصة (النواة) ومن ثم عرض احداثها بصورة شاملة لتصبح عملا فنيا متكاملا ، وبهذا يكون الراوي قد انتج نصا ثانيا موجها للقارئ فيه جزئيات وعناصر تم إضافتها للوقائع الاساسية للأحداث ،ومن هنا تأتي أهمية السرد ،إذ يعمد الراوي إلى التلاعب في تقديمه من حيث الزمن وترتيب الأحداث فضلا عن بقية العناصر السردية الأخرى وذلك بحسب رؤيته ووجه نظره وموقعه ولهذا نجد تباينا بين زمن الحكاية وزمن سردها .
الكلمات المفتاحية: (القلق السردي) (رواية الحافات)(جنداري) (العناصر السردية)
|
|
Keywords:
Narrative anxiety
The Edges Novel
|
|
Corresponding Author
SalemAbed [email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i1.ar6 , ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
Narrative anxiety in the novel (The Edges) by Mahmoud Jandari
S N Abdullah
Department of Arabic Language, College of Basic Education, University of Mosul
Abstract
The focus of the research revolves around the anxious narrative pursued by the narrator، and its imprints appear clearly on the rest of the narrative elements، and this comes from the attractive relationship between all components of the narrative. The term anxiety is defined in the psychological field as a pathological condition more than a physical one، although its connection to the body is strong، which reflects a negative condition affecting the body. It affects the general behavior of the character، and he behaves in a way that is different from what is normal and natural. This disease is usually associated with people who are willing to accept it because it is an imaginary disease rather than a real one. It is an emotional state characterized by a strong affection towards the other and one who expects for him or for himself the occurrence of danger and a feeling of complete inability to overcome it، and often Anxiety afflicts those with weak nerves، or those who are characterized by emotion، drive، and a sensitive feeling، or those who sense danger، whether that danger is imaginary or real. At the same time، narrative narration constitutes an artistic value in entering into telling the story and presenting it in an artistic manner through varying procedures between one storyteller and another، according to the method he chooses. And the mechanisms that he employs with the aim of drawing the final imaginative picture of the axis of the story (the nucleus) and then presenting its events in a comprehensive manner to become an integrated work of art. Thus، the narrator has produced a second text addressed to the reader in which details and elements have been added to the basic facts of the events، and from here comes the importance of narration، as The narrator deliberately manipulates his presentation in terms of time and the order of events، as well as the rest of the other narrative elements، according to his vision، point of view، and location... and for this reason we find a discrepancy between the time of the story and the time of its narration.
مدخل :
يشكل السرد الروائي قيمة فنية للولوج إلى قص الحكاية وعرضها بطريقة فنية عبر اجراءات متباينة بين قاص وآخر وذلك بحسب الطريقة التي يختارها والآليات التي يوظفها وذلك بهدف رسم الصورة التخييلية النهائية لمحور القصة (النواة) ومن ثم عرض احداثها بصورة شاملة لتصبح عملا فنيا متكاملا ، وبهذا يكون الراوي قد انتج نصا ثانيا موجها للقارئ فيه جزئيات وعناصر تم إضافتها للوقائع الاساسية للأحداث ،ومن هنا تأتي أهمية السرد ،إذ يعمد الراوي إلى التلاعب في تقديمه من حيث الزمن وترتيب الأحداث فضلا عن بقية العناصر السردية الأخرى وذلك بحسب رؤيته ووجه نظره وموقعه ....ولهذا نجد تباينا بين زمن الحكاية وزمن سردها .
عادة ما يختار الراوي طريقة ملائمة لعرض الحكاية ويتوقف هذا أحيانًا على موضوعها ففي الروايات النفسية ذات الطابع السردي القلق التي تتخذ الأمراض النفسية والاضطرابات العقلية موضوعا لها غالبا ما يلجأ الراوي إلى القص المشتت المائل إلى التشظي الزمني او المكاني أو عبر سرد هذياني قلق أقرب إلى التداعيات من كونه سردا منظما ،وهذا مايجعل القارئ يدخل في دوامة التأويل ليفك الرموز السردية المشفرة التي تبدو عصية مما يجعل الباب مفتوحا أمام احتمالات أخرى ممكنة لاسيما عند ادراك النهاية التي غالبا ما تكون مفتوحة ومتغيرة وخاضعة لزمن القراءة أو لتعدد القراءا ت. يعرّف مصطلح القلق في الحقل النفسي بأنه حالة مرضية أكثر منها جسدية وإن كان ارتباطها بالجسد قويا مما يعكس حالة سلبية تصيب البدن وتؤثر في السلوك العام للشخصية فتتصرف بما يغاير المألوف والطبيعي ،وعادة ما يرتبط هذا المرض بأشخاص لهم الاستعداد على تقبله لأنه مرض وهمي أكثر من كونه حقيقة ، فهو حالة وجدانية تتسم بعاطفة قوية تجاه الآخر وتتوقع له أو لنفسه حدوث الخطر والشعور بالعجز التام على تجاوزه (1 ) وغالبا ما يصيب القلق ذوي الأعصاب الضعيفة أو الذين يمتازون بعاطفة وقّادة وإحساس مرهف أو ممن يستشعرون الخطر سواء أكان ذلك الخطر وهما أم حقيقة ،وهناك نوع آخر ينتابه القلق بدون أسباب معروفة يرجعها علماء النفس إلى الشعور بالنقص وعدم الثقة بالنفس وبالآخر أو عدم القدرة على المواجهة ،وهذا ماوجدناه في الشخصيات الروائية(الكارتونية) التي قدمها الكاتب وكانت السبب في اختيارنا لهذا الموضوع ،فضلا عن تأثير ذلك القلق على بقية العناصر السردية بوصفها تشكل وحدة متكاملة مع الشخصيات والتأثير متبادل بينهم. ولابد من الإشارة إلى أننا اقتربنا في دراستنا هذه من المنهج النفسي وتحليل سلوك الشخصيات وهدفنا الأساسي دراسة القلق الذي أصابها نتيجة عوامل داخلية وتأثير الماضي والحروب والوضع الاقتصادي الذي مرت به شخصيات الرواية ،ولهذا كان عنوان الدراسة؛(القلق السردي...) بتقديم كلمة (القلق) على السرد من باب التخصيص وأن ذلك القلق قد أصاب مفاصل السرد كله فضلا عن رسم العنوان وتصميم الغلاف والرسومات بما يمكن أن نسميها العبارات غير النصية .
حاول المختصوص بدراسة هذه الظاهرة المرضية أن يحددوا أسبابها وتباينت تلك الأسباب بحسب التيار الذي تنطلق منه، "فتحاول عدة مدارس أن تشرح المثيرات المرضية للقلق، فبعضها ذات النزعة الآلية والجسمية ...يشدد على دور جملة العصب المبهم الودّي.. والبعض الآخر (فرويد) يشرح القلق بالإحباط الذي يعانيه اللبيدو وبممنوعات الأنا العليا، والقلق بالنسبة للمحللين النفسيين إشارة إلى خطر موجهّة إلى الأنا؛ أي إلى الشخصية الواعية..." (1)
ومن خلال ذلك الفهم للقلق ولأسبابه يحاول هذا البحث تسليط الأضواء على العناصر السردية الرئيسة التي بدت مضطربة وقلقة في رواية (الحافات) للقاص محمود جنداري ،إذ رسمت على نحو يظهرها غير سوية من جوانب متعددة ،أخلاقية ،اجتماعية ،نفسية ... لذا تحاول التغلب على ذلك النقص باللجوء إلى عوالم أخرى تحاول فيها انتشال نفسها أو على الأقل نسيان اضطرابها ، ونتيجة لذلك تبدو وكأنها غريبة وغير سوية بالنسبة للقارئ والراوي في آن واحد .
اعتمدت الرواية على ثلاثة مستويات سردية متباينة في طريقة العرض ومناسبة للراوي الذي يقوم بقص الوقائع ،بدأت بسرد روائي قام على معرفة جزئية للراوي بوصفه بطلا للأحداث وبضمير الأنا مما يجعل السرد أقرب للواقع لاسيما بشعور القارئ أن زمن القصة أو الحدث قد انتهى ويأخذ مساحة كبيرة من القص، ثم يتحول السرد إلى طريقة الرسائل والوثائق وينتهي بسرد الراوي الخارجي كلي العلم الذي يخبرنا بما حاول الراوي الأول أن يخفيه عن القارئ ليشكل ضربة درامية تصدم المتلقي الذي يكتشف موت الشخصية الراوية (علوان ) ومن ثَم يعرف سبب تحول القص إلى الراوي الخارجي بضمير الغائب ويعرف أيضا سبب تذبذب مستويات السرد وتباين اللغة من راو لآخر.
سيكون تحليلنا قائما على المستويات السردية الآتية، عتبة العنوان والشخصيات القلقة والأمكنة القلقة ثم حركة الزمن على مستوى السرد ومستوى القص:
أولا : قلق العنوان ورسم الغلاف :
يبدو القلق الروائي من سيميائية العنوان (الحافات) الذي يفصح عن اضطراب ذهني ومكاني، فحافة المكان هي الأقرب إلى الهاوية أو الانتهاء، وحافة الأشياء توحي بالنهاية والاقتراب من الأخطار ،وتلك المدلولات كلها توميء باضطراب النفس الإنسانية، فهي حافات قلقلة تجعل النفس في منطقة وسطى بين الواقع والخيال، ولعل الأخيرة هي محاولة متخبطة أخرى للتخلص من الشعور بالحرمان أو إيجاد معادل موضوعي لنقص ما في الشخصية والبحث عن التعويض ،وقد تجلى ذلك القلق على محورين:
المحور الاول هو المحور الشكلي الكتابي الذي جعل من كلمة(الحافات) صورة مجسمة للاضطراب النفسي عبر طريقة رسمها وخطها والزخرفة التي جعلتها تعبر عن مكنونها، فجاء خطها على الغلاف بشكل ممدود ولون أبيض أقرب إلى حافة السكين وأحيط رسم الكلمة بحافات رقيقة(إطار) للدلالة على النهايات والتجسيم ،فيما توسط رسم العنوان في الصفحة الثانية داخل ثلاثة أشكال هندسية غير منتظمة (عشوائية) ذات خطوط رفيعة حادة وزوايا مختلفة القياسات لتشكل تلك الصورة البصرية مجموعة ايحاءات دالة على التشتت وفقدان الأرضية القارة ولتكون الدوامة الأولى التي تجعل القارئ منتبها إلى ثيمة العمل وعقدته وهذا مايجعل لفظة(الحافات) المركز او البؤرة التي ستدور عليها الحكاية فالحافات قد شغلت الكاتب بصفته الانسانية والنفسية عبر اختيار العنوان القلق والشكل الكتابي له فضلا عن الجوانب الأخرى وهذا ماجعل السرد يخضع لسلطة العنوان ويتأثر به عندما قرر الكاتب منذ البداية بالنهاية الماساوية التي ستؤول اليها معظم الشخصيات وصار العنوان تمهيدا ورخصة للموت ، فالاقتراب من حافة الخطر وحافة الأشياء أكثر خوفا من عملية الموت نفسها اذ سيجعل الأشياء كلها مضطربة في تصرفاتها وفي سلوكها وعلاقاتها مع بعضها ومع محيطها ...تلك النظرة التشاؤمية التي لها قطبان رئيسان ومتعامدان يكمل احدهما الآخر الاول هو الشكل المادي (الخارجي) البصري الذي يسعى المبدع إلى ضم مكنونه السردي فيه وبهذا يمثل القشرة الخارجية التي ستؤثر بدورها على المضمون الداخلي وهي نظرة مشتركة بين جميع مفاصل السرد وعناصره ،أما القطب الآخر فيمثل الجانب الفكري وما يمكن أن يتخيله الدماغ البشري من تأثيرات القطب الأول الصوري ،إذ يبدأ بعمية تحليل منطقي لذلك الشكل الخارجي وقراءة الايحاءات المبثوثة داخله بتأمل تأويلي لها وتحليلها، ومن ثم سيبدأ الدماغ بتكوين صور جديدة ومركبة معتمدة على تلك الايحاءات ، وقطعا أن النتائج ستكون على وفق ذلك التراكم الصوري المرعب الذي سيؤثر سلبا فيما سيقدمه من أفكار مضطربة
وخائفة ومحاولة الهروب منه إلى عوالم أخرى ، لذلك يعد عاملا نفسيا بوصفه غريزة تحدث انفعالا نفسيا نتيجة لمثير الخطر الذي يرافقه (2) فهو اذن خوف مبرر نتيجة تلك المؤثرات وسنلاحظ عند تحليلنا للعناصر السردية كيف أنها جاءت قلقة وأن الشخصيات تدخل أحيانًا في حالة اللاوعي والهذيان.
المحور الثاني هو المحور التضميني إذ ترددت لفظة (الحافات) بلفظها ومعانيها كثيرا على مستوى العناوين الداخلية للرواية وعلى مستوى السرد، إذ كان الراوي منشغلا فيها وأرقته بعدما أصبحت النواة التي ارتكزت عليها الرواية على مستوى البنية السردية والحكائية (المبنى والمعنى)، ومن المعلوم أن الأعمال الأدبية كافة تبدأ بومضة (نقطة تنوير) بغض النظر عن موضوعها سلبا أو ايجابا لكنها تبقى تؤرق الراوي وينسج فوقها بقية الاحداث المتشابكة ومهما حاول أن يخفيها أو أن يحيد عنها سيفشل في مهمته اذ تبقى مخزونة في وعيه الداخلي وتفلت من سيطرة الاخفاء وتحاول الظهور بين الحين والآخر لأنها المركز المحوري الذي تقوم عليه العملية السردية لذلك صاحب ذلك الظهور سرد قلق وبدا متأثرا بالعنوان الرئيسي ويظهر ذلك جليا بصورة غير مباشرة عبر الاستهلال الذي يعبر عن حالة من الهذيان السردي اذ مازال الراوي تحت تأثير سطوة العنوان في ابتدائه الاستهلال بالنص الآتي: منذ وقت بعيد عندما كنت طفلا في السادسة او السابعة وحدي ،كنت مدفوعا برغبات شيطانية عنيفة هيمنت علي منذ الصغر منذ يوم الولادة ،وتجمعت كلها في تلك اللذة العارمة التي أشعر بها كلما توجهت إلى هناك، لا أدري لماذا تدافعت إلى ذهني هذا اليوم عندما وجدت نفسي بعد هذه السنين الطويلة أقف عند حافة النهر وجهي باتجاه الماء المنحدر بسرعة فائق" (3)
تتجلى محنة الراوي وقلقه عبر جمل غير مستقرة خاضعة للشك (في السادسة أو السابعة)، (رغبات شيطانية) ، (حافة النهر) ، ( الماء المنحدر بسرعة فائقة). إذ لا يقينية ثابتة ولا استقرار في عملية الاستهلال وكأن الراوي لا يعرف من أين يبدأ سرده مما يضع القارئ في دوامة الاستمرار في القراءة ومعرفة الخيط الاول للحكاية أو يعيد قراءة النص مرة أخرى لمواصلة الفهم، إذ يشكل الاستهلال النقطة الجذابة الأولى في جذب المتلقي وجعله يدخل في الحكاية من دون أن يشعر أنه يقرأ عملًا تخييليا، وهو جزء أساسي ومؤثر "و ليس عنصرًا منفصلًا عن بنية العمل الفني كله ،كما يوهم موقعه في بداية الكلام ...وليس حالة سكونية يمكن عزلها والتعامل معها كمل لو كانت بنية مغلقة عن ذاتها ،وإنما هو الصدى البنائي والتاريخي المتولد عن العمل الفني كله. (4).
ولا يكتفي الراوي بتلك الصور غير المباشرة في التعبير عن سطوة العنوان وتأثيره إنما يعنون الفصول الداخلية بأسلوب مباشر وتوظيف كلمة (الحافة) في ثبت العنوان فنجد فصلا عنوانه(حافات البحر) وفيه رهبة وشعور بالخوف من هوله ... لست أول الناس ولن تكون آخرهم في ارتعاشة القلب وعمق الدهشة وعمق الاحساس بالموت. (الحافات: 47). فالعبارات المباشرة الدالة على القلق واضحة هنا ولاسيما أنّ الأمر متعلق بالبحر وعمقه وهذا ما يؤكد ان تلك الشخصية تهاب المياه الجارفة وأشار الراوي إلى ذلك في استهلاله.
فيما نجد حافة اخرى هي (حافة الموت) في عنونة متشائمة لمصير الشخصية وما ستؤول اليه الاحداث عند مواجهتها الدرامية لواقعها الهش الذي أوحت به منذ بدء الحكاية إحساس مرير بالنهاية ادركه الراوي العليم الذي سار مع شخصياته وقرأ افكارهم عندما قدمهم بتلك الصورة القلقة " إحساس مغر ولكنه مر له طعم العلقم يعود الي من جديد ،إلى تلك النهايات البائسة ليضاعف الهم الذي يسكنني وليترسب في أعماق القلب. (الحافات: 79) فيما ينتهي الفصلان الأخيران بالعنونة ذاتها (حافة الحرب) و(حافة اليأس) في إشارة مرمزة إلى اقتران الحرب واليأس بمدلول واحد هو اللانهاية الملازمة للحروب واليأس من انتهائها في ملمح إلى الحرب الضروس بين العراق وايران عام 1980 التي أججت المشاعر وخسر الطرفان فيها إذ لا رابح في الحرب سوى الموت الذي حصد مئات الألوف. وكانت تلك النهاية المتوقعة التي رسمها الراوي لشخصياته "قال المدير وهو يتطلع إلى وجوههم واحدا واحد ويتوقف عند ثامر وجدي ،قال إنها فرصة أيها السادة لكي نطلع على مسيرة هذا الرجل الذي لم يأخذ حقه في الحياة ولم يأخذ حقه في الموت أيضا. (الحافات: 117).
ونجد تردد تلك الكلمة بلفظها ومعناها في الكثير من صفحات الرواية على مستوى حوار الشخصيات وعلى مستوي العناصر السردية مما شكل بؤرة عميقة بدت وكأنها غول يلتهم الجميع..
.. ثانيا : قلق الشخصيات
تعد الشخصيات احدى الركائز الأساسية للعناصر السردية وجاءت أغلبها في الرواية لتمثل حالات قلقة ومضطربة رسمها الراوي بدقة لتعبر عن مكنونها الذي يوصلها للهذيان أحيانًا، وقد تناوبت شخصيتان رئيستان على عملية الروي: المستوى الاول الشخصية الراوية للحدث وتمثلت بشخصية (علوان الشعار) الذي قدم سردًا ذاتيًا بالضمير (أنا)، فيما كان المستوى الثاني من القص بطريقة الرسائل وتولت (جليلة الأعسر) مهمة الروي:
- شخصية الراوي الأول (علوان الشعار)
أخذت تلك الشخصية مساحة كبيرة من القص بوصفها شخصية محورية ومعقدة بروي ذاتي لأحداث ماضوية بشكل ذكريات ومناجاة وبدت قلقة في هذا العمل الموغل في الرمزية لاسيما في القسم الأول منه ،إذ نجد سرد الشخصية الراوية أقرب إلى الهذيان وهي في صراع بين مكبوت الماضي وتحرر الحاضر ،فتراوح السرد بين مستويين:الأول المستوى العمودي المتراكم الذي يحتوي على كم هائل من الذكريات وهو أقرب إلى الوهم أو هكذا يتوقع القارئ كما في النص الآتي:
"ودائما كان الماء ينحدر بسرعة فائقة نحو الجنوب ،وخلفي مباشرة تتراصف بيوت طينية متشابهة متلاصقة مع بعضها ليتشكل منها جدار من الطين الأحمريمتد بامتداد ذلك السهل المحاذي للنهر ،وهو دائما الجانب الشرقي من المدينة....ومع انني لم أتوقف إلى الذهاب إلى هناك يوميا ،فإنني اعترف الآن بأنني لم أجد غير الوهم الذي تشبث بي بمرور الزمن وتضخم"(الحافات: 3-4). إذ تشكل السرد من مجموعة رموز وإيحاءات يشعرنا بعدم اتزانه وقلقه وفقدانه لبعض ذاكرته وعامل الشك يتغلب على المعرفة الكلية، فلا يتم تحديد الزمان ولا المكان إذ يحاول الراوي أن يحافظ على وعيه بعد ان كاد يفقده لاسيما مع وجود العامل الذي تمثل بفقدان التوازن اثناء وقوفه في الماء المتسارع والمنحدر بسرعة وتجلت عملية الوعي بمشاهدة البيوت والتمسك بالمكان والذاكرة على الرغم من تراوح السرد بين الحقيقة والوهم .
أما المستوى الآخر فقد جاء بشكل أفقي اعتمد على الأحداث التي وضّحت مصائر الشخصيات، وبدا خاليًا من الرموز" كنت أفكر بهذه الطريقة وأنا أنظر من حين لآخر إلى البحر واتطلع في وجه-ثامر وجدي-الذي يشاركني الغرفة والعمل أيضا .لقد شاءت الصدف أن يصدر له أمر آخر بالسفر بالطريقة نفسها وللمهمة نفسها ،وأن يلحق بي بعد ثلاثة أسابيع ،وكان بيني وبين ثامر علاقة وظيفية قديمة،وعلاقة صداقة نشأت في أول سنة للحرب. (الحافات: 11)، إذ تبدو شخصية ثامر وجدي مبهمة ،فالعلاقة بينهما قديمة لكن ظهورها المفاجئ في نهاية السرد من دون ذكرها الفاعل يجعل القارئ في شك من أمرها لاسيما وأنها تعاني هي الأخرى من الأوهام وتلجا إلى تخدير الوعي: " نهض ثامر والقلق واضح في عينيه ،التصق بزجاج النافذة وزفر بعمق وهو يتطلع إلى البحر .لم أره قط طوال الأشهر الماضية بمثل هذا الوجوم والصمت والقلق ،نظرت خلسة إلى الدرج الممتلئ بالرسائل ثم تشاغلت عنه بالعبث بمؤشر جهاز المذياع، على الرغم من أني لا أحب الاستماع إلى أية إذاعة ،فهي تسبب الصداع والقلق الحاد ، قلت:
- ترى هل يقتنع هؤلاء بأن الحرب لا جدوى منها؟
- لا أعتقد ليس الآن ، فماتزال لديهم بعض القوة.
