المقدمة:
لقد كان ذكر الملائكة الكرام في القرآن الكريم لافتا بشكل كبير مما جعلنا نتأمل في مواردها القرآنية فوجدناها موصوفة بأوصاف كثيرة, فعمدنا في هذا البحث إلى تسليط الضوء على دلالات نوع من تلك الأوصاف .
ونعني ب(الأوصاف) الوصف العام للملائكة الكرام لا الصفة النحوية, لذلك لم نقل صفات.
وقد كان للملائكة الكرام مهام متعددة منها ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى ومنها ما يتعلق بالأنبياء والرسل ومنها ما يتعلق بالناس فمهام الملائكة مع الله تعالى هي الطاعة والعبادة والتسبيح والتقديس, أمّا المهام مع الأنبياء والرسل فهي الوحي والحماية والتأييد والدفاع عنهم والقتال معهم اذا إلتزم الأمر, وأمّا المهام مع الناس فهي الاستغفار والحفظ والتوفي عند النوم بخروج النفس من جسم الإنسان وبقاء الروح وعودتها إليه عند اليقظة وخروج النفس والروح عند الموت والشهادة على الإنسان يوم القيامة والملكان الحافظان اللذان يراقبان الإنسان في كل صغيرة وكبيرة, وكما تعددت مهام الملائكة كذلك تعددت مراتبها عند الله سبحانه وتعالى فمنهم المقربون ومنهم الكروبيون ومنهم حملة العرش.
وعالم الملائكة الكرام مختلف عن عالم الإنس والجن فهو عالم كريم كله طهر وصفاء ونقاء, وهم كرام بررة, أي خلقهم كريم يعبدون الله حق عبادته ويقومون بتنفيذ ما يأمرهم الله به ولا يعصون الله أبدا, ولا يعرفون طريق المعصية أصلا, فهم مجبولون على الطاعة, وقد خلقهم الله تعالى من نور, وسخّرهم للعبادة وتنفيذ ما أمرهم به, فمنهم العابدون, ومنهم الموكلون ببني آدم, ويختلفون اختلافا كثيرا, فهم ليس بالقوى المادية أو المعنوية أو ما أشبه ذلك, بل هم أجسام كما قال عنهم الله تعالى الحمد لله فاطر السماوات والارض جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة: [سورة فاطر:1], ونحن نؤمن بكل من علمنا إسمه منهم, وبصفة كل من علمنا بصفته, وما وراء ذلك من علم الغيب.
وقد ورد في القرآن الكريم تسعة أوصاف للملائكة الكرام تتعلق بالمهام المتعلقة بالمؤمنين, نذكرها في الجدول الآتي مرتبة حسب سبق ورودها في القرآن الكريم.
|
ت
|
الوصف
|
الآية التي ورد فيها الوصف
|
رقم الآية
|
اسم السورة
|
|
1
|
منزلين
|
اذ تقول للمؤمنين الن يكفكم ان يمددكم ربكم بثلاثة الاف من الملائكة منزلين
|
124
|
آل عمران
|
|
2
|
مسوّمين
|
بلى ان تصبروا وتتقوا وياتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الاف من الملائكة مسومين
|
125
|
آل عمران
|
|
3
|
مردفين
|
اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين
|
9
|
الانفال
|
|
4
|
جنود
|
وانزل جنودا لم تروها
فانزل الله سكينته عليه وايده بجنود لم تروها
فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّم تَرَوْهَا
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
وما يعلم جنود ربك الا هو
|
26
40
7
31
|
التوبة
التوبة
الفتح
المدثر
|
|
5
|
لا يشفعون
|
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
|
28
|
الأنبياء
|
|
6
|
مقترنين
|
فلولا القى عليه اسورة من ذهب او جاء معه الملائكة مقترنين
|
53
|
الزخرف
|
|
7
|
الناشطات
|
والناشطات نشطا
|
2
|
النازعات
|
|
8
|
السابحات
|
والسابحات سبحا
|
3
|
النازعات
|
|
9
|
السابقات
|
فالسابقات سبقا
|
4
|
النازعات
|
المبحث الأول
(الأوصاف المتعلقة بنصرة المؤمنين)
انطوت معركة بدر على معجزة من أعظم معجزات التأييد والنصر للمؤمنين, فقد أمدّهم الله عزّ وجلّ فيها بملائكة يقاتلون معهم, وقاموا بكل ما يمكن أن يكون سببا لنصرة المؤمنين, من تبشيرهم بالنصر, وتثبيتهم وإلقاء القوة في قلوبهم والتثبيت والطمأنة, وبما أظهروه للمؤمنين من أنّهم مساندون للمؤمنين بأمر الله تعالى, والاشتراك الفعلي في القتال. وقد ورد في القرآن الكريم خمسة أوصاف للملائكة الكرام تتعلق بهذه المهام, نوردها في الجدول الآتي:
|
ت
|
الوصف
|
الآية التي ورد فيها الوصف
|
رقم الآية
|
اسم السورة
|
|
1
|
منزلين
|
اذ تقول للمؤمنين الن يكفكم ان يمددكم ربكم بثلاثة الاف من الملائكة منزلين
|
124
|
آل عمران
|
|
2
|
مسوّمين
|
بلى ان تصبروا وتتقوا وياتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الاف من الملائكة مسومين
|
125
|
آل عمران
|
|
3
|
مردفين
|
اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين
|
9
|
الانفال
|
|
4
|
جنود
|
وانزل جنودا لم تروها
فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّم تَرَوْهَ
فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّم تَرَوْهَا
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وما يعلم جنود ربك الا هو
|
26
40
7
31
|
التوبة
التوبة
الفتح
المدثر
|
|
5
|
مقترنين
|
فلولا القى عليه اسورة من ذهب او جاء معه الملائكة مقترنين
|
53
|
الزخرف
|
وسنعمد إلى اختيار ثلاثة منها للتحليل , وهي :(منزلين_مسومين_جنود).
منزلين:
ورد هذا الوصف في قوله تعالىإِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ [سورة آل عمران:124].
وعند تتبع الدلالة المعجمية للوصف نرى أنّ: ((النُّونُ وَالزَّاءُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ صَحِيحَةٌ تَدُلُّ عَلَى هُبُوطِ شَيْءٍ وَوُقُوعِهِ. وَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ نُزُولًا. وَنَزَلَ الْمَطَرُ مِنَ السَّمَاءِ نُزُولًا. وَالنَّازِلَةُ: الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَّهْرِ تَنْزِلُ. وَالنِّزَالُ فِي الْحَرْبِ: أَنْ يَتَنَازَلَ الْفَرِيقَانِ. وَنَزَالِ: كَلِمَةٌ تُوضَعُ مَوْضِعَ انْزِلْ. وَمَكَانٌ نَزِلٌ: يُنْزَلُ فِيهِ كَثِيرًا))( (ابن فارس، 1979، 417؛ الفراهيدي، د.ت، 367؛ الزمخشري، 1998، 263), قال الخليل(ت170ه): ((والنُّزُل: ما يُهيّأ للقوم والضّيف إذا نزلوا. والنُّزْلُ: رَيْعُ ما يُزْرع)) ((الفراهيدي، د.ت، 367؛ الجوهري، 1987، 1828), وقال ابن دريد(ت321ه): (( وَلَا يكون النُّزول إِلَّا من ارْتِفَاع الى هبوط، وَإِنَّمَا قَالُوا: نزلتُ فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا، لِأَنَّهُ ينزل عن دابّة أَو يتَجَاوَز مَنزلة الى مَنزلة أُخْرَى. وأنزلَ الله عزّ وجلّ الكتابَ إنزالاً ونزّله تَنْزِيلا شَيْئا بعد شَيْء)) (الأزهري، 2001، 827؛ الجوهري، 1987، 1828؛ الزمخشري، 1998، 263), فالنُّزُولُ: هو انحِطَاطٌ من عُلْوّ. يقال: نزل من علو إلى أسفل نزولا, ويتعدى بالحرف والهمزة والتضعيف, فيقال: نزلت به وأنزلته وتنزّلته واستنزلته بمعنى أنزلته. والمنزل: موضع النزول, والمنزلة مثله, وهي أيضا المكانة. ونزلت عن الحق: تركته. وأنزلت الضيف, فهو نزيل فعيل بمعنى مفعول (الفيومي، د.ت، 600).
