المُقدمة:
يمثل أدب الرحلات ميدانًا خصبًا لدراسة أثر الاشتباك الحضاري بين الشعوب والثقافات المختلفة، كما يكشف هذا الأدب عن تجلي صورة وكينونة الذات وكيفية تعاطيها مع الآخر المختلف، فضلًا عن شكل التفاعل والتجاذب بينهما.
كما يُسهم في الكشف عن الأنساق الثقافية الكامنة في لا وعي الأفراد والتي تبرز عند احتكاكهم وتعاملهم مع المختلفين عنهم في الثقافة والانتماء والمُعتقد، ذلك أن أدب الرحلات يتخذ من هذا الاحتكاك الثقافي ميدانه الرئيس.
ويُعدّ النص الذي كتبه حنا دياب مرافق الرحالة الفرنسي بول لوكاس عام 1764م مثالًا متقدمًا للتواصل الحضاري بين العرب والغرب في القرن الثامن عشر الميلادي، إذ دوّن دياب مشاهداته في الرحلة التي خاضها عام 1707م سواء ما تعلق بشطرها الذي جرى في البلاد العربية أو في محطة الرحلة الأخيرة في باريس ودخوله بلاط لويس الرابع عشر كاشفًا طبيعة آراءه ووجهة نظره في تباين الحال بين الشرق والغرب فضلًا عن مقاربته الشخصية لأوضاع هاتين الجهتين، ويُعدّ نصه وثيقة مهمة في كشف وبيان أحوال في تلك الحقبة.
وتشير مفردة جدل إلى معانٍ عديدة في الميدان الفلسفي، فالجدل في الأصل فن الحوار والمناقشة، إذ يقول أفلاطون: الجدلي هو من يُحسن السؤال والجواب، ولكن المسألة قد أخذت بُعدًا مختلفًا حين انتهت لهيجل (1770ــــــ 1831) الذي البسها لباسًا مختلفًا ورأى بأن الجدل هو التطور المنطقي الذي يوجب ائتلاف القضيتين المتناقضتين واجتماعهما في قضية ثالثة، ويُطلق الجدل في الوقت الراهن على معانٍ ودلالات عديدة منها عدّه طريقة الفكر الذي يعرف ذاته، ويعبر عن موقفه بتأليف حكم مركب جامع بين الأحكام المتناقضة (صليبا، 1982، 1/ 394ـ391) (1)، وهذا هو المعنى المُراد هنا من استخدام هذا المصطلح.
وأما الآخر فهو يمثل في أبسط صوره مثيلًا أو نقيضًا للذات والأنا، وقد ساد كمصطلحٍ في دراسات الخطاب الاستعماري وما بعد الاستعماري وسواهما، ورغم سيولة هذا المصطلح وصعوبة بلورة معالمه بوضوح إلا أنه يُجسد تصنيفًا استبعاديًا يقضي بإقصاء كل ما لا ينتمي إلى نظام فرد أو جماعة أو مؤسسة (البازعي، الرويلي، 2002، 21)(2)، وتكمن أهمية دراسة الآخر بكونه يمثل ضرورة لتحديد صورة الأنا فهو يملي وظيفتين مُلحتين، هما بلورة الهوية وتنظيم الخصومة (البرزي، 1999، 99)(3)، فلا تتحقق الذات وتكتمل معالمها إلا بعد إدراكها للآخر وتحديدها لخصائصه وتبنيها لموقف محدد منه، ولا شك بأن علاقة الذات بالآخر هي علاقة جدلية تقوم على مقاربة تفاعل هذين الطرفين النقيضين وتتبع مألات العلاقة بينهما.
وقد اعتمدنا في مقاربتنا للموضوع على النقد الثقافي بوصفه الطريقة المُثلى لدراسة الأنساق الثقافية التي ضمها النص، ذلك أنّ نقد الثقافة يُسهم في تقديم قراءة أكثر وعيًا للماضي. فهو لا يُعنى بالظواهر التعبيرية المقصودة فعليًا في صناعة الخطاب وتأويله، وإنما يُعنى بالمضمرات النسقية، وهي مضمرات لا تساعدنا المصطلحات البلاغية والنقدية الأدبية على كشفها ودراستها (الغذامي، 2005، 70،69) (4).
ويسعى النقد الثقافي للكشف على الدلالة النسقية الكامنة في النصوص، وهي الدلالة الناتجة عن علاقات متشابكة، نشأت مع الزمن لتكون عنصرًا ثقافيًا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرًا فاعلًا له القدرة على الكمون والاختفاء(الغذامي، 2005،72) (4).
أما مذكرات دياب والتي أطلق عليها اسم كتاب "السياحة" في نهاية الفصل الأخير منها، فتضم أحد عشر فصلًا، ووضع لكل فصلٍ عنوانًا يشير لمضمونه وهو وجهة الرحلة فيه والتي غالبًا ما تكون مصحوبة بتأريخ سنة حدوثها، وقد فقدت الصفحات الأولى من الفصل الأول والذي نُشر بلا عنوان ويبتدأ الكتاب من وجود دياب في دير الرهبان بطرابلس قبل لقاءه ببول لوكاس، في حين حمل الفصل الأخير عنوان "في دخولنا إلى بلاد الشرق" في إشارة لعودته إلى الديار، واستغرقت الرحلة ثلاث سنين من سنة 1707 حتى سنة 1710، أما تاريخ تدوين المذكرات فقد تم بعد انتهاء الرحلة بخمسة عقود إذ يذكر دياب في نهاية الكتاب أنه قد أتم كتابته في يوم الثالث من شهر آذار لعام 1764.
وقد دَوّن دياب رحلته بلغة وسيطة لا هي بالفصيحة العالية ولا هي بالعامية المبتذلة، وإن بدت وكأنها محاكاة غير تامة لنصوص التراث العربي القديم ذات النزعة البلاغية، وترى فحمة تييري مترجمة الرحلة للفرنسية أنّ دياب قد استثمر مرونة اللهجة العامية الحلبية ووظف مهاراته الروائية الشخصية ليعبر بلغة مألوفة واعتيادية عن مخاوفه وملذاته واندهاشاته (تيري، 2016، 190) (5).
وقد اعتمدت في هذا البحث على طبعة الرحلة التي حققها جوهانز ستيفان ونشرتها المكتبة العربية بنيويورك ، كما استفدت من الملاحق التي نشرها محمد الجاروش وصفاء أبو شهلا في نسختهما من التحقيق الصادرة عن دار الجمل.
أولًا: ملامح الذات وصورة الأنا:
يكشف النص الذي كتبه حنا دياب عن ملامح شخصية جريئة ومميزة وذات وجهات نظر مُستقلة، وإنّ كانت في الوقت ذاته تعيش التباسًا في الهوية وتتوزع ميولها بين اتجاهين وجانبين مختلفين شرقي وغربي، ويكمن جانب التميز في هذه الشخصية بسعيها لاقتحام العوالم المختلفة والمغايرة والتي تُجسد ثقافة الآخر ومكونه الحضاري، ولا تكتفي هذه الشخصية بالمشاهدة والمتابعة عن بُعد وإنما تحث الخطى للمشاركة والمعاينة عن قرب فكانت جزءًا من الأحداث كما سنرى لاحقًا.
