| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الصورة في شعر ابن زيلاق الموصلي
|
|
|
|
|
|
عثمان سمير يحيى السراج
|
|
|
|
|
|
مديرية تربية نينوى/ العراق
|
|
|
|
|
|
معلومات المقالة
|
|
المستخلص
|
|
|
Article History
Received 20 June, 2024
Revised 5 July, 2024
Accepted 21 July, 2024
|
|
تعد الصورة معيارا فنيا في تقويم الشعر ونقده لأنها تكشف عن واقع الشاعر ومواهبه ، وتمثلت الصورة في شعر ابن زيلاق الموصلي بوصفها الوسيلة الفنية الجوهرية لنقل تجربته الشعرية بانفعالاته وإحساساته فضلا عما تؤديه من الدهشة والإعجاب لذا تعد القصيدة صورة واضحة المعالم أو مجموعة من الصور المتكاملة لنقل المشاعر الخاصة والأحداث التي تقع في محيط الشاعر لذا جاء هذا البحث ليدرس الصورة في شعر ابن زيلاق الموصلي بتحليلها على وفق المعيارين البلاغي القديم والنقدي الحديث للكشف عن القيم الجمالية والفنية واستنباط الدلالات التي تمخضت عنها .
قام البحث على مدخل ومبحثين ، تضمن المدخل تحديد مفهوم الصورة الشعرية ، وخص المبحث الأول لدراسة ( الصورة الشعرية على وفق المعيار البلاغي القديم ) من حيث الصورة التشبيهية ، والصورة الاستعارية ، والصورة الكنائية في حين تناول المبحث الثاني دراسة (الصورة الشعرية على وفق المعيار النقدي الحديث) من حيث : الصورة الثابتة/ الصورة الحركية ، والصورة الجزئية / الصورة الكلية ، والصورة البسيطة / الصورة المركبة .
الكلمات الافتتاحية : الصورة / ابن زيلاق الموصلي / شعر ابن زيلاق الموصلي.
|
|
|
Key Words
The image،
Ibn Zaylāq al-Mawṣilī
poetry
Ibn Zaylāq al-Mawṣilī
|
|
|
Corresponding Author
[email protected]
|
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v2.i4.a33, ©Authors, 2024, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
The Poetic Image in the Poetry of Ibn Zaylaq al Mawsili
O S YAl-Sarraj
Directorate of Nineveh Education. Iraq
Abstract
The image is considered an artistic criterion in evaluating poetry and its use because it reveals the reality of the poet and his talents, and the image was represented in the poetry of Ibn Zaylaq al-Mawsili as the essential artistic means for conveying temptation as well as the surprise and admiration it performs, so the poem is a clear-cut image or a group of integrated images to convey special feelings and events which is located in the vicinity of the poet, Therefore, this research came to study the image in the poetry of Ibn Zaylaq al-Mawsili by analyzing it according to the ancient rhetorical and modern critical criteria to reveal the aesthetic and artistic values and to derive the indications that it generated.The research was based on an introduction and two sections, the introduction included defining the concept of the poetic image, and the first topic was devoted to studying (the poetic image according to the old rhetorical standard) in terms of: the simile image, the metaphorical image, and the metaphorical image, while the second topic dealt with the study of (the poetic image according to the standard Modern Criticism) in terms of: the still image/ the dynamic image, the partial image/ the overall image, and the simple image/ the composite image
مقدمة البحث
- .مدخل : تحديد مفهوم الصورة الشعرية
- تعد الصورة أداة مألوفة في الأدب إذ لا يمكن تفهم أي أثر أدبي من دون الاستعانة بهذه الوسيلة بوصفها مدخل لتركيبه ونظامه ومعناه (1) لأن النص الأدبي تركيبة خاصة تعمل على منح الصورة مجالا للنمو وللتكوين (2) ، فالصورة الشعرية " رسم قوامه الكلمات المشحونة بالأحاسيس والعاطفة "(3) إذ يستخدم مصطلح الصورة الشعرية للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي (4) وعلى ذلك تؤلف الصورة لوحة مؤلفة من كلمات تقدم ما تحمله بالحس والإيحاء (5).
- تمثل الصورة الشعرية " أداة فنية لاستيعاب الشكل والمضمون بما لها من مميزات وما بينهما من وشائج " ( 6) لذا تكون الصورة الشعرية أوسع بكثير من مجرد التشبيه أو الاستعارة غير أنها ليست مقطوعة الصلة بينهما، فقد تأتي على شكل تشبيه بسيط سريع لكنه عميق ، أو بشكل استعارة سريعة ذات دلالة عميقة (7) ، وتمثل الصورة الشعرية لقاء للفظ وللمعنى في تشكيل لغوي يتسم بالجدة وبالابتكار والحركة والإيحاء والتأثير ( 8) .
- تقرأ الصورة الحقيقية باللسان وترى بالبصيرة وترسم بالمخيلة ( 9) حين تعتمد الصورة المجازية على المجاز الذي هو مغادرة المفردة لدلالتها الحقيقية لتحقيق دلالة جديدة تسهم في الاتساع والتأكيد والإدهاش ( 10) ، ويتسم هذا التعبير بتلوين الأفكار وتوليد الصور وبعث الإيحاء بما هو ملائم لطبيعة المعاني ( 11) لذا يعد المجاز وسيلة فنية لإثراء الدلالة وتحقيق القوة التعبيرية على مستوى التركيب والنص ( 12) ، ويدخل ضمن المجاز المناسبة والتشبيه والاستعارة والتمثيل والكناية ( 13) لذا يعد المجاز " أفضل من غيره من أساليب الحقيقة إنما هو أنماط من الأساليب تتفق والمناسبة وحال المخاطبين " (14 ) لذا فالصورة الشعرية " تشكيل لغوي قائم على التشبيه والاستعارة والكناية تكون أطراف التعبير متسمة بالجدة والابتكار " (15 ).
- المبحث الأول : الصورة الشعرية على وفق المعيار البلاغي القديم
- الصورة التشبيهية
- يعد التشبيه من الفنون البيانية التي تنهض بمهمة الإفصاح عن المعاني والأفكار التي يتضمنها النص الأدبي ، ويمثل إحدى وسائل الأدب في الوظيفة الابلاغية فهو أداة في زيادة جمالية النص (16) فالتشبيه " بحر البلاغة وسرها ولبابها " (17) إلا أن التشبيهات لا تأتي على درجة واحدة في النص الشعري من حيث الجمال والرونق وقوة التصوير وإنما تتفاوت أبعاده تبعا لمقدرة الشاعر (18) وللبصر من بين الحواس أثرا متميزا في صوغ التشبيه نفسه بالألوان المختلفة ( 19) لذا فان التشبيه "يستدعي طرفين مشبها ومشبها به اشتركا في وجه وافترقا في آخر" ( 20) فالتشبيه هو " الدلالة على مشاركة أمر لآخر في معنى بأداة " ( 21).
