|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
مفارقة الصورة في شعر ابن المعتز
|
|
|
|
منار عثمان علي و سعد حمد يونس
|
|
كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة الموصل، الموصل، العراق
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 11 April 2024
Revised: 13 May 2024
Accepted: 23 May 2024
|
|
تناولت هذه الدراسة مفارقة الصورة في شعر ابن المعتز محاولين الوقوف على مفارقة الصورة التشبيهيّة، مفارقة الصورة الإستعارية، مفارقة الصورة اللّونيّة التي تهدف إلى إبراز الفاعليّة التعبيريّة لذات الشاعر وما يجول في بواطنه من اضطرابات نفسية وتناقضات معتمداً مبدأ التضاد بين المعنى السطحي والمعنى العميق للنص ومخالفاً للمألوف وكاسراً لأفق توقعات القارئ.
الكلمات المفتاحية (المفارقة ، الصورة ، ابن المعتز ، شعر)
|
|
Keywords:
poetry,
Image,
Ibn Al-Mu,tazzd,
Irony
|
|
Corresponding Author
Saadahmad34@uomosul. edu. iq
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i4.a5 ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University
This is an open-access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/)
|
| |
|
|
|
|
|
|
The paradox of the image in the poetry of Ibn al-Mutazz
S H Youns and M O Ali
College of Education for Humanities, University of Mosul, Mosul, Iraq
Abstract
This study deals with the paradox of the image in Ibn al-Mu'tazz's poetry, trying to stand on the paradox of the simile image, the paradox of the metaphorical image, and the paradox of the color image, which aims to highlight the expressive effectiveness of the poet's self and the psychological disturbances and contradictions that circulate within him, relying on the principle of contrast between the superficial meaning and the deep meaning of the text, and contradicting the familiar and breaking the horizon of the reader's expectations.
المقدمة
تعدُّ المفارقة مكوّناً أساسياً مهماً في النصوص الأدبية وأصبحت تقنيّة أسلوبيّة يلجأ إليها المبدع ليضفي على نصوصهِ الجماليّة وتعدديّة المعنى خارجاً بذلك عن النمطيّة والسطحية مما يجعلها تتطلّب قارئاً فذّاً يستطيع التوصّل إلى خبايا اللغة الإيحائية والدلالة التي يقصدها الشاعر ومن هنا تتأتى أهميّة التحليل والتأويل وسبر أغوار النص للكشف عن المعنى الكامن فيه.
نسب الشاعر
من هو ابن المعتز؟ هو شاعر عباسي وهو "أبو العباس عبد اللّٰه بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي كنيته أبو العباس وتقلد الخلافة يوم وليلة فقط ثم خلع عن العرش([1]).
المفارقة والصورة بين اللغة والاصطلاح
أولاً: المفارقة لغةً:
تشكّل المفارقة ظاهرة من الظواهر الأسلوبية ذات العلاقة المتبادلة بين المبدع والقارئ، إذ يسعى المبدع إلى خلق المخاتلة والمراوغة من أجل إيهام القارئ في سياق لغوي ينفتح على الدلالات والإيماءات. ولو حاولنا أن نفصّل في المعنى اللغوي للمفارقة، فسوف نعود إلى الجذر الثلاثي (فَ رَ قَ)، فـ(الفَرْق: تفريق بين شيئين، حتى يفترقا، وفَرق لي الطريقُ فُروقاً، إذا اتجه لك طريقان، فاستبان ما يجب سلوكه منهما، وطريق أفرق: بين، ومن المجاز وقفته على مفارق الحديث؛ أي وجوهه الواضحة. والفَرْق: خلاف الجمع، وتفرّقت بكم الطُّرق؛ أي ذهب كل منكم إلى مذهب ومآل. وفارق الشيء: باينه، والاسم الفُرقة، وتفارق القوم: فارق بعضهم بعضاً. ويقال فَرَق لي هذا الأمر يفرق فروقاً: إذا تبين ووضح، وفرق لي رأي بدأ وظهر) ([2]).
