|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
| |
|
أنماط التشكيل الحواري في قصة السلاح المحرم لغسان كنفاني بحسب نظرية ميخائيل باختين
|
|
إبراهيم حمدي عمر و عبدالأحد غیبی
|
|
قسم اللّغة العربیّة وآدابها، جامعة الشّهید مدني، تبریز، ایران
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 10 May 2025
Revised: 11 June 2025
Accepted:21 June 2025
|
|
يتناول هذا البحث الحديث عن أنماط التشكيل الحواري في إحدى قصص غسان كنفاني وهي قصة السلاح المحرم من مجموعته القصصية أرض البرتقال الحزين، وذلك حسب نظرية ميخائيل باختين في الحوارية، متبعاً خطوات المنهج الوصفي الذي يقوم على تتبع الظاهرة المدروسة ووصفها ومن ثم تحليلها بغية الوصول إلى النتائج المرجوة من الدراسة، حيث تناول أولاً مفهوم الحوار في اللغة والاصطلاح ووظيفته وشروطه وأنواعه، ومن ثم الحديث عن مبدأ الحوارية عند ميخائيل باختين، الذي يعد مبتكر هذا المصطلح حيث عده أساس العمل النثري على نحو عام والرواية والقصة على نحو خاص، إذ إن فن الرواية عنده هو فن حواري، وتتمحور الحوارية من خلال رؤية باختين في مظهرين من ناحية تفاعلية هما الحوارية الخارجية والحوارية الداخلية، وجرى بعد ذلك الحديث عن مبدأ الحوارية وتجلياته وأنماطه في قصة السلاح المحرم من خلال عرض العديد من النماذج الحوارية الممثلة لمظهري الحوار كما حددهما باختين وتفاعلهما مع بعضهما البعض لإنتاج الدلالة التامة، وقد بين البحث كيف كان للحوار بمظهريه أثر كبير في الكشف عن إيديولوجيات الشخصيات القصصية وتشكيل الحبكة وخلق الصراع وصولاً إلى إنتاج الدلالة العامة والمقصدية من الحوارية في قصة السلاح المحرم.
الكلمات المفتاحية: الحوارية، الشخصية، الحوار الخارجي، الحوار الداخلي.
|
|
Keywords:
Dialogism
Personality
external dialogue
internal dialogue
|
|
Corresponding Author
Ibrahim Hamdy omar
[email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v4.i2 a12 ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
Dialogic Patterns in Ghassan Kanafani's Story "The Forbidden Weapon" According to Mikhail Bakhtin's Theory
I H Omar and A A Ghaibi
Department of Arabic Language and Culture, Shahid Civil University, Tabriz, Iran
Abstract
This research deals with the patterns of dialogue formation in one of Ghassan Kanafani's stories, which is the story of the Forbidden Weapon from his collection of short stories, The Land of Sad Oranges, according to Mikhail Bakhtin's theory of dialogue. He first discussed the concept of dialogue in language and terminology, its function, conditions and types, and then discussed the principle of dialogue according to Mikhail Bakhtin, who is considered the inventor of this term, as he considered it the basis of prose work in general and the novel and story in particular, as the art of the novel is a dialogic art, and dialogue revolves through Bakhtin's vision in two aspects from an interactive perspective, which are external dialogue and internal dialogue. After that, the principle of dialogue, its manifestations and patterns in the story of the Forbidden Weapon were discussed by presenting many dialogue models representing the two aspects of dialogue as defined by Bakhtin and their interaction with each other to produce the complete meaning. The research showed how dialogue in its two aspects had a great impact in revealing the ideologies of the story characters, forming the plot and creating the conflict, leading to producing the general and intentional meaning of dialogue in the story of the weapon. Muharram.
مقدمة:
يعد الأدب فناً من الفنون القابلة للتطور بشكل كبير بفعل التغيرات ومجاراة الظروف والمتغيرات على كافة الأصعدة، وتبدو القصة من أهم الأنواع الأدبية وأكثرها قدرة على التطور بفضل مرونتها وانفتاحها وأخذها من مختلف الأجناس الأدبية، كما أنها واكبت الإنسان عبر العصور وعبرت عن مشاعره وأحاسيسه.
ويشكل الحوار واحداً من أهم أسس البناء القصصي والروائي، وهو الوسيلة المعتمدة في نقل حكاياتها الضامنة للتواصل المباشر بين شخصيات القصة أو الرواية، كما يكشف الحوار عن أبعاد الشخصيات وأعماقها وأقوالها، فتتضح عن طريق الحوار مواقفها إزاء ما يجري حولها من أحداث، وتبين آراءها وما يعتمل من مشاعر داخلها، كما يساعد على إلقاء الضوء على الشخصية القصصية والروائية، ويكتسب الحوار أهميته الاستثنائية الخاصة من خلال لغته وطبيعته، فكل ما في القصة أو الرواية تقوله الشخصيات أو يقوله الراوي الذي قد يكون إحدى الشخصيات، وهذا الحوار ما هو إلا خطاب مه إلى المتلقي الذي هو القارئ المفترض، وإلى الشخصيات الأخرى المرسومة والمفترضة والمتخيلة، ليكون الحوار على ارتباط وثيق بالشخصيات المتكلمة والشخصيات التي يتوجه إليها بالحوار، وهو مع ارتباطه بالشخصيات يرتبط أيضاً بالوظيفة التي تؤديها اللغة الحوارية التي تقع موقعاً وسطاً بين اللغة السردية والمناجاة، فهو وسيلة معتمدة في نقل الأقوال، وعنصر فاعل في الكشف عن بواطن الشخصيات المتحاورة لتخبر عن عالمها الخفي وهمومها الداخلية ومشاعرها، لتكتسب المواقف قوة إقناعية في العمل القصصي أو الروائي.