- من أمثلة الصور التشبيهية ما جاء في قصيدة ( ما وجه عذرك) إذ يقول الشاعر :
- وجداول نشأت بهن حدائق ضحكت خلال فروعها الأنوار
- وكأنما أشجارهن عرائس تجلى ومن در السحاب نثار
- تشدو حمائمها ويرقص دوحها غب الصبا وتصفق الأنهار
- فادم لنا أفراحنا بسدامة لم تتصل بصفائها الأكدار
- حمراء تبدو في الكؤوس كأنها ذهب عليه من اللجين أزار ( 22)
- يعمد الشاعر في عرض المظاهر الطبيعية التي يجدها أمامه باتخاذ الحدائق أنموذجا بصورة تشبيهية إذ يشبه أشجار الحدائق بالعرائس بالأداة ( كأن) ليجمع بينهما صفات الجمال والبهاء التي طغت على هذه الأشجار ، لذا يعمل هذا التشبيه على إظهار الطبيعة التي ترى بالبصر بصورة حسية جمالية ، ويستمر الشاعر بتوظيف مظاهر الطبيعة بعد الصورة التشبيهية من مثل الحمام والسحاب والأنهار، وينتقل إلى صورة ثانية يلمح فيها التشبيه من حيث تشبيه الأفراح بالصفاء كما هو الماء إذ يجمع بينهما عدم الأكدار للدلالة على دوام هذه الأفراح كصفاء الماء ، وتبدو في هذه الصورة التشبيهية دعوة الشاعر لتلمس الراحة بدوام الفرح والصفاء في العيش بعيدا عن الأكدار ومنغضات الحياة ،والتركيز على مجلس الشراب ، ليقدم صورة تشبيهية ثالثة إذ يشبه الخمرة بالذهب بالأداة ( كأن) ، فالجامع بينهما هو بعث الإعجاب وارتياح الدهشة من منظر الخمرة بلونها الأحمر في الكؤوس للاستعداد للشرب منها، فكما أن رؤية الذهب تسر النظر وتبعث في النفس السرور فكذلك الخمرة تريح النفس وتثير اللذة ، وبذلك سعى الشاعر إلى توظيف الصور التشبيهية فيما يتعلق بعرض مظاهر الطبيعة والخمرة وآثارها في النفس.
- من نماذج الصور التشبيهية قول الشاعر في قصيدة ( تدنو بك أفراحنا ) :
- زيد من التقبيل حتى غدت شفاهنا مرقومة أسطرا
- إذا حال الشي ء تكراره أعطاك حسنا كلما كررا
- كأنه روض سقاه الندى ريا فأضحى بيته مزهرا
- وما رأينا قبله روضة نمقها الحبر ولا خبرا
- يخبرنا عن مثل أشواقنا أكرم به مستخبرا مخبرا
- كذكرنا العهد ولم ننسه فيوجب النسيان أن يذكرا( 23 )
- يعمل الشاعر على تقديم صورة تشبيهية من واقع الحال التي يعيشها إذ يشبه الشفاه من كثرة التقبيل بينه وبين الحبيبة بالكتابة، فالجامع بينهما تكوين الأسطر التي تكون على الصفحة فكذلك تكون على الشفاه من اثر تلاصقهما من التقبيل الزائد الذي يسطر قصة الحب أولا ، والشعور بالسعادة من هذا الفعل ثانيا ، وينتقل الشاعر إلى صورة تشبيهية ثانية إذ يشبه حسن حال تكرار الشي ء بالروض بالأداة ( كأن) ، فالجامع بينهما حدوث الروي ، فإذا أصبح الروض ريانا من اثر سقي الندى ، فحسن الحال المتكرر بين الشاعر وحبيبته ريان أيضا من شدة الحب الذي يجمعهما لذا تصل الأمور بين حسن تكرار الحال والروض إلى الزهر من اثر السقي بالندى والحب معا ، ويكمل الشاعر حديثه عن الروضة والأشواق ليصل إلى الصورة التشبيهية الثالثة إذ يشبه الأشواق بذكر العهد بالأداة (الكاف)، فالجامع بينهما عدم النسيان ، فلا يمكن ذلك مع الأشواق والعهد إلا الذكر، وبذلك عمد الشاعر إلى تشكيل الصور التشبيهية فيما يتعلق بعلاقته الخاصة مع الحبيبة وحال الموقف وتكراره مما يبعث في نفسه الراحة والسرور.
- من شواهد الصور التشبيهية ما جاء في قول الشاعر بقصيدة ( تدنو بك أفراحنا ) :
- فطاف كمثل الظبي عند التفاته بحمراء مثل الجمر عند اضطرامه
- كسا المزج أعلاها حبابا كأنه ثناياه أبداهن حسن ابتسامه
- شككنا فلم نعرف أمنظوم عقده من الدرر أم من ثغره أم كلامه
- ولم ندر هذا السكر من سحر طرفه ومن خده والريق أم من مدامه(24)
- يسعى الشاعر لعرض إحدى مجالس الشرب واللهو بتوظيف الصورة التشبيهية للساقي إذ يشبهه بالظبي بالأداة ( مثل) ، فالجامع بينهما الطواف والالتفاف من حيث رشاقة الجسم وقوامه للتعبير عن الصفات الجمالية ، وتتواشج مع تشبيه الساقي صورة تشبيهية ثانية إذ يشبه الشاعر الحمراء( الخمرة ) بالجمر بالأداة ( مثل ) ، فالجامع بينهما الاضطرام فإذا كان الجمر يتحول من شدة الاضطرام إلى لون احمر ، فان الخمرة حمراء شديدة اللون مما يوحي بهذا النوع المرغوب فيه بالشرب ، ويكمل الشاعر وصف الساقي وإبراز صفاته الجمالية بصورة تشبيهية ثالثة يظهر فيها أعلى وجه الساقي الثنايا بالأداة ( كأن) للإشارة إلى حسن الابتسامة ، ولإكمال الصور التشبيهية يفصل الشاعر في أوصاف الساقي من حيث ثغره وكلامه وطرفه وخده وريقه ، وبذلك منح الشاعر بالصور التشبيهية صفات الساقي وفعله مما يعبر عن الحياة الشخصية من حضور مجالس اللهو والشرب.
