|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
بنية أسلوب القصر في مقدمات التأليف البلاغية من القرن الخامس إلى القرن الثامن الهجري (دراسة أسلوبية)
|
|
|
|
رحمة أياد عبدالله إبراهيم و مازن موفق صديق الخيرو
|
|
كلية التربية للبنات، جامعة الموصل، الموصل، العراق
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 11 December 2024
Revised: 11 January 2025
Accepted:21 January2025
|
|
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
يتناول البحث "بنية أسلوب القصر في مقدمات التأليف البلاغية من القرن الخامس إلى القرن الثامن الهجري (دراسة أسلوبية)"، إذ يُعَدُّ أسلوب القصر أحد أبرز الأساليب البلاغية التي تميَّز بها النثر العربي في مختلف العصور، لما يحمله من قدرة على التركيز والإيجاز وتوجيه المعنى بما يخدم غايات النص البلاغي، وقد تميزت مقدمات المؤلفات البلاغية بين القرن الخامس والثامن الهجريين بأسلوبية دقيقة، تنوّعت بين الأغراض التعليمية، والجمالية، والتأثيرية، مما يعكس ثراء التراث البلاغي وعمق الفكر العربي في تلك الحقبة. يهدف هذا البحث إلى دراسة بنية أسلوب القصر في مقدمات هذه المؤلفات، من خلال تحليل النصوص البلاغية في ضوء المنهج الأسلوبي، للكشف عن خصائص القصر وأنماطه، وكيفية توظيفه لتحقيق غايات متعددة، سواء كانت تعليمية أو إقناعية أو جمالية. كما يُسلِّط الضوء على السياقات التاريخية والثقافية التي أثرت في صياغة هذه المقدمات، ومساهمتها في تطور البلاغة العربية..
الكلمات المفتاحية: أسلوب، قصر، بلاغة، مقدمات، نص، استعمال.
|
|
Keywords:
Style,
Restriction,
Rhetoric,
Prefaces,
Text,
Usage
|
|
Corresponding Author
[email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v4.i3.a5 ©Authors, 2026, College of Education, Alnoor University.
This is an open-access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
The Structure of the Restriction Style in the Prefaces of Rhetorical Compositions from the 5th to the 8th Hijri Century (A Stylistic Study)
R A A Ibrahim and M M S Al-Khairo
Department of Arabic Language, College of Women's Education, University of Mosul, Iraq
Abstract
Praise be to Allah, Lord of the Worlds, and may peace and blessings be upon the Seal of the Prophets and Messengers, our Master Muhammad, and upon his family, companions, and those who follow them in righteousness until the Day of Judgment.
This research addresses "The Structure of the Restriction Style in the Prefaces of Rhetorical Compositions from the 5th to the 8th Hijri Century (A Stylistic Study)." The restriction style is considered one of the most prominent rhetorical styles that distinguished Arabic prose across various ages due to its ability to focus, condense, and direct meaning in a way that serves the purposes of rhetorical texts. The prefaces of rhetorical compositions from the 5th to the 8th Hijri centuries are characterized by precise stylistics that vary between educational, aesthetic, and persuasive purposes, reflecting the richness of rhetorical heritage and the depth of Arab thought during this period.
This research aims to examine the structure of the restrictive style in the prefaces of these compositions by analyzing rhetorical texts through a stylistic approach. It seeks to uncover the characteristics and patterns of restriction and how it was employed to achieve multiple purposes, whether educational, persuasive, or aesthetic. Additionally, it sheds light on the historical and cultural contexts that influenced the formulation of these prefaces and their contribution to the development of Arabic rhetoric.
.مدخل:
يعد أسلوب القصر أحد أهم أبواب البلاغة، وهو شكل من أشكال الإيجاز والتأكيد في اللغة، وأساليب القصر أساليب ثرية، فهي من الأساليب الغنية بالاعتبارات الدقيقة والملاحظات اللطيفة، ويعرف القصر في اللغة بأنّ "القاف والصاد والراء أصلانِ صحيحان، أحدهما يدلُّ على ألا يبلُغَ الشّيءُ مدَاه ونهايتَه، والآخر على الحَبْس. والأصلان متقاربان" (فارس، 1979، 5/ 96)(1)، ومنه قوله تعالى: { حُورٌ مَقْصُورَات فِي الْخِيَامِ} (سورة ارحمن، 72) وفي اصطلاح علماء المعاني هو "تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص، والشيء الأول هو المقصور، والشيء الثاني هو المقصور عليه، والطريق المخصوص هو أدواته الموضوعة له"(الصعيدي،1991، 48)(2) فعندما نقول: زهير شاعر لا كاتب فإننا نخص زهيراً بصفة الشعر بحيث لا يتجاوزها إلى صفة الكتابة، فزهير مقصور والشعر مقصور عليه، وقد قيد البلاغيون التخصيص بالطريق المخصوص، ليخرج كل ما أفاد القصر بغير تلك الطرق المخصوصة، فقولنا: زيد مقصور على العلم، وجاء محمد وحده... وعلي يختص بالشعر... وخالد ينفرد بالشجاعة.
