تعدُّ دراساتُ نقدِ الاستشراقِ الأكثر أهميةً وصعوبة؛ لكونها تحتاجُ إلى عوامل أساسية حساسة، منها الموضوعيةُ والإنصاف، ومنها الخبرةُ والإطلاعُ على ما أنتجه المستشرقون، ومنها القدرةُ النقديةُ والتحليليةُ التي ينبغي أنْ تتوافرَ لدى مَن يتصدَّى لنقد الاستشراق.
كثرت الدراساتٌ التي عالجت نقد الاستشراق ضِمن نطاقِ التاريخ والسياسة والعقائد؛ حتى توهِّم الكثيرون بأنَّ جهدَ الاستشراق لا يقع إلا ضِمن هذه الأطر، في وقتٍ كان جهدُ الاستشراق واسعاً، وللكثير مِنه عطاءٌ وافر، وليس مِن الإنصاف تجاهله، أو حشْره في سلةٍ واحدةٍ مع الاستشراق القاصر عن الأداء الموضوعي، لذلك فإنَّ النقدَ الموجَّه إلى الاستشراق لا يعني الإعمامَ والحكم بالسلب على كلِّ منجزاته، وهذا لا يمنع مِن توجيه دراساتٍ تقيِّم هذا الجهد أو تصحح قصوره أو حتى شططه أحياناً.
أمَّا عن ميزةِ هذا البحث فتتمثَّل في توجُّهِه صوبَ نقد الاستشراق من جانبٍ طالما افتقد إلى العناية الكافية؛ قُبالةَ نقد الاستشراق السياسي والعقائدي، وما نعْنيه هنا نقدَ المنهج الاستشراق فيما يخصُّ الأدب العربي، لكن (من وجهة نظر المستشرقين أنفسهم).
ويتميَّز جهدُ المستشرق ياروسلاف بالريادة في مجالِ نقد الاستشراق الأدبي؛ وهو جهدٌ يمتاز بالدقة والشجاعة؛ مع دفاعاتٍ عن قيمة الأدب العربي ودوره الحضاري والإبداعي، لاسيما في بحثِه المبكر Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession والذي نشره عام 1967م، ولم يقتصر فيه على نقدِ المناهج الاستشراقية؛ فيما يخص الأدب العربي؛ بل حلّل قيمةَ هذا الأدب، وكشف عن خصائصِه التي غالباً ما عانَتْ من الإقصاء أو وسوء الفهم. هذا فضلاً عن تقديمه الحلول لتلافي هذا القصور؛ سواءٌ على مستوى المناهج أو على مستوى الأدواتِ التي ينبغي على الغربيين امتلاكها؛ لفهم هذا الأدب وإنجاح التواصل معه.
وقد جرت العنايةُ بحثِه هذا شرحاً وتحليلاً ونقداً، وبالاستعانة بما كتبه ياروسلاف نفسُه في بحوثٍ وكتبٍ أخرى، ثم بما قدَّمه مستشرقونَ آخرون؛ مِما يصبُّ في هذا المضمارِ؛ أو يقترب منه.
تهدف الدراسةُ إذن إلى هدفين: الأولُ الوعيُ بمواقفِ الغرب مِن الأدب العربي، ومعرفة التوجهات التي رافقت تلك المواقف ومدى إسهام المستشرقين فيه. أمَّا الهدفُ الآخر فيسعى إلى تحليل الخللِ المنهجي الذي جعل تلك الدراسات تتصف بالقصور أحياناً، وبالشطط أحياناً أخرى؛ مِن وجهة نظر المستشرق ياروسلاف.
البحث
تأتي أهميةُ دراسةِ المستشرقِ الأمريكيِّ الاوكراني الأصلِ ياروسلاف مِن منطلقاتٍ مختلفة، الأول: تعدُّدُ توجهاتِه البحثية وتنوُّعها؛ فيما يخصُّ الأدب العربي، والمنطلق الثاني نزْعتُه الشمولية في التعامل مع أجناس الأدب العربي؛ عِبْر عصوره الأدبية.
أمَّا المنطلقُ الثالثُ الأكثر أهمية فهو توجُّهُه النقدي؛ ليس في مجالِ الأدب العربي فحسبُ؛ بل في نقدِ خطاب المستشرقين أنفسِهم؛ مِن حيث رؤاهم وتوجهاتهم؛ فيما يخصُّ طبيعةَ الأدب العربي ولغته، هذا فضلاً عن خطابه النقدي الموجَّه إلى النقاد والأدباء العرب في العصر الحديث.
ومِن المفيدِ بدايةً إعطاءُ نبذةٍ مكثفةٍ عن السيرة العلمية للدكتور ياروسلاف؛ لِما في هذا مِن أهميةٍ في معالجةِ مَفاصل البحث.
ياروسلاف ستِتكڤِتش Jaroslav stetkevych (مواليد عام 1929)؛ باحثٌ ومستشرقٌ أمريكيٌّ الجنسيةِ مِن أصولٍ أوكرانيِّة، حصل على الدكتوراه في الأدبِ العربي مِن جامعةِ هارفارد عام 1962م، ثم عمِل ردحاً مِن الزمن في منصبَ أستاذِ الأدبِ العربيِّ في قسمِ اللغاتِ وحضاراتِ الشرق بجامعة شيكاغو، ونشر الكثير مِن البحوث والكتب، وقد تُرجم قسمُ مِن أعمالِه إلى العربية، وهي متنوعةٌ مِن حيث مجالاتِها وأزمانِ كتابتها.
وفيما يلي مَسردٌ بأهمِّ منجزاته المترجمة وغير المترجمة؛ نسردها لتتكوُّنَ لدينا صورةً عن حجمِ نشاطاتِه وتنوِّع إنجازاته، ويدفع بباحثين آخرين إلى ترجمة ودراسة ما لم يترجم؛ ويدرس مِن أعمال ياروسلاف.
لـ ياروسلاف كتبٌ وبحوثٌ كثيرةٌ؛ منها دراسةُ الأدب العربي وصفاً وتاريخاً ونقداً، ومنها دراساتٌ في نقدِ الخطاب الاستشراقي، ويُعدُّ هذا الأمرُ مِن أكثر المناحي الاستشراقية أهمية، - وبخلاف الكثافة التي قدَّمها المستشرقون الروس ثم ما قدمه المستشرق البريطاني هاميلتون ﮔب - فإنَّ ياروسلاف مِن أكثر المستشرقين عناية بالأدب العربي ونقده.
- كتاب: العربُ والغصن الذهبي: إعادةُ بناءِ الأسطورة العربية. بترجمة سعيد الغانمي2005م.
- كتاب: أبو تمام وشعرية العصر العباسي Abū Tammām and the Poetics of the Abbāsid Age
- كتاب: الكلام الصامت الخالد: الشعرُ الجاهلي وشعرية الطقوس.
Speak The Mute Immortal. Pre-Islamic Poetry and the Poetics of Ritual
- كتاب: مشروعيةُ شعرية الأسطورة والجنس وطقوس الاحتفال، في القصيدة العربية.
Poetics of Islamic Legitimacy: Myth, Gender, and Ceremony in the Classical Arabic Ode
- كتاب: قصائد العباءة: قصائد عربية في مدح النبي محمد r.
The Mantle Odes: Arabic Praise Poems to the Prophet Muḥammad
- كتاب: قصيدتان عربيتان حديثتان عن الصيد
Two Modernist Arabic Hunt Poems
- كتاب: متع الصيد البلاطي السرية. أبو نواس والطرديات العباسية
The Discreet Pleasures of the Courtly. Hunt. Abu Nuwas and the Abbasid Tardiyyah
- كتاب المصطلحات التأويلية العربية: المفارقة وإنتاج المعنى
Arabic hermeneutical terminology: paradox and. The production of meaning
- كتاب (الشعر العربي والمستشرقون Arabic poetry & orientalism).
- بحث: الاسم واللقب: فقه اللغة وعلم علامات تسمية الحيوانات في الشعر العربي المبكر
Name And Epithet: The Philology And Semiotics Of Animal Nomenclature In Early Arabic Poetry
- بحث: الحداثة والشعر الماورائي في طرْدِيَّة محمد عفيفي:
Modernity and Metapoetry in Muhammad Afīfī Matar’s Hunt Poem: Trardiyyah
- بحث: اللغة الأدبية العربية الحديثة، التطورات المعجمية والأسلوبية
The modern Arabic literary language. Lexical and stylistic developments
- بحث: الحمار الوحشي والمها في القصيدة العربية
In Search Of The Unicorn: The Onager And The Oryx In The Arabic Ode
- بحث: لقاء مع الشرق: الشعر الاستشراقي لأهاتانهل كريمسكي
Encounter with the East: The Orientalist Poetry of Ahatanhel Krymsky
- كتاب: التضحية والفداء في الشعر الإسلامي المبكر: قصيدة "الصياد البائس" للحطيئة
Sacrifice and redemption in early islamic poetry: al-hutay'ah's "wretched hunter"
- بحث: بعض الملاحظات على الشعر العربي
Some Observations on Arabic Poetry
- بحث: القصيدة العربية: من الشكل والمضمون إلى المزاج والمعنى
The Arabic Qaṣīdah: From Form and Content to Mood and Meaning
- بحث: التقاء الأدب العربي والعبري
The Confluence of Arabic and Hebrew Literature
- الصيد في الشعر العربي الكلاسيكي: من المخضرم إلى العارضية الأموية
The Hunt in Classical Arabic Poetry: From Mukhaḍram "Qaṣīdah" to Umayyad Aardiyyah".
- كتاب ابن قتيبة وما بعد القصيدة العربية الكلاسيكية ( ١٩٨٦م).
"Ibn Qutaybah and the Poetics of 'Post-Classical' Arabic Poetry"
- بحث: الاسم والنعت: لغة الاصطلاح في تسميات الحيوان ورموزه في الشعر العربي القديم (۱۹۹٥م) وقد نشرت بالإنجليزية عام ١٩٨٦م.
Noun and Adjective: The Language of Terminology in Animal Names and Symbols in Ancient Arabic Poetry
- بحث: الشعر الاستشراقي لأهاتانهل كريمسكي The orientalist poetry of ahatanhel kryms'kyj. 1984
والبحثُ الأخيرُ اتجاهٌ نوعيٌّ يُحسَبُ لـ ياروسلاف، وهو دراسةٍ عن المستشرقِ الروسي كريمسكي، فيما يخصُّ الشعر الإستشراقي، أيْ المستشرقون الذي كتبوا باللغة العربية أشعاراً؛ أو مجموعاتٍ شعرية([1]).