- 2-الصورة الاستعارية
- الاستعارة هي إحدى أركان الفنون البيانية التي لها الأثر الواضح في عملية الإبداع الشعري الذي يقوم على التمثيل والإيحاء ، وهي وسيلة يستعين بها الشاعر لتزيين نصه الشعري بمعان وصور تبتعد عن التقريرية (25) لذا تعد الاستعارة في علم البيان نوعا من المجاز اللغوي علاقته المشابهة دائما ، فهو تشبيه حذف منه أحد طرفيه إذ إن المجاز اللغوي أعم من الاستعارة ، وكل استعارة مجاز لغوي وليس كل مجاز لغوي استعارة(26) ، فالاستعارة أن تريد تشبيه شيء بشيء فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه ( 27) أي ذكر أحد طرفي التشبيه وإرادة الطرف الآخر بإثبات للمشبه ما يخص به المشبه به (28) .
- تمثل الاستعارة في النقد الحديث " الوسيلة العظمى التي يجمع الذهن بوساطتها في الشعر أشياء مختلفة لم توجد لها علاقة من قبل ذلك لأجل التأثير في الموقف والدوافع ، وينجم هذا التأثير في المواقف عن هذه الأشياء وعن العلاقة التي ينشؤها الذهن " (29) إذ تؤدي الاستعارة وظائف مهمة هي : الإخبار والإمتاع والتأثير(30) لذا تبقى الاستعارة سيدة المجاز (31) ، و يكون دورها مهما في الأسلوب الذي تفكر به ، وهي ليست مجرد وسيلة لغوية يستخدمها الأدباء لتعميم أنواع معينة من الاستجابات العاطفية وإنما هي جزء أساس من الأسلوب الذي يفكر فيه الإنسان ويتصل به (32) لذا تحصل الاستعارة من التفاعل أو التوتر بين بؤرة المجاز وبين الإطار المحيط بها (33).
- من أمثلة الصور الاستعارية قول الشاعر في قصيدة ( ما وجه عذرك) :
- ما وجه عذرك والكؤوس تدار ضاقت بمن جهل الصبا أعذار
- سفرت بك اللذات واتسعت بها ال أوقات واجتمعت لك الأوطار
- ساق يسوق إلى السرور مطرب حسن الغناء وروضة وعقار
- أو ما ترى حسن الربيع وقد غدا يختال في حبراته آذار
- روضة كما يرضي العيون يزينه زهر تسر بحسنه الأسرار( 34)
- يعمد الشاعر إلى تقديم مشهد حسي بذكر أوصاف مجلس الشراب ولاسيما الكؤوس التي تحوي الخمرة وتدار لتحقيق اللذة في أوقات المتعة التي تتسع لتحقيق الراحة الروحية والنفسية لذا عمل على تقديم ثلاث صور استعارية مكنية شخصت المشبهات من حيث سفر اللذات واتساع الأوقات واجتماع الأوطار مما أضفت قيمة جمالية من جعل المعنويات تتجسم بالسفر والسعة والاجتماع ، ويسعى الشاعر لعرض تصوراته الذهنية لهذه المشاهد الحسية بارتباطها بالسرور والطرب بحسن الغناء بتحديد المكان ( الروضة) والزمن ( فصل الربيع ) بشهر آذار ليرسم صورة وصفية يستمدها من الطبيعة الخلابة وأثرها في النفس بالشعور بالارتياح بتشخيص الربيع بإنسان يحمل صفة اختيال بملابسه متباهيا لذا يذكر الروضة ( مكان الاجتماع واتساع الأوقات واجتماع الأوطار ) وما تحتويه من الزهور التي تجلب الفرح من جمالها الفتان ليضفي دالات متعددة بصور متخيلة يعمل على عرضها تباعا لتصوير المشهد الذي يستمده من الطبيعة بموجوداتها .
- من نماذج الصورة الاستعارية قول الشاعر في قصيدة ( حسدوني عليك ) :
- يا قمرا أصبحت محاسنه تنهب ألبابنا وتسترق
- تجمعت فيك للورى فتن على تلاف النفوس تتفق
- طرف كحل ووجنة كسيت حمرة دمعي ومبسم يقق ( 35)
- يقدم الشاعر جمال الحبيبة عن طريق الغزل العفيف بعيدا عن الفحش والبذاءة والرذيلة لنقل أوصاف المرأة لذا يعمد إلى النداء( يا قمر) الذي هو مظهر من مظاهر الكون من حيث البهاء والجمال والمنظر الحسن ليضفيه على الحبيبة كما يضفي القمر على الطبيعة النور في الليل للاهتداء به وتلمس جماله الأخاذ ، وينتقل إلى صورة استعارية مكنية بدلالة محاسنه تنهب إذ تعمل على تشخيص المحاسن بحال السارق الذي ينهب ، ومن ثم يداخل الشاعر الاستعارة مع وصف الحبيبة من حيث الطرف الكحيل والوجنة الحمراء والمبسم الذي يمثل الغضن الذي تزينه الأوراق ، وبذلك قدم الشاعر صفات جمال المرأة من وجهة نظره التي يبثها على وفق صور بصرية محسوسة بالتعبير الاستعاري للتعبير عن حبه وشغفه بهذه المرأة التي أسرت قلبه وروحه ونفسه .
- من شواهد الصورة الاستعارية ما جاء في قصيدة ( قم لاعدمتك) إذ يقول الشاعر :
- قم لاعدمتك فالرياح تغربل والرعد يطحن والغمائم تنخل
- والمسك قد عجن الثرى بسحيقه والعود يحرق والحميا تشعل
- والدن تنور توقد جمرة ال صهباء باطنه وفار المبزل
- هي قوت أرواح عنت بحصادها ال أيدي كما اكتنف الدياس الأرجل ( 36)
- يقدم الشاعر مظاهر الطبيعة ( الرياح/ الرعد/ الغمام) بصور استعارية مكنية عمل فيها على تجسيد المشبهات من حيث غربلة الرياح وطحن الرعد ونخل الغمائم إذ وفق من تجميع العناصر والربط بين أجزائها مما يدل على تمكنه من توليد مشاهد متخيلة اتضح فيها تجميع خيوط العناصر في استخدام استعارات لغوية خاصة وازن فيها بين المحسوس الواقع : عناصر الطبيعة وغير المحسوس الذهني : المسك / العود/ الحميا من حيث عجن المسك واحتراق العود واشتعال الحميا ، ثم يربط الشاعر الصور الاستعارية بصورة محسوسة بتنور الدن ( إناء الخمر) وفوران المبزل (الشراب الصافي) ليوضح فيهما رؤيته الذهنية من حيث أنهما قوت الروح لما لهما من تأثير في نفس الشارب وشعوره بالمتعة والارتياح من حصادها للدائس الذي يدوس الطعام ، ويلتفت إلى أوصاف الخمرة : اللون الذهبي وعطرها المسك والمذاق بثمر مطيب النكهة ، وبذلك تمكن الشاعر من تقديم صور استعارية ركز فيها على مظاهر الطبيعة ويقرنها بإناء الخمر والشراب.