وينقسم القصر بحسب الحقيقة والإضافة إلى: (مطلوب، 1999، 170)(3)
١ – قصر حقيقي: وهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحسب الحقيقة لا يتعداه إلى غيره أصلاً، كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ}.
فالتذكر صفة لا تتجاوز إلى غيرهم من سائر الناس في الحقيقة والواقع. ومنه: (ما خاتم الانبياء والرسل إلا محمد) فخاتم الأنبياء والرسل، وهو المقصور مختص بمحمد وهو المقصور عليه لا يتجاوز إلى غيره.
2-قصر إضافي: وهو غير الحقيقي وذلك بأن يكون القصر فيه بالإضافة إلى شيء مخصوص لا إلى جميع ما عدا المقصور عليه، ومنه قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ}ْ، فـ«محمد» مقصور على الرسالة بالإضافة إلى شيء آخر، وليس المقصود أن الرسالة مختصة به وحده، ومنه قولنا: (ما محمد إلا كاتب) فليس المقصود أن محمداً مقصور على الكتابة وحدها بحيث لا يتعداها إلى شيء آخر، لأن الحقيقة والواقع خلاف ذلك، وإنما المقصود أنه مقصور على الكتابة بالإضافة إلى شيء آخر معين كالشعر أو الرسم أغيرهما.
وقد جاء أسلوب القصر في قوله: " كلام لا يفرغ إلا في قالب الصدق، ولا ينسج خبره إلا على منوال الحق، فبالحريري تلقيه بالقبول إذا ورد يقرع الأسماع"(السكاكي،1983، 5)(4).
في هذا الخطاب الخبري تتجلّى ظاهرة القصر عبر استعمال أدوات النفي والاستثناء؛ إذ اعتمد الكاتب على أساليب القصر في عبارتين مترادفتين متوازيتين، فيحمل هذا التعبير دلالة على حصر مضمون الكلام في قالب الصدق فقط، ويظهر ذلك وكأن المتكلم ينفي إمكانية أن يكون هذا الكلام خارج حدود الصدق، مما يعزز دلالة الأمانة في النقل، ويتضح من العبارة والتي تعد مثالاً على القصر الحقيقي، إذ يخصّ الصفة (الإفراغ في قالب الصدق ينسج على منوال الحق) بالموصوف(الكلام وخبرة) مما يجعل القصر في هذا العبارة قصر صفة على الموصوف، استعمال أسلوب القصر هنا يعكس رغبة المؤلف في لفت انتباه المتلقي وتثبيت فكرة الدقة في ذهنه، الناتجة عن اختيار هذا الأسلوب والأداة الملائمة، وقد تحقق القصر هنا عبر ركنين: الأول(النفي بـ(لا)، والثاني بالأداة(إلا)، مما يجعل القصر هنا بالنفي والاستثناء(الهاشمي، 1999، 147)(5)، و"القصر به له مذاق خاص، ومقام معلوم لأنه يشرك المتلقي في الوصول إلى الحكم أو المعنى تحقيقاً للغرض، بأثارة طاقاته ويحفزه على التأمل والتذوق وصولاً إلى اقناع مؤثر بحق واضح في نفسه"(عبيد، 1986، 155)(6) كما أن تعبير(في قالب الصدق) تشبيه ضمني يشبه الصدق بإناء أو قالب الذي يصب فيه الكلام مكونًا بذلك صورة ذهنية تربط الكلام بالصدق وكأن الكلام لا يُمكن إلا أن يكون صادقًا، ليعزز بذلك دلالة الصدق كخاصية جوهرية لهذا الخطاب، ونلاحظ أسلوب السجع في كلمتي(الصدق والحق) وهو من الأساليب البلاغية الجميلة التي تعطي ايقاعاً موسيقياً ليلفت انتباه القارئ، يقول الكاتب: "فإنا إذا تصفحنا الفضائل لنعرف منازلها في الشرف، ونتبين مواقعها من العِظَم ؛ ونَعْلَمَ أي أحق منها بالتقديم، وأسبق في استجاب التعظيم، وجدنا العلم أولاها بذلك، وأولها هنالك، إذ لا شرف إلا وهو السبيل إليه، ولا خير إلا وهو الدليل عليه، ولا مَنْقَبة إلا وهو ذروتها وسنامها، ولا مفخرة إلا وبه صحتها وتمامها، ولا حسنة إلا وهو مفتاحها ؛ ولا محمدة إلا ومنه يتقد مصباحها"(الجرجاني، د .ت، 4)(7).