قال ذلك دون أن يلتفت إلي ودون أن يرفع نظره عن البحر(الحافات: 12). فشخصية (ثامر وجدي) قلقة أيضا عبر حوارها ،ولعل الدافع الأول لذلك القلق الذي لم يفصح عنه الراوي(علوان الشعار) يعود لكوارث الحرب والفترة العصيبة التي مر بها الوطن ،لاسيما حين يخفي الراوي رسائل (جليلة) بعد أن أيقن أنها ميتة نتيجة الحرب ،وتتردد كلمات ( القلق، الوجوم، الصمت،البحر) معبرة عن الحالة النفسية المتوترة للشخصيات لكن شخصية علوان لم تستطع تقديم نفسها للقارئ بوصفها الراوي الأول وانشغلت تماما باستعادة وعيها ومحاولة استرجاع الذاكرة وإعادة توازنها وترتيب الأحداث
- شخصية جليلة الاعسرالراوي الثاني (طريقة الرسائل) .
تعتمد هذه الطريقة على استخدام المستندات، رسائل، أو مذكرات كوسيلة لرواية الأحداث وتقديم المعلومات فهي" حيلة فنية للاسترسال مع الافكار والمشاعر لما لها من المقدرة على مقاربة النفس والآخر" (5). وعادة ما يستعين الروائي بالوثيقة (الرسائل) ليُعيد خلق بناء فني خيالي، تتحول فيه الوثيقة أو الواقعة إلى جزء لا يتجزأ من هذا الخيال، فضلا عن اضفاء مساحة جمالية مغايرة لرتابة السرد التقليدي، بدت (جليلة) شخصية غامضة منذ بداية الحدث،فقد شكلت تلك المرأة هاجسًا قلقًا منذ أن تعرف عليها (علوان الشعار) في مراهقته ،ونظرة الشبق التي كانت تطالع به فتاها ،إذ يبدو أنّ الزمن الكئيب هو ما جعل الشخصية تمر بحالة اللاتوازن " ، في النص الآتي نطالع سردا رسائليا مفعما بإحساس عال وممزوجا بيأس حزين:
"ألا تفهم ياعلوان معنى ان تنتشل امرأة كانت قد بلغت حافة الحياة بعد أن تقاذفتها الرياح العاتية وتلقي بها مرة واحدة في حضن وهج الحياة الحقيقية المسكونة بالنبض الحي العميق الغور" (الحافات: 14).
مثّلت جليلة الأعسر الدور الساند للراوي (علوان الشعار) وحاول أن يرسم ملامها الخارجية بدقة ويبدو أنه قد اخفى على القارئ تأثيرها على الرغم من أنها شكلت انعطافة سردية وبددت بعض الشكوك التي انتابته بوجودها أصلا، إذ كان الراوي في حالة هذيان وهو يروي ذكريات الطفولة معها في محاولة أخرى لتشتيت القارئ والشك بفعلها الدرامي الذي اخذ بالتصاعد في الجزء الاخير من الرواية عندما تولت مهمة القص عن طريق الرسائل التي بعثتها إلى علوان التي كشفت عن الجانب الخفي الثاوي بين ذكريات الماضي وآلام الحاضر لم تستطع الشخصية الراوية أن تبوح به بشكل مباشر، فتوارت خلف الأوراق واختلت مع نفسها لتكشف أشياء كثيرة وهي مطمئنة إلى أن تلك الأسرار ستظهر بعد رحيلها، فكانت أقرب إلى المذكرات التي تكتب في خريف العمر وتنشر بعد الرحيل ، ويظهر النص الآتي( جليلة) وهي تبوح لـ (علوان) ببعض خفايا الأمور التي لم يطلع عليها القارئ ولم يذكرها الراوي سابقا ويبدأ في قراءتها (علوان)من رسالة سابقة لها : " وجاء يوم سفرك ،وكان هو الطعنة القاتلة التي اقتلعتني من الجذور ،فقدت توازني ،دارت بي الأرض وهي عادة لاتدور الا بالضعفاء ....ليس لدينا أوراق زواج رسمية كما تعلم ،ولايدري أحد سوى القليل من الأصدقاء ، كنت أشعر أني حامل لذلك تمسكت بنفسي وانت تقاتل كي تبعد عني ،تقاتل كي لاتبصر وجهي ،ثم تركتني فجأة لأواجه الانسحاق وحدي،...هل تعرف المدى الذي انتشر فيه خوفي ولكنك لاتدري ايما شيء..هل بدات أهذي ؟أم الوهم ،أم هو الوهن؟" (الحافات: 15).
إن هذا الإخفاء السردي بالمعلومات التي ذكرتها (جليلة) في سردها الرسائلي يتعلق بموقع الراوي من سرده والتعبير عن( وجهة النظر) التي غالبا ما يتبعها الروائيون، " كونها تحتوي على معلومات يحتويها النص دون تدخل الراوي ،أو أية شخصية من شخصيات العمل ...وعموما تناسب هذه الطريقة الراوي (المحدود العلم)الذي يستقي معلوماته منها باعتبارها إحدى الوسائل التي يتوسل بها في تقديمه للمروي" (6). ولعل هذا الشعور المتمثل بالوقوف في منطقة وسطى بين الوهم والواقع ومحاولة انتشال الذات من الوهم والقدرة على إعادة الحياة مرة أخرى ونفخ الروح فيها ورميها إلى واقعها الواعي هو ما أطلق عليه (الفرد ادلر) القوة الخارقة الموجودة في النفس الإنسانية التي تظهر أحيانًا وتبدأ بالتفاعل مع محيطها لأن الإنسان ليس كائنا معزولا عن وسطه الاجتماعي ولابد له من الرجوع إلى واقعه. (7).
بدت( جليلة) في صورتين متناقضتين بحسب وجهة نظر الراوي الذي قدمها ،فالراوي الاول علوان الذي كان يقوم بمهمة (التبئير) المركزية وهي حصر مدى الرؤية لدى شخص الراوي داخل الرواية من خلال عرضه للمعلومات التي يريد عرضها فقط ، وهذا يعني أن يكون الراوي عليما ومهيمنا على سرده ليعرض وجهة نظر واحدة استمرت تلك الوجهة إلى الربع الأخير من السرد عنما مات الراوي الاول (علوان الشعار) وتحولت مهمة القص إلى (جليلة) التي لعبت الدور نفسه ،أي فرضت وجهة نظرها بطريقة توثيقية لايمكن للقارئ أن يشك فيها أو يحيد عنها،لذا جاء القص الرسائلي ل(جليلة) عندما قُرأ محايدا وبقراءة نصية كاملة للرسائل من دون تلخيص أو ايجاز سردي مما يقربها من طريقة( العرض). (لوبوك، 8).
أما الصورة الأولى التي قدمها الراوي الأول فهي صورة المرأة الشبقة المثيرة التي أغوت علوان في فتوته،" كانت جليلة أطول مني وكانت تلبس ثوبا عريضا واسع الصدر يكشف عن جزء كبير من صدرها الذي لوحته الشمس ..تسير أمامي حافية القدمين ....عندما كنا نقترب من النهر في كل مرة نذهب فيها معا نخوض بلا تردد حتى الركبتين ...كل ما نحتاجه أن ينظر أحدنا إلى الآخر فيتحفز ،لم ينبت الشعر في ساقي بعد، على الرغم من الزغب الأصفر الكثيف، وكان هذا يبعث الاستياء في نفسها ويجعلها في جيبة مرة" (الحافات: 5-6) لعل هذه الصورة التي استقرت في مخيلة علوان هو ما جعله مضطربا تجاه قوة شخصيتها ومن ثم أخفى على القارئ أشياء لم يستطع البوح بها منها ضعفه أمامها وشعوره بالعجز نتيجة عدم توازنه ونضوجه، فقدم صورة إيروسية لها ولنفسه لكنها رسمت لنفسها صورة مغايرة تماما عندما تولت مهمة القص ، وأظهرها أيضا امرأة قلقة محطمة أقرب إلى الضياع تبحث عن شيء لا تعرف ما هو "عرفت جليلة الأعسر ،التقيتها هناك عند الشاطئ وحيدة مثلي ،وخائفة وممتلئة بالوساوس شاحبة لا تستقر عيناها الغائرتان على شيء كئيبة إلى حد الموت ،تلفتت مذعورة عند كل خطوة تخطوها،....صرنا نتبادل الذعر والقلق والهوس على الشاطئ" (الحافات: 5). لكن القارئ لا يمكنه الوثوق براو يهذي على الرغم من سطوته على الروي ،إذ تشكل تلك الصورة له حالة من التوازن النفسي وإرضاء الذات المنكسرة فهو يحاول أن يغطي عجزه بعد أن بدا معزولا عن قريته ولم يكن له رفيق سوى جليلة والنهر إذ شكلا عقدته وقلقه ،النهر بجريانه المخيف وجليلة بسطوتها ،فالمثيران هنا في مستوى واحد ولابد لعلوان أن يحاول رسم صورة مجسمه لهما لتبرير سلوكه ،""فعدم الاتزان وعدم التناسق والتوافق الداخلي أو الخارجي عند الفرد ..التصدع النفسي والانشقاق قد حدث فينسلخ الانسان عن المجتمع الذي يعيش فيه ويحدث الخلل. (عبد المحسن جد. ت، 19). وهذا ما حمل علوان على ايجاد معادل موضوعي له ،فهو من جهة يرى قوته في سطوة جليلة ويرى انكساره في صورتها البائسة.،وهذا التخبط بين الضعف والقوة هما سمة الشخصية لحين موتها وانكفائها عن القص. والصورة الاخرى التي قدمتها جليلة لنفسها هي مغايرة تماما لصورتها التي اظهرها (علوان الشعار)،إذ بدت امرأة عاطفية رقيقة المشاعر محبة ومخلصة على الرغم من انكسارها نتيجة فراق علوان وآثار الحرب التي طالت قريتها ،وقد شكل سردها مفاجأة للقارئ الذي نأى بنفسه عن كشف مكنونها نتيجة عدم وثوقه بالراوي الأول في لعبة سردية اعتمدت على تقاطع المعلومات وتناقضها مما يوحي له بأن السرد الاول كان هذيانا لاسيما بعد موت الراوي ،لكن القارئ استعاد ثقته بالروي عندما وثقت جليلة سردها برسائل ارسلتها منذ زمن لعلوان وحاول تجاهلها والامتناع عن قراءتها نتيحة تخمينه بأن جليلة قد ماتت بعد تلك الرسائل وهذا ماحدث في الواقع مما اضطر الكاتب أن يعتمد راويا خارجيا ليرجع القص بالضمير (هو) ويأخذ مستوى ثالث في النص الآتي تروي جليلة بعضا من متاعبها التي تسبب بها علوان إذا صادفتك إمرأة متسللة في مثل هذا الوقت فاعلم انها أنا ..فامسك بذراعيها برفق وخوضا في مائه حتى الركبتين .....أجل انها جليلة التي تنتظرك حتى الموت ،ستظل عيناي على الطريق وعلى الباب (الحافات: 84). . شكل النص بوابة أولى لكشف حقيقة شخصية جليلة التي حاول الراوي الاول(علوان الشعار) أن يخفيها كونه يروي بالصيغة الماضية، بمعنى أن القصة قد حدثت وانتهى زمنها ومايرويه قريب جدا من تداعي الأفكار أو مايعرف بتيار الشعور الذي ابتكره الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس).... اتبعه بعض كتاب القصة النفسية إذ تكون فيه أفكار الشخصية ومشاعرها مسجلة حسب تطورها بواسطة راوي القصة بصيغة (الأنا). (10). وهو أداة سردية يلجأ اليه الراوي تحاكي أفكار الشخصية القصصية الداخلية وتظهر بشكل مضطرب غير منتظم عن طريق جمل سردية أو حوارات داخلية وعادة مايكون غير يقيني .فذلك النص يدحض وجهة النظر الأولى التي صورت جليلة الاعسر بائعة هوى الراوي الأول. ويضاف إلى ذلك ترجيح الراوي أن جليلة هي وهم وان تلك الرسائل التي وصلته جاءت من المجهول ولم يشأ ان يعترف بحبه لها بل أنه لم يكن يؤمن بوجودها وأن ماذكره لم يكن سوى نوع من هذيان الماضي ومحاولة للتغطية على عجزه أمامها فضلا عن عدم تصديقه بأن ماكان يرويه هو نوع من الحقائق وإن غلبت عليها الرؤية التشاؤمية لاسيما وأن بلاده تمر بحرب طاحنة حاول الهروب منها إلى مكان آمن ويظهر النص الآتي ماذكرناه آنفا""كل ماحولي تحول إلى ظلام عميق يمتد بلا نهاية .كل ماحولي وهم كبير واشعر ان ساعة الرحيل قد دنت وان ليلي الذي هربت منه في لحظة ما جاء هذه المرة متدثرا بالحزن ...بوجهك ترقد شهوة للموت المستحيل والبحر أقرب اليك من الموت وأنت أقرب من نفسي اليَ فاقترب لأغتسل فيك منك. (الحافات: 82).
وبعد موت الراوي الأول(علوان الشعار) وموت (جليلة) تحول القص إلى ضمير الغائب( هو) (السرد الموضوعي) في لعبة سردية تعتمد على تعدد الرواة وهذا يتطلب موقعًا مغايرًا للراوي من ناحية زمن القص ،إذ لابد أن يكون بالزمن الحاضر ،وهذا ما تحقق في الفصل الأخير من الرواية وعنوانه(حافة اليأس) ففيه ختام الأحداث والمغامرة ونهايتها مغلقة بعد موت الشخصيتين الرئيسيتين" بعد أكثر من عام على موت علوان الشعار اتفق غالبية أصدقائه... على إقامة احتفاء بذكرى رحيله، وقرروا أيضا أن يكون الاحتفال في بيت ثامر وجدي ،وهم في الحقيقة قد اتخذوا بعض الاستعدادات اللازمة لهذا الغرض،وبما أن علوان الشعار لايمتلك الكثير من الأصدقاء ولايمتلك عدوا واحدا ،فقد حضر الاحتفال بضعة اشخاص لا يتجاوز عددهم العشرة ،بينهم بهيجة المصطفى، وزوجها الطبيب ،وهما أبرز الوجوه التي حضرت الاحتفال. (الحافات: 127).
ومما يلاحظ في السرد الموضوعي ظهور مفاجئ وخافت لشخصيتين ربطتهما صداقة مع (علوان الشعار) وهما( بهيجة مصطفى وزوجها الطبيب) ويمكن أن يكون هذا الظهور سردا عابرا لولا ذِكر الاسم، إذ توقع القارئ أن يكون لهما دور في كشف الغموض الذي غلف تلك الشخصيتين ، بل لا نجد لها اي حوار او موقف سوى البكاء بحرقة على موت (علوان الشعار) مما يؤكد غموض السرد ومحاولته اخفاء الحقائق عن القارئ ليكتشف بنفسه ما أـُخفي عنه "حاولتْ أن تجد ما تقوله في يوم كئيب كهذا ،وحاولت أن تستعيد بعض ما تركه علوان الشعار في نفسها من لوعة ومرارة فوجدت أن كل شيء لايزال حارا ،حاضرا متوهجا،...لذا عجزت عن قول أيما شيء واستسلمت للبكاء" . (الحافات: 129). ويستمر السرد القلق في متابعة (جليلة الأعسر ) التي لا تغيب عن ذاكرة الراوي لاسيما أن جليلة تاريخها مجهول وحضورها غير مكتمل الا في الذاكرة " كنت طفلا لا أفقه شيئا مما حولي سوى أني أسمع الرجال الكبار في السن يتحدثون عن صبية صغيرة ضاعت وسط دخان كثيف اسمها جليلة الأعسر (الحافات: 17). فشخصية جليلة ضائعة بين الوهم والحقيقة وشكل حضورها الخفي قلقا آخر ،إذ لم يتيقن من وجودها الا في مخيلة الراوي (علوان) أهي حلم أم وهم أم حقيقة؟.
ثالثا :الأمكنة والأزمنة القلقة
عادة ماتكون تلك الأمكنة والأزمنة مغلقة وكئيبة، وهاتان الصفتان المتلازمتان لاتخضعان للمساحة الجغرافية وطبيعتها المغلقة او المفتوحة وتبقى نسبية المكان قائمة بقدر تعلقها بالتوافق النفسي مع الشخصية التي تسكن فيها، والشيء نفسه يقال على الزمن الداخلي ، ولهذا بدت العلاقة بين الشخصية الرئيسية (علوان الشعار) وبين الامكنة علاقة توتر وتفاعل سلبي على الرغم من الانفتاح الجغرافي الكمي لتلك الأمكنة (النهر والفندق وميناء الاسكندرون) لكنها شكلت مثيرا طبيعيا للشخصية في محاولة استعادة توازنها ، وجاء الزمن متوترا على مستوى القص لاسيما الزمن النفسي ،إذ بدا بطيئا كئيبا لاسيما مع حالة التذكر وروي الشخصيات لبعض الوقائع الماضوية المتعلقة بجليلة والحالة المبهمة في شخصيتها فضلا عن تعلقه بالنهر الذي شكل مثيرا طبيعيا ومحفزا للوعي الذي بدأ يفقده ، وهذا المثير هو من جعل علوان يتذكر ذلك المكان المتمثل بالنهر الذي شكل قيمة أخرى واستذكارا آخر للأحداث المشوشة ،فلجأ إلى حيلة سردية أخرى ساعدته على استجماع قواه المنهارة وهي القيام بأنسنة الأمكنة وإجراء حوارات معها واستنطاق الجمادات وذلك لتنشيط الذاكرة ،وقد جعل النهر وعاء فكريا متنقلا، والمفارقة في توظيف النهر تكمن في تضادين ،الأول كان النهر وحركته السريعة وعدم ثباته يشعر الشخصية بالإعياء وفقدان التركيز، لكن حين ارتبط بصورة المرأة فعل فعلته الايجابية وبحركته أيضا لكنها حركة رشيقة أرجعته إلى سيل من الذكريات المنظــمة، " لقد رأف بي النهر ومنحني تلك الدهشة من عمق انحداره حيث كنت أقف،وأسرتني زرقته المتفجرة بالمكابرة العذبة وهو ينساب مثل الضوء نحو الجنوبي البعيد حيث يظل ممسكا بانسيابه العذب حتى يتلاشى في البحر.....أنا في حضرة النهر ،والنهر وحده يمنح معنى لوجودي ،...لن يسمعني أحد مهما كان صوتي فاجعا ، ولن أجد بالتأكيد من يسمعني إلا هو وحده ..قلت له: امتد خراب مروع بين حرب وحرب ،قلت لقد تسوس جسد جليلة الأعسر ...هل تذكر جليلة بـــــــنت الشـــــيــــــــــخ الأعسر..أنسيت ركبتيها البارزتين تبللهما بمياهك الطاهرة؟ (الحافات: 38-39).
تحاول الشخصية منذ البدء أن تجمع قواها وتستذكر الأحداث الماضية وتعمل على تنشيط الذاكرة عبر وسائط متعددة أهمها استذكار المكان أو بعض الصور لتساعدها على تذكر الزمان والأحداث والشخصيات المرافقة لها وتحديدا شخصية واحدة لم تفارق الراوي وهي شخصية (جليلة الأعسر) محور بناء الحدث لاسيما مع وجود عوامل مشوشة أخرى مثل : "كان الماء ينحدر بسرعة فائقة ....وجهي باتجاه الماء دائما..... ذاكرتي متأججة قلقة هائمة (الحافات: 2-3) ، فتلجأ أولا إلى تذكر المكان وهو النهر الذي يشكل الحافز الأول للتذكر لاسيما مع وجود امرأة مثيرة مثل جليلة وأول لقاء معها وهو في بداية مراهقته فضلا عن وجود بعض البيوتات الطينية المصطبغة باللون الأحمر الممتدة على الجانب الشرقي منه تحديدا " خلفي مباشرة تتراصف بيوت طينية متشابهة متلاصقة مع بعضها ليتشكل منها جدار من الطـــين الأحمر (الحافات: 3) .أنعشت تلك المثيرات كلها ذاكرة الشخصية لتبدأ استعادة وعيها وتوازنها ولتبدأ بسرد منطقي للوقائع ،لكنها ليست إلا محاولة أولى لفهم المتلقي طبيعة الحدث ولماذا تم التركيز على جسد المرأة بوصفه المثير الأول ،فقد نسيت شخصية علوان المكان والزمان والشخصيات المرافقة ولم تبق في الذاكرة سوى المرأة وسلوكها معه عندما كان فتى مراهقا، " لم ينبت الشعر في ساقي بعد، رغم الزغب الأصفر الكثيف،وكان هذا يبعث الاستياء في نفسها ويجعلها في خيبة مرة ،وكانت لجليلة ركبتان صغيرتان بارزتان وكانت تتعمد إظهارهما بشكل سافر كلما وقفنا قرب الشاطئ ،تتقدم أمامي عدة خطوات أخرى وهي ترفع ثوبها العريض وتكوره إلى الأعلى حتى استطيع رؤية سرتها الواسعة(الحافات: 6). تلك الصورة المثيرة لم تزل في ذاكرة علوان في لقائه الأول مع (جليلة الأعسر) ،لم يكن هذا المشهد الإيروسي سوى رغبة مكبوتة داخل علوان تحررت في وقتها وجعلته يتذكر بقية الأحداث ،فحركة الجسد وإطلاقه وما يصاحبه من انفعال مثل خطابا متحركا مشحونا بالحيوية والنشاط وانطلق من كمونه الصنمي ليمضي في إعطاء صورة سيميائية وحافزا للانطلاق مرة أخرى. (11).
شكل ميناء الاسكندرون وحركته الفاعلة عاملا مضافا لقائمة مثيرات التذكر المكانية لدى شخصية علوان لاسيما مع حركة السفن وأضوائها وأصواتها وتموجات البحر وزرقته لكنها صور لم تستطع التخلص من صورة جليلة لارتباطها نفسيا مع تلك الأمكنة، فكل تلك الحركات اقترنت بحركة جليلة الأولى مع الشخصية ،ذلك المكان المتحرك شحن تلك النفسية المضطربة مرة أخرى لاسيما أن تلك المشاهد المتحركة كانت ترى من مكان ضيق أو مغلق ثابت (نافذة الغرفة المطلة على الميناء) فنقلت لنا عين الراوي ما رأته هي وحدها ولم يدع القارئ رؤية صور أشمل ،لذا جاءت مساحة الرؤية محدودة ومن وجهة نظر واحدة غير حيادية ، صور لا يدري القارئ هل هي بصرية منقولة من النافذة أم من هلوسات الراوي وإن يكتشف مؤخرا أنها صور حقيقية عندما يرويها مرة أخرى الراوي الخارجي في النهاية ليثبت أن علوان كان قد استعاد وعيه الكامل وهو يصف لنا ما كان يراه عبر تلك النافذة الصغيـرة، " أتطلع عبر النافذة إلى البحر الأبيض المتوسط ،دائما أهرب إلى البحر كلما فاجأني قريبا من الطرود، وتنهمر بداخلي شتى المشاعر الغريبة المتناقضة .....في الليل يكون ميناء الاسكندرون أكثر سحرا حيث الأضواء المتلألئة تنبعث من كل مكان وفي النهار لايرى المرء سوى بضع سفن تجارية راسية بعيدا عن الشاطئ ،سوداء أو حمراء ،...في الليل يضيئون حتى السفن المعطلة لتستدل بها الزوارق المتسابقة بين سفينة وأخرى تحمل بحارة أو نساءً أو حشيشا ...(الحافات: 64).
شكل المكان المتحرك هنا بؤرة رئيسة، وهناك ترابط حميم بين تحرك المكان (السفن ،الزوارق،حركة الأمواج ،حركة الأضواء...) وعدم استقرار الشخصية لكنها اختارت مكانا ثابتا (شرفة الفندق) لاستعادة توازنها ومن ثم نقل الصورة المرئية للآخر ،اختار الراوي مكانا متحركا في محاولة منه للتعبير عن الغربة المكانية والاغتراب النفسي الذي نتج عنه "فغالبا ما يكون المكان المتحرك موظفا لغرض فكري _سياسي بالدرجة الأولى" (4). وكان اغترابه سلبيا وهروبا من واقع مر عاشته الشخصية أثناء فترة الحرب في الثمانينات(زمن القصة) ،إذ تذكر الشخصية بعض مآسيها ٍعبر هذا الحوار الذي دار بين علوان وصديقه ثامر وجدي :" – ها هناك جديد على الجبهة؟
- نعم ثمة شيء خارق على جبهة عبادان
- معركة جديدة؟
- معركة ضارية
- ومن الذي....؟
- الأنباء متضاربة وغير مؤكدة
- ترى هل يقتنع هؤلاء بأن الحرب لا جدوى منها (الحافات: 53)
ومع تلك المآسي تلجأ الشخصية (علوان) إلى محاولة الهروب من الحاضر والعودة إلى حالة النسيان الماضوية باللجوء إلى الخمرة والانتشاء بها وقد لجأت إليها في أكثر من موضع وكأنها في صراع مستمر بين اليقظة الآنية ومحاولة استعادة الأنفاس وبين انكسار الحاضر واستسلامه للماضي " كانت المدينة {الاسكندرون}تعج بالبارات والمراقص الليلية ولكننا ..كنا نجلب معنا بعض ما نحتاجه من أطعمة خفيفة ومشروبات غالبيتها من البيرة والجن والصودا .....مجرد إجراء احترازي بأن كل شيء هنا قد ينقلب إلى الضد إذا خرج من إطاره الصحيح أو إذا أسأنا التعامل معه حتى الخمرة"(الحافات: 53)
وفي مكان آخر من السرد نجد كلمة (الحافة) بوصفها مكانا جغرافيا قد أخذت حيزا كبيرا من المخزون الذاكراتي وبدت مهيمنة على الحكاية ترددها الشخصيات والراوي معا في إشارة واضحة لانفتاح السرد المكاني على العنوان وتحقيق سطوة القلق والشعور بالنهاية المأساوية ،إذ بدت محاور السرد وكأنها خضعت لسطوة العنوان عبر جملة مؤشرات مكانية وزمانية ،فنجد مثلا الراوي الذاتي (علوان الشعار) وهو يحتضر يبوح بأسراره بعد اقترابه من الموت وهو يتابع اخبار الحرب الدائرة في بلده بعد أن شكل المكان بؤرة رمزية تعادل الغربة والعزلة التي رافقتها" وأنا هنا في الغرفة الواقعة بالضبط على حافة البحر الأبيض المتوسط لا يفصلني عن البحر سوى زجاج النافذة .....لقد بدأت الحرب منذ أكثر من عام تشتعل إلى حد خطير(الحافات: 50) هو إذن الإحساس بالهزيمة والاقتراب من حافة البحر/الخطر، إذ تؤكد الشخصية الراوية على قربها الشديد من البحر، وأنها لن تنجو بفعل قراءتها للمستقبل. أما الزمن فبدأ عبئا أخر على المستوى السردي ومايتعلق بالترتيب الزمني على مستوى السرد، والزمن الداخلي (زمن الأحداث) إذ جاء متقطعا وفيه تنقلات كثيرة في الروي واسترجاعات وتشتت، لاسيما مع تنوع السرد وتحولاته من راو إلى آخر، وهي تقنية تخدم الحكاية بتعطيل زمن السرد والانتقال إلى الماضي ،إذ شكل الاسترجاع عاملا اضافيا للعمل على توقف الحكاية والدخول في ذاكرة ماضوية فيها نوع من الهلوسات وهو متعلق بالنهر الذي شكل العامل الأول لقلق الشخصي " في ذلك اليوم ، قبل سنوات عديدة كانت جليلة تقف هناك مغروسة في الأرض كالرمح ووجهها على ما أذكر باتجاه معاكس للنهر ،والنهر اكثر اشراقا مما هو عليه الآن، وعيناها أكثر صفاء من صفحة النهر الزرقاء"(الحافات:8)
إن تلك الذاكرة المتعبة لم تستطع أن تقدم تاريخا محددا (في ذلك اليوم، قبل سنوات عديدة، على ما أذكر...) جمل توحي بالشك فضلا عن الاصرار في الوقوف عكس اتجاه النهر ومايحمل من دلالة اختلال الوزن وعدم الثبات . حضر الزمن النفسي بدوره وشكل بؤرة أخرى ضاعفت معاناة الشخصية وضياعها عبر رسم صورة للمكان الصامت الذي لا يتحرك فيه الزمن " صعودا وبالتجاه المعاكس حيث لا شيء سوى وقع الخطى، قلت لنفسي :متى كان لي موطئ قدم في هذه الأرض غير هذا النهر ورمله، وغير جليلة ورائحتها المتوحشة....لم يكن فيها غير الصمت المنفعل المهلك ،الصمت المر بانتظار أن أعرف أي من هذه الرغبات ينبغي أن أتبع، لم يبق الا السكوت، سكت ولم أبح شيئا، لا أحد يقترب مني ،لا احد يبتسم لي(الحافات: 15). ،وقد جرى التلاعب بالزمن الروائي وما كان يظنه القارئ أنه يقرأ أحداثا قريبة أو آنية ماهي إلا أحداث بعيدة جدا وبزمن امتد لأكثر من أربعين سنة وهي مفاجأة أولى ،فقد عمل السرد الروائي على تلاشي الزمن أو توقفه وكان هناك تباين واضح بين زمن المغامرة أو القصة وزمن القص ،و ويتضح ارتباك الشخصية من خلال الآتي :" لا استطيع التوقف والكف عن التفكير لحظة واحدة في النار التي على الحدود وبما عساه أن يحدث هناك .إن العاطفة نفسها حينما تتدفق على الرغم من كل التحصينات والحواجز والمنطق المقنع .لقد قرأت كثيرا عن الحروب .عن أدق مآسي الحروب وكانت تهزني هزا عنيفا من الأعماق.كانت مجرد قراءة عن حرب مضى عليها أكثر من ستين عاما يجعلني بحالة من الهياج لاتطاق حتى أنني فيما بعد فرضت على نفسي ألّا أحمل كتابًا أو رواية عن الحرب...لأني لا استطيع أن أمنع نفسي من البكاء مهما كان المكان مزدحما" (الحافات: 61). ولعل من أهم أسباب قلق شخصية علوان هو الانتظار وما يحمل من فلسفة قديمة ممثلة بانتظار الإنسان موته منذ إعلان ولادته وما الزمن الكرنولوجي التتابعي سوى عداد سريع يقصّر المسافة الزمنية بين الولادة والموت، ويكمن قلق الانتظار في خوف علوان من قراءة الرسائل المكدسة من جليلة التي أرسلتها قبيل موتها ومن قلق جليلة نفسها التي تنتظر خبرا ما من حبيبها الذي هجرها وتغرّب عنها، ونتلمس ذلك عبر الحوار الذي جرى بين علوان وصديقه ثامر وجدي :
- ""هذه الطرود .هذه البطاقات التي ملأت الدرج
- ماذا تعني
- أعني هي التي بعثت بها
- -إذن بماذا تفسر انقطاع الرسائل؟
- إن هذا ما يزيدني قلقا يا ثامر
أنا الذي رفضت الاستجابة لمحاولاتها إقناعي بقراءتها .في هذه الليلة فكرت مرة في إثارة حماسته ويبدأ بفتح هذه الطرود. (الحافات: 63)
ثم تتكشف بعض الحقائق منها موت جليلة برسالة طويلة تعلن فيها نفاد صبرها من انتظار عودة علوان،ولأجل إيجاد توليفة من الراوي /الكاتب للتلاعب بالزمن الروائي فقد حاول الراوي نسيانه بنوعيه الداخلي /النفسي والخارجي /الفيزيائي ،فلا نجد إشارات واضحة لزمن الحكاية وكان هناك تباين واضح بين زمن الحكاية وزمن سردها ،بل يصعب على القارئ معرفة الزمن إلا من بعض الأحداث التاريخية لاسيما مع إعلان موت الشخصية /الراوي وتولي الراوي الخارجي مهمة القص ليخبرنا بتفاصيل أخرى كان الراوي الأول قد أخفاها، فشكل ذلك نهاية تعرف بالدراماتيكية قائمة على أحداث الصدمة وتغيير مسار أفق القارئ الذي عليه أن يعيد قراءة العمل مرة ثانية وربما ثالثة ليصل إلى ربط منطقي للأحداث بعد تذبذب زمن السرد ،وتكمن مفاجأة موت الشخصية بعشبة تسمى (الهابيانكو ) بعد أن كانت تلك العشبة مجرد حكايات قديمة يتناقلها عجائز القرية ،المفاجأة الأكثر عمقا اكتشاف موت الشخصية الراوية في النهاية في لعبة روائية تجبر القارئ على السؤال المنطقي : من كان يقص لنا الأحداث والراوي قد مات ؟!.
نتائج البحث
*- إن اضطراب سلوك الشخصيات وقلقها ولاسيما الشخصية الرئيسة(علوان) متأت من عقدة ماضوية مكونة من شقين ،الاول أن تلك الشخصية وبحسب ما تبين عبر (الفلاش باك) وسيل الذكريات تعاني من الضعف الجنسي والخجل الذي يلفها عند التقائها مع الشخصية النسوية (جليلة) .أما الشق الآخر فيتمثل باضطراب سلوكها وتأثير وقع الحرب عليها نتيجة الأزمات النفسية التي أصابتها *-
*-من جانب آخر كانت غربة الشخصية واغترابها خارج الوطن ومطاردتها تمثل عاملا مضافا إلى قلقها وهذا ما تم ملاحظته عندما تدخل الشخصية في حوار هذياني مع ذاتها (تيار الوعي) فلايدرك القارئ هل الشخصية تذكر حقائق مدفونة أم أـنها غائبة عن الوعي .
*شكل السرد بمستوياته كافة وبطرائق تقديمه ضربة درامية ،إذ لا يعلم المتلقي أحيانًا من يسرد الوقائع نتيجة التناوب والتداخل وتعدد مستويات القص فضلا عن تداخل الأصوات والمفاجأة التي يقع فيها بموت الشخصية الراوية للسرد والسؤال المنطقي :من كان يسرد لنا الوقائع اذن مادام البطل قد مات والسرد بالصيغة الماضوية في لعبة سردية قائمة على كسر أفق التوقع، مما يجعل القارئ يدخل في دوامة مغلقة.
* إن تنوع تقديم السرد بأكثر من طريقة(السرد الذاتي،الموضوعي ،عن طريق الوثائق،عن طريق الشخصيات) أعطى نوعا من الجمالية تجعل القارئ متشوقا لإكمال القراءة والوصول إلى النهاية
*لم يقتصر القلق السردي على الشخصيات بل كان ذلك محاطا بالزمن الداخلي عبر الزمن النفسي البطيء الذي شكل ضغطا ثانيا على سلوكها فضلا عن الزمن الخارجي الذي تمصل بزمن القص وتوقفاته وايقاعه
*-على الرغم من تعدد مستويات القص الا أن القارئ كان يستمع لوجهة نظر واحدة وهي طريقة القص الذاتي بضمير (الانا) التي كانت مهيمنة أكثر من باقي المستويات ،وهذا ما أراده الراوي أن يجعل القارئ منحازا له ،الا أنه لم يوفق في هذا ،إذ شكلت بقية المستويات ولاسيما عندما تولت الشخصية(جليلة) تروي الأحداث،فقد تفاجأ القارئ بأن مستوى القص الأول كان وهما ومجرد ذكريات ماضوية نبعت من مخيلة الراوي الذاتي.
Refernces
1.Silami N. The Encyclopedic Dictionary of Psychology, Translated by: Wajih As'ad, Vol. 5, Ministry of Culture Publications, Damascus, 2001.
2.Abdul Qader F. Dictionary of Psychology and Psychoanalysis, Dar Al-Nahda Al-Arabia, Beirut, Lebanon, 1st Edition, No Date.
3.Jundari M Al-Hafāt (The Margins). 1st Ed. General Cultural Affairs House, Ministry of Culture and Information, Baghdad, 1989.
4.Al-Naseer, Yassin, The Novel and Place, A Study in the Narrative Space, Dar Ninawa, Syria, 2nd Ed.
5.Abu Haif, Abdullah, The Confused Gender - A study on the Crisis of Heritage in Arab Novels, Arab Writers Union, Damascus, 1st Ed. 2003.
6.Abdullah S .The Arab Novel Discourse, The Trilogy of Egyptian Complaints as a Model, Dar Al-Mu'taz, Amman, Jordan, 1st Edition, 2016.
7.Al-Mukhtari Zayn Al-Din, Introduction to the Theory of Psychoanalytic Criticism, Arab Writers Publications, 1998.
- Lobock P. The Craft of the Novel, Translated by: Abdul Sattar Jwad, Dar Al-Rashid for Publishing, Iraq, 1st Edition, 1981.
9.Abdul Mohsen Y. Psychological Balance, Doctor, Dar Al-Ma'arif, Cairo, Iqra Series (660), No Date.
10.Al-Naseer Y. The Prelude The Art of Beginnings in Literary Text, Dar Ninawa, Damascus, 1st Edition, 2009.
11.Obeid M S. The Poetics of Concealment in the Discourse of the Body, Dar Al-Hewar, Syria, 1st Ed, 2011.