وشخصية دياب كانت تعيش حالة من الالتباس الهوياتي في الوقت ذاته لأنها مشتتة ومنقسمة بين مكونات هويتها المركبة، فدياب عربي مسيحي حلبي فهو شرقي الثقافة واللغة والانتماء وهو في ذات الوقت مسيحي يُشارك العالم الغربي هويته الدينية ويماثله في المُعتقد. وهُنا يبرز لنا أحد مفاهيم النقد الثقافي وهو مفهوم "المؤلف المزدوج" والذي يشير إلى الجمع بين الوعي والنسقية، أي بين المعرفي والعنصري (الغذامي، 2023، 20،19) (6)، وهو ما يعني انحياز المؤلف في جزء من كتابته إلى معايير معرفية دقيقة في بعض جوانب كتابته، وبين امتثاله التام للنسق الثقافي المُهيمن في بيئته ومجتمعه، والتعبير عن هذا النسق بصورة تلقائية لا واعية.
وتتجسد ملامح المؤلف المزدوج عند دياب في هذا الانقسام بين الشرق والغرب، فهو يُدرك خصوصيته الشرقية ويتعامل معها بواقعية وفي أحيان كثيرة يشير للنظرة الغربية الاستعلائية للشرقيين ولمحاولتهم استغلال واستثمار وجودهم في الشرق لمصالحهم الشخصية، وهو ما يُمثل الجانب الواعي من كتاباته أما الجانب النسقي المُعبر عن الهيمنة الثقافية فيتمثل في تماهيه العقائدي مع الغربيين وعدّهم الامتداد الديني لملته مع إغفال طبيعة تعامل هؤلاء مع المسيحيين الشرقيين والتي سبق أن انتبه ذاته لها وأشار إليها.
وننطلق في دراستنا هذه من افتراض أن مفهوم الآخر عند دياب يتميز بالسيولة وإعادة التشكل وفق مقتضيات الزمان والمكان ففي الشرق كان الآخر بالنسبة له هو المسلم الذي يُجسد العقيدة المغايرة لعقيدته، في حين كان الآخر في الغرب يتجسد بالمسيحيين الفرنسيين الذين مثلوا ثقافة غربية مختلفة ومتباينة عن ثقافته الشرقية، وقبل البت في صحة هذا الافتراض لابد من تسليط الضوء على الجوانب المميزة في شخصية دياب وتكوين الذات لديه، فضلا عن استجلاء معطيات هذا الافتراض في رحلته.
فعلى صعيد تعبيره عن الذات حرص دياب على الإشارة إلى ذاته بصيغة "الفقير" تعبيرًا عن التواضع وكرر هذه المفردة في مواضع كثيرة من كتابه كما في إشارته إلى التحاقه بدير الرهبان بداية حياته قبل أنّ يَعدل عن هذا الطريق "والفقير رأيتُ اشيا [أشياء] كثيرة في هل رهبنة المقدسة" (دياب، 2021، 21) (7)، وهذا الوصف للذات ينسجم مع واقع دياب إذ قد عمل في مهن متواضعة كخادم وطباخ وعامل تنظيف وإن كانت مواهبه الشخصية تتجاوز بكثير متطلبات هذه الأعمال.
ويلفت د. وسام سعادة النظر إلى أنَّ شخصية دياب التي تُبرز جانبها المتواضع وتحرص على وصف صاحبها الرحالة بول لوكاس بـ"معلمي" كانت تضمر في الوقت ذاته جانبًا أكثر جموحًا وإقدامًا من مجرد التابع و"الفقير"، ويعقد سعادة مقارنة سريعة بين رحلة دياب لباريس 1709م وبين رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي 1826م والتي دونها في كتابه الموسوم "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" ويخلص فيها إلى أن "الأنا" الخاصة بدياب كانت حاضرة وبقوة في رحلته عبر مشاركته بالأحداث التي يرويها بينما كانت "الأنا" غائبة في رحلة الشيخ الطهطاوي الذي تابع معاش الباريسيين من بعيد (سعادة، 2017) (8).
ورغم أنَّ ثقافة دياب كانت محدودة ولا يوجد ما يشير إلى تلقيه تعليمًا نظاميًا أو قراءته لكثير من الكتب، إلا أنَّ طريقته في الكتابة والتي حاول فيها تقليد ومحاكاة كتب التراث العربي التي تتميز بلغتها العالية وتضمنها للفنون البلاغية المختلفة، هذه المحاولة غير التامة لمحاكاة هذه الكتب تشي باطلاعه على جانب من كتب التراث، وعلى العموم قد تمكن دياب من تجاوز هذا القصور الثقافي والتعليمي وتعويضه بحسه النقدي الذي مكنه من عقد مقارنات عديدة بين أحوال الشرق والغرب وفي الميادين الاجتماعية والثقافية إذ "تناول بوعي مدهش مسائل غائمة مثل التربية والتعليم والتنظيم المدني والجباية وتوزيع عائداتها" (داوود، 2021، 12) (9)، وغيرها من المسائل.
وقد تمكنت هذه الذات الجامحة والجريئة من قلب معادلة شائعة في أدب الرحلات الغربية وتتمثل بتغييب دور التابع المحلي الذي يقوم بمهام الدليل والمترجم للرحالة الأوربي، إذ غالبًا ما يعمد الرحالة إلى إغفال أي دور لهم ويتجاوز الإشارة إليهم، لكي يحتكر دور البطولة في الرحلة، ولكن دياب قد تمكن من نقض هذه المعادلة ولم يكتفِ بتدوين الرحلة من وجهة نظره الشخصية بل قد خاض تجربة في فرنسا ـــــ موطن الرحالة الاصلي ـــــ فاصبح رحالة شرقي في وسط غربي وهو بذلك وكما يشير د. عبد الله إبراهيم قد تمكن من نقض العُرف الشائع بكتم اصوات مرافقي الرحالة ومحو آرائهم وتكريس العلاقة بينهما بوصفها علاقة تابع بمتبوع، كما ينبه إبراهيم إلى أنَّ بول لوكاس قد أغفل وجود دياب في رحلته الضخمة ولم يشر إليه مطلقًا رغم أنه قد رافقه "مرافقة السوار للمعصم" حسب تعبيره (إبراهيم، 2019) (10).
وكان دياب مُعجبًا بالرحالة بول لوكاس ومتابعًا له في كل خطواته وقد لمح مبكرًا أنَّ لوكاس كان يُدّون مذكراته يومًا بيوم وأرسلها للمطبعة فور وصوله لباريس ويقول في ذلك "أرسل إلى المطبعة طبع كتاب سياحته التي ساحها بالتدقيق وفي جميع البلاد التي دخلها وجميع الذي رآه وسمعه من الأخبار والفرج لأنه كان يكتب كل يوم من الأمور التي يراها ويسمعها" (دياب، 2021، 148) (7)، ولا يبدو أنَّ دياب قد قرأ الكتاب فيما بعد إذ لا يشير إليه ولا ينتقد محو دوره من الرحلة، لكن هذا الفعل هو ما حفزه لاحقًا ليدون تجربته الخاصة تأسيًا بلوكاس وتقليدًا له.
وعلى صعيدٍ آخر تتضح ملامح الهوية الملتبسة عند دياب عبر ميله الشديد وتماهيه مع انتماءه المسيحي على حساب الانتماء العربي والشرقي، فالمرء وكما يشير أمين معلوف يميل إلى "التماهي مع أكثر انتماءاته تعرضًا للتجريح، وحين لا يقوى على الدفاع عن نفسه احيانًا، فإنه يخفي هذا الانتماء الذي يبقى متواريًا في اعماقه، قابعًا في الظل" (معلوف، 2015، 38) (11)، وبما أنَّ دياب كان يعيش في ظل السلطنة العثمانية ورغم أنَّ نظام الملة العثماني قد كفل للمِلل غير المسلمة امكانية إعلان انتماءاتهم وممارستهم لطقوسهم الدينية إلا أنَّ دياب كان يشعر في أعماق نفسه بأنه واقع تحت سلطة المسلمين وفي أسرهم، وإن هذه النقطة تحديدًا أعني شعور دياب بأنه وابناء ملته المسيحية واقعون تحت أسر المسلمين تمثل إحدى بؤر النص ومحاوره الرئيسة.