ففي هذا النص استعمل الكاتب أساليب القصر باستعمال النفي والاستثناء بـ(إلا)عدة مرات للتأكيد على أهمية العلم، ويؤكد على أن العلم هو السبب الوحيد لكل صفات الشرف والرفعة لا شرف إلا وهو السبيل إليه، إذ قصر الصفة(السبيل)على الموصوف( الشرف) وهو نوع من أنواع القصر الحقيقي، إذ يقصر الشرف الحقيقي الذي يراد به مكانة الإنسان ورفعة منزلته على السبيل إليه، ومن الصور التي استعملها الكاتب السجع أيضا، الذي أضاف تناسقًا إيقاعيًا متوازنًا للنص، فنرى توافق الفاصلتين بنهاية كلمتي(الشرف والعظم)، مما يعطي إيقاعًا خاصًا يجذب الانتباه، ويضفي على النص تناسقًا وجمالًا، وكذلك نجد السجع في كلمتي(التقديم والتعظيم)، إذ تتكررت القافية بنهاية الكلمات المختلفة ولكن بنفس الحروف الأخيرة، مما يخلق انسجامًا وإيقاعًا ممتعًا، كما نلاحظ السجع في عبارتي(ذروتها وسنامها وصحتها وتمامها)، إذ يعزز هذا السجع الانسجام بين المعنى والإيقاع، و"هو توافق الكلام في الحرف الاخير"(العدوس2006، 289)(9)، ويؤكد على أهمية العلم من خلال وضعه في مرتبة سامية، ويصف العلم كأنه قمة الفضائل وذروتها، وأخيرًا، يظهر السجع في(مفتاحها ومصباحها)، مما يضيف حسًّا موسيقيًا ويكسب النص توازنًا صوتيًا، يزيد من قابليته للحفظ والتأمل، ونرى استعمال الكاتب أساليب أسلوبية فضلاً عن السجع وأسلوب القصر، واستعمل التكرار بــ(لا وإلا) فضلاً عن ذلك استعمل التجانس الصوتي الذي يضيف إليه حساً موسيقياً متوازياً، والجناس يسمى المجانسة عند توافر حروف الألفاظ من جنس ومادة واحدة، دون اشتراط التماثل الكامل، بل يكفي التقارب (الجندي، د . ت، 3)(10)، إذ يستعمل الكاتب في مقدمة(أولاها وأولها)( منازلها و مواقعها) وهو جناس غير ناقص، إذ نستنتج أن " الجناس الناقص ليس توسعاً في الكلام بل تنوعاً في عرض جنبات الفكرة، وتعمقا لمختلف دقائق الصورة" (سلطان، 1992، 155)(11).
