| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
الإيذاء الجسدي في رواية ما بعد الحداثة (ثلاثية بيروت مدينة العالم) لربيع جابر
|
|
|
|
سحرريسان حسين
|
|
|
|
كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة الموصل، الموصل، العراق
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 11 March 2025
Revised: 20 April 2025
Accepted: 5 May 2025
|
|
حازت موضوعة الجسد الإنساني باهتمام الدراسات الثقافية والنقدية وشكلت بؤرة فعالة لأنساق ما بعد الحداثة في الفن والأدب، وتوالت الأفكار والأبحاث التي خاضت غمار البحث في نسق الإيذاء الجسدي والقت الضوء على الإمكانيات المراوغة لرواية ما بعد الحداثة في التعاطي مع تنويعات الإيذاء الجسدي وتثوير كل قابلياته النفسية وتداعياته الفكرية على الحياة والوجود الإنساني ، ويسعى هذا البحث لكشف التمظهرات والتمثلات التي نهضت بها (ثلاثية بيروت مدينة العالم) للروائي اللبناني ربيع جابر في موضوعة الإيذاء الجسدي وتشكلاته الجسدية والنفسية . وقد القى البحث الضوء ووفقا لمعطيات النص الروائي على أربعة محاور كونت أسس ومحركات الإيذاء الجسدي وتمثلت ب : أولا : عبد الجواد أحمد البارودي ومعادلة الرجل ذو الذراع الواحدة . ثانياً : الإيذاء الجسدي في الحروب والمذابح والكوارث ، ثالثاً : الاستلاب الجسدي / عبيد وجوار ومومسات ، رابعاً : اضطراب ما بعد الصدمة .
كلمات المفتاحية: الاعتداء الجسدي، الرواية ما بعد الحداثية، رابح جابر، جامعة الموصل
|
|
Keywords:
Physical abuse
The postmodern novel
Rabih Jaber
|
|
Corresponding Author
[email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i4.a5 ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
Physical abuse in the postmodern novel (The Beirut City of the World Trilogy)
S R Hussian
College of Education for Humanities, University of Mosul, Mosul, Iraq
Abstract
The theme of the human body has gained a prominent position in cultural and critical studies becoming an active focal point in postmodern art Literature and thought. numerous ideas and studies have addressed this subject highlighting the physical abuse of the body and shedding light on its possibilities within postmodern narrative discourse and its interaction with the consequences of bodily harm.as well as its impact on human life and existence.
المقدمة
يتمثل الوجود الإنساني بالوجود الجسدي، وبينهما علاقة وثيقة ومترابطة ذلك أنَّ "وجود الإنسان وجود جسدي ... والصور التي تتكلم عن عمقه المُخبأ، والقيم التي تميزه، تُحدثنا أيضًا عن الشخص، وعن المتغيرات التي يمر بها تعريفه وأنماط وجوده، من بنية اجتماعية لأخرى"([1]). وتختلف طرائق التعامل مع الجسد والقيم والعادات والتعاليم الناظمة لهذه العملية من مجتمع لأخر ومن ثقافة لأخرى، ذلك أنَّ محط الاهتمام بالجسد يتباين من زمانٍ لآخر ومنطقة جغرافية لأخرى([2]). وتتعدد تنويعات الجسد بين التحذير منه بوصفه فخًا يسهل الوقوع في حبائله، وهذا ما نلمسه في التعاطي الديني مع الجسد والذي يُحذر من الانصياع وراء الرغبات الجسدية سواء كانت رغبات مفرطة في الطعام أو الشراب أو الجنس، رابطًا بينها وبين النزعات الحيوانية في مسلكها، وهناك من رأى فيه معبرًا لاكتشاف العالم وكونه هوى ومتعة ورغبة في حد ذاته([3]).
كان بعض الفلاسفة ينطلقون في دراستهم للإنسان من الافتراض بأنه متكون من الروح والبدن، وإن الفكر أو الروح تتعالى على الجسد، بالقدر الذي يسمح لها بالتأمل فيه وفي علاقاته ووظائفه، وهو ما يعني تفضيل أو على الأقل اسناد الأسبقية للروح على الجسد، قبل أن يبتدئ عصر التطورات العلمية والتجريبية والمادية الجدلية والتي تنطلق من الجسد بوصفه مُعطًى حسيًا وموضوعًا للبحث والتحليل العلميين([4]).
إنَّ هذا الاهتمام المعاصر بالجسد لم يكن دومًا محط تقدير من المفكرين، إذ رأى بعضهم إن الانشغال المُحدث بالجسد عبارة عن فراغ ومظهر أجوف، يجعل من موضوعه تافهًا، ويتجاهل هؤلاء بطبيعة الحال كون الجسد يمثل نقطة التقاء الفرد بالآخر والعالم([5]).
وبعد وصولنا لحقبة ما بعد الحداثة شهد مفهوم الجسد نوعًا من الاهتمام المتزايد وتم تسليط الضوء عليه بصورة مكثفة، إذ أولت ما بعد الحداثة اهتمامًا بارزًا فيه، بِعدّها أنَّ التكامل الفردي يتم عبر انصهار الجسد بالهوية، فأصبح الجسد أحد أكثر الأشياء التي تشغل جو ما بعد الحداثة، واضحت الأعضاء المبتورة والأجساد المُعذبة والأجسام الموصومة أو المُقيدة أو التي هي عُرضة للتأديب أو محملة بالرغبة ظواهر بارزة للزمن ما بعد الحداثي([6]). وهذا يعني أن ما بعد الحداثة تولي الاهتمام لكل ما يتعرض له الجسد من ايذاءٍ واستغلال، سواء كان ايذاءً عنيفًا مباشرًا أو استلابًا للجسد يتمثل في الاستعباد المباشر وامتلاك الرقيق أو حتى عبر الاستغلال الجنسي لبعض الفئات الهشة في المجتمع. وفضلًا عن ذلك قد حُمِل الجسد عبء العِرق، ولم يعد جسما مُعبرا عن الذات فحسب، وإنما أصبح أحد أبرز علامات "العِرق" ما أدى لتحوله لموضع صراعاتٍ مستمرة للسيطرة على المجتمعات واحتواءها([7])، فمدلول الجسد أصبح واسعًا بحيث بات يضم بين جنبيه حمولاتٍ تخص الثقافة والدين والعِرق ولا تقتصر على التعبير عن الذات. أما على صعيد الرواية فقد تنوعت آليات التعامل مع الجسد بين توظيفه بوصفه حلية يتم تزيين العمل بها من منظور المتعة والإثارة والتشويق لغرض جذب المتلقي ليظل مستمرًا في القراءة، أو لتوظيفه بوصفه بُعدًا أيديولوجيًا عبر تبني قضايا معينة كمعاناة المرأة وحياة المُهمشين، أو النظر إليه بوصفه موضوعًا قائمًا بذاته وممثلًا لأزمة بشرية وجودية تتعلق بمحاولة فهم الحياة من خلاله([8]).
هذا التنوع والتباين والاختلاف في التعامل مع الجسد أدى لفتح المجال واسعًا للروائيين لدراسة المسألة من زوايا مختلفة ، ومعالجته بوسائل وتقنيات روائية عديدة، وفيما يخص ثلاثية "بيروت مدينة العالم" التي غطت فترة ممتدة وحرجة من التاريخ اللبناني بشكل عام والبيروتي بشكل خاص شهدت صـراعاتٍ دمـوية ومـذابح وفظائـع تخللتـها بطبيـعة الحـال صورٌ عديـدة للإيـذاء الجسـدي للأخصام قتلًا وتنكيلًا وتشريدًا، ولشيوع هذه الثيمة -الإيذاء الجسدي"- في مختلف فصول الرواية وعلى امتداد اجزاءها الثلاثة ، فقد كانت لنا هذه الوقفة لدراستها ومن محاور أربعة: - كان المحور الأول مخصصًا لدراسة السمة التي التصقت بالشخصية الرئيسة في الرواية "عبد الجواد أحمد البارودي" بوصفه "الرجل ذو الذراع الواحدة"، بينما اختص المحور الثاني بدراسة طبيعة الإيذاء الجسدي الذي رافق الحروب والصراعات والمذابح التي تطرقت لها الرواية ، أما المحور الثالث فكان مخصصاً لشكل آخر من أشكال الإيذاء الجسدي وهو الاستلاب الجسدي عبر الوقوف عند ظواهر العبيد والجواري والمومسات في الرواية ، أما المحور الأخير فقد تطرق للأذى النفسي الذي لحق ببعض الشخصيات التي شهدت صدماتٍ نفسية إثر المذابح والصراعات والكوارث التي ألمت ببيروت ومحيطها الإقليمي في الفترة الزمنية التي غطتها الرواية.
أولًا: الرجل ذو الذراع الواحدة:
تبدأ أحداث الرواية بغرس عبد الجواد البارودي سكينًا حادة في جسد شقيقه في سوق الخضر بدمشق، وبهذا الحدث الاستثنائي والذي مثل صورة جلية "للإيذاء الجسدي" تُدشن الرواية حكاية الرجل "ذو الذراع الواحدة" والذي يبدو هو الأخر أنه يحمل أثر إيذاءٍ جسدي بارز، ولكن هذا البتر للذراع له سياق مُختلف ولا علاقة له بطعن الشقيق. ومثلما تتحفظ الرواية على ذكر ملابسات وأسباب طعن البارودي لشقيقه ، توارب في ذكر علة قطع ذراعه وملابسات الحدث ، لكنها تسهب في شرح الأحداث اللاحقة للقطع من غسل للذراع وتكفينها ومن ثم دفنها بدمشق "كانوا يغسلون الذراع المقطوعة بالصابون والماء، ورأى دموعًا على وجوه أخواته. أمه فردت الكفن الأبيض على الفراش"([9]).
مهما كان السبب فأن الذراع قد قُطعت ودفنت بدمشق وبقيت للبارودي يد واحدة هي التي طعنت شقيقه وهي التي تحملت في ما بعد عبء بناء حارة البارودي وحدها بيتا تلو بيت، وهنا تبرز صورة أولى للتناقض الذي يحمله جسد البارودي والذي رغم تعرضه لبتر عضو مهم من اعضاءه، نراه يقوم بأعمال استثنائية وبجهد مضاعف يكاد يُحول الإيذاء الظاهر إلى ميزة جسدية. يحمل الدفن في الرواية دلالات خاصة ، فهو يُعد علامة على الاستقرار في المدينة والانتساب إليها، فحينما تقضي هيلانة جروة زوجة عبد الجواد البارودي نحبها ويدفنها ببيروت يخاطبه الحاج الفاخوري قائلًا: "الآن يا ابني صرت بيروتيًا. الواحد لا يصير ابن البلد إلّا حين يدفن موتاه في تربة البلد"([10]). هنا أصبح عبد الجواد البارودي بيروتيًا لأنه دفن زوجته فيها ولكنه في ذات الوقت لديه ذراع مقطوعة ومدفونة بدمشق، وهنا تتجلى الصورة الثانية لتناقض شخصية البارودي وتقاطعها بين مدينتين مختلفتين، وفي المجمل إنَّ عبد الجواد البارودي استطاع كسر الصورة النمطية التي يمكن أن يُوحي بها جسده، ذلك أن صورة "الأنا" من وجهة نظر الآخر تتشكل وفق صيغة المظهر الجسدي، إذ أنَّ الممارسة المظهرية تقع تحت تقييم شهود العيان، وتتحول إلى رهان اجتماعي مقصود لنشر المعلومات حول الذات، وإنَّ بعض علماء الاجتماع قد جعلوا المظهر الجسدي بمثابة رأس مال عند الفاعلين الاجتماعيين([11]).
استطاع البارودي المقطوع الذراع والمقطوع النسب والوافد إلى بيروت بملابس رثة ومضرجة بدماء الشقيق والخائف من عقاب السلطات له، استطاع تجاوز كل هذه المُعطيات التي كانت تحد من آمال وجود مستقبل مشرق له في بيروت، إذ أنَّ المظهر الجسدي بما يحمله من عيوب كان يمكن أنَّ يكون عائقًا أمام أي تقدم يطمح له البارودي، فكان الإنجاز الذي حققه ببيروت يرمز لإمكانية الشخصية العصامية بالتغلب على اذاها الجسدي الظاهر. وكمحاولة من الراوي لتكريس استثنائية البارودي في تغلبه على علة قطع الذراع، يضع أمامنا نموذجًا مغايرًا لقطع الذراع لم يستطع صاحبه تجاوز هذا الحدث، فحينما يحتدم الصراع في معركة بحر صاف التي شارك فيها شاهين البارودي مع ابن خاله محمد الفاخوري اللذين دخلاها كجنديين في الجيش العثماني المتأهب لطرد قوات إبراهيم باشا من لبنان بمعية الإنجليز، لم تكن هذه المعركة فاصلة في حسم الصراع فحسب بل كانت نقطة تحول في حياة محمد الفاخوري أيضًا، إذ ستقطع ذراعه فيها، وعلى العكس من عملية قطع ذراع البارودي الغائبة عن السرد الروائي نشهد حضورًا مسهبًا لتفاصيل قطع يد محمد الفاخوري. وعلى عكس ما حدث للبارودي فإن قطع ذراع محمد الفاخوري سيؤدي لانزوائه في بيروت وانكفاءه على ذاته وشعوره بأن الحياة قد انتهت بالنسبة إليه، وليتلاشى ذكره في الرواية خلا إشارات خافتة بين فصل وآخر تُذكر بوجوده وتعيد إلى الأذهان قصته، فنموذج البارودي كان استثنائيًا ومختلفًا في تغلبه على الأذى الجسدي نموذجٌ عجز محمد الفاخوري عن مجاراته.
وقصارى القول إن بروز ثيمة الأذى الجسدي "بتر الذراع" عند عبد الجواد البارودي قد سعت لإبراز ثلاثة ملامح تجلت في شخصيته، الأولى اظهار تفوق شخصيته العصامية المكافحة على ما ألم بها من أذى ظاهر، وتمثلت الثانية في ابراز التناقض الأصيل والكامن في شخصيته بين كونه لاجئًا مبتور الذراع وتمكنه من بناء حارة كاملة في مدينته الجديدة، فضلا عن توزع هواه الشخصي بين الشوق للأسرة التي هجرها بدمشق وتمسكه بالعائلة الكبيرة التي أسسها ببيروت، وثالث ملمح أداه هذا الأذى الجسدي في شخصيته هو بيان استثنائيته كنموذج للفرد المتغلب على الأذى الجسدي مقابل شخصيات انتهت حياتها عمليًا بمجرد تعرضها لأذى جسدي مستدام.
ثانيًا: الإيذاء الجسدي في الحروب والمذابح والكوارث:
حاز موضوع الجسد على اهتمام خاص في فكر ما بعد الحداثة، لا سيما وأنه يمثل حضور الذات في المجتمع ويعكس طبيعة تفاعلها مع المحيط الخارجي، وإنَّ أي إيذاء جسدي سواء كان نتيجة تدخل خارجي عدواني أو حدث طبيعي غير متعمد فإنه يؤدي لنكوص الذات عن ذلك الحضور، ويعرقل إدراكها لعالمها الخارجي ويجعل من عملية تواصلها أو تفاعلها مع المحيط أكثر صعوبة وتعقيدًا. وعلى العكس من الروايات التقليدية التي كانت تميل للحد من مشاهد الموت والقتل والعنف والإيذاء الجسدي بشكل عام، بوصفها مواضيع منافية للذوق الجمالي الذي تسعى الرواية للارتقاء إليه، نشاهد "بيروت مدينة العالم" وعلى العكس من ذلك تصر على توثيق تفاصيل لحظات العنف والإيذاء الجسدي فضلًا عن تصوير مشاهد الاحتضار والقتل والتدمير بكل تفاصيلها الدقيقة. لكن هذا التركيز على مشاهد العنف والإيذاء الجسدي في الرواية جاء مرتبطًا وبشكل كبير ووثيق برؤية ما بعد الحداثة للتاريخ ، لا سيما ما يتعلق منها بتسليط الضوء على معاناة المُهمشين والمقموعين والمنبوذين من قبل السلطات، هؤلاء الذين لم يحظوا باهتمام السرديات التاريخية الرسمية، ورغم أنَّ ما بعد الحداثة تعمد للاستناد غالبًا على ذات السرديات ولكنها لا تتنازل عن طابعها النقدي ففن ما بعد الحداثة كما تصفه ليندا هتيشون هو "الفن النقدي لما سبقه والمتواطئ معه، معًا. وعلاقته بالماضي ... الذي يقرّ علنًا بأنه صدر عنه، هي علاقة تتصف بالتهكم"([12]). وهذا ما نجده متحققًا في ثلاثية ربيع جابر، فالرواية على سبيل المثال لا تُحدثنا عن الأهمية الاستراتيجية لمعركة "بحرصاف"، وتتجنب الإشارة لتفاصيل الخطط العسكرية لقادتها وتنأى بنفسها عن أنَّ تكون انعكاسًا للتاريخ الرسمي الذي يُسهب في الحديث عن عبقرية القادة العسكريين وشجاعتهم وجرأتهم ونفاذ بصيرتهم، وعوضًا عن ذلك يُكرس السرد نفسه لنقل ما جرى لشاهين البارودي وابن خاله محمد الفاخوري اللذين وجدا نفسيهما وسط معركة حامية الوطيس وادركا متأخرين حجم الورطة التي وضعا نفسيهما بها، ومن ثم سعيهما للنجاة من هولها.
في بداية المعركة وبينما يقف شاهين البارودي مذهولًا ومصدومًا من حدة الزعيق والصراخ في ساحة المعركة والتي كانت تضج بالأشلاء المتطايرة بفعل القصف المدفعي ويلفت نظره مشهد الأوردة الخارجة من الأذرع المقطوعة، وفي وسط هذا المشهد الدموي يقترب منه مقاتلٌ من اتباع إبراهيم باشا أي أنه عنصر من جيش العدو والغريب أن انطباعات شاهين عنه وعن ملامحه تكون ايجابية وبشكل مدهش "التفت فرأى رجلًا يقترب منحي الظهر. لم يكن رجلًا كان فتى ضخم الجثة في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، عرف سنه من وجهه اللطيف، من نظرته. كان يتقدم بخطى بطيئة، نظيف الوجه، وشعره ممشط، ومفروق ... وبدا كأنه يبتسم"([13]). ما أراد الروائي ابرازه من خلال هذه الانطباعات الايجابية عن جندي العدو هو لفت الانتباه إلى حقيقة أن كلا من عناصر الجيشين هما من ابناء الطبقة الدُنيا المسحوقة والمُستغلة، وأنهما لا يجدان في نهاية المطاف ما يبرر الكراهية المفترضة بينهما ووجوب تقاتلهما حتى الموت لأجل الحسابات السياسية التي يرسمها "الكبار". وتبلغ المفارقة التهكمية ذروتها بعد نهاية المعركة، حينما يُصبح من المُتعسر علاج كل جرحى العدو المُندحر ـ جيش إبراهيم باشا ـ والذي انسحب تاركًا جرحاه في ساحة المعركة، فيلجأ الجنود العثمانيون لجمعهم في مكان واحد ومن ثم الإجهاز عليهم بدافع الرحمة لتخليصهم من الآم الموت البطيء، ولكن العملية برمتها تخلو من أي مظهر من مظاهر الرحمة وتبدو وكأنها مجزرة ترتكب بحق أسرى لا حول لهم ولا قوة، ويصف الراوي مشهد قيامهم بتنفيذ المهمة "يفقسون البواريد في الوجوه، يذبحون الأعناق الطرية الحارة من الأذن إلى الأّذن بسكاكين الجزارة، ويهشمون بالبلطات الرؤوس، يُريحون الجرحى من عذاب الاحتضار والآم الموت البطيء"([14]).
كان لهذه المشاهد الدموية العنيفة في معركة بحر صاف ما يناظرها في المعارك التي احتدمت على سواحل القرم وبمحاذاة قلعة سيفاستوبول، فحينما يعود عمر البارودي ناجيًا من تلك المَقتلة العظيمة يشرع في سرد الأهوال التي عايشها وبقيت عالقة في ذاكرته ، ولئن كان الحديث عن مشاهد الموت والاحتضار وقطع الاعضاء يصبح طبيعيًا ومألوفًا عند التطرق لأي حرب فإن عمر البارودي يتحدث بقرف عما كان يتعرض له الموتى على ساحل القرم، فإن هذه الاجساد التي قد فارقتها الأرواح قتلًا تعرضت للسلب ونزعت عنها ملابسها والخواتم التي ترتديها فضلا عن الجزم العسكرية، فضلا عن الاعتداءات الجسدية للجسد الميت جنسيا .
إنَّ الروائي من خلال التركيز على هذه المشاهد البشعة يحاول ابراز كواليس الحروب "المرعبة" وما يتخللها من انحطاط لكل القيم الإنسانية وبشكل يُعري كل فضائل الحروب وامجادها المزعومة والتي تضج بها السرديات التاريخية الرسمية، فأبطال هذه الحروب ورجالها في الرواية هم ضحاياها من المغمورين والمُهمشين الذين خسروا حياتهم فيها وغدوا مجرد ارقام تُذكر في هوامش المؤلفات التاريخية عن قتلى الحروب وجرحاها. وعلى صعيدٍ آخر حينما تبدأ المذابح الدموية بالانتشار في جبل لبنان خلال ما عُرف بحرب الستين عام 1860م، يلجأ الروائي وعلى نحو واضح لنقل ما ذكرته المؤلفات التاريخية عن المذابح ويبتعد ضمنيًا عن جانب التخييل هنا ربما لأن فداحة الواقع وبشاعة ما جرى تفوق تصور كل متخيل، وهذه من الحالات النادرة في الرواية التي يعمد فيها الروائي لمطابقة المتخيل مع التاريخ مع اكتفاءه بإبراز الوثيقة التاريخية كشهادة صادقة وحية عما جرى لأن الروائي وجد هذه السرديات التاريخية أمينة في نقل التفاصيل الحقيقية للمذابح؛ ولهذا نشهد في الرواية حضورًا بارزًا لمخطوطتي الشيخ أبو السعود الحسيبي وإسكندر يعقوب أبكاريوس اللتين تتحدثان عن مذابح عام 1860، والمخطوطة الثانية تحظى باهتمام أكبر إذ ينقل منها الروائي تفاصيل دقيقة عن عمليات القتل الجماعي التي طالت المسيحيين في جبل لبنان لدرجة أصبحت فيها هذه العمليات اشبه ما تكون بعملية الحصاد الجماعي التي لا يوقفها إلا تعب القتلة من طعن الأجساد وتهشيم الجماجم وإسكندر يعقوب أبكاريوس كتب: "إنَّ المهاجمين كلت أيديهم من تكسير الجماجم وتقطيع الأجساد. ومنهم من يبس الدم على يده فلم ينتزع السلاح منها إلا بالماء الحار. ومنهم من صبغت ثيابه الدماء فصارت كزهر الجلنار"([15]). والكتاب المذكور حافل بقصص وتفاصيل غاية في البشاعة عن هول المذابح، ولم يتطرق الروائي إلا لجزءٍ يسير منها، ولعل مرد ذلك لرغبته في لفت انتباه القارئ له ودعوته لقراءة هذه المخطوطة . يمكن تفسير هذا العنف الجماعي الموجه من فئة لأخرى وبشكل مطلق لا يستثني أحدًا بوجود المبرر الاجتماعي للعدوان لدى الطرف المهاجم، إذ ترى (باربرا ويتمر) إنَّ توفر هذا المبرر الذي يشتمل على ديناميكية الضحية لفئة تعتقد أنَّ الآخر يتآمر عليها أو يُضمر لها السوء، من شأنه أنَّ يسهل عملية إطلاق التهديدات وتنفيذها، وبهذه الحالة يحتفظ العنف بمشروعيته الاجتماعية([16]) من وجهة نظرهم.
ثالثًا: الاستلاب الجسدي، عبيد وجوارٍ ومومسات:
شهدت الرواية أنواعًا متباينة من الإيذاء الجسدي، ومنه مصادرة الجسد واستغلاله واستلابه في أشكال مختلفة كالعبودية الصريحة التي تتمثل في امتلاك إنسانٍ لإنسانٍ آخر وعَدّه جزءًا من ممتلكاته الشخصية واستغلاله في العمل المُضني واستنزاف سنين حياته في الخدمة، وإذا ما كان المملوك امرأة فتتحول لجارية يتسرى بها مالكها وتكون مُجرد أداة لتحقيق المتعة واللذة له. وفضلًا عن العبودية الصريحة شهدت الرواية تسليطًا للضوء على أوكار البغاء في بيروت ومواضعه وتطرقت لما كان يدور فيه مع التركيز على جانب الاستغلال والاستلاب الذي كان يحدث للمترديات في هذه المهنة، وهذه المحاور الثلاثة ستكون موضع دراستنا للاستلاب الجسدي في الرواية.
1ـ عبيدٌ بلا ملامح:
يُمثل الرق مظهرًا من مظاهر التسلط والاستغلال والظلم الممقوت، وقد كانت هذه الظاهرة الاجتماعية شائعة في مختلف ارجاء المعمورة قبل قرن ونيف على وجه التقريب، ويعود الرق بجذوره إلى فترات قديمة ارجعها البعض إلى بدايات ظهور المدينة البدائية الأولى وما رافقها من توسع للنشاط الزراعي والصناعي والذي استتبع بالضرورة الحاجة المُلحة لتوفير أيدي عاملة رخيصة ونشيطة، ووجدت دولة "المدينة" البدائية ضالتها في أسرى الحروب الذين يقعون في قبضتها إذ مثلوا أداة طيعة للعمل، فبدأت تستغلهم في تشّييد القصور والمعابد وشق الطرقات فضلًا عن حفر الآبار والترع، كما أنها تجني من بيعهم للأغنياء والأعيان الأموال الطائلة([17]). مما تجدر الإشارة إليه هنا أنَّ هذا الاستغلال الطويل والاستعباد المباشر يُسهم في أغلب الاحوال في استلاب شخصية العبد ومحو كل ملمح من ملامح استقلاليته واعتداده بالذات، مما يجعله يعيش حياة هامشية ومُكرسة لخدمة الاسياد دون أن يبدي أي رفض لواقعه المتردي. ونشهد حضورًا للعبيد في رواية "بيروت مدينة العالم" عقب انتقال حال عبد الجواد البارودي من الفقر المدقع إلى الغنى الفاحـش الذي مكنه من بنـاء حارة خاصة به، وسمح له بتوسيع تجارتـه، الأمر الذي اقتضى اقتناء عبدين حبشيين، ولكن الإشارة إلى العبدين تجري في صورة عرضية دون الوقوف على جذورهما وكيفية دخولهما لبيروت وكيف انتهى بهما المطاف في خدمة الرجل ذو الذراع الواحدة. كل هذه التفاصيل اهملتها الرواية ، رغم أنها تُسهب في الحديث عن جذور جميع الوافدين وظروف دخولهم لبيروت، ونعرف من خلال السرد أن اسمي العبدين هما مؤنس وسنان وأنهما ظلا في خدمة البارودي الجد حتى النهاية، والذي كثيرا ما رأى فيهما همة ونشاطًا للخدمة وإنّ كانت علاقته بهما فوقية تُجسد علاقة السيد بالعبد "عبد الجواد أحمد البارودي كان واقفًا عندئذٍ في متجره في البازركان يوجه التعليمات إلى العبديين الحبشيين مونس وسنان ... هذان الحبشيان فيهما طاقة غير مرئية"([18]). هذا الإهمال المُتعمد في الحديث عن طبيعة وجود العبيد الأحباش في بيروت لم يكن لندرتهم أو قلتهم في المدينة ومحيطها الإقليمي، فلا نكاد نطالع كتاب رحالة أو مؤرخ تطرق لتلك الفترة إلا وتحدث عن وجودهم وبروزهم كظاهرة اجتماعية ، إذ يذكر جيرار دي نرفال على سبيل المثال في رحلته إلى بيروت أنه شاهد مواكبًا لأمراء الجبل وكبار الإقطاعيين القادمين من جبل لبنان وهم يعتلون صهوة جيادهم ومن خلفهم عبيدهم من الزنوج يحملون أعلامهم([19])، فالعبيد كانوا يشكلون جزءًا ظاهرًا من المجتمع البيروتي لا يمكن تجاهله ولا تجاوزه بأية حال.
إنَّ الرواية لا تكتفي بغض النظر عن أوليات وجود العبيد في بيروت، وإنما تبرزهم كشخصياتٍ بلا ملامح ، فيما يخص عبدي عبد الجواد البارودي لا نعرف شيئًا عن انطباعاتهما عن بيروت ولا عن وجهة نظرهما في سيدهما، ولا يبديان أي رفض لحالة الاستعباد التي يعيشانها، وحينما يلاحظان انكسار مالكهما البارودي حزنًا على خسارة ولده شاهين، يقف العبدان شاردي الذهن في برود تام لا يُظهران تعاطفًا معه ولا تشفيًا فيه، يقفان كشخصين مسلوبي الإرادة معدومي التفكير مُكرسين للخدمة لا غير. وحتى عندما تشير الرواية لإلغاء الرق في الدولة العثمانية وتحرير العبيد نهاية القرن التاسع عشر، لا نشهد تغيرًا في تعاطي السرد مع العبيد إذ يبقى السرد مُحافظًا على نهجه الاقصائي التهميشي بحقهم "في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مُنعت تجارة الرقيق في أنحاء السلطنة بضغط من القناصل الأوربيين،الأحباش الذين ظلّوا في ‹‹حارة البارودي›› بعد ذلك، ظلّوا بصفتهم أجراء عند الحاج عبد الرحيم البارودي"([20]).
هذا التحول في الصفة التي بات يُنظر فيها للأحباش في بيروت لا يوازيه تحول في صيغة تعاطي السرد مهم، إذ لا تشهد شخصيات العبيد وعيًا ناميًا ولا متطورًا، وبقوا كالجسد الطارئ الغريب في وسط غير منسجم معهم، وكأن السرد الروائي هنا يتواطأ مع وجهات النظر التي لا تعد العبيد جزءًا من النسيج الاجتماعي البيروتي، وترى فيهم فئة أقل شأنًا من بقية الفئات وغير قابلة للاندماج الكلي في هذا المجتمع.
على أننا لسنا هنا بمعرض أتهام الرواية أو الروائي بالعنصرية ضد ذوي البشرة السوداء، ولكن من المهم تسجيل ملاحظة ختامية وهي أنَّ الرواية وفي سياق تعاطيها ما بعد حداثي مع التاريخ سعت لإبراز مآسي المُهمشين والمقموعين والمنبوذين، ولكنها لم تولِ العبيد تلك الأهمية في نكوص واضح عن نهجها ما بعد الحداثي ، إذ اكتفت بنقل وجهة النظر التقليدية عنهم ولم تسعَ لتصوير الجانب المأساوي من حياتهم بشكل يماثل حضور مآسي باقي المكونات البيروتية فيها
2ـ جوارٍ في حارات بيروت:
غطت "بيروت مدينة العالم" فترة تاريخية كانت تجارة الرقيق شائعة فيها، فكان من الطبيعي أن تشهد الرواية حضورًا للجواري ولو على نطاق ضيق ومحدود، فالرواية اكتفت بإشهار "غريب كلفدان" الجارية الشركسية التي اقتناها عبد الجواد البارودي كنموذج وحيد مُعبر عن هذه الفئة. وكان وضع النساء من الجواري يختلف ويتباين عن وضع العبيد من الذكور، سواء من ناحية العمل وطريقة التعامل وحتى المكانة الاجتماعية لدى المالك، فقد كان قسم منهن يُتخذ لخدمة المنازل أو للقيام بالصناعات اليدوية من غزل ونسيج كما يُعهد إلى بعضهن برعاية الأولاد وتربيتهم، وأمّا الحِسان منهن فيتخذن للتسري والمخادنة([21]).
لا يمكننا بأية حال اسقاط فكرة أنّ الرقيق الأبيض كان مفضلًا على نظيره الأسود وأعلى ثمنًا منه، فهو وافدٌ من أماكن أكثر تحضرًا وبالتالي هم أكثر نفعًا لأسيادهم ولهذا نالوا من الحظوة لديهم ما لم ينله نظراءهم السود([22])، ومن الشواهد التاريخية على علو منزلة هؤلاء هو كون معظم انحاء عالمنا العربي قد حُكمت ولفترات طويلة من قبل الأمراء المماليك. كان لتعاطي الرواية مع شخصية الجارية "غريب كلفدان" اسلوب مختلف ومتباين عن تعطيها مع بقية الشخصيات النسائية، فالرواية قد ابتعدت بشكل عام عن كل ما له علاقة بالوصف المرتبط بالإثارة والمتعة والتشويق في تعاطيها مع جسد المرأة، ونأت بنفسها عن استخدام الوصف الجنسي للجسد كأسلوب لاستثارة القارئ وجذبه للاستمرار في القراءة، ولكنها فيما يتعلق بغريب كلفدان حرصت على ابراز هذا الجانب الشكلي من شخصيتها لكونها جارية مملوكة ووجهة النظر الاجتماعية عنها غالبا ما تتم من خلال هذه الصيغة، فالجسد ومعالمه هو اساس تقييم الجارية في المجتمعات التي كانت تمارس الرق.
3ـ مومسات يتردين من باب "جهنم":
سلطت الرواية الضوء على العالم السُفلي والخفي من حياة المدن، والمُتمثل بكل ما سعى اصحابه لإخفائه سواء لمخالفته أحكام الدين أو العُرف أو التقاليد، وكان عالم البغاء بكل خفاياه وملابساته يُشكل جزءًا من هذه العوالم المخفية التي سعت الرواية للاشتباك معها سرديًا.
ويُمثل البغاء استلابًا واضحًا للجسد واستغلالًا لظروفٍ صعبة قد تمر بها المرأة ما يدفعها للانزلاق في هذا العمل، إذ يستباح الجسد ويغدو مجرد سلعة يستهلكها الزبون بمقابل مادي في علاقة تنتهك كل القيم الإنسانية التي من المفترض توفرها في العلاقة السليمة بين الرجل والمرأة، وفي البغاء يُصبح الجنس مادة للتجارةِ والربح مقابل العبث بحرمة الجسد والروح([23]). وفي بيروت القرن التاسع عشر برز السوق العمومي بوصفه موضعا مُحددا لهذه الظاهرة، وهو من المُستجدات التي طرأت على المدينة بعد الفتح المصري لها ، وكانت الملكة محاسن ذات الأصل المصري هي المشرفة على السوق والمُسيطرة عليه، ولا يعني هذا بأية حال أنَّ بيروت قبل الغزو المصري لم تعرف الدعارة والبغاء ولكنها كانت تجري بصورة خفية ولم ترق لتكون ظاهرة اجتماعية لها سوقها الخاص والعلني. وهذا ما يُحيلنا لأثر التدخل الخارجي في تحول الواقع الاجتماعي لبيروت وبروز ظواهر كانت مخفية فيه، ومن جانب آخر فإن الحديث عن البغاء والسوق العمومي في الرواية غالبًا ما يكون مرتبطًا بالحديث عن الواقع المأساوي للشخصيات، فعمر البارودي وأخيه شاهين حين يترددان على السوق العمومي يكون هذا الفعل نتيجة أزمة شخصية محتدمة وهروب من واقع يتصف بالبؤس وعدم التأٌقلم والانسجام مع العائلة والمحيط الاجتماعي، فيبرز السوق العمومي كمحطة استراحة يدخلونها بحثًا عن اللذة والمتعة التي تنسيهم بؤس واقعهم. وتكون الصورة القاتمة للسوق أكثر وضوحًا عند الحديث عن النساء اللواتي يعملن فيه، إذ تجيء قصص التحاقهن به مُبيّنة مأساوية الظروف التي دفعتهن للتردي في هذا المنحدر، وكأن السارد يبغي من هذا الوصف التراجيدي للسوق والعاملين فيه تصوير اللجوء اليه على أنه تردي اجتماعي وجسدي وغالبا ما يُجبر عليه الأفراد الذين لا يجدون حلًا لأزماتهم. تبتعد الرواية كليًا عن الوصف التزييني للسوق بوصفه مكانا لتحصيل اللذة والمتعة، وتحاول إبراز ما كان يضمه من استغلال فهو موضع يجمع النقيضين ويحمل مفارقة تشير الرواية ذاتها له، إذ يُسمي الأهالي الباب المؤدي للسوق بباب "جهنم" كناية عن تردي من تدخل فيه من النساء في جهنم، سواء ما يتعلق بقسوة الواقع وسوء العاقبة فيه أو ما يتعلق بمخالفه ما يحدث فيه لأحكام الدين، ولكن الملكة محاسن تطلق على الباب باب "الجنة"([24])، ويتطرق السرد كذلك لشيء من تفاصيل اسواق البغاء في استامبول حينما يرتحل شاهين البارودي لها ويعكف في هذه الأوكار ردحًا من الزمن، ولكن الرواية كالعادة تخفي أي تفاصيل عن العاملات في هذا المجال.
وصفوة القول في تعاطي الرواية مع وضع المومسات في بيروت ومحيطها الإقليمي، أنها سعت لإبراز الجانب السلبي والقاتم في حياتهن والمتمثل في تعرضهن للاستغلال والاستلاب، مع التركيز على الظروف الصعبة والاستثنائية التي دفعتهن للانخراط في هذا المجال، على أننا لا يمكن أنَّ نتجاهل حقيقة أن الرواية سعت لفصل كل من الفئات الثلاث العبيد والجواري والمومسات عن المجتمع البيروتي وعدهم فئات وافدة وطارئة على هذا المجتمع وغير مندمجة فيه.
رابعًا: اضطراب ما بعد الصدمة:
تتعدد أوجه الأذى الذي يطال الإنسان جراء الحروب والمذابح والكوارث، وقد يتخذ هذا الأذى شكلا ظاهرًا يتمثل في العنف الجسدي المباشر، أو قد يتخذ شكلا مضمرًا يتمثل في الأذى النفسي الذي يلحق بالضحية ويعلق في ذهنه لفترة طويلة وهو ما يُسمى "اضطراب ما بعد الصدمة". وهو اضطراب يلحق بالضحية نتيجة صدمة عصبية مُدمرة تحفز لديه دافع الهرب أو القتال، وغالبًا ما يُعاني منه عدد كبير من المحاربين وضحايا الاغتصاب وضحايا الاعتداءات الجنسية والناجين من الحوادث المأساوية، ويؤدي إلى عدم انتظام مزمن في الوظيفة العصبية للجسد([25]). ويتمثل هذا الاضطراب بتعرض الشخص لحدثٍ أو أحداث تنطوي على الموت أو احتمال التعرض له، أو لخطرٍ يهدد سلامته البدنية، أو حتى بكونه مجرد مشاهد لمن يتعرض لهذه الأمور، وتكون استجابته لهذا الحدث متضمنة لدرجة عالية من الشعور بالخوف والعجز والرعب([26]). وبإمكاننا الوقوف عند عدد من الشخصيات الروائية في "بيروت مدينة العالم" والتي شهدت حوادث كارثية وعاينت مذابح دموية فظهرت عليها جليًا علامات "اضطراب ما بعد الصدمة"، وأولى هذه الشخصيات هي شخصية محمد الفاخوري، والذي كان يُسمى "محمد البسّ" لفرط نشاطه وطاقته وحركته، ولكن هذا النشاط المتنامي سرعان ما يخمد بعد مشاركته في معركة بحرصاف، إذ سيشهد مناظر رهيبة لتناثر الأشلاء وتبعثر الجثث المشوهة في ساحة المعركة، فضلًا عن خسارته لذراعه وسط هذه المعامع.
ويصف الراوي حالته بعد المعركة وقد تغيرت شخصيته جذريًا "رجع محمد الفاخوري من بحرصاف قليل الكلام. ما رآه في ذلك السهل الأصفر اليابس بَدل نظرته إلى نفسه وإلى العالم. تغيّر محمد "البسّ"([27])، وستدفع هذه الصدمة محمد الفاخوري ليكون منطويًا على ذاته ومنعزلًا عن المجتمع المحيط به، لدرجة تُغضب منه والده الحاج محيي الدين الفاخوري، وسيحاول محمد التخلص من آثار الصدمة عبر اللجوء للشيخ عمر أبو النصر أحد رجال الدين البيروتيين ويُصبح مُريدًا له ويقضي معظم وقته في جامع أبي النصر حيث يجد فسحة روحية إيمانية تنسيه شيئًا مما شهده في ساحة المعركة الرهيبة.
ولكن ذكرى المعركة تأبى النسيان وتعاود محمد الفاخوري بين فترة وأخرى، فرغم أنَّ الصدمة الفعلية قد تكون وجيزة جدًا، إلا أنَّها تؤدي لاضطرابات طويلة الأجل تستمر أحيانًا مدى الحياة، ويتم استحضارها على شكل استرجاعاتٍ وكوابيس أو صور تطفلية تعاود الضحية بين فينة وأخرى([28])، وتكرر هذه الاسترجاعات عندما يتعرض المصاب لمؤثراتٍ داخلية وخارجية ترمز للحادث أو تُشبه جوانبًا منه([29]). ولئن كان محمد الفاخوري يمثل نموذج شخصية قاومت الاضطراب وحاولت التخفيف من وطأته، فإن النموذج التالي والمتمثل بشخصية عمر البارودي يُجسد شخصية رضخت للاضطراب واستسلمت له، فرغم أنَّ شخصية عمر اتصفت منذ البداية برغبتها الجامحة في الاستمتاع بالحياة وخوض التجارب دون تردد مع سعيها للتخلص من أي التزامات تجاه العائلة، إلا أنه وبعد العودة من حرب القرم وبعد ما شاهده من أهوال وفظائع عاد وقد تغير جذريًا حتى غدا شخصًا آخر مختلفًا تمامًا.
وسيقضي عمر البارودي بقية حياته شارد الذهن وهو يشغل نفسه بتربية الطيور أو صيد السمك بلا أي نشاط اجتماعي، وكأن الحياة قد توقفت عنده مع حدوث حرب القرم، تلك الحرب التي قتلته نفسيًا وإنَّ نجا منها جسديَا فغدا في نهاية المطاف جسدًا بلا روح. ويتكرر ذات الأمر مع ابن شقيقه عبد الرحيم، حسين البارودي الذي شهد جانبًا من مذابح حرب الستين عام 1860م، وقادته الصدفة وحدها لدمشق ليشهد امتدادات المذابح فيها، وكان قريبًا من الإعدام لولا أنه نجا في اللحظات الأخيرة وليعود إلى بيروت ولكن مع صدماتٍ نفسية كبيرة احالته لشخصٍ ثانٍ مُختلف تمامًا عن سابق عهده.
الاستنتاجات
يمثل نسق الإيذاء الجسدي من الأنساق المهمة في رواية ما بعد الحداثة ، إذ صار للأجساد المقموعة والمسلوبة والمبتورة الأطراف حضورا بارزا في الثلاثية البيروتية ، فضلا عن أنها ابرزت الملامح والوجوه القبيحة والبشعة للحروب والمذابح وما يتخللها من إيذاء جسدي تنتهك فيه الأجساد بشكل متعمد ومميت . من جهة أخرى يعد الاستلاب الجسدي للعبيد والجواري والمومسات وجها بشعا وقميئا تتعرض له بعض الفئات المهمشة لاسيما النساء والفئات الضعيفة في المجتمع وما يتبعه ويحيل إليه من وأد فكري ونفسي كناتج طبيعي للاستغلال والمصادرة والخرق الجسدي الممارس ضدهم والذي بأرت وجوده رواية بيروت مدينة العالم بأجزاءها الثلاثة في محاولة روائية ناجعة لمركزت الهامش وتسليط الضوء على العوالم الخفية والسفلية من حياة المدن وما يتبعه من عكس لمعاناته وبيان سلبياته وآثاره الجسدية والنفسية . وتعد مرحلة اضطراب ما بعد الصدمة من المراحل الأساسية الناتجة عن الإيذاء الجسدي والذي يتخذ شكلا مضمرا غير مرئي ولا معلن يتمثل بالأذى النفسي الذي يلحق بالضحية ويعلق بذهنها لفترات طويلة ، ويتمظهر كصدمة عصبية مدمرة تحفز لديها دوافع الهروب والنكوص والقتل وتتضمن درجة قاسية من الشعور بالخوف والعجز والرعب والانعزال المرافق للكوابيس والهذيانات والهلاوس وغيرها من المضاعفات السلبية التي ترافق الضحية لمدى الحياة ، وعلى العموم عكست الثلاثية وعيا حادا بكل مظاهر الإيذاء الجسدي بصفته كشفا حادا لتداعيات مرحلة تاريخية مهمة أنشأت الوجه الحالي لمدينة بيروت بوصفها مدينة للعالم .
.
Foot Notes
1David Le Breton, Anthropology of the Body and Modernity, trans. Mohammed Arab Saseela, p. 5.
2.David Le Breton, Anthropology of the Body and Modernity, trans. Mohammed Arab Saseela, p. 17.
3.See: The New Novel: A Reading in the Contemporary Arab Scene, p. 158.
4.See: Dr. Youssef Tebbes, “The Evolution of the Concept of the Body: From Philosophical Reflection to Scientific Conception,” ʿĀlam al-Fikr Journal, National Council for Culture, Arts and Letters – Kuwait, Vol. 37, No. 4 (Apr.–Jun. 2009), p. 47.
5..See: Ibid., p. 34.
6.See: Terry Eagleton, The Illusions of Postmodernism, trans. Dr. Mona Salam, p. 119.
7.See: Helen Thomas and Jamila Ahmar, Cultural Bodies: Ethnography and Theory, trans. Osama al-Ghazouli, p. 119.
8.See: The New Novel: A Reading in the Contemporary Arab Scene, p. 126.
9.Beirut: City of the Worl.d, Vol. 1, p. 151.
10.Ibid., Vol. 1, p. 218.
11.See: David Le Breton, Sociology of the Body, trans. ʿIyād Ablāl and Idrīs al-Muhammadi, p. 147.
12.Postmodern Politics, pp. 244–245.
13.Beirut: City of the World, Vol. 1, p. 395.
14..Beirut: City of the World, Vol. 2, p. 15.
15.Beirut: City of the World, Vol. 3, p. 180.
16.See: Barbara Whitmer, Cultural Patterns of Violence, trans. Mamdouh Yousef Imran, p. 74.
17.See: Abd al-Salam al-Turmanini, Slavery: Its Past and Present, p. 16.
18.Beirut: City of the World, Vol. 1, p. 271.
19.See: Gérard de Nerval, Journey to the East, trans. Dr. Kawthar Abd al-Salam al-Bahiri, Vol. 1, p. 403.
20.Ibid., Vol. 1, p. 289.
21.See: Slavery: Its Past and Present, p. 50.
22.See: Ibid., p. 92.
23.See: Fatima al-Zahra Azrouel, Prostitution or the Violated Body, p. 9.
24.See: Beirut: City of the World, Vol. 2, p. 223.
25.See: Cultural Patterns of Violence, p. 63.
26.See: Dr. Mohammed Hassan Ghanem, Psychological, Mental, and Behavioral Disorders, pp. 88–89.
27.Beirut: City of the World, Vol. 2, p. 104.
28.See: Cultural Patterns of Violence, p. 64.
29.See: Psychological, Mental, and behavioral disorder, p 89.
References
- Jaber, Rabee. Beirut: City of the World, Vol. 1. Casablanca, Morocco: Arab Cultural Center; Beirut, Lebanon: Dar Al-Adab for Publishing and Distribution, 1st ed., 2003.
- Jaber, Rabee. Beirut: City of the World, Vol. 2. Casablanca, Morocco: Arab Cultural Center; Beirut, Lebanon: Dar Al-Adab for Publishing and Distribution, 1st ed., 2005.
- Jaber, Rabee. Beirut: City of the World, Vol. 3. Casablanca, Morocco: Arab Cultural Center; Beirut, Lebanon: Dar Al-Adab for Publishing and Distribution, 1st ed., 2007.
- Thomas, Helen and Jamila Ahmed (Eds.). Cultural Bodies: Ethnography and Theory. Translated by Osama Al-Ghazouli. Cairo, Egypt: National Center for Translation, 1st ed., 2010.
- Ghanem, Mohammed Hassan (Dr.). Psychological, Mental, and Behavioral Disorders. Cairo, Egypt: Anglo-Egyptian Library, 1st ed., 2006.
- Le Breton, David. Anthropology of the Body and Modernity. Translated by Mohammed Arab Saseela. Beirut, Lebanon: Majd University Institution for Studies, Publishing and Distribution, 2nd ed., 1997.
- Whitmer, Barbara. Cultural Patterns of Violence. Translated by Dr. Mamdouh Youssef Imran. ‘Ālam al-Ma‘rifah Series, No. 337. Kuwait: National Council for Culture, Arts, and Letters, 2007.
- Azrouel, Fatima al-Zahra. Prostitution or the Violated Body. Casablanca, Morocco: Africa al-Sharq, 2001.
- Nerval, Gérard de. Journey to the East, Vol. 1. Translated by Dr. Kawthar Abd al-Salam al-Bahiri. Cairo, Egypt: Egyptian House for Authorship and Translation; Dar al-‘Ahd al-Jadid for Printing, 1966.
- Al-Turmanini, Abd al-Salam. Slavery: Its Past and Present. ‘Ālam al-Ma‘rifah Series, No. 23. Kuwait: National Council for Culture, Arts, and Letters, 1979.
- Al-Dabbaa, Mahmoud. The New Novel: A Reading in the Contemporary Scene. Cairo, Egypt: Supreme Council of Culture, 2010.
- Le Breton, David. Sociology of the Body. Translated by ‘Iyad Ablal and Idris Al-Muhammadi. Cairo, Egypt: Rawafid Publishing and Distribution, 1st ed., 2014.
- Hutcheon, Linda. The Politics of Postmodernism. Translated by Haider Haj Ismail. Beirut, Lebanon: Arab Organization for Translation, 1st ed., 2009.
- Abkariyos, Iskandar ibn Ya‘qub. Rare Events of the Time in the Incidents of Mount Lebanon (Nawādir al-Zamān fī Waqāʾiʿ Jabal Lubnān). Edited by ‘Abd al-Karim Ibrahim al-Samak. Beirut, Lebanon: Dar Riyad El-Rayyes Books and Publishing, n.p., n.d.
- Tebbes, Youssef (Dr.). The Evolution of the Concept of the Body: From Philosophical Reflection to Scientific Conception. ‘Ālam al-Fikr Journal (A quarterly journal issued by the National Council for Culture, Arts, and Letters – Kuwait), Vol. 37, No. 4, June 2009.