| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
الجذر (ح، ر، ج) في القرآن الكريم بين الدلالة المعجمية والسياقية
|
|
|
|
رمضان عمر علي
|
|
قسم اللغة العربية / كلية التربية للعلوم الانسانية / جامعة الموصل
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 8 July 2024
Revised: 13 August 2024
Accepted: 25 March 2025
|
|
لا شكّ في أنّ القرآن الكريم نص لغويّ معجز في مفرداته وتراكيبه وأساليبه، وللمفردة فيه إيحاءات متنوعة ودلالات مختلفة، تستخرج المعاني بطول التأمل وإعمال الفكر، ولا غرو ولا عجب في ذلك فالكلام كلام الله (I)، الّذي تحدّى به العرب والعجم – إنسا وجنّا أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. ومن جملة مفرداته لفظ: (الحرج)، الّذي جاء استعماله في النص القرآني بمعانٍ ودلالات، لا تقتصر على معناه اللغوي فحسب، بل تخرج إلى دلالات متنوعة حسب السياق التي ترد فيه، ولفظ :(الحرج) من الألفاظ القرآنية الّتي جاءت في سياق التيسير وتخفيف التكاليف الشرعية على العباد، وقد ورد في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعا، جاء في جميع تلك المواضع بصيغة الاسم، ولم يأت بصيغة الفعل في القرآن الكريم، ولفظ:(الحرج) جاء في القرآن الكريم على ثلاثة معانٍ: الأول: بمعنى (الشّك والرّيب)، والثاني: بمعنى) الضيق)، والثالث: بمعنى (الاثم).
الكلمات المفتاحية: الحرج، الدلالة، المعجمية، السياقية، الحارج.
|
|
Keywords:
Criticality
Connotation
Lexical
Contextual
critical
|
|
Corresponding Author
Ramadan Omar Ali[email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i1.ar8 , ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
The root (H, R, j) in the Holy Qur’an between lexical and contextual significance
R A Ali
Department of Arabic Language, College of Education for Humanities, University of Mosul, Iraq
Abstract
There is no doubt that the Holy Qur’an is a miraculous linguistic text in its vocabulary, structures, and methods, and the words in it have various suggestions and different connotations, meanings are extracted through lengthy contemplation and the work of thought, and there is no delusion or wonder about that, as the words are the words of Allah (Glory be to Him), with which He challenged the Arabs and the non-Arabs - human and jinn. That they bring something like it, even if they support each other. Among its vocabulary is the word: ((embarrassment)), which is used in the Qur’anic text with meanings and connotations that are not limited to its linguistic meaning only, but extend to various connotations according to the context in which it occurs. The word: (embarrassment) is one of the Quranic words that came in the context of Facilitating and reducing the legal costs on the people. It was mentioned in the Holy Qur’an in fifteen places. It came in the noun form in all of those places, but it did not come in the verb form in the Holy Qur’an. The word: (embarrassment) came in the Holy Qur’an in three meanings: The first: meaning (Doubt and uncertainty), the second: meaning (distress), and the third: meaning (sin).
المقدمة:
مما لا شكّ فيه أنّ القرآن الكريم نصٌّ لغويٌّ معجزٌ في مفرداته وتركيبه وأساليبه، فهو نسج متقن ومحكم، وللمفردة فيه إيحاءات متنوعة، ودلالات ملوّنة، تستشف معانيها بطول التأمل وإعمال الفكر، ولاعجب في ذلك، فالكلام كلام الله (ﷻ) والّذي تحدّى به العرب والعجم – إنسهم وجنّهم أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. ومن جملة مفرداته لفظ: (الحرج)، والّذي اتخذ استعماله في النص القرآني معان ودلالات، لا تقتصر على معناه اللغوي فحسب، بل تخرج إلى دلالات متنوعة حسب السياق التي ترد فيه. مما يستدعي المكوث عنده؛ لتتبيّن لنا دقة المفردة القرآنية في السياق القرآني. وقد جاء هذا البحث في مقدمة وتمهيد وثلاثة مباحث، وخاتمة، وثبت بأهم المصادر والمراجع.
التمهيد:
جذر(حرج) لغة واصطلاحاً:
ولعلّ من المفيد قبل الدخول في البحث أن نعرّج على مفهوم " الحرج " في اللغة والاصطلاح، فجذر" ح. ر. ج " أصل واحد، وهو معظم الباب وإليه مرجع فروعه، وذلك تجمّع الشّيء وضيقه. فمنه الحرج جمع حرجة، وهي مجتمع شجر. ويقال في الجمع حرجات ((1 ، وقد كشف الخليل((2 عن معنى الحرج في اللغة بقوله: " الحرج: المأثم. والحارِج: الآثم، ورجل حَرِج وحَرَج كما تقول: دَنِف ودَنَف: في معنى الضيّق الصدر" (3) وقد أشار الراغب الأصفهاني Al-Asfahani (1108) (4) إلى أنّ أصل الحرج والحراج مجتمع الشيئين، وتصوّر منه ضيق ما بينهما، فقيل للضيّق: حرج، وللإثم حرج، قال تعالى: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾. ( النساء: 65)، وقال عزّ وجلّ: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: 78). وقد حرج صدره، قال تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ (الأنعام: 125). وهو مصدر بزنة (فَعَل)، وأصله مجتمع الشجر، وقد حرج صدره يحرج كعلم يعلم (5) وحرِج صدره حرجا من باب تعب ضاق وحرِج الرّجل أثم وصدر حرِج ضيِّق ورجل حرِج آثم وتحرّج الإنسان تحرُّجا هذا ممّا ورد لفظه مخالفا لمعناه والمراد فعل فعلا جانب به الحرج كما يقال تحنّث إذا فعل ما يخرج به عن الحنث، قال ابن الأعرابيِّ للعرب أفعال تخالف معانيها ألفاظها قالوا تحرّج وتحنّث وتأثّم وتهجّد، إذا ترك الهُجود، ومن هذا الباب ما ورد بلفظ الدّعاء ولا يراد به الدّعاء بل الحثّ والتّحريض كقوله: تربت يداك وعقرى حلقى وما أشبه ذلك) (6). فالحرج الضيق والشدة، والحرجة: البقعة من الشجر الملتف المتضايق، قال الزجاج( Al-Zajjaj, 1988 ) )(7)لحرج في اللغة: أضيق الضيق، وَمَعنَاهُ أَنه ضَيِّقٌ جِدّا ((5 . وينظر: ابن منظورIbn Manzur 1414ه،). (6)فالحرج في اللغة: الضيق والشدّة، واستعمل في معنى الإثم والحرام، والضيق في اللغة: ضدّ السعة، ويستعمل في الفقر والبخل والغمّ ونحو ذلك، وقد روي عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما)؛ أنّه قرأ قوله تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ (الأنعام: 125). قال: هل ههنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم، قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الّذي لا طريق فيه، فقال: كذلك قلب الكافر(ينظر: الخازن (9)Al-Khazin 1979 2/ (7)181. وينظر: (السمين الحلبي Al-Halabi (10) د. ت، 5/ 143 ). وينظر: الدمشقي النعماني.Al-Nu‘mani (11) 1998 8/ 419)(9). فأصل الكلمة ورد في المحسوسات، ثمّ توسعوا في استعماله، ليشمل المعنويات، فقالوا: وقع فلان في حرج، أي: في مأزق وورطة. وفي الحديث:(حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)((11 أي: لا بأس، وقيل: إنّ الحديث عنهم ليس على الوجوب.