ولم تبتعد الدلالة المعجمية للوصف عن دلالته السياقية, فقوله تعالى: ﱡمنزلينﱠ اي: حال الملائكة الكرام وهم نازلين من السماء باذنه تعالى لنصرة المسلمين في حربهم مع الكفار, فإنّ نزول الملائكة من السماء إلى الأرض لنصرة المؤمنين حدث عظيم, وثبات راسخ للمؤمنين حينما يوقنون بأنّهم ليسوا وحدهم في الميدان, وإنّهم إذا حققوا اسباب النصر فإنّهم أهل للمدد (البروسوي، د.ت، 90), والكفاية: ((مقدار سد الخلة. والاكتفاء: الاقتصار على ذلك. والإمداد: إعطاء الشيء بعد الشيء)) (ابن الجوزي، 2002، 320؛ الأندلسي، 2000، 333), ومعنى ﱡالن يكفكمﱠ إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة.
وقد جيء ب(لن) التي هي لتأكيد النفي، للإشعار بأنّهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوّهم وشوكته كاليائسين من النصر. وبَلى إيجاب لما بعد لن، بمعنى: بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية ثم قال: ان تصبروا وتتقوا يمددكم بأكثر من ذلك العدد أنّهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه ﱡﭐيمددكمﱠ بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد: أنّ اللَّه يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم. وقرئ منزلين بالتشديد. ومنزلين بكسر الزاي، بمعنى: منزلين النصر (الأندلسي، 2000، 333؛ الزمخشري، 1987، 411؛ العسقلاني، 1379هـ، 313), ومن المعروف أنّ (لا) و(لن) من أدوات النفي إلا أن النفي هنا قد جاء ب(لن), فهل هناك فرق بينهما؟. للعلماء في تعليل ذلك قولان:
الأول: أنّه لا فرق بينهما إلا من حيث الإعراب, أمّا من حيث المعنى فلا فرق بينهما, وعلى هذا القول جمهور علماء النحو والتفسير, وذلك لأنّ (لن) هي أخت (لا) في نفي الأفعال المستقبلية على الإطلاق دون تأكيد أو تأبيد, فيستوي بذلك عندهم المنفي بهما. إلا أن النتفي ب(لا) يأتي مرفوعا, والمنفي ب(لن) يأتي منصوبا, قال ابو حيان(ت745ه): وهو الصحيح, وتابعه في ذلك الزركشي(ت794ه) (الزركشي، 1391هـ، 420؛ الأندلسي، 2000، 537).
الثاني: أنّ (لن) و(لا) وإن كانتا أختين في نفي الافعال المستقبلية, إلا أنّ في (لن) تأكيدا وتشديدا ليس في(لا), تقول لصاحبك: لا أقيم غدا عندك، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غدا, وإلى هذا القول ذهب الزمخشري(ت538ه), وتابعه الفخر الرازي(ت606ه) (الزمخشري، 1987، 171؛ الرازي، 2000، 352), والحكمة من امداد الله سبحانه وتعالى للمسلمين بالملائكة الكرام لمقاتلة المشركين: لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنّتها التي أجراها الله تعالى في عباده, وتفضيل النبي محمد صلى الله عليه وسلم بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل، فمن المعلوم أنّ ملكا واحد يكفي، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة منه، ومن ذلك: أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه أشار بقوله: وما انزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين[سورة يس:28] إلى أنّ إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك (الرازي، 2000، 12), وقوله تعالى: اذ تقولﱠ: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنّ هذا الظرفُ بدلٌ من قولِه: (إذ هَمَّتْ). الثاني: أنّه منصوبٌ ب (نصركم) . الثالث: أنّه منصوبٌ بإضمار (اذكر) وقوله: ﱡأن يمددكمﱠ فاعلُ ﱡألن يكفكمﱠ أي: ألن يكفيَكم إمدادُ ربكم. والهمزةُ لَمَّا دَخَلَتْ على النفي قَرَّرَتْه على سبيل الإِنكار، وجيء بـ(لن) دونَ (لا) لأنها أبلغُ في النفي, وقوله: ﱡمن الملائكةﱠ يجوز أن تكون (مِنْ) للبيان، وأَنْ تكونَ (من) ومجرورُها في موضعِ الجر صفةً لـ(ثلاثة) أو لـ(آلاف) , وقوله: ﱡمنزلينﱠ صفةٌ لثلاثة آلاف، ويجوزُ أن تكونَ حالاً من (الملائكة) والأولُ أَظهرُ. وقُرء: ﱡمنزلينﱠ بالتضعيف، وكذلك شَدَّد قوله في سورة العنكبوت: انا منزلون على اهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون34] ، إلا أنه هنا اسم مفعول وهناك اسم فاعل (الحلبي، د.ت، 386؛ الآلوسي، 1995، 260), ووصفهم بذلك إشارة إلى أنهم من أشرف الملائكة وقد أنزلوا من السماء الثالثة، وقرئ مُنْزَلِينَ بالتشديد للتكثير أو للتدريج، وقرئ مبنيا للفاعل من الصيغتين على معنى مُنْزَلِينَ الرعب في قلوب أعدائكم أو النصر لكم (الآلوسي، 1995، 260؛ الحلبي، د.ت، 386), وعلى ذالك فإنّ : منزلين جمع منزل بفتح الزاي اسم مفعول من أنزل الرباعيّ وزنه مفعل بضمّ الميم وفتح العين، وفي اللفظ حذفت الهمزة من أوله كما حذفت من الفعل. وقد جاء هذا الوصف على صيغة إسم المفعول للدلالة على أنّ الملائكة الكرام مأمورون بالانزال, أي: أنّ الله سبحانه وتعالى أمرهم أن ينزلوا ويقاتلوا مع المسلمين وينصروهم في معركتهم ضد الكفار وقد كانوا بأمس الحاجة إلى هذا الامدام فقد كانت أعدادهم قليلة جدا بالمقارنة مع أعداد جيش الكفار وهذا امتنان منه على عباده المؤمنين, فكان هذا الامداد بشرى للمؤمنين يستبشرون به وطمأنينة لقلوبهم وتسكين لنفوسهم فيزول القلق والاضطراب الناتج عن الخوف من إمداد كرز المشركين بالمقاتلين، ولذا. قال تعالى: وما جعله الله الا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر الا من عند الله[سورة الأنفال : ١٠] (الصافي، 1998، 300؛ السعدي، 2000، 146), وقد جاء وصف المؤمنين بالذلّة هنا، لبيان الحال الظاهر منهم للناس, أما في حقيقة أنفسهم، فهم من إيمانهم بالله، وثقتهم فيه، وتوكلهم عليهم واستعلائهم على حاجات الجسد، ومتاع الحياة- هم فى عزّة عزيزة، تستخف بكل قوى المادة وعتوّها. فالذلّة التي وصفهم القرآن بها ليست ذلّة نفسيّة، ولا ضعفا قلبيا، وإنما هىي ذلّة حاجة وعوز، وقلة في المال والرجال، بحيث يخفّ ميزان أصحابها في أعين الناس، حين ينظرون إلى ظاهرهم هذا (الخطيب، د.ت، 574), ونلحظ أنّهُ جيء بالمضارع في قوله تعالى: ﱡﭐاذ تقول ﱠ لحكاية الماضي بطريق استحضار الصورة في الذهن, الإتيان بصفة الربوبية وإسنادها للمخاطبين في قوله تعالى: ﱡأن يمددكم ربكمﱠ , لإظهار كمال العناية بهم (الزحيلي، 1998، 62).
مُسَوِّمِينَ:
ورد هذا الوصف في قوله تعالى بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﱠ [سورة آل عمران:125].
قال إبن فارس(ت395ه): ((السِّينُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الشَّيْءِ. والسُّومَةُ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ تُجْعَلُ فِي الشَّيْءِ)) (ابن فارس، 1979، 118؛ الأزهري، 2001، 76؛ الزمخشري، 1998، 334), قال الخليل(ت170ه): ((سوّم فلانٌ فرسه تسويما: أَعْلَمَ عليه بحريرة، أو شيء يُعْرَفُ بها,..., وبعيرٌ موسومٌ: وُسِمَ بسمةٍ يُعْرَف بها، من قَطعِ أُذُنٍ أو كيّ)) (الفراهيدي، د.ت، 320–321؛ الأزهري، 2001، 77), ويُطلق الوَسْمِيُّ على مطر الربيع الأوَّل لأنَّه يَسِم الأَرْض بالنبات، فيُصَيِّر فِيهَا أثرا فِي أوّل السنَة (الأزهري، 2001، 77؛ الجوهري، 1987، 2051).
ولم تبتعد الدلالة السياقية للوصف عن دلالته المعجمية, فالإمداد: إتصال الشيء بالشيء، وأصله من مد الحبل (الأصفهاني، 2003، 840), والمراد به في الآية إعانة المؤمين وتقويتهم بالملائكة, والتسويم : وهو إظهار سيما الشيء أي: مُعَلِّمين أنفسهم أو خيلَهم في أذنابها ونواصيها بالصوف الأبيض قال عليه السلام لأصحابه:( تسوّموا فان الملائكة قد تسّومت) (البروسوي، د.ت، 90–91؛ ابن عجيبة، 2002، 403؛ القرطبي، 1964، 197), والسُّومَةُ: هي العَلَامَةٍ التي يَجْعَلُهَا الْبَطَلُ لِنَفْسِهِ فِي الْحَرْبِ مِنْ صُوفٍ أَوْ رِيشٍ مُلَوَّنٍ، يَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى رَأْسِ فَرَسِهِ، يَرْمُزُ بِهَا إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَّقِي أَنْ يَعْرِفَهُ أَعْدَاؤُهُ،..., وَوَصْفُ الْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ كِنَايَةٌ عَلَى كَوْنِهِمْ شِدَادًا (ابن عاشور، 1984، 76؛ الثعلبي، 2002، 233), وقد أخرج ابن جرير(ت310ه) وابن المنذر (ت319ه) وابن ابي حاتم(ت327ه) عن الشعبي(ت103ه) قال: ((حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين ببدر، قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله عز وجلّ: ﱡألن يكفكم أن يمددكم ربكمﱠ إلى قوله: من الملائكة مسومين)) (الطبري، 2000، 174؛ النيسابوري، د.ت، 367؛ ابن أبي حاتم، د.ت، 752), وقد جيء بالحرف(بلى) في بداية الآية لأنّه مختصة بإبطال النفي، سواء كان خبرا ام استفهاما، فهي تنقض النفي على أية حال، فمن وقوعها بعد الخبر قولك (لم يزرك خالد) فتقول: (بلى) قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ [سورة التغابن: 7]، وقال: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: 28]. ومن وقوعها بعد الاستفهام قوله تعالى: ﱡ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ [سورة الأعراف: 172] وقوله: أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا [سورة الملك: 8، 9],, ومن هنا يتبين أنّ (بلى) لا تقع إلا بعد النفي (السامرائي، 2000، 275).
واختلف أهل التأويل في وقت إمداد المؤمنين بالملائكة يوم حربهم على أقوال:
الأول: أنّه يوم بدر, وهو قول إبن عباس(ت68ه) وأبي أسيد مالك بن ربيعة(ت60ه) ومجاهد(ت104ه) والشعبي(ت103ه) والحسن(ت110ه) وعكرمة(ت107) وقتادة(ت117ه) والربيع بن أنس(ت139ه) (الطبري، 2000، 173–176؛ السمرقندي، د.ت، 10؛ الثعلبي، 2002، 141), ونسبه الفخر الرازي(ت606ه) إلى أكثر المفسرين (الرازي، 2000، 350).
قال ابن عاشور(ت1393ه): ((وظرف إذ تقول للمؤمنين زماني وهو متعلق (بنصركم) لأن الوعد بنصره الملائكة والمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد)) (ابن عاشور، 1984، 72).
الثاني: أنّه يوم أُحد, فقد أخرج البغوي(ت510ه) عن سعد بن ابي وقاص(ت55ه) رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قبل ولا بعد, يعني جبريل وميكائيل (البغوي، 2000، 501), وهو قول الكلبي(ت146ه) والوافدي(ت207ه) ومقاتل(ت150ه) ومحمد بن إسحاق(ت150ه) (الدمشقي، 1998، 515), وحجة هذا القول أنّ: (( يوم بدر كان المدد فيه من الملائكة بألف، وهنا بثلاثة آلاف وخمسة آلاف))( الأندلسي، 2000، 331).
والأرجح هو القول الأول, حيث قال أبو أسيد مالك بن ربيعة(ت40ه) وكان شاهد بدر وقد ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم (ببدر) ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، فعلى هذا يكون الله قد أمدهم وفعل بهم ما وعدهم به (القرطبي، 1964، 193؛ مكي، 2008، 1116), وقال ابن عباس(ت68ه): ((لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وإنما كانوا في غيره من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون)) (مكي، 2008، 1117؛ القرطبي، 1964، 194), وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ:((كَانَ النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوهُمْ بِضَرْبٍ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَعَلَى الْبَنَانِ مِثْلَ سِمَةِ النَّارِ قَدْ أُحْرِقَ بِهِ)) (القرطبي، 1964، 194).
أما الفور: فهو القصد إلى الشيء، والأخذ فيه بحدّة، وهو من قولهم: فارت القدر تفور فورًا وفورانًا: إذا غلت (الثعلبي، 2002، 232؛ القرطبي، 1964، 196).
وقوله تعالى: من فورهم هذا ﱠ أقوال للمفسرين:
الأول: يعني من وجههم هذا, وهو قول إبن عباس(ت68ه) والحسن(ت110ه) وعكرمة (ت107ه) وابن زيد(ت182ه) وقتادة(ت117ه) ومقاتل(ت150ه) والربيع(ت139ه) والسدي(ت127ه) (ابن الجوزي، 2002، 321؛ الطبري، 2000، 183؛ الماوردي، د.ت، 421).
الثاني: بمعنى: من غضبهم هذا, وهو قول مجاهد(ت104ه) والضحاك(ت105ه) وآخرين (مجاهد، 1989، 258؛ ابن الجوزي، 2002، 321؛ الطبري، 2000، 183).
الثالث: بمعنى: سفرهم هذا, رواه إبن جرير(ت310ه) وإبن ابي حاتم(ت327ه) عن إبن عباس(ت68ه) رضي الله عنهما (ابن أبي حاتم، د.ت، 753؛ الطبري، 2000، 183).
الرابع: بمعنى: السرعة والتعجيل بلا تراخي ولا تأجيل, يقول الزمحشري(ت538ه): ((هو مصدر من: فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل: خرج من فوره، كما تقول: خرج من ساعته، لم يلبث, والمعنى: أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد: أنّ اللَّه يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم)) (الزمخشري، 1987، 411), وقال البقاعي (ت885ه): ((أي وقتهم، استعير للسرعة التي لا تردد فيها)) (البقاعي، 1995، 57), وقال الفخر الرازي(ت606ه): ((ومنه قول الأصوليين الأمر للفور أو التراخي، والمعنى حدة مجيء العدو وحرارته وسرعته)) (الرازي، 2000، 353).
فالذي قال في قوله: من فورهم هذا ﱠ من وجههم هذا: قصد إلى أن تأويله: ويأتيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين (الطبري، 2000، 183؛ ابن الجوزي، 2002، 321), وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم قوله تعالى: مسومين ﱠ بكسر الواو، بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّومَةِ بِضَمِّ السِّينِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ مَقْلُوبُ سِمَةٍ لِأَنَّ أَصْلَ سِمَةٍ وَسْمَةٌ, والباقون بفتحها، عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ سَوَّمَهُ, فمن فتح الواو، أراد أنّ الله سوَّمها، ومن كسرها، أراد أن الملائكة سومت أنفسها. وقال الأخفش: سوّمت خيلها. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم بدر:((سوموا فإن الملائكة قد سومت)) ونسب الفعل إليها، فهذا دليل الكسر (ابن الجوزي، 2002، 321؛ القرطبي، 1964، 196) وبَلى: جواب للنفي الذي في( أَلَنْ) وقد تقدم معناه، ثم ذكر تعالى الشرط الذي معه يقع الإمداد وهو الصبر، والتقوى (ابن عطية، 2002، 504؛ ابن عاشور، 1984، 76).
وأمّا الأعداد المذكورة هنا فهي ((مناسبة لجيش العدو لأن جيش العدو يوم بدر كان ألفا فوعدهم الله بمدد ألف من الملائكة فلما خشوا أن يلحق بالعدو مدد من كرز المحاربي. وعدهم الله بثلاثة آلاف أي بجيش له قلب وميمنة وميسرة كل ركن منها ألف، ولما لم تنقشع خشيتهم من إمداد المشركين لأعدائهم وعدهم الله بخمسة آلاف، وهو جيش عظيم له قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة، وذلك هو الخميس، وهو أعظم تركيبا وجعل كل ركن منه مساويا لجيش العدو كله)) (ابن عاشور، 1984، 77).
جنود:
ورد هذا الوصف في قوله تعالى فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا [سورة التوبة:40].
عند تتبع الدلالة المعجمية لهذا الوصف في كتب اللغة نجد أنّ ((الجيم والنون والدال يدل على التجمع والنصرة. يقال: هم جنده, أي: أعوانه ونُصّاره. ويقال: لكل واحد من هذه جند. وجند: بلد. والجند: الأرض الغليظة فيها حجارة بيض)) (ابن فارس، 1979، 485), قال الخليل(ت170ه): ((كلُّ صنفٍ من الخلق يقال لهم: جُندٌ على حِدَةٍ. وفي الحديث: الأرواحُ جنود مُجندةٌ فما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها إختلف. ويقال: هذا جُندُ قد أقبل، وهؤلاء جُندٌ قد اقبلوا، يخرج على الواحد والجميع، وكذلك العسكرُ والجيشُ.)) (الفراهيدي، د.ت، 86). وجاء في تهذيب اللغة ((والمجنَّدة: الْمَجْمُوعَة، وَهَذَا كَمَا يُقَال: ألف مؤلفة، وقناطير مقنطرة أَي مضعَّفة)) (الأزهري، 2001، 348).