- 3-الصورة الكنائية
- الكناية هي " أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيوميء به إليه ويجعله دليلا عليه " (37) لذا تعتمد الكناية في حيويتها التصويرية على الإيحاء والتلميح والترميز والإشارة ،وليست الكناية كالاستعارة يجري فيها الاستبدال وإنما هي مجاورة تعتمد على تنضيد الأشياء في سلسلة في حين تعيد الاستعارة الأشياء وتنظمها على وفق مبدأ الانتقاء ( 38).
- من أمثلة الصورة الكنائية قول الشاعر في قصيدة (هذا فؤادي) :
- هذا فؤادي في يديك تذيبه غادرته غرض السهام تصيبه
- زادت صبابته فهل تجدي له نفعا إذا ما قل منك نصيبه
- ما كان يبلغ من أذاه عدوه ما قد بلغت به وأنت حبيبه
- تهدي الشقاء له وأنت نعيمه وتزيده مرضا وأنت طبيبه
- يا حبذا البرق المضي ء وان بدا بين الضلوع خفوقه ولهيبه( 39)
- يعمد الشاعر إلى تقديم نفسه بصور كنائية بالتصريح تارة وبالإيحاء والرمز تارة أخرى ، فمن الصور الكنائية عن صفة التعبير عن ذات الشاعر( فؤادي) للإشارة إلى تجربته الذاتية المحضة والكشف عن جوانبها النفسية إذ يتعرض لغدر السهام والصبابة وأذى الأعداء في حين يرمز بالفعل بصورة كنائية ثانية( تذيبه) للإيحاء بما يعانيه من الحب مع زيادة الصبابة ( الشوق) ، ويقدم الشاعر الصورة الكنائية الثالثة من حيث ( الشقاء/ النعيم ) و( المرض / التطبب) للإيحاء بما يختلج في داخله من الشعور بالإهداء والاستقبال مابين الواقع والطموح وما بين الشعور بالشقاء مقابل نعيم الحبيبة والمرض مقابل التطبب ليصل إلى صورة كنائية رابعة للتعبير عن صفة البحث عن البرق المضيء ليحسه بين ضلوعه طلبا للراحة والفرح من عناء الشقاء والمرض لينتهي به اللهيب بدلا من الخفق في ذلك ، وبذلك استطاع الشاعر تقديم صور كنائية للتعبير عن نفسه وشعوره الداخلي وحالته النفسية وشوقه للحبيبة .
- من نماذج الصورة الكنائية قول الشاعر في قصيدة (كذب الواشون):
- كذب الواشون قلبي ما سلا وفؤادي من هواكم ما خلا
- لا تظنوني إن طال المدى ناسيا ذلك الغرام الأولا
- لست ممن إن نأت دار به أسخط الشوق وأرضى العذلا( 40)
- يعتمد الشاعر صور كنائية متعددة للتعبير عن الذات التي تمثلت برد كذب الواشين وعدم اقتناعهم بلواعج القلب والهوى لذا يعمد إلى ردهم واثبات عدم نسيان الغرام مما توحي هذه الصور الكنائية بحفاظه على عهد الحب ، ويصرح بعدم سخطه للشوق وإرضاء العواذل ، وبذلك يقدم الشاعر صورا كنائية يثبت فيها تجربته الواقعية التي يحياها في الوقت الحاضر بالتعبير عن الذات ومواقفه الصارمة من كذب الواشين وادعاءاتهم المغرضة ، لذا كان الرد قاسيا بما قدمه من صور كنائية لبعده النفسي من حيث الهوى وعدم نسيان الغرام للإيحاء بحفاظه عليهما، وعدم التفريط فيهما مما دعاه إلى الشوق .
- من شواهد الصورة الكنائية قصيدة (كما جسمي النحول) إذ يقول الشاعر:
- أمحل صبوتنا تحية مغرم يهدي السلام على البعاد برغمه
- أترى ثرى ذاك الجناب من الحيا ال غادي ومن لي لو ظفرت بلثمه
- فبشعب ذاك الحي مثل غزاله لا وفي غنجه وهلاله في تمه
- دمعي ومبسمه لكل منهما معنى غنيت بنثره وبنظمه
- والخصر منه والجفون وعهده كل كسا جسمي النحول بسقمه( 41)
70يعود الشاعر من جديد لتقديم صور كنائية يعتمد فيها على الواقع الذي يعيشه بالتركيز على المكان ( محل الصبوة) بصورة كنائية أولى تعتمد التصريح من حيث التحية وإهداء السلام ، ومن ثم الانتقال بالتعبير الكنائي الرمزي ثانية للإيحاء بمنزلة الحبيبة ( ثرى ذلك الجناب / الحيا الغادي) في نفس الشاعر للظفر بلثمه على مستوى الواقع والطموح ، ويعود مرة ثالثة لصورة كنائية عن( شعب الحي) ليدلل بذلك على وجود الحبيبة التي يشبهها بالغزال مرة للدلالة على رشاقة جسمها ومن ثم التعبير عن دلالها بالغنج ، ويقدم الشاعر صورتين لحاله : الدمع والمبسم ، ومن ثم ينتقل لصورة كنائية رابعة عن تجربته الأدبية نثرا ونظما للتعبير عن تعلقه بالحبيبة إذ يطلق على ذلك الفعل ب( غنيت)، ومن ثم يكمل الشاعر صوره الكنائية بأوصاف حسية للحبيبة من حيث خصرها وجفونها للإيحاء بجمال جسمها ورقة نظرتها مقابل ما تعرض إليه الشاعر من الوجع الذي أدى إلى نحول جسمه للدلالة على معاناته بفراق الحبيبة وحنينه إلى محل الصبوة ، وبذلك قدم الشاعر الصور الكنائية التي يبثها للتعبير عن ذاته بتجربة شخصية خالصة .
- المبحث الثاني : الصورة الشعرية على وفق المعيار النقدي الحديث
- الصورة الثابتة / الصورة الحركية
- الصورة الثابتة هي الصورة التي تعتمد على عدم التغيير في حين تعمل الصورة الحركية على تطوير الحدث الشعري وتعميق الأفكار لأنها الأكثر اكتمالا وأهمية ( 42) إذ تعتمد الصورة الحركية في رسم ملامحها على الفعل ، ويتكي ء الشاعر عليها في تحريك مفردات الصورة ومنحها شعرية بوصفها الأداة الأولى الفعالة في تحريك الصورة الشعرية ( 43).
- من أمثلة الصورة الثابتة ما جاء في قصيدة (تدنو بك أفراحنا) إذ يقول الشاعر :
- في أي فصل زرت أوطانها قلت الربيع قد اخضرا( 44)
- يعتمد الشاعر في تقديم صورة ثابتة لفصل الربيع الذي يتسم بالخضرة فيما يتعلق بزيارة الأوطان بمفردات متعددة على مستويي الاسماء والأفعال : ( فصل / أوطان / الربيع ) ( زرت/ قلت / اخضرا) فضلا عن الضمير ( التاء) لذا عبر بصور ثابتة : صورة الزمن ( فصل) ومن ثم صورة المكان( الأوطان) ثم الزمن ( الربيع الطلق) مع صورة المكان بدلالة اللون ( أخضر) ، وبذلك قدم الشاعر صورة ثابتة للفضاء الشعري زمنا ومكانا ورؤية من حيث الغرض آلا وهو تعلق الشاعر بهذه الصور مما يوحي بتعلقه بهذا المكان الذي يرتبط بذكريات أيام الأنس
- من نماذج الصورة الثابتة قول الشاعر في قصيدة ( كأنه فلك السماء) :
- في مجلس ظهرت سرائر حسنه وجلت بصائرنا وجوه سروره( 45)
- يقدم الشاعر صورة ثابتة للمجلس الذي جمعه بالحبيبة بمفردات متعددة على مستويي الأفعال : ( مجلس/ سرائر/ حسن / بصائر/ وجوه/ سرور) ( ظهر/ جل) فضلا عن الضمائر ( الهاء/ التاء/ نا المتكلمين ) إذ يعبر الشاعر بصورة ثابتة من حيث المكان : ( مجلس) مما يوحي بزمن اللقاء مع التركيز على شخص الحبيبة ( حسنه/ سروره) ، لتكتمل بذلك صورة الفضاء الشعري زمنا ومكانا ورؤية بالتعبير عن تجلي البصر من حسن الحبيبة وسرور وجهها .
- من أمثلة الصورة الحركية قول الشاعر في قصيدة (لا أـملك الاصطبار):
- لو رعى من أحبة حين سارا مهجعا في يد الغرام أسارى
- أيها السائق الركائب يحملن الشموس الحسان والأقمارا
- قف قليلا فقد نفضت من المق لة نورا أو زدت في القلب نارا
- رحلوا فالنهار ليل وقد أع هد ليلي بالقرب منهم نهارا
- لا تسمني صبرا فقد حكم البي ن بأني لا أملك الاصطبارا (46)
- يعمد الشاعر إلى عرض صورة تقوم على الحركة عن طريق متابعة الحدث الشعري بالأفعال الماضية والمضارعة والأمر التي تعمل على أداء الصورة الحركية (سارا/ يحملن/ قف/ نفض/ زد/ رحلوا/ حكم/ لا أملك) إذ يتبدي بمتابعة سير الأحبة الذين غرم بهم ، ويشير إلى فعل السائق من حيث الحمل بالأحبة التي يصفها بالشموس الحسان والأقمار لما لهن من مكانة خاصة في نفسه لذا يأمر الشاعر السائق بإيقاف حركته لأن بسيره عمل على تعطيل النور من عينه وزيادة نيران القلب بسبب رحيل الأحبة وعدم رؤيتهم ، ويستمر الشاعر في إكمال الصورة الحركية بذكر رحيل الأحبة وأثر ذلك الفعل على نفسه فقد تحول نهاره إلى ليل بسبب فقدانهم ، ويعبر صورة النهار في حالة القرب منهم مما دعاه إلى عدم الاصطبار على هذه الحال بعد فراق الأحبة ، وبذلك قدم الشاعر صورة حركية تعبر عن تجربته الذاتية في عرض رحيل الأحبة واثر ذلك في نفسه وروحه وقلبه باستخدام الأفعال للتعبير عن جماعة الغائبين والمتكلم الذي قام بدوره للعمل على تصوير الحدث الشعري لإكمال عرض الصورة الحركية .
- من نماذج الصورة الحركية ما جاء في قصيدة (فقدت نومي) إذ يقول الشاعر:
- وليلة زارني فيها الحبيب فلي شمل به ويجمع القوم ملتئم
- طورا أعانقه طورا وأونة أشكو إليه فابكي وهو يبتسم
- حتى إذا غاب عني بدر طلعته وقد دجت من ليالي شعره الظلم
- فقدت نومي لكن من محاسنه علمت من بلذيذ النوم أتهم
- إن يسرق النوم من عيني فلا عجب اللام والصاد منه عارض وفم (47)
- يقدم الشاعر صورة حركية يركز فيها على تجربة ذاتية عاشها بنفسه عن طريق مجموعة من الأفعال الماضية والمضارعة : ( زارني/ يجمع/ أعانق/ أشكو/ يبتسم/ غاب/ دجت/ فقدت/ علمت/ أتهم / يسرق ) من زيارة الحبيب بالتصريح بأثر ذلك في ذاته من حيث الشمل والجمع ، ويستعرض الحدث الشعري للعناق والشكوى مع صورتين حركيتين متضادتين البكاء والابتسام للإيحاء بحال المحب الذي وصل إلى البكاء بعد الشكوى مع تبسم الحبيبة للعمل على دعمه بتلك الابتسامة اللطيفة التي تبعث في وجدانه السعادة بعد العناق ، وبعد أن يقدم الشاعر حدث ( لقاء الحبيبة ) يعمد إلى صورة ( غياب الحبيبة ) التي تمثل له البدر في طلعته البهية للتعبير عن الجمال والبهاء لتتحول الحالة من النور إلى الظلام في الليالي مما يوحي بمكانة الحبيبة في وجدان الشاعر وروحه ليصل في خاتمة المطاف إلى فقدان النوم للتعبير عن السهر والشوق ، وبذلك استطاع أن يقدم الصورة الحركية التي يبث فيها لواعجه الذاتية تجاه الحبيبة في حضورها وغيابها .
- 2-الصورة الجزئية / الصورة الكلية
- تقوم الصورة الجزئية على جزء في التصوير ( 48) في حين تعتمد الصورة الكلية على القدرات الإبداعية المتنوعة للشاعر ومستوى متقدم من وعيه الفني لذا تكون من اعقد نماذج الصور الشعرية من حيث الوحدة العضوية للقصيدة ولاسيما وحدة الصور وتماسكها بمجموعة متآزرة من الصور المتعددة ( 49).
- من أمثلة الصورة الجزئية قول الشاعر في قصيدة (أقضي نهاري أسفا):
- إني لأقضي نهاري بعدكم أسفا وطول ليلي في حزن وتعذيب( 50)
- يعمد الشاعر إلى تقديم صورة جزئية بدت بالجملتين : الأولى : (إني لأقضي نهاري بعدكم أسفا) ، والثانية : ( طول ليلي في حزن وتعذيب) ، وتبرز الصورة بحديث الشاعر عن ذاته بتجربته الشخصية بنزعة خطابية مباشرة يتوجه بها إلى المخاطب باستفهام إنكاري ثم تقريري لذا يستنكر قضاء النهار وحيدا لأنه في الليل سينتابه الحزن والتعذيب ، وبذلك قدم الشاعر صورة جزئية لحياته اليومية بالتضاد اللوني ( النهار/ الليل) للتعبير عما يعانيه من التأسف على الوحدة التي تعمل على إطالة الليل وفق الزمن النفسي الذي يمر به ليقوده ذلك إلى الحزن والعذاب بعيدا عن الحبيبة فيشتاق للوصل واللقاء .
-
- من نماذج الصورة الجزئية قول الشاعر في قصيدة (يلذ للعاشق السهر) :
- بدا لنا من جبينه قمر تضل في ليل شعره الفكر
- أحور يجلو الدجى تبسمه أسمر يحلو بذكره السمر( 51)
- يقدم الشاعر صورة جزئية للحبيبة بجمل توحي بمدى مكانتها عند الشاعر على المستوى المادي للمرأة لجمال الجبين والشعر في جملتين :الأولى : (بدا لنا من جبينه قمر) ،والثانية : ( تظل في ليل شعره الفكر) للوصول من المعنى الحسي إلى الفكري ، ومن ثم يعمد الشاعر إلى جملتين اخرتين بالتعبير المادي أحور / أسمر : الثالثة ( أحور يجلو الدجى تبسمه) ، والرابعة : ( أسمر يحلو بذكره السمر) للوصول إلى المعنوي ( السمر) لذا يوظف التضاد الاسمي اللوني بين القمر الذي يوحي بالبياض مع الليل ، والتضاد بأحور الذي يوحي بالبياض مع الأسمر ليضفي على الصورة الجزئية ملامح جمالية للحبيبة القمر والحور لها أثرها الفاعل في إضاءة الليل وانزياح الدجى بالتبسم .
- من أمثلة الصورة الكلية قول الشاعر في قصيدة ( أ دمشق) :
- أ دمشق لا زالت تجودك ديمة ينمى بها زهر الرياض ويونق
- أهوى لك السقيا وان ضن الحيا أغناك عنه ماؤك المتدفق
- ويسر قلبي لو تصح لي المنى أني أنال بك المقام وارزق
- وإذا امرؤ كانت ربوعك حظه من سائر الأمصار فهو موفق
- أنى التفت فجدول متسلسل أو جنة مرضية أو جوسق
- يبدو لطرفك حيث مال حديقة غناء نور النور منها يشرق
- يشدو الحمام بدوحها فكأنما في كل عود منه عود مورق
- وإذا رأيت الغصن ترقصه الصبا طربا رأيت الماء وهو يصفق( 52)
- يعمد الشاعر إلى عرض الصورة الكلية لمدينة دمشق بصور جزئية متعددة من حيث مباهجها ومفاتنها وخيراتها الوفيرة مما يشير إلى حب الوطن وتذكر الديار والحنين إلى مرابع الالتقاء مع الأحبة ، ويركز على دالات كثيرة من هذه المدينة من مثل ربوعها الجميلة ورياضها البديعة وأزهارها متنوعة الألوان والأشكال فضلا عن مائها المتدفق والجدول المتسلسل والجنة المرضية والجوسق ( القصر الصغير) والحديقة الغناء بحمائمها وأغصانها ،ويضفي الشاعر على كل دالة من الدوال المكانية والشيئية ملامح الجمال من مثل الهوى بها والميل لها ، و عرض حديقتها بنور النور لتمييزها عن الأمصار الأخرى لما لها من قيمة في نفس الشاعر ووجدانه ، فهو يراها جنة وارفة الظلال ينساب فيها الجدول، وتعبق في ربوعها فوائح الأزهار ، وتشدو الأطيار على أفنان أشجارها فضلا عن هذه الصور الجزئية يكمل الشاعر وصف المدينة من حيث منظر الغصن الراقص بدغدغة ريح الصبا وتصفيق الماء المنساب بخريره الساحر ، وبذلك تبدو الصورة الكلية لمدينة دمشق من واقع الحياة الذي يعتمد على ترتيب الصورة الجزئية ،ويضفي عليها الشاعر إحساساته ومشاعره الخاصة باعتماد ملكة الخيال في تشكيل الصورة الكلية.
- من نماذج الصورة الكلية ما جاء في قصيدة ( ثم لاعدمتك) إذ يقول الشاعر :
- وعلى الغدير شباك تبر حاكها شمس الضحى وسنا دروع تصقل
- روض ومعشوق وحسن حمائم وصفاء ساقية وراح سلسل
- وظلال غادية فسيف بروقها وماض وطيب هوائها مستقبل
- والشمس تجنح للغروب فثوبها ال ذهبي مصفر البقاع مجلل
- ما للمسرة عن حمانا مخرج كلا ولا لأسى علينا مدخل
- ومحاسن الحدباء مشرقة على كل البلاد لها الفخار الأفضل
- يا حبذا الشرف المطل وديرها ال عالي وطيب فضائه والهيكل( 53)
- يقدم الشاعر الصورة الكلية لمدينة الحدباء بمجموعة من الصور الجزئية ، ويمعن في ذلك التقديم، ويتغنى بها ويثني عليها ، ويضفي على الصورة شعوره ووجدانه بدالات جزئية متعددة تعبر عن الأشياء من حيث الغدير وعرض جمال شمس الضحى عليها بمنظر بهي، والروض والحمائم والساقية والظلال وطيب هوائها ، ويكمل الصورة الكلية بمنظر غروب الشمس الذي يجعل من الحدباء بلون ذهبي مصفر كالذهب مما يزيدها جمالا وإشراقا ، ولا ينفك الشاعر بالتركيز على استيفاء الصورة الكلية للحدباء بذكر محاسنها بوصفها أفضل البلاد كلها، ومن ثم يشير إلى ديرها لما عرف به من البهاء والجمال بارتفاعه وإطلاله على المدينة كلها فضلا عن طيب فضائه ، ويبدو في الصورة الكلية التصوير الدقيق للواقع مما يعبر عن حب الشاعر لمدينته التي تعد الوطن ووفائه لها ، مما يشير بالثناء عليها والإشادة بها من حيث عرض الجزئيات للوصول إلى الكل بما يعبر عن الحس الوطني والوعي الاجتماعي والانتماء للهوية .
- 3-الصورة البسيطة / الصورة المركبة
- الصورة البسيطة هي التي تقوم على التصوير البسيط المحدد الذي يدخل في بناء الصورة المركبة التي هي أشمل وأكثر تعقيدا ( 54) فهي ذات وحدات متنوعة بكيان خاص تشكل وحدة متكاملة نفسية ومنطقية وعضوية ( 55).
- من أمثلة الصورة البسيطة قول الشاعر في قصيدة (تتقي الأسد لحظه):
- وفي ذلك الحي الذي سكن الحمى غزال ربيب تتقي لحظة الأسد ( 56)
- إذا كان الشاعر قدم الصورة الكلية لمدينتي دمشق والحدباء من حيث الجزئيات والأشياء ، فهو يسعى إلى صور بسيطة بجمل قصيرة بعيدا عن الجمل الطويلة التي تستقصي الجزئيات من ذلك الصورة البسيطة عن ( الحي الذي سكن الحمى) للتلميح بديار الحبيبة ، ومن ثم يكملها بجملة اسمية ( غزال ربيب) للإيحاء بنوع خاص من الغزلان التي يربيها الناس في البيوت لذا تكون وديعة جدا فضلا عن وداعتها وهي خارج حدود الحي .
- من نماذج الصورة البسيطة ما جاء في قصيدة (نار هجرانه) إذ يقول الشاعر
- ليت من في وصله جنة أعاذني من نار هجرانه ( 57)
- يعمد الشاعر في تقديم صورته البسيطة إلى جملتين قصيرتين :الأولى ( في وصله جنة) للتلميح بالحبيبة التي يجد في التواصل معها الجنة بشعور يغمر نفسه وروحه ، ويشير إلى الشوق والهوى، والثانية : ( أعاذني من نار هجرانه) للإيحاء بالصورة بأن وصل الحبيبة خلاص من نار الهجر لذا يبدو في الصورة البسيطة التقابل بين ( وصل / هجر) و( جنة/ نار) لأن الوصل جنة والهجر نار ،لذا يكون الشاعر أمام الواقع والطموح الذي يبتغيه من الحب .
- من أمثلة الصورة المركبة ما قاله الشاعر في قصيدة ( أ دمشق) :
- لبست جنان النيربين محاسنا وقفت عليها كل طرف يرمق
- فحمامها غرد ونبت رياضها خضل وركب نسيمها مترفق
- وسرت لدرايا المعطر تربها ربا ذكي المسك منها يعبق
- وترى من الغزلان في ميدانها فرقا اسود الغيل منها تغرق
- من كل وسنان الجفون محبة سهران من وجد عليه مؤرق
- حيث الهوى من جانبيه مخيم وخيول الفرسان الشبيبة تعلق( 58)
- يقدم الشاعر صورة مركبة متكاملة لمدينة دمشق ينتقل فيها من صورة لأخرى : صورة ( جنان النيربين ) والطير ( الحمائم المغردة)، ومن ثم يعود إلى صورة المكان( الرياض)، والنبات( الخضل : النبات الناعم) ومن ثم صورة ( النسيم) فضلا عن المكان ( داريا ) منه إلى صورة الريح ( ريا) ،والحيوانات ( الغزلان) فصورة المكان :( الغيل : موضع الأسد) ، ومن ثم الأشخاص (وسنان الجفون ) فالمكان (جانبيه) للوصول إلى صورة الأشخاص( فرسان الشبيبة) ، وتوحي هذه الصورة المركبة بمدى ارتباط الشاعر بمدينة دمشق وقيمتها في وجدانه ومشاعره إذ يعمد إلى صور متعددة ينتقل فيها من صورة لأخرى المكان وما عليه من الحيوانات والنبات وما تجري عليه من الظواهر الكونية كالنسيم والريح فضلا عن التلازم بين الأشخاص والمكان للتعبير عن ارتباطهم الوثيق به لبيان الصورة المركبة بشكل متكامل.
- من نماذج الصورة المركبة قول الشاعر في قصيدة ( أطلقت بالهجر عبرتي)
- بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنى سهادا يذود الجفن يألف الجفنا
- وأبرزت وجها يخجل البدر طالعا ومست بعد علم الهيف والغصنا
- وأبصر جسمي حسن خصرك ناحلا فحاكاه لكن زاد في دقة المعنى
- حكيت أخاك البدر في حال تمه سنا وسناء إذا تشابهتما سنا(59)
- يحتوي النص الشعري على صورة مركبة يعتمد فيها على مجموعة من الصور إذ يبدأ بصورة (مقلة) الحبيبة التي تسحره لينتقل إلى( الجفن) منه إلى الوجه الذي يلازمه الشاعر بصورة المكان ( القمر) الذي يعرف ببهائه وجماله ولكنه تردد بالطلوع من الوجه الجميل للحبيبة ، ومن ثم صورة ( الغصن) من حيث أثر فعل الحبيبة بملامسته ، ومن ثم صورة ( الجسم) باختيار جزء منه ( الخصر) بدالة النحول ، واثر المكان في صورة الشخص من حيث ( القمر وسناه) ، وبذلك قدم الشاعر صورة مركبة متكاملة بالانتقال من صورة لأخرى فيما يتعلق بالحبيبة وأجزاء جسمها وتفاصيله.
- الخاتمة:
- بعد الانتهاء من الدراسة التحليلية للصورة في شعر ابن زيلاق الموصلي على وفق المعيارين البلاغي القديم والنقدي الحديث وصل البحث إلى النتائج الآتية :
- * عمد الشاعر إلى توظيف الصور التشبيهية فيما يتعلق بعرض مظاهر الطبيعة والخمرة وآثارها في النفس ومن ثم بعلاقته الخاصة مع الحبيبة مما يبعث في نفسه الراحة والسرور فضلا عن تصوير صفات الساقي وفعله مما يعبر عن حياته الشخصية من حضور مجالس اللهو والشرب ، وشخص الشاعر بصور استعارية مكنية ليضفي دالات متعددة بصور متخيلة يعمل على عرضها تباعا لتصوير المشهد الذي يستمده من الطبيعة بموجوداتها ويقرنها بالخمر والشراب فضلا عن تصوير صفات جمال المرأة بالتعبير الاستعاري للتعبير عن حبه وشغفه بهذه المرأة ، وقدم الشاعر صور كنائية بالتصريح تارة وبالإيحاء والرمز تارة أخرى للتعبير عن نفسه وشعوره الداخلي وحالته النفسية وشوقه للحبيبة بتجربة شخصية خالصة .
- * عرض الشاعر صور ثابتة للفضاء الشعري زمنا ومكانا ورؤية من حي تعلقه بالمكان الذي يرتبط بذكريات أيام الأنس مع التركيز على شخص الحبيبة لتكتمل بذلك صورة الفضاء الشعري زمنا ومكانا ورؤية، وقدم صورة حركية تعبر عن تجربته الذاتية في عرض رحيل الأحبة واثر ذلك على نفسه وروحه وقلبه باستخدام الأفعال للتعبير عن جماعة الغائبين والمتكلم الذي قام بدوره للعمل على تصوير الحدث الشعري لإكمال عرض الصورة الحركية وبث لواعجه الذاتية تجاه الحبيبة في حضورها وغيابها
- *بدت الصور الجزئية للشاعر من حياته اليومية بالتضاد اللوني ( النهار/ الليل) للتعبير عما يعانيه من التأسف على الوحدة التي تعمل على إطالة الليل وفق الزمن النفسي الذي يمر به ليقوده ذلك إلى الحزن والعذاب بعيدا عن الحبيبة فيشتاق للوصل فضلا عن إضفاء ملامح جمالية للحبيبة في حين عمد في الصور الكلية إلى عرض مدينتي دمشق والموصل من واقع الحياة الذي يعتمد على ترتيب الصورة الجزئية ،ويضفي عليها الشاعر إحساساته ومشاعره الخاصة باعتماد ملكة الخيال للتعبير عن حبه وحسه الوطني والوعي الاجتماعي والانتماء للهوية.
- * إذا كان الشاعر قدم الصورة الكلية ولاسيما مدينة دمشق والحدباء من حيث الجزئيات والأشياء ، فهو يسعى إلى صور بسيطة بجمل قصيرة بعيدا عن الجمل الطويلة التي تستقصي الجزئيات من ذلك الصورة البسيطة للتلميح بديار الحبيبة أمام الواقع والطموح الذي يبتغيه من الحب في حين توحي الصور المركبة بمدى ارتباط الشاعر بمدينة دمشق وقيمتها في وجدانه ومشاعره فضلا عن الانتقال من صورة لأخرى فيما يتعلق بالحبيبة وأجزاء جسمها وتفاصيله.
Asʿad Rizq. Time in Literature, Hans Meyerhoff, translated, Arab Record Press, Cairo, 1972; pp: 30.
Al-Ruba'i, Al-Kitab The Artistic Image in Poetic Criticism, Dr. Abdul Qadir Library, 1st ed., Irbid – Jordan. 1995;pp:118.
Lewis C, translated by Ahmad N Al-Janabi and Malik M The Poetic Image, Al-Hurriya Press. Baghdad.1982;pp: 21.
Al-Andalus M N. The Literary Image. Publishing, 3rd ed., Beirut, 1983, p. 3.
Rose G. Introduction to Modern Criticism, Al-Makshouf Publishing, Beirut, 1971;pp:191.
Al-Batal A Al-Andalus. The Image in Arabic Poetry, Publishing. 2nd ed., Beirut, 1981; pp:35.
Jandari I The Literary Image, , University Journal, Mosul, Issue 4, 1977, p. 50.
Al-Sayegh A. The Artistic Image as a Critical Standard, , General Cultural Affairs House, 2nd ed., Baghdad, 1986; pp:370.
Alloush S. Dictionary of Contemporary Literary Terms,University Library Press, Casablanca. 1985;pp:76.
Abu Al-Rida S.On Structure and Meaning: A Vision of the System of Relations in Arabic Rhetoric. Al-Ma'arif Establishment, Alexandria, 1987;pp: 183.
The Artistic Image as a Critical Standard, p. 370.
Abdul Jalil M B. Metaphor and Its Impact on Linguistic Study, Egyptian Universities Press, Alexandria, 1975; pp: 52.
Hamdi Abu Ali M B. In Literature and Eloquence, Dar Al-Fikr Publishing and Distribution, Middle East Printing Company, Amman, 1984;pp:76.
Faleh J R. The Figurative Image in Al-Mutanabbi’s Poetry. PhD Diseertation, College of Arts – University of Baghdad. 1985;pp:460.
Al-Alawi Y I. Al-Tiraz, Containing the Secrets of Rhetoric and the Sciences of Concise Truth, Dar Al-Kutub Al-Ilmiyya, Beirut, 1982; Vol. 1,pp: 326.
Atiq A. The Science of Eloquence. Dar Al-Nahda Al-Arabiya, 1st ed., Cairo, 1974;pp:40.
Al-Jundi A. The Art of Simile Modern Technical Printing Press, 2nd ed., Cairo, 1967;Vol. 2,pp:42.
Al-Sakkaki M. Miftah Al-Ulum (The Key to Sciences), Al-Babi Al-Halabi Press, 1st ed., Cairo, 1937;pp:332.
Khafaji M A. Al-Idah fi ‘Ulum Al-Balagha (The Clarification in the Sciences of Rhetoric), Al-Khatib Al-Qazwini, ed. 2nd ed., Beirut, 1980;pp:213.
Ahmad M A & Al-Na’imi A H D. The Diwan of the Martyr Ibn Zaylāq al-Mawsilī (d. 660 AH): A Study, Compilation, and Verification. Al-Rashad Press, Baghdad, 1990; pp: 97.
Al-Jurjani A Q.Asrar al-Balagha (Secrets of Rhetoric), ed. Ritter, Ministry of Education Press, Istanbul, 1954; pp: 368.
Al-Jurjani A Q. Dalail al-I'jaz (Proofs of Miraculousness), commentary by Muhammad Abdul-Munim Khafaji, Cairo Library, Al-Faggala Press, 1st ed., Cairo. 1969;pp:53.
Richards I A. Principles of Literary Criticism.translated by Mustafa Badawi, Egyptian General Organization for Authorship, Translation, Printing and Publishing, Egypt Press, Cairo.1963;pp:310.
Abdullah .The Artistic Image in the Visionary Poem. Dar Dijlah, 1st ed., Damascus, 1996;pp: 45.
Asfou S A. The Image in Poetic Formation: A Structural Critique. General Cultural Affairs House, 1st ed. Baghdad, 1990; pp: 21.
Jabir. The Artistic Image in the Critical and Rhetorical Heritage of the Arabs., Dar Al-Tanweer, 2nd ed., Beirut, 1983;pp:302.
Muftah M. Analysis of Poetic Discourse: The Strategy of Intertextuality, Dar Al-Tanweer for Printing and Publishing, 1st ed., Beirut, 1985;pp:84.
Diwan of the Martyr Ibn Zaylāq al-Mawsilī, pp:96.
Khalil I .Stylistics and Text Theory: Studies and Research, Arab Foundation for Studies and Publishing, 1st ed., Beirut, 1997;pp:117–118.
Diwan of the Martyr Ibn Zaylāq al-Mawsilī, p. 91.
Atimish M. Deir Al-Malak: A Critical Study of Artistic Phenomena in Contemporary Iraqi Poetry, Al-Hurriya Press, Baghdad, 1982; pp:286.
Ubaid M S.The Organic Nature of the Poetic Tool. Majdalawi House, 1st ed., Amman, 2007; pp:114.
Abu Asba S. The Poetic Movement in Occupied Palestine: A Critical Study. Arab Foundation for Studies and Publishing, 1st ed., Beirut. 1979;pp:42.
Ubaid M S.Mirrors of Poetic Imagination. Al-Yamamah Foundation, 1st ed., Saudi Arabia, 2006. Pp: 202.