فالحوار من المقومات الأساسية لهذا الفن الأدبي، ودراسته تتيح لنا التعرف على كثير من خفايا هذا الفن الأدبي، وتبدو قصة السلاح المحرم للكاتب غسان كنفاني قائمة على الحوار الضمني أو الداخلي الذي أدى الدور الأبرز في كشف حيثيات هذه القصة، ولا سيما أننا نلاحظ أن الكاتب يستهل قصته بهذا الحوار كمدخل إلى معالجة موضوع القصة.
سبب اختيار الموضوع:
يعود سبب اختياري لموضوع الحوار في قصة السلاح المحرم إلى كون الحوار عنصراً مهماً من عناصر السرد القصصي، ويعد تقنية مهمة من تقنيات بنائه، كما أنه صفة لا تنفصل عن الشخصية القصصية، وقد أسهم الحوار في الكشف عن جوهر هذه القصة وكان له دور أساسي في بناء الأحداث.
أهمية الموضوع:
ترجع أهمية موضوع الحوار في القصة إلى كون الحوار من أهم الوسائل التي يعتمد عليها الكاتب في إضاءة الجوانب المتعددة للشخصية، فهو يقوم على التعريف بالشخصية القصصية، ويقدم المعلومات اللازمة عنها، ويبين علاقتها بغيرها من الشخصيات داخل العمل القصصي، وعلاقة الشخصيات بالزمان والمكان القصصيين.
إشكالية البحث:
تقوم إشكالية البحث على الإجابة عن السؤالين الآتيين:
١- ما هو مفهوم الحوار ووظيفته وشروطه وأنواعه؟
٢- ما هو مبدأ الحوارية عند ميخائيل باختين؟
٣- كيف تجلت أنماط الحوار في قصة السلاح المحرم بحسب باختين؟
المبحث الأول: مفهوم الحوار ووظيفته وشروطه وأنواعه
الحوار في اللغة هو الجواب، والاسم المحاورة، وتعني المجاوبة، والتحاور التجاوب، ويقال حاوره حواراً ومحاورة أي جاوبه، وتحاوروا أي تراجعوا الكلام بينهم وتجادلوا، والمحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة مصدر كالمشورة من المشاورة. (ابن منظور، دت، 6/234)(1)
اما من حيث الاصطلاح، فالحوار هو تبادل الحديث بين الشخصيات في قصة أو مسرحية. (وهبة، 2007، ص154)(2)
أو الحوار هو حديث يدور بين اثنين على الأقل ويتناول شتى الموضوعات، أو هو كلام يقع بين الأديب ونفسه أو من ينزله مقام نفسه، يفرض منه الإبانة عن المواقف والكشف غن خبايا النفس. (كاظم، دت، ص9)(3)
يعدّ الحوار أحد الآليات التي تعتمدها الرواية في بناء تشكيلها السردي بجانب آليّة السرد والوصف، وله تأثير بالغ الأهمية في البناء العام للرواية على مستويات كثيرة، إذ هو على الصعيد البنائي "عنصر مهم من عناصر بناء المسرحية والرواية على حدّ سواء، لكنّ المسرحية تنفرد في كون الحوار يشكّل عنصراً رئيساً فيها، مثله السرد في بناء الرواية وإن كان من الممكن استثماره بفاعلية وكثافة في بناء الرواية على حساب العناصر الأخرى، وبالذات السرد الذي يشكل عنصراً رئيساً في بنيتها" (الجنابي، 2011، ص9)(4)، ومن هنا تتأكد العلاقة الدرامية السردية لآلية الحوار في العمل السردي الروائي، حيث يظلّ ذا حمولة درامية دائماً حتى وإن اشتغل في أيّ حقل من حقول السرد المعروفة .
ولا بدّ على هذا الأساس أن يتشكّل الحوار في الرواية تشكلاً "درامياً كما هي الحال في المسرحية، وغير مكتوب بشكل واضح لتقديم معلومات أو تاريخ الشخصيات أو موضوعات التنصيص" (سرمليان، 1987، ص82)(5) بل هو يؤدي وظيفة مشهدية درامية تغني العمل الروائي وتجعله أكثر مرونة وقابلية على الحركة والتفاعل والجدل السردي .
وتتجلى وظيفة الحوار في تحديد اتجاه الشخصية وسلوكها، ومن ثم "رفع الحجب عن عواطف الشخصية وأحاسيسها المختلفة، وشعورها الباطن تجاه الحوادث أو الشخصيات الأخرى" (نجم، 1956، ص118)(6) ومن وظائفه أيضاً "الإيحاء بصدى الحدث أو الإسهام في تطوير هذا الحدث بما عسى أن يترتب على الحوار من فعل". (فتوح، 1982 , ص83)(7)
وقد اشترط النقاد للحوار لكي يقوم بهذه المهام ان يندمج في صلب القص، وأن يكون سلساً رشيقاً، مناسباً للشخصية وللموقف الذي قيل فيه، وأن يكون قادراً على الكشف عن جوهر الشخصيات وأعماقها. (فتوح، 1982، ص119)(7)
كما يجب ان يكون الحوار مقتضباً، حتى لا يتحول القص إلى مسرحية بفعل الطول، وأن يكون مكثفاً فلا تكون لغته سطحية مكشوفة. (مرتاض، 1998، ص100)(8)
فإذا تحققت في الحوار الشروط السابقة فإنه يعد حواراً جيداً وقادراً على أداء المهمة التي يقوم بها.
وللحوار نوعان:
الحوار الخارجي أو الحوار الظاهر، وهو التبادل الشفهي بين شخصيتين او أكثر، (القط، دت، ص119)(9) والحوار الداخلي وهو حديث بلا صوت يدور في إطار العالم الداخلي للشخصية، وفيه تتناجى الشخصية بحديث خاص جداً قد لا تقدر أو لا تستطيع أو لا تريد البوح به. (بنس، 2003، ص59)(10)
ويمكننا من خلال فعالية الحوار أن نتعرّف الحدث والشخصية والزمان والمكان وغيرها من العناصر التشكيلية الأخرى، إذ بوساطة هذه الجمل الحوارية التي تتبادلها الشخصيات تتجلّى عناصر السرد والدراما على نحو واضح (بهي، 1984، ص152)(11) بحيث يسهم الحوار إسهاماً فعّالاً في تنشيط العملية السردية والدرامية على أمثل ما يكون.
وفي سياق علاقة الحوار بتشكيل الشخصيات الدرامية والسردية فإنه إنما يأتي "لتصوير الصراع النفسي تصويرا درامياً" (موسى، 1965، ص81)(12)، تتعمّق به كل مساحات العمل الأخرى وتتفعّل بما تفرزه إمكانات هذا التصوير الداخلي من خصائص نوعية، تغني حالة الصراع الداخلي كي يتوازى مع حالة الصراع الخارجي على النحو الذي يسهم في إثراء النص.
فعلى الرغم من أن الرواية العربية ذات توجّه خاص في السرد لكي تسهم تجسيد الواقع المستكين على نحو ما، وميلها غالباً نحو السرد عبر ضمير الغائب، إلا أنها تكتنز في داخلها نزعة حوارية خاصة( الجنابي، 2011، ص92)(4) تتشكّل بها درامية السرد الروائي .
وعلى هذا النحو يمكن القول بضرورة أن يكون السرد الروائي (مسرحيا) قدر الإمكان (مارتن، 1998، ص142)(13) في مفاصل تقانية كثيرة وفي مقدمتها الحوار، وذلك للارتفاع بمستوى الحساسية الإبداعية التي تنتقل متن حقل الدراما إلى حقل السرد، حيث يساعد الحوار في مسرحة الشخصية والمكان وعناصر سردية أخرى في العمل الروائي .
بهذا يكون الحوار تقانة سرد ـ ـدرامية لا يمكن الاستغناء عنها لا في المسرح ولا في السرد الروائي، إذ "يجمع النقاد ودارسو الأدب الروائي والمسرحي على أنّ الحوار عنصر مهم ورئيس من عناصر البناء الفني لكلا الجنسين الأدبيين، وهو في الرواية على خلاف ما في المسرحية، عنصر مجاور للسرد يأخذ مكانه ويتناوب معه، متخذاً الطابع التجريدي والاختزالي في عملية بناء المشهد الروائي، وهو إذ يعدّ عموداً رئيساً في العمل المسرحي، فإن أهميته لا تقلّ في العمل الروائي، بل لقد قامت بعض الروايات في آلياتها البنائية كلياً على الحوار الذهني والفلسفي بغية تصعيد الطابع الدرامي على روح العمل الروائي، الأمر الذي يقصر عنه عادة الأسلوب السردي التفصيلي أحياناً، وقد حصل هذا في كثير من الأعمال الروائية العربية والأجنبية"( الجنابي، 2011، ص3)(4)، وقد جعلت من الحوار مرتكزاً أساسياً في مجمل عملية التشكيل السردي، فهو فضلاً عن كونه عنصراً سردياً أصيلاً هو عنصر درامي أصيل أيضاً يجعل منه آلية جامعة لفنين مختلفين في سياق واحد، يحقق قدراً مناسباً من التفاعل والتنافذ والتداخل .
وقد كانت بداية مصطلح الحوار أو الحوارية على يد الناقد الروسي ميخائيل باختين، وقد ذكر الباحثون أنه بالنسبة إلى الرواية العربية ونقدها، فإن التنظيرات والكتابات التي قدمها باختين تشكل إحدى المحطات المهمة في تطور وتجدد مسارها، حيث واجه باختين من عشرينات القرن الماضي الأسئلة نفسها التي واجهتها الثقافة العربية منذ الستينات وهي ما تزال عبر تعرفها الذي تأخر كعادته على المناهج المختلفة من ألسنية وبنائية وسيميائية وشكلانية...وقد قدم باختينمن خلال الموقع الذي له خصوصيته داخل ثقافته ضمن السياق المجتمعي المحدد الأجوبة النقدية والفكرية التي كانت لها أهمية كبيرة جداً بحيث من الممكن التفاعل معها وتحويلها إلى ما يشبه الخميرة للتفكير النقدي المخصب. (باختين، 1987، ص20)(14)
المبحث الثاني: مبدأ الحوارية عند ميخائيل باختين
إن أول ما يلاحظه الدارس في مجال الحوارية هو أن باختين قد أنشأ نظرية الرواية على نظرية اللغة الحوارية، ذلك أنه يرى ان جنس الرواية هو عبارة عن صورة للغة، أما اللغة فقد رأى أنها صورة للحوار الذي لا ينقطع، وبالتالي فأنه وفق هذه الرؤية تأخذ الرواية صفة الحوار أو مجموعة صفاته فتكون مجسدة له، لتكون الرواية على حد تعبيره نوعاً من الكتابة الديمقراطية، وهي كتابة تتعامل مع إنسان عادي غير منتظر للخوارق القادمة ولا يمتلك معجزات، وانطلاقاً من هذا فإن المبدأ الحواري هو القوام لها، وإن أي تطور للرواية قائم على التعميق لمبدأ الحوارية وتوسيعه وإحكامه، وبالتالي يتناقص ما لا يندرج في الحوار من عناصر محايدة صلبة ويقل عددها، فيصير الحوار داخلاً ومتغلغلاً في أعمق الجزئيات، ويصبح داخلاً أخيراً في صلب تكوين الرواية. (دراج، 1999، ص72)(15)
يتناول مصطلح الحوارية حسب باختين جميع العناصر والأبعاد وهو مختص بالأجناس النثرية وبالرواية على وجه الخصوص، حيث يذكر باختين أنه إذا كان صحيحاً أن صور المبدأ الحواري والصيغة الحوارية موجودة في كل الأجناس الشعرية وتجد مكانها من دون أن تكون لها نبرتها فيها، إلا أنه أي المبدأ الحواري يدخل في الجنس الروائي ويكون قادراً على التطوير بحيث يصبح بنية عميقة ومعقدة فيه وحده، وفيه يتم إدراك الاكتمال الأدبي في الوقت نفسه، ذلك أن المعنى الصارم للتشخيص الشعري المتضمن للصورة الاستعارية جار في دينامية الكلمة- الصورة ما بين الموضوع والكلمة في مختلف المظاهر، فلا تفترض الكلمة شيئاً خارج حدود السياق الذي تكون موجودة فيه، وإلا فإنه مما تنطوي عليه اللغة نفسها من ذخيرة، فالكلمة ضمن موضوعها تنسى تاريخها من حيث التناقض في مفهومها اللفظي، وهي أيضاً تنسى حاضره المتعدد اللسان أيضاً. (باختين، 1987، ص54)(14)
ويتابع باختين القول فيما يخص التعامل مع المادة النثرية التي تمثل أساساً قاعدياً للرواية، فيرى أن الناثر يكشف العديد من طرق وسبل وممرات مرسومة في داخله عن طريق ما يمتلكه من وعي اجتماعي ويجعلها بديلاً من امتلاء لا ينفذ بموضوعه نفسه، وهو في الوقت نفسه يكشف ما في الموضوع من تناقضات داخلية كما يكشف حول الموضوع اللغة الاجتماعية المختلفة، فيتخاصر الحوار الاجتماعي مع جدلية الموضوع حول الناثر، الذي يكون الموضوع بالنسبة إليه نقطة الائتلاف لأصوات من تلفة ضمنها فيتحتم أيضاً دويّ صوته، ذلك أنه تخلق من أجل الصوت الواحد فإن الأصوات الأخرى تخلق الخلفية الضرورية وهي من غيرها تفقد صور وتلاوين النثر الأدبي للكاتب الإدراك والمرونة. (باختين، 1987، ص53)(14)
إن الرواية الحوارية هي المثلى لدى باختين، لكونها تمنح كل الأفكار الحق في التعبير والتمثل في هذا الملفوظ، كما تحقق صراعا إيديولوجيا عميقا، وتعددا للآراء، ورؤية أكثر شموال للواقع، مما يكسبها عدداً من القراء الذين يجدون بها أفكارهم ورؤاهم المختلفة. وتفعل الرواية ذلك عن طريق الطرح الإيديولوجي الذي تجسده الشخصيات بالتكافؤ، دون انحياز من الكاتب لواحدة على حساب الأخرى، وإنما إعطاء كل الشخصيات القدر الواحد من الاهتمام، والمساواة بينها من حيث إبراز جوانبها الحسنة والسيئة، فيسعى الكاتب بذلك لتحقيق حياد مطلق، وترك القارئ حرا في الاختيار بين هذا الزخم الإيديولوجي (عيلان، 2001، ص65)(16)
وعليه، تعد الشخصية المتكلم البارز في الرواية، فهي الصوت الإيديولوجي المعبر عن مختلف الأفكار بمختلف التقنيات الفنية.
أشار باختين إلى مسألة ”حياد الكاتب“، واعتبرها أساسية في تحقق الحوارية، فقال عنها: "مؤلف الرواية المتعددة الأصوات مطالب لا في أن يتنازل عن نفسه وعن وعيه، وإنما في أن يتوسع إلى أقصى حد أيضا في إعادة تركيب هذا الوعي ... وذلك من أجل أن يصبح قادرا على استيعاب أشكال وعي الآخرين المساوية له في الحقوق" (باختين، 1986، ص97)(17).
إذ إن المراد من الكاتب أن يحتفظ بموقفه وألا يدافع عنه في الرواية، وأن يطرح بالمقابل أشكال الوعي الأخرى التي تناقض موقفه.
وخلافاً لدور المتكلم، يتحقق المبدأ الحواري أكثر عن طريق ”تعدد اللغات“، حيث إن باختين اعتبر الرواية جزءاً من ثقافة المجتمع، والثقافة مكونة من خطابات َتعيها الذاكرة الجماعية، وعلى كل واحد في المجتمع أن يحدد موقفه من تلك الخطابات. (باختين، 1987، ص43)(14)
ولم يقصد باختين باللغة الاجتماعية مختلف الصيغ التركيبية والنحوية، وإنما الخلفيات السوسيوتاريخية، والطبقية للأفراد، فلا تدرس اللغة لسانياً، باعتبار أن لغتها متعددة بتعدد شخصياتها وإيديولوجياتها، مما يتطلب من الأديب -حسب رأي باختين- التأليف بين هذه اللغات المختلفة، وصياغتها بنائياً وفق ما ينسجم مع فنيات الرواية، فيمّكن الشخصية من المحافظة على لغتها الاجتماعية، ونبرتها المميزة وأسلوبها الخاص. (عيلان، 2001، ص62)(16)
وكذلك إيديولوجيتها الخاصة، وكلما تعددت اللغات تعددت الإيديولوجيات والأصوات، فلم يعتبر باختين اللغة كدلائل فارغة من أي محتوى إيديولوجي، بل الوجه الذي يجسد الصراعات الإيديولوجية في الواقع، كما أن الروائي لا يعرف لغة واحدة ووحيدة، بل إنه يتلقى اللغة مصنفة ومقسمة إلى لغات متنوعة، فالروائي يدخل نوايا الآخرين، والمنظورات والعوالم عن طريق استخدام اللغة، وهذا ما يبرر ”تعدد اللغات“ في نظرية باختين.
ووفق رؤية باختين فإن الحوارية تتمظهر من ناحية تفاعلية في مظهرين:
المظهر الأول هو الحوارية الخارجية، ويصفها باختين بأنها حوارية بين شخصين أو بين عدة أشخاص، فيقول: "وحده آدم الأسطوري وهو يقارب بكلامه الأول عالماً بكراً لم يوضع بعد موضع تساؤل، وحده آدم ذلك المتوحد كان يستطيع أن يتجنب تماماٌ هذا التوجه الحواري نحو الموضوع مع كلام الآخرين، وهذا غير ممكن بالنسبة للخطاب البشري الملموس التاريخي الذي لا يستطيع تجنبه إلا بطريقة اصطلاحية وفي حدود معينة فقط". (باختين، 1987، ص53-54)(14)
أما المظهر الثاني، فهو الحوارية الظاخلية، ويولي باختين هذا النوع أو المظهر من الحوارية عناية فائقة إذ له أهمية كبيرة في الخطاب الروائي، فهو حوار يخص الفرد ذاته، بخيث يكون حواره مع نفسه، ويرى باختين أن هذا "الصوغ الحواري الداخلي للخطاب، سواء في إجابة الحوار أو في النلفوظ المنولوجي الذي يتغلغل إلى مجموع بنيته وكبقات الدلالية والنغبيرية وقع تجا له باستمرار، غير أن عذا الصوغ الداخلي للخطاب هو بالضبط الذي يتوفر على قوة مؤسسية كبيرة، إن الصوغ الداخلي للخطاب يجد تعبيره داخل سلسلة من خصائص الدلالة والتركيب والتأليف لم تدرسها مطلقاً الألسنية والأسلوبية إلى يومنا هذا". (باختين، 1987، ص54)(14)
المبحث الثالث: تجليات أنماط الحوار في قصة السلاح المحرم بحسب نظرية باختين
يهمين على قصة السلاح المحرم لغسان كنفاني مظهر الحوارية الداخلية التي سبق وأن ركز ميخائيل باختين عليه وذكر أنه مظهر لم يتم إعطاؤه حقه الوافي من الدراسة، وتأتي قصة السلاح المحرم مؤكدة لنظرية باختين ونظرته في الحوار الداخلي وأهميته، لنجد أن هذا الحوار الداخلي هو الأساس الذي قامت عليه هذه القصة ومثل جوهرها، ويعرف الحوار الداخلي على أنّه حوارٌ أحادي ، تُعرض فيه أفكار الشخصية وانطباعاتها عرْضَاً من دون تدخل أي وسيط في ذلك (المصطلح السردي، ص155).
ويستطيع الراوي بوساطته تعليق الزمان وتعويمه ومنح الفرصة أمام القارئ للغوص في دواخل الشخصيات ومعرفتها عن كثب ، فضلاً عن الانتقال من خارج النص الى داخله(الزمن في الرواية العربية، ص46)، معبراً من خلاله عن خصوصيات الشخصية و "أكثر مقاصدها صميمية وأقربها الى اللاشعور" (بونروف، رولان وآخرون، عالم الرواية، تر: نهاد التكرلي، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1991، ص163)، وعادةً ما يُطلق على هذا الضرب من الحوار اسم (البوح او الاعتراف) (فن القصة، ص91)، نظراً لانفراد الشخصيات فيه بالتعبير عن بواطنها والبوح بدواخلها إعتماداً على الذات بعيداً عن سلطة الراوي وهيمنته .
وقد عُدّ الحوار الداخلي واحدة من الطرائق التي يوظفها السارد لتقديم شخصياته القصصية( عالم الرواية، ص158)، الى جانب وصفه وسيلة لإدخال القارئ في الحياة الداخلية لهذه الشخصية أو تلك بشكل مباشر( نظرية الأدب، تر: محيي الدين صبحي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981، ص923)
حيث يبدأ كنفاني السرد في قصته بهذا المظهر من مظاهر الحوارية فيسرد عودة أبي علي من دكانه بعد أن أحس ببعض التوعك، فقرر العودة إلى البيت، وفي أثناء عودته يجد تجمعاً لبعض سكان القرية، فيجري كنفاني حواراً داخلياً بين أبي علي ونفسه، فيقول: 'على بعد خطوات منه في الطرف الآخر للساحة المبلطة، كان بعض شباب القرية ورجالها يلتفون حول شيء ما بصورة دائرية ملتحمة، لقد حاول أبو علي أن يخمن الحقيقة من مكانه. إلا أن لم يفلح، لو كان الأمر عادياً إذن لما وقف عبد الله إلى جانب فاروق، فإنهما يكرهان بعضهما كراهية مقيمة، لا بد إذن أن يكون الأمر خطيراً...". (كنفاني، 1987، ص29)
ونجد في هذا الحوار الداخلي أن أبا علي، وهو بطل هذه القصة، يحاور نفسه حول سبب هذا التجمع للشبان، ويطرح الأسئلة التي لم يستطع الإجابة عنها من بعيد، إلا أنه قد أدرك في سره أن هناك أمراً خطيراً يحدث، وهو أمر بالغ الأهمية، فهناك هذان الرجلان اللذان يكرهان بعضهما البعض، وهما مع ذلك واقفان بجانب بعضهما، وهذا الاتجاه الحواري كما يرى باختين، قد أعطت "إمكانات أدبية جديدة وجوهرية،إنه يعطيه فنية نثره التي تلقى تعبيرها الأكثر تماماً وعمقاً في الرواية". (باختين، 1987، ص51)(14)
ثم ينتقل كنفاني بالحوار إلى حوار خارجي بعد أن عجز أبو علي عن معرفة سر هذا التجمع، فانتقل من الحوار مع نفسه إلى الحوار مع من حوله، فيقول:
" ماذا يحدث هنا؟
قال الرجل الواقف إلى جانبه:
- لقد ذهب الضابط إلى بيت المختار وبقي الجندي واقفاً هنا.
- إذن لقد أحضر الضابط معه؟
- نعم، ذهب يتحدث إلى المختار...عله يقبل هذه المرة...
- وأنتم؟
- الرجال يريدون خطف بندقيته.". (كنفاني، 1987، ص30)(18)
والمقصود بالحوار الخارجي "أنّ المتكلم يتكلمُ مباشرةً الى مُتلقٍ مباشر ويتبادلان الكلام بينهما دون تدخل الراوي" (تحليل الخطاب الروائي، ص197)(19)، وعادة ما نجد في مثل هذا اللون من الحوارات مؤشراً لفظياً نحو: قال ، قلتُ ، سألت ، اجبتُ .. الى اخر ذلك. ( حوراني، سمير، المرأة والنافذة، دار الفارابي، بيروت، 2007، ص326)
يوظف الراوي الحوار بين شخصيات الخبر معتمداً فيه صيغة الفعل (قال)، محاولاً أنْ يرسم لنا من خلال هذا التحاور مشهداً يعكس أفعال الشخصيات وكأنّها تتحرك أمامنا وتتبادل الأدوار في الحديث ، ليبتعد الخبر عن السرد الصرف ويقترب من مسرحة الاحداث ، اذ يختفي صوت الراوي وتتقدم شخصيات الخبر لتتحاور فيما بينها وليكون الحوار هو الوسيلة الكاشفة عن مشاعرها الباطنية وهواجسها وانفعالاتها .
وتأتي وظيفة هذا الحوار الخارجي لتسوغ عملية انضمام أبي علي إلى المجموعة التي تحيط بهذا الجندي، فقد قاده فضوله مع توعكه الصحي إلى ذلك، وهذا بحسب باختين نوع من الأيديولوجية التي تكون حاضرة في الرواية من خلال عنصر المتكلم، ذلك أن هذا المتكلم مهما كانت درجته هو "منتج إيديولوجيا، وكلماته هي دائماً عينة أيديولوجية". (باختين، 1987، ص183)(14)
وهذا ما نلحظه في قصة السلاح المحرم، فبعد هذا الحوار الخارجي، يحشر أبو علي نفسه مع الجماعة، لكنه لم يكتف بذلك، بل أراد أن يكون أكثر قرباً من الحدث، يقول الراوي: "اندس في الصف،فوسع له الىجال موطئ قدميه، إلا أنه خطا إلى الأمام ودافع الرجال بكتفيه وكفيه حتى صار في الصف الأمامي، وصار الجندي أمامه مباشرة على بعد ثلاثة أو أربعة أمتار، ومن مكانه ذاك استطاع أن يقيس البندقية، إنها من طراز حديث، مشطها يتسع لثماني طلقات، ونبدو جديدة لا مجروحة ولا صدئة، وقال في نفسه أن ثمنها لا بد يكون فوق المئة جنيه". (كنفاني، 1987، ص31)(18)
ونجد هنا أن الحوار انتقل مرة أخرى إلى حوار داخلي، حيث أراد أبو علي معاينة الحدث، فكان حديثه الضمني حول نوع البندقية وميزاتها وثمنها، مع أن الثمن لا يعنيه في شيء، وهنا تأتي فاعلية هذا الحوار بالانتقال إلى حوار خارجي بسيط: "قال للرجل الواقف إلى جانبه:
- من الذي يريد خطفها؟
- لم يقرر أحد،بعد، انظر إلى عينيه الزرقاوين كيف تغزلان، إنه ملعون حذر ككلب الصيد.". (كنفاني، 1987، ص31)(18)
وهذا الحوار الخارجي كان ممهداً للموقف الفكري لبطل القصة، وفي ذلك يقول باختين: "من الواضح أن الإنسان الذي يتكلم ليس مشخصاً وحده وليس فقط بوصفه متكلماً، ففي الرواية يستطيع أن يكون فاعلاً على نحو لا يقل عن قدرته على الفعل في الدراما أو الملحمة، إلا أن لفعله دائماً إضاءة إيديولوجية، إنه باستمرار فعل مرتبط بخطاب، وبلازمة إيديولوجية، كما أنه يحتل موقعاً إيديولوجياً محدداً، إن فعل الشخصية وسلوكها في الرواية لازمان، سواء لكشف وضعها الإيديولوجي وكلامها، أو لاختبارهما". (باختين، 1987، ص184)(14)
وقد تجلى هذا الأمر بوضوح بالغ في قصة السلاح المحرم، فبعد ذلك الحوار الخارجي البسيط، يعود بنا الكاتب إلى حوار داخلي يبين انسجام ايديولوحية الشخصية البطل، أبو علي مع سلوكه، فيقول: "فكر أبو علي قليلاً ثم قرر قراره فجأة، لقد هبط العزم هبوطاً داوياً في رأسه، فنسي وعكته وتذكر شيئاً واحداً فحسب، هو أن هذا الجندي المسلح يجب أن لا يبقى هنا، وإذا ما خطفت البندقية منه فلا بأس أن يبقى، لأنه عند ذاك لن يختلف عن البقية ولن يكون ذا ضرر قط، إذن يجب أن تخطف البندقية، لقد كان القرار نهائياً، ولكن الأمر لم يكن سهلاً، صحيح أن السكين الطويلة غير مثبتة في ماسورة البندقية إلا أنها تتأرجح هناك على حزام الجندي، وإذا أراد أم يصل إليها فإنه لا يحتاج إلى وقت طويل، ثم إن الضابط قد يرجع بين لحظة وأخرى، ولذلك فالقضية ليست قضية لعب، وإذا أراد المرء أن يقوم بعمل ما فيجب أن يحسب للأمور حسابها من كل الزوايا". (كنفاني، 1987، ص31)(18)
وهذا القرار الذي نجده في هذا الحوار الداخلي قد جاء منطلقاً من إيديولوجية أبي علي التي نجد التمهيد لها في الحوار الخارجي السابق. وبالتالي فإن شخصسة أبي علي قد أنجزت الأفعال منطلقة من منظورها الخاص ومواقفها الإيديولوجية، لتأتي الأفعال منسجمة مع الإيديولوجيات، وهذه هي رؤية باختين لمبدأ الحوارية، فإن "فعل بطل رواية ما مبرّز دائماً من طرف إيديولوجيته". (باختين، 1987، ص186)(14)
وتنخرط الحوارية الداخلية بالحوارية الخارجية لتتضافر معها في إنتاح الفعل النهائي للشخصية، ذلك أن ذلك الحوار الداخلي الذي أجراه أبو علي قاده إلى فعل منطلق من إيديولوجيته الخاصة، ليتفاعل الحوار الخارجي معه في إنتاج الفعل، يقول: "وقبل أن يسوي أبو علي الأمور في نفسه قرر أن يستشير الجماعة، فصاح بأعلى صوته كي يسمعه كل الرجال:
- يا شباب من الذي سيتقدم..؟
إلا أن أحداً لم يجب، وكل الذي حدث هو أن جميع العيون صوبت إليه، بما فيها تلك العينان الزرقاوان للجندي الواقف في وسط الدائرة..كان خائفاً لأنه كان يعرف أن أية حماقة قد تسب له نهاية عاجلة على أيدي أولئك الرجال الملتفين حوله كالأسورة.
صاح أبو علي مرة أخرى:
- سآخذها أنا يا شباب.
وأتاه صوت من طرف الحلقة المقابلة:
- أنت سيدها يا أبا علي.
كرر بصوت أعلى كأنما ليبعث الحماس في نفسه:
- سأخطفها منه..
قال نفس الصوت:
إنها حلالك..
صاح مؤكداً:
- إنها حلالي، سآخذها..
وفكر قليلاً، ثم نظر حواليه وقال بصوت خفيض:
- حين تصير البندقية في يدي، وسعوا لي طريق الهرب، وإذا حاول أن يلحق بي سدوا الطريق بوجهه.
- معقول يا أبا علي، اعتمد علينا.
- سأعتمد عليكم...". (كنفاني، 1987، ص32)(18)
وأول ما يلفت الانتباه في هذا الحوار الخارجي هو تشكيل الموقف الفكري الإيديولوجي للشخصية من خلال عنصر الفعل، لأن الأفعال التي تنطلق من شخصية أبي علي قد ساهمت في بلورة صوت الشخصية بحسب باختين، ومع ذلك فإن كشف موقف الشخصية الإيديولوجي من خلال الفعل فقط لم يكن ممكناً، وهذا ما يؤكد عليه باختين الذي ذهب إلى ضرورة تشخيص خطاب الشخصية بعد إيضاح دور الفعل في إبراز للإيديولوجيا الخاصة بالشخصية. (باختين، 1987، ص186)(14)
وهنا يأتي دور الفعل في تجسيد الفكر الذي برز من خلال الحوارية الداخلية، ليشرك شخصية أخرى في هذه الحوارية الداخلية وهي شخصية الجندي الهدف:
"على بعد ثلاثة أمتار أو أربعة كان الجندي الواقف مع بندقيته قد فهم كل ما يجري، إلا أنه بقي يحدق دون أن يقدر على عمل أيما شيء، وكان أبو علي يعرف بأنه لن يستعمل سلاحه الذي ربما لم يكن محشواً أيضاً...لقد كان واقفاً هناك بشكل لا يحسد عليه أبداً..غير قادر على اكتشاف ماذا يتعين عليه أن يفعل، مكتفياً بالنظر إلى أبي علي نهو يقوم بإعداد العدة على أكمل وجه،...". (كنفاني، 1987، ص34)(18)
أن هذا التمازج بين نمطي الحوارية الداخلية والخارجية كما يرى باختين إضافة إلى دخول صوت جديد هو ما جعل الخطاب وفعل الشخصية يجسدان التوجه الإيديولوجي داخل القصة، حيث كان يؤكد باختين على عنصر الخطاب مع تذكيره بمعضلة التشخيص اللغوي للخطاب، ومن هنا فقد كان لانسجام عنصر اللغة مع الإيديولوجيا هو المهم عند باختين ضمن إطار ما أسماه تعدد اللغات. (باختين، 1986، ص68)(17)
ويتابع كنفاني سرد أحداث القصة من خلال قيام أبي علي بخطف البندقية من الجندي وما رافق ذلك من ملابسات للعملية وكأنه يقوم بوصف مشهد من مشاهد عملية ما، ليختفي أبو علي بعدها، حيث لم يصل إلى بيته ولم يعرف أحد طريقاً له، إلا أن كنفاني يخبرنا بما حدث، فبعد أن اختطف أبو علي البندقية وركض باتجاه بيته، اعترضه رجلان، وطلبا منه البندقية:
"- هاتها...ألا تسمع،
بلع أبو علي ريقه وقال بصوت واهن:
- إنها حلالي..
- لقد رأيناك تسرقها...هاتها..
- إنها حلالي..
- هاتها..". (كنفاني، 1987، ص39)(18)
ويأتي هذا الحوار الخارجي ليبين مصير أبي علي وكشف لغز اختفائه، لقد اعترضه هذان بعد أن اختطف البندقية، إنهما من أهل القرية، وقد عرفهما أبو علي، إنها الخيانة التي يريد الكاتب أن يتحدث عنها، فقد دفع أل القرية بأبي علي ليخطف البندقية ثم قطعا عليه الطريق لاستردادها، وكان كل أهل القرية مشتركين في الجريمة، إلا أن حواره الخارجي معهما يبين أن ثمن خيانة أهل القرية لن تكون حياة أبي علي فقط، بل إن الجميع سيدفع الثمن:
"- لقد عرفتكما...افسحا الطريق، إنهم ورائي.
- هاتها أو خنقناك.
- عرفتكما...
- أعطنا إياها وإلا قتلناك..
- ولسوف نموت جمبيعاً..اتركاني!". (كنفاني، 1987، ص40)(18)
وهنا تبدو فاعلية الحوار الخارجي في الكشف عن حيثيات القصة من جهة والكشف عن إيديولوجيات الشخصيات من جهة أخرى، إلا أن الحوار الداخلي كان هو الفاعل في تحديد هذه المعالم وتضافر مع الحوار الخارجي في تحديد الإيديولوجيات التي تحملها الشخصيات، وهذا ما أكد عليه باختين لما جعل من تعددها السبب في إحداث التعدد في الأصوات، وقد أكد الباحثون على على هذه النظرة، فقال بعضهم: "تتعدد الشخصية الرولئية بتعدد الأهواء والمذاهب والأيديولوجيات والثقافات والحضارات والهواجس والطبائع البشرية التي ليس لتنوعها ولا لاختلافها من حدود". (مرتاض، 1998، ص73)(8)
لقد كان أبو علي بطل الىواية قد شكل زاوية نظر خاصة ابتغاء خلق صراع إيديولوجي في القصة (لحمداني، 1990، ص72 ) ، فلعبت الشخصيات المتعددة أدواراً مهمة في إحداث الصراع الأيديولوجي داخل القصة، إلا أن باختين يدعو إلى ضرورة أن تتبادل ابشخصيات وجهات النظر حول بعضها، وهذا ما لاحظناه في حوار أبي علي مع الذين قطعوا عليه الطريق، فلا يتم الاحتفاظ لنفس الكاتب بأي معلومات جوهرية، "وإن كان قد احتفظ بشيء فقد احتفظ بذاك الحد الأدنى من المعلومات الضرورية ذات الطابع البراغماتيكي والإخبارية الخاصة والتي كانت ضرورية لسير القصة". (باختين، 1986، ص104)(17)
وهذه الثنائية الصوتية هي مفهوم من ابتكار باختين، ويقابله مفهوم آخر هو مفهوم الصراع الإيديولوجي، وهذا المفهومان تجليا في قصة السلاح المحرم بشكل واضح.
خاتمة ونتائج البحث:
تناولت هذه الدراسة الحديث عن أنماط التشكيل الحواري في قصة السلاح المحرم لغسان كنفاني من مجموعته القصصية: أرض البرتقال الحزين، وذلك بحسب نظرية ميخائيل باختين في الحوارية، وقد توصلت هذه الدراسة إلى النتائج الآتية:
١- تنطلق فكرة الحوارية عند ميخائيل باختين من فمرة حضارية تقوم على احترام الآراء المختلفة في الرواية والقصة وعدم فرض رأي المؤلف مع وجود التناقضات على المستوى الإيديولوجي عند الشخصيات.
٢- كانت الإيديولوجيا في قصة السلاح المحرم متجلية على شكل الأفكار المتناقضة التي تحملها شخصيات القصة المختلفة، وقد أعطت هذه الإيديولوجية الفرصة لبروز هذه التناقضات وفرضت نفسها.
٣- كانت شخصية بطل القصة أبو علي حاملة للإيديولوجيا عن طريق ما صدر منها من أقوال وأفعال، وقد تبادلت هذه الشخصية مع شخصيات القصة الأخرى إيديولوجيات متناقضة حققت من خلالها القصة مبدأ الحوارية التي أراده باختين.
٤- كانت لغة قصة السلاح المحرم حاملة لهذه الإيديولوجيات المتناقضة وقد عكست الأنماط الفكرية المختلفة لشخصيات القصة من خلال مظهري الحوار الداخلي والخارجي.
٥- برز الحوار الداخلي فاعلاً في تحديد نمط إيديولوجي معين لشخصية البطل وساهم في تكوين الحبكة القصصية وكان مؤسساً للأفعال الصادرة عن شخصية القصة الرئيسية بما ينسجم مع نظرة باختين لأهمية الحوار الداخلي .
References
1- Ibn Manzur, Jalal al-Din ibn Mukarram, Lisan al-Arab, Dar Sader, Beirut, n.d.
2- Wahba, Magdi, Dictionary of Literary Terms, Beirut, 2007
3- Kazem, Najd Abdullah, The Problem of Dialogue in the Arabic Novel, College of Arts, University of Baghdad, Jordan, n.d.
4- Al-Janabi, Qais Kadhim, The Dialogic Tendency in the Arabic Novel, General Cultural Affairs House, Baghdad, 2011.
5- Sarmalian, Leon, The Construction of the Narrative Scene, trans. Fadel Tamer, Foreign Culture Journal, no. 3, year 7, Baghdad, 1987
6- Najm, Muhammad Yusuf, The Art of the Short Story, Beirut Printing House, 1956.
7- . Fattouh, Muhammad, The Language of Narrative Dialogue, Fusoul Journal, vol. 2, no. 2, 1982.
8- Murtad, Abdul Malik, On the Theory of the Novel: A Study in Narrative Techniques, Alam Al-Ma'rifah Series, National Council for Culture and Arts, 1998.
9- Al-Qatt, Abdelkader, On Modern Arabic Literature, Youth Library, Cairo, n.d.
10- Bens, Gerald, The Narrative Term, Supreme Council of Culture, Cairo, 2003.
11- Bahi, Issam, Language in Prose Drama, Fusul Magazine, no. 1, vol. 5, 1984.
12- Moussa, Fatima, Between Two Literatures: Studies in Arabic-English Literature, Anglo-Egyptian
13- Library, Cairo, 1965. Martin, Wallace, Modern Narrative Theories, trans. Hayat Jassim Mammad, Supreme Council for Culture and Arts, Cairo, 1998.
14- Bakhtin, Mikhail, The Narrative Discourse, trans. Muhammad Barada, Dar al-Fikr for Studies, Publishing and Distribution, Cairo, 1st ed., 1987.
15- Darraj, Faisal, The Theory of the Novel and the Arabic Novel, Arab Cultural Center, Casablanca, Morocco, 1st ed. 1999..
16- Ailan, Amr, Ideology and the Structure of Narrative Discourse: A Socio-Structural Study of the Novels of Abdelhamid Ben Hadouf, Mentouri University Publications, Constantine, 2001.
17- Bakhtin, Mikhail, The Poetics of Dostoevsky, trans. Jamil Nasif al-Tikriti, Dar Toubkal for Publishing, Casablanca, Morocco, 1986.
18- Kanafani, Ghassan, The Land of Sad Oranges: The Story of the Forbidden Weapon, Arab Research Foundation, Ghassan Kanafani Cultural Foundation, Beirut, Lebanon, 4th ed., 1987.
19- Lahmdani, Hamid, Novelistic Criticism and Ideology: From the Sociology of the Novel to the Sociology of the Novelistic Text, Arab Cultural Center, Beirut, 1990.