وإذا انتقلنا إلى مجال البحث عن لفظ: "الحرج" في القرآن الكريم، نجد أنّ اللفظ قد ورد في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعا، وجاء في جميع تلك المواضع اسماً، ولم يأت بصيغة الفعل في السياق القرآني، وللسياق دور مهم في الكشف عن المعاني والدلالات وتسهيل الوصول إليها. ولفظ (الحرج) من الألفاظ القرآنية الّتي جاءت في سياق تيسير وتخفيف التكاليف الشرعية على العباد في العهدين المكّي والمدني والأكثر في العهد المدنيّ، يعني التيسير، ورفع المشقّة عن العباد، برعاية المصالح. ولفظ (الحرج) جاء في القرآن الكريم على عدّة معاني ودلالات؛ وقد تتبع علماء الوجوه والنظائر معاني اللفظ في الاستعمال القرآني، فأثبت له(12-14) والفيروز آبادي(ت817ه) (4) ثلاثة معان: الأول: الحرج بمعنى الشّك والرّيب، والثاني: الحرج بمعنى الضيق، والثالث: الحرج بمعنى الإثم ((14-12, 4
الدلالة لغة واصطلاحاً:
تدل مادة(دلّ) على “إبانة الشيء بأمارة تتعلّمها"، (1) وقد دلّ على الطريق يدلّه دَلالة ودِلالة والفتح أعلى (7 ) ، أي: أرشده إليه، وعلى هذا فالدلالة بمعناها اللغوي تعني الإرشاد إلى الشيء، والإبانة عنه.
أمّا اصطلاحاً: هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بالشيء الآخر، والشيء الأول هو الدال، والثاني هو المدلول (ينظر: الجرجاني، 1985، 104) فالدال هو (اللفظ أو الرمز)، والمدلول هو (المعنى أو الصورة الذهنية)، وهما الركنان الأساسيان للدلالة، أو أنّ الدلالة: هي العلاقة بين الرمز(الدال) والصورة الذهنية(المدلول) (15). ولم تقف الدلالة عند هذا الحد، بل صارت فيما بعد علماً له أسسه وقواعده، وهو ما يعرف بعلم الدلالة الّذي عرف بأنّه: (دراسة المعنى، أو العلم الّذي يدرس المعنى) (16).
الدلالة المعجمية:
هي الدلالة الأصلية الوضعية للفظ والتي تستمد من اللفظ المفرد بمعزل عن السياق الّذي يقع فيه، أو بعبارة أخرى: (هي كون اللفظ بحيث متى أطلق أو تخيل فهم معناه، للعلم بوضعه) (الجرجاني، 1985، 104) وتسمّى كذلك الدلالة اللغوية. وأطلق على هذه الدلالة في علم اللغة الحديث: (المعنى الأساسي أو الأولي أو المركزي، ويسمّى أحياناً المعنى التصوري أو المفهومي أو الإدراكي، وهذا المعنى هو العامل الرئيس للاتصال اللغوي(16).
السياق لغة واصطلاحاً:
قال ابن فارس:"(سوق) السين والواو والقاف أصل واحد، وهو حدو الشيء. يقال ساقه يسوقه سوقا. والسيقة: ما استيق من الدواب. ويقال سقت إلى امرأتي صداقها، وأسقته. والسوق مشتقة من هذا، لما يساق إليها من كل شيء، والجمع أسواق. والساق للإنسان وغيره، والجمع سوق، إنما سميت بذلك لأن الماشي ينساق عليها" (1)
السياق اصطلاحاً:
(السّيَاق) المِهْرُ، وسياق الكلام تتابعه وأسلوبه الّذي يجري عليه (نخبة من اللغويين، 1972، 1/ 465). أوالسّياق: ما سيق الكلام لأجله، وقرينة السِّياق هي ما يُؤخذ من لاحق الكلام الدّالّ على خصوص المقصود أو سابقه. (13).
وبعد هذا العرض الموجز نقف عند لفظ الحرج ومعانيه ودلالاته، مستندين بآراء المفسرين وعلماء اللغة.
المبحث الأول: الحرج بمعنى الشّكُّ والرَّيب:
ورد(الحرج) بمعنى الشّك والرّيب في ثلاثة مواضع في النص القرآني:
جاء الأول متمثلا بقوله تعالى: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾(النساء:65) : قال مجاهد: شَكّا، لأنّ الشَّاكَّ في ضِيق من أمرِهِ حتّى يلوح له البيان. وقال غيره: ضيقا (14، 15 (. وقالوا في الحرج قولان: أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، والثاني: الضيق، قاله أبو عبيدة، والزجاج. (6 ). وهنا لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) فضمّ الى التحكم أمرا آخر وهو عدم وجود أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا بل لا بد أن يكون نابعا من صدورهم، صادرا عن رضا واطمئنان وطيب نفس. وهذا أجمل تصوير للعلاقة التي يجب أن تترسخ بين رسول الله (r) والمؤمنين وبين الرئيس والمرؤوس، والثقة التي تتأصل في نفوس الشعب لقائدهم وولي أمرهم، ما دام موفقا، سائرا في جوار الاستقامة السليمة. ثم لم يكتف سبحانه، بهذا كله، بل ضمّ إليه قوله:(ويسلموا)، أي: يذعنوا إذعانا تاما وينقادوا ظاهرا وباطنا لا انقيادا أعمى ولكنّه انقياد الواثق المطمئن الى سلامة موقف رسول الله (r). (16). وضمّ إلى (يسلموا) المصدر المؤكد فقال: (تسليما) وهكذا لا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه والتسليم لحكم الله وشرعه تسليما لا يخالطه رد ولا تشوبه شائبة، فسبحان قائل هذا الكلام! (16). فعندما يحكم رسول الله لا تتوانوا عن حكمه ولا تضيقوا به (17). فهنا عليهم أن يقبلوا عن إيمان وقناعة كلَّ ما يقضي به رسول الله (r،( وهو محك الإيمان الحقيقي، فليس مجرد القبول شفهيا، ولكن لا بدّ من طرح الشكوك والمعارضة لمن آمنّا به وصدّقناه، وأن يكون ذلك عن قناعة وقبول تام.
أمّا الموضع الثاني ورد في قوله تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 125): قال سِيبويه: الحرج بالفتح، المصدر كالطّلب، ومعناه ذا حرج، وبالكسر الاسم وهو أشدّ الضِّيق، يعني: يجعل قلبه ضيّقا حتّى لا يدخلَه الإيمان. وقال الكلبيّ: ليس للخير فيه منفذ.(14 ). وقال الزّجّاج (Al-Zajjaj (6)والحَرِجُ: اسم فاعل من حرج إذا اشتدّ ضيقه، وبالفتح المصدر(18). وحرَجا وحرِجا بفتح الراء وكسرها: هو المتزايد في الضيق فهو أخصُّ من الأول، فكلُّ حَرَج ضيق من غير عكس، وعلى هذا فالمفتوح والمكسور بمعنى واحد يقال: رجل حَرِج وحَرَج قال الشاعر:
لا حَرِجُ الصدر ولا عنيفُ ...
قال الفراء: هو في كسره ونصبه بمنزلة الوحَد والوِحد والفرَد والفرِد والدَّنَف والدَّنِف. (10, ). وقرأ بعضهم: (حَرِجاً) بفتح الحاء وكسر الرّاء، قيل: بمعنى آثم. وقيل: بمعنى القراءة الأخرى: (حَرَجاً) بفتح الحاء والرّاء، وهو الّذي لا يتّسع لشيء من الهدى، ولا يخلُص إليه شيء ما ينفعُه من الإيمان ولا ينفذ فِيه. (ينظر: ابن كثير، 1999، 3/ 336). وإتباع الضَّيِّق بالحرج: لتأكيد معنى الضِّيق، لأنّ في الحرج من معنى شدّة الضِيق ما ليس في ضَيِّق؛ والمعنى: يجعل صدره غير مُتّسِع لقبول الإسلام، بقرينة مقابلتِه بقوله: (يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلامِ) . (ينظر: ابن عاشور، 1997، 8/ 59). والحرج معناه الحجز عن الفعل، كأن نقول حرَّجت على فلان أن يفعل كذا، أي ضيقت عليه ومنعته من أن يؤدي هذا العمل. (17)جْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) وهذا الصنف تكون إجابة الداعي عنده ثقيلة على نفسه جدّا، فيشعر بضيق شديد، وحرج كثير، كأنه كلف من الأعمال ما لا يطيق، أو أمر بصعود السماء، وأصبح حالهم كحال الصاعد في طبقات الجو، والمرتفع في السماء كلما ارتفع وخف 662) وهنا وُصف قلب من يريد الله تعالى ضلالته بالضيق الذي هو خلاف الشرح والانفساح فدل ذلك على أن الله تعالى صير قلب الكافر بحيث لا يعي علما ولا استدلالا على توحيد الله تعالى والإيمان به، وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر الكافر. (18 (. فإذا أراد الله تعالى أن يُضِلَ أحدا جعل صدره ضيقا حرجا حتى لا يدخله الإيمان. وليس للخير فيه منفذ. وقال ابن عباس-رضي اللّه عنهما-: إذا سمع ذكر اللّه تعالى اشمأز قلبه، وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح إلى ذلك . 19)). ففي هذه الآية الكريمة ورد الحرج والضيق مجتمعين في آية واحدة من الذكر الحكيم، فالضيق هنا في مقابلة الانشراح، وأريد به عدم الاستعداد لقبول الأيمان. والحرج هنا شدّة الضيق، وأريد به أن لا منفذ ولا مسلك للإيمان والخير في قلبه . (11).