ومن صور توظيف أسلوب القصر ما قاله الكاتب في مقدمة كتابه، إذ يقول: " إنَّما هو خبر واستخبار، وأمر ونهى" (الجرجاني، د . ت، 6)(7) يستعمل الكاتب أسلوب القصر هنا بأداة(إنما) وهي أداة من أدوات القصر"(م. ن، 321) ، ودلالة القصر تميزها بما اختلف عن الصفات الأخرى (طبل، 2004، 153)(8)، ويتجلى أسلوب القصر هنا بتخصيص الكلام على نوعين فقط هما(الخبر والاستخبار)، مما يوحي بأن الحديث محصور في هذين الصنفين، ثم يوسع الكاتب نطاق القصر باستعمال حرف العطف الواو ليضيف الأمر والنهي، مكملاً لذلك التقسيم ليشمل أربعة أنواع من الكلام، وهي: الخبر، والاستخبار، والأمر، والنهي فإن القصر هنا بوسيلة "إنما" يمثل أسلوبًا بلاغيًا قويًا يستعمل للتأكيد على أن النص محدد في وظائف معينة ضمن سياق معين التي تحصر الكلام في نوعين خبر واستخبار في البداية، ثم يُضاف إليها أمر ونهي بالعطف، مما يوسع القصر ليشمل هذه الأنواع الأربعة فقط، هذا الأسلوب يعزز وضوح المعنى ويفرض حصرًا منطقيًا على أنواع الكلام، مما يجعل النص منظمًا ومحددًا في دلالاته مع إشارة ضمنية إلى احتمال وجود وظائف أخرى سبب كونه قصرًا إضافيًا: الجملة تفيد أن النص أو الكلام الموصوف محصور على كونه خبرًا واستخبارًا وأمرًا ونهيًا، لكن هذا لا يعني حصره على هذه الوظائف فقط، فقد يكون للكلام وظائف أخرى خارج هذه الجملة، كأن يكون لغرض الشعر، أو التعليم، أو الوصف، وغيرها؛ لذا فالقصر هنا ليس مطلقًا بل نسبي، مقصور على هذه الوظائف في سياق معين، ونوع القصر(موصوف على صفة): فالقصر في هذا الموضع هو قصر موصوف على صفة، إذ إن "هو"(الموصوف) مقصور على خبر واستخبار وأمر ونهي(الصفات)، مما يدل على أن الكلام في هذا السياق محصور في هذه الوظائف الكلام قد يتعدى إلى وظائف أخرى غير تلك المذكورة(الخبر، الاستخبار، الأمر، النهي) ومن الصور البلاغية استخدام أسلوب الإيجاز، فهو " حذف زيادات الألفاظ"( ابن الأثير، د . ت، 255)(9) الذي يضفي على النص تركيزاً ووضوحاً.
ومن سياق التأليف البلاغية ما قاله الجرجاني في مقدمته "الاستفهام له صدر الكلام، وإن الصفة لا تتقدم على الموصوف إلا أن تزال عن الوصفية الى غيرها من الاحكام فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً او يستجيد نثراً " (الجرجاني، 1988، 4)(10)
في استرساله نلاحظ قصر الصفة(التقديم) على الموصوف(الموصوف) وابتدائه بالجملة الخبرية مستدعياً عدد من الموكدات منها(إن) فضلاً عن تقديم الجار والمجرور له، فهذا الاستعمال للأسلوب الخبري جاء خصيصة أسلوبية للمؤلف في حث المتلقي على الانتباه لأمر الاستفهام، ويعد من القصر الإضافي وتصدره فضلاً عن الصفة له موضع في رتبة الكلام لا تتقدم إلا عندما تنزع منها حالتها الخاصة الوصفية، وبهذا يجوز تقديمها على موصوف فالقصر جاء باستعمال اداة النفي فضلا عن الاستثناء، وهذا النوع مميز أكثر من غيره، واستعمل الكاتب في جملة(يستحسن شعراً –يستجيد نثراً) بنية المماثلة الاستعارية، جُعل الشعر مستحسَنًا ومحبوبًا كأنه كائن حي، وهذا يعطيه صفة المحبوبة وهي استعارة مكنية؛ إذ حُذف المُشَبَّه به وأُبقي على صفة من صفاته، وهي الاستحسان كما تعد جملة يستجيد نثراً يصور النثر بشي يقدر وهو أيضاً استعارة مكنية، إذ حذف المشبه به وابقى على شيء من لوازمه، وعند التأمل في كلمتي(شعراً ونثراً) نجد تضاد إيجابي بين الكلمتين أي بين نوعين أدبيين مختلفين في خصائصهم هو تضاد معنوي يسهم في تقديم الفكرة الأدبية بعمق فهو يدعو القارئ للتأمل في جماليات الأدب بوجهيه المختلفين ويجعله يشعر بقيمة كل منهما.
ويقول الكاتب "وما من تأليف إلا وقد تصفحت شینه و زینه، وعلمت غثه وسمينه، فلم أجد ما ينتفع به في ذلك إلا کتاب «الموازنة» لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي"( ابن الأثير، د . ت، 15)(9).
يتجلى أسلوب القصر حول احاطة المؤلف لشموليته بالمؤلفات التي كان الوصول إليها ميسوراً له، وهذا القصر غير حقيقي، ثم يستعمل الأسلوب ذاته مرة أخرى في تخصيص الفائدة في كتاب الموازنة، وهنا القصر إضافي فلا يمكن أن يكون القصر حقيقي فالآمدي وكتابه ينتفع به وبغيرة، ولكن ابن الأثير أراد إعطاء أفضليه لهذا الكتاب أو كانت الرؤية التي أعلن عنها المؤلف تمثل وجهة نظره الخاصة، ورأيه النقدي في الكتاب الذي أشار إليه، فالمزج الأسلوبي ظاهