المقدمة:
أولاً: تعد الموضوعات من صلب تكوينات الفنتازيا ، إذ تعمل نصوص الفنتازيا على مزج العناصر غير المألوفة والمألوفة بنسيج لحمة نصية جديدة، وهذا التشكيل المكوّن هو ما يتصدع مع النظام المعترف به في الحياة اليومية، فهي تؤسس موضوعاتها عن طريق إحداث قطيعة مع الانسجام الكوني. ويرى تودوروف أنّ موضوعات الفنتازيا يتم تحديدها بصفتها "إدراكًا خاصًا لأحداث غريبة" (تودوروف،1993،ص121)(1)
أي أنها الأحداث التي يتم إدراكها من قبل القارئ المتماهي مع الشخصيات وتفحصها من حيث ذاتها. وإنّ ما يميّز هذا الحكي عن غيره من المحكيات الأُخر هو تشكيلها المغاير للبنيات الأُخر، إذ تتصف بالتعقيد والغرابة، فهي موضوعات جديده تتسم بالابتكار، وتنطلق من الواقع، ليس لتأكيده، بل من أجل تفجيره؛ لذلك نجدها وسيلة يتم عبرها بناء الرواية ونسج خيوطها بتلوينات متشابكة (حليفي،2009،ص89-90)(2)
وقد قسّم تودروف الموضوعات الفنتازية على قسمين أو شبكتين: الأولى: هي شبكة (الأنا) وتتمثل عنده في "سببية خاصة وحتمية شمولية ومضاعفة للشخصية وتحطيم للفاصل بين الذات والموضوع، وأخيرًا، تحوّل الزمن والفضاء(8)" (تودوروف،1993،ص152)(1) وهذه المجموعة تتعلق "فيما بين الإنسان والعالم" (تودوروف،1993،ص152)(1) أي علاقة إدراك حسي واعٍ للإنسان مع العالم الخارجي، والثانية: في شبكة (الأنت) الرغبة الجنسية الجامحة التي يحصرها تودوروف في انتهاك المحارم والعلاقات الجنسية المثلية والعلاقات المثلثة والعلاقات الجنسية مع الأموات أو ما شابه ذلك (تودوروف،1993،ص167-172)(1) وهذه الشبكة تعبر عن علاقة الإنسان برغباته لاستكشاف الجانب اللاشعوري منها.
إنّ التقسيمات التي قدمها تودوروف هي "صورية، تجريدية، لا تخضع لمنطق معين تمليه الخصائص الشكلية، بل هي تصنيفية، تجمع عن طريق الاستقراء الموضوعات المتداولة في الأدب العجائبي على العموم" (علام،2009،ص198)(3) فحصر تودروف لموضوعات الفنتازيا قائم على قراءته هو وما سقط بين يديه من تلك الموضوعات المتوفرة في زمانه وليس بناءً على منهج معين يجعلها في قالب محدد لا يمكن الخروج عنه؛ لذلك فمسالة الموضوع يعود تحديده "لذاتية الناقد التي لا يمكن التخلص منها، إنها ذاتية ناتجة عن طبيعة التعامل الحسي الفردي الخاص مع النصوص" ( علام،2009،ص201)(3) ومن هذا المنطلق سنحدد الموضوعات الفنتازية التي عرضها الروائي طارق إمام في روايته (ماكيت القاهرة) وهي: [المسخ والأنسنة والرغبة الجنسية الجامحة (شذوذ)].
فالمسخ: يعد من أهم الموضوعات وأكثرها تداولاً، ويمكن عده الزاوية المحورية في الأدب الفنتازي من أجل رصد الواقع اليومي (السلبي) وتصويره بطريقه جمالية ترتبط بمعانٍ فكرية وأخلاقية، فتتشكل رؤية للعالم، وهذه الرؤية تقف على تلبسه بما هو فوق طبيعي، وظهوره بمظاهر مختلطة ومتعددة لإنتاج دلالة تتعلق بمصير الإنسان الذي يعاني من مأزق يحيطه بكافة اتجاهاته، فحضور ما هو فوق الطبيعي أو الشاذ في هذه الموضوعة واجب لتعرية واقعنا المألوف وفضحه.
ويمكن تعريف المسخ بكونه موضوعة "تتماس في شكل مضخم مع تحولات الواقع وتحولات النفس الإنسانية وتقلباتها، إذ إن امتساخ شيء ما هو خضوعه لتحولات تطاله من حيث الزيادة أو الانتقاص" (حليفي،2009،ص90)(2) وهذه التحولات في رواية (ماكيت القاهرة) تكون على نوعين:
الأول: كأداة للقتل وعقاب يطال المظهر الجسماني للشخصية، ترتب على حدث ما فأنتج مسخًا (للإصبع).
والثاني: يتم تصوير تحول الإنسان المعاصر من الحركية إلى السكون بواسطه التهجين بين العضو الإنساني المنفصل (العين) والجدار. و"هذه الامتساخات التي يتم تصويرها بشكل واعٍ تحمل حمولتها الدلالية والاجتماعية، فتؤدي وظيفتها الأدبية المتعلقة بتوليد الرعب والتردد في القارئ والشخص ذاته" (حليفي،2009،ص124) (2) وعادة ما يكون المسخ رمزا يدلّ على معنى " وكلما كانت فعالية الترميز أعلى وأكثر كثافة وأعمق رؤية عبر بقوة ووضوح" (عزاوي،2007،ص173)(4). وهذا ما نجده في كثير من نصوص الرواية.