وجاء الحرج بمعنى الشّكُ والرّيب في موضع ثالث تمثل في قوله تعالى: ﴿ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ (الأعراف:2) ؛ أي: شك، وأصل الحرج: الضيق، والشاك في الأمر يضيق صدرا، لأنّه لا يعلم حقيقته، فسمّي الشّكُّ حرجا. (20). فالخطاب في الآية الكريمة للرّسول (r))، والمراد به الأمّة، ويسمّى الشكُّ حرجا؛ لأنّ الشَّاكّ ضَيِّق الصَدر كما أنّ المتيقن منشرح القلب، قال أبو العالية: حرجٌ، أي: ضِيقٌ؛ ومعناه لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أُرسلت بِه. (21). والحرج هاهنا يعم الشّك والخوف والهمّ وكل ما يضيق الصدر، وبحسب سبب الحرج يفسر الحرج هاهنا، وتفسيره بالشك قلق، والضمير في منه عائد على الكتاب أي بسبب من أسبابه. وفي هاء (منه) قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب فعلى هذا، في معنى الكلام قولان: أحدهما: لا يضيقنَّ صدرك بالإبلاغ، ولا تخافنّ، قاله الزّجّاج. والثاني: لا تشُكنّ أنّه من عند الله. والقول الثاني: أنّها ترجع إلى مضمر، وقد دل عليه الإِنذار، وهو التكذيب. (12). (فلا يكن): النّهيّ في اللّفظ للحرج، وفي المعنى للمخاطَب؛ أي: لا تحرج بِه. و(منه): نعت للحرج، وهي لابتداء الغاية؛ أي: لا تحرج من أجله. (ينظر: 22.( فلا يكن في صدرك حرج منه، أي: لا يكن في صدرك ضيق منه من إبلاغه إلى النّاس مخافة أن يكذّبوك ويؤذوك فإنّ اللَّه حافظك وناصرك، وقيل: المراد: لا يضق صدرك حيث لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا لك فإنّما عليك البلاغ، فالحرج هنا: الشّكُّ، لأنّ الشَّاكّ ضَيّق الصّدر، أَي: لا تشُكّ في أنّه منزّل من عند اللَّه، وعلى هذا يكون النهي له (r) من باب التّعريض، والمراد أمّتُه، أي: لا يشُكّ أحد منهم في ذلك. ((23 وينظر: القوجي، 1992، 4/ 299). فقوله (I):(فلا يكن في صدرك حرج)؛ وقد جاء لأمر من اثنين: إمّا أن يكون الأمر للحرج ألا يسكن صدر رسول الله، وإمّا أن يكون الأمر للرسول طمأنة له وتسكينا، أي: لا تتضايق لأنّه أنزل إليك من إله، وهل ينزل الله عليك قرآنا ليصبح منهج خَلقِهِ وصراطا مستقيما لهم، ثم يسلمك إلى سفاهة هؤلاء؟ لا، لا يمكن، فاطمئن تماما.((17 .
المبحث الثاني: الحرج بمعنى الضيق:
ورد لفظ الحرج بمعنى الضيق في الاستعمال القرآني في موضعين: جاء الأول متمثلا في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ (المائدة: 6).
فالحرج: الضيق؛ فجعل الله سبحانه وتعالى الدين واسعا حين رخّص في التيمم؛ أي: بما فَرَضَ من الوُضُوء والغُسلِ والتَّيَمُّمِ، وما جعل في الدين من ضيق ولا مشقة. ((12. وينظر: الدمشقي النعماني21) Al-Nu‘mani ) كقول رسول الله (r): (دين اللَّه يُسر، وبُعثت بِالحنيفِيّة السّمحة) . ((24 وينظر: كتاب الفضائل: 37/ 723). وجاء لفظ الدّين بالعموم، والمقصود به الّذي ذكر بقرب، وهو التّيمّم. (12). وزاد (من) في الإيجاب في قوله: (من حَرج)، وساغ ذلك لأنّه في حيِّز النفي وإن لم يكن النفي واقعا على فعل الحرج ( (10. (24)). فقوله: (ما يريد اللَّه ليجعل عليكم من حَرجٍ)، أي: فلهذا سهّل عليكم ويسّر ولم يعسّر، بل أباح التّيمّم عند المرض، وعند فقد الماء، توسعة عليكم ورحمة بكم، وجعله في حقّ من شرع اللّه يقوم مقام الماء(ينظر: ابن كثير، 3/ 60). فاللّه جلّ جلاله ما يريد بأمركم بالطّهارة بالماء أو بالتّراب التّضييق عليكم في الدّين، والجعل هنا إمّا بمعنى الإيجاد والخلق فيتعدى لمفعول به واحد، و(عليكم) متعلقان به، و(من) حرف جر زائد، و(حرجٍ) مجرور لفظا منصوب محلا على أنّه مفعول به ثان منصوب بجعل: وإمّا من الجعل، أي: التصيير، فيكون (عليكم) هو المفعول الثاني. ( ينظر: فتح البيان في مقاصد القرآن: 3/368، إعراب القرآن وبيانه: 2/ 420.) فقوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ) أي: ما يريد الله أن يجعل عليكم بتكليف العبادات تضييقا في الدّين، ولكن، وإنّما يريد بذلك: (ليطهركم)؛ يعني أن يطهّركم من الذّنوب والأحداث والجنابة والخطايا، لأنّ الوضوء تكفير للذنوب ( ينظر: كشف التنزيل: 2/365). ومهما يكن من أمر ففي الجملة معنى يصح أن يكون نبراسا يستمدّ منه المسلمون نورا وهدى في مختلف أمورهم وهو كون الله تعالى إنّما يتوخى في تكاليفه ورخصه نفع المسلمين وطهارتهم ماديا وروحيا دون قصد الإحراج، وفي هذا من الجلال ما فيه ( ينظر: التفسير الحديث: 9/ 58). فجعل الحق (I) الطهارة بالماء أو التراب إزالة للحرج؛ فالإنسان الذي لن يجد ماء سيقع في الحرج بالتأكيد؛ لأنّه يريد أن يصلي ولا يجد وسيلة للطهارة، وإذا كان عنده القليل من الماء ليشرب فهل يتوضأ أو يستديم الحياة ويُبقي على نفسه بشرب الماء؟ ولا يريد الله (I) أن يُعنت خلقه ولا أن يوقعهم في الحرج، بل خفف عليهم وجعل عنصر التراب يكفي كبديل للماء (ينظر: تفسير الشعراوي: 5/ 2961). ففي الآية الكريمة نفيٌّ للحرج؛ والّتي هي: المشقة والعسر والضيق.
أمّا الموضع القرآني الثاني الّذي ورد فيه لفظ الحرج بمعنى الضيق، جاء في قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قبل﴾ (الحج: 78).
