| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
اللغةُ المجاورة - نظرية الوجه الثاني لأسلوبيةَ الكتابةِ الرّوائية
|
|
|
|
|
|
خالد علي ياس
|
|
|
|
|
|
قسم اللغة العربية ، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة ديالى
|
|
|
|
|
|
معلومات المقالة
|
|
المستخلص
|
|
|
Article History:
Received 27 August, 2024
Revised 24 October, 2024
Accepted 26 December, 2024
|
|
إنّ ما يميز هذه النّظرية أنّها غير معنية بشكل مباشر بــكشف المستوى الأول للغة - المستوى الشكلي - لكي تدرك اللغة السّردية للرواية ، مما رسختْه المدرستان اللسانية والبنيوية في تحليل الخطاب ؛ لما متوافر من دراسات تصدتْ بنجاح لهذا المستوى ، بل هي معنية في ضمن ذلك بكشف وتحليل لغة ثانية مجاورة للغة الخطاب ممثلا بــ (المستوى الرّؤيوي) في إدراك رؤية العالم الرّوائي ، وعلى وفق مفاهيم ثقافية أو خارج نصية تتولد منها دلالات يمكن بتأويلها إنتاج هذه اللغة الثانية المجاورة للغة الخطاب المعروفة في الرّواية، وعلى هذا الأساس تحددت مفاهيم الدّراسة وتمّ اختيار العينات لأجل تحليلها نقديا .
الكلمات المفتاحية: اللغة، اللغة المجاورة، الرواية، نظرية.
|
|
|
Key Words
Language,
Adjacent Language ,
Novel,
Theory
|
|
|
Corresponding Author
Hachelaf Hamid
[email protected]
|
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v2.i4.a25, ©Authors, 2024, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
The Adjacent Language The Second Facet Theory for the Stylistics of Novel Writing
Khaled Ali Yas
Abstract
This critical approach is based on a basic theory that it tries to prove for the tendency to analyze the language of the modern and contemporary Arabic novel, and it is concerned with a knowledge issue that is rooted in the consciousness of novel production and writing. Perhaps what characterizes the nature of this theory is that it is not directly concerned with revealing the first level of language (the formal level) in the realization of the narrative language of the novel, which is established by the linguistic and structuralist schools in discourse analysis, due to the availability of studies that have successfully addressed this level. Because of the availability of studies that have successfully addressed this level, it is concerned with revealing and analyzing that language adjacent to the second level of the language of this discourse, represented by (the visionary level) in the realization of the vision of the narrative world, by revealing the system of conscious cognitive and aesthetic visions that formed the nature of a second language of the novel on the basis that it is a special aesthetic awareness that imposed a certain vision that led to the production of language in its known physical form (narrative - dialogue) and according to a linguistic form. Dialogue) and according to a specific linguistic structure that suits the nature of the novelist's style and writing mechanisms (units/sentences /words /actions/sounds). Just as the novelist expresses and represents his vision of the world through language, writing, with its various components, is what makes this language a fluid thing capable of circulation and influence, and within its expressive capacity, it combines both directions together, loaded within the components of this language where (the formal structure) of the language, with its aesthetic formulation and innovative methods, is matched or complemented by (the visionary structure), with its This is what confirms that the language of the novel is a vast system of things; it includes different aesthetics, visions, and ideologies, and is not just an expressive device cut off from the world, but also artificial visions produced by this world with its own laws and components. This is what distinguishes the theory of the production of the fictional language from other written arts, and thus the idea of this critical approach goes beyond the limits of the aesthetic discourse of the fictional language in order to present different textual levels as a socio-discursive linguistic structure, combining the syntactic and lexical semantics with socio-cultural perceptions in a dialectical and productive conceptualization. Perhaps what concerns the researcher here is that the cultural connotation produced by the sociological reference within the text is of a more substantive than formal nature, and this, in turn, achieves a different semantic dimension for this language that is outwardly disconnected but implicitly connected with the reference of the verbal form at the same time
The narrative language of the novel represents a distinctive element through its ability not only to convey the external image intended to be expressed in writing by the author, but also to convey the meaning of this image and its cognitive and ideological nature. I mean here the shift from modernity to postmodernity - is explicitly shown through verbal experimentation that works to consolidate the characteristics of these shifts at the level of vision and construction at the same time, and here comes the role of language and its relationship to major epistemological issues such as logic, reality, ideology, anthropological institutionalization, the ideology of the text, and the sociology of discourse in general. Perhaps this is what opens the dialogue widely in front of the perceptions of the aesthetic nature of the social language, which (the neighboring language) starts mainly from its concepts, when literary writing becomes a social practice, albeit indirectly, where the written language is transformed from a mere text to being a discourse, and this imposes - practically - a special treatment In order to build relationships between the narrative text and its sociological context and then present this context as a synthesis of social languages, visions and concepts that are continuously adopted in the text in the form of imagined semantic and narrative structures.
مدخل :
تنطلق هذه المقاربة النّقدية في بحثها من نظرية أساسية تحاول إثباتها للنزوع نحو تحليل لغة الرّواية العربيّة الحديثة والمعاصرة ، وهي معنية بقضية معرفيّة مترسخة في وعي الإنتاج الرّوائي وكتابته ، ولعل ما يميز طبيعة هذه النّظرية أنّها غير معنية بشكل مباشر بــكشف المستوى الأول للغة(المستوى الشكلي) في إدراك اللغة السّردية للرواية مما رسختْه المدرستان اللسانية والبنيوية في تحليل الخطاب ؛ لما متوافر من دراسات تصدتْ بنجاح لهذا المستوى بل هي معنية في ضمن ذلك بكشف وتحليل تلك اللغة المجاورة على المستوى الثاني من لغة هذا الخطاب ممثلا بــ (المستوى الرّؤيوي) في إدراك رؤية العالم الرّوائي ، من خلال كشف نظام الرّؤى المعرفيّة والجمالية الواعية التي شكلتْ طبيعة لغة ثانية للرواية من منطلق أنّه وعي جمالي خاص فرض رؤية معينة أدتْ إلى أنتاج اللغة على شكلها المادي المعروف(سرد - حوار) وعلى وفق هيأة لغوية معينة تتناسب وطبيعة أسلوب الرّوائي وآليات كتابته(وحدات/جمل/كلمات/أفعال/أصوات).
وكما أنّ الرّوائي يعبر عن رؤيته للعالم ويمثلها من خلال اللغة ، فإنّ الكتابة بمكوناتها المختلفة هي التي تجعل من هذه اللغة أمرا مائزا قادرا على التّداول والتأثير ، وهي في ضمن قدرتها التّعبيرية تجمع الاتجاهين معا محمّلين في ضمن مكونات هذه اللغة حيث(البنية الشّكلية) للغة بما فيها من صوغ جمالي وأساليب مبتكرة ، تقابلها أو تُكْمل عملها(البنية الرّؤيوية) بما فيها من صوغ معرفي ووعي راسخ معبر عن قضايا ثقافية سوسيو نصية ، تتداخل لا مع الأيديولوجيات فقط بل ترتبط بالبنية الجمالية نفسها بحثا عن تجريب مغاير ومختلف في بنية اللغة الأساس للرواية ، وهو ما يؤكد أنّ لغة الرّواية نظام واسع للأشياء ؛ كونه يشمل جماليات ورؤى وأيديولوجيات متغايرة وليس مجرد جهاز تعبيري منقطع بنصيته عن العالم ، ولكنّها أيضا رؤى مصطنعة أنتجها هذا العالم بقوانينه الخاصة بما فيه من مكونات على غرار قوانين المرجع وهذا ما يميز نظرية إنتاج اللغة الرّوائية عن غيرها من الفنون الكتابية ، وبهذا تتجاوز فكرة هذه المقاربة النّقدية حدود الخطاب الجمالي للغة الرّوائية رغبة في تقديم مستويات نصيّة مختلفة بوصفها بنية لغوية سوسيو/خطابية ، تجمع الملفوظ بما فيه من دلالات تركيبية ومعجمية مع تصورات سوسيو/ثقافية بتصور جدلي إنتاجي ، ولعل هذا التوجيه يأتي مخالفا بشكل مباشر لنظرية نظام اللغة النّصية المنقطع عن كلّ ما هو خارجه ، وبذلك يتحدد نظام الأشياء فيه على وفق ما أكده (بنـﭬــنيست) كثيرا من تواجد للمرجع داخل اللغة ذاتها ومنه تتشكل رؤية الإنسان للعالم ، وبهذا تغدو اللغة ليستْ ذات الكاتب فقط بل رؤيته لعالمه أيضا(1) ؛ لأنّ ما تبحث فيه هذه المقاربة ليس الانعكاس المباشر للمرجع من جهة وهي في الوقت ذاته تؤمن بقدرة اللغة الرّوائية على تكوين رؤيتها السوسيوثقافية الخاصة بعالمها من جهة ثانية ، وهي من خلال ذلك تعمل على تكوين مرجعها الخاص الذي هو مرتبط دلاليا بشكل خفي أو ظاهر مع دلالات خارج نصية لا يعكسها بل يعيد إنتاجها من جديد ، مما يجعل من هذه التّصورات الدّلالية لغة ثانية مجاورة للغة الأولى المعارضة بشكل صريح للمرجع من خلال انكفائها الكلي على التّخيل السّردي للنص والهيئة الشّكلية للغة خطابه ، ولعل هذا ما قصده(إمبرتو إيكو) عندما أكد خصوصية الكتابة السّردية من خلال العالم المنتقى والأحداث فيه ، فهما اللذان يفرضان الإيقاع والأسلوب واختيار المفردات ذاتها ، وهو معبر ودال عند منظرين آخرين - ولو بشكل ضمني - عن ما يعرف بالتّواصل غير اللفظي(nonverbal communication)(2) ، ولعل ما يعنينا هنا ضمن مسألة اللغة المجاورة في الرّواية وتعبيرها من خلال مفهوم التّواصل غير اللفظي ، مُنطلِقٌ من أنّ الدّلالة الثّقافية التي ينتجها المرجع السوسيولوجي داخل النّص ، تكون ذات طبيعة معنوية مضمونية أكثر مما هي شكلية تعبيرية ، وهذا بدوره يحقق لهذه اللغة بعدا دلاليا مغايرا ومنقطعا ظاهريا لكنّه متواصل ضمنيا في الوقت ذاته مع مرجعية الشّكل اللفظي لها .