ومن أهمِّ البحوث في الأدب العربي الحديث: ستُ مقالاتٍ؛ ثلاث منها كتبها بالعربية عن أحمد عبد المعطي حجازي ( ١٩٨٤م) ، وعن سينية أحمد شوقي وعيار الشعر الكلاسيكي (۱۹۸۷م)، ومقال بعنوان " بعض الملاحظات عن الشعر العربي، (١٩٦٧م)، وآخرها بحث مُطول بعنوان " في البحث عن وحيد القرن: الحمار الوحشي والثور الوحشي في القصيدة العربية الكلاسيكية (٢٠٠٢م)([2]). In Search of the Rhinoceros: The Zebra.
وأخيراً بحثُه المطول الذي ترجمناه؛ لغرض هذا البحث وهو مِن أكثر البحوثِ أهميةً وخطورةً في موقف الاستشراق من الأدب العربي، وهو بعنوان: (Arabism and Arabic Literature, Self-View of a Profession العروبةُ والأدبُ العربي، نظرة مهنية)، وهو مِن بحوث نقدِ الاستشراق؛ قبل كتابِ إدوارد سعيد (الاستشراق).
يركِّز ياروسلاف في بحثه هذا على قضيةٍ شِبهِ مغيَّبةٍ؛ وهي نقدُ الاستشراق الأدبي منهجياً ونفسيِّاً، ويبْدي فيه عمُقاً وتفهُّماً ينزل هذا الأدبَ مَنزلتَه؛ بخلافِ ما كان سارياً في قسمٍ مِن أروقةِ الاستشراقِ.
ومِن نافلةِ القولِ أنْ نذكرَ أنَّ هذا البحثَ المطولَ نفسَه أعيد نشره بالإنكليزية ضمن كتاب لـ ياروسلاف يحمل عنوان: (الشعر العربي والمستشرقون Arabic poetry & orientalism)، وفيه تحليلاتُ معمقةٌ عن تطوُّر تصورات المستشرقين عن الشعر العربي، بالإنكليزية، بتحرير نزار وليد، لصالح مركز أبحاث كلية سانت جون عام 2004. وسيتناول البحثُ هذه الدراسة بالتفصيل؛ لكن بعد استعراض جملةَ ملاحظاتٍ عن المشاربَ التي استقى منها ياروسلافُ رؤاه ومواقفه الاستشراقية([3]).
المَشاربُ التي استقى منها ياروسلاف توجهاتِه الاستشراقية
ينتمي المستشرقُ ياروسلاف إلى ما يسمى بـ "مدرسة شيكاغو، وهي مدرسةٌ استشراقية لها عنايةٌ واسعةٌ بالأدب العربي " ويمثِّلُ ياروسلاف قطبَ هذه المدرسة، التي تشتمل على مجموعة من الباحثين يرون أنَّ النتاجاتِ الأدبية الكلاسيكية، ولاسيما العربية آدابٌ بمعنى الكلمة، وعلى الباحثين الغربيين ألا ينظروا إلى التقاليد الأدبية العربية بوصفها مجرَّدَ مادةٍ خام للأبحاث اللغوية، والاجتماعية والأنثروبولجيا. وأياً كانت صعوبةُ فَهُم هذا الأدب فإنَّ قصائدَه أعمالٌ فنيةٌ منظورٌ إليها من لدن الثقافاتِ التي أنتجتها، ولا يمكن الاكتفاء بتقييمها أو تفسيرها طبقاً للمقاييس النقدية والمناهج التحليلية المأخوذة مِن الآداب الغربية([4]).
ويمثل هذا النزوعُ الشروعَ الأول لهذه المدرسةِ في إزالةِ أوهام عديدة رافقتْ الكثيرَ من التوجُّهاتِ الاستشراقية التقليدية منذ القرن التاسع عشر، وما زالت ممتدةً في تصوراتِ الكثير من الباحثين والمستشرقين. وقد ترتَّب على مثل هذه الأوهامِ تُهَمٌ ألصِقتْ بالأدب العربي، ولاسيما الشعر، ولهذه الأوهام أسبابٌ وعِلل، منها الجهلُ بالروح التي تحكم اللغة العربية؛ فضلاً عن مؤثرات البيئة واختلاف الذائقة، ولكنها على الرغم مِن هذا فبعضُها لا يخلوا مِن ملاحظاتٍ تستدْعي من الباحثين الوقوف عليها.
قاومت مدرسةُ شيكاغو النزعاتِ الاستشراقية الكلاسيكية التي تعاملت مع الآدابِ العربية بوصفها لغةً صرفاً، كما نرى لدى قِسمٍ من المستشرقين الألمان التقليديين مثلاً، " فالطابعُ الفنيُّ والاجتماعي والثقافي والأدبي يكاد يغيب عن اهتماماتِهم، لذا نلاحظ مثلاً دارسي الأدب العربي من المدرسة الاستشراقية الألمانية لا يلتفتون إلى نظريةِ التلقِّي في معالجة الأدب العربي على مدى الخمسين عاماً الماضية!([5]). وقلْ الشيءَ نفسَه مع الاستشراق البريطاني الذي على ضخامتِه وريادته وقع في مطبِّ نسَقِ الأحادية والاعمام، خلا بعضُ أعلامِه مثل وليام جونز وهاميلتون كب وآرثر آربري وآخرون.
ونستشهد بما ذكره المستشرق الألماني نولدكه (١٨٦١) عن الشعر العربي الجاهلي إذ يقول: إنَّ كلَّ شيءٍ فيه يتجلَّى غريباً؛ من الأفكار المفردة؛ إلى ترتيب القصائد، ولمَّا كانت الأفكار نفسُها تتكرر دائماً عند الشعراء، - نظراً لكون حياة البدو رتيبة - لذا فمِن السهل أنْ يتولَّد لدينا انطباعٌ بأنهم شعراءُ يعوزهم اختلاف الشخصية([6]).
وقد أفاض نولدكه في عدِّ أسبابٍ مختلفةٍ أدَّتْ إلى نشوءِ هذه الرؤية لدى المستشرقين عن الشعر الجاهلي، مع أنه أقرَّ بأنَّ السبب الآخر للتفكك الموضوعي لذلك الشعر ترجيحُ الاقتطاعِ الذي أصابه، فلم يصلْنا كاملاً، أو وصل إلينا مُنتزعاً مِن سياقه التاريخي.
وهذه التصوراتُ لدى نُلدكه ومعاصريه تفشَّت لدى مستشرقين آخرين متأخرين، فالمستشرقُ الألماني وليم إلوَرد (ألفرت ت۱۸۷۲) مثلاً في أبحاثه عن القصيدة الجاهلية ينفي عن أصحابها البحثَ عن وحدة القصيدة؛ بحجة أنها كانت مشغولةً بالجزئيات، منتهياً إلى أنَّ افتقاد الترابط بين أجزاء القصيدة يمكن أنْ يكون نقْصاً لاصقاً بأصلها، ... وينتهي إلى تقرير أنَّ هذا الشعر ليس مِن النوع الغنائي، بل الوصفي؛ ... وهذه أحكامٌ تكشف عن قراءةٍ نقديةٍ تنطوي على تناقضاتٍ داخلية ناتجة عن طبيعة المنهج. ومهما يكن مِن أمر فإلورد أيضاً يعترف بأنَّ وسائله هو ومعاصريه في معالجة القصائد القديمة محدودةٌ، لكنها على أيةِ حالٍ ليست عاريةً من الأهميةِ أو القيمة، على حدِّ تعبيره([7]).
وهذا الأمرُ هو ما حدا بالمستشرق بلاشير (1873- 1900)؛ إلى القول: إنَّ " التبسيط هو الطابعُ الغالبُ على تلك الأبحاث، ولعلَّ الزمنُ حانَ لتجاوز حدودِ تلك الأبحاث، وهذا ما رميتُ إليه في كتابي عن تاريخ الأدب العربي؛ فهو في آنٍ واحدٍ عملٌ تركيبيٌّ وتفصيليٌّ؛ غايتُه تزويدُ المتخصصين في دراسة الأدب المقارن بأداةٍ لا غنى لهم عنها "([8]).
ومن ذلك الاختصارِ والتجوُّزِ أيضاً ما ذكره بروكلمان مِن " أنَّ الشاعرَ العربي يلفت الانتباهَ بملاحظةٍ وتشبيهٍ قوي في البيت المفرد، ومعلومٌ أنَّ الفنَّ الكلامي لا يعطي القيمة الكاملة إلا إذا وجِد في وحدةٍ أطول؛ وهي "وحدةُ القصيدة، لذلك لا نجد قصيدةً ذات وحدة مستقلَّة، وترتيب متكامل لدى قدماء الشعراء العرب؛ إلّا في أحوالٍ جِدِّ نادرة "([9]).
إنَّ هؤلاء جميعاً يتعاملون مع القصيدة بوصفها نصاً فكرياً؛ لا بوصفها شعراً يعبِّر عن خلائج النفس، ويرون مثلاً أنَّ البكاءَ على الأطلال في مقدمةِ القصائد شيءٌ مكرَّرٌ لا قيمةَ فكرية له؛ من وجهةِ نظر غربيةٍ لا علاقة لها ببيئة الشاعر الجاهلي ولا بهمومه، وكان عليهم أنْ يتذكروا أنَّ الشاعر الجاهلي لو تنازل عن تلك الهموم الوجودية لانخلعَ تماماً عن بيئته وحساسيته الأخلاقية تجاه معاناة مجتمعه. ومثلُ تلك الآراءِ نجدْها مَبثوثةً في كتاباتِ العديد من المستشرقين.
وعلى الرغم من ذلك لم تكن هي النظرةُ العامة؛ بل هناك آراءٌ تناقضها وتخالفها، وأخرى تتطرَّف في الأخذِ، بها وتعطيها طابع الاعمام، ومن هؤلاء المستشرقُ البريطاني صموئيل مارگوليوث (1858-1940)؛ ففي مقالٍ له نشره في موسوعة الدين والأخلاق، يذكر: "أنَّ العلاقةَ بين الأسلوب القرآني والشعر والنثر المقفَّى في اللغة العربية الكلاسيكية تشكِّل لغزاً لا يمكن حلُّه في الوقت الحاضر([10]).