ثانيا: المفارقة اصطلاحاً
تعددت تحديدات المفارقة؛ لما يثير هذا المصطلح من غموض والتباس، وتداخل مع علم الفلسفة، والاجتماع، فهي: "لا تعني اليوم ما كانت تعنيه في عصور سابقة، ولا تعني في قطر بعينه كل ما يمكن أن تعنيه في قطر آخر، ولا في الشارع ما يمكن أن تعنيه في المكتب، ولا عند باحث ما يمكن أن تعنيه عند باحث آخر، فالظواهر المختلفة التي تطلق عليها المفارقة قد تبدو ضعيفة الارتباط ببعضها جدًا".([3]) كما يمكننا أن نقول عنها بأنها تقنية تعمل على " تأجيل أبدي للمغزى. فالتعريف القديم للمفارقة - قول شيء والإيحاء بقول نقيضه- قد تجاوزته مفهومات أخرى؛ فالمفارقة قول شيء بطريقة تستثير لا تفسيراً واحداً، بل سلسلة لا تنتهي من التفسيرات المغيرة"([4]). وعلى هذا الأساس فهي" لعبة لغوية ماهرة وذكيّة بين الطرفين: صانع المفارقة، وقارئها، على نحو يقدم فيه صانع المفارقة النص، بطريقة تستثير القارئ، وتدعوه إلى رفض معناه الحرفي، وذلك لصالح المعنى الخفي، الذي غالباً ما يكون المعنى الضد، وهو في أثناء ذلك يجعل اللغة يرتطم بعضها(ببعض، بحيث لا يهدأ للقارئ بال، إلا بعد أن يصل إلى المعنى الذي يرتضيه، ليستقر عنده"([5]).
ثالثاً: الصورة في المصطلح:
تعرض مصطلح الصورة إلى استعمالات عدّة من أرسطو إلى اليوم، وبفضل حركة السرياليين دُفع هذا المصطلح إلى الهامش مع المصطلحات البلاغية كالاستعارة والمجاز المرسل والتشبيه، فالصورة الشعرية هي خير جامع بين التشبيه والاستعارة([6]).
فالصورة الشعرية مرّت بمراحل متعددة، فكانت عند الكلاسيكيين شيء مادي، فالخيال يتميز عن الإدراك لأنه عالم ناقص، أما العقل فهو الحقيقة التي نعتد بها، وهذه الفلسفة أنشأت تضادا بين عالمين مختلفين، عالم الحقيقة وعالم الخيال، والصورة الشعرية وإن كانت تعتمد على الخيال فيجب أن يكون هذا الخيال تحت وصاية العقل، وطريق الفكرة ليست صورة مادية، وإنما الصورة التي يدركها العقل المباشر.
محاور البحث
أولا: مفارقة الصورة التشبيهية
التشبيه في الكتب البلاغية: هو " الدلالة على مشاركة أمر لآخر في معنى "([7]) وبمعنى آخر "هو ألحاق أمر بأمر آخر في صفة أو أكثر بأداة من أدوات التشبيه ملفوظة أو ملحوظة"([8]).
لذلك فالتشبيه الاعتيادي يحتوي على طرفين أحدهما مشبه (الفرع) والآخر (المشبه به) الأصل، وبهذه المفارقة التشبيهية تنقلب الموازين ويخرج عن مألوفها ليبدو الأمر معكوساً ومنقلباً ليكون المشبه هو الأصل والمشبه به هو الفرع، وقد يجمع الشاعر في بعض التشبيهات بين طرفين متباعدين كل البعد عن بعضهما؛ لتنشأ من هذا التشبيهات مفارقات عدة تثير الدهشة والغرابة وتخرج عن المألوف. فالتشبيه بدوره قادر على تجسيد المفارقة وقادر كذلك على مباغتة القارئ من خلال ايجاد علاقات غير مألوفة، وتتحقق قيمتها من خلال الربط بين أشياء متنافرة لم يلتفت إليها أحد من قبل، فهذه اللمحة الفنية تؤسسها اللفتة الجمالية من قبل الشاعر التي يقتصها من براعته وقدرته على التصوير الفني([9]).
وفي المفارقة التشبيهية "قد يعكس التشبيه، فيجعل المشبه مشبها به، وبالعكس فتعود فائدته إلى المشبّه به لادعاء أن المشبه أتمَّ وأظهر من المشبه به ويسمى ذلك بالتشبيه المقلوب أو المعكوس" (الهاشمي، 1999: 226). ومن ذلك قوله([10]):
|
لـــــــي مــــــــولى لا أســــــــــــــميه
|
كل شيء حسن فيــــــــــــــه
|
|
تصف الأغصان قــــــــــــــــــــامته
|
تـــــتثــــــــنى كتثنيـــــــــــــــــــــة
|
|
وتــــــــكاد الــــــشمس تشــــــبهه
|
ويكاد البدر يحيكـــــــــــــــــه
|
|
كيف لا يخضّر عــــــــــــــــــارضه
|
ومياه الحسن تسقيـــــــــــه
|
إن الشاعر خالف المعهود والمتعارف عليه فالأصل أن يكون الممدوح يشبه القمر وقامته تشبه الأغصان ويشبه الشمس بطلته ولكن الشاعر خالف المألوف وكسر قواعد التشبيه المعروفة، فجعل من الشمس والقمر والأغصان تشبه ممدوحة فجعل هو الأصل والمشبه به هو الفرع.
ثانياً: مفارقة الصورة الاستعارية
الاستعارة هي" أن تريد تشبيه الشي بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجيء إلى اسم المشبّه به فتعيره المشبّه وتجربه عليه"([11]) وبمعنى آخر" هي ما كانت علاقته تشبه معناه بما وضع له"([12]) وطبيعة اللغة الشعرية والاستعارة أنها تميل إلى الخرق في قوانين وقواعد اللغة العادية، وتلجأ إلى الأسلوبية. فالكلمة لا تشير إلى معناها في الوضع المعجمي، ولا تسمى الأشياء بأسمائها، فالكلمة الشعرية تتضمن موت اللغة وبعثها في الوقت ذاته فعندما نقول عن القمر إنّه منجل ذهبي في حقل النجوم نجد أن اللغة العادية لا تستخدم هذه الكلمات متجاورة، ولكن الشاعر يجمع بين ألفاظ متضادة ومتنافرة ليؤدي الوظيفة الشعرية التي تثير جماليتها عند المتلقي([13]).
وتقوم المفارقة الاستعارية على " تكثيف حدة التوتر بين الاستعارات عبر الربط المفاجئ بين طرفي التشبيه؛ لأثارة التوتر في الأنساق التصويرية الاستعارية، وتعزيز إيقاعها الدلالي عبر الممازجة بين الأنساق؛ لإثارة التأويل وفاعلية التخييل"([14]).
لقد تنوعت الصور الاستعارية في شعر ابن المعتز من تشخيص وتجسيد وخلق المعنى المجرد كائناً حسيّاً ينطق ويحس، فجاء شعره عبارة عن لوحات كبرى وصور جزئية ([15]) ومن ذلك قوله([16]): (المديد)
|
غصــــــنٌ يهتزُ فــــــــي قمرٍ
|
راكضاً للوشي ســـــحابا
|
|
أثمرت أغصان راحـــــــــــــته
|
لــــــجناة الحسن عــــــابا
|
|
لجـــناة الحــــــسن عـــــــابـــا
|
ذمني منهم وكم عـــــابا
|
|
عـــذبوا حــبا بـعذلهــــــــــــــم
|
متعبا في الحب إتـــعابا
|
|
فتبـــــــرا مـــــــــن مـــــــحبـــتنا
|
وأراه كــــــــــان كــــــــــــذابا
|
|
لا ترى عيني لـــــه شبــــها
|
عدل الحب وما حابــــى
|
|
وحــــــديث قد جعلت لـــــــه
|
دون علم الناس حجابا
|
|
لا يـــــــمل النثر لا فــــظــــه
|
مفتن يعجب إعـــــــــجابا
|
|
قد ألــــــــــجناه فطاب لـــــه
|
وحوينا منـــــــــه إنــــــــهابا
|
توالت الاستعارات في هذه الأبيات بشكل متناغم حتى يشعر القارئ بالألفاظ الإيجابية والجمالية التي تبعثها في النص" فالنظم التصويرية التركيبية، تكون رديفة للمفارقة "([17]). والشاعر هنا وظف الاستعارة التشخيصية لتبرز الحسي غير العاقل إنساناً (فالغصن) ليس المقصود منه المعنى الحقيقي، وإنما المعنى المجازي وهو المحبوب، كما أنّ الشاعر شبّه محبوبه بالغصن لحسن قوامه وجماله، فحذف المشبّه (المحبوب) وبقي المشبّه به (غصن) مع إبقاء لازم من لوازم المحذوف المشبّه. فإذا تتبع القارئ اشارات النص، سوف يجد أنّ لا غصن (يركض_ يلام_ يتبرا_ يكذب_ يتحدث) مما يؤدي إلى إثبات المعنى الحقيقي في ذهن القارئ وتمكنه من فك شفرات النص وتتبع الدلالات المتواجدة فيه. ويسمعه ويحاول وصله والحديث معه، فلا يمل حديثه مكذباً للحقيقة والواقع. ويقارب الشاعر هذه الدلالات في قوله([18]): (المتقارب)
|
يسير بها غصنٌ ناعـــــــمٌ
|
من البان مغرسه في نقا
|
|
اذا شــــــــئت كـــلمتي بالــجفون
|
من مُقلةٍ كُحلـــــــت بالهوى
|
|
لـــــه شـعرٌ مـــثل نســـج الدروع
|
وطرفٌ سقيمٌ إذا ما رنــــــــا
|
|
ويضحك عـن أقحوان الــــــــــريا
|
ض يغســله بالعشي النّدا
|
لقد وظّف الشاعر في هذه الأبيات الاستعارة التصريحية عبر تشبيه ساقي الخمرة (بالغصن الناعم) فحذف المشبّه وذكر المشبّه به على سبيل الاستعارة التصريحية" وقد يتوهم القارئ للوهله الأولى أن الشاعر لم يخرج عن المألوف اللغوي باستخدامه تقنية العدول المفارقي؟ ولكن من يتمعن في البنيات النصية"([19]) يجد أنّ المعنى المقصود من لفظة (غصن) ليس الغصن الحقيقي وإنما غصن استعاري استعاره الشاعر لتشبيه الساقي به، فنحن نعلم حقيقية أنّ لا غصن يسير، ولا غصن يتكلم: ولا غصن له شعر، فالسير والكلام والجفون والشعر والطرف والضحك جميعها صفات تنسب للإنسان وليس للنبات. وعبر هذه الدلالات نستطيع التوصل إلى الدلالة التي يقصد إليها الشاعر، إذ يبرز معاناته من حب هذا الساقي لتتوالى المفارقات في النص، وتختلط الدلالات ليكون الكلام بالجفون والكحل من الهوى. وعلى الرغم من المفارقة الاستعارية والخروج عن مألوف الألفاظ ودلالاتها في النص، يوظف الشاعر المفارقة التشبيهية أيضا عبر تشبيه طرفين أحدهما يدل على الجمال (الشعر) والآخر على القبح (نسج الدروع)، ولكن الشاعر عقد الشبه بينهما وكأنهما شيئاً واحداً خارجاً عن المألوف وجامعاً بين المتضادات الكامنة في النص.
وفي قوله([20]): (البسيط)
|
أباحَ عيني لطول الليل والأرق
|
وصاح إنسانها في الروح بالغرقِ
|
|
ظبيٌ مُخلّىً من الأحزانِ أوقره
|
ما يعلم الله من حزنٍ ومن قلقِ
|
|
كأنـــــّـه وكـــــأنّ الكأس فـي فمه
|
هلال أول شهر غابَ في شــقق
|
في هذه الأبيات يصف الشاعر بعد محبوبه عنه والثقل الذي وقع على كاهله، مما جعل الحزن والكآبة والسوداوية تطغى على النص عبر الدلالات في (الروح- طول الليل- الأرق- الغرق) وفي البيت الثاني يوظف الشاعر الاستعارة التصريحية في لفظة(ظبي) فالمعنى السطحي هو الظبي الحقيقي أما المعنى المقصود هو(المحبوب)، إذ شبّه الشاعر محبوبه بالظبي، فحذف المشبّه وذكر المشبّه به (ظبي) وأبقى لازماً من لوازم المحذوف الذي نستدل عليه عبر النص؛ ليقارن الشاعر بعدها بين ذاته وذات محبوبه التي تحتوي على صفات متضادة في الأفعال والسلوكيات، فبينما نجد الشاعر حزينا في ليله الطويل الملي بالأرق والدمع، نجد المحبوب (مخلّى من الحزن) ولا يعلم ما ألمّ به من هم وقلق ضاق به؛ ليقع المحبوب ضحية لمفارقة رسمها الشاعر بطريقة ذكيّة تجمع بين ثنائيات متضادة كامنة في النص، وهي ثنائية (الحب- الكره) و (الحزن- السعادة) و(الطول- والقصر) وفضلا عن هذه الاستعارات والثنائيات المتضادة يوظّف الشاعر التشبيه الغريب الذي يخرج عن المألوف والمتعارف عليه في عقده الشبه بين متشابهات غير المألوفة أو متداولة، فيشبّه محبوبه في فمه (بالهلال في أول الشهر الذي يغيب في الشفق). ويرى عبد القاهر الجرجاني أنّ هذا التشبيه معقود على الجمع، فالشاعر لم يقصد أن يشبه الكأس منفرداً بالهلال، ولا الشفة بالشفق، وإنما أراد تشبيه مجمل الصورتين، لأننا لو فرقنا بينهما لم ننل منهما بطائل([21]).
ثالثاً: مفارقة الصورة اللونية
تظهر علاقة اللون والرسم والفنون التشكيلية بالشعر من حيث أن الشاعر يشابه الرسم في عمله وهذا الرأي ذهب إليه محمد غنيمي هلال في قوله: " فالكلمة الشعرية، إذن عالم صغير... ويجمع الشاعر كثيراً من هذه العوالم الصغيرة شانه في ذلك شأن الرسامين الذين يجمعون في لوحاتهم الألوان. وقد يظن أنه يؤلف بذلك جملاً, ولكن هذا ظاهر عمله: إنه في الحقيقة يخلق شيئاً. فالكلمات. بوصفها أشياء. تنقسم لديه إلى مجموعات... شأنها في ذلك شأن الألوان والأصوات([22]) وتراثنا الشعبي يعكس كثير من الدلالات الاجتماعية للألوان وتتأتي الكثير منها من العبادات والمعتقدات والموروث الشعبي والخرافات السائدة في مجتمع ما([23]).
وقد وظّف ابن المعتز الألوان في شعره واستطاع من خلال هذه الألوان أن يرسم معاناته وأفراحه بفرشاة لونية تنعكس دلالاتها في النص وتخالف المألوف لتثير دهشتنا تجاه النص وتخالف عُرفنا اللوني، ومن ذلك قوله([24]): (السريع)
|
وجـــــــــعلوا الحق بــــظهرٍ فـــــــــما
|
يبـــغونه فــــي بعض مايبتغـــونُ
|
|
وأُطــــبقَ الشُّر على بــعضهــم
|
ودقَّ شخص الحقَّ في العالمـين
|
|
وركضوا في الجَور ركضاً فمــــــــــا
|
تحِـــــسبُهُم تــقوى حـياءَ وديـــــن
|
|
سَّـــــــــرتهم خـــــــــــضراء دُنـــياهم
|
وآمــنوا الـدهرَ وبـــئس الأمـــــين
|
يبرز الشاعر هذه الأبيات تناقضات قومه وأفعالهم المنكرة ليكونوا ضحايا لمفارقة كونية مبدعها الشاعر فالتضاد بين أفعالهم وبين ما هو مفترض أن يقوموا به يولد التناقض في سلوكياتهم المخالفة للأصل فنراهم يعرضون عن الحق ويجارون الباطل يركضون في الجور ويعادون الحياء والدين مما أدى إلى الحصول على ثمرة أفعالهم في قوله: (أطبق الشر على بعضهم) ويزيد الشاعر من حدة المفارقة عبر توظيفه المفارقة اللونية في قوله: (خضراء دنياهم) ولنا أن نتساءل هل الدنيا لون؟ ولماذا اختار الشاعر اللون الأخضر دون غيره من الألوان؟ ولابد أن يكون جوابنا: أن الدنيا ليس لها لون إذا افترضنا أنً للحياة لون، فسيكون تقديرنا للألوان يختلف من شخص لآخر، فيراها الحزين سوداء بينما يراها السعيد بيضاء، لأن التناقض بين اللونين الأبيض والأسود يكمن في استخدام أحدهما لمناسبات الفرحة والسعادة واستخدام الآخر في المناسبات الحزينة والحزن والمواقف غير المحبوبة([25]) أما اختيار الشاعر للون الأخضر فقد كشفت عن العيش الرغيد والتمتع بالحياة، فهو من الدلالات المبهجة كاللون الأبيض استمد معانيه من الطبيعة والأحجار الكريمة والنبات وجاء هذا اللون في المعتقدات الدينية مرتبطاً بالخضب ونعيم الآخرة([26]). فالشاعر حاول عبر توظيفه لهذا اللون أن يكشف عن الحياة الرغيدة التي عاشها قومه، والتمتع بالملذات الدنيوية، والأقبال على كل نعيم دنيوي، متناسين تقلبات الدهر، أخرتهم التي هي مصيرهم، وآمنوا للدهر ونسوا أنّ الدهر لا أمان له ليقعوا ضحايا لظنونهم وأمنهم الذي جاء في غير محله.
ويقارب الشاعر هذه الدلالات في قوله([27]): (المديد)
|
ولقد أُخضِبُ رُمحي ونصلي
|
ووجوه الموتِ سودُ وحُمرُ
|
والشاعر في هذه البيت يفخر بنفسه وشجاعته موظفاً المفارقة اللونية التي تخرج عن الدلالات المعروفة للون، محدثاً دهشة وغرابة لدى المتلقي؛ ليجعله يتساءل عن هذا الموت وألوان المتنافرة. فـ " الموت الذي تحدث عنه الشاعر؟ كيف يكون للموت لون؟ لماذا وصف لونياً بالأحمر" ([28]) واللون الأسود، وإذا كان اللون الأسود يتناسب مع الموت أكثر لأنه لون الحزن والشدة والموت والفراق والحداد فما الدلالة التي تجعله يختار اللون الأحمر؟ إن اختيار الشاعر للون الأحمر قد أشار به إلى لون الدماء؛ لأن الدم الذي يسيل من الضحية المطعونة يؤدي إلى انقطاع الحياة عن الضحية، وتوقف ضخ الدم إلى جسدها. وإنّ توظيفه لأدوات الحرب السيف والرمح دلالة على أن اللون الأحمر هنا وظّف للدماء وانتهاء الحياة عند الضحية([29]). فمن دلالة الحمرة الدلالة على المشقة والشدة والخطر واشتعال الحروب؛ ولكن على الرغم من هذه الدلالات السلبية للون الأحمر إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون للون الأحمر دلالات إيجابية أيضا فقد يكون رمزاً للصحة والقوة الجسمية([30]).
الخاتمة
بعد انجاز هذا البحث وقراءة شعر ابن المعتز استنتجنا نتائج عدة من اهمها.
- إن مصطلح المفارقة له دلالات وانواع مختلفة ولم يرد في المراجع العربية بنفس اللفظ ولكنه ورد بألفاظ مختلفة وقريبة منه.
- تباينت المفارقة في شعر ابن المعتز بين تشبيهية واستعارية فضلا عن مفارقة الصورة اللونية.
- لقد وظف الشاعر المحسنات البديعية من تسبيه واستعارة وغيرها في مفارقة الصورة فضلا عن الصورة اللونية.
- تميزت الصورة اللونية على الثنائيات الضدية بين اللون الابيض والاسود مع توظيف الالوان الاخرى في بيان صورة المفارقة.
- أفاد الشاعر من الامور المعنوية فضلا عن المادية في توظيفه للمفارقة.
- ارتبطت المفارقة بالتضاد والثنائيات، وتعاضد المعنى اللغوي مع المعنى الاصطلاحي ليشكل وحدة متناغمة مع بعضها في فهم هذا المصطلح.