ثانياً: إنّ مسخ الإصبع يأخذ بعدين:
أ- يتمثل بكون الإصبع أداة للقتل.
ب- يتم عبر تشويهه كما هو متمثل في المقطع الآتي:
"أوريجا 2045 م
يتذكر أوريجا أنّه كان طفلًا حين قتل أباه بهذه الطريقة: ألصق إصبعا بجبهته متخيلا أنه مسدس، أطلق دوياً من فمه: بوم...
منشغلا قليلا عن أبيه القتيل، ظل يتأمل الإصبع الذي ينبعث الدخان من تحت أظفره ...
الآن وبعد مرور خمس وعشرين سنة يتأمل أوريجا الإصبع نفسه، الذي دون سبب رفض أن يكبر بعد ذاك المساء البعيد عن سنة 2020، محتفظًا بأبعاده لحظه القتل.
إصبعه المجرم ... ظل إصبع طفل... الإصبع ليس مبتورًا وليس ضامرًا أيضًا: إنّه وحسب عضو قرر أن لا يغادر طفولته، فيما ترك بقية الجسد تتمدد في العالم، ذات يوم سيشيخ ذلك الجسد ثم سيفنى، فيما يواصل إصبعه طفولته" (إمام،2024،ص11-12)(5)
يصدم الروائي القارئ منذ المقطع الأول للرواية ويجعله يقع في منطقه الحيرة والتردد ويدفعه ليتساءل كيف لإصبع أن يطلق رصاصة حية؟ إنّ هذا الإصبع عبر موضوعة المسخ أصبح سلاحًا غير مألوف للقتل، وانما هو سلاح خارق للمألوفية، فوجود ما فوق الطبيعي هنا يعد ضرورة حتمية من أجل تصوير هذا الواقع الأليم بطريقه فنتازية وتغريب للقارئ ودهشه وذهوله، وما يزيد هذه الدهشة بإعطاء هذا المسدس المتخيل صفة حقيقية وهي الدُّخان، وبهذا يحقق الروائي هدفه الإيهامي، ثم يعمل على تحقير هذا الإصبع بثيمة مسخية وهي التقزيم، إذ سيظل إصبعًا شاذًا بين الأصابع الأُخر لكفّ يده، وهذا التجسيد الذي أعطاه الروائي للإصبع بأنه ليس مشوهًا أو ناقصًا عن طريق عيب أصابه كالبتر أو الضمور، بل ليؤكد بأنه يمثل رمزًا للشر؛ لكي يحتفظ بهذا البعد الإجرامي ويتذكره دائما بين الحين والآخر إلى أن يموت. وبهذا يصبح مسخ الأصابع هنا ذو دلالة سلبية؛ لأن ما سيواجه أوريجا بعد ذلك في الحياة معتمدًا على هذا الفعل (القتل) وخروجه عن السلطة الأولى المتمثلة بالأب.
وفي المقاطع السردية الآتية يتكرر مسخ الإصبع إلى مسدس مع شخصية (نود) لكي يكون أداة تجمع بين وظيفتين (التحرر والقتل):
"لو نجحت في تحطيم هذا الزجاج بضربة واحدة، فستكون داخل الماكيت قبل أن يتمكن أي شخص من إعاقتها" (إمام،2024،ص321)(5)
"رفعت نود سبابة يدها اليمنى، تأملتها للحظات مترددة، ثم صوبتها باتجاه الزجاج.
أغمضت عينيها وأطلقت الرصاصة" (إمام،2024، ص324)(5) "فتحت عينيها على نافورة دم من أشلاء الزجاج.
ذابت، كان رجل المرآة يملأ النافذة عندما أطلقت رصاصتها، تتذكَّر أنّ رجفة شملتها فور أن صوبت سبابتها باتجاهه؛ لأن عينيه اتسعتا، وأخذ يطوّح بيدين كأنه يتوسل إليها ألا تفعل، لكنها فسرت إشارته كتحذير وليس كتضرع.
هل تموت الصورة؟ لقد هشّمت عشرات المرايا وألواح الزجاج من قبل، وكان يعود يلتئم تلقائيا مع تطلعها لأول سطح جديد.
الآن يجيب الدم: لقد قتلت رَجُلَ حياتها" (إمام،2024،ص330) (5)
إنّ الروائي طارق إمام كان حريصًا على توظيف هذه الثيمة المسخية – المسدس- كسبيل للخروج من أي سجن يحاصر الكائن أو يحس به، ليكون مفتاح الخلاص والتحرر حتى لو كانت هذه الطريقة غير مقبولة إنسانيًا واجتماعيًا أو حتى عقليًا، فالهدف من ذلك، هو توكيد العنف في هذا الواقع المألوف عبر طريقة تتجاوز المألوفية لإثارة وبث الدهشة والخوف، فنشاهد إصبع نود يطلق رصاصًا حيًا، فتتحقق نود هدفها من جهتين:
الجهة الأولى وهي التحرر من مكانها المغلق داخل غرفه المبيت للجاليري؛ كي تعبر إلى ماكيت القاهرة الذي سيتحول إلى مدينه القاهرة الحقيقية ،ومن جهة ثانية هي تحررها من القرين بقتله وذلك عن طريق إشارة دلالية متخيّلة وضعها الروائي وهي الدم، وبهذا تعود نود إلى كونها شخصية سوية، فالمسخ في هذه النصوص على عكس النصوص السابقة فهو ذو دلالة إيجابية قائمة على فكرة التحرر المكاني - من المكان المقيد إلى المكان المأمول المتمثل بـ (الماكيت)- والتوهيمات النفسية في آن واحد. أما مسخ العين فيمكن تقديمه في النصوص الآتية:
"في تلك الليلة التي توقف فيها فجأة مستشعرًا شيئًا يبرق تحت قدميه ... بريق نظرة تتطلع إليه. انحنى عليها. كانت عينًا إنسانية، عينًا حقيقية، مكتملة وحيّة، ولا تزال قادرة على النظر، كشطها براحة يد مفردة كجاروف" (إمام،2024،ص29) (5)
"فور وصوله البيت، ورغم العتمة لمح بلياردو جدارية ما على تلك الواجهة، لم تكن ظهرت عندما غادر... كان ثمة شخص مرسوم يرتدي ملابسه التي يرتديها الآن بالذات. أما الوجه، فكان دون شك نسخة عملاقة من وجهه، بعين يمنى سليمة، ومرشوشة بإتقان، تقابلها فجوة منحوتة بدقة، لتحلّ محلّها عينه اليسرى المفقوءة.
حدق في يده المنفرجة، قارن العين التي تسبح على راحتها بالعين المرشوشة في الجدار، ثم بتجويف نظيرتها الفارغة، وسرعان ما تأكد أنها تنتمي للمقاييس نفسها" (إمام،2024،ص37)(5)
"الآن تحت الضوء المبهم لقمر ما، يعلو بلياردو مبتعدًا عن الأرض، صاعداً نحو رأس جداريته العملاقة" (إمام،2024،ص64)(5)
"الآن يواجه وجهه، بيد متشبثة بالسُّلَّم ويد تسبِّح على راحتها العين... الشيء الوحيد الحقيقي كان تجويف عينه الغائر، المنحوت بدقّةٍ وبعمق حقيقي لحدقه فارغة. تأمله بلياردو للحظات ثم سكب العين فيه متمنيا أن لا تسقط أو تسيل، لكن التجويف، كما لو أنه يملك قوه جذب مغناطيسية تلقّف العين التي ما إن ملأته بدقه ملليمترية، حتى وجّهت نظرتها الأولى لبلياردو نفسه.
في هذه اللحظة اكتشف بلياردو دون ذرة من شك، بينما يتأمل النظرة الإنسانية لوجهه الحجري، أنّ تلك العين المفقودة التي عثر عليها للتو هي نسخة عملاقة من عينه.
بدأت العين تتلفت يمينًا ويسارًا، كأنما تستغرب حقيقة أنها العضو الوحيد الحي في جسد مادّته الخرسانة، وفي هذه اللحظة سقطت منها دمعة عملاقة أغرقت الجدار" (إمام،2024،ص71-72)(5)
يأتي المسخ في هذه المقاطع لإضفاء قيمة رمزية ذات سمة أخلاقية يتم عبرها التأكيد على المغزى التأويلي العميق للرواية إذ ينطلق ويتأسس من خلال الواقع اليومي لحياة الإنسان القاهري المتمثل في الثورة وأحداثها ولا سيما قنص العيون من قبل السلطة الحاكمة.
يبدأ النص الأول بظهور عضو إنساني منفصل عن الجسد وهو العين العملاقة التي يعثر عليها بلياردو وما تزال حيًة؛ مما يعطي سمة عاطفية عالية جعلت الشخصية والقارئ المتماهي معها في حيرة وتردد، إذ إنّ الروائي عمد إلى توظيف المحسوسات المتمثلة بالدموع في هذا التصوير ليعكس هذه الغرابة والتردد في قبولهما من عدمه معًا، ثم يواصل النص تقديم مفاجئات بظهور رسمه كرافيتية جديدة على جدار البيت لشخصية بلياردو، فيتم المسخ هنا عبر توليفة متنوعة بين عنصرين متنافرين بشكل غير مألوف وخارق للمنطق والعقل في تكوينها: أحدهما حيّ متحرك وهو العين العملاقة والآخر جامد ساكن وهو الجدار، وهذا المسخ كفيل ببث الرعب في النفوس وما يعبر عنه من دلالة عميقة تمثلت بحبس الإنسان في تجويف أخرس وهو جدارية لكي يجسد تقييد الحريات.
ومسخ البشر جاء من أجل أن يكونوا جدرانًا جامدة ساكنة غير قابلة للحركة وهذا السكون ينقلهم إلى الموت؛ لأن الإنسان قوامه في الحركة ومماته في السكون وهذا التحنيط للإنسان في جدار يدل على تجميع طاقته وأفعاله وهو ما يعكس صورة الإنسان المعاصر والمحاصر والضعيف الهامشي عبر موضوعة المسخ ليصبح وجود الإنسان كعدمه، فيتحول وجوده إلى لا شيء وغير الفاعل لأن السلطة العليا عملت على اقصائه وتعنيفه. وبهذا يمسي حيّا داخل مقبرة أو ما شابه ذلك، وهذا ليس بأسوأ من أن يحيا الإنسان في هذا العالم وهو جثة هامدة صامدة لا يقوى على شيء، فهو يكرّس ايحاءات العجز والانسحاق الناتج عن القهر السلطوي بصوره فنية رائعة وجميلة
إنّ تسليط الضوء على شقاء الإنسان وعذاباته بواسطة عرض رائع "للمسألة الأخلاقية عن طريق الخيال الذي يقترب من تخوم الفنتازيا" (آبتر،1989،ص141)(6) يجعله عرضة للتذكير بوظيفة الإنسان أو البشر عامة ألا وهي (العمل على تحقيق العدالة) والمسخ الذي تم تقديمه يركز على "إدانة الواقع وتعريته فما هو فنتازي في الواقع المعيش هو طبيعي فحياتنا الواقعية تحتشد بالفنتازيا إلى حد التخمة" (إلياس،2022،ص206)(7)
والعين رغم انفصالها بقيت حيّة لكي يشاهد الإنسان واقعه بعين أكبر لعلها تحيط بهذا الواقع المر وتكشفه؛ لذلك نراها تتحرك يمينًا وشمالًا خائفة مترقبة حتى وهي منفصلة عن الإنسان وساكنة في الجدار وفاقدة لأي رؤية أو موقف ممكن أن تتخذه، وإن هذا الشعور الإنساني بقي متواصلا حتى وهي بعيدة عن أصلها - الجسد الإنساني - لترسيخ طبيعة عمق الخوف الذي يجري داخل الإنسان المعاصر بسبب ما يحياه في ظلّ نظام متوحش وديكتاتوري.
"انتزعه فجأة صوت سرينة بوكس تحوم، ارتعب، متذكرا أنّه لم يلتقط صورة لجداريته ... فتلك الجدارية، بما فيها العين، عرضه للإزالة، وقد يحدث له ذلك خلال لحظات.
هبّ بسرعة ... راكضًا ... حتى صار في مواجهه صورته كانوا يقفون تحت الجدارية بزيّهم الميري الليلي، ظهورهم له، أقزامًا تحت قدميه جداريتين. كان أحدهم يشير لأعلى متلقيًا اهتمامات موافقة من الواقفين حوله. رأى بلياردو لمعة الطيور المعدنية على أكتافهم ومصباح عربه (الاتاري) ... صوّب كاميرا الموبايل مستغلًا أكبر قدر ممكن من اللحظات الشحيحة المتاحة للقطات متلاحقة، متمنيًا أن تتحرك العين الجدارية خلال تلك اللحظات، أن تنظر وتتلفت وتشرِّد وترمش وتبكي" (إمام،2024،ص117) (5)
"ظل يصورها حتى أغمضت للأبد. لم يستغرق الأمر منهم وقتًا لتعود العين تجويفًا فارغًا وليعود الشخص جدارًا.
وبكى بلياردو، في ليلهم، كما لم يبك عمره كلّه" (إمام،2024،ص118) (5) .هذه المقاطع تؤكد أنّ حتى الجماد الجدران لم يسلم من عقوبات السلطة الحاكمة، فهي تخشى حتى هذه الجدران الساكنة، وتتخيل لدرجة أنها ممكن أن تخيفها وتهدد وجودها، ونستنتج من ذلك أن السلطة الديكتاتورية ضعيفة وهشة، وممكن أن تخيفها أبسط الأشياء حتى لو كانت رسومًا كرافيتية؛ لأنها لا تملك رؤية حقيقية في مواجهه الخطر إلا بالعنف على الإنسان والجماد على حد سواء. فسقوط العين وحذف صورته (الرسمة الكرافيتية) بمعنى أنّ الجيش اقتلعوا عينه مرة ثانية أو أزالوها برفع هذه الرسوم الكرافيتية، فضلاً عن أن هذه الرسوم تشكل شكلاً من أشكال مقاومة السلطة والتمرد عليها بوصفها فن الكتابة على الجدران.
أما الموضوع الثاني الذي تطرق له الروائي طارق إمام في روايته (ماكيت القاهرة) هو (الأنسنة) ويمكن تعريفه بأنه "كل شخصية تدخل في إطار غير العاقل، لكنها تتصرف تصرف الإنسان ... وتظهر في السرد والوصف ... بوصفها فاعلًا، وتملك دورًا محددًا ... وهي تشكل لحمة المبنى الحكائي أو تكون جزءًا منه" (2) (ياسين،2010،ص127-128)
فإسناد أو إضفاء الصفات والأفعال الإنسانية إلى الجمادات والأشياء غير العاقلة هي ما تحقق البعد الفنتازي في الرواية، وبهذا يكون "تحوّل أفعالي، إسنادي لا تحول خلقي، بعبارة أخرى لا نعني بالأنسنة تحول غير الإنسان إلى صوره إنسان بل مجرد ممارسة غير الإنساني فعلًا إنسانيًا" (هارون،2013،ص50)(8) وقد يأتي على أشكال منها تحول المانيكانات* الجامدة إلى ممارسة أفعال إنسانية كما في المقاطع الآتية:
"مثل القاهرة كانت غرفة أبيه مدينة مزدحمة ومثلها كان يقطنها شعب صامت من المانيكانت" (إمام،2024،ص147) (5)
"تلك الذوات الصامتة ما لبثت أن أصبحت الروح الحقيقية للبيت ... أمه كانت تتكلم عن مانيكانات أبيه باعتبارها أشخاصًا حقيقيين، تخشى أذاهم ...مبكرًا، سترت أجسادهم العارية بالملابس" (إمام،2024،ص148) (5)
"خصصت يومًا في الأسبوع لغسيل ملابسها منفردة، وأحيانًا ما كان يلمحها تتشمّم الغيارات متأففة كأنها تخصّ أجسادًا إنسانية.
أما أكثر ما كان يثير اندهاشه فحنق أمه حين تضيق الملابس على البعض وتتسع أخرى ... ولم يفهم بلياردو أبدًا كيف لجسد غير بشري أن يكتسب كيلوغرامات أو يفقدها.
يتذكر شهقتها حين دخلت الحمام ذات مرّة فوجدت تمثالًا جبسيّا مقرفصًا على الكابينة وقد أنزل بنطلونه، ليقضي حاجته. سيخبرها زوجها بعد ذلك أنه من نسيه على هذه الوضعية بينما كان يحلق ذقنه، لكنها لن تصدقه. رفعته متأففة حين رأت برازه قطعًا حجرية تسبح في ماء الكابينة لا يمكن أن تكون غائطًا إنسانيًا" (إمام،2024،ص149) (5)
"في أيامه الأخيرة أصيب أبوه بلوثات غير مفهومة، بدأت بمنحه أسماء ثلاثية لمخلوقاته. ذات يوم أيقظه في الفجر مضطربًا ... رأى جثمانًا جبيسًا مسجى على السرير محاطًا بعيون أقرانه المحدقة. غسله رفقة ابية بالماء ... إلباسه الكفن ... رفعه معه على "خشبة" ... حمل أبوه النعش من الإمام وهو من الخلف ... بوصولهما للمقابر ... كانت المقبرة مفتوحة، ويبدو أن أباه جهّز كل شيء بطريقة غامضة ... عبر أبوه إلى ظلمة المقبرة، ومرر هو إليه الجثمان الحجري ... ظل يتابعه حتى أُرقد الجثمان بالشكل الصحيح مواجهًا القبلة ثم فكّ أربطة الكفن وأهال عليه التراب" (إمام،2024،ص153-154) (5)
يقدّم الروائي عبر غرفة (أبو بلياردو) واقع القاهرة فهي تمثل نموذجاً مصغراً لهذه المدينة التي تتصف بأنها مكان ضيق بالنسبة لأعداد البشر الذين يسكنونها، وهؤلاء البشر القاطنين امتازوا بصفه الصمت كما هي المانيكانات وهذه الفاتحة الدلالية جيدة للولوج إلى أنسنة المانيكانات بممارستها الأفعال الإنسانية فيما بعد أو إلزامها بها من دون أن تتكلم أو نسمع صوتها؛ لكي تبين رؤية الروائي عن طريق هذا التشبيه الذي يفيد بتساوي الكائنات الجامدة والمخلوقات الإنسانية بكونها صامتة لنفي النطق عن الإنسان هو لتصوير الشخصية المصرية التي اسكتتها السلطة وجعلتها خرساء كالمانيكانات ، ومن أجل تأكيد هذا الطرح عمل الروائي على أنسنة المانيكانات بعدة أفعال منها:
(ستر أجساد المانيكانات بالملابس، وغسلها لكي يتم تعطير ريحتها النتنة) وإضفاء بعض الصفات الفسيولوجية عليها كالنمو الجسدي وزياده الوزن ونقصه، ثم إسناد فعل الغائط اليها. فهذه الأفعال تبدو للشخصية والقارئ على حد سواء بأنها خارقة للمنطق وعالمهم المألوف، مما يصيبهم بالدهشة والذهول بداية ثم تصبح الشخصيات فيما بعد تنقاد لتتعامل معها بوصفها كائنات إنسانية كما نجد ذلك مع (أبي بلياردو) و (بلياردو)، منها منح (أبو بلياردو) لهذه المخلوقات أسماء ثلاثية لترسيخ مفهوم وجودها أبًا عن جد ثم الجري وراء مراسيم الميت: (تغسيله وتكفينه وحمل نعشه ودفنه)، كل هذه الأفعال هي أنسنة جاءت لتجسد طبيعة الحياة للكائن الإنساني المعاصر، فوقفت على أفعال لا ترقى إلى كينونته الإنسانية، بل إلى هامش وجوده من أفعال يكاد يتساوى فيها حتى الحيوان تقريبًا كالأكل والشرب والغسل والنمو وقضاء الحاجة والموت وغيرها من الوظائف الغريزية من دون أن تتطرق إلى طبيعة تفكيره ووعيه ونطقه. وبهذا يكون الإنسان غير نافع، فوجوده وعدمه سواء. فالأنسنة عملت على تقريب واقعنا الغريب والمدهش معًا.
أما الموضوعة الأخيرة التي سنتطرق إليها تتمثل (بالرغبة الجنسية الجامحة) التي عدّها (تودوروف) نقطة انطلاق الشبكة الثانية المعروفة بـ(شبكة الأنت) إذ تخالف المألوف في ممارسة هذه اللذة، ليصبح انقطاع التواصل مع الآخر بدلًا من تحقيقه، وتعمل أيضا على القوقعة داخل الذات لكي تجسّد رؤية الروائي طارق إمام التي تتكشّف لنا بشكل مستمر ألا وهي (العزلة).
إنَّ هذه الموضوعة هي جزء من موضوعات الأدب الفنتازي الذي "يتعلق تخصيصا بوصف أشكالها الجامحة، مثلما يتعلق بوصف تحولاتها المختلفة، أو إذا شئنا قلنا: تحريفاتها ... ولا يتجلى فوق الطبيعي بنفس الجدّة في كل حالة من هذه الحالات: فهو يظهر ليقدم ... الرغبات الجنسية القوية بصفة خاصة ... ولا يتعلق الأمر ... إلا بغريب بعيد الاحتمال اجتماعيا" (تودوروف،1993،ص174)(1)
فدخول هذه الموضوع في الأدب الفنتازي من باب أنه لا يصلح الحديث عنها في أنواع أُخر من الآداب، وممكن عدّها "ذريعة لوصف ما لا يمكن وصفه واقعيًا" (خليل،2007،ص85)(9) فالفعل الفنتازي "يتيح للنص أن يدخل إلى المساحة التي يحتلها الممنوع من العرف الاجتماعي دون أن يخشى، تقريبًا، مغبة هذا الدخول" (خليل،2007،ص85) (9) فالأصل في الفنتازيا أن تخترق كل ما هو ممنوع سواء أكان منطقيًا أو اجتماعيًا أو دينيًا أو أخلاقيًا.
وقد أكد تودوروف على موضوع الجنس بعدّة شواهد "لـبيان دوره في صناعة الفانتاستيك وكشف ضرورته في إبراز الدلالة، ذلك أن الجنس في واقعه قيمة جمالية للعمل الفني، ويبني جسور التواصل مع المتلقي ... بوصفه محركًا للنص العجائبي، وبانيًا لمنطق اللامنطق" (الزبيدي،د.ت،ص91)(10) لذلك يؤدي "الإحساس المتطرف - أي الشعور العالي باللذة - دورًا بارزًا في خلخلة الثوابت الإنسانية من أجل الذات المفرطة في التفرد" (الزبيدي،د.ت،ص90)(10)
إنَّ الرغبات الجنسية الجامحة تعدّ أحدث ثوابت الأدب الفنتازي لكونها تبنى على مخالفة المألوف والطبيعي في ممارستها والانفلات من الرقابة الذاتية والاجتماعية والدينية. وهذا ما نجده في رواية (ماكيت القاهرة) من انتهاك للقانون الطبيعي في هذه الممارسات من أجل تجسيد العلاقات الشاذة التي تنبع من مكبوتات جنسية أو رغبات جامحة يمارسها شخوص يمكن تصنيفهم بأنهم مرضى على الصعيد النفسي والاجتماعي، وهذا ما يعرف بالاضطراب، فـ" الاضطراب هو الانحراف الواضح والملحوظ في مشاعر وانفعالات الفرد حول نفسه" (غازي،2025،ص100)(11) وهذا ما يظهر لنا في النصوص الآتية وأولها رغبة نود:
"مع بداية المراهقة، تجرأت لأول مرّة على مضاجعة كاملة، كان الوصول لها حتمًا بعد حرائق الاستمناء المتبادل. نزعت مرآة غرفة نومها المستطيلة وأنامتها فوق جسدها حتى غشاها، منطبقًا على جسدها في عتمه كاملة، وعندما رفعت ساقيها من حول إطارها، تلمست إيلاجه الضامئ، والذي، لاندهاشها آلمها، ورغم أنّه فعل كل شيء دون أن يغادر سطحه، فقد سال دم بكارتها. لم تسأل كيف يمكن لجسد افتراضي أن يسيل دم جسد حقيقي، مثلما لم تشعر حتى بندم وهي تفقد عذريتها بإيلاج صورة" (إمام ،2024،ص96)(5)
يبدأ النص بتقديم رغبة نود الجامحة والمخالفة للطبيعة المنطقية والاجتماعية في هذه الممارسة، التي تنبع من شخصية تعاني من تخيلات وهمية، وهذه التخيلات هي التي تعمل على إشباع رغباتها بطريقة فنتازية، مما جعل القارئ يقع في حيرة وشك وتردد في قبولها أو تصديقها. فكيف يمكن لرجل أن يتجسد من خلال المرآة ويعمل على مضاجعة كاملة وهو مجرد صورة متخيّله ناتجة من إرسالات الدماغ؟ وهذه التخيّلات تعكسها المرآة فيتم تصديقها بصريًا، فالتصوير الايهامي للنفس جعلها تصدق أنها تمارس هذه الرغبة حقيقةً وتحقق عبرها الشعور باللذة والألم. ويصر الروائي على مواصلة خديعة المتلقي، ويجعله لا يغادر موطن الحيرة بين التصديق من عدمه وذلك بقدرة عالية من التلاعب بالنصوص ومنها قوله (لم يغادر سطحه) ثم يكمله بمقطع آخر يصدم القارئ ويكسر أفق توقعاته بقوله (سال دم بكارتها) وفي الحقيقة المتخيلة أن هذا الدم هي من أسالته عبر استمنائها المتوحش والمكبوت. وهذه الرغبة الشاذة ستستمر مع الشخصية حتى بعد الزواج من أجل تأكيد هذا الشطط وعزلة الشخصية عن الآخر.
أمَّا شذوذ بلياردو فيمكن تقديمه من خلال هذين النصين الآتيين: الأول: وهو في شوارع القاهرة: "أمام الفاترينات، كان بلياردو يتجول إلى أن يعثر على واحدة تستثير ما بين فخذيه، وهنا كان يسرح في استمناء بطيء، ينتهي بقذفه في بنطلونه الذي لم يرتد أبدًا سرولاً من تحته، لكنه، ذات مرة، غائباً، انزل بنطلونه، أخرج قضيبه المتحجر، وقذف على الزجاج، عينا البائعة المحجَّبة التي كانت تراقبه ما لبثتا أن تصلبتا، قبل أن تطلق صرخة مدوية. ركضًا متعثراً في بنطلونه المنحسر بينما يحاول لملمته كطفل ختنوه توَّاً تاركا مؤخرته عارية أمام المدينة. في النهاية نجا نجاة شجعته أن يكرر فعلته بعد ذلك طالما يستطيع في لحظة أن يركض، وهكذا بدأ حياته كهارب ... الذي كان يستحيل تخيّله، إنه ومنذ أصبح رجلًا لم يمارس أبدًا عادته سرية بإلهام جسد إنساني" (إمام ،2024،ص151) (5)
يقدم هذا المقطع السردي شذوذ بلياردو في ممارسه رغبة جنسية غير سويّة، تعبر عن انجذابه الجنسي نحو كائنات جامدة كالفاترينات والمانيكانات لتكون هذه الوسائل أدوات لاستثارة رغبته الجامحة التي تبلغ من القوة والسلطة تجعله مندفعا لممارسه الاستمناء في أي مكان كان دون أن يخشى أحدًا يشاهده. ونلحظ أنّ هذه الممارسات الشاذة بدأت تتطور بالتدرج من الخفية تحت البنطلون إلى العلن، فهذه الرغبة المكثفة تصبّ في عمق الأدب الفنتازي؛ لأنها تطرح ما هو غريب اجتماعي ناتج عن مرض نفسي، وهي إحدى المتغيرات أو التحولات والانحرافات في العلاقة الجنسية، ثم يؤكد الروائي على شذوذ الشخصية في السطر الأخير. إنه منذ أن أصبح رجلًا لم تستثره امرأة حقيقية، وهذا التأكيد يرتبط بدلالة العزلة عن الآخر من ناحية، ومن ناحية أخرى هو أن الجماد بدأ يأخذ مكان الإنسان، وأصبح يؤدي وظائفه الجسدية، منها، الرغبة الجنسية.
أما النص الثاني فهو عند دخوله لغرفه المسز:
" بينما يستعرض المصغرات على المكتب بصورة أشد تفصيلية، استوقفه مانيكان مصغّر عار في فاترينة على مقاسه. على الفور عرف أنه ليس دمية طفولية بل نسخه من مانيكان حقيقي يجسّد انثى ناضجة، تكاد تنطق، كما لو كانت مانيكانًا حقيقيًا.
بدأ العرق يغمر جبهته فيما يشعر ببدء انتصابه، حاول أن يزيح عينه عن الثديين الصلبين والعانة الناصعة المشقوفة، لكنه أخفق، وحتى عندما حاول إقناع نفسه أنّ من الشذوذ أن يهيج على نسخه مصغّرة وليس مانيكانًا حقيقيًا أخفقت أفكاره الواعية في إخماد تصلب قضيبه الغريزي. هكذا مدّ يده ناكشًا قضيبه غير الظاهر للمسز كابحًا أنفاسه لأقصى ما يستطيع، غير أن شهقته خانته. ورغم أنّه كان يتوقع أن يقذف في مكانه إلا أنه كمُسيّر، نهض وأنزل بنطلونه ومعه تسارع أنفاسه فيما تحجرت عينه على الفرج الدقيق صوب عينيه نحو مستطيل الزجاج الدقيق للفاترينه والذي بدا هدفا صعبا للنشان" (إمام ،2024،ص255) (5)
يقدم النص من خلال هذا المقطع السردي أعلى درجات الشذوذ الجنسي لهذه الشخصية عبر مبالغته لهذا التعطش الذي لا يحدّه حدود أو حاجز، إذ نراه يتجاوز كل ما هو مألوف وطبيعي، و"هنا يتحول الجنس من رغبة إلى جوع يسعى فيه ... إلى إشباع فرجه بغض النظر عن النوع والكيفية" (الزبيدي،د.ت،ص99)(10) سواء أكان مانيكان بحجمه الطبيعي أو مصغّر، فكلاهما يستثيرانه مما يؤدي إلى غياب وعيه في إدراك زمانه ومكانه ومن يجلس حوله، فهذه الرغبة الجامحة تدفعه لممارستها كأنّه أسير لها من دون حتى التفكير في عواقب هذه الأفعال وما سيلاقيه بعدها.