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، أي: من ضيق وشدّة؛ يعني: أنّ المؤمن لا يُبتلى بشيء من الذّنوب إلّا جعل اللَّه له منه مخرجا، بعضها بالتّوبة، وبعضها بردّ المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفّارات، فليس في دين الإسلام ذنب لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه. وقيل: من ضيق في أوقات فُروضكم، مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحجّ إذا التبس ذلك عليكم، وسّع ذلك عليكم حتّى تتيقّنوا. وقال مقاتل: يعني الرّخص عند الضَرورات، كقصر الصّلاة في السّفر، والتّيمّم، وأكل الميتة عند الضّرورة، والإفطار بالسّفر والمرض، والصّلاة قاعدا عند العجز. وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصال الّتي كانت عليهم، وضعها اللّه تعالى عن هذه الأمّة ( ينظر: معالم التنزيل في تفسير القرآن: 5/ 403). فالمراد من الحرج في الآية: هو الإتيان بالرّخص، فمن لم يستطع أن يصلّي قائما فليصلّ جالسا ومن لم يستطع ذلك فليؤم، وأباح للصّائم الفطر في السّفر والقصر فيه. وأيضا فإنّه سبحانه لم يبتلِ عبده بشيء من الذّنوب إلّا وجعل له مخرجا منها إمّا بالتّوبة أو بالكفّارة ( مفاتيح الغيب: 23/ 255. واختلف العلماء في هذا الحرج الّذي رفعه اللّه تعالى، فقيل: هو ما أحلّه اللّه من النّساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمِين. وقيل: المراد قصر الصّلاة، والإفطار للمسافر، والصّلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره، وإسقاط الجهاد عن الأعرج والأعمى والمريض، واغتفار الخطأ في تقديم الصِيام وتأخيره لاختلاف الأهلّة، وكذا في الفطر والأضحى، وقيل: المعنى: أنّه سبحانه ما جعل عليهم حرجاً بتكليف ما يشقّ عليهم، ولكن كلّفهم بما يقدرون عليه، ورفع عنهم التّكاليف الّتي فيها حرجٌ، فلم يتعبّدهم بها كما تعبّد بها بني إسرائيل، وقيل: المراد بذلك أنّه جعل لهم من الذّنب مخرجاً بفتح باب التّوبة وقبول الاستغفار وَالتّكفِيرِ فيما شرع فيه الكفّارة ((23 . ففي الآية تنويه بالمنزلة والعناية الكبيرتين اللتين اختصّهم بهما: فقد اجتباهم واصطفاهم وهداهم إلى دينه القويم. ولم يجعل عليهم فيه حرجاً ولا إعناتاً؛ وهو ملّة أبيهم إبراهيم وقد سمّاهم المسلمين من قبل، وأعدّهم بذلك كلّه ليكونوا شهداء على النّاس ويكون الرسول عليهم شهيداً. وهذه مكانة خطيرة وعناية كريمة تقتضيان منهم الشكر والاجتهاد في أداء ما ترتّب عليهم من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والتمسّك بأهداب دين الله تعالى والاعتصام بحبله المتين، وهو مولاهم ونعم هو من مولى ونصير لهم (ينظر: التفسير الحديث: 6/ 78). فقوله سبحانه: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ)، يعني: ما اجتباكم ليُعنتكم، أو ليُضيِّق عليكم، أو ليُعسِّر عليكم الأمور، إنما جعل الأمر كله يُسر، وشرعه على قدر الاستطاعة، ورخَّص لكم ما يُخفّف عنكم، ويُذهب عنكم الحرج والضيق، فمن لم يستطع القيام صلى قاعداً، ومن كان مريضاً أفطر، والفقير لا زكاة عليه ولا حج... إلخ (17). ومن العلماء من يرى أنّ رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة، والسراق وأصحاب الجرائم من زنى، وقتل نفس، وغير ذلك؛ فعليهم الحرج بإقامة الحدود عليهم، وهم جاعلوه على أنفسهم بمخالفة أوامر رب العالمين، وعدم الاهتداء بهدي نبيه الأمين (r) (19). (حرجٍ): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: (وما جعل...إلخ) في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير (17) فالله (I) لم يجعل ضيقاً لا مخرجاً لكم ممّا ابتليتم به، بل وسّع عليكم فجعل التوبة في بعضه مخرجاً، والكفارة في بعض مخرجاً، والقصاص كذلك، وشرّع اليُسر في كلِّ شيء، ومنه الرُّخص المشروعة.
المبحث الثالث: الحرج بمعنى الإثم:
ورد لفظ الحرج بمعنى الإثم في الاستعمال القرآني في ثلاثة مواضع في النص القرآني:
جاء الأول متمثلا في قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُور﴾ ( التوبة: 91).
فالحرج: الضيق والإثم في القعود عن الغزو بشرط النصح لله ولرسوله (r)، وفيه وجهان: أحدهما: أن المعنى: إذا برئوا من النفاق. والثاني: إذا قاموا بحفظ الذراري والمنازل ( ينظر: زاد المسير في علم التفسير: 2/288). وذكر هنا أصحاب الأعذار الحقيقيّة، وبيّن أنّ تكليف اللّه تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط، وهم أقسام:
القسم الأوّل: الصّحيح في بدنه، الضّعيف مثل الشّيوخ. ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفاً نحيفاً، وهؤلاء هم المرادون بالضّعفاء، والدّليل عليه: أنّه عطف عليهم المرضى، والمعطوف مباين للمعطوف عليه، فما لم يحمل الضّعفاء على الّذين ذكرناهم، لم يتميّزوا عن المرضى.
والقسم الثاني: المرضى: فيدخل فيهم أصحاب العمى، والعرج، والزّمانة، وكلّ من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التّمكّن من المحاربة.
والقسم الثّالث: الّذين لا يجدون الأُهبة والزّاد والرّاحلة، وهم الّذين لا يجدون ما ينفقون، لأنّ حضوره في الغزو إنّما ينفع إذا قدر على الإنفاق على نفسه، إمّا من مال نفسه، أَو من مال إنسان آخر يعينه عليه، فإِن لم تحصل هذه القدرة، صار كلّاً ووبالاً على المجاهدين ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود، ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر هذه الأقسام الثّلاثة قال: لا حرج على هؤلاء، والمراد أنّه يجوز لهم أن يتخلّفوا عن الغزو، وليس في الآية بيان أنّه يحرم عليهم الخروج، لأنّ الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة؛ إمّا بحفظ متاعهم أَو بتكثير سوادهم، بشرط أن لا يجعل نفسه كلّاً ووبالاً عليهم، كان ذلك طاعة مقبولة ( ينظر: مفاتيح الغيب: 16/ 121). فليس على (الضّعفاء)؛ كالهرمى ولا على المرضى، (وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ)؛ وهم الفقراء من جهينة ومزينة وبني عذرة (حرجٌ): إثمٌ وضيق في التأخر؛ وإنما الإِيمان والطاعة في السر والعلانية كما يفعل الموالي الناصح، أو بما قدروا عليه فعلاً أو قولاً يعود على الإِسلام والمسلمين بالصلاح (ينظر: البيضاوي: 3/ 93، وينظر: 2/702. ففي هذه الآية رفع للحرج والإثم والضيق عن أهل الأعذار الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو والجهاد في سبيل الله تعالى. فاللّه (سبحانه وتعالى) قد رفع الحرج والإثم والضيق عن الذين لا يجدون ما ينفقونه، وجعل لهم وظيفة أخرى تخدم الجهاد، قال تعالى: ﱡﭐ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑﲒ ﱠ، أي: ينصحون ويشجعون أولئك القادرين على الجهاد؛ ليُحمّسوهم على القتال، ثم يكونون في عون أهل المجاهدين، ويواجهون الإشاعات والأكاذيب التي يطلقها المنافقون في المدينة؛ للنيل من الروح المعنوية للمسلمين فيردّون عليها ليُخرسوا ألسنة السوء ( 17). فهناك ارتباط واضح بين هذه الآيات وما قبلها، فبعد أن ذكر تعالى الوعيد لمن يوهم العذر أو ينتحل الأعذار، مع أنّه لا عذر له، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية، وبين إسقاط فريضة الجهاد عنهم.
فقد نفى الله (I) الإثم والمؤاخذة عن هؤلاء إذا تخلفوا عن الخروج للجهاد بسبب أعذارهم، وهذا بعد أن ذكر الله المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد، واعتذروا بأعذار كاذبة (19). فليس على المتخلفين عن الجهاد بسبب ضعفهم أو مرضهم أو قلة مالهم إثم في ذلك، فإنّ الله تعالى لا يكلف نفسا إلّا وسعها.
وأمّا الموضع الثاني ورد في قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ( النور:61).
اختلف العلماء في هذه الآية، فقال ابن عبّاس (رضي اللّه عنهما) Uلمّا أنزل اللّه قوله﴿ ﴾ النِّسَاءِ: 29)، تحرّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزّمنى والعُميِ والعُرج، وقالوا الطّعام أفضل الأموال، وقد نهانا اللّه عن أكل المال بالباطل. والأعمى لا يُبصر موضع الطّعام الطّيّب، والأعرج لا يتمكّن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطّعام، والمريض يضعف عن التّناول فلا يستوفي الطّعام، فأنزل اللّه هذه الآية ((19. فعلى هذا القول يكون معنى الآية: ليس عليكم في الأعمى حرج أن تأكلوا معه، ولا في الأعرج، وتكون (على) بمعنى (في)، ولا على المريض حرج (12). واختلف النّاس في المعنى الذي رفع الله فيه الحرج والإثم عن الأصناف الثلاثة، فظاهر الآية وأمر الشريعة أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر وتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص، فالحرج والإثم مرفوع عنهم في هذا. (ينظر: ابن عطية: 4/ 195). وقال سعيد ابن المسيب كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزوة مع النبيّ (صلى الله عليه وسلم) وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج وعند أقاربهم، ويأتونهم أن يأكلوا من بيوتهم وكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون نخشى ألّا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت الآية رخصة لهم (ينظر: النسفي، 2/ 520). وقال سعيد بن جبير؛ أنّهم كانوا يتحرّجون من الأكل مع الأعمى؛ لأنّه لا يرى الطّعام وما فيه من الطّيّبات، فربّما سبقه غيره إلى ذلك. ولا مع الأعرج؛ لأنّه لا يتمكّن من الجلوس، فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي من الطّعام كغيره، فكرهوا أن يُؤاكلوهم لئلّا يظلموهم، فأنزل اللّه هذه الآية رخصة في ذلك (23 ). وقيل: إنّ الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه، وقيل؛ المراد بهذا الحرج المدفوع عن هؤلاء، هو الحرج في الغزو أي لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو، وقيل: كان الرجل إذا أدخل أحدا من هؤلاء الزمنى إلى بيته، فلم يجد شيئا يطعمهم إياه ذهب بهم إلى بيوت قرابته فيتحرج الزمنى من ذلك فنزلت الآية الكريمة ( فتح البيان في مقاصد القرآن: 6/ 265، 266). فليس في الآية الكريمة فعل ماض ناقص وعلى الأعمى خبرها المقدم وحرج اسمها المؤخر ولا على الأعرج حرج عطف على ما سبقه وكذلك ما بعده ( 20). فالحرج: هو الضيق، ومعناه هنا الإثم. الحرج: هو الضيق، أو الحرج بمعنى: الإثم، فالحرج المرفوع عن هؤلاء هو الضِّيق، أو الإثم الذي يتعلق بالحكم الآتي في مسألة الأكل، وفي لسان الشرع هو الإثم والذنب ( 21). فهنا في الآية الكريمة كرر لفظ: (حَرَجٌ) في قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ (النور: 61) وهو إطناب بتكرار لفظ الحرج، تأكيداً للحكم شرعاً (35). وجاء الحرج بمعنى الإثم في موضع ثالث تمثل في قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ (الفتح: من الآية: 17). نفيُّ الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف، أي: في التخلفِ عنِ الجهاد والغزو لما بهم من العذر والعاهة ولعذرهم المانع، أي: ليس على هؤلاء إثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد لما بهم من الأعذار الظاهرة، فإن التكلف يدور على الاستطاعة وفى نفي الحرج عن كلّ من الطوائف المعدودة مزيد اعتناءٍ بأمرهم وتوسيع لدائرة الرّخصة((36 . ولمّا بولغ عز وجل في عتاب هؤلاء المتخلفين من القبائل المجاورة للمدينة لجهينة ومزينة وغفار وأسلم وأشجع، عقب ذلك بأن عذر الله تعالى أهل الأعذار من العرج والعمى والمرض جملة ورفع الحرج عنهم والضيق والمأثم، وهذا حكم هؤلاء المعاذير في كل جهاد إلى يوم القيامة (ينظر: ابن عطية: 5/ 133). فقد أنذرت الآيات السابقة الذين لا يثبتون إخلاصهم في طاعة الله ورسوله بالجهاد في سبيل الله جهاداً مجرداً من الطمع فجاءت هذه الآية تؤذن بعذر المعذورين وتعفيهم من الواجب الذي لا يقدرون على القيام به بسبب أعذارهم الجسمانية، والمبدأ الذي احتوته الآية متمشّ مع الحق والعدل والحكمة (38). فليس على الأعمى حرجٌ، ولا على الأعرج حرجٌ، ولا على المريض حرجٌ؛ إطناب بتكرار نفي الحرج والإثم عن أصحاب الأعذار للتأكيد (35 ). فهذه أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة، ومن وراء ذلك أعذار أخر دون ما ذكر، وهي: الفقر الذي لا يمكّن صاحبه أن يستصحب معه ما يحتاجه إليه من مصالح الجهاد، والأشغال التي تعوق عن الجهاد، كتمريض المريض الذي ليس له من يقوم مقامه عليه ونحو ذلك. وإنما قدّم الأعمى على الأعرج؛ لأنّ عذر الأعمى مستمر، لا يمكن الانتفاع به في حراسة، ولا غيرها، بخلاف الأعرج؛ لأنّه يمكن الانتفاع به في الحراسة، ونحوها، وقدّم الأعرج على المريض؛ لأنّ عذره أشد من عذر المريض لإمكان زوال المرض عن قريب؛ وهذه الأعذار تعفي من الجندية في هذه الأيام ينظر: الخازن، 4/ 159، وينظر: الدرّة: 9 / 144). فليس على هؤلاء الأصناف الّذين ذكرهم الله (I) في كتابه الكريم إثم في قعودهم وتخلفهم عن الجهاد والقتال والغزو لعجزهم عنه وعدم استطاعتهم إيّاه.
وهناك مواضع أخرى في القرآن الكريم ورد فيها لفظ (الحرج) بمعنى الضيق في الاستعمال القرآني لم تذكر في كتب الوجوه والنظائر؛ وهي وردت في سورة الأحزاب في ثلاثة مواضع هي:
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ ﴾ (الأحزاب: 37).
المراد بضمير الغيبة: زيد بن حارثة (y) أنعم الله عليه بالإسلام الذي هو أجل النعم. أي: بالإعتاق والتبني، فهو متقلب بنعمة الله (I) ونعمة رسوله (r) (ينظر: تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه – (25)). وأمّا قوله (I):(على المؤمنين حرج ): ضيقٌ ومشقَّةٌ، (أزواج أدعيائهم )، أي: في حقّ التّزوّج بأزواج من يجعلونه ابناً، كما كانت تفعله العرب، فإنّهم كانوا يتبنّون من يريدون، وكان النّبيّ (r) قد تبنّى زيد بن حارثة. أي: بموت أو طلاق أو فسخ نكاح، أو كناية عن الوطء والجماع؛ فإنّ لهم في رسول الله أسوة حسنة؛ وفيه دلالة على أن حكمه (r) وحكم الأمّة سواء إلّا ما خصّه الدّليل( 37). قال الحسن: ظنّت العرب أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبيّن الله تعالى الفرق بينهما، وأنّ حلائل الأدعياء غير محرمة، وليست كحلائل أبناء الصلب ( ينظر: الصوفي، 2002، 4/ 438). فليس على النبي (r) من حرج ومانع وضيق ومشقة وعيب ومؤاخذة في تنفيذ ما أمر الله تعالى وفي الاستمتاع بما فرضه الله تعالى له. فهذه سنّة الله تعالى في أنبيائه السابقين أيضاً، فهو قد اختار أنبياءه لتبليغ رسالاته وتنفيذ أوامره وعدم خشية أحد غيره، وكفى به معتمداً ووكيلاً، وإنّ أوامر الله تعالى مقدّرة بمقتضيات المصلحة وهي واجبة التنفيذ ( 38). إذن فزواج رسول الله (r) من امرأة متبنّاه ما كان إلّا لرفع الحرج عن جميع المؤمنين، والآن يصح لكل مُتبنٍّ أن يتزوج امرأة مُتبنّاه ( 21). فإذا قلنا: فما الفائدة في أمر النبي (r) زيداً بإمساكها؟ قلت: هو أنّ الله تعالى أعلم نبيه أنّها زوجته فنهاه النبي (r)، عن طلاقها وأخفى في نفسه ما أعلمه الله تعالى به فلما طلقها زيد خشي قول النّاس يتزوج امرأة ابنه فأمره الله تعالى بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته( 8). والله أعلم. وقوله (U): (ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ) إثم، أي: فيما أحلّ اللّه له، (لكيلا يكون على المؤمنين) (18). أي: لئلّا يكون في تشريع الله على المؤمنين ضيق ومشقة وتأثم في حق تزوج مطلقات الأبناء من التبني، إذا لم يبق لأزواجهن حاجة فيهن ينظر: الصابوني، 2/ 485.
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿ مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ (الأحزاب: 38). بيّن الله سبحانه أنّه لم يكن على رسول الله (r) حرج في هذا النكاح، فقال:( ما كان على النبي من حرج) (r)؛ (من) زائدة لوقوعها بعد النفي (حرجٍ): اسم كان الناقصة؛ (مجرور لفظا مرفوع محلّا اسم كان مؤخّر)، أي: ما صح ولا استقام في الحكمة أن يكون على النبي (r) حرجٌ وضيقٌ وإثمٌ وعتاب، (ﲔ ﲕ ﲖ) وقسّم وقدّر له في علمه؛ أي: ليس على النبيّ حرج وذنب ومنع فيما أحل الله تعالى له من نكاح امرأة من تبنّاه، بعد فراقه إيّاها ( 35). وهذا خطاب من الله تعالى لجميع الأمّة، أعلمهم أنّه لا حرج؛ (من إثم، ومؤاخذة) على رسول الله (r) في نيل ما فرض الله له وأباح وقدّره وقضاه، من تزويج زينب بعد زيد (ينظر: ابن عطية، 4/ 387). وهنا سنّ الله عزّ وجلّ سنّة واسعة لا حرج فيها، إذ لا حرج على أحد فيما لم يحرُم عليه ( 14). وكأنّه قيل: سنّ الله ذلك سنّة في الأنبياء الماضين، وهو ألّا يحرج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النّكاح وغيره ( 36). فقوله تعالى: ( وكان أمر الله قدرا مقدورا) أي: كيف تلومون رسول الله (r) على تنفيذ أمر فرضه الله له،، ولم يقل فُرض عليه؟ ما دام أنّ الله (I) هو الّذي فرض هذا، فلتُصعّدوا الأمر إليه، فليس لرسوله ذنب فيه.( 21). فلا حرج ولا ضيق ولا إثم أو ملامة وعتاب ولا مانع من أن يفعل (r) كلّ ما رخّص له ربُّه (I).
الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ (الأحزاب: 50). ذكر الله سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله (r)، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهنّ أجورهنّ؛ أي: مهورهن، وهي خطاب للنبيّ بشأن أنكحته على سبيل التشريع ( ينظر: البويطي، 23/ 74). قوله عز وجل: (خالصة لك من دون المؤمنين)؛ فيه تقديم، والمعنى: خالصة لك من دون المؤمنين كي لا يكون عليك، أي: أحللنا لك ما ذكرنا لكيلا يكون عليك ضيق في أمر النّكاح ومنع من شيء تريده ( ينظر: الواحدي، 18/ 276). قال المفسرون: وهذا يرجع إلى أول الآية؛ أي: أحللنا لك أزواجك، وما ملكت يمينك، والواهبة نفسها لك لكيلا يكون عليك حرجٌ وضيقٌ، فتكون اللام متعلقة بـ(كي)، ولام كي دخلت على كي للتوكيد؛ أي: لئلا يكون عليك ضيق في دينك وفي أمر النّكاح ( 18). و(لكي لا يكون عليك حرج) يتعلق بالآية التي قبله أي: بيّنا أحكام النّكاح لئلّا يكون عليك حرج، أو لئلّا يظنّ بك أنّك فعلت ما لا يجوز (30) . أي: ضيق في شيء من أمر النّساء إذ أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة. ولما ذكر سبحانه ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهنّ، وكان النبيّ (r) أعلى النّاس فهما وأشدهم لله خشية، وكان يعدل بينهنّ، ويعتذر مع ذلك من ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله (r): (اللّهمّ هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)( 11)، خفّف عنه سبحانه بقوله: (ﳄ ﳅ )، أي: المتصف بصفات الكمال من الحلم والأناة والقدرة وغيرها أزلاً وأبداً؛ (ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ )، أي: بليغ الستر فهو إن شاء يترك المؤاخذة فيما له أن يؤاخذ به، ويجعل مكان المؤاخذة الإكرام العظيم متصفاً بذلك أزلاً وأبداً (ينظر: القاعي، د. ت، 15/ 384، ابن حجر: 9/ 313). وهذه هي الهبة الخالصة للنبيّ (r)) دون أمّته، كأنّ الله تعالى يقول لنبيه: لا نريد أن نحمّلك ضيقاً في أيِّ شيء، وإباحة هؤلاء النساء لك أيّها النبيّ لدفع الحرج والمشقة عنك، ولتتفرغ لتبليغ رسالتك ولتتفرغ أنت لمهمتك الصعبة. ((35,21 . (ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ)، أي: ضيق ومشقة في النكاح، وهذا النداء الكريم لرسول رب العالمين يحمل لرسول الله (r)) إجازة ربانية تخفف عنه أتعابه التي يعانيها (r)؛ لقد علم الله تعالى ما يعاني رسوله وما يعالج من أمور الدين والدنيا فمنّ عليه بالتخفيف ورفع الحرج فقال ممتناً عليه. (39). فـ (ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ)، أي: ضيق في دينك؛ حيث اختصصناك بالتنزيه، واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات، وزدنا لك الواهبة نفسها.( 25). قوله تعالى: (ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ)، أي: ضيق في أمر النّكاح ومنع من شيء تريده، وهذا فيه تقديم؛ تقديره: خالصة لك من دون المؤمنين: (ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ)، أي أحللنا لك ما ذكرنا؛ ليرتفع عنك الحرج والضيق (40). وفي الأخير يمكن القول: أنّنا لم نر أنّ هناك فرقاً كبيراً بين معاني (الحرج) في اللغة وبين المعاني والدلالات التي جاءت بها لفظ (الحرج) في السياق القرآني.
الخاتمة:
يمكن إجمال النتائج الّتي توصل إليها البحث فيما يأتي:
1 / لفظ (الحرج) ورد في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعاً، جاء في جميع تلك المواضع اسماً، ولم يأت بصيغة الفعل في القرآن أبداً، أي: اقتصر السياق القرآني في استعمال لفظ (الحرج) على صيغة واحدة، وهي الصيغة الإسمية فقط؛ وهذه الألفاظ موزعة في إحدى عشرة آية وبألفاظ مختلفة؛ حيث ورد بلفظ: "حرجا" بتنوين الفتح، وبلفظ:" حرجٍ " بتنوين الكسر، وبلفظ: "حرجٌ " بتنوين الضم ... إلخ.
2 / إنّ الاستخدام القرآني لكلمتي: (حرج – ضِيق) يُظهر اشتراكهما في معنى: نقيض السّعة، ماديا أو معنوياً.
3 / الملمح المميّز لكلمة (حرج) هو: الشدّة، فالحرج ضيق شديد بالغ.
4 / الفرق بين لفظ(الضيق) و(الحرج): أنّ الحرج ضيق لا منفذ فيه، أو هو أضيق الضيق، أمّا(الضيق) فهو المكان الضيق، وليس بالضرورة أن يكون بلا منفذ.
5 / أصل كلمة(الحرج) ورد في المحسوسات (مجتمع الشجر)، ثمّ توسعوا في استعماله، ليشمل المعنويات، فقالوا: وقع فلان في حرج، أي: في مأزق وورطة.
6 / ورد لفظ (الضيق) ولفظ (الحرج)؛ إذ لمّا لم يكن لفظ (الضيق) وافيا في بيان المقصود، جاء بلفظ (الحرج)؛ لأنّ في (الحرج) من معنى شدّة الضيق، ما ليس في الضيق، والمعنى: يجعل صدره غير متسع لقبول الإسلام والإيمان.
7 / توزعت دلالات لفظ(الحرج) في السياق القرآني بين الشّك والرّيب والضيق والمشقة وكذلك الإثم.
8 / هناك مواضع أخرى في القرآن الكريم ورد فيها لفظ (الحرج) بمعنى الضيق في الاستعمال القرآني لم تذكر في كتب الوجوه والنظائر؛ وهي وردت في سورة الأحزاب في ثلاثة مواضع هي الآيات: 37، 38، و50.
Reference:
1.Ibn Faris, Abu al-Husayn Ahmad bin Faris bin Zakariya, Mu'jam Maqayis al-Lughah, edited by Abdul-Salam Muhammad Haroun, Dar al-Fikr, 1st ed., 1399 AH - 1979 CE.
2.Al-Farahidi, Abu Abdul-Rahman al-Khalil bin Ahmad bin Amr bin Tamim (d. 170 AH), Kitab al-Ayn, edited by Dr. Mahdi al-Makhzumi, Dr. Ibrahim al-Samarra'i, Dar wa Maktabah al-Hilal.
3.Al-Asfahani, Abu al-Qasim al-Husayn bin Muhammad, known as al-Raghib (d. 502 AH), Al-
4.Al-Fayruzabadi, Majd al-Din Abu Tahir Muhammad ibn Ya‘qub. Basā’ir Dhawi al-Tamyīz fī Laṭā’if al-Kitāb al-‘Azīz. (d. 817 AH / 1414 CE).
5.Al-Fayoumi, Ahmad ibn Muhammad ibn Ali, known as Al-Hamawi, Abu Al-‘Abbas (d. ca. 770 AH). Al-
6.Al-Zajjaj, Abu Ishaq Ibrahim bin al-Sari bin Sahl (d. 311 AH), Ma'ani al-Qur'an wa I'raabuhu, edited by Abdul-Jalil Abduh Shalabi, Alam al-Kutub - Beirut, 1st ed., 1408 AH - 1988 CE.
7.Ibn Manzur, Muhammad bin Mukarram bin Ali, Abu al-Fadl, Jamal al-Din al-Ansari al-Ruwafi' al-Afriki (d. 711 AH), Lisan al-Arab, 8
- Al-Khazin, ‘Ala’ al-Din ‘Ali ibn Muhammad ibn Ibrahim al-Baghdadi. Tafsir al-Khazin, titled Lubab al-
9.Al-Halabi, Abu al-‘Abbas Shihab al-Din Ahmad ibn Yusuf ibn ‘Abd al-Da’im (d. 756 AH / 1355 CE). Al-Durr al-Masūn fī ‘Ulūm al-Kitāb al-Maknūn. Edited by Dr. Ahmad Muhammad al-Kharrat. Damascus: Dar al-Qalam
10.Al-Nu‘mani, Abu Hafs Siraj al-Din ‘Umar ibn ‘Ali ibn ‘Adil al-Hanbali al-Dimashqi (d. 775 AH / 1373 CE). Al-Lubab fi ‘Ulum al-Kitab. Edited by Shaykh ‘Adil Ahmad ‘Abd al-Mawjud and Shaykh ‘Ali Muhammad Mu‘awwad. 1st ed. Beirut, Lebanon: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1419 AH / 1998 CE.
11.Abu Dawud Sulayman ibn al-Ash‘ath al-Sijistani (202–275 AH). Sunan Abi Dawud. Edited by Shu‘ayb al-Arna’ut and Muhammad Kamil Qarrah Balli. 1st ed. (Beirut: Dar al-Risalah al-‘Alamiyyah, 2009/1430 AH).
12.Ibn Mūsā, Hārūn al-Qāriʾ (d. 170 AH). Al-Wujūh wa-l-Naẓāʾir fī al-Qurʾān al-Karīm. Edited by Ḥātim Ṣāliḥ al-Ḍāmin. Baghdad: Ministry of Culture and Information, Iraq.
13.Al-ʿAskarī, Abū Hilāl al-Ḥasan ibn ʿAbd Allāh ibn Sahl ibn Saʿīd ibn Yaḥyā ibn Mihrān (d. ca. 395 AH). Al-Wujūh wa-l-Naẓāʾir. Edited and annotated by Muḥammad ʿUthmān. Cairo: Maktabat al-Thaqāfa al-Dīniyya, 1st ed., 1428 AH / 2007 CE.
14.Ibn al-Jawzi, Jamal al-Din Abu al-Faraj ‘Abd al-Rahman ibn ‘Ali ibn Muhammad (d. 597 AH / 1201 CE). Nuzhat al-A‘yun al-Nawāẓir fī ‘Ilm al-Wujūh wa al-Naẓā’ir. Edited by Muhammad ‘Abd al-Karim Kazim al-Radhi. 1st ed. Beirut, Lebanon: Mu’assasat al-Risalah, 1404 AH / 1984 CE.
15.Al-Kurāʿīn, Aḥmad Naʿīm. ʿIlm al-Dalāla bayna al-Naẓar wa-l-Taṭbīq. Beirut, Lebanon: Al-Muʾassasa al-Jāmiʿiyya li-l-Dirāsāt wa-l-Nashr wa-l-Tawzīʿ, 1st ed., 1413 AH / 1993 CE.
16.Umar, Ahmad Mukhtar. Semantics. Cairo: ‘Alam al-Kutub, 1st ed. 1985; 2nd ed. 1988; 3rd ed. 1991; 4th ed. 1993; 5th ed. 1998.
17.Al-Shafi‘i, Hasan ibn Muhammad ibn Mahmoud al-‘Attar (d. 1250 AH / 1834 CE). Hashiyat al-‘Attar ‘ala Sharh al-Jalal al-Mahalli ‘ala Jam‘ al-Jawami‘. Beirut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyyah, n.ed., n.d.
18.Al-Baghawi, Abu Muhammad al-Husayn ibn Mas‘ud (d. 510 AH / 1116 CE). Ma‘ālim al-Tanzīl fī Tafsīr al-Qur’ān (Tafsīr al-Baghawī). Edited by Muhammad ‘Abd Allah al-Nimr, ‘Uthman Jum‘ah Dumayriyya, and Sulayman Muslim al-Harsh. 4th ed. Riyadh: Dar Tayyibah li al-Nashr wa al-Tawzi‘, 1417 AH / 1997 CE.
19-Walawi, Muhammad ibn ‘Ali ibn Adam ibn Musa al-Ituubi. Al-Bahr al-Muheet al-Thajjaj fī Sharh Sahih al-Imam Muslim ibn al-Hajjaj. 1st ed. Beirut: Dar Ibn al-Jawzi, 1426–1436 AH.
20.Darwish, Muhyiddin ibn Ahmad Mustafa (d. 1403 AH / 1983 CE). ‘I‘rāb al-Qur’ān wa Bayānuh [Syntax and Explanation of the Qur’an]. 4th ed. Homs, Syria: Dar al-Irshad lil-Shu’un al-Jami‘iyyah; also published by Dar al-Yamamah (Damascus–Beirut) and Dar Ibn Kathir (Damascus–Beirut), 1415 AH / 1994 CE.
21Al-Sha‘rawi, Muhammad Mutawalli (d. 1418 AH / 1998 CE). Tafsir al-Sha‘rawi (al-Khawātir). Cairo: Akhbar al-Youm Press, 1997 CE.
22..Al-Andalusi, Muhammad ibn Yusuf, known as Abu Hayyan (d. 745 AH / 1344 CE). Tafsīr al-Baḥr al-Muḥīṭ. Edited by Shaykh ‘Adil Ahmad ‘Abd al-Mawjūd and Shaykh ‘Ali Muhammad Mu‘awwaḍ, with contributions from Dr. Zakariyya ‘Abd al-Majid al-Nawqi and Dr. Ahmad al-Najuli al-Jamal. Beirut, Lebanon: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1422 AH / 2001 CE.
23.Ibn Kathir, Abu al-Fida’ Isma‘il ibn ‘Umar (d. 774 AH). Tafsir al-Qur’an al-‘Azim. Edited by Sami ibn Muhammad Salamah. 2nd ed. Riyadh: Dar Taybah for Publishing and Distribution, 1420 AH/1999 CE.
24.Ibn ʿĀshūr, Muḥammad al-Ṭāhir ibn Muḥammad ibn Muḥammad al-Ṭāhir (d. 1393 AH). Al-Taḥrīr wa-l-Tanwīr. Tunis: Dār Saḥnūn li-l-Nashr wa-l-Tawzīʿ, 1997.
25.Al-Durra, Muhammad ‘Ali Taha. Tafsīr al-Qur’ān al-Karīm wa I‘rābuh wa Bayānuh [Exegesis, Syntax, and Rhetorical Explanation of the Noble Qur’an]. 1st ed. Damascus: Dar Ibn Kathir, 1430 AH / 2009 CE.
26.Al-Dīnawari, Abu Muhammad ‘Abd Allah ibn Muslim ibn Qutaybah (d. 276 AH / 889 CE). Gharīb al-Qur’ān [Unfamiliar Terms in the Qur’an]. Edited by Ahmad Saqr. Beirut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1398 AH / 1978 CE.
27.Al-‘Akbari, Abu al-Baqa’ ‘Abd Allah ibn al-Husayn ibn ‘Abd Allah (d. 616 AH). Al-Tibyan fi I‘rab al-Qur’an. Edited by Ali Muhammad al-Bajawi. Cairo: ‘Isa al-Babi al-Halabi & Co., n.p., n.d.
28.Al-Shawkani, Muhammad ibn ‘Ali ibn Muhammad (d. 1250 AH). Fath al-Qadir: The Comprehensive Commentary Combining Transmission and Reasoning in the Science of Tafsir. Beirut: Dar al-Fikr, n.
29.Al-Qanuji, Abu al-Tayyib Muhammad Siddiq Khan ibn Hasan ibn ‘Ali ibn Lutf Allah al-Husayni al-Bukhari (d. 1307 AH). Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur’an. Supervised, introduced, and reviewed by ‘Abd Allah ibn Ibrahim al-Ansari. Saida–Beirut: al-Maktabah al-‘Asriyya li-l-Tiba‘a wa-l-Nashr, 1412 AH/1992 CE.
.30.Al-Gharnati, Abu al-Qasim Muhammad ibn Ahmad ibn Muhammad ibn ‘Abd Allah ibn Juzayy al-Kalbi (d. 741 AH / 1340 CE). Al-Tashīl li ‘Ulūm al-Tanzīl [Facilitation of the Sciences of Revelation]. Edited by Dr. ‘Abd Allah al-Khāldi. Beirut, Lebanon: Sharikat Dar al-Arqam ibn Abi al-Arqam, 1st ed., 1416 AH.
31..Al-Yamani, al-Haddad (d. 800 AH). Tafsir Kashf al-Tanzil fi Tahqiq al-Mabahith wa-l-Ta’wil. Edited by Hisham ibn ‘Abd al-Karim al-Badrani al-Mawsili. 1st ed. Irbid, Jordan: Dar al-Kitab al-Thaqafi, 2008.
32.Al-Rāzī, Abū ʿAbd Allāh Muḥammad ibn ʿUmar ibn al-Ḥasan ibn al-Ḥusayn al-Taymī (d. 606 AH). Mafātīḥ al-Ghayb (al-Tafsīr al-Kabīr). 3rd ed. Beirut: Dār Iḥyāʾ al-Turāth al-ʿArabī, 1420 AH.
33.Darwazah, Muhammad ‘Izzat. Al-Tafsir al-Hadith. Cairo: Dar Ihya’ al-Kutub al-‘Arabiyya, 1383 AH
34.Al-Nasafi, Abu al-Barakat ‘Abd Allah ibn Ahmad ibn Mahmud Hafiz al-Din (d. 710 AH). Tafsir al-Nasafi (Madarik al-Tanzil wa-Haqa’iq al-Ta’wil). Edited and Hadiths verified by Yusuf ‘Ali Badiwi, revised and introduced by Muhyi al-Din Dib Mustu. 1st ed. Beirut: Dar al-Kalim al-Tayyib, 1419 AH/1998 CE.
35.Al-Zuḥaylī, Dr. Wahbah ibn Mustafa. Al-Tafsīr al-Munīr fī al-‘Aqīdah wa al-Sharī‘ah wa al-Manhaj [The Enlightened Exegesis in Creed, Law, and Methodology]. 2nd ed. Damascus, Syria: Dar al-Fikr al-Mu‘āṣir, 1418 AH / 1997 CE.
36.Al-Zamakhsharī, Abu al-Qāsim Maḥmūd ibn ‘Umar (d. 538 AH / 1144 CE). Al-Kashshāf ‘an Ḥaqā’iq al-Tanzīl wa ‘Uyūn al-Aqāwīl fī Wujūh al-Ta’wīl [The Revealer of the Realities of Revelation and the Best of Interpretations in the Aspects of Exegesis]. Edited by ‘Abd al-Razzāq al-Mahdī. Beirut: Dār Iḥyā’ al-Turāth al-‘Arabī.
37.Abu al-Su‘ud al-‘Imadi, Muhammad ibn Muhammad ibn Mustafa (d. 982 AH / 1574 CE). Tafsīr Abī al-Su‘ūd = Irshād al-‘Aql al-Salīm ilā Mazāyā al-Kitāb al-Karīm [The Guidance of the Sound Mind to the Merits of the Noble Book]. Beirut, Lebanon: Dār Iḥyā’ al-Turāth al-‘Arabī.
38.Izzat, Darwazah Muhammad. At-Tafsir al-Hadith [Modern Exegesis]. Cairo: Dar Ihya’ al-Kutub al-‘Arabiyya, 1383 AH / 1963 CE.
39.Jazāʾirī, Jābir ibn Mūsā ibn ʿAbd al-Qādir ibn Jābir Abū Bakr. Aysar al-Tafāsīr li-Kalām al-ʿAlī al-Kabīr. 5th ed. Medina, Saudi Arabia: Maktabat al-ʿUlūm wa-l-Ḥikam, 1424 AH / 2003 CE.
40.Al-Yamani, Al-Haddad (d. 800 AH / 1397 CE). Tafsir Kashf al-Tanzil fī Taḥqīq al-Mabāḥith wa al-Ta’wīl [Exegesis of the Unveiling of Revelation in Investigating Issues and Interpretation]. Edited by Hisham ibn ‘Abd al-Karim al-Badrani al-Mawsilī. Irbid, Jordan: Dar