فاللغة السّردية للرواية تمثل عنصرا مائزا من خلال قدرتها لا على نقل الصورة الخارجية المراد التّعبير عنها كتابيا من قبل المؤلف ، بل هي قادرة على نقل مدلول هذه الصورة وطبيعتها المعرفية والأيديولوجية أيضا ، فالتّحولات المهمة في البنية السّردية للرواية - وأعني هنا التحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة – تظهر بشكل صريح من خلال التّجريب اللفظي الذي يعمل على ترسيخ خصائص هذه التّحولات على مستوى الرّؤية والبناء في آن واحد ، وهنا يأتي دور اللغة وعلاقتها بقضايا معرفية كبرى مثل المنطق والواقع والأيديولوجية والمأسسة الآنثروبولوجية وآيكرولوجية النّص وسوسيولوجية الخطاب بشكل عام ، ولعل ذلك ما يفتح الحوار بشكل واسع أمام تصورات الطبيعة الجمالية للغة الاجتماعية التي تنطلق(اللغة المجاورة) أساسا من مفاهيمها ، عندما تغدو الكتابة الأدبية ممارسة اجتماعية ولو بشكل غير مباشر حيث التّحولُ باللغة المكتوبة من مجرد نص إلى كونها خطابا ، وهذا ما يفرض – عمليا - تعاملا خاصا ولاسيما مع لغة الرّواية ؛ لأجل بناء علاقات بين النّص الرّوائي وسياقه السوسيولوجي ومن ثم تقديم هذا السّياق بوصفه تضافرا من لغات ورؤى ومفاهيم اجتماعية ، تتبنين في النّص بشكل مستمر على شكل بنيات دلالية وسردية متخيلة ، ولعل هذا تحديدا ما حفز ناقدا ومفكرا سوسيولوجيا مثل الفرنسي بيير ماشيري لكي يؤكد في الفصل التاسع من كتابه الشّهير(نظرية الإنتاج الأدبي) في ضمن حديثه عن قضية(الصورة والمفهوم) ، وتحديدا من خلال ما أطلق عليه لغة جميلة ولغة حقيقية (Beautiful Language and True Language) وهو يريد بذلك لغة النّص ولغة الواقع الأصل بين التخيل الأدبي وتحوله عن الحقيقة الاجتماعية ، أقول: يؤكد على أنّ تجديد لغة الكاتب لا يتمّ من خلال الشكل المادي للغة بل من خلال طريقة استعمالها ، فاللغة الأدبية في نظره تحقق وهما في بادئ الأمر عند انقطاعها عن أي مرجع خارجي لكنّ ذلك لا يجعل منها فريدة ؛ كون الانطباع عن الواقع هو الذي يمنح العمل الأدبي ضرورته متنقلا ما بين لغته العامة وتميزه عن غيره بأسلوبه الكتابي الخاص(3)، بمعنى أنّ هذه اللغة الجميلة ذات الطبيعة المادية تتجاور مع لغة مرتبطة برؤية النّص وبنيته ليس بوصفها أداة للتعبير بل بوصفها محمولا سوسيو جماليا مرتبطا بقضايا ثابتة ستعمل هذه المقاربة للغة الرواية العربية على البحث فيها ، من خلال قوانين أساس ثابتة تمثلتْ بأقانيم محددة تمثلتْ (أولا) باللغة المعبرة عن الهزيمة المترسخة في الوعي السّردي المهزوم ممثلا بلغة الأبطال المندحرين أمام شرطهم في الحياة ، وهو ما يمثل رؤية الواقع المباشر وأثره باللغة الروائية ، أما (ثانيا) فمحددة بصورة اللغة الهجينة المتولدة من هجرة السوسيولوجي إلى النّص بوعي الـــ(سوسيولهجات) ، وهو ما يمثل أثر الحداثة النّصية والإدراك السوسيولوجي في لغة الرّواية ، لتصل (ثالثا) مع أثر التّصورات ما بعد الحداثية من خلال اللغة التي تنتجها بنية الــ(ما وراء) فتتحقق بذلك دلالات لغة الحكاية الثانية التي تجاور لغة الحكاية الأصل ، وبذلك ترصد المقاربة تحولات الرّؤية السّردية للرواية العربيّة من خلال لغتها على وفق ما أسميته لغة مجاورة على وفق تحولاتها السّردية من الرؤية الواقعية المباشرة بأثرها الأيديولوجي إلى موت الواقع المترسخ مع صيغة ما وراء الكتابة من مرحلة الحداثة إلى مرحلة ما بعد الحداثة ، فكيف يتمُّ ذلك لتكوين نظرية الوجه الثاني للغة الرّوائية من خلال أسلوبية الكتابة في اللغة المجاورة لها؟ .
- تقهقر اللغة(نحو وعي للكتابة المنهزمة) :
يتحدد مفهوم هذا النّوع من الكتابة بارتباط المنظومة السّردية وانطلاقها من رؤية مأساوية للعالم ، فرضتْ عليها بنية خاصة تتمثل بأنساق جمالية استقتْ وعيها من واقع ثقافي ومعرفي مرير فكانتْ أدبا مستلبا وأنتجتْ بطلا مهزوما مسلوب الإرادة يتحطم أمام شرطه الميتافيزيقي ، وهذا الأمر يفرض سؤالين متداخلين لابد منهما: كيف تتشكل لغة الكتابة في ضوء واقع مفكك يمثل الهدم المركز فيه؟ وكيف يتحدد الوعي الكتابي للمبدع في ظل منظومة سلطوية تمحو الأنساق الفكرية المعارضة لها لتثبت كتابتها الخاصة؟ .
إنّ هذين السؤالين يمثلان بؤرة معرفية لفهم الوعي الذي أنتج أغلب النتاج الرّوائي العربي الحديث ، ولاسيما لغة الرّواية العراقية التي لو أخذنا تأريخانيا الظروف الثقافية التي أُنتجت بتأثيرها لوجدناها مثالا ناجعا لمرويات الهزيمة ، ولعل عالم زيد الشهيد الرّوائي مثال دال على ذلك ، ففي روايتيه(سبت يا ثلاثاء) و (فراسخ لآهات تنتظر) اللتين تُعدّان بمثابة عمل روائي واحد ثمة أحداث تصب في بوتقة واحدة يتم جزء منها داخل العراق وآخر يتممها خارج العراق ، ليمثلا معا كتابة في زمن الحرب والعنف والسلطة وهي نوع من الكتابة – كما ترى د. يمنى العيد – تستبطن النّقد لما هو في التاريخ حركة وما هو في المجتمع وجهة ، وتعيد النظر في مجموعة القيم التي تخص الإنسان في حريته وسيادته على زمنه وفاعليته في إمكانية خيار حياته(4)، ففي رواية(سبت يا ثلاثاء) يتمظهر العنوان بوصفه دالاّ على وعيها النصّي الذي يحدد مسار السرد ووجهته نحو نهاية محتومة إذ يغدو الزمن(السبت) - (الثلاثاء) محركا للصراع الخفي ليس في نفوس الشخصيات بل في نفس السّارد أيضا ، السبت الذي تُغتصب فيه(نجاة) بفعل وحشي ذي دلالة رمزية تتهدد بخفاء عنف السلطة(5):" كان سبتاً مشهوداً ، غاص بترسبات دقائقه مأخوذة بلذاذة غير مجربة اثر حركات يدين دافعة أعضاء جسد متوتر دلالة الرفض ، إشارة عدم الرغبة في تلويث صحائف طهر ناصعة لكن المتعاطف القادم على إسداء معروف يقدم وجه غوريلا ، ومخالب ضبع ، وجثامة ديناصور ، يقبض على اليدين ، يكم الفم ، يمارس إزالة العوائق من ملابس خارجية وداخلية مصحوباً بالرفس والضرب والتخديش وكلمات تهديد مدافة بالقتل حتى الموت / بالفضيحة / بحرق الموجودات ... "، ولعل هذا المشهد الصادم لمتلقي الرواية يمتد بخيوط خفية للمشهد الذي يمثل حادثة الثلاثاء الحادثة التي ارتبطت بفعل الحرب في المجتمع العراقي"هي الآن فاقدة لكل شيء إلاّ ذاكرتها المشتعلة تجسد وليدها ساعة أبصرته مفرقاً على قارعة الطريق بعد حلول كارثة ثلاثاء الجسر" ، فالمشهدان السّابقان يؤكدان ما زعمناه بأنّ وعي الكتابة يتبنى لغة يتداخل فيها الذاّتي من خلال رؤيته الرمزية الممثلة بالاغتصاب إلى جنب الموضوعي من خلال استلهام ومحاكاة الواقعي ممثلاً بالحرب ، أي انه لكي يصل إلى حل مرضٍ لنزاعاته الداخلية والوصول إلى إدراك معين ؛ يبحث عن معانٍ دالة في الواقع يحاول النّص تطويعها بأسلوب جمالي لتوصيل هذا الإدراك للمتلقي كون الكتابة في حقيقتها استجابة ذاتية يعبر عنها الكاتب من خلال موضوعاته وآرائه وأفكاره وذاكرته ، مستعملاً مخزونه من الكلمات ليحاول أن يستحضر أو يستثير استجابة لدى قارئه ، فالكتابة الأدبية نمط خيالي واعٍ ذاتياً ويكوّن شكلاً فنياً ، وهي استجابة للحياة ، وبهذا يتأكد القول الذي أصبح بديهية نقدية بأن الكاتب يجب أن لا يقف عند حدود الواقع بوصفه إحصائية ثابتة لا يمكن تجاوزها بل عليه أن يضفي على عالمه من ذاته بما يتجاوز حدود المرئي من دون الاستغناء عنه ، فالأدب في ظل الكتابة يكون كينونة قائمة بنفسها وهو تجربة معاشة(6) .