أما الشخصية الشاذة الأخيرة فهي متمثلة في شخصية (أبو بلياردو):
"كان أبوه يغلق غرفته على نفسه من الداخل بالساعات، لكن تلك المرّة طال غيابه، لينقضي يوم واثنان وهو حبيس جدرانه ولما هُيّئ لأمه أنها تنسمّت رائحة تحلّلُه تعبر عقب الباب، أطلقت الصرخة الأولى.
عندما قفز الخطوات اللازمة، متيبسًا خلفها في حلق باب غرفة نومها المحطّم بدفع الجيران، رأى ما رآه الجميع، حتى بدا أنّ موت أبيه كان محض عرض، كانت أنثى المانيكان مطروحة على السرير، مرفوعة الساقين، وكان هو فوقها، داخلها، جاثيان، بعريه المتجمد. للحظة، نقل بلياردو نظرة بين الساقين المرفوعتين على السرير ونظيرتيهما المتدليتين على الكرسي المتحرك، واندهش لأن هاتين الجبسيَّتين، كانت أكثر حياة من ساقي أمه الميتتين، كانت المرأة المقعدة تواصل الصراخ، صراخ لونت نبرته لوعة الخديعة هذه المرّة وليس الحزن، وكانت الأنثى العارية في الفراش، بذراعين معقودتين على الصور، كأنما تخبئ ثديها، وتوجه نظرتها المصدومة للجميع" (إمام ،2024،ص155) (5)
إن هذا المقطع السردي يسلط الضوء على الشذوذ بالتوارث، الذي ندرك من خلاله أن بلياردو اكتسب هذا الشذوذ في رغبته من والده الذي كان يمارسه بالخفاء في غرفته المغلقة مع المانيكانات التي يصنعها بيده، ثم يقدّم الروائي عذرا للشخصية في اللجوء إلى هذه الرغبة الشاذة عن طريق مقارنة بلياردو بين المانيكان الجامدة والشخصية الإنسانية الحيّة أم بلياردو، لتكون الأولى أكثر حياة من الثانية، فهذه الموضوعة تمت معالجتها في الأدب الفنتازي لأنها تدخل بما يسمى بـ(الغريب المجتمعي) وهو أحد موضوعاتها.
الخاتمة:
حاولت هذه القراءة النقدية تقديم لُبّ الموضوعات الفنتازية؛ عبر تفكيك نصوص ماكيت القاهرة وتحليلها، وايضاح ما استغلق على الفهم، ومن اهم النتائج التي توصلت اليه الدراسة والتي يمكن أن نجملها بما يأتي:
1- إنّ الموضوعات الفنتازية لا تأتي للتسلية بل تحمل بين طياتها دلالات جمّة، تعكس الواقع الإنساني المأزوم.
2- وتتميز هذه الموضوعات بالغرابة والتعقيد في الوصول الى الدلالة المقصودة.
3- غالباً ما تعبر الموضوعات الفنتازية عن تقلبات الواقع وتحولاته ولاسيما التحولات الكبرى - السياسية والاجتماعية والاقتصادية- التي يخضع لها الانسان المعاصر.
4- وتعد السلطة بنوعيها الداخلية والخارجية قاهرة للفرد، إذ تعد قيداً لا يستطيع الانفكاك منه، فنراه يخضع لرغباته ويعمل على
اشباعها من جهة، ويخضع للآخر ويستجيب له من جهة اخرى، فالآخر هو الجحيم بحد ذاته.
5- وتركز هذه الموضوعات في البحث عن الحرية المطلقة؛ عبر عزلة الإنسان عن الواقع والانغلاق على الذات.
References
1.Todorov T. Introduction to Fantastic Literature, translated by Al-Sadiq Boualam, Dar Al-Kalam, Rabat, 1st ed.1993.
2.Hlaifi S. The Poetics of the Fantastic Novel, Al-Ikhtilaf Publications, Algeria, 1st ed.2009.
3.Allam H. The Marvelous in Literature (From the Perspective of Narrative Poetics), Al-Ikhtilaf Publications, Algeria, 1st ed.2009.
4.Azzawi A. Character Construction in the Novel: A Reading of Hassan Hamid’s Novels, Publications of the Arab Writers Union.2007.
5.Imam T. Cairo Maquette, Mutawassit Publications, Milan – Italy, 7th ed. 20404
6.Abtar . Fantasy Literature (An Introduction to Reality), translated. 1989. by Sabbār Saadoun Al-Saadoun, Al-Ma’moun Publishing House, n.p.
7.Elias , Jassim K. Magical Realism and Narrative Transformations, Dar Nineveh for Studies, Publishing and Distribution, Damascus – Syria, 1st ed.2022.
8.Mitham H. T H. The Fantastic in the Iraqi Novel, Master’s Thesis, College of Education, University of Dhi Qar, supervised by Prof. Dr. Diaa Ghani Lafta. 2013