ومارگوليوث أحدُ أكثر المستشرقين راديكاليةً؛ مقارنةً بتيودور نيلدكه وفلهلم ألفرت في الشك بالشعر الجاهلي، وقد خطا خطوةَ ومتطرفة في دراسته([11])، مِما حدا بالمستشرق الإنكليزي آرثرُ آربري إلى أنْ يقدمَ دفاعاً عن مصداقية الأدب الجاهلي؛ ضده وضد گولتسيهر؛ الذي كرّر ما ذهب إليه مارگوليوث، يقول آربري: (إنَّ السفسطة وأخشى أنْ أقول الغش في بعضِ الأدلة التي ساقها مارگوليوث لا تليق البتةَ برجلٍ كان ولا ريبَ مِن أئمة العلم)"([12]).
إلى أنْ أتى تشارلز لَيال " رافعُ لواءَ الدراسات الشرقية في بلده؛ ففنّد ما أورَده مارگوليوث([13]) مِن أنَّ " الخبراءَ كانوا يعتقدون أنَّ لغةَ القرآن تحمل تشابهاً مذهلاً مع لغةِ الشعر المبكر: وعلى الرغم من أنه من الصعب علينا إصدار رأي حول هذه النقطة، نظراً لأنَّ الشعرَ المبكر هو في معظمه اختراعُ مستوحىً من القرآن "([14]).
ومع ذلك فمِن الخطأ اتهامُ جلَّ المستشرقين بحمْلهم التصورات السلبية عن الأدب العربي عموماً؛ وهذا يحصل في الغالب بسببِ قصورِ الإطلاع على منتجات المستشرقين؛ الأمرُ الذي أدّى إلى طمْس وضياع آراء المنصفين منهم؛ لحسابِ مَن كانوا مُتحاملين على هذا الأدب. وهذا الأمر استثار ياروسلاف ومدرستَه لإعادة تقييم مناهج المستشرقين في دراسة الأدب العربي.
مدرسة شيكاغو
بعد الضغوطِ التي مارستْها الدراسات التي اتَّهمتْ الاستشراق بالأحادية؛ وبأنَّه عبارةٌ عن صناعة فيلولوجية تقدِّم الشرق بصيغةٍ راكدة، - وبعد ظهور الدراسات النقدية الحديثة - برزت توجهاتٌ في الغرب نفسِه بصيغةِ مدارس تطرح فكرةَ إعادةِ قراءة وتقييم الاستشراق، ومِن هنا انطلقت مدرسة شيكاغو في مراجعة عملَ الكثير مِن المستشرقين وغيرهم؛ لتبدأ مِن منهجية جديدة في دراسة الأدب العربي العربي، وترجمته.
وبهذا الصدد " يعرضُ مايكل سيلس (۱۹۸۷)- وهو مِن أبرز أعضاء مدرسة شيكاغو - المآخذ الرئيسة التي وقع فيها المستشرقون السابقون في دراسة الشعر العربي، ويحصر هذه المآخذ في أمور منها:
1- اتهامُ القصيدةِ العربية القديمة بالذرية، بمعنى تكوُّنها من أقوال مفككة متراكمة.
2- يسودها الوصفُ النمطي في كلِّ أجزائها"([15]).
أمَّا المثابةُ التي انطلق منها ياروسلاف فتتمثَّل أولاً في أنَّ النقدَ الاستشراقي يعاني مِن عزلةٍ عن النقد الغربي الحديث نفسه، وعن والأجواء الأدبية العربية المعاصرة، ويصرُّ على أنَّ الاستشراق في بوادره الأولى كان ذا نزعة رومانسية، لها القدرةُ على التعاملِ مع الأدب العربي بوصفه أدباً، لذلك فصَل بين هذا الاستشراق وبين الاستشراق المدرسي اللاحق، وقد تابعته في ذلك النهج زوجُه سوزان ياروسلاف؛ التي برَعت في الدراسات الأدبية العربية؛ لاسيما في الأدب العباسي([16]).
" قابل ياروسلاف بين نقدِ أواخرِ القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وبين ما أسماه العصر الرومانسي للاستشراق بمترجميه جونز، كارليل، وليال، الذين لم يكن هدفُهم بالضرورة إغناء أدبهم القومي. وكانت نتيجة هذه المقارنة أنه "مِن جوته إلى بودلير ومَن بعدهما حظيَ الاستشراقُ الرومانسي بأقصى تقديرٍ. وقد لا تكون بعض الجوانب الجمالية التي طرحها المستشرقُون الرومانسيون مقبولةً اليوم، لكنهم كانوا يستوعبون القصيدة العربية داخل عالمهم الأدبي. وقد انتهت الحماسةُ الرومانسية إلى نظرة أشدَّ نمطية في الحقبة التالية عليها؛ عِبر المآخذ التي ذكرناها، وقد ناقش ياروسلاف الانتقالَ بين الحقبتين في بحوثه.
أمَّا الحقبةُ المعاصرةُ فتتميَّز باتجاهاتٍ جديدةٍ قد تختلف فيما بينها في النظر إلى القصيدة، ولكنها تتفق على اعتبارها فناً معقداً ومتماسكاً وذا عمُقٍ رمزي ورهافة لغوية وشعرية، كما يقول سیلس"([17]).
ومِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ مدرسةَ شيكاغو عموماً وسيلس وياروسلاف على الخصوص تفلَّتوا نسبياً مِن قيود المركزية الغربية في التعامل مع الآخر الشرقي، ويعزَّز هذه النظرةَ ما ذكرها الباحثُ والناقد الثقافي السويدي توبیاس هوبینیت من إنَّ "المؤسسات الأكاديمية في الغرب - ومنذ سبعينيات القرن العشرين - قبلت النقدَ الموجَّه إلى الاستعمار الكلاسيكي، وحاولت أنْ تنأى بنفسها عن أسلافها، ونجح خطابُها في تفسيرِ أسبابِ الحنين الرومانسي والاستعماري المستنسخ عن الشرق في الفنون والأدب([18]).
ويفسرُ ياروسلافُ سبب القطيعيةِ بين الذهنِ الغربي وبين الأدب العربي بتركيز الغربيين على علماءِ اللغة العربية وكلَفِهِم بالعنايةِ باللغة العربية؛ على حسابِ روح الأدب العربي " إذ اعتنى علماءُ اللغة الغربيين بنظرائهِم العرب في العصور الوسطى العربية أكثر مِن التفاتهم إلى الشعر؛ من أجل فهم القصيدة؛ وهذا ما يسميه ياروسلاف النموذج الهرمونيطيقي، وسينعكس هذا على التحولات الشعرية المتتابعة للغة القصيدة وموضوعاتها، وفي إعادة التشكيل، وفي تغييرات أنماط المعنى التي وجَّهت القصيدة العربية القديمة في اتجاه بيئات جديدة؛ مروراً بالشعر الأندلسي حتى عصر شوقي وأحمد عبد المعطي حجازي في القرن العشرين"([19]).
لقد فاتهم – كما تقول المستشرقةُ شيرون كي: أنَّ " تاريخَ اللغةِ العربية تجربةٌ تتجاوز أفقَ أيِّ نظرياتٍ لغوية وأدبية أنتجتها اللغات الأوروبية، وأهم سِمةٍ للغة العربية شكلُها الشعري العميق، الذي تمَّ صقلُه قبل أنْ تصبحَ اللغة العربية لغةً مكتوبة؛ فقد أرسى الشعرُ الأساس لصوتِ وإيقاع وبنية النثر العربي أيضاً، وهذا لا يزال شكلاً مهيمناً في الأدب الحديث"([20]).
لكنَّ ياروسلاف أقدَم على الربطِ بين القصيدةِ العربية وبين كلٍّ مِن الرسالة والخطبة، بوصفهما إبداعاً مِن أصلٍ واحدٍ هو اللغة العربية ذاتها، الأمرُ الذي عجزت العقلية الاستشراقية الكلاسيكية عن فهمه، إذ " يمكننا أنْ نذكرَ أفكاراً مشابهة فيما يتصلُ بالجدلِ بين القصيدة العربية والخطبة / الرسالة، وهذا الجدلُ يظل على صورةِ توترٍ داخليٍّ؛ حتى داخل القصيدة الملقاة. لذا ينبغي النظرُ إلى الجوانب الطقسية المصاحبة لإلقاء القصيدة العربية القديمة في ضوء السياق البلاغي؛ فالقصيدةُ من وجهة ننظر ابن قتيبة أحدُ أشكال الرسائل؛ بغضِّ النظرِ عمَّا إذا كان الإلقاء شفاهةً أو على شكلِ رسالة، لذا فمِن الطبيعي أنْ يتوصلَ ابن قتيبةِ إلى نظامِ إلقاء بنائي ووظيفي يشكِّل أساساً للقصيدة. وإذا سلَّمنا بازديادِ وضوح المفهوم البلاغي لبناء القصيدة في أذهان الشعراء والنقاد فسنكون مستعدين لفهم الاتجاه العربي لرؤية عناصر يمكن تصنيفها في تصميم بلاغي شامل في النموذج البنائي للقصيدة([21]).
وهنا يدعوا يورسلاف إلى الاستضاءةِ بآراء كبار علماء العربية كابن قتيبة، لأنهم أقدر على تمييز هذا الشعر ولغته، فهو ليس شعراً فحسب بل هو بالأساس وثيقة سردية ورسائل لها وظيفتها، وتعبِّر عن ضمير أمة كاملة؛ وليست ترفاً ذهنياً أو شعورياً، ثم لكون عنصر الإلقاء والمشافهة احد أركان القصيدة العربية؛ على وفق مدارس النقد الحديثة في الفرق بين المكتوب والمَحكي.
ومِن هذه المنطلقاتِ انبثقت جهودُ ياروسلاف في فهْمٍ جديدٍ للأدبِ العربي؛ إذ بدأ الربطَ بين المزاج أو الحالة النفسية وبين البنية الموسيقية والوظيفة؛ "وبهذا فسَّر التداخلَ بين الحالات الغنائية، والرثائية والبطولية والهجائية والنزعة الغنائية في النَّسيب، فهو يرى ثمةَ آفاق موضوعية، ومزاجية وبنيوية أوسع "([22])، وبهذا يكون جمع بين الفيلولوجيا والسيميوطيقا؛ ليحوِّلَ الفهمَ من مستوى التجزئةِ إلى مستوى البنيةِ العامة التي ينطلق منها أساسُ الشعر عموماً.
إنَّ هذا الفهم الذي تبنَّاه ياروسلاف سيفسر نظريتَه في الأدب العربي قديمِه وحديثه، منطلِقاً من مفهوم الخصوصية الثقافية واللغوية والبيئية، قُبالةَ التصور الغربي ومعاييره الفنية والثقافية، والنظرية المعيارية الاستشراقية الجديدة التي أثَّر فيها بتلامذته وأقرانه، إذْ عمِلت معه زوجتُه سوزان ستيتكيفيتش في المجال نفسه.
ولاحقاً ومِن المدرسةِ نفسِها (شيكاغو) أنجز بعضُ روُّادِها دراساتٍ عن التراث العربي الجاهلي؛ مثل شيريل بوكهلتر (۱۹۸۷)، وكلارسيا بيرت (۱۹۸۸) التي كتبت عن الموازاة في الشعر الجاهلي، وكذلك مايكل سيلس آنف الذكر؛ الذي قدَّم دراساتٍ وترجمات عن شعراء جاهليين وإسلاميين، وعن الأسطورة في الشعر الجاهلي([23]).
ومِن الدراساتِ الحديثة التي أنتجها باحثون ينتمون للمدرسة نفسِها كتاب: روبرت مكيني عن ابن الرومي وشعريته (عام ٢٠٠٤)، وكتاب: أكيكو موتويوشي سومي؛ عن الوصف في الشعر العربي الكلاسيكي؛ في نظريته عن تداخل الفنون (٢٠٠٤).
ياروسلاف ومفهومُ عروبة Arabism)) الشعر العربي
مِن الجديرِ بالذكرِ أنَّ ياروسلاف في عنوانِ بحثِه - قيد الدراسة – ((Arabism and Arabic Literature, Self-View of a Profession العروبةُ والأدبُ العربي، نظرة مهنية))؛ لا يعني بكلمةِ عروبةٍ Arabism البعدَ القومي؛ بل الأصالةَ والخصوصية التي يتَّسمُ بها هذا الأدب، أيْ أنَّها ميزةٌ جوهريةٌ في هذا الأدب، كونه عربياً، ويمثِّل اللغةَ العربيةَ وروحَها وثقافتها؛ التي هي بلا شكّ لها خصوصيتُها؛ ويستعصي إيجاد ما يحلُّ محلها، وعلى هذا التفسير سيجري مفهوم (عروبة) في بحثنا هذا.
أمَّا التقاربُ والتداخلُ والتفاعلُ بين الثقافات فقضيةٌ أخرى؛ لا تنفي البعدَ الاصطلاحي الذي أشرنا إليه. ونذكر هذا للاحتياط مِن حمولاتِ البعد الإثْني والسياسي لكلمة عروبة، وعليه - ومقاربةٍ تفسيرية - سيعتمد البحثُ الترجمةَ المعنوية التالية للبحث: ((الأصالة العربية للأدب العربي: نظرة ذاتية عمَلية)).
عروبةُ الأدب العربي
كثُرت النقودُ والاعتراضاتُ على ما قدَّم قسمٌ مِن المستشرقين عن الأدب العربي؛ سواء مِن لدن النقاد العرب أو مِن لدن المستشرقين؛ وهذه القضيةٌ نجدها مبثوثةً في الكثير مِن المصادر التي تنظِّر في تاريخ الأدب العربي؛ ولاسيما الشعر الجاهلي، وهي قضية باتت محسومةً، لكنَّ الأمرَ الأكثرَ خطورة يتمثل بالموقفِ من الأدب العربي عموماً.
لم ينشغلْ ياروسلاف بهذه القضيةِ طويلاً؛ بل كثَّف عنايتَه بقضيةٍ تُعدُّ أكثر أهميةً؛ وهي نقدُ الخطاب الاستشراقي نفسِه، والعقليةِ التصورية الغربية عن الشرق عموماً؛ انطلاقاً مِن النزعةِ المركزية التي سيلحُّ عليها ادوارد سعيد؛ ويشبِعها درساً وتفصيلاً، وياروسلاف يحلِّل هذه القضية؛ لكنَّه أيضاً يحاول تقديمَ معالجةٍ تاريخية لتطور حركة الاستشراق؛ ليس زمنياً؛ بقدر ما هي معالجة تطورية عضوية؛ تخصُّ التوجُّه والمنهج.
في بدايةِ بحثِه يتطرَّق ياروسلاف إلى القضيةِ التي ذكرناها أولَ البحث؛ بخصوص أثرِ النزعةِ المركزيةِ في العقلية الغربية؛ لكنْ هذه المرة مِن خلال الموقف مِن الأدب العربي، التي ترى أنَّ المستشرقين مستَكشفين؛ وليس لكثير منهم الأهلية لأنْ يكونوا نقاداً؛ أو منظريْ أدب؛ ليحكموا على آداب الأمم الأخرى. يطرح ياروسلاف قضيةَ المركزيةِ ومصادرةِ الآخر بوصفها صفةً مُلازمةً لعقليةِ أغلب المستشرقين الكولينياليين، يقول ياروسلاف:
" نحن المستشرقون معتادونَ على التصرُّف وكأننا عشيرةٌ باطنيِّة؛ نعتقدُ أنَّ العالمَ الخارجيَّ ليس لديه مؤهلاتٌ لفهمِنا، ونشاطُنا يتواصلُ داخل جدرانِ برجنا العاجي الملوث، ولا نستطيع تسلُّق الجدران الزلِقة إلى قمة البرج، كي نتمكَّن مِن إلقاء نظرةِ شاملة على العالم الخارجي "([24]).
مِن الجليِّ أنَّ ياروسلاف يستهدف بقوله هذا ليس العامة من الناس فحسب؛ بل المتخصصين في مجالات الثقافةِ والفكر الشرقيَين عموماً، وما قضية الموقفِ من الأدب العربي ولغته إلا جزءٌ من هذا الموقف، وعينةٌ من أخطر عينات المركزية الغربية، لكن ذهنيةَ المستشرق تهيمن عليها نزعةٌ يكتنفها الشعور بالتفرُّد والاستعلاء؛ وهي ذاتها النزعةُ الاستعمارية، على الرغم من كون الكثير من المستشرقين الأوائل كان دأبُهم الاكتشافَ والعلم؛ ولم يقعوا ضحيةَ المركزية الغربية، لذلك نجد ياروسلاف يقول:
"إنني معجبٌ بالجيلِ الرومانسي مِن المستشرقين، لقد كانوا مَسكونين بحمَّى الاكتشاف، والوهم الذي يملأ الروح، والصبر الممتِع الذي يخلصنا مِن ركودنا. لقد كانوا علماءَ لامعين، لكنَّ تألقَهم لم يكن مديْناً في كلِّ شيءٍ للكفاءةِ المهنية؛ ففي الأدبِ كانوا في الغالب مترجمين رائعين.
وإذ قدَّم ياروسلاف اعتراضاتٍ على نزوع هؤلاء المستشرقين الأوائل الذين اسماهم الرومانسيين، فلا يقلِّلُ من جهودهم، وإنهم فهموا واستوعبوا عروبة الأدب العربي ( بالمعنى الذي أشرنا إليه آنفاً؛ فاستطاعوا فهمه والتأثر به.
إنَّ المعنيَّ بالمستشرقين الرومانسيين لدى يوريسلاف قد يثير لبْساً؛ فهو يريد بهم المستشرقين الذين تأخَّذهم سِحرُ الشرق، وحاولوا استكشافه متعةً؛ أو تعويضاً عن جفاف الروح الأوربية إبَّان انطلاق عصر الصناعة.
والرومانسيةُ الحديثةُ في أوربا في أول أمرها لا تعدو أنْ تكون سوى جهدٍ استشراقي؛ أراد التفلُّتَ مِن جمود الروح الأوربية إلى الروح الشاعرة التي كانت تسري في الشرق، وحدث هذا عِبر تأثّرِ أوائل روادِ الأدب الأوربي به؛ وبالخصوص الآداب العربية؛ لاسيما سحر ألف ليلة وليلة وقصائد شعراء الأندلس، وهذا كان له امتدادٌ واضحٌ في نزوعِ الكثير مِن الرحالة والأوربيين والمستشرقين الأوائل، لكنَّ أولئك المستشرقين الرومانسيين ينطلقون من دوافع وظروف سياسية وتاريخية وأمزجة ثقافية، لذلك نجد ياروسلافَ يقول في كتابه:( Arabic poetry & orientalism الشعر العربي والاستشراق):
"ومع ذلك فحتى المستشرقين - من ذوي النزعة الرومانسية - مارسوا التذبذبَ في مواقفهم، فهذا نولدكه مثلاً " كان في أولِ أمره معجباً بالشعر العربي القديم وقوتِه التعبيرية، لكنَّه وجد نفسَه عام 1899 يتحوَّلَ إلى قناعةٍ مفادُها: أنَّ الشعرَ العربي يستحق اهتمام الباحث لاختراق شخصية العرب، بدلاً من كونه مصدراً للتعبير الفني"([25]).
" وإذا كان الخطاب الاستشراقي الحديث تطوَّر ضِمن حالةٍ من الديناميكية الغربية؛ فقد أخذت أوربا تفهم ذاتَها عِبر النصوصِ المنتقاة مِن الثقافة الشرقية، ومِن خلالِ إعادة التعريف بنفسِها أعادت صياغة ذاتها أمام الثقافة العظيمة؛ لكنْ بشكلٍ مِن أشكال الفوقية"([26])، ومن هذا المنطلق لخّص فريدريك شليـﮕل سببَ تهافت الحركةِ الرومانسية على أدبيات الشرق بقوله:
"في الشرق تعْثرُ على أرقى صورُ الرومانسيةِ؛ فهو النبعُ الذي يجب أنْ ننهلَ منه، والعواطف التي تسحرنا في الشعر الأسباني تبدو لنا بالمقارنة مع تلك العواطف جِدّ هزيلة "([27]). فـ" الرومانسيون وجدوا في الشرق عالماً مختلفاً كلَّ الاختلاف عن عالم الكلاسيكية، إنه عالمٌ لا عقلانية باردة تملؤه، بل تلوِّنه بحرية التخيل والحساسية والقدرية([28]).
أمَّا التذبذبُ في مواقف المستشرقين - كما ذكرنا - فنابعٌ من تغيراتٍ في الظروفِ، والنمط الثقافي الساري الذي يرتهن به كلُّ زمنٍ وكل مجتمع، وليس هناك مِن نمطيةٍ ثابتة؛ لاسيما في ظل استفحال المركزية الغربية.
" فإذا قرأ المرءُ مقالَ أهلواردت المبكر (الشعر وشعراء العرب) (1856) فقد يواجه متحمِّساً رومانسياً اعتنق الإيمان حديثاً؛ فألمانيا في عهده وعهدِ غوته أمةٌ مِن الشعراء والمفكرين، لذلك فشبه الجزيرة العربية القديمة تبدو أرضاً للشعراء والمغنين، أرضاً لشعبٍ يتميَّز برقيِّ روحِه وعمق فكره، وهذا ما دفع أهلواردت لأنَّ يتحدَّث بحماسٍ عن العمق في تنوع أشكال الشعر العربي ومعانيه؛ (إنَّ حب العرب لشعرهم، في رأيه يكمنُ في "جوهر هذه الأمة، التي تُدرك بعمقٍ جوهرَ الطبيعة المرئية، ومجريات الحياة، والعمل الدؤوب للقوى العليا)" ([29]).
ومع ذلك فهناك مَن بقيَ أكثرَ جذريةً وثابتاً على موقفِه مِن الأدب العربي؛ رافضاً النظرية الذرية التي يأخذ بها الكثيرُ من الغربيين على الشعر العربي؛ نظراً لتغير موضوعاتِ القصيدة الواحدة؛ ظناً منهم أنَّ ذلك نوعٌ من التفكير الذري؛ العاجز عن التجميع والوحدة، وهذا ما نجد له معارضةً لدى غوته مثلاً؛ إذ "عبَّر عن رأيه بوضوح؛ إلى درجة استعداده لقبول الشعر العربي كلياً وشاملاً ودون نقاش؛ وموقفُه هذا قد يبدو لا يقبل به جلُّ النقاد من المستشرقين، ولكن فيما يتعلَّقُ بالشعر العربي كان غوته ناقداً للرؤى لا للتحليلات: فهو لا يرى في القصيدةِ العربية نظاماً تماثلياً، طورتْه الدراسات الاستشراقية اللاحقة إلى النظرية الذرية، بل نسيجاً انسيابياً، وانفتاحاً في الشكل ... وهكذا في مقالِه (في شعر الأمم الشرقية)، يتحدَّث عن معلقةِ لبيد بأنها "رعوية، وتشبه إلى حدٍّ كبير قصائد ألكسيس لفِرجيل([30])، لكنَّها أجمل بكثير، لأنَّها أكثر توافقاً مع الطبيعة"([31]).
ومِن هنا جاءت نزعةُ ياروسلاف الجذرية؛ إذ استمرَّ يميز تميزاً موضوعياً بين توجهات المستشرقين، ولا يضعهم جميعاً في سلَّة واحدة. وعلى الرغم مِن أنه يكنُّ للرعيل الأول ممن اسماهم المستشرقون الرومانسيون الاحترامَ والإقرار بالفضل؛ إلا أنَّه يقف منهم أيضاً موقف الناقد المتفحص؛ يقول:
إنني أفكِّر في روكرت بشكلٍ رئيسي؛ وأفكِّر أيضاً في جونز، وكارليل، وليال، إذْ كان الهدفُ الأساسُ لسعيِ هؤلاء إثراءَ آدابِهم الوطنية: وهو هدفٌ مَشروعٌ، وقد كافأهُ صدى أعمالِهم بين معاصريهم. وإذا جازَ لي أنْ أضيفَ ذرةً من الامتنان إليهم فلابدَّ أنْ أعترف بأنَّه لولا ترجمةُ روكرت لكتابِ الحماسةِ لأبي تمام، وبعضُ التنويعات الشعرية المبهجة على الموضوعات العربية التي كتبها الشاعر الأوكراني إيفان فرانكو لَمَا كنتُ هنا اليوم"([32]).
والواقع لم يكن هؤلاء المستشرقون وحدُهم في الساحةِ؛ فهم مهَّدوا لطبقةٍ من الباحثين المستشرقين تمثلَّت بجهودهم الموسوعية، وبجذريةِ الدمجِ بين الثقافات؛ بإحياء التراث الشرقي ونشره؛ فضلاً عن شرحه، وأغلب هؤلاء انطبعوا بطابع الجذرية التي يتَّصف بها الفكرُ الألماني، لكنَّ هؤلاء خلَفَ من بعدهم خلْفٌ مَضوا على غير مَسار أساتذتهم، وفي هذا يقول ياروسلاف:
" والآن جاء دورُنا، ونحن لسنا على القدْرِ نفسِه مِن الثقة بأنفسنا؛ إذ فقدنا البراءةَ الرومانسية، ويبدو أنَّ آدابَنا الوطنية لم تعدْ تريدنا، وأصبحنا متشكّكين في الثقافة العالمية، وما تبقى لنا هو المعرفةُ مِن أجل المعرفة "([33]).
أرجَّح أنَّ ادوارد سعيد في كتابِه الاستشراق لم يطَّلعْ على هذا النصِّ ألاعترافي؛ وهو بصدد توجيه النقد الجذري للاستشراق الكولينيالي؛ الذي أتى بعد الاستشراق الرومانسي؛ بحسب رؤية ياروسلاف؛ وذلك لأنَّ في نص ياروسلاف ملاحظاتٌ على غايةٍ من الأهمية؛ تفكك عُرى مثل هكذا استشراق، لكنَّ ياروسلاف يخصِّص كلامَه هذا في بؤرةٍ واحدة؛ هي موقف الاستشراق ما بعد الرومانسي من الأدب العربي، هذا الموقف الذي فقد روح الاستكشاف والتأثُّر ورفد الإبداع الأوربي بالإبداع الشرقي والعربي على الخصوص، ونزع نحو التوثيق والأكاديمية الباردة. كيف لا؛ فالاستشراق الرومانسي إبداعٍ وابتكار؛ يستمد مادته من ثراء الشرق وسحره، فمثلاً كانت قصائد الشعراء الجاهليين ومعلقاتهم وألف ليلة وليلة منبعَ إلهامٍ للجيل الجديد، مِن الشعراء والأدباء الرومانسيين، کتایلر وكولبريدج ووالتر سکوت وثوماس كارليل، وكان بایرون من أوائل الذين تأثروا بـ «ألف ليلة وليلة»، في كتابه «الحكايات الشرقية»، إذ رأي الشرقَ أرضَ مغامراتٍ، وعواطف جياشة، إنها أرض فانتازيا؛ يسكنها السحرة والمخلوقات المتعددة"([34]).
وكانت عبقريةُ العلامةِ وليام جونز William Jones (1746-1794) المدخلَ الذي "جلبَ انتباه القراء البريطانيين؛ والأدباء الرومانسيين على الخصوص إلى الشعرَ العربي، ففي عام 1782 ترجم المعلقاتِ السبع"([35])، ثم " نذر نفسَه لمَهمة ترجمةِ الليالي العربية؛ مِن النسخة الفرنسية المأخوذة عن اللغة العربية، فكانت إنجازاته غير عادية في الاستشراق، وتقدّم وسائل لفهم شعر بايرون وتضعه في منظور صحيح"([36]).
وفيما يخصُّ دورَ جونز في تأثير الشعر العربي على الشعراء الإنكليز قام الفريد تنیسون شاعر الملك في انجلترا من سنة 1850 إلى سنة ۱۸۹۲ بدراسة مؤلفات جونز دراسة دقيقة وتناول في الأدب والفن كثير من قصائده موضوعاته الشرقية، وأبرز مثال على دينونته للأدب العربي قصيدته الغنائية المشهورة (إيوان لكسلي) الذي كتب عنها ابن الشاعر نفسه قائلاً: أتذكر أنَّ أبي قال: إنَّ ترجمة السير وليم جونز النثرية للمعلقات ألهمته فكرة القصيدة؛ وليست القصيدة نفسها ذات وسط عربي خالص فحسبُ؛ بل إنَّ وزنَها أيضا محاولةٌ لتقليد بحر الطويل الذي استعمله امرؤ القيس"([37]).
وهذا الأمرُ ليس مِن بابِ الترويجِ لأثرِ الأدب العربي، وليس انتقاءٌ عابرٌ لآراء بعض المستشرقين، أو الأدباء أو النقاد الغربيين؛ بل هو أمرٌ يرْقى إلى مستوى الثابت؛ لأنَّه صدرَ عن كِبار أعلامِ الأدب والنقد في عالم الغرب، وقد " لخّص فريدريك شليـﮕل حماسة الحركة الرومانسية لإمكانيات الشرق الأدبية بقوله:
في الشرق تعْثرُ على أرقى شكلٍ للرومانسية، فهو النبعُ الذي يجب أنْ ننهلَ منه، والعواطفُ التي تسْحرنا "([38])، فالرومانسيون (أدباء ومستشرقين) وجدوا في الشرق سِحراً يختلف عن عالمِ الكلاسيكية، عالمٍ لا عقلانيةَ تملؤه؛ وتغمرُه حريةُ التخيُّل والحساسية والقدرية([39])؛ لذلك يكرِّر ياروسلاف هذا التأكيد؛ مبيناً الفرقَ الحيوي بين الاستشراق الذي أسماهُ بالرومانسي؛ والاستِشراقِ الآخر الراكد الذي صار همُّه الاكتشافَ والتوثيق الببلوغرافي الأكاديمي؛ وليس كبير له دراية بالروح التي تحكم هذا الأدب. يقول:
"ومع هذا التحوُّلِ في نظرة الأوروبيين إلى الشرق؛ والعرب خصوصاً؛ تولّدت بداياتُ الاتجاه الرومانسي في الاستشراق، وظهر معها ذلك الميلُ المفْعم بكلِّ ما هو غريبٌ، وهو اتجاهٌ له خصوصية معينة، إذ كان «الغريب» دوما هو العجيبُ أيضاً، ومِن هنا بدأ الشوقُ والتلذذ برؤية الشرق الغريب العجيب "([40]).
خللُ قراءةِ الأدب العربي في البيئات الأكاديمية الغربية
هنا يبدأ ياروسلاف منعطفاً جديداً بعد أنْ يفرزَ بين توجهاتِ الاستشراق قديماً وحديثاً؛ ليتناولَ قضيةً ذاتَ أهميةٍ وخطورة؛ ألا وهي سُبلُ دراسةِ الأدب العربي في الأروقة الأكاديمية والخلل الذي يحدث في تلقِّيه، الأمرُ الذي يتمخَّض عنه فقرٌ في المعرفةِ أولاً، ثم خللٌ في فهمِ الآخر؛ وأخيراً التمحورُ الغربي حول مركزيتِه؛ وإقصاء الآخر، يقول:
"في ضوء هذه الحيرة يتعيَّنُ علينا أنْ نطرحَ على أنفسِنا بعضَ الأسئلة: هل ما زلنا نعتقد أننا نسهِم في العملياتِ الأدبية الإبداعية الجارية في آدابنا الأصلية؟، هل يمكننا تحفيزُ شاعرٍ ناشئ في الإنجليزية؛ لإيجادِ القرابة الإبداعية مع امرئ القيس أو المتنبي! وإذا شعرنا أنَّ هذا ممكنٌ، فما هو النهجُ الذي يجب أنْ نتَّبعه، هل ستكون الترجماتُ مجرَّدَ ترجماتً فحسب؟!.
أشعرُ بانطباعٍ غيرِ مريحٍ؛ مَفاده: أنه مهما كانت الترجماتِ التي ننتجها فلن تحلَّ مشكلة التبرير الذاتي؛ فترجماتُنا مِن النوع الأكاديمي، الذي يحتاج إليه العلماءُ، وطلابُنا في اللغة العربية قد يستفيدون مِنه، فالترجماتُ لابدَّ وأنْ تتمَّ بهدفٍ أدبيٍّ أكثر طموحاً، إذ ليست المعرفةُ الببليوغرافية والنصيِّة في الأدب معرفةٌ بالأدبِ حقاً!([41]).
وياروسلاف الفقرة الأخيرة يؤكِّد على أنَّ المعرفةَ بتاريخِ الأدب العربي هي غيرُ المعرفة بروحه، وقبْلها لن تكون المعرفة الببلوغرافية سوى عمليةِ وصفٍ وحكمِ قبْليٍّ، ليس له كبير فائدة.
"إننا نميل إلى أنْ نطلقَ على كلِّ ما كُتب باللغة العربية منذ أكثر مِن قرن اسم الأدب العربي، فالتقاليد والرسائل الدينية، والقانون، والتاريخ السياسي، والجغرافيا، وفقهُ اللغة؛ نجدها ضِمن مفهومنا للأدب العربي، وهذا التصنيفُ يتحوَّل إلى وحشٍ قادرٍ على تخويفِ أيِّ شخصٍ يقترب منه. وما ينتج عن هذا الموقفِ نادراً ما يكون أكثر من مجرد كُتيبٍ يحتوي على عباراتٍ تمهيدية تأسر خيال الطلاب؛ الذين لم يتلقَّوا تنبيهاً مُسبقاً ... أننا لا نهتمُّ بالأدب؛ لأننا علماء لغويون، أو مؤرخون، أو بكلمةٍ واحدةٍ لأننا "مستشرقون"([42]).
مِن الخطأ الوقوع في مطبِّ فكرة التآمر والقصدية السيئة للاستشراق بالعموم، فهذا موضوعٌ آخر؛ له مجالاتُه وحدوده، أمَّا كلام ياروسلاف هنا؟، فيعْني أنَّ الخطأُ خطأ منهجيٌّ، ومرَضٌ تُعاني منه عموم الدراسات الشرقية الأدبية في أروقة الجامعات والثقافة الغربية، وهو يضرُّ بها قبل أنْ يضرَّ بالآخر الشرقي.
لذلك ليس بالهين فهمُ خطابِ الاستشراق؛ "لأنَّ المَداخل الثقافية مختلفة، ولم يَعد الدافعُ الديني مِفتاحَ ذلك الخطاب؛ بل أصبحتْ التعقيداتُ الحضارية والتغيرات الثقافية والسياسية والخللُ المنهجي في قراءة الشرق عاملاً يتحكَّمُ في طبيعة ذلك الخطاب؛ حتى عن غير قصد؛ ومقولةُ: "أنَّ الغرب يعرف عن الشرق أكثر مِن الشرقيين لا تصادرُ حضورَ الشرقي ووعيه فحسبُ، بل وعي الغربي أيضاً؛ وجعله أسيرَ ما يقرأ "([43])؛ فالقارئُ الغربيُّ يقع أيضاً ضحيةَ ما يُطرح أمامَه مِن معلوماتٍ ومناهج؛ فضلاً عن أسبابٍ وعِلل أخرى.
لذلك فبقدْر ما هو عسيرٌ تجريدُ تصوراتِ المستشرقين من وطأةِ أمزجتهم وحمولاتهم الثقافية وقصدياتهم العرقية والدينية؛ فهناك جانبُ الخللِ المنهجي الذي يعانون منه هم أيضاً، يقول إدوارد سعيد: " كلَّ مؤلفٍ يضْفي بصْمَته على طابع النص الذي يكتبه، ولولا ذلك لأصبحت لدينا مجموعةٌ مجهولة المؤلف؛ من النصوص تمثل الاستشراق أو غيره ... وما الاستشراق إلا نظامٌ للاستشهاد بكتابات المؤلفين "([44])، أيْ أننا أمام حالةِ استنساخِ الخللِ الذي يقع فيه المستشرق، وهو الخللُ المنهجي الذي أشَّرَ عليه ياروسلاف، فالذين يسقطون في مطب الخلل المنهجي سيتوجَّهون لاحقاً بخطابِهم إلى القارئ الغربي أولاً؛ ثم القاري الشرقي لاحقاً، وينقلون إليه الخللَ ذاته؛ خللُ سوءِ قراءةِ الآخر، باتباع ما يكتبه مَن يُحسبون كِبار مستشرقين أو متخصصين بالشرقيات، وهذا أمرٌ خطيرٌ؛ إذ أنَّ " الإقلالَ مِن خطورة ما يُطرح راح يقول به الكثيرُ مِن النقاد الحداثيين وهو ما يرفضه سعيد، ويؤكّد على أهميةِ المؤلف، بدليلِ أننا غالباً ما نعزو المرجعية إلى الأشخاص قبل نصوصِهم، لنعطي تلك النصوص ما يعضدها"([45]).
ويعاود ياروسلاف الحديثَ عن امتدادِ الخلل المنهجي الاستشراقي في قراءة الأدب العربي وعموم الثقافة العربية فيقول: "ربما فقدنا اهتمامَنا بالأدبِ العربي؛ لأنَّه كان مِن الصعبِ علينا إتقانُ العربية؛ لأنَّ السنواتِ والقواميس والقواعد استنفدت طاقاتَنا، وجعلتنا ننسى ما كنَّا شرَعنا في القيام به، لكنَّنا نرفضُ الاعترافَ بشعورِ الخيبة، ونخفيْه تحت سِتارٍ مِن دخَانٍ يغلِّفه ادعاءُ الكفاءةُ العلمية، وربما نشعر بعداءٍ تجاه الأدب الذي رفض أنْ يسلِّمنا سرَّه"([46]).
وإذا كنَّا نلومُ الأدبَ العربي لأنَّه لم يشهدْ تطوراً حقيقياً؛ فلابدَّ من أنْ نكون نحن المستشرقين وقعنا تحت تأثير سِحر السكون، وفي هذه الحالة لن يتبقَّى لنا الكثيرُ لنتواصلَ به مع أيِّ جهة، لكنْ إذا كان الأدبُ العربي يعني لنا شيئاً فلابدَّ وأنْ نستجيب لتحدِّي الحوارِ الأدبي مع آدابنا وفكرنا النقدي.
وربما نعطي الحقَّ لقسمٍ من القراء الغربيين في صعوبة فهم الأدب العربي؛ نظراً لمفارقة ِالعربية واختلاف أرومتها عن اللغات الغربية تركيباً وأسلوباً؛ فضلاً عن غِناها المعجمي وصرامتها النحوية، لكنْ أنْ يكون هذا عذراً للمستشرقين فأمرٌ غيرُ مقبولٍ؛ ما داموا أقرُّوا بأنَّهم علماء بالشرقيات أو بالتراث العربي عموماً؛ أمَّا الاكتفاءُ بالنسَقِ الأكاديمي البارد على حساب الموهبة والتقييم الفني فلا يفضي بهؤلاء المستشرقين إلا إلى مَزيدٍ مِن القصور.
لذلك يستطرد ياروسلاف قائلاً: "مِن المستحيلِ أنْ ننسى أنَّ علاقتَنا بدراسةِ الأدب العربي في المقامِ الأول علاقةٌ أكاديميةٌ وعلْمية، وقد جرى تدريبنا لكي نصبحَ تلاميذَ في مجالنا، وكان علينا أنْ نمرَّ بالتجربةِ المؤلمة المتمثلة بكتابةِ أطروحةٍ علميةٍ صارمة واحدة على الأقل، إذْ قيل لنا أنْ نبحثَ عن الحقيقة والمعرفة، وأنْ نكون موضوعيين وأصيلين، لكنْ ما انتهينا إليه في أغلب الأحيان هو البحثُ بشكلٍ يائسٍ عن موضوع، ويفضَّل أنْ يكون موضوعاً غير مستغَل؛ معتقدين أنْ الحصولَ على مِثل هكذا موضوع؛ وتقديمه بكفاءة مِن شأنه أنْ يضمِن إسهاماً إيجابياً في المعرفة، لذلك فإنَّ أحدَ الأسئلة التي قد نطرحها على أنفسِنا قد يكون: كيف ينبغي التعاملُ مع الموضوع الأدبي؛ وهل ينبغي أنْ نُدفع إلى العمل على موضوع معين؛ لأنّه غير مدروس؟!([47]).
نقدُ المنهجِ التاريخيِّ الأدبيِّ لدى المستشرقين
ربما ما يراه ياروسلاف بخصوص المنهج النقد الأدبي لدى المستشرقين لا ينطبق على المستشرقين أنفسهم فحسب، بل هو نقلٌ مِن بعضِ التوجهات المبكرة في تاريخ الأدب لدى الغربيين أنفسهم؛ في نقدهم لآدابهم، لكنَّ مؤرخي الأدبِ في الغربِ طوَّروا لاحقاً دراساتِهم في نظريةِ الأدب ثم النقد الأدبي على وفقِ مناهجَ حديثة، لكن المستشرقين بقوا تقريباً راكدين ومتمحورين حول النسَق القديم في التاريخ الأدبي، وعكسوه على دراساتهم في الأدب العربي، لكن التوجُّهَ الاستشراقيَّ الحديث بدأ يتأثر قليلاً بالمدارس الحديثة؛ في تاريخ الأدب وفي النقد الأدبي، وعلى هذا دأبت مدرسةُ شيكاغو؛ التي كان ياروسيلاف أحدَ روادها.
ويرى ياروسلاف أنَّ هناك " مدرستان متعارضتان في أشكالهما المتطرفة في الدراسة الأدبية: إحداهما تاريخية والأخرى نقدية، وتعتمد الطريقةُ التاريخية على التسلسلِ الزمني للإنتاج الأدبي، والعناية بالسيرة الذاتية. والمنهجُ التاريخي لا يعنى بالتأثيراتِ؛ بل بتحديدِ أولويةِ بعضِ المواضيع والأنواع على بعضها زمنياً.
أمَّا المنهجُ النقديُّ فيميل إلى تجاهلِ الزمن بوصفِه مجرَّدَ ظرفٍ، وهو يَعنى بتحليلِ الأعمال الأدبية ككياناتٍ جمالية، وهو من شقين: (العناية بالتقييم الجمالي والتعريف غير التاريخي للتفاصيل التحليلية)؛ في حين أنَّ التفاصيل هي هدفُ المنهجِ التاريخي، ووسيلة للنقد"([48]).
ومن هنا يترتَّب على المدرسةِ النقديةِ المعرفةُ المعمَّقة بالجمالياتِ التي تنطوي عليها الآدابُ قيد الدراسة. ولمَّا كان الكثيرُ من المستشرقين يعانون مِن قصور في فهم اللغة العربية فمِن الطبيعي أنْ لا تكون لهم الأهليةُ الكافية لتقديم نقد للأدب العربي، فضلاً عن اختلاف الذائقة والعنصر التاريخاني.
والتاريخانية بحسب الناقد بول هاملتون في كتابه التأريخ أو التاريخانية Historicism or Historism " حركةٌ نقديةٌ تشدّد على أهميةِ السياق التاريخي لتأويل النصوص، إنها معنيةٌ بوضع أيةِ عبارةٍ فلسفية / تاريخية / جمالية ضِمن سياقها التاريخي، مِن أجل سبْر المدى الذي ينعكس فيه تطور المفهوم. وأكثر التيارات في أواخر القرن العشرين مثل ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة اعتنَت بفكرة: أنَّ الفهمَ ينوجِد بفهم تفاصيل التاريخ وحيثياته"([49])، وهذا ما يصعب تمثله وإدراكه مِن لدن المستشرقين، وبهذا الخصوص يرى ادوراد سعيد أنَّ: "كلَّ نصٍّ خطابٌ؛ ولكلِّ خطاب تفسيرٍ مهيمن؛ والتفسير في الغالب شكلٌ من أشكال الصناعة: أي أنَّه يعتمد على النشاط القصدي الذي يقوم به العقل، ويتمُّ هذا النشاط في زمنٍ محدَّد ومكان معين، وينهمك في أدائه شخصٌ محددٌ؛ ذو خلفيةٍ خاصة ووضع خاص. وبناءً على هذا فتفسير النصوص لا يحدث في مختبر محصَّنٍ بالأمان، كما بل هو نشاط اجتماعي ومن غير المتاح فصمُ ارتباطاته بالوضع الذي نشأ فيه، ... ولا وجودَ لقارئ حيادي، أو خالٍ من القيم، وبكلماتٍ أخرى كلُّ قارئٍ هو عضو في مجتمع تربطه روابطُ ذلك المجتمع "([50]).
ومِن هذا المنطلق يعاود ياروسلاف القولَ: حاولنا اختبارَ اهتمامِنا بأدبٍ غريب وكدحنا فيه؛ بوصفنا عرباً مِن حيث المِهنة، لكن سنظل في قرارةِ أنفسنا غربيين، وستكون علاقتنا بالحياة الأدبية العربية علاقة مراقبين فحسب. ولن نحاول المشاركة فيها من خلال الالتزام بتشكيل الرأي النقدي الأدبي العربي. وإذا ما وجد صوتُنا صدىً بين زملائنا العرب فسيكون ذلك حدَثاً نادراً وعرَضياً، وإلا فمخططنا للتبرير الذاتي المهني والعاطفي سينهار حتماً، ولكننا نستطيع أنْ ننجوَ مِن هذا الإحباطِ إذا أدركنا أنَّ هناك فراغاً ينتظرنا في الحياة الثقافية والأدبية العربية أيضاً، وربما يكون ملءُ هذا الفراغ أسهلَ مِن الارتدادِ على أنفسنا([51]).
ولاشك في أنَّ أحدَ عناصر هذا الفراغ - فضلاً عما ذكره ياروسلاف سابقاً - هو عدم وصول النص العربي إلى القارئ الغربي؛ بما في ذلك أغلب المستشرقين؛ وصولاً سليماً، لأمور تتعلق باللغة وبيئتها وأفكارها؛ فضلاً عن فقر الترجمة، وما مرَّ ذكره من أمور تتعلق بمناهج الدراسة، فوصول النص العربي إلى القارئ الغربي بصيغةٍ أكثر دقة وحيوية يسهم في رفع اللبس عن الأدب ويعطي فسحة للذهن الغربي لاستيعابه، وهذا لا يكفيه فهم المستشرقين وحدهم؛ بل يحتاج القارئُ الغربي إلى ترجمة علمية تنقل هذا الجهد إلى الأذهان والثقافات الغربية.
وملء الفراغ الذي أشار إليه ياروسلاف يأخذ في الاعتبار تجدُّدَ المناهج على وفق المدارس النقدية الحديثة وهو بالفعل حاصل؛ لكن إلى أيِّ مدى نجح هذا الحصول، هذه قضيةٌ ترتبط بأمور كثيرة يعلِّق عليها روجر آلن Roger Allen": وهو من المستشرقين البريطانيين الذين لهم عناية بالأدب العربي الحديث قائلاً:
"في الجامعات الغربية ندرِّس الأدب في صيغة الدراسات النقدية والنظرية ونهتمُّ أكثر الوقت بالأبعاد الجمالية للأدب، ومن الواجب علينا في البداية الاعتماد على نصوص مترجمة؛ لأنَّ اللغة العربية تتطلَّب مدةً زمنية طويلة جدّاً لإتقان المهارات اللازمة لقراءة النصوص الأدبية المعقدة أسلوباً وشكلًا. وفي واقع الأمر، ولسوء الحظ، تتوفر (مواد) في الأدب العربي في مجموعة صغيرة جداً من الجامعات والكليات، ويتخصص بها عدد قليل من الطلاب "([52]).
"وفيما يتعلَّق بحقل الدراسات الأدبية والنقدية، فإنَّ البحث الاستشراقي شهد تحولاتٍ شكلية وموضوعية في معالجته الإنتاج الأدبي العربي، وقد عمل ظهور نقدِ ما بعد الاستعمار على إثراء الدراسات الاستشراقية والدراسات الثقافية عموماً؛ بتحريكه الماء الراكد في هذا الباب ... وملامح هذا التحول بدأت مع ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، إذ بدأ نفرٌ من المستشرقين الاهتمام بالأدب العربي الحديث الذي كان قد بدأت عليه ملامح النضج الفني؛ ولاسيما الأدب النثري، ويأتي على رأس هؤلاء مستشرق البريطاني هاملتون جب HA. Gibb"([53]).
نعم في الدراسات الحديثة التي يقدِّمها مستشرقون نفضوا عنهم عباءةَ التقليد الاستشراقي الكلاسيكي نوعاً من التقدم والتعامل الموضوعي مع الأدب العربي؛ فهما واستيعاباً وتقييماً، لكن من المستحيل أنْ تتقدمَ مثل هكذا الدراسات في واقع عسر الفهم اللغوي المناسب، لذلك يعاود ياروسلاف القول:
" كان مِن الطبيعيِّ أنْ يعجزَ المستعربُ الغربي عن كتابةِ جملةٍ واحدة سلِسةٍ باللغة التي كانت معياراً لكفاءته المهنية، وفي منشوراتنا في مجالِ الأدب العربي يتعيَّن علينا أنْ نتعلمَ كيف نهتمَ أكثر بمَن يقرأنا؛ ولأيِّ غرض، وبمجرد أنْ نبدأ في الاهتمام بهذا فسندرك أنَّ الذين قد يكونون الأكثر اهتماماً هم الأدباءُ والنقادُ والعلماء العرب أنفسهم، وينبغي لنا أنْ نخاطبهم في المقام الأول، لكن هذا الخطاب لابدَّ أنْ يكون باللغة العربية؛ ليس لأنَّ هؤلاء القرَّاءُ المحتملين قد يجدون صعوبةً في فهمنا عندما نستخدم لغات أخرى؛ بل لأنَّ مناقشة المشاكل الأدبية العربية المعقدة بأيِّ لغةٍ غير اللغة العربية ذاتها أمرٌ صعبٌ؛ إنْ لم يكن مستحيلاً.
إنَّ إخضاعَ بيتٍ شعريٍّ عربية مفردٍ باللغة لتحليلٍ أسلوبي من خلال الترجمةِ أمرٌ شاقٌّ ومثبط، والناقدُ الذي يضطر إلى أداءِ مآثر بهلوانية في الموازنة بين النص والترجمة، وبين التأثير الجمالي الأصلي وتفسيره الثانوي باستخدام وسائل صوتية ونحوية أجنبية؛ سيجد من المستحيل أنْ يتجاوز التعليقاتِ الأولية على مسائل الأسلوب، والإشارات اللغوية والصوتية، والتأثير البلاغي لبيت شعري. وهذا الاعتذار الثاني يهدف إلى التأكيد على أنَّ أفضل أداةٍ للتعامل النقدي مع الأدب العربي هي "العربية" نفسُها، ويجب الاستفادة مِن هذه الأداةِ إذا كان طموحُنا جاداً([54]).
ويستمر ياروسلاف في تفنيدِ المسوغات والأعذار التي يستخدمها الكثير من الغربيين في تبرير عجزهم عن مجاراة فهم الشعر العربي خصوصاً؛ والأدب العربي عموما، ولا يجد خلاصاً من عواقب هكذا أعذار؛ إلا التشرب بالعربية نفسها تشرباً حقيقياً يتجاوزون مِن خلاله قصورهم ويعطون الآداب العربية منزلتها ومقامها.
" إنَّ حقيقةَ أننا بهذه الطريقة نستهدف جمهوراً مِن القراء؛ وشراكة مفهومة كمِّياً؛ لا تعني خفض المعايير، وكما أشرتُ آنفاً فقد كنا حريصين على الجودة على نحوٍ شكلي؛ فكنَّا نضع معاييرنا الخاصة فيما بيننا بصرامة. وكثيراً ما كنَّا ننشر أعمالَنا دون أنْ نعرفَ أو نكترث حتى بمَن سيحكم على أعمالنا، بل وحتى ما إذا كان هناك أيُّ حكم أساساً"([55]).
وينبع عدم فهم الشعر العربي لدى الغربيين والعلماء مِن حقيقة أنهم " تجاهلوا الاختلافات الجوهرية بين اللغات العربية والأوروبية، وبهذا المعنى المحدد، لم تتم دراسة الشعر العربي وتحليله ومقارنته بشكل صحيح مع اللغات الأخرى لأنَّ مستوى نضج الشعر العربي تجاوز بكثير مستوى دراسات الأوروبيين"([56])، فالفضية إذن تتكرر، والسبب الأساس فيها هو المغايرة الذوقية واللغوية، فضلاً عن قصور مناهج الدراسة، هذا غير النزعة الاستعلائية التي تفرض ثقلَها على أيِّ تقاربٍ وقبول.
([1]) The Orientalist Poetry of Ahatanhel Krymskyj, jaroslav stetkevych, harvard ukrainian studies, vol. 8, no. 3/4 (december 1984), pp. 321-350.
([2]) انظر: مقدمة كتاب: شعرية الحنين في النسيب العربي الكلاسيكي. ياروسلاف. ترجمة حسن البنا عز الدين، الرياض ـ ٢٠٠٤م.
([3]) من نافلة القول أنْ نذكر أنَ هذا البحث المطول نفسه أعيد نشره ضمن كتاب لياروسىفلاف تحت عنوان: وفي تحليلات معمقة عن تطور تصورات المستشرقين عن الشعر العربي. Arabic poetry & orientalism نشر بالانكليزية، بتحرير نزار وليد، لصالح مركز أبحاث كلية سانت جون عام 2004.
([4]) مقدمة كتاب: القصيدة والسلطة الأسطورة، الجنوسة، والمراسم في القصيدة العربية الكلاسيكية. سوزان ستيتكيفيتش, ترجمة حسن البنا عز الدين. ص8. المركز القومى للترجمة. القاهرة. ط1. 2010.
([6]) دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي.أبحاث ترجمها عن الإنكليزية والألمانية عبد الرحمن بدوي. ص 21-22. دار العلم للملايين. ط1. بيروت. 1979.
([7]) مقدمة كتاب: القصيدة والسلطة الأسطورة، م.ن، ص 9.
([8]) تاريخ الأدب العربي. العصر الجاهلي. ريجيس بالاشير. تعريب ابراهيم كيلاني. ص10, دار الفكر دمشق. دت.
([9]) تاريخ الأدب العربي، بروكلمان، ترجمة: د. عبد الحليم النجار، د. السيد يعقوب بكر، 1/ 57 –60. مؤسسة دار الكتب الإسلامي، ط 2، مؤسسة ستار، 2008 م.
([10]) Margoliouth، D. S. (1915) Encyclopaedia of Religion and Ethics، Edinburgh: Vol. VIII، p. 874.
([11]) The Origins of Arabic Poetry: Journal of the Royal Asiatic Society. July 1925, pp.417/449
([12]) موقف مرجليوث من الشعر العربي/ في كتاب منـاهج المستشـرقين في الدراسات العربية الإسلامية، أحمد سعيد، منشورات المنظمة العربية للتربيـة والثقافـة والعلوم، 1985، جـ١، ص :400.
([13]) تاريخ الآداب العربية، لويس شيخو، دار المشرق، بيروت، د.ت، ط 3 ، ص:432.
([14]) Mohammed and the Rise of Islam، Margoliouth، (1905). New York: G. P. Putnam's Sons ، p. 60.
([15]) مقدمة كتاب: القصيدة والسلطة الأسطورة، م.ن. ص 9.
([16]) ينظر كتابها: الشعر والشعرية في العصر العباسي. سوزان بنكني ستيتكفيتش. ترجمة حسن البنا عز الدين. المركز القومي للترجمة. القاهرة. ط1. 2008.
([17]) مقدمة كتاب: القصيدة والسلطة الأسطورة، م.ن. ص 11-13.
([18]) Orientalism: Past and Present, An Introduction to a Postcolonial Critique, Tobias Hübinette. The Stockholm Journal of East Asian Studies. no 13, p. 73-74
([19]) مقدمة كتاب: القصيدة والسلطة الأسطورة، م.ن. ص 13-14.
([20]) A cultural history of the arabic language. Sharron Gu. McFarland & Company, Inc. Publishers. North Carolina, and London.p. 8. 2014.
([21]) ابن قتيبة وما بعده: القصيدة العربية الكلاسيكية والأوجه البلاغية للرسالة. ياروسلاف ستتكيفتش. ترجمة : مصطفى رياض. ص 72. مجلة فصول. عدد 2. 1986.
([22]) مقدمة كتاب: القصيدة والسلطة الأسطورة ، م.ن. ص13 - 14.
([24]) Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession. Jaroslav tetkevych. Journal of Near Eastern Studies.Vol. 28, No. 3 (1969), pp. 145-156: The University of Chicago Press.
([25]) Arabic poetry & orientalism. Jaroslav stetkevych. By st. John’s college research centre, first published in 2004. P. 37.
([26]) الاستشراق والقرون الوسطى. جون م. غانم. ص 33- 34. هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة. ط1. 2012.
([27]) The Rise of Modern Mythology, Quoted in Burton, Feldman and Robert Richardson, 1972) p. 313..
([28]) Guide through the Romantic Moment, Ernest Bernbaum. University Of Illinois, Second Edition, A Companion Volume To The Anthology Of Romanticism, p. 7-8, (New York) 1949.
([29])Byron and Orientalism. Edited by Peter Cochran. Cambridge Scholar press. P. 6-7. 2006. P. 37.
([30])فرجِيل: أحدُ أعظم شعراء روما القديمة (70- 19 ق. م) نشأ في بيئة ريفية، أثرت على طابع شعره. كتب ثلاث أعمال:
الإكلوجات: قصائد رعوية تصور حياة الرعاة والحب والطبيعة. والإنيادة وهي ملحمة بطولية تُعد من أعظم الأعمال الأدبية في الأدب اللاتيني، وتُقارن بـ"الإلياذة" و"الأوديسة" لهوميروس. أمّا قصيدة (ألكسيس) فواحدة من قصائده الرعوية، وتتناول الحياة الريفية وتُعد مثالاً على الشعر الغنائي الرعوي الذي يمزج بين الجمال الطبيعي والمشاعر الإنسانية.
([31]) Arabic poetry & orientalism. Jaroslav stetkevych. By st. John’s college research centre, first published in 2004. P. 37.
([33]) Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession. Jaroslav tetkevych. Journal of Near Eastern Studies.Vol. 28, No. 3 (1969), pp. 145-156: The University of Chicago Press.
([34]) صورة الشرق في عيون الغرب. إبراهيم الحيدري. دار الساقي. ط1. ص36. بيروت. 1996.
([35]) الجذورُ الشرقيةِ للرومانسيةِ الغربية. فارس عزيز المدرس. مجلة آداب الرافدين. ص 111-112، العدد الثاني والثمانون/ السنة الخمسون, محرَّم - 1442 ه / أَيلول 2020 م
([36]) Byron and Orientalism. Edited by Peter Cochran. Cambridge Scholar press. P. 6-7. 2006.
([37]) تأثير الأدب العربي على الأدب الإنكليزي. بقلم المستشرق البريطاني آرثر جون اربري. مجلة الأدب والفن. لندن. 1943.
([38]) The Rise of Modern Mythology, Quoted in Burton, Robert Richardson, 1972) p. 313.
([39]) p. 1-2 Guide through the Romantic Moment, Ernest Bernbaum (New York, 1949.
([41]) م.ن. Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession.156.
([43]) تصور الشرق في كتابات الرحالة البريطانيين في العصر الفكتوري. حسين يوسف حسين. مجلة كلية التربية. جامعة واسط. عدد: 37. 2019.
([44]) الاستشراق. المفاهيم الغربية للشرق. ادوارد سعيد. ترجمة محمد عناني. ص 73. دار رؤية للنشر. بيروت.ط1. 2006.
([45]) النزعةُ الاستشراقيّة في أدبياتِ الرحّالةِ البريطانيين. في القرن التاسع عشر. فارس عزيز حمودي. مجلة القادسية في الآداب والعلوم التربوية، ص 438 – 439. المجلد الثالث والعشرون، العدد ٣، الجزء ٣، 2023.
([46]) م.ن Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession.p. 159.
([49]) published in the Taylor. p.3. Francis e-Library, 2005 & Historicism. Paul Hamilton. Introduction.
([50]) الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربية. ادوارد سعيد. ص: 126-127. دار الجيل. بيروت. ط1. 1994.
([51]) م.ن 161 Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession.p.
[52] المدرسة الاستشراقية البريطانية والرواية المصرية، تحولات المشهد وأنماط التناول. د. شريف حتيتة الصافي, مجلة: رؤى فكرية، ص 188-189. جامعة سوق أهراس العدد السابع. 2018.
[54] م.ن Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession.p. 160.
([55]) م.ن 162Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession.p.
([56])A cultural history of the arabic language. Ibd, 70.
References
1- The Orientalist Poetry of Ahatanhel Krymskyj, jaroslav stetkevych, harvard ukrainian studies, vol. 8, no. 3/4 (december 1984).
2- The Rise of Modern Mythology, Quoted in Burton, Feldman and Robert Richardson, 1972)
3- Orientalism: Past and Present, An Introduction to a Postcolonial Critique, Tobias Hübinette. The Stockholm Journal of East Asian Studies. no 13,
4- Byron and Orientalism. Edited by Peter Cochran. Cambridge Scholar press. P. 6-7. 2006.
5- Byron and Orientalism. Edited by Peter Cochran. Cambridge Scholar press. P. 6-7. 2006.
6- Arabism and Arabic Literature. Self-View of a Profession. Jaroslav tetkevych. Journal of Near Eastern Studies.Vol. 28, No. 3 (1969), pp. 145-156: The University of Chicago Press.
7- A cultural history of the arabic language. Sharron Gu. McFarland & Company, Inc. Publishers. North Carolina, and London
8- The Orientalist Poetry of Ahatanhel Krymskyj, jaroslav stetkevych, harvard ukrainian studies, vol. 8, no. 3/4 (december 1984)