إذ أن هذه البؤرة النصية تُسهم في الكشف عن الجمل الثقافية الكامنة في النص، ذلك أن الجملة الثقافية تتصف بكونها زئبقية وماهرة في التخفي تمامًا كفعل النسق المضمر، وهي ذات مرجعية نسقية تعود للنسق الثقافي المُهيمن (الغذامي، 2023، 11) (6)، وقد تجلت هذه الجملة في مواضع عديدة منها قول دياب في في سياق حديثه عن تفاصيل العودة للشرق، ما إنّ دخلت أزمير "ورأيت المسلمين الموجودين في الكمرك فرجف قلبي وانوهمت كأني حصلت في اليسر [الأسر] وندمت على ما فعلت كيف أني تركت بلاد المسيحية ورجعت إلى يسر [أسر] المسلمين"(دياب، 2021، 222) (7). وتتكرر ذات الإشارة إلى الأسر ولكن هذه المرة على لسان بول لوكاس الذي يغضب من دياب بعد اصراره على العودة لحلب ويخاطبه بالقول: "أنت بتريد ترفس هذه السعادة وترجع يسير [أسير] للمسلمين كما كنت سابقا" (دياب، 2021، 207) (7) ، فكل من دياب ولوكاس يتشاركان وجهة نظر واحدة عن أوضاع المسيحيين في الشرق، ولكن هذا الموقف المشترك لن يلبث أن ينفرط عقده في مواضع أخرى حين تبرز الفوارق الجلية بين الثقافتين الشرقية والغربية، وينحاز دياب لشرقيته رغم تماهيه العقائدي مع الغربيين.
وهذا ما حدث في مرحلة مبكرة من الرحلة، فدياب يغضب من حلاق أفرنجي لأنه حلق شاربه وعدّ الأمر مسًا بهويته الشرقية ويصف الحادثة بالقول: "فلما حسيت بأنه حلق نصف شواربي صرخت فيه صوت حتى ارعبته فوقف الحلاق وبهت وقلي ما بالك أنا ما جرحتك قلتله يا ليتك كنت جرحتني ولا كنت حلقت شواربي أما بتعرف أولاد الشرق ما بيحلقوا شواربهم مثلكم" (دياب، 2021، 109) (7).
وهذا الاعتزاز بسمات الهوية الشرقية يمثل الجانب الآخر من شخصية دياب وهو الجانب الواقعي الذي يشعر بمدى انتماءه لهذه الأرض وارتباطه بثقافتها وطبيعة مجتمعها، وهو يمثل في ذات الوقت الجانب الواعي والعقلاني من تصرفاته، في مقابل ما يبدر منه من تصرفات تكون خاضعة للنسق الثقافي المُهيمن الذي تفرضه قوانين الطائفة والذي كان يتمحور حول عدّ الطائفة مغلوبة ومنكسرة وبالتالي فإن على ابنائها جميعًا أن يتحركوا وفق هذا السياق وأن لا يتفاعلوا مع محيطهم بما يناقضه.
ومن الشواهد على عقلانية وجهات نظر دياب وعدم انصياعه للنسق الثقافي المُهيمن ما رواه عن حادثة جرت في دير بإسطنبول خلال رحلة العودة لحلب، إذ يلاحظ دياب بأن راهب الدير يقضي الليل مبتهلًا بصوتٍ مسموع، وحين يسأله عن سبب هذه الصلاة الليلية الطويلة، يُخبره الراهب بأنه يدعو يسوع المسيح بأن ينير عقل المُسلم الكبير ـــــ يقصد السلطان العثماني ـــــ ويهديه للمسيحية، لكي تقتدي به الرعية، ويتحول أهل اسطنبول لدين المسيح، ويطلب من دياب أن يشاركه هذا الدعاء ولكن دياب يفاجئه بالقول "هذا الشي ما بيقطع عقل وشي بعيد عن التصديق فاجابني كل شي الذي ما هو مستطاع عند البشر هو مستطاع عند الله فاتعجبت من غيرة هذا البادري وتركته ومضيت إلى منامتي وهو استقام يصلي ويتضرع طول الليل" (دياب، 2021، 237،236) (7)، فواقعية دياب تمنعه من التفاعل مع هذه الأمنيات التي رأى صعوبة تحققها، وهي بطبيعة الحال تكشف قراءة شخصية واقعية للآخر المسلم لم يكن لدى الراهب نظير لها، فدياب يُدرك خصوصية ومركزية الإسلام بالنسبة لسلاطين آل عثمان، مثلما أدرك خصوصية المسيحية مركزيتها لدى آل بوربون في فرنسا.
ولكي تكتمل صورة شخصية دياب بملامحها الثقافية والفكرية فلابد من التوقف قليلًا عند أهم ما دونه عن الفوارق الحضارية بين الشرق والغرب، وعن ما آثار انتباهه في فرنسا وهو يرصد تفاصيل حياتها اليومية عن قرب.
مشاهدات شرقي في الغرب:
يُسجل دياب انطباعاته عن العالم الغربي وينتبه للفوارق التي تميزه عن البلاد الشرقية وهو في ذلك يُدّون ما يجده غربيًا وليس له نظير في بيئته الأصلية، فتثير انتباهه رؤية النساء سافرات ويتحركن بحرية أكبر فيقول واصفًا دهشته من المشهد "خرجت أنا الفقير ادور في شوارع المدينة وأنا باهت بشوفتي شي قط ما شفته لأن أول بلد الذي دخلتها من بلاد المسيحية ولما رأيت النسا في الدكاكين ببيعوا وبيشتروا كأنهم رجال وبيتمشوا في الطرق مكشوفين الوجوه ومن غير ستار فصرت كأني قاشع منام" (دياب، 2021، 111،110) (7).
وينتبه دياب لوجود محاجر صحية في موانئ المدن الأوربية يوضع فيها الوافدون مدة من الزمن للتأكد من سلامتهم من الأمراض المُعدية والأوبئة الفتاكة، إذ يصف دياب الكرنتينا بأنها "مكان الذي بيستقيم فيه الوارد من بلاد الشرق أو الغرب اربعين يوم وبعد تلك المدة بيخرجوه وبيدعوه يدخل إلى المدينة"(دياب، 2021، 98) (7).
كما يُشيد ببعض الظواهر الايجابية في الإدارة ومنها نظام جمع التبرعات التي كانت توزع على الفقراء وعلى من تغيرت حالهم للعسر بعد اليسر ويمنعهم الحياء من التسول وطلب المعونة إذ يشير دياب إلى أن لهم نصيبٌ من تلك التبرعات التي تجمع "منشان الفقرة المستحيين الذين كانوا سابقًا في نعمة وثروة وفيما بعد مسهم الفقر والعازة وهؤلاء ما بيقدروا يشحدوا" (دياب، 2021، 164) (7).