والتأييد: التقوية والنصرة, وهو مشتق من إسم اليد, وقد تقدم ذكره في قوله تعالى: ﱡﭐ وايدناه بروح القدسﱠ [سورة البقرة:87] والجنود: جمع جندي بمعنى الجيش, وقد تقدم ذكره قي قوله تعالى: ﱡﭐفلما فصل طالوت بالجنودﱠ [سورة البقرة:249] ثم جوز أن تكون جملة وايده بجنود معطوفة على جملة فـأنزل الله سكينته عليه عطف تفسير فيكون المراد بالجنود الملائكة الذين القوا الحيرة في نفوس المشركين فصرفوهم عن إستقصاء البحث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويلقون البشارة في قلبه، ويصرفون وجوه الكفار عنه وإكثار الطلب وراءه والترصد له في الطرق المؤدية والسبل الموصلة (ابن عاشور، 1984، 204) وقد أُسْتُعير هنا لفظ (جنود) للمخلوقات التي جعلها الله لتنفيذ أوامره لمشابهتها بالجنود في تنفيذ المراد (ابن عاشور، 1984، 319).
و نلحظ أنّ الله عزّ وجل قد إستحدم في السياق القرآني لفظ (جنود) ولم يستحدم لفظ (ملائكة) وذلك لأنه في مقام العقوبة والمحاربة فكان إختيار لفظ (جنود) أنسب لأنّ قومه حاربوا الله ورسوله فحاربهم الله سبحانه وتعالى (السامرائي، 2003، 133).
وقد ورد لفظ (جند) و (جنود) كثيراً في القرآن الكريم. ونلحظ في سياق النص القرآني الذي ورد فيه لفظ (جند) أنّ الله عزّ وجل كان دائم الإستهزاء بجند الكفار الذين يحاربون الله ورسوله, قال تعالى: جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ﱠ [سورة ص:11] أي ما هم إلا جيش من الكفار المتحزبين على رسول الله وهم مهزومون مكسورون عما قريب فلا تبالي يا رسول الله في ما يقولون (الزمخشري، 1987، 75؛ الموسوي، د.ت), ولا يخفى ما أفادته (ما) هنا من جمال في تناسق الآية. فقد أفادت غاية الإستهزاء بهذا الجند وما إعتقدوه في أنفسهم بأنّهم قادرون على الغلبة والنصرة في مواجهة تدبير أمر الله وحكمته. وفي مقابل إستهزائه عزّ وجل بجيش الكفار, رفع سبحانه شأن جنوده المؤمنين, فقال: ﱡﭐ وان جندنا لهم الغالبونﱠ [سورة الصافات:173]. ولا شك أنّ الاتيان بصيغ التأكيد (إنّ واللام والخبر المشتمل على مبتدأ وخبر) قد أفاد أنّ الغلبة لجند الله ولمن تابعهم في الدنيا والآخرة متحققة لا محال (الموسوي، د.ت).
وهناك ملمح دلالي يلحظ في آيتين قرآنيتين ورد فيهما لفظ (جنود). الأولى قوله تعالى: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [سورة الفتح:4]. والثانية قوله تعالى: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [سورة الفتح:7]. ولعل السر في إختلاف التعبير أنّ الكلام في الآية الأولى متصل بأنزال السكينة وأزدياد المؤمنين إيمانا, فقال تعالى: ﱡ عَلِيمًا حَكِيمًا إذ المقام مقام علم وحكمة, أمّا الآية الثانية فهي في موضع عذاب وعقوبات, فقال تعالى: عَزِيزًا حَكِيمًا ﱠ إذ المقام مقام عزة وغلبة وحكم (السامرائي، د.ت، 160–161), وقد جاء لفظ (جنود) مكرراً في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ [سورة الاحزاب:9]. ونلحظ في سياق الآية أنّ لفظ (جنود) الأولى جاءت نكرة تامة في حالة رفع, دلالة على كثرة جنود الأحزاب الذين تجمعوا من قبائل متعددة, وإنّ لفظ (جنود) الثانية جاءة نكرة موصوفة بالجملة الفعلية ( لم تروها) في حالة نصب, دلالة على التعمية والإختفاء, لإنّها تخص ملائكة الرحمن الذين نزلوا لنصرة المؤمنين (الزركشي، 1391هـ، 127), وفي ذلك دلالة نفسية كبيرة عند المؤمنين تدل على المدد الرباني في أوقات الشدة. أما عند المشركين فانها تعني الرهبة والشدة.
و (جند) إسم جنس جمعي مفرده جندي فالياء للواحد وحذفها يفيد الجنس مثل رومي و روم وزنجي وزنج (الفيومي، د.ت، 111؛ الأستراباذي، 1978، 367). أمّا (جنود) فهو جمع تكسير. ومن المعلوم أنّ إسم الجنس يقع على القليل والكثير فهو يقع على الواحد والإثنين والجمع. فإنك إذا عاملت رومياً واحداً أو روميين جاز لك أن تقول: عاملت الروم أما الجمع فلا يصح فيه ذلك وإنّما يقع على الجمع فقط (الأستراباذي، 1978، 367).
ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات والقصص الدالة على تدخل الإرادة الربانية في حياة البشر عن طريق الملائكة في السماء والأرض. قال تعالى: ﱡ ولله جنود السماوات والارضﲤﱠ [سورة الفتح:7] يعني الملائكة والجن والإنس والشياطين, عن ابن عباس(ت68ه) والمعنى: أنّه لو شاء لأعانكم بهم. وفيه بيان أنّه لو شاء لأهلك المشركين, لكنه عالم بهم, وبما يخرج من أصلابهم , فأمهلهم لعلمه وحكمته, ولم يأمر بالقتال عن عجز وأحتياج, لكن لِيُعَرِّض المجاهدين لجزيل الثواب (الطبرسي، د.ت، 186), فإنّه عزّ وجل يسلط منها ما يشاء على من يشاء ومتى شاء (البقاعي، 1995، 291).
قال ابن كثير(ت774ه): ((ولو ارسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضرائهم, ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال, لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة والبراهين الدامغة, ولهذا قال جلّت عظمته: جنود)) (ابن كثير، 1999، 305), وقال ابن الجوزي(ت597ه): ((ويريد أنّ جميع أهل السماوات والأرض ملك له, لو أراد نصرة نبيه بغيركم لفعل ولكنه إختاركم لذلك، فاشكُروه)) (ابن الجوزي، 2002، 128). وفي هذه الآية اشارة إلى تسكين النفوس أيضاً وأن تكون مسلمة, لأنه ينصر متى شاء وعلى أي صورة شاء مما لا يدبره البشر (ابن عطية، 2002، 127), ﱡﭐ ﲭ ﲮﲯﲰﱠ أي: الثبات والطمأنينة، والسكون المثبتة للفؤاد، ولهذا لمّا قلق صاحبه سكّنه وقال ﱡﭐلا تحزن ان الله معناﱠ ﱡﭐوايده بجنؤد لم تروها ﱠ وهي الملائكة الكرام، الذين جعلهم الله حرسا له، ﱡﭐوجعل كلمة الذين كفروا السفلى أي: الساقطة المخذولة، فإن الذين كفروا قد كانوا على حرد قادرين، في ظنهم على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ،...، فعملوا غاية مجهودهم في ذلك، فخذلهم الله ولم يتم لهم مقصودهم، بل ولا أدركوا شيئا منه (السعدي، 2000، 337).
وقد إختلف المفسرون في ضمير الغائب في كلمة (عليه) في قوله تعالى ﱡﭐ فانزل سكينته عليه على من يعود وذلك على قولين:
الأول: إنّه يعود على النبيي صلى الله عليه وسلم, وهو اشهر القولين كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله حيث جرى عليه كثير من المفسرين, كالطبري في (جامع البيان), والزمخشري في (الكشاف) وابن جزي في (التسهيل), والشنقيطي في (أضواء البيان) (الطبري، 2000، 261؛ ابن كثير، 1999، 136؛ الزمخشري، 1987، 272؛ ابن جزي، 1416هـ، 338؛ الشنقيطي، 1995، 397).
والدليل عليه أنّ الضمير في قوله تعالى: ﱡﭐوايده بجنود لم تروها ﱠ يعود على النبي صلى الله عليه وسلم, فهو الذي أيده ربه بالملائكة, فيبعد أن يراد بالضمير الذي قبله في كلمة (عليه) غير النبي صلى الله عليه وسلم, كي لا يحصل الإنتقال في الضمائر.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ قَالُوا: لِأَنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لَمْ تَزَلْ مَعَهُ سَكِينَةٌ وَهَذَا لَا يُنَافِي تَجَدُّدَ سَكِينَةٍ خَاصَّةٍ بِتِلْكَ الْحَالِ وَلِهَذَا قَالَ: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها أَيِ الْمَلَائِكَةِ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا قال ابن عباس يعني بكلمة الذين كفروا الشرك وكلمة اللَّهِ هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (ابن كثير، 1999، 136), وقال ابن الجوزي(ت597ه): ((وَأَيَّدَهُ أي: قوّاه، يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم. بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة. ومتى كان ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، قاله ابن عباس. والثاني: لما كان في الغار، صَرفت الملائكة وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته)) (ابن الجوزي، 2002، 261).
الثاني: إنّه يعود على ابي بكر الصديق رضي الله عنه, وهذا القول مروي عن الصحابي الجليل ابن عباس (ت68ه) رضي الله عنهما, ومروي عن حبيب بن أبي ثابت (ت119ه) من التابعين. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: تعالىﱡﭐ سكينته عليهﱠ ((عَلَى أَبِي بَكْرٍ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ تَزَلْ السَّكِينَةُ مَعَه)) (ابن كثير، 1999، 1801؛ ابن عساكر، 1995، 88؛ العسقلاني، 1379هـ، 10), وعن حبيب أبن ابي ثابت قال: ((نَزَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَّا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَتْ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ)) (ابن كثير، 1999، 1801), قال ابو جعفر النحاس(ت338ه): ((والأشبه على قول أهل النظر أن تكون تعود على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت عليه السكينة وهي السكون والطمأنينة لأنّه جلّ وعزّ أخبر عنه أنّه قال لا تحزن إنّ الله معنا)) (الفراء، د.ت، 210), وقال ابن العربي:(( قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهُوَ الْأَقْوَى؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ خَافَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْقَوْمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ؛ لِيَأْمَنَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَكَنَ جَأْشُهُ، وَذَهَبَ رَوْعُهُ، وَحَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ)) (ابن العربي، 2003، 513).
ولو فرضنا ترجيح الرأي الأول, فإن عودة الضمير على النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني عدم تنزُل السكينة أيضاً على قلب الصديق رضي الله عنه, بل إنّ سياق الآية يدل على حصول السكينة لهما معا, لكن الله عزّ وجل افرد الضمير ليدل على وحدة الحال بين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق, وتوحد الشخصية التي تخاطب بضمير واحد. ((يُقَالُ: لَمَّا قَالَ لِصَاحِبِه: ﱡﭐﲩﲪ ﲫﱠ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْمَتْبُوعُ الْمُطَاعُ، وَأَبُو بَكْرٍ تَابِعٌ مُطِيعٌ، وَهُوَ صَاحِبُهُ وَاللَّهُ مَعَهُمَا، فَإِذَا حَصَلَ لِلْمَتْبُوعِ فِي هَذِهِ الْحَالِ سَكِينَةٌ وَتَأْيِيدٌ كَانَ ذَلِكَ لِلتَّابِعِ أَيْضًا بِحُكْمِ الْحَالِ فَإِنَّهُ صَاحِبٌ تَابِعٌ لَازِمٌ، وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُذْكَرَ هَنَا أَبُو بَكْرٍ لِكَمَالِ الْمُلَازِمَةِ وَالْمُصَاحِبَةِ الَّتِي تُوجِبُ مُشَارَكَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّأْيِيدِ)) (ابن تيمية، 1986، 490).
وجاء في السكينة ثلاثة أقوال: أحدها: أنّها الرحمة، قاله ابن عباس(ت68ه). والثاني: الوقار، قاله قتادة(ت118ه). والثالث: السكون والطمأنينة، قاله ابن قتيبة(ت276ه)، وهو أصح (ابن الجوزي، 2002، 261). قال أبو جعفر (ت310هـ): ((وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى(السكينة)، ما قاله عطاء بن أبي رباح: من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها. وذلك أنّ (السكينة) في كلام العرب(الفعيلة)، من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه فهو يسكن سكونا وسكينة)) (الطبري، 2000، 329), قال ابن عاشور(ت1393ه) ((والسكينة: اطمئنان النفس عند الاحوال المخوفة, مشتقة من السكون, وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﱡﭐفيه سكينتة من ربكم ﱠ [البقرة:248] (ابن عاشور، 1984، 204) وجميع ما خلق الله هو عبد لله طوعا أو كراهية ولا يخرج عن ملكه ابدا فكيف يخرج والكون كله بيد الله, وكلهم جنود لله يسخرهم كيف شاء ومتى شاء.
المبحث الثاني: (الأوصاف الأخرى)
من المهام الأخرى التي كلّف الله سبحانه وتعالى ملائكته الكرام اتجاه المؤمنين, الشفاعة يوم القيامة للذين آمنوا, فلا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله أن يشفع له من المؤمنين, والرأفة بحال المؤمنين عند إخراج أرواحهم وقبضها برفق ولطافة ولين, ويسبق بعضها بعضا بأرواح المؤمنين إلى الجنة, وقد ورد في القرآن الكريم أربعة أوصاف للملائكة الكرام تتعلق بتلك المهام, نوردها في الجدول الآتي:
|
ت
|
الوصف
|
الآية التي ورد فيها الوصف
|
رقم الآية
|
اسم السورة
|
|
1
|
لا يشفعون
|
يعلم مابين ايديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون
|
28
|
الأنبياء
|
|
2
|
الناشطات
|
ﭐوالناشطات نشطا
|
2
|
النازعات
|
|
3
|
السابحات
|
ﭐوالسابحات سبحا
|
3
|
النازعات
|
|
4
|
السابقات
|
ﭐفالسابقات سبقا
|
4
|
النازعات
|
وسنعمد إلى اختيار إثنين منها للتحليل, وهي: (لا يشفعون_ الناشطات).
لا يشفعون:
ورد هذا الوصف في قوله تعالى: يعلم مابين ايديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ﱠ [سورة الانبياء:28].
للوقوف على المعنى المعجمي لهذا الوصف نرى أنّ: ((الشين والفاء والعين أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين. من ذلك الشفع خلاف الوتر. تقول: كان فرداً فشفعته. قال الله جل ثناؤه:ﭐﱡﭐ والشفع والوتر [الفجر: 3]، قال أهل التفسير: الوتر الله تعالى، والشفع الخلق. وشفع فلان لفلان إذا جاء ثانية ملتمسا مطلبه ومعينا له)) (ابن فارس، 1979، 201).
قال الخليل(ت170ه): ((والشَّفع: ما كان من العدد أزواجاً. تقول: كان وتراً فشفعته بالآخْر حتى صار شفعاً. والشَّافعُ: الطالب لغيره, وتقول إستشفعت بفلان فتشفع لي إليه فشَفَّعَهُ فيّ. والإسم: الشفاعة. وإسم الطالب: الشَّفيع)) (الفراهيدي، د.ت، 260).
و يقال:((ناقةٌ شافِعٌ: في بطنها ولدٌ ويتبعها آخر)) (الجوهري، 1987، 1238). قال الزمخشري(ت538ه): ((ومن المجاز: فلان يعاديني وله شافع أي معين يعينه على عداوتي كما يعين الشافع المشفوع له)) (الزمخشري، 1998، 513).
وقد ورد في تاج العروس أنّ(( المُشَفَّع هو الَّذِي يَقْبَلُ الشَّفاعَةَ، والمُشَفَّع هو الَّذِي تُقبَلُ شَفاعَتُه، وَمِنْه ما جاء في حديثُ الشَّفاعَة: اشْفَعْ تُشَفَّعْ)) (الزبيدي، د.ت، 285).
وجاء في المصباح المنير:أنّ إسم الفاعل شفيع والجمع شفعاء مثل كريم وكرماء وشافع أيضا وبه سمي وينسب إليه شافعي على لفظه (الفيومي، د.ت، 48).
ولم تبتعد الدلالة السياقية لهذا اللفظ عن دلالته المعجمية, فقد إختلف العلماء في تعريف الشفاعة وأُختُلف في دلالتها على معان متقاربة, ومقاربة للمعنى المعجمي فقيل فيه:
1- ((الانضمام إلى آخر ناصر له وسائلاً عنه، وأكثر ما يستعمل في إنضمام من هو أعلى حرمة ورتبة إلى من هو أدنى)) (الأصفهاني، د.ت، 458؛ الفيروزآبادي، د.ت، 328).
2- ((سؤال الخير للغير)) (السفاريني، 1982، 204).
3- ((التوسّط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرّة)) (ابن عثيمين، د.ت، 128).
4- ((أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة)) (الرازي، 2000، 52).
5- ((السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقعت الجناية في حقه)) (ابن عاشور، 1984، 27).
وعند النظر في التعريفات السابقة نرى أنّها متقاربة يؤازر بعضها بعضا, يمكننا جمعها بدلالة عامة هي: أنّ الشفاعة: طلب وسؤال الخير للغير من الأدنى إلى الأعلى، ومن صور الخير: طلب دفع الضرر والشرّ عنه، أو السؤال في التجاوز عمّا أُجتُرِح من الذنوب والآثام.
وقد أشارت آيات الكتاب العزيز إلى شروط الشفاعة الأُخروية الصحيحة، وهي:
1_ رضا الله تعالى عن الشافع، قال تعالى: ﱡﭐ يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضي له قولا ﱠ [سورة طه: 109]، فقوله تعالى: ﱡ ورضي له قولا ﱠ ، عائد إلى قوله: ﱡ من اذن له الرحمن ﱠ، وهو الشافع، واللام الداخلة على ذلك لام التعليل أي: رضي الرحمن قول الشافع لأجل الشافع، أي: إكراماً له كقوله تعالى: ﱡﭐ الم نشرح لك صدرك ﱠ [سورة الشرح: 1]، فإن الله تعالى ما أذن للشافع بأن يشفع إلا وقد أراد قبول شفاعته، فصار الإذن بالشفاعة وقبولها عنواناً على رضا الله عزّ وجل عن الشافع وكرامته عند الله تعالى (الأشعري، د.ت، 241–242؛ الآجري، د.ت، 343).
2_ رضا الله تعالى عن المشفوع له، وهذا فيما عدا الشفاعة العظمى في الموقف، فإنّها لجميع الخلق، من رضي الله عنهم ومن لم يرض عنهم، ودليل هذا الشرط قوله تعالى: ﱡ ولا يشفعون الا لمن ارتضى ﱠ ، [سورة الأنبياء: 28]، أي لمن هو عند الله مرضي (السَلامي، 2004، 182).
قال ابن عباس(ت68ه) في قوله تعالى: ﱡ الا لمن ارتضى ﱠ أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلائل على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عزّ وجل وقال مجاهد(ت104ه): لمن رضي علمه)) (مكي، 2008، 4747) أي: لا يؤذن لأحد بالشفاعة إلا من كان مرضيا مرتضى دينا وعملا (الماتريدي، 2005، 338).
حتى لم يدخل في عمله تقصير. ثم الشفاعة إنما جعلت في الأصل للتجاوز فيما دخل في عمل المشفوع له من التقصير. ثم لا يخلو الذي يشفع له إما أن يكون صاحب الصغيرة فيجوز أن يعذب عليها، أو أن يكون صاحب كبيرة، ففيه دلالة التجاوز والعفو عن صاحب الكبيرة؛ لأنّا قد قلنا: إن الشفاعة إنما جعلت لمن منه التقصير في العمل (الماتريدي، 2005، 338) فهم لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنه، فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضا الله تبارك وتعالى (ابن عاشور، 1984، 184؛ الرازي، 2000، 103).
قال مقاتل(ت150ه): ((ان الله عزّ وجل: يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة، ويعلم ما كان بعد خلقهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى(يقول: لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله أن يشفع له، يعني من أهل التوحيد)) (بن سليمان، 1423هـ، 356) وقد أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: ﱡ ولا يشفعون الا لمن ارتضى ﱠ ، قال: ((إنّ شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) (أبو داود، د.ت، 236).
3_ إذن الله عزّ وجلّ بالشفاعة، والإذن لا يكون إلا بعد الرضا عن الشـافع والمشفوع له، قال تعالى: ﱡﭐ وكم من ملك في السماء لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد ان يأذن الله لمن يشاء ويرضى ﱠ [سورة النجم: 26]، وقال تعالى: ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [سورة يونس: 3]، وقال سبحانه: ﱡﭐ ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له ﱠ [سورة سبأ :23]، وقال الشوكاني(ت1250ه) في تفسير هذه الآية: ((أي لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له أن يشفع من الملائكة والنبيين ونحوهم من أهل العلم والعمل، ومعلوم أن هؤلاء لا يشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة، لا للكافرين)) (الشوكاني، 1414هـ، 324؛ المراغي، 1946، 22).
وبملاحظة أنّ جميع الشفعاء لا يشفعون إلاّ بإذنه تعالى: ﱡﭐ من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه [سورة البقرة: 255] يمكن القول بأنّ الشفاعة بالرغم من كونها من قبل الملائكة و الأنبياء و أولياء الله، إلاّ أنّها تعود إلى الله سبحانه وتعالى، سواء كانت الشفاعة لغفران الذنوب والعفو عن العاصين، أم للوصول إلى النعم الإلهيّة، والشاهد على هذا الكلام الآية التي وردت في بداية سورة (يونس) بمضمون هذه الآية تماماً، حيث تقول: ﱡﭐ يدبر الامر ما من شفيع الا من بعد اذنه
[سورة يونس: 3] (الشيرازي، د.ت، 96).
وفي الختام لا شكّ في أنّ الكافرين سينالون عقاباً شديداً مؤلماً، ولن يكون بإستطاعة أحد أن ينتصر أو يشفع لهم. لأن الشفاعة لها شروط، وأهمها الإيمان بالله تعالى، ولهذا فلو أن جميع الشفعاء اجتمعوا لإنقاذ أحد الكفّار من عذاب النار لم تقبل شفاعتهم. وبما أن الشفاعة بإذن الله، فإن الشفعاء لا يشفعون أبداً لمثل هؤلاء الأفراد غير اللائقين والمؤهلين للشفاعة، قال تعالى: ﱡﭐ اولئك لهم عذب اليم وما لهم من ناصرين ﱠ [سورة آل عمران: 91] (ابن عاشور، 1984، 591).
نلحظ أنّ هذه الجملة تتكون من: (لا) التي تدل على نفي الحال، وهنا نفت الجملة الفعلية التي يتصدرها الفعل المضارع (يشفعون)، الذي يدل أيضاً على الاستمرارية (السامرائي، 2000، 206)، وفي ذلك دلالة على إستمرارية نفي الشفاعة فهم لا يشفعون لأحد ولا تقبل منهم شفاعة إلّا لمن إرتضى الله سبحانه وتعالى له بالشفاعة.
ونلحظ أيضاً أن صوت (الشين) وهو الصوت الموصوف بصفة (التفشي) والتفشي هو: كثرة انتشار خروج الهواء بين اللسان والحنك، وانبساطه في الخروج عند النطق بالحروف حتى يتصل الحرف بمخرج غيره (ابن الجزري، 1985، 97؛ الطحان، 1984، 94) يدل على الإنتشار والتوسع في طلب الشفاعة أو طلب حاجة لأحد من المشفوع لهم دينا وعملا
وقوله تعالى: ﱡ ولا يشفعون الا لمن ارتضى ﱠ هو من الأساليب التي يُعرّفه النحاة بالإستثناء المفرغ, وهو ما حُذف فيه المستثنى منه وهو(الملائكة) وسُبق بنفي أو إستفهام أو نهي (البيطار، 2004، 186) وفي هذه الحال يُعرب ما بعد (إلّا) بحسب موقعه من الجملة (فضل، 2011، 474) فيعمل ما قبل (إلّا) فيما بعدها (الدبان، 2008، 170) أي نهي الملائكة عن طلب الشفاعة لأحد من الخلق إلّا أن يأذن الله عزّ وجل ويرضى عن المشفوع له, فتكون الشفاعة لمن رضي الله عنهم, أي أنّه إستثنا الذين رضي عنهم فرضي الشفاعة لهم.
الناشطات:
ورد هذا الوصف في قوله تعالى: ﱡﭐوالناشطات نشطا ﱠ [سورة النازعات:2].
وحين ننظر في المعاجم اللغوية نجد أنّ الدلالة المحورية لهذا الوصف هي ما ذكره إبن فارس(ت395ه) بقوله: ((النُّونُ وَالشِّينُ وَالطَّاءُ: أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى اهْتِزَازٍ وَحَرَكَةٍ. مِنْهُ النَّشَاطُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالِاهْتِزَازِ وَالتَّفَتُّحِ. يُقَالُ نَشِطَ يَنْشَطُ. وَأَنْشَطَ الْقَوْمُ: كَانَتْ دَوَابُّهُمْ نَشِيطَةً.)) (ابن فارس، 1979، 426), قال الخليل(ت170ه): (( نشط الإنسانُ ينشط نشاطاً فهو نشيطٌ، طّيب النَّفس للعمل ونحوه)) (الفراهيدي، د.ت، 237؛ الأزهري، 2001، 215), والنَّشْط: شدُّ الحبلِ بأُنشوطة فَإِذا أَمرت بيشدِّه قلت: أُنْشُطْه نَشْطاً، وَإِذا أَمرت بحلِّه قلت: أَنْشِطْهُ إنشاطاً (ابن دريد، د.ت، 867), والنَّشَاطُ ضِدُّ الكَسَلِ ويكونُ ذلك في الإنسانِ والدَّابَّةِ نَشِطَ نَشاطاً ونَشِطَ إليه وَلَهُ فَهُوَ نَشِيطٌ (ابن سيده، 2000، 18), قال الزمخشري(ت538ه): ((ونشط الدلو من البئر: نزعه بغير قامة. وبئر نشوط: تحتاج إلى نشط كثير لبعد قعرها. وبئر أنشاط: يخرج دلوها بجذبة واحدة)) (الزمخشري، 1998، 271)
اُختُلف في معنى(الناشطات) على رأيين:
الأول: أنّها الملائكة تنشط أرواح المؤمنين برفق ولين فقد أقسم الله سبحانه وتعالى ب(الناشطات) الذين هم الْمَلَائِكَةُ، وقيل: تَنْشِطُ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ فَتَقْبِضُهَا، كَمَا يَنْشِطُ الْعِقَالُ مِنَ الْبَعِيرِ إِذَا حُلَّ عَنْهُ (الطبري، 2000، 186؛ البغوي، 2000، 204), المراد من قوله: ﱡﭐوالناشطات نشطا ﱠ أنّ الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلا رفيقا، ثم يتركونها حتى تستريح رويدا، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذي يسبح في الماء فإنّه يتحرك برفق ولطافة لئلا يغرق (الرازي، 2000، 29).
الثاني: أنّها الملائكة حين تنشط أرواح الكفّار بشدة حتى تخرجها بالكرب والغمّ, قال مقاتل(ت150ه): ينزع ملك الموت روح الكافر، فإذا بلغت ترقوته غرقها في حلقه، فيعذِّبه في حياته قبل أن يميته، ثم ينشطها من حلقه أي: يجذبها كما ينشط السفّود الكثير الشمث من الصوف المبتل فينشط روح الكافر من قدمه إلى حلقه (بن سليمان، 1423هـ، 445؛ ابن الجوزي، 2002، 393), وسمّيت الملائكة بالناشطات لنشاطها ، تذهب وتجيء بأمر الله. وعن علي رضي الله عنهما: هي الملائكة تنشط أرواح الكفّار، ما بين الجلد والأظفار، حتى تخرجها من أجوافهم نشطا بالكرب والغم ، كما تنشط الصوف من سفود الحديد، وهي من النشط بمعنى الجذب (القرطبي، 1964، 192).
ونلحظ أنّ التعبير عن إخراج أرواح الكافرين قد جاء بلفظ (النازعات) وهم الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكافر نزعوها بشدة، وهو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال: أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل، وجاء التعبير عن إخراج ارواح المؤمنين بلفظ (الناشطات) وهم الملائكة الذين ينشطون روح المؤمن برفق ولين والمراد هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها، وإنّما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق, فالنزع جذب بشدة، والنشط جذب برفق ولين وقوله تعالى: ﱡﭐوالنازعات نزعا والناشطات نشطا قسم بملك الموت وأعوانه إلا أنّ الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار، والثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين (الرازي، 2000، 28؛ ابن عطية، 2002، 402).
وأُفتُتحت السورة بالقسم إعلاءً من شأن المقسم به من جهة، وتأكيداً على وقوع المقسم عليه وهو البعث ـمن جهة أُخرى وهو قسم تضمَّن جموعاً خمسة، جرى لفظها على صيغة الجمع بألف وتاء...وهي جموع: نازعات ـ ناشطات ـ سابحات ـ سابقات ـ مدبرات (ابن عاشور، 1984، 55)، وتتألف بنيتها من أصوات جهرية انفجارية شديدة؛ لتشكل بذلك ما يشبه صافرة الإنذار،..., وهذه الأصوات هي: (النون، الباء، القاف، الميم، الراء، الدال، الطاء، التاء)، ويؤازرها في إبراز تلك القيمة الصوتية، مع االاستئثار أيضاً الذي يخلق جو الرهّبة، أصوات الرخاوة المهموسة: (الشين، الحاء، السين ) وهي أصوات من طبيعتها خروج النفس أو الهواء مع الصوت عند النطق به، خروجا ممتداً، يمنحها قيمة الإمتداد والتصويت، بحيث تصير العملية كتفريغ لما ويتراكم في النفس من مشاعر الرهبة والخوف، ويساعدها في ذلك الحركة الطويلة (الألف المديّة)، التي يتوالى تكرارها في كل بنية منها مرتين، بحيث تعطي تصويتاً أطول، وتفريغاً مستمراً (النهاري، 2019، 34), وكل بنية من هذه البنيات تعطي فيها الأصوات بعدا خاصا، إذ نلحظ أنّ ترتيب الأصوات في كلمة (النازعات) على هذا النحو من الترتيب، يشير إلى طبيعة النزع عند إخراج أرواح الكافرين، وما في ذلك من شدة ومشقة عليهم، حيث تأتي النون المجهورة أوّلاً، متحركة بحركة طويلة يستقر معها الصوت على الزاي المجهورة، فيزداد الصوت بذلك وضوحا في السمع، ثم يذهب الترتيب إلى العمق حيث مخرج(العين)المجهورة بين الشدة والرخاوة، ليعود مرتداً عنها في إمتداد وتطويل مع الألف إلى أعلى حيث مخرج (التاء) المهموسة التي يتلاشى معها الصوت ويفنى. فالأصوات وترتيبها كأنما هو انعكاس لعملية نزع الروح، وللصوت الأخير الذي يأتي مصاحباً لذلك (النهاري، 2019، 34), وكذا (الناشطات)، فإنها مأخوذة من النشاط (ابن عطية، 2002، 430) ((وهو قوة الانطلاق للعمل، كالسير السريع )) (ابن عاشور، 1984، 63), حيث نجد أصواتها ترسم هذا البعد الدلالي الحركي في الذهاب والسير بسرعة، فالنون ذات الحركة الطويلة، ترسم بإمتدادها الذهاب والبعد، و(الشين) المهموسة تأتي فتزيد ذلك البعد وذلك الذهاب تأكيداً بتفشيها الدال على صفة الانتشار. ويتجلى الأمر ويزداد وضوحاً وتأكيداً مع (الطاء) الإستعلائية الإطباقية التفخيمية ذات الصفة الجهرية، وهي صفات قوة _ كما نرى _ تحتشد فيها إحتشاداً كبيراً، فتعكس بذلك درجة النشاط والحركة وقوّتها في السرعة والذهاب. ومن ثم تتآزر الأصوات والدلالة اللفظية للكلمة على التعبير عن معناها والنهوض به على أكمل وجه، وهو وجه من وجوه الإعجاز القرآني السامي، الذي تتقاصر دونه فصاحة الفصحاء، مهما أوتوا من الفصاحة والبيان (النهاري، 2019، 35).
وجاء كل من(النازعات) و(الناشطات)على صيغة إسم الفاعل, للدلالة على أنّ هذين الوصفين ثابتان في هذه الفئة من الملائكة, فنزع أرواح الكافرين ونشط أرواح المؤمنين وظيفة ثابتة ومتكررة لهم (السامرائي، 2007، 47–48؛ حسن، 2020، 361). ولو أجرينا مقارنة صوتية بين الوصفين(النازعات) و(الناشطات) سنرى أنّ الأصوات التي يحتويها الوصف الأول أقوى, والفرق يكمن في حرفي(الزاي و العين) من جهة و(الشين والطاء) من جهة أُخرى, إذ إنّ (الزاي والعين) صوتان مجهوران, و(الشين والطاء) صوتان مهموسان (أنيس، 2007، 62؛ حسن، 2020، 361), ولا يخفى ما في طبيعة الجهر من إهتزاز للأوتار الصوتية الناتج عن ضيق مجرى الصوت عندها, الذي يوحي بضيق مخارج أرواح الكافرين ومسالكها عند خروجها, أما الهمس فيتمثل بعدم تذبذب الوترين الصوتيين لسعة مجرى الصوت عندها بسبب إنفراجهما, وذلك يوحي بسعة مسالك أرواح المؤمنين عند خروجها فهي تخرج بسهولة ويسر كما يخرج الصوت المهموس بسهولة ويسر (حسن، 2020، 361).
ويبقى بعد كلّ ما تقدم، سؤال مهم: وهو: ما سبب مجيء (النازعات) و(الناشطات) بصيغة المؤنث؟ الجواب هو: (النازعات) جمع (نازعة)، وهي الطائفة أو المجموعة من الملائكة التي تعمل على تنفيذ ما اُمرت به، وكذا الحال بالنسبة لـ (الناشطات) وبقية صيغ الجمع الاُخرى... وبما أنّ (الطائفة) مؤنث لفظي، فقد جاء الجمع بصيغة المؤنث السالم (الشيرازي، د.ت، 377), وآخر ما ينبغي قوله في هذا المجال: أنّ القسم الوارد في الآيات الخمسة الاُولى من السورة، إنّما هو قسم على أمر محذوف (وهو جواب القسم)، ولكنّ قرينة المقام وما تشير إليه الآيات المذكورة يبيّن البعث والحشر والقيامة، وحتمية تحققها، والمبالغة في تأكيد وقوعها فيكون التقدير لجواب القسم: (لتبعثن يوم القيامة ولتحشرنّ ولتحاسبن) (الشيرازي، د.ت، 377).
الخاتمة:
بعد الانتهاء من كتابة هذا البحث القرآني المبارك الذي تناولنا فيه ( أوصاف الملائكة المتعلقة بالمؤمنين في القرآن الكريم دراسة دلالية), وقد بذلنا قصار جهودنا لجمع الأوصاف في القرآن الكلريم, يمكننا الوقوق على أبرز النتائج التي توصّلنا إليها وهي:
المهام التي أسندت إلى الملائكة الكرام في القرآن الكريم, المتعلقة بالمؤمنين وصفت بتسعة أوصاف, خمسة منها تتعلق بنصرة المؤمنين, وأربعة منها تتعلق بمهام أخرى.
الانسجام التام بين دلالات الأوصاف والمهام المسندة إلى الملائكة الكرام, واتحاد الدلالة المعجمية للجذر الذي اشتق منه الوصف مع الدلالة السياقية في مورده القرآني.
اختيار الوصف الذي يتكون من أصوات قوية للمعنى القوي, والوصف الذي يتكون من أصوات فيها ضعف للمعنى الضعيف, وفي ذلك توظيف دقيق للأوصاف ذات التشكل الصوتي المتسق اتساقاً كبيراً مع الدلالة.
ومن مهامهم: تثبيت المؤمنين, ونصرهم, وإنزال السكينة والطمأنينة عليهم, والاشتراك الفعلي في الحرب
والشفاعة للمؤمنين يوم القيامة, فلا يشفع الملائكة الكرام إلا لمن رضي الله عنهم من المؤمنين
وإخراج أرواح المؤمنين برفق ولين عند الموت, على العكس من الكافرين الذين تُخرج أرواحهم بقوة وشدة , كما ينتزع السفود من الصوف المبلول.
المصادر:
1
References
1.Ibn Fāris, Aḥmad. (1979). Maqāyīs al-Lughah (The Standards of Language). Edited by Abd al-Salam Muhammad Harun. Beirut, Lebanon: Dar Al-Fikr.
2.Al-Farahidi, Al-Khalil ibn Ahmad. (n.d.). Kitāb al-ʿAyn (The Book of Al-ʿAyn). Edited by Mahdi Al-Makhzoumi and Ibrahim Al-Samarrai. Dar wa Maktabat Al-Hilal.
3.Al-Zamakhshari, Mahmoud ibn Amr ibn Ahmad. (1998). Asāsal-Balāghah (The Foundation of Eloquence). Edited by Muhammad Basil Uyoun Al-Sud. 1st ed. Beirut, Lebanon: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.
4.Al-Jawhari, Ismail ibn Hammad. (1987). Al-Ṣiḥāḥ: Tāj al-Lughah wa Ṣiḥāḥ al-ʿArabiyyah (The Crown of Language and the Authentic Arabic Dictionary). Edited by Ahmad Abd al-Ghafur 5.Attar. 4th ed. Beirut, Lebanon: Dar Al-Ilm Lil-Malayeen.Al-6.Azhari, Muhammad ibn Ahmad. (2001). Tahdhīb al-Lughah (Refinement of the Language). Edited by Muhammad Awad Murib. 1st ed. Beirut, Lebanon: Dar Ihya Al-Turath Al-Arabi
7.Al-Fayyumi, Ahmad ibn Muhammad ibn Ali. (n.d.). Al-Miṣbāḥ al-Munīr fī Gharīb al-Sharḥ al-Kabīr (The Illuminating Lamp in the Rare Vocabulary of the Great Commentary). Beirut, Lebanon: Al-Maktabah Al-Ilmiyyah.
8.Al-Khalwati, Ismail Haqqi. (n.d.). Rūḥ al-Bayān (The Spirit of Elucidation). Beirut, Lebanon: Dar Al-Fikr.
9.Ibn al-Jawzi, Jamal al-Din. (2002). Zād al-Masīr fī ʿIlm al-Tafsīr (Provision for the Journey in the Science of Qur’anic Exegesis). Edited by Abd al-Razzaq Al-Mahdi. 1st ed. Beirut, Lebanon: Dar Al-Kitab Al-Arabi.
10.Abu Hayyan al-Andalusi. (2000). Al-Baḥr al-Muḥīṭ (The Vast Ocean). Edited by Sidqi Muhammad Jamil. Beirut, Lebanon: Dar Al-Fikr.
11.Al-Zamakhshari, Mahmoud ibn Amr ibn Ahmad. (1987). Al-Kashshāf ʿan Ḥaqāʾiq Ghawāmiḍ al-Tanzīl (The Revealer of the Truths of the Mysteries of Revelation). 3rd ed. Beirut, Lebanon: Dar Al-Kitab Al-Arabi.
12.Ibn Hajar al-Asqalani, Ahmad ibn Ali. (1379 AH). Fatḥ al-Bārī: Sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī (Victory of the Creator: Commentary on Sahih al-Bukhari). Beirut, Lebanon: Dar Al-Ma‘rifah.
13.Al-Zarkashi, Muhammad ibn Bahadur ibn Abdullah. (1391 AH). Al-Burhān fī ʿUlūm al-Qurʾān (The Proof in the Sciences of the Qur’an). Beirut, Lebanon: Dar Al-Ma‘rifah.
14.Al-Razi, Muhammad ibn Umar ibn al-Hasan ibn al-Husayn. (2000). Mafātīḥ al-Ghayb (Keys to the Unseen). 3rd ed. Beirut, Lebanon: Dar Ihya Al-Turath Al-Arabi.
15.Ibn Abd al-Da’im, Shihab al-Din. (n.d.). Al-Durr al-Maṣūn fī ʿUlūm al-Kitāb al-Maknūn (The Preserved Pearl in the Sciences of the Hidden Book). Edited by Ahmad Muhammad Al-Kharrat. Damascus, Syria: Dar Al-Qalam.
16.Al-Alusi, Shihab al-Din. (1995). Rūḥ al-Maʿānī fī Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm wa al-Sabʿ al-Mathānī (The Spirit of Meanings in the Exegesis of the Glorious Qur’an and the Seven Oft-Repeated Verses). Edited by Ali Abd al-Bari Atiyyah. 1st ed. Beirut, Lebanon: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.
17.Al-Safi, Mahmoud ibn Abd al-Rahim. (1998). Al-Jadwal fī Iʿrāb al-Qurʾān al-Karīm (The Table of Qur’anic Grammar). 4th ed. Damascus, Syria: Dar Al-Rashid and Mu’assasat Al-Iman.
Al-Sa‘di, Abd al-Rahman ibn Nasir ibn Abdullah. (2000). Taysīr al-Karīm al-Raḥmān fī Tafsīr Kalām al-Mannān (Facilitating the Interpretation of the Words of the Most Beneficent). Edited by Abd al-Rahman ibn Mu‘alla Al-Luwayhiq. 1st ed. Mu’assasat Al-Risalah.
18.Al-Khatib, Abd al-Karim Younis. (n.d.). Al-Tafsīr al-Qurʾānī lil-Qurʾān (The Qur’anic Interpretation of the Qur’an). Cairo, Egypt: Dar Al-Fikr Al-Arabi.
19.Al-Zuhayli, Wahbah ibn Mustafa. (1998). Al-Tafsīr al-Munīr fī al-ʿAqīdah wa al-Sharīʿah wa al-Manhaj (The Enlightened Exegesis in Creed, Law and Methodology). 2nd ed. Beirut, Lebanon: Dar Al-Fikr Al-Mu‘asir.
20.Al-Isfahani, Al-Husayn ibn Muhammad. (2003). Tafsīr al-Rāghib al-Iṣfahānī (Al-Raghib Al-Isfahani’s Exegesis). Edited by Adel ibn Ali Al-Shiddi. 1st ed. Riyadh, Saudi Arabia: Dar Al-Watan.
21.Ibn Ajibah, Ahmad ibn Muhammad. (2002). Al-Baḥr al-Madīd fī Tafsīr al-Qurʾān al-Majīd (The Extended Ocean in the Exegesis of the Noble Qur’an). Edited by Ahmad Abdullah Al-Qurashi