إنّ الكتابة الروائية عند الشهيد تنهل كثيراً من ذاته لكنها في الوقت نفسه لا تتوانى أن تمتص رؤيتها من واقع يتقصده ، ولعل حادثة الثلاثاء المروعة في الرواية ما هي إلا ّمعادل موضوعي لما يحتدم من صراع في وعي الكاتب جاءت كلماته معبرة ودالة على واقع مرير يعبر عنه بأسلوب خفي مسكوت عنه ، حيث(عريان) المُغتصِب رمز السلطة(ونجاة) رمز للحرية المكبوتة بفعل الحروب والعنف السياسي ، لينتج عن اجتماعهما معاً - حادثة الاغتصاب - مولود مسخ هو حرية مكبلة لا تصلح للحياة الكريمة ؛ لذا انتهت حياة نجاة بفعل رمزي - الانتحار غرقاً - محاولة للحصول على الطهر والنقاء ، مما يعيد الى الاذهان نهاية رواية (بداية ونهاية) لنجيب محفوظ حينما يبدو الموت غرقاً أو الانتحار هو محاولة للرفض والتطهير ، فما يبدو عنيفاً ومعقداً في زمن مختصر في رواية سبت يا ثلاثاء يبدو مخيفاً وصريحاً في تعاطيه للكلمات الدّالة على الوعي المأزوم في رواية (فراسخ لآهات تنتظر) التي تحاك حبكتها في ظل الظروف نفسها التي أحاطتْ سبت يا ثلاثاء وكأنها الجزء الثاني المكمل لها إذ ينتقل فيها الصراع مع السلطة إلى خارج العراق ، وبهذا يبدو العراق مركزاً لذاكرة الرّاوي والبطل(مبدر داغر) ، ومما يدل على أيديولوجية وعي الكتابة في معارضتها للسلطة الأسلوبُ السّردي في الروايتين ، ففي سبت يا ثلاثاء التي تنحصر أحداثها داخل العراق في زمن قصير محدد يسود السّرد ساردٌ خارجي يهيمن على الشّخصيات ويصادر حريتها في الكلام والتفكير وهو بهذا دال على السلطة الجاثمة على الصدور ، السلطة التي تمنع ليس الكلام وحده بل حتى التفكير ، في حين فراسخ لآهات تنتظر نجد أنّ زاوية السّرد تتغير ويتغير معها الصوت السّارد ، من سارد خارجي يصف عن بعد إلى راوٍ من داخل الحدث ممثلا بشخصية مبدر داغر ، الشّخصية المثقفة التي يتعرف من خلالها المتلقي على أزمة الفئة المثقفة في ظل واقع قسري مهيمن ممثلا بالحروب والسلطة العنيفة والحصار الاقتصادي"ها أنا أخرج من جديد.أبرحُ مواطن الدفء ، مخلفا ورائي جبالا متزاحمة من التهالكات ، حاملا على كاهل الروح رغاوي متناسلة من الكوارث المتهافتة والحروب الخاسرة والأسى المهول..أخرج ولا أدري كيف خرجت!!"(7)، فلغة الرّوايتين تميل للبوح الذّاتي ليقترب بتأثير ذلك جزءٌ كبير منهما إلى مفهوم السّيرة الذّاتية ، كونها سيرة تتعلق بوعي الذّات لكنّها لا تبارح واقعها ، فبقدر ما تعلنه كتابات السّيرة"عن معتقدات كتابها ومساعيهم لتبرير جهودهم الخاصة لتحقيق تحولات شخصية ، فإنها غالبا ما تفصح أيضا عن مزاج ما لمرحلة قلقة ما بين عالمين أحدهما يحتضر والآخر يعجز عن الولادة "(8)، فرواية سبت يا ثلاثاء تعلن صراحة عن تداخل وعي الكاتب مع وعي السّارد فيها فتأتي الكتابة دالة على ما يرومه من أفكار:( تقول مناهي هامسة لي أنا الكاتب)،(لم أهدأ أنا الذي اكتب رواية تدور أحداثها في مدى زمني لا يتعدى الساعات)،(وأكرر أنا الروائي) وهو ما نلاحظه أيضا في رواية فراسخ لآهات تنتظر من خلال التداخلات الصريحة بين حياة بطل الرواية وحياة الكاتب من تعرض للسلطة والسفر والعمل في مجال الكتابة الأدبية وغيرها ، فنحن لا نقرأ بذلك أحداثا سردية متلاحقة بل نشاهدها أمامنا ، وهذا يؤكد القصدية الواعية للكاتب بالتّعبير من خلال الكتابة عن أحداث خاصة وعامة يريد لها أنْ تشاهد علانية ، وهو أسلوب يذكر بنصيحة الروائي(فورد مادوكس فورد) التي جعلها الروائي الانكليزي(جون برين) أساسا مهماً في كتابه(كتابة الرواية) الذي هو خلاصة تجربته في الكتابة الرواية وهو يؤكد على الكتّاب:"اكتب دوماً وكأن أحداث روايتك تجري أمام عينيك على خشبة مسرح باهر الإنارة "(9)، إذ تتجلى بذلك أهمية قراءة التّجربة الذّاتية للكاتب التي لابد له من أنْ يعود إليها دائماً وبصدق ، وهكذا تتكون بتأثير هذا الأسلوب الواعي لغة خاصة هي" لغة مكتفية بذاتها لا تغوص إلاّ في الميثولوجيا الشّخصية والسّرية للكاتب"(10) ، ومع أنّ لغة الرّواية في روايتي سبت يا ثلاثاء وفراسخ لآهات تنتظر ليستْ من النوع الأبيض المحايد المنعزل عن أيديولوجية المؤسسات ، كما يؤكد بارت في دراسته لدرجة الكتابة ؛ لكنني أجد أنّ هذه اللغة رغم تقهقر الرّؤية الدّالة عليها بسبب دلالات المرجع تأخذ بعدا ذاتيا سيريا من خلال انفتاح الكتابة على جماليات ما وراء السّرد الرّوائي ، حيث العناية الصريحة بالنسق البنائي وموقع السارد / الرّوائي وحضور المؤلف داخل النّص ، مما يخفض نسبة أيديولوجية الخطاب الواقعي داخل النّص – أحياناً – فاسحًا المجال أمام التّجريب لكي ينافس على موضع قدم داخل العمل المكتوب ، فثمة قاعدة أساسية تؤكد أنّ الكتابة مرتبطة بالمرجع إذا ما فرض ذلك صلة نصية معينة ، وبهذه الحالة إما أنْ تتكيف معه أو ترتد عليه بأسلوب رافض عنيف تجعله أساسا في تركيب الأفكار والإدراك المعرفي ، وهذا ما يمكننا أن نلاحظه في أدب الشّهيد الرّوائي ولاسيما تحت ما أسميته سابقا بـــــ(الكتابة المنهزمة)(*)، لأنّ النّص لديه مبنيٌ على أساس جمالي متكامل ومتناغم مع ذاتية التّأليف والخيال كونه يؤطر اللغة والوحدات السّردية ، وهو لا يحيل صراحة إلى واقع معين لكننا في الوقت ذاته لا يمكننا أنْ نفهم الرّؤية فيه بشكل دقيق ما لم نؤوله تأريخانيا مع المرحلة السوسيو/ثقافية التي أنتج فيها ؛ لذلك نجد شخصياته تتحرك ديناميكيا من خلال مؤثر خارج عن إرادتها وهو مرتبط بفعل إدراكي يمتد إلى الواقع بصلة أكيدة ، ولعل تقديم شخصية مثل شخصية(عريان) في رواية (سبت يا ثلاثاء) ما هو إلاّ معامل موضوعي لوعي الكاتب نفسه في نقل ما يريد أنْ يذكره عن موضوع أيديولوجي سياسي مؤثر في مجتمعنا العراقي الحديث ، فالوعي الكتابي للشهيد يتشكل معرفيا من تجاورٍ للذاتي والموضوعي معا ، أي أنّ أعماله السردية تحتفي برؤية للعالم يتداخل فيها المثالي والمادي ، فإذا كان(الوعي المثالي) في عالم زيد الشهيد الرّوائي يكوّن صورة للعالم مجسدة من وعي مؤلفه لينفي بها فكرة النّظر إلى العالم بوصفه كيانا مستقلا عن الوعي البشري لأجل السّعي للوصول إلى واقع مجسّد من خلال رؤيته الخاصة ، فان(الوعي المادي) فيه ماثل أيضا بشكل مساوٍ بحيث يتولد الصراع في أعماله من التناقض بين الوعيين لخلق صورة متكاملة تجمع بين الذات والواقع ، الواقع الذي يمكن ملاحظته من خلال إحالات مباشرة لأحداث حقيقية أو إحالة خفية لمعلن في المجتمع أو مسكوت عنه ، وبهذا تكون لغة الرّواية دالة على أثر أيديولوجي يشحذ القدرة ويصقلها ويختبرها لتدرك الواقع كما هو حتى في أصغر تفصيلاته(11)، لكنّه ليس أثرًا لأيديولوجية معلنة بل مسكوتًا عنها تتواصل مع النّص من خلال الحضور والغياب وتحوّل الشخصيات والأماكن والزمن وأسلوب السّرد إلى علامات دالة ، وبهذا تتحدد اللغة السردية في روايات الشهيد ذات الدرجة المنهزمة ، بأنها لغة سيميائية تتجه من الإنسان إلى العالم أو بالعكس إذ لا يثبت المعنى إلاّ من خلال نسبة إحداهما إلى الآخر ، بحيث يكون(الإدراك) خارج النّصي مساويا لـ (الإحساس) الذي هو قرين لذاتية النّص(12)، وهي لغة مشابهة لكثير من لغة الكتابة الرّوائية العربية الحديثة لأنّها أحيطت بظروف إنتاجية سوسيوثقافية واحدة ، فهي كتابة متقهقرة تنم عن بنية منهزمة تبحث في واقع مرير وتمثل الإنسان ببطل مسلوب الإرادة لا قدرة له على التغيير ، كتابة تؤكد مبدأ الأدب المستلب ولا تنزاح نحو درجة قريبة من الحياد لأنها تعيش أزمة التأريخ والأيديولوجية وتحمل وعي فئتها البرجوازية المهزوم .
التّهجين اللغوي(إنتاج الصورة السّردية):
ما إنْ سعتْ الرّواية العربيّة المعاصرة لتخطي مقولاتها البنيويّة المؤسَسَة بفعل الحداثة حتى تبنينَ ذلك على هيأة تمرد جمالي دال ، فقد تخطتْ مهمة إدراك العالم وتحليله بحثا عن التغيير ، وراحتْ تعي الأمر بأسلوب مغاير ؛ حيث البحث عن وسائل تصويريّة جديدة من خلال محاولات تصنيع مواقف سرديّة متخيلة تنطلق من الوهم لكنّها لا تفارق الواقع ولو ضمنيا ، ولعل واحدة من الأساليب المهمة في التّعبير عن ذلك لجوؤها إلى ضرورات إنتاج درجة كتابيّة تتمثل لغتها ، فقد أذابتْ ضمنها أساليب متنوعة قديمة وحديثة ومعاصرة لتكسر عقيدة نقاء النّوع ـــ كما أسسها دعاة المأساة الكلاسيكيّة ـــ وهذا ما أرادتْ بعض النّصوص الواعية تحقيقه ، من خلال تبني أكثر من بؤرة سرديّة لتقديم الحكي للمتلقي مما يشظي زوايا الواقع الحقيقي سامحا للافتراض والتّخيل بالتنحي عن الواقع المباشر ولغته التّعبيرية ، بتركيب صور سردية مغايرة ومتنوعة على وفق تشكل لغة الرّواية التي تنتمي بالضرورة هنا إلى المعرفة ما بعد الحديثة ، فكيف تمَّ ذلك؟ .
في رواية (أجنحة البركوار) لعباس عبد جاسم يتناوب على سرد الحكاية (ثلاثةُ رواة/ثلاث لغات) وهم جميعا يأخذون سمة السّرد الذاتي الصّادر من داخل العمل ، وكأنّهم يشهدون عن قرب ما جرى فعلا في أجنحة البركوار والرّيمشن والدّهاليز الخفيّة للبناية التي تأخذ بعدا أسطوريا بسبب هذه التعددية ، لكنّ الذي يأخذ على عاتقه مهمة السّرد المركزي الموجه للمتلقي الرّاوي الأول فيها(أيوب) كاتب أدهم الشّهواني وحافظ أسراره كونه الشّاهد الوحيد على ما حدث فعلا في دهاليز البركوار الخفيّة ، أما الثاني فهو(أحمد الطّيب) صديق أيوب والنّاقل الوحيد لأسرار الحكاية عنه ، بينما يمكث(دليل بن يعقوب البغدادي) داخل النّص بوصفه بؤرة تعارض أيديولوجي ذات وجود تأريخي ، وهو ما يمكن ملاحظته بشكل كلي في رواية عربية ثانية هي (موت صغير) لمحمد حسن علوان التي سيطر على سرد أحداثها التأريخية ثلاثة رواة متعاقبون عبر حقب مختلفة ، ففي أجنحة البركوار يُقابل الصوت السردي الأول بصوت ثانٍ موازٍ له في المعرفة والأسلوب لكنّه يغايره في الزمن ، إذ يمثل أيوب شاهد العيان المعاصر بينما دليل يمثل التأريخ الماضي ويبقى أحمد الطّيب بينهما ينقل الحكاية ، لكنّه لا يمثل صوتا فاعلا كونه مكتفيا بما يلقنه به أيوب من حقائق تأريخية(قص متخيّل) ، وبعد هذا تنهال الكثير من الأصوات بحثا عن سّر المكان والشخصية رغبة في سرده مما أدى إلى ضياعه إلاّ ما سرده أيوب ومَنْ معه ، فقد مثل النّسخة المتخيلة الأكثر صدقا بوصفها المدونة التأريخية المفترضة الأقرب إلى قوانين الحقيقة ، هكذا من دون أية مقدمات تتبنى الرّواية الكثير من الوهم الحميد لعرض الحكاية والعمل على مأسسة واقعية لها على غرار قوانين المجتمع المفترض في المكان - البركوار - : "بعد أنْ مضى السّيد أدهم الشهواني إلى حتفه ، وانهارتْ أجنحة البركوار ، مرت سنوات طويلة ، أرخ فيها كتبة ورواة وشهود عيان لتفاصيل ما حدث...ساورني أكثر من شك في مَنْ روى تفاصيل البركوار ، ليس لأنّ السّردَ ضربٌ من الكذب ، وإنّما لأنّ التّصحيف فضح الكثير من الكتاب لكثرة الكذب الموثوق به في النّقل والاستنساخ"(13) ؛ لذلك فقد تنوعتْ أساليبُ اللغة وأدوات العرض بتنوع الرّواة فهناك صوتان سرديان عملا على توليد نص متعدد الرّؤى والأفكار على وفق ما هو معروف بالرّواية المتعددة الأصوات ، حيث الاختلافُ واضح بين الرّاويين(أيوب) و(دليل) في تبئير السّرد داخليا لتمثيل الحكاية وتخيلها ، ولاسيما أنّ الأول منهما ينماز ببعد معرفي أيديولوجي اكتسبه بسبب عمله المباشر مع الشّهواني مما وسع لديه الآفاق للغور عميقا بوصفه إحدى بؤرتي توصيل المغامرة(محتوى الحكاية) ، أما الثاني فقد أخذ على عاتقه مهمة السّرد التأريخي المتعلق بجذور المكان نفسه - أعني البركوار - وما قيل عن أسراره فضلا عن ردفه معلومات متواصلة عن الشّهواني وما دارتْ حوله من أحداث ، وهو بهذا كله لا يواجه المتلقي كونه راويا صريحا داخل العمل بل نجده ماثلا في لغة أيوب نفسه ، إذ يقدمه مع الرّاوي الثاني(أحمد الطّيب) لكنّه مع ذلك يبقى مُعبّرا بصوت مختلف له خصوصيته وأفكاره المغايرة في الأسلوب والتأثير والإضافة ؛ لهذا طغتْ على الرّواية طريقتان لغويتان في السّرد تتناسبان مع أسلوبي العرض والصوتين المهيمنين فيها مما هيأ النّص فنيا لكي يغادرَ نسخة الواقع الأولى المرتبطة بالحقائق السّياسية إلى نسخة ثانية منقطعة عنه ترتبط بزمن السّيرة المتخيلة للشخصية والمكان ، والطريقتان هما(السّرد المباشر) وهي الأكثر كونها ارتبطتْ بسرد الرّاوي الأول أيوب وحواراته الديالوجية والمنولوجيّة ، و(السّرد غير المباشر) أي السّرد بواسطة وتتعلق بما نقله أيوب عن الرّاويين الثاني والثالث ، ولعل حلقتي أسلوب العرض وطريقة السّرد ولّدتْا ضمنيا حلقاتٍ سرديةً متداخلة تشكلتْ لانسياب الحكاية بسلاسة وتشويق مثلها مثل أي عمل يبتغي التّأثير والنّجاح ، إذْ شكل ذلك نمطا من التّنوع الجميل في وظيفة الرّاوي ومستوى اللغة السّردية بوصفهما حلقتين مكملتين لعمل الحلقتين السابقتين ، فأهمية الرّاوي وتنوعه في أية حكاية ليس مرتبطا فقط بظهوره المبالغ الذي يطغي على ظهور المروي له كما يذهب لذلك الكثير من دارسي السّرد(14)، بل مرتبطا أيضا بدوره التّمثيلي الذي من خلاله يستطيع افتراض حكايات مغايرة للواقع الحقيقي ولواقع الحكاية ذاتها ثم الانتقال المستمر من عوالم ممكنة إلى عوالم متخيلة مُصْطَنَعة للضرورة الجمالية التي يبتغيها السّرد ، ففضلا عن(وظيفة التّقديم)(**) التي ينماز بها أيُّ راوٍ ينقل عالم الحكاية المتخيل نستطيع أنْ نلمسَ وظائف أُخَر مثل:(وظيفة التّواصل) وتتحقق من خلال انفتاح الصّلة بين الرّاوي والمروي له في أثناء اشتراك الرّاوي الأول مع الرّاويين الآخرين بتوصيل الحكاية لصورتها الأقرب إلى الحقيقة المفترضة الجديدة ، و(وظيفة الشهادة) وتتعلق بدلالات الأخبار المنقولة وثقتها التأريخية المرتبطة بالمكان الخيالي والسّيرة المتخيلة التي قصدتْ الحكاية افتراءها ثم إيهام القارئ بها ، كذلك (وظيفة أيديولوجية ) تحيلنا إلى واقع معهود سبق أنْ وصفتُهُ وشايةَ نص وهي تزخر في إشارات أيوب وكلامه عن السّلطة والحاكم والحرب والتنظيم السّري فضلا عن توافرها في الإشارات التأريخية الرّاسخة بقوة في كلمات دليل البغدادي ، مما يحقق ضمنيا (الوظيفة التفسيرية) وهو ما يصل بالسّرد إلى الوظيفة الجامعة لكل ذلك معا وهي(وظيفة ما وراء السّرد)التي تتمحور لغة الرّواية فيها ، حيث التعليقُ المتواصلُ على الحكاية ونظامها الدّاخلي بمستوى ثانٍ وراء لغة السّرد وتتحقق ضمن إحالات كثيرة للرواة الثلاثة وهي مرتبطة بمشروعية السّرد وطبيعة الحكاية ونمطية الواقع المفترض وأثر تأريخانية الحدث ، فاكتسبتْ لغة الرّواية بذلك مبدأ (الإيهام بالواقع) وإرساء مبدأ مغاير من جماليات التّلقي في ضوء اختبار قدرة النّص المعاصر على تصنيع خصوصيته في اختبار واقع افتراضي جديد له قوانينه وأعرافه ؛ وبهذا كله تحقق الرّواية صورة جمالية لـــ (اللغة السّردية الهجينة) انطلاقا من تواشجها مع الصوتين المتمركزين في تقديم الأخبار المتواصلة فكانتْ لغة الرّاوي الأول ذات أسلوب معاصر معبر عن عالم اليوم ومنظومته الدالة على قوانينه ، ولغة الرّاوي الثالث لغة تأريخية قديمة يحاكي بها السّرد لغات المدونة العربيّة بأزهى عصورها المنتجة لنصوص مثل المقامات وحكايات ألف ليلة وليلة وغيرها ، لتتوازى بذلك اللغتان معا جنبا إلى جنب كما في تراكيب لغوية وأقاويل مثل(15):يقول أيوب:"كان الكل يعلم أنّ مَنْ يدخل البركوار لا يخرج منه إلاّ وقد استوطنتْ فيه طفيليات غريبة...أقلني سائق لاندروفر كان قليل الكلام ولم أفهم منه شيئا ذا أهمية ، مما هيمن الصمتُ علينا طوال الطريق...ارتديتُ بدلة بيضاء وقميص أسود ، وحبكتُ حول ياقة قميصي ربطة حمراء مرقطة بنقاط سود" يجانبه على مدى استمرار السّرد تركيب كلام دليل البغدادي الذي يقول"الرجال الذين دخلوا مع "الفاتحين"إلى هذه البلاد ، إنّما هم أخوة لنا ، ولم يقلْ بأنهم"أدلاء"من "قوم تبع"....."فضلة القمص أكلها الزحاف وفضلة الزحاف أكلها الغوغاء ، وفضلة الغوغاء أكلها الطّيار" ولكنّه لم يفصحْ عمّا كان يقصده : أهم أولاء الإماء أم سفلة الناس؟" ، وبهذا تمتزج لغتان اجتماعيتان في خطاب سردي واحد مُهجّن وهما معبرتان في الوقت نفسه عن وعيين متضادين في إدراك الحكاية والنّزوع لتحليل أسرارها بأسلوب ما أسماه باختين بــ (التّهجين الواعي أو الإرادي)(16) للوصول إلى صورة لغوية مُشَخَصَة ، وهذا يؤدي ـــ كما أرى ـــ إلى حوار افتراضي ذي معنى دلالي لإحداث تطابق بين زمني السّرد والقراءة في أثناء الوشاية الواقعية وكسر ذلك عند نشوء الوهم والانتقال إلى الافتراض الحكائي المتخيل .
وإذا كان السّردُ في(أجنحة البركوار) قائما على ثلاثة رواة مرتبطين مركزيا براوٍ مركزي واحد مع اختلاف الرّؤى الأيديولوجية والتّبئير ، فإنّ السّرد في رواية (واحة الغروب) لبهاء طاهر ينماز بديمقراطية أكثر في أسلوبية تعدد الرّواة وعدم ارتباط رؤاهم ببعض أيديولوجيا ، مما يولد نزعة تعارض واضحة في الرّواية عملتْ على تشظي وتغاير الحدث تمهيدا لنشوء فكرة الافتراض اللغوي ؛ بسبب الاختلاف الواضح على سرد الحادثة ذاتها مما يؤدي إلى خلخلة الواقع وتغيير القناعة بأحداثه ولعل ما مهد فعلا لهذا الافتراض تنويه المؤلف قبل بدء الحكاية ، حيث امتزاج الحقيقة بالوهم السّردي فلا توجد حقيقة ثابتة من حكاية الضابط المكلف نهاية القرن التاسع عشر بإدارة الواحة سوى اسمه(محمود عزمي) ، وليس هناك أية إشارة واقعية ثانية مرتبطة بحقيقته أو سيرته وقد دعمتْ حقيقة الاسم حقائق تأريخية وجغرافية ، مثل المرحلة التي بدأتْ منها الحكاية ممثلة بالاجتياح الانكليزي لمصر وثورة عرابي ثم الواحة/المكان نفسه ، إذ تُقدم مكونات الرّواية الفنية عن طريق سرد متعدد يتناوب عليه خمسة رواة لتمثيل حكايتها ، أي أنّ الحدث واحد في زمان ومكان ثابتين لكنّ التغاير متحصل من خلال الاختلاف في وجهات النّظر الناتجة عن تناوب الرّواة الخمسة(محمود ، كاثرين ، الإسكندر الأكبر ، الشيخ يحيى ، الشيخ صابر) الذين يتقاسمون أجزاء الرّواية ، وهذا ما يولد قبولا واضحا لمصداقية الوهم وافتراء الحقيقة على الرغم من أنّ المتخيل السّردي في الرّواية قد دُعم بثوابت منطقية وحقيقية مثل التأريخ والمكان واسم الشّخصية ذاتها ، غير أنّ التركيز على لغة الرّواية من خلال سرد الرّاويين الأول(محمود) والثاني (كاثرين) ، يكشف كون أنّ اللغة السّردية من خلالهما تتحول إلى موجه للتعبير عن التّعددية الثقافية وصراع للحضارات ، بوصفهما – الرّاويين- بؤرتين متناقضتين في الأفكار والثقافة لكنّها متوحدان كونهما شاهدين على مرحلة من تأريخ المكان الذي تدور فيه الأحداث المتخيلة ، وما يساعد على ذلك شخصية محمود المتناقضة المأزومة ذات الطابع الإشكالي بتمسكه بأرضه وعقيدته الوطنية المتشككة تجاه الاحتلال الانكليزي ، وشخصية كاثرين المتفائلة المحبة للبحث عن الحقيقة بسبب ما ورثتْه من ثقافتها الإيرلندية المعادية للاحتلال الانكليزي ؛ كذلك شخصية الشيخ يحيى الهادئة المحبة للسلام بالمقابل مع شخصية الشيخ صابر العنودة المحبة للعنف والسلطة(17):" " أزمتي؟ تسألني كاثرين عن أزمتي؟ أسأل أنا نفسي؟ .. في ثوان معدودة سقطتْ صورة ماض كاذب رسمتُه لنفسي ، وسقطتْ معها كل أفكاري المنافقة عن الحياة والموت " ... " يغوص محمود داخل نفسه ، أراه يغوص أكثر فأكثر .. قرأتُ كل شيء عن هذه الصحراء وعن سيوة قبل أن نبدأ الرحلة ..اعتقدتُ أني لن اكتشف جديدا ولن يدهشني شيء .. لكنّ الكتب لم تحدثني عن الصحراء الحقيقة " ... " تحيرني الدعوة التي أرسلها الشيخ صابر بالأمس ، بأن يكون اجتماع الأجواد اليوم في بيته .. فليهنأ صابر بالرئاسة لكني آخذ حذري منه .. لا أرتاح له أبدا لا أرتاح له أبدا لا يصل إلى مقصده صراحة " ... " ما الذي يمكنك أن تقوله أو أن تفعله الآن يا يحيى للدفاع عن مليكة؟ .. تفسد عليّ أمري دائما بطيبتك الزائفة وتأريخك الزائف " " ، فأسلوب تعدد الرّواة(18) - كما يذهب لذلك مجموعة من النّقاد - لا يسمح بتقديم الحقيقة ضمن جوانبها المختلفة أو يقدم الأحداث التي تقع جميعا في وقت واحد أو حتى يبرز الجوانب المختلفة للحقيقة فقط ، بل يتعدى ذلك ليكون أكسيرا ايجابيا في خلط الوهم بالحقيقة مما يجعل سمة الافتراض ممكنة جدا ؛ لأننا نتعامل مع متخيل سردي متبدل في كل وحدة حكائية بحسب تجدد الحقيقة الواحدة مما يجعل الرّواية نسخة مفترضة عن واقع متخيل مرتبط بمفاهيم حقيقية منطلقة من التأريخ فيؤدي ذلك إلى نشوء حكاية داخل حكاية من خلال اللغة السّردية الدّالة على واقع خيالي مفترض واحد ، وهذا كفيل بنقض قناعات التّلقي والبحث في زوايا الوهم كما في لجوء النّص إلى ظاهرة(السّرد المتكرر) لسرد حادثة الصخرة التي مزقتْ ساق العسكري إبراهيم وتمثيلها حكائيا أكثر من مرة على لسان محمود وكاثرين والشيخ صابر محاولة لتكسير رتابة واقعية الحدث وتمويهه خياليا ، ولعل تقسيم الرّواة في واحة الغروب على وحدات سردية ذات رؤى وملفوظ مختلف يولد ضمنيا ذلك الكسر الجمالي لقناعات المتلقي في إبعاد النّص عن الواقع المباشر كونه قادرا على تأثيث عالمه بنفسه بما فيه من منظومات وقوانين تحاكي واقع الواحة الفعلي لكنّه لا ينقله إنّما يجتهد لكي تختفي النّسخة الحقيقية للواحة من ذاكرة المتلقي ، مقدما بذلك النّسخة الجديدة المفترضة التي تنقسم بين خمس رؤى لرواة مختلفين في الفكر والعقيدة والانتماء واللغة ؛ ولأجل خلق توازن سردي في تمثيل الحكاية رؤيويا تلجأ الرّواية إلى تقابلات لغوية متفجرة داخل زمنية سرد الأحداث ، فما يقابل حكاية محمود وكاثرين على تناقضاتها في سرد القضية ذاتها ، حكايةُ(الشيخ يحيى) و(الشيخ صابر) في سرد قضية الواحة من وجهتي نظر متعارضتين تماما ، لا بل هي تنم عن (صراع عنصري) يقابل (الصراع الثقافي) بين محمود وكاثرين ، وهنا ثمة مدلول عملي تنتجه (نسخة الواحة المتخيلة) بعيدا عن واحة سيوة الحقيقية ، مدلول يبتعد فيه النّص عن دلالة الرّمز لواقعيته حيث (تجاور الخلاف والائتلاف) معا ، (فخلاف) الشّرقيين مع الغربيين عند الشيخين معنى يقابل (خلاف) الغرب مع الشّرق المتجسد بين محمود وكاثرين ، و(ائتلاف) الشّيخين في عداء الحكومة الموالية للاحتلال عند دفع الضرائب يقابل (ائتلاف) محمود وكاثرين في عدائهما للاحتلال الانكليزي الذي استباح بلديهما ، لكنّ بين هذا التّجاور يمكث الحياد التأريخي لمخيلة الواقع المكاني ممثلة بسرد الرّاوي الخامس (الإسكندر الأكبر) ، إذ تعلو اللغة السّردية للحكاية معه على واقع النّص فتغوص في افتراضات التأريخ والأساطير مما له علاقة فعلية فيما بعد بمكان الواحة والمعبد وبحث كاثرين الدؤوب عن الحقيقة الزّائفة وراء أسطورة المكان ، مما يعمل على توليد حالة من(التّهجين السّردي) بسبب تداخل لغات وأفعال ورؤى وأيديولوجيات الرّواة جميعا داخل النّص الرّوائي ليتحقق بذلك ما أطلق علية باختين أسلوبيا(صورة اللغة) ، حيث امتزاجُ تتعالق فيه اللغات والحوارات والأزمنة والفوارق الثقافية والسوسيولوجية(19) للوصول إلى حالة خاصة من الصورة الرّوائية المختلفة عن جذورها الأصل التي تسعى جماليا لإنتاج مغاير يتقصد كسر وتحطيم القوانين القديمة ، كما حصل في واحة الغروب عندما عمل النّص على توليد محكيات متداولة في الواقع الشّعبي والخرافي للمجتمع المصري ، ثم أعاد إنتاجها لغويا ممثلة بحكاية شخصية مليكة(الغولة) التي عندما خرجتْ من بيتها عنوة لعنتْ المكان فحلتْ فيه الكوارث بحسب معتقدات هذا المجتمع وقوانينه ، إذن فإنَّ تداخل الحلقات والأساليب والرّؤى السّرديّة وتكرارها في اللغة السّردية على مدى الرّوايتين - أجنحة البركوار و واحة الغروب - ولّد تنوعا إيقاعيا من التّمثيل الموحي بجمود الزّمن وعمومية المكان وشعبية الشّخصيات ، وهو في حقيقة الأمر يمثل حركة سردية مستمرة ليس في الماضي والحاضر والمستقبل بقدر ما هي أشبه بالمراوحة في المشهد بأسلوب لولبي ما إنْ نتخطاه حتى نعود إليه ؛ لأنّ النّص الرّوائي يواجهنا باستمرار مع أصوت الرّواة وأساليبهم ولغاتهم في الحكي ، تلك الأساليب المتبنينة في النّص على شكل وحدات محكيّة مكررة مع تطور الحدث فيها طبعا ، ولعل هذا ما منح الرّوايتين القدرة العالية في تمويه الواقع ومخادعته للوصول إلى حالة من كسر أفق التّلقي بسبب افتراض واقعية مغايرة للأرضية المرجعية التي انطلقتْ منها الأحداث مما أدى إلى غياب الواقع وأفوله .
اللغة المضاعفة (ما وراء كلمات الحكاية):
لعل من المنطلقات المركزية في التّعبير عن الوعي الذّاتي للسرد وتوالد المتخيل لرواية الميتافكشن في ضمن سرد ما بعد الحداثة ، ناتج ليس فقط بتأثير الإدراك الجمالي البنيوي المرتبط بتحقق رؤية خاصة للعالم ينزع إليها الرّوائي بحثا عن التّجديد والتّغيير ومخالفة السّائد مما هو راسخ في ذاكرة الرّواية العربية ، أقول: ناتج ليس بتأثير الإدراك الجمالي وتكوين بنية تعبيرية خاصة ممثلة بما وراء الرّواية ، بل أيضا من خلال الوعي الكبير للروائي المرتبط بقدرته على اللعب الواعي باللغة السّردية لحكايته ، ومن ثم الانتقال بهذه اللغة من مرحلة أولى سطحية واصفة لمتغيرات الحكاية وعناصرها وموضوعاتها إلى مرحلة ثانية ذات دلالة عميقة مرتبطة بتوالد اللغة والأساليب جنبا إلى جنب مع توالد الوعي الذّاتي للكتابة المؤسسة لهذه البنية ، وحقيقة الأمر أنّ الرّوائي العربي المثقف بالثقافة الكلاسيكية العربيّة ليس بعيدا جدا عن تداخل المعاني والألفاظ وإنتاج بعضها ببعضها ، فقد شاع لدى البلاغيين العرب القدماء مثل:عبد القاهر الجرجاني وأبو حيان التوحيدي مفاهيم مثل الكلام على الكلام و معنى المعنى ، وهي من أساسيات وظائف اللغة لديهم كون اللغة الأدبية لا تستقيم فتنتج معنى عميقا من الولوج بطبقات متداخلة من الكلام واللغة والمعاني ، إلاّ بعد أنْ تتداخل معانيها ويوصل المعنى الأول إلى ثان مرورا بطبقات من الألفاظ واللغة المقصودة ، وهذا أمر دعمته النّظرية اللغوية والنّصية والشّعرية الحديثة ونادى به أهم المنظرين فيها حتى الغربيين منهم مثل: فيرديناند دي سوسير وياكبسون وتون فان دايك وغيرهم ، لكن: ما علاقة ذلك بمضاعفة اللغة وتجاورها؟ وهل ما وراء اللغة في الرّواية من أساسيات تكوين نظرية الميتافكشن؟ .
يعرف علم النّص ونظريته ما وراء اللغة (Metalanguage)على أنّها" اللغة التي يكون موضوع دراستها لغة أخرى ...فلغة اللغة[الميتالغة] هي علاقة بين لغتين لغة طبيعية ولغة واصفة تأخذ الأولى كمجال[كذا] للبحث والدراسة ... وهكذا تقدم نفسها باعتبارها[كذا] لغة وصف(تحليل) "(20) ، وهو تعريف يمهد بشكل من الأشكال لما نريده هنا لكي نثبت أهمية الميتالغة في السّرد الرّوائي ما بعد الحداثي ، فالعلاقة الوصفية /التّحليلية بين اللغتين هي تعبير دال على ما يحدث في نص الميتافكشن من خلال الإشارة والإحالة إلى اللغة ذاتها ؛ لذلك يمكن تحديد مفهوم الميتالغة في ضمن نظرية الميتافكشن على أنّها لغة تشير إلى نفسها ، فكلما ازدادتْ الحاجة في الميتافكشن إلى ما وراء اللغة أصبحتْ ضرورة الحفاظ على العلاقة بين العالم الحقيقي والعالم الخيالي ومن ثم إدراك هذه العلاقة جيدا ، لأنّنا في روايات الميتافكشن سندرك طبيعة هذه العلاقة من خلال الــــ (ما وراء) التي ستكون هي موضوع البحث والتّحليل ، وعليه تكون روايات الميتافكشن في حالة من الانهمام بالذات منشغلة بلغتها ملتفة حولها وما فيها من تعبيرات وألفاظ ودلالات تنقل القارئ من المستوى الأول للمعنى إلى مستوى ثان أعمق ، إذ تتولد عنه الدّلالات الخفيّة التي تشير إلى ما هو واقعي فيكون المتلقي - كما تؤكد ووه - إزاء فن لغوي يجيد اللعب والإبداع لعوالم رمزية متخيلة ، فإذا كانتْ ما بعد الحداثية تعيد كتابة الحداثة من جديد كما يرى ليوتار من خلال العودة إلى نقطة الانطلاق ، وهذا أمر يتولد في ضمن الطبيعة الأسلوبية للغة ذاتها حيث اللغة دائما قائمة على حقيقتين تكون إحداهما مستقلة عن الثانية وتتحددان سيميائيا بالدّال والمدلول(21) ، فإنّ ما تفعله بنية ما وراء اللغة السّردية في لغة الرّواية قريب جدا من ذلك كونها تتبنى القوانين ما بعد الحداثية بالضرورة ، فهي تعيد صوغ لغة الرّواية من جديد عن طريق المرور إلى لغة بعدية ذات طبيعة رمزية دلالية ، ويمكن أنْ نلمح مثل هذا كثيرا في الرّواية العربيّة ما بعد الحداثية التي تمثلتْ حكايتها المركزية على وفق بنية الميتافكشن ، كما في التّلاعب المقصود بحروف الاسم الذي لعبه نص رواية (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي حينما يصف الرّاوي علاقته بسماع حروف الاسم لأول مرة على الشّاكلة الآتية: " كانتْ أول مرة سمعت فيها اسمك... فتعلقت في غيبوبتي بحروفه ... بين ألف الألم وميم المتعة كان اسمك ، تشطره حاء الحرقة ..ولام التحذير.فكيف لم احذر اسمك الذي ولد وسط الحرائق الأولى...كيف لم احذر اسما يحمل ضده ويبدأ بــ "أح" الألم واللذة معا ... الاسم المفرد- الجمع كاسم هذا الوطن ..."(22)، إذ تحيل حيلة الحروف المقطعة التي تمثل اسم المؤلفة ذاتها(أحلام) إلى دلالات سياسية خلف اللغة المباشرة للرواية ، تنعقد حولها مفاهيم هذه الدّلالات بواسطة مفاتيح تعبيرية مثل كلمة(الحرائق)التي ترتبط أيديولوجيا بكلمة(الوطن) وترتبط آيروسيا بكلمة(المتعة) ، فتتولد منهما تضادية ميتالغوية مرتبطة بقضية صراع الذكورة والأنوثة الذي توجه أحلام مستغانمي خطابها الرّوائي نحوه وهو التّضاد الذي ينتقل إليه النّص من خلال ثنائية (الألم / اللذة) ، إذن تتمظهر ظاهرة الميتالغة بوصفها جزءا مركزيا مكملا لبنية الميتافكشن ، فتعبير الرّواية والانزياح الذي يتحقق فيها لا يتم إلاّ عن طريق اللغة وتحولاتها الدّلالية ، وهذا ما يمنح النّص الرّوائي فرصة جوهرية لمواجهة القارئ من منطلق الجذب الكبير الذي يوفره أسلوب الميتالغة فيه ، فلغة رواية الميتافكشن هي لغة توليفية تؤمن كثيرا بالتّحولات الأسلوبية ، وهذا أمر يقتضي التّبديل المستمر بين (نظام النّص) المتحقق من خلال اللغة المباشرة و(فوضى النّص) المتحققة من خلال الانتقال لحكاية الحكاية والتّأمل الذّاتي فيها ، مما يقتضي بالضرورة توفر لغة مغايرة بدلالات ورموز غير مباشرة للتعبير عن هذا الانتقال من النّص الاعتيادي إلى نص الميتافكشن ، وهو ما يتناسب تماما مع ما شاع نقديا من أنّ اللغة تزود النّص بمفاتيح خاصة هي في حقيقتها مفاتيح لإدراك العالم ، وعليه يكون النّص قادرا على أنْ ينتج نفسه اعتمادا على ديناميته الخاصة ، لكنّ هذا يقتضي بطبيعة الحال نمطا من التّعارض بين النّص وما فيه من لغة إشارية والمجتمع الذي ينتمي إليه القارئ الذي يواجهه هذا النّص ، من خلال عملية تحويل اللغة الأدبية التي هي لغة المؤلف أيضا إلى ما يصفه رولان بارت بتحويل الفكرة أو الوعي إلى بضاعة تكون في ضمن ما يسمى (الوظيفة الاجتماعية) وإن كانتْ اللغة برأيه هي التي تتكلم وليس المؤلف(23) ، وهذا ما يتحقق بصورة واضحة وكبيرة عن طريق تهجين اللغة التي تتحول في رواية الميتافكشن إلى ما وراء اللغة ، فهي تحفز النّص في ضمن قوانين الوظيفة الاجتماعية لكي يتعارض مع لغته الأصل ذات الطبيعة الرّسمية ، كما في رواية ( الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل) لأميل حبيبي أو حتى رواية (قيامة الحشاشين) لهادي التيمومي .
فعملية الانزياح من لغة النّص إلى لغة شعبية ولهجات محليّة وغريبة في هاتين الرّوايتين ، أو الانزياح إلى لغة عربيّة قديمة ذات طبيعة كلاسيكية من حيث الألفاظ والدّلالات كما في رواية (حدث أبو هريرة قال) لمحمود المسعدي وإنْ كان وعيها الذّاتي ما زال مبكرا لإدراك الميتافكشن ، كذلك ما يتمظهر بوعي كبير في أغلب روايات جمال الغيطاني عن طريق المحاكاة السّاخرة للأسلوب التأريخي القديم أو المماهاة التّهكمية لأشكال عربية نقية عرفت في السّرد العربي القديم ، كما في علاقة رواية(رحلة ابن فطومة) لنجيب محفوظ بنص الرحلة العربية أو كما في علاقة رواية(موت صغير) لمحمد احمد علوان بشكل السّيرة الذّاتية في الموروث العربي ، أقول إنّ عملية الانزياح في لغات هذه النصوص الرّوائية وغيرها في الرّواية العربية لهذه اللهجات والأشكال السّردية - كما في أغلب الرّوايات التي تشتغل نصيا على ما وراء اللغة(24) - يولد شعرية خاصة بها تنتَج عن المجاز المرتبط بالكناية التي سوف تتوضح من خلالها قضية الانتقال لما وراء اللغة ، عندما تتحول الأحداث في ذهن المؤلف إلى حقائق وليستْ مجرد ذكريات أو أحداث من التّأريخ الأدبي القديم ، فيعيش القارئ تأريخا جديدا بلغة جديدة تمظهرت خلف لغته القديمة المنبثقة عن ما وراء أحداثه في النّص ، فهذه المؤثرات جميعا تجعل الرّواية قادرة لكي تتحدث عن نفسها بحرية ، مما يولد تداخلا جوهريا بين البعد لما وراء اللغة والبنية المتولدة ذاتيا من خلال الميتافكشن ، بسبب هذا التّداخل المقصود مع الأساليب الأخرى والتّناص معها ، فتكون لغتها بمثابة لغة ثانية تذوب مع اللغات واللهجات والأيديولوجيات الموجودة داخل النّص الرّوائي ؛ لهذا كثيرا ما أكد المعنيون بتحولات بنية الميتافكشن على أنّ المتخيل الأدبي يبني اللغة ، وفي ضمن ذلك تتميز اللغة بانسلاخها عن سياق محدد ، إذ لا يتعين عليها أنْ تشير إلى موضوعات ومواقف توجد مباشرة في فعل الملفوظ ، وبهذا تقترب لغة الرواية من التصوير الشعري بلجوئها إلى الاستعارة المطلقة لأجل تجاوز اللغة القديمة وشعورها فتسمو معبرة عن صورة هي في حقيقتها كلمة وراء اللغة المصنوعة ، فتحتوي بذلك على استعارات عناصرها الرئيسة ما لا تستطيع الكلمات في اللغة الأولى تشخيصه(25) ،فهي إذن علاقة لغة بلغة ، لغة أولى منبثقة من المعنى الأول في الحكاية ولغة ثانية ناقدة ومغيرة للمعاني التي ترسختْ في الأولى ، تلجأ لكي تحقق غايتها في التّجديد إلى أساليب كثيرة ممكن أنْ تحاكيها أو تستعيرها أو تصطنعها حتى غاية في الوصول إلى نمطية سردية مغايرة ، فهي نمطية الميتافكشن ونظريتها المتحققة بلغات سردية مختلفة ، أهمها وأكثرها تأثيرا هي الميتالغة الرّوائية التي احتفتْ بها روايتنا العربيّة ما بعد الحداثيّة .
الخاتمة:
في ضوء ما تقدم من دراسة يمكنني التأكيد هنا على أنّه لا يتم الحديث عن ملفوظ الرّواية ولغتها بشكل سليم ما لم يتم عن طريقه الحديث في اللغة التي يمكن أن تناولها من دلالات اللغة الأسلوبية والشكلية فيها ، فعلى الرغم من أنّ مفهومنا للخطاب بإمكانه تجاوز المفاهيم اللسانية نحو مفاهيم دلالية أوسع ، تتحدد في أنظمة العلامات التي هي أساس التّواصل مع المتلقي ؛ إلاّ أنّ أغلب الدراسات تعاملت مع لغته تعاملا محددا ومنقطعا عن أي تواصل خارج الحدود اللغوية المنغلقة على ذاتها ؛ لذلك عمدنا فيما سبق من المقاربة البحث في ما وراء لغة الرواية بحثا عمّا هو سوسيولوجي واقعي أو ثقافي ، وصولا إلى ما تكوّن في لغة الرّواية من صورة هجينة ممكنة تنتج عن أسلوبية خاصة برواية الحداثة ، مما فتح الطريق أمام النّقد لكي يكتشف طبيعة لغة الرّواية ما بعد الحديثة من خلال الانتقال فيها لما ورائها كشفا وتأويلا للغة الأولى فيها ، فهي لغة تتحدث عن لغة وترصد الظواهر وتحدد المصطلحات ، وفي الوقت نفسه تحمل خطاباً ثقافياً وأيديولوجياً معيناً ، وبهذا تنماز لغة الخطاب الرّوائي ممثلة باللغة المجاورة أنّها تطوّع اللغة أداة لها وتشكل وجودها منها وتنقل دلالاتها ومعانيها ، اعتماداً على الفعل اللغوي وما وراء الفعل الذي هو بالضرورة فعل الخطاب ، إذ بفضله تحقق اللغة رؤية بعينها تبدأ بالخطاب الملفوظ لتنتهي بالرّؤية المترسخة فيه .
References
1.Ayāshī, Munḏir. The Second Writing and the Beginning of Pleasure. Arab Cultural Center. 1st ed. 1998; pp: 44–46.
Eco U. Mechanisms of Narrative Writing (Texts on a Personal Experience). Translated and introduced by Saeed Benkrad. Dar Al-Hiwar for Publishing and Distribution (Syria), 1st ed. 2009;pp:94.
2.Hall E T. The Silent Language. Translated by Lamees Fouad Al-Yahya, revised and edited by Mahmoud Al-Zawawi. Al-Ahliya for Publishing and Distribution (Amman, Jordan).1st ed. 2007;pp: 44.
3.Kramsch C. Language and Culture. Translated by Dr. Ahmed Al-Shimi, revised by Abdul-Wadud Al-Omrani.
Ministry of Culture, Arts and Heritage (Doha, Qatar), 1st ed. 2010;pp:97.
4.Zima P . Social Criticism – Towards a Sociology of the Literary Text. Translated by Aida Lotfi, revised by Dr.
Amina Rachid and Dr. Sayed El-Bahrawi. Dar Al-Fikr for Studies, Publishing and Distribution (Cairo), 1st ed.
1991;pp: 183.
5.Macherey P. A Theory of Literary Production. Translated from French by Geoffrey Wall. London: Routledge and
Kegan Paul. 1978;pp:55.
6.Al-ʿEid Y. Writing as a Transformation in Transformation. Dar Al-Adab, Beirut, 1st ed.1993;pp:41.
7.Shahid Z. Saturday, Oh Tuesday. Dar Al-Yanabee. 2010;pp:105–106, 33.
8.Kassel J O. Literary Writing. Translated by Adel Al-ʿAamil. Foreign Culture J, 2010;1:51-57.
Caesar D G. A Lesson in the History of Creative Writing. Translated by Samir Al-Sheikh. Foreign Culture J. 2010 1: 51.
9.Al-Shahid Z. Parasangs of Groans Awaiting. Dar Al-Yanabeeʿ, 1st ed., 2010;pp:11.
10.Al-Moussawi M J. Theory and Cultural Criticism. Arab Institute for Rese Pub.1st ed., 2005;79.
11.Braine John. Writing a Novel. Translated by Majid Yassin, revised by Dr. Madhi Al-Douri. Dar Al-Sha’oon Al-
Thaqafiya Al-ʿAama (Baghdad). 1993;pp:40., 27.
12.Barthes R. Writing Degree Zero. Translated by Mohammed Barrada. Dar Al-Taliʿa for Printing and Publishing
(Beirut), 1st ed, 1980;pp:33.
13.Sbila M. Ideology (Towards an Integrative View). Arab Cultural Center, 1st ed. 1992;pp:76.
14.Kurtz J. Semiotics of Language. Translated by Dr. Jamal Hadri. University Institution for Studies, Publishing
and Distribution, 1st ed, 2010; pp:33.
15.Jasim A A. Wings of the Porquoi. Dar Al-Hiwar (Syria), 2014; pp:7–8.
16.Qasouma Al-Sadiq bin Al-Naas. Narratology (Content, Discourse, and Signification). Publications of the
Ministry of Higher Education (Saudi Arabia) – University Theses Series (107), 2009;pp:250.
17.Bakhtin M. The Novelistic Discourse. Translated by Mohammed Barrada. Dar Al-Fikr for Studies, Publishing
and Distribution (Cairo), 1st ed., 1987; pp:120 ff.
18.Bakhtin M. The Word in the Novel. Translated by Youssef Hallaq. Publications of the Ministry of Culture
(Damascus), 1988;pp:144 ff.
19.Al-Hamdani H. The Stylistics of the Novel (A Theoretical
Introduction). Darasat Publications – Sal, Casablanca, 1st ed, 1989;pp:83.
20.Taher B. Sunset Oasis. Dar Al-Shorouk (Cairo), 11th ed., 2013; pp: 56, 147, 68–69, 193.
21.Al-Kurdi AR. The Narrator and the Short Story Text. Dar Al-Adab Library (Cairo), 1st ed., 2006;pp: 139-
22.Al-Hamdani H. The Structure of the Narrative Text (From the
Perspective of Literary Criticism). Arab Cultural Center, 3rd ed.,
2000;pp:
23.The Novelistic Discourse, p. 118 ff.
24.Khamri, Dr. Hussein. Text Theory – From the Structure of
Meaning to the Semiotics of the Signifier. Arab Scientific
Publishers – Editions El-Ikhtilef (Algeria), 1st ed.;2007:pp:279.
25.Waugh P. Metafiction – The Self-Conscious Narrative Fiction
(Theory and Practice). Translated by Al-Sayyid Imam. Dar
Shahriar (Iraq), 1st ed., 2018; pp:47 ff.
26.Lyotard Jean-François. On the Meaning of Postmodernity (Texts
in Philosophy and Art). Translated by Al-Saeed Labib. Arab
Cultural Center (Morocco), 1st ed., 2016; pp:73.
27.Ibrahim A Aziz. Recovering Meaning (A Study in Modernist
Literature). Dar Al-Sha’oon Al-Thaqafiya Al- Aama (Baghdad),
1st ed., 2006; pp:76–77.
28.Mosteghanemi A. Memory of the Flesh. Dar Al-Adab (Beirut).
22nd ed., 2007;pp:36–37.
29.Bourneuf R and Ouellet Réal. The World of the Novel. Translated
by Nihad Al-Takreli, revised by Fouad Al- Takreli and Dr.
30.Mohsen Al-Moussawi. Dar Al-Sha’oon Al-Thaqafiya Al-ʿAama
(Baghdad), 1st ed., 1991;pp:192.
31.Barthes, Roland. The Third Meaning and Other Essays. Translated
and introduced by Aziz Youssef Al-Mutalibi. Bayt Al-Hikma
(Baghdad), 1st ed., 2011; pp:130.
32.Barthes R. In Literature, Writing, and Criticism. Translated and
introduced by Dr. Abdul Rahman Bouali. Dar Ninawa for studies
Publishing and distribution (Damascus) , pp:128.
33.Post-Narrative Aesthetics (Studies in the Postmodern Novel).
Joint authorship. Translated by Amani Abu Rahma.
Dar Ninawa for Studies, Publishing and Distribution (Syria),
2010;pp:143.
34.Metafiction – The Self-Conscious Narrative Fiction (Theory and
Practice), pp:48.
35.Kruk J. Language in Modern Literature – Modernism and
Experimentation. Translated by Leon Youssef and Aziz
Emmanuel. Dar Al-Ma’moon for Translation and Publishing
(Baghdad). 1989; pp:239–240.