ويتطرق دياب لما كان يحصل لأبناء العلاقات غير الشرعية إذ كانوا يؤخذون من امهاتهم ويتم وضعهم في ملاجئ خاصة حيث يتم العناية ورعايتهم ومن تدريبهم على أحدى المهن ليصبحوا اعضاء صالحين في المجتمع ويردف ذلك بالقول: "وكثير من هل ولاد صاروا معلمين ماهرين ومنهم ارتقوا إلى مراتب سامية ومنهم صاروا مدبرين"(دياب، 2021، 170) (7) .
ولا ينسى دياب الحديث عن الجوانب الثقافية والفنية في باريس إذ يشهد عرضًا للأوبرا والتي يسميها "لوبراه" ويصفها بأنها "مكان بيصير فيه ملاعيب غريبة وعجيبة في فصل الشتا وبيدخلوا إليه في الأسبوع مرتين" (دياب، 2021، 175) (7)، ويطالع كذلك جانبًا من المسرح الكوميدي ويطلق على الكوميديا اسم "كمودية" ووصف مسرحها بأنه "بيظهر فيه من الملاعيب من المسخنات والمضحكات شي بيفوق الوصف" (دياب، 2021، 180) (7)، وإنَّ مضمونه يتعلق بالحديث عن الاشقياء وغيرهم من العاطلين والفقراء فضلًا عن الجند الجبناء والنساء "الشراشيح" الرعنات حسب وصفه، ويُقارب بين هذا المسرح بطابعه الهزلي وبين مسارح خيال الظل التي كانت شائعة في المشرق العربي حينها، ولا شك في أنَّ هذه الملاحظات التي يسجلها دياب تعبر عن وعي تام بالفوارق الثقافية بين الشرق والغرب فهو لم يكن مجرد زائر عابر وإنما كان يمثل "ذات" سائح دقيق الملاحظة ينتبه لكل شاردة وواردة.
ولا تقتصر كتابات دياب على تدوين الجوانب الإيجابية من مشاهداته بل نجد كذلك إشارته لبعض الجوانب السلبية في باريس والتي اثارت استهجانه ومنها انتشار السرقات بكثرة واعمال النصب والاحتيال فضلًا عن كثرة محلات البغاء والمومسات اللواتي اطلق عليهن "بنات الخطا"، غير أنَّ أكثر ما اثار غضبه ومقته هو مشاهد الإعدام العلنية التي كانت تقام في باريس والتي غالبًا ما تكون مصحوبة بجولات من التعذيب للمدان قبل تنفيذ الحكم فيه.
ويسرد دياب تفاصيل العملية والتي تُسبق ببيع منشورات يُعلن فيها موعد تنفيذ الحكم مع تفاصيل الجريمة التي ارتكبها المُدان فضلًا عن نوع الحكم الذي سينفذ فيه ويصف دياب هذه العملية بالقول بأنه "لما بتحكم الشريعة على رجل بالموت بتكون في الساعة العاشرة قبل الظهر بساعتين وهو مدون في ورقة دنب [ذنب] الرجل وكيف أنه على موجب دنبه [ذنبه] استحق الشنق أو التكسير أو قطع الرأس وما يشبه ذلك من الميتات المتنوعة" (دياب، 2021، 186) (7).
ويشهد دياب تنفيذ حكم الإعدام بقاطعي طريق حكم عليهما بتقطيع الأيدي والأرجل ومن ثم الإعدام، ويصف المشهد بتفاصيله الدقيقة ويذكر أنه سمع صوت تكسر العظام بوضوح وبعد أن أتم الجلاد تقطيع أيدي وأرجل المُدان الأول وهو حي، هوى بالساطور على صرته بضربة قوية قائلًا له: "هذه أنعام من الملك حتى يموت بالعجل" (دياب، 2021، 192) (7)، وبعد وفاته قاموا بجمع شتات لحمه ووضعوه في عربة، وأما المُدان الثاني والذي عاين قساوة المشهد فقد بدأ بالبكاء ورجا الكاهن الذي كان حاضرًا بأن يُشنق أولًا ثم يُقطع جسده بعد وفاته، وتمكن الكاهن من اقناع الجلاد بذلك فقام بشنقه قبل تقطيعه، ويشير دياب إلى أن الجُند قد احاطوا بالجلاد بعد تنفيذ العملية وحموه من الجماهير التي كانت تبغض الجلادين وتمقتهم والجلاد حسب تعبير دياب "ممقوت مبغوض منهم قوي كثير" (دياب، 2021، 191) (7).
وهذه التفاصيل التي رواها دياب كانت تمثل حقبة "الفضائح الكبرى" بالنسبة للعدالة التقليدية حسب وصف الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، الذي أضاف بأن الغاءها في نهاية القرن الثامن عشر قد اسدل الستار عن العروض العقابية والإشهارية والتي كانت ترتبط بعلاقات مشبوهة بالجرائم، فهي تعادلها إنَّ لم تكن تفوقها وحشية، وتؤدي لاعتياد الناس للعنف بدلًا من صرفهم عنه، وأنها تُظهر السجان بمظهر المجرم والحُكام بمظهر القتلة وتقلب الأدوار(فوكو، 1990، 51،50) (12)، وهذا ما كان دياب قد انتبه له إذ يصف الاجواء بعد نهاية تنفيذ حكم الإعدام بأن الناس قد غادروا وهم بغاية الانكسار والحزن على ما رأوه ولا يخلو الأمر من تعاطف مع المُدانين.
وفي الجمل تشير هذه الملاحظات التي دونها دياب عن باريس إلى ذات واعية بما يدور حولها، وتقارن بين البيئات والثقافات المختلفة، وإن كانت لا تخفي إعجابها وانحيازها للغرب الكاثوليكي الذي تُشاطره ذات العقيدة، وإن ظهرت بينهما بوادر نفور واضحة، تتلخص في تنامي الإحساس بالانتماء الشرقي لدياب بباريس من جهة وعدّ الباريسيين "دياب" مجرد وافدٍ شرقي في نهاية المطاف.
ثانيًا: جـدل الـذات والآخـر:
تبدأ رحلة دياب باتفاقه مع بول لوكاس على المضي معه في جولاته في الشرق التي كُلف بها من قبل ملك فرنسا لويس الرابع عشر وأن يقوم بدور المترجم مقابل وعد لوكا بتحمل تكاليف سفره وتوظيفه في خزانة الكتب العربية بباريس نهاية الرحلة، ولكن هذا الاتفاق لم يخل من مفارقات أسست لشكل العلاقة اللاحقة بين الرجلين، فحينما سأل لوكاس دياب عما يفعله في أول لقاء جمعهما يجيب دياب بأنه يمضي أيامه سائحًا في المدن ليرى الدنيا ويخفي تعثر حاله إذ كان يعتزم العودة لدير الرهبان بطرابلس بعد فشل تجربته الأولى للرهبنة وعدم حصوله على عمل في حلب.
ولما يلاحظ لوكاس بأن دياب يتقن الفرنسية والإيطالية والعربية وأنه مسيحي كاثوليكي يُشابهه في العقيدة يَحرص على استبقاءه لاسيما وأن باقي مرافقيه يجهلون العربية ويبذل في سبيل ذلك الوعود المغرية، تلك الوعود التي لم ينخدع بها دياب في البداية إذ يذكر في كتابه "قلتله ما بعطيك قرار ثابت إلا في طرابلس وقلت في بالي حتى استخبر هل هو صادق في هل كلام أم لا"(دياب، 2021، 17) (7) ، ويمكن الانتباه لملامح الاتفاق غير الشفاف بين الطرفين إذ يجد كل منهما نفسه بحاجة للآخر مع شيء من عدم الثقة وبذل للوعود الباذخة من طرف الرحالة لوكاس، وتمثل العقيدة المسيحية المشتركة بينهما عاملًا حاسمًا في جذب الرحالة لوكاس لدياب.
ويطلب لوكاس من دياب أن يبعث برسالة لذويه لأجل ارسال زيه الشرقي الحلبي التقليدي الذي سيرتديه عند الوصول لباريس بعد نهاية الرحلة، إذ كان لوكاس يعتزم تقديم تابعه الشرقي بزيه التقليدي للملك للويس وحاشيته. ويخوض الرجلان رحلة ممتدة من طرابلس وصولا لمصر فتونس وانتهاءً بباريس حيث بلاط الملك لويس في قصر فرساي.
1ـ خطآن في بلاط لويس الرابع عشر:
بعد وصول دياب ولوكاس لباريس وجمعهما لعدد كبير من النفائس والمخطوطات التي كُلف لوكاس بتحصيلها من الشرق، يحين موعد اللقاء بلويس الرابع عشر وتتجسد في هذا اللقاء مظاهر متقدمة للاحتكاك الشرقي بالغرب، إذ يحضر دياب اللقاء وهو بكامل قيافته الشرقية ويُدون انطباعاته عن قصر فرساي وانبهاره بفخامته وبالإجراءات الأمنية المشددة فيه ولا ينسى وصف لويس الرابع عشر بأنه "طويل القامة بهي المنظر ومن شدة هيبته ما بيقدر الإنسان يحقق النظر فيه" (دياب، 2021،150) (7)، ولا يمكننا أن نغفل ونحن نقرأ هذه الأوصاف التمجيدية بالملك لويس أن دياب لم يكن يعدّ نفسه غريبًا عن هذه المملكة المسيحية فهو يعد نفسه جزءًا منها ومن نسيجها الكاثوليكي وعبر في مواضع عديدة عن سخطه على البروتستانت الذين وصفهم بالهراتقة/ الهراطقة ووصفهم بأنهم "اعدا الإيمان الكاتوليكي وفسدو كتير ناس من الرعية السدج ولازال بيفسدو".(دياب، 2021، 172) (7)
وبعد استعراض لوكاس لما حازه من الشرق يعرض للملك حيوان "الجربوع" والذي لم يسبق للفرنسيين مشاهدته ولا يوجد له ذكر في كتب الطبيعيات عندهم في تلك الفترة، فيتعجب لويس من الحيوان ويسأل لوكاس عن اسمه وكان قد نسيه والتفت إلى دياب ليذكره وهنا تتسلط الأضواء للمرة الأولى على دياب الذي اجابهم بمعنى الاسم فيطلب منه لويس أن يكتبه بلسانه وأمر بإحضار القلم والقرطاس فكتب له دياب الاسم بالعربية والفرنسية ويشير دياب إلى أنَّ لوكاس كان "هاني هامه للأرض" (دياب، 2021، 151) (7)، في دلالة على الانكسار من تعالي دور التابع الذي بدأ يختطف الأضواء شيئًا فشيء!
ويثير الحيوان الغريب اهتمام العائلة المالكة وحاشيتها، فيؤمر دياب بحمله وعرضه على الأميرات في قصر فرساي، فتحدث مفارقة في هذه الجولة، إذ تترك الأميرات الحيوان الغريب ويبدأن بتفحص ملامح وملابس دياب الشرقية الغريبة ويصف دياب هذا المشهد "صاروا يتفرجوا علي وعلى ملبوسي ويكشفوا ديالي ومنهم يمد يده إلى صدري ومنهم يرفع قلبقلي ويكشف رأسي فتركوا فرجة الوحوش وصاروا يتفرجوا علي وعلى ملبوسي ويتضحكوا"(دياب، 2021، 152) (7) .
وهكذا يُصبح الآخر الشرقي عند الأميرات الفرنسيات ووصيفاتهن ـ وهن يمثلن أعلى هرم الطبقية الفرنسية ـ كائنًا عجيبًا ومثيرًا للاهتمام والتأمل فيجري تقليب ملابسه باستغراب واضحٍ من هيئته وسحنته، وبشكل يفوق تعجبهن من الحيوان الغريب عن بيئتهن، لأن هذه الفئة تحديدًا لم يكن لها اتصال حقيقي مع الشرق والشرقيين، فهي في انعزاليتها وانقطاعها عن الشرق ترى في أهله كائناتٍ غريبة قادمة من عوالم مُغايرة لا تماثل العالم الذي عهدوه.
وهذا الجهل بأحوال الشرق عند هؤلاء النسوة يقابله جهل دياب بضوابط وتقاليد تعامل الفرنسيين مع ملكهم، وإنّ وجوده في هذا الوسط مع جهله بهذه الضوابط خلق عددًا من المفارقات كادت تودي به وبصاحبه الرحالة لوكاس، إذ يطلب الملك لويس في منتصف الليل احضار دياب مع حيوان "الجربوع" ليريه لأحدى الأميرات وحينما يدخل دياب للغرفة يستقبله الملك حاملًا شمعدانًا في يديه، ويمد دياب يده ليأخذ الشمعدان فيستجيب له الملك ويناوله إياه، في تصرف يُعد وقحًا وفق تقاليد قصر فرساي إذ ليس من الكياسة أخذ شيء من يد الملك دون طلب منه وقد يُعاقب المجترئ على هذا الفعل أشد العقاب، ورغم أنّ الحدث قد مر دون ضجة إلا أنَّ لوكاس وبخ دياب أشد التوبيخ فيما بعد وكان وفق ما نقل دياب "يحكي في بهريس [باريس] ويقول هل غلام أخذ الشمعدان من يد الملك" (دياب، 2021، 153) (7)، في إشارة إلى جرأته وغرابة تصرفه.
وكان الخطأ الثاني غير المقصود لدياب قد حدث حينما يُطلب منه إحضار الحيوان الغريب ليريه لأميرات أخريات، وحالما انحنى لتحيتهن برز نصل السكين في خاصرته فتناولتها أحدى الأميرات وقالت "تعالوا تفرجوا على سيف المسلم"(دياب، 2021، 154) (7) ، فيجيبها دياب بأنها سكين وليست سيفًا، وهذا ما يثير حفيظتهن فتتغير وجوههن، ذلك أنَّ احضار سكين للقصر في عُرفهم وكما عَلم دياب لاحقا يعني تبييت نية الغدر، بينما حمل السيف الواضح والبارز لا يعني وجود نية للغدر، وينقل دياب كلام لوكاس له بعد تجاوز الأمر دون عواقب: "الله نجاني ونجاك من هل مصيبة" (دياب، 2021، 155) (7).
تحول لدياب لآخر مسلم في نظر الأميرات الفرنسيات، وهو بذلك يُجرد من انتماءه المسيحي الذي يعتز به أيما اعتزاز ليُلحق بالمسلمين لدى من جهل حقيقة معتقده، وهذا يتقاطع مع موقف لوكاس سابق الذكر حين عده "أسيرًا للمسلمين"، فدياب في نظر الآخر الغربي إما مسلم نظرًا لملامحه وزيه الشرقي وإما مسيحي مغلوب على أمره فاقدٌ للإرادة وخاضع للمسلمين، ولا شك بأن كلا الموقفين يضمران نظرة دونية له.
2ـ نكث العهد والعودة للشرق:
بعد قضاء دياب ردحًا من الزمن في باريس ولقاءه بعدد من الكُتّاب منهم أنطوان غالان مترجم الف ليلة وليلة إلى الفرنسية ونقله لعدد من القصص من دياب، وبعد تأخر لوكاس بتنفيذ وعده بالعمل في خزانة الكتب العربية بباريس، يُعرَض على دياب القيام برحلة إلى الشرق ليقوم بجمع المخطوطات والنفائس بتكليف من البلاط الفرنسي في رحلة شبيهة برحلة لوكاس، ولكن لوكاس يشعر بالغضب من تصرف دياب هذا ويوبخه قائلًا: "أنت بتريد ترفس هذه السعادة وترجع يسير [أسير] للمسلمين كما كُنت سابقًا" (دياب، 2021، 207) (7)، وحينما يصر دياب على موقفه ويجد لوكا أنه لا مفر من ترك دياب يرحل يصارحه بموقفه من أهل الشرق: "أنتم يا ولاد الشرق قليلين الوفا" (دياب، 2021، 208) (7).
وإنّ هذه العبارة التي تصم أبناء الشرق بالخيانة تمثل "جملة ثقافية" تضمر نسقًا فكريًا غربيًا يقلل من شأن الشرقيين ويعدّهم خونة وقليلي وفاء للغربيين ـ الذين يمثلون وفقًا لهذا النسق اصحاب الفضل وذوي النوايا الحسنة ـ، فالشرقي خائن ما لم يبقَ على تبعيته لسيده الغربي، وهو يحمل ككل الشرقيين بذرة الخيانة وهذا ما تصرح به جملة لوكاس "ولاد الشرق"، فهي جملة تحمل معنى تعميميًا لا تستثني مسيحيًا شرقيا ولا تفصله عن قرينه المسلم!
ولا يلبث دياب طويلًا قبل أن يكتشف بأن كلا الوعدين الحصول على وظيفة في خزانة الكتب العربية أو القيام برحلة للشرق لصالح ملك فرنسا قد بان زيفهما فيكتب في مذكراته "وقتيدٍ حسيت بأن مسألتي فاشوشة"(دياب، 2021، 212) (7) ، فيقرر العودة للشرق ولكن قبل ذلك يكتب رسالة توبيخ وعتاب قاسية للأمير الذي وعده بالرحلة ثم خلف بوعده، وتمثل هذه الرسالة نهاية حلم دياب بالاستقرار بباريس، وتُجسد قمة حنقه وغضبه على الطريقة التي عُومِل بها، وهي تختزل بكل حال تجربته المخيبة للآمال في باريس.
وتشهد رحلة العودة للشرق تحولًا في شخصية دياب وطرق تعاطيه مع الآخر في بعض جوانبها، فبعد احتكاكه بالغربيين ومعاينته اسلوبهم في التعامل والتصرف، يقرر انتحال صفة طبيب افرنجي ويساعده في ذلك الزي الغربي الذي جلبه معه ولغته الفرنسية ومعلوماتٍ يسيرة في الطب كان قد تعلمها من لوكاس، وهنا يخوض دياب تجربة جديدة في التعامل مع الآخر المسلم ولكنه في هذه المرة بصفته وافدًا افرنجيًا لا مسيحيًا محليًا، ويوظف في هذه الرحلة مزيجًا من خبراته ومعرفته السابقة بأحوال الشرق والغرب.
ولم تخل رحلة دياب الأخيرة من مخاطرات كاد يُفتضح فيها أمرة وإنّ كانت تجربة ناجحة في العموم، ويذكر دياب بفخر كيف إنّ أحد الباشوات العثمانيين الذين عالجهم قد قال لمرافقه "اريت [أرأيت] كيف حكمات [حكماء] الفرنج بيداروا المريض"(دياب، 2021، 248) (7) ، وحينما يريد عبور أحد مناطق التخليص الكمركي والتي كانت تفرض رسومًا على المسيحيين فقط ـ بحسب دياب ـ، يخاطب الموظف بتعالٍ واضح "إن كان بعطي إلى سلطانك خراج بعود بعطيك اسبنج"(دياب، 2021، 260) (7) ، فلما تفرّس الموظف في وجهه وظن بأنه أفرنجي بالفعل رحب فيه وأعتذر منه عن هذا التصرف! وكأن دياب هنا يحاول الانتقام من ماضيه الشرقي يوم كان يشعر بأنه مستضعف لأسباب دينية، ورأى بأن انتحال هذه الصفة الجديدة يمنحه حصانة من الحساب وتفوقًا على أهل السلطة والعوام في الشرق.
وإذا ما انتقلنا للحديث عن علاقة دياب بالآخر الجندري "النساء" فإننا سنجد أمورًا مثيرة للانتباه في هذه المسألة، فرغم أنّ دياب قد جاب بقاعًا واسعة في الشرق والغرب، إلا أنه لا يشير إلى شيء يخص علاقته بالنساء ولا إلى اعجابه بنساء منطقة دون أخرى، ولا يتحدث عن مفاتنهن كما شهدنا ذلك في أغلب كتابات الرحالة، فهو يكتفي احيانا بإشارات عابرة إلى وضعهن الاجتماعي ويبدي في احيانٍ نادرة اعجابه بجمالهن وزينتهن كما فعل مع الأميرات الفرنسيات ووصيفاتهن رغم أن المدح كان في اغلبه لزيهن وحليهن لا لأشكالهن واجسامهن، وقد جاء مقتضبًا في كل حال.
ويمكن تأويل امتناع دياب عن الحديث عن النساء أو عن اقامته علاقاتٍ بهن نابعًا من كونه دَوّن مذكراته وهو في أرذل العمر وبعد أن كَون أسرة كبيرة ورأى أن من غير اللائق لمن هو في مثل سِنه الحديث عن ذكريات عابثة وعلاقاتٍ عابرة مر بها وهو في فترة الصبا، غير أننا نجد في كتابه مؤشراتٍ تدل على عدم خوضه لأي تجارب حقيقية مع النساء وإن الأمر يتجاوز مسألة اسقاط هذه التفاصيل مِن الرحلة.
فدياب المتدين والمعتز بهويته المسيحية المارونية والذي حاول الالتحاق بدير الرهبان في طرابلس كان بعيدًا عن السعي وراء العلاقاتٍ النسائية، كما أن زهده الواضح بهن، هو ما شجع أحد معارفه في باريس على تقديم عرض له بالزواج من ابنته المقعدة، وتلك قصة يرويها دياب بشكل عابر، إذ يوضح بأن رجلًا شامي الأصل كان له مقهى في باريس يُدعى اصطفان تعرف عليه واعجب به، وكان من نتائج هذا الإعجاب أن عرض عليه اثناء مكوثه بباريس أن يفتح مقهى خاص به وأن يزوجه ابنته المقعدة التي يصفها دياب بـ"المكرسحة"، ولا يرفض دياب الأمر مبدئيًا بل يطلب الأذن لمشاورة لوكاس الذي رفض الأمر رفضًا قاطعًا وهو بحسب دياب "ما رضي بأني اخطب هل بنت لأجل انها مكرسحة" (دياب، 2021، 206) (7).
وهذا يعني بأن رفض الزواج من هذه المرأة المُقعدة كان من قبل لوكاس وليس من دياب، وإنّ دياب لم يشر إلى رفض قاطع من جهته لهذا الزواج، وقد تطرق له بصورة عرضية ومقتضبة في كتابه، فالمسألة كلها ـ الارتباط بامرأة ـ ليست بذات شأن بالنسبة له.
وفي العموم إنّ احجام دياب عن التواصل مع النساء بوصفهن جزءًا رئيسًا من بنية الآخر يؤدي إلى رؤية ناقصة للآخر ذلك "إنّ المرأة أو ما ترمز إليه العلاقة معها هي أحد الوسائط المفضلة للعلاقة المعرفية بالآخر"(البرزي، 1999، 106) (3) ، في حين نجد رحلة دياب تخلو من أي وصف أو ذكر لتجربة حقيقية مع النساء.
ثالثا: حلقة وصل بين ثقافتين:
رغم كل النتائج السلبية والإيجابية لاشتباك حنا دياب مع الثقافة الغربية، إلا أنّ هذا اللقاء الحضاري النادر والمتقدم تاريخيًا ساهم بمد صلات ثقافية وفكرية بين الجانبين، وما ساعد على تحقيق ذلك هو كون دياب يقف في المنطقة التي تتقاطع فيها الثقافتين الشرقية والغربية فهو شرقي مسيحي عربي وجد نفسه في وسطٍ غربي يشاركه المُعتقد وهو يُلم بلغة هذا الوسط ما ساهم في توثيق هذه الصلات.
وتمثل أكبر عمل لدياب في هذا السياق عبر نقل جزء من حكايات ألف ليلة وليلة لأنطوان غالان جامع الحكايات ومترجمها الأول للفرنسية، إذ تم اللقاء بينهما في بيت بول لوكاس، ويصف دياب غالان بـ"الختيار" ولا يصرح باسمه في كتابه وذلك بسبب المكيدة التي دبرها له غالان لأجل ابعاده عن باريس كما سيأتي ذكرها، ويشير دياب إلى أنه التقى بغالان والذي كان موكلًا بخزانة الكتب العربية ويصفه بأنه "كان يقرأ مليح بالعربي وينقل كتب عربي إلى الفرنساوي ومن الجملة كان في ذلك الحين ينقل كتاب عربي إلى الفرنساوي وهو كتاب حكايات ألف ليلة وليلة" (دياب، 2021، 200) (7).
وتجلت الخدمات التي قدمها دياب لغالان بتوضيحه معاني بعض الكلمات التي كان يجهلها غالان فضلًا عن افهامه لبعض القضايا التي اشكلت عليه، وفي يوميات غالان التي ضمنها محمد الجاروش وصفاء أبو شهلا في النسخة التي حققاها من رحلة دياب، نجد غالان يقر بخدمات دياب والتي منها شرحه لكلمة قاعة، إذ يكتب غالان في يومياته "في الصباح علمت من الماروني الحلبي المعنى الصحيح للكلمة العربية ‹‹قاعة››. إنها اشبه بغرفة تطل على باحة في القصور أو بيوت علية القوم" (دياب، 2017، 408) (13)، ولكن الخدمة الأكبر التي قدمها دياب تجسدت بنقل قصص وحكايا لغالان أتم بها مجموعة ألف ليلة وليلة التي كان يعكف على ترجمتها، ورغم أن دياب لا يصرح بأسماء القصص التي رواها لغالان، إلا أنَّ غالان يكشفها في يومياته ومنها حكاية علاء الدين والمصباح السحري وحكاية علي بابا والذي يسمى في القصة خوجا علي، فضلا عن حكاية البساط السحري وعلي الزئبق وحكايات أخرى متنوعة مثل قمر الدين وبدر البدور وحكاية عن هارون الرشيد، وبلغ عدد الحكايات التي ذكر غالان أن دياب رواها له 15 قصة. وبحسب الباحثة كرستيانه داميان (من جامعة ساو باولو)، فإنّ الحكايات التي رواها حنا دياب لأنطوان غالان، لتضمينها في ترجمته لألف ليلة وليلة، لم يكن لها وجود إطلاقاً في أي مخطوطة أصلية للكتاب، خصوصاً بالنسبة لحكايتي "علاء الدين والسراج المسحور" و"علي بابا والأربعون حرامياً"(سعادة، 2017) (8)، وهذا يعني بأن دياب قد قام بدور استثنائي وخطير في نقل حكايات الف ليلة وليلة وفي اضافة قصص انفرد هو بروايته إلى متن الليالي وهي لم تكن جزءًا منها، ثم اصبحت أشهرها!
وكانت الانطباعات النهائية لدياب عن غالان سلبية جدًا، فقد شعر بأن هذا "الختيار" قد غدر به بعد أنّ اوهمه بأمل الحصول على ايفاد للشرق من البلاط الفرنسي لغرض جمع النفائس والمخطوطات في رحلة مماثلة لرحلة لوكاس الأولى، والذي اتضح لاحقا بأنها لم تكن سوى مكيدة لإبعاده عن باريس ذلك أن غالان بعدما علم بسعي لوكاس لأجل الحصول على وظيفة لدياب في خزانة الكتب العربية سارع للتخلص منه درءًا للخطر الذي قد ينال مركزه في الخزانة، متجاهلًا دوره الايجابي في خدمته، وقد تمت المؤامرة بالفعل وما فاقم من أزمة دياب هو أنَّ لوكاس نجح هو الآخر في مسعاه لأخذ مكان دياب في الرحلة التي كان من المفترض أن توكل له، وبهذا تم اقصاء دياب عن باريس وهو خالي الوفاض!
أما غالان فرغم أن انطباعاته التي سجلها عن دياب في يومياته كانت إيجابية في العموم، إلا أنه قد تجاهل أي ذكر له في مؤلفاته جميعها، خلا ما دَوّنه في هذه اليوميات التي طُبعت بعد وفاته، ويستمر هذا التجاهل لدور دياب في نقل قصص ألف ليلة وليلة حقبًا طويلة، وإن كانت بعض الدراسات قد أشارت له بصورة عرضية ودون أن تكون مُلمة بحقيقة دوره، ومنها على سبيل المثال لا الحصر دراسة فردريش فون ديرلاين الذي مر على ذكر دياب بشكل عابر مع ملاحظة تشير إلى أن غالان كان يستمع لحكاياتٍ كثيرة من مسيحي سوري يدعى حنا الماروني (فون دير لاين، 1973، 214) (14)، دون الإشارة لأي معلومات عنه أو عن الحكايات التي رواها لغالان، في حين يجزم سعيد علوش في تعقيبه على كلام فون ديرلاين بأن دياب لم يكن أكثر من مساعد على ترجمة الحكايات، ويشير لكونه مجهولًا عند الدارسين العرب (علوش، 1987، 547) (15).
ولعل ما أسهم في إعادة الاعتبار لدور دياب في نهاية المطاف هو اكتشاف مخطوطته التي دون فيها تفاصيل رحلته، ذلك أن هذه المخطوطة بقيت بعيدة عن التداول حتى أهداها قس حلبي لمكتبة الفاتيكان عام 1926، وحفظت هناك حتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، إذ نشرت بالفرنسية أولًا قبل أن يُعاد نشرها بلغتها الأم "العربية" (سعادة، 2017) (8).
والمفارقة في رحلة دياب أن العمل الكبير الذي قام به وهو اتمام قصص ألف ليلة وليلة بحكايات شخصية تمثل جزءا من موروثه الحلبي، هذا العمل الكبير لم يحز على اهتمامه ولم يشر إليه إلا بأسطر عابرة، فهو لم يدرك حجم الدور الريادي الذي اضطلع به في نقل هذا الجزء المهم من التراث الشرقي للغرب.
وعلى صعيدٍ آخر يمكننا ملاحظة أنّ دياب وفي سياق تعاطيه مع الآخر الغربي وملاحظته لملامح نهوضه الحضاري والفكري والثقافي، لم يكن مشغولًا بسؤال التأخر التاريخي، فهو قد انبهر وابتهج بما رآه من معالم للتقدم، إذ كان يَعدّ نفسه جزءًا من هذا الكيان "المسيحي" الذي يتقدم حضاريًا على الشرق المُسلم المغاير له، وهذه حالة فريدة لا نعهد مثيلا لها عند الرحالة العرب المسلمين الذين سافروا للغرب في فترات مقاربة زمانيًا لرحلة دياب، وفي هذا الصدد يشير عبد الفتاح كيليطو إلى أن الرحالات العربية لأوروبا عموما وفرنسا خصوصًا في القرن التاسع عشر وهي فترة لاحقة لرحلة دياب، كانت مشغولة دائمًا وأبدًا بسؤال التأخر التاريخي، ودائما ما كان الرحالة يدونون بحسرة تفاصيلا عن النهوض الغربي مقابل تأخر أوطانهم، وهذا ما ظهر جليًا في الرحلة التي قام بها محمد الصفار الذي كان عضوا في الوفد المغربي الذي حمل رسالة من السلطان عبد الرحمن للملك لويس فيليب عام 1845م، تلك الرحلة التي يركز فيها الصفار على البون الشاسع بين المغرب وفرنسا، ولا يخفي فيها امتعاضه من التماثيل ذات الدلالات الدينية التي كانت تعج بها باريس (كيليطو، 2002، 71) (16)، في صورة معاكسة لوجهة نظر دياب الذي تحدث كثيرًا بإعجاب عن المعالم الدينية لباريس ومعجزات قديسيها.
الخاتمة:
وفي نهاية رحلتنا البحثية هذه، توصلنا لعدد من النتائج نوجزها بما يأتي:
1ـ إنّ مفهوم الآخر عند حنا دياب كان يتميز بالسيولة وعدم الاستقرار، فهو يتحدد ويتشكل وفقًا لمقتضيات الزمان والمكان، ففي الشرق كان الآخر بالنسبة له هو المسلم المُغاير في العقيدة، وفي الغرب برزت الثقافة الشرقية بوصفها ممثلًا للذات في مواجهة الآخر الغربي المختلف في ثقافته وسحنته.
2ـ كان من نتائج تعاطي دياب مع الآخر المسلم والغربي أن اتخذت علاقته بهما شكلًا جديدًا، تمثل في انتحاله شخصية الآخر الغربي في الشرق خلال رحلة العودة لحلب، مستثمرًا خبرته السابقة بأحوال هذين العالمين المتباينين، وإنّ هذا التحول في شخصيته يعكس شكلًا متقدمًا من أشكال التفاعل مع الآخر، ومحاولة للاستفادة من المزايا التي يتمتع بها الآخر الغربي في الشرق.
3ـ إن نظرة دياب للآخر المسلم كانت منسجمة مع نظرة عموم المسيحيين الشرقيين للمسلمين في تلك الفترة، بوصفهم فئة مُتغلبة ذات عقيدة مناقضة لعقيدتهم، وهي نظرة لها صداها عند الغربيين ذاتهم إذ تتكرر الجملة الثقافية التي تتحدث عن "أسر" المسلمين للمسيحيين على لسان دياب ولوكاس في مواضع مختلفة، وعلى الرغم من أن دياب لا يُظهر تطرفًا دينيًا تجاه المسلمين، إلا أنه في ذات الوقت لا يظهر أي تعاطف معهم أو ميل لهم.
4ـ كان تعاطي دياب مع ملامح النهوض الحضاري الغربي، مختلفًا عن طريقة تعاطي الرحالة العرب الآخرين معه، فدياب لم يكن مشغولًا بسؤال التأخر الحضاري، ولم يرَ في هذا الارتقاء الحضاري الغربي دلالة على انحطاط الذات وتأخرها، بل تفاعل معه بإيجابية ورأى فيه صعودًا لفئة تمثل امتدادًا عقائديًا له.
5ـ تميزت شخصية دياب بالعقلانية في تعاطيها مع الآخر، ولم تخرج تصوراته عن النهج العقلاني في قراءة الآخر واستشراف مآله، وفي هذا الإطار يمكن فهم طبيعة موقفه في ازدراء الكاهن الذي كان يطمع في تنصر السلطان العثماني، وفي قراره بعدم المكوث في باريس بعد اتضاح زيف الوعود التي قُطعت له.
6ـ أسهم دياب في توثيق العلاقة الثقافية بين الشرق والغرب، وكان دوره حاسمًا في إتمام ترجمة أنطوان غالان لحكايات "ألف ليلة وليلة"، رغم أن هذا الدور الكبير قد تعرض للمحو والتجاهل المتعمد وبشكل يكشف طبيعة العلاقة المأزومة والجدلية بين الشرق والغرب.
References:
(1) Saliba J. The Philosophical Dictionary of Arabic, French, English, and Latin Terms. Dar Al-Kitab Al-Lubnani - Al-Madrasa Library, Beirut. 1982.
2.Al-Bazei S & Al-Ruwaili M The Literary Critic’s Guide. Arab Cultural Center, Casablanca.2002.
3.Al-Bizri Dalal. The Other: The Necessary Paradox. In T. Labib (Ed.), The Image of the Arab Other: Observer and Observed. Center for Arab Unity Studies, Beirut.1999.
4.Al-Ghadhami, Abdullah. Cultural Criticism: A Reading in Arab Cultural Systems. Arab Cultural Center, Beirut. 2005.
5.Fahmé-Thiéry. . Journey of an Eastern Storyteller to the West (Interview by Georgina Makhlouf, M. Al-Idrissi, Trans.). Al-Faisal Magazine. 2016;481-482.
6.Al-Ghadhami, A. Problems of Cultural Criticism: Questions of Theory and Practice. Arab Cultural Center, Casablanca.2023
7.Diyab H. The Book of Travels (J. Stephan, Ed.). Library of Arabic Literature, New York.2021.
8.Saadeh W. The Masterpiece of Hanna Diyab, the Aleppian Adventurer in the Court of Louis XIV. Retrieved from https://2u.pw/XTqp4yYM. Accessed on July 20, 2024.
9.Dawood H. Paris as Seen by Hanna Diyab in 1707. Al-Quds Al-Arabi Newspaper. 2021;10429.
10. Ibrahim, A. From Aleppo to Paris: Hanna Diyab's Journey. Retrieved from https://2u.pw/k6I0QKFx. Accessed on July 21, 2024.
11.Maalouf A. Deadly Identities [In the Name of Identity] (N. Beydoun, Trans.). Dar Al-Farabi, Beirut.2015.
12. Foucault M. Discipline and Punish: The Birth of the Prison (A. Moukallad, Trans.). National Development Center, Beirut.1990.
13. Diyab H. From Aleppo to Paris: A Journey in the Court of Louis XIV (M. M. Al-Jaroush & S. Abu Shahla Jibran, Eds.). Dar Al-Kamel (Dar Al-Jamal), Beirut.2017.
14.Von der Leyen, Friedrich. The Fairy Tale: Its Origin, Methods of Study, and Artistry (N. Ibrahim, Trans.). Dar Al-Qalam, Beirut.1973.
15.Alloush S. Components of Comparative Literature in the Arab World. The International Company for Books, Beirut.1987.
16. Kilito A. Thou Shalt Not Speak My Language. Dar Al-Tali'a for Printing and Publishing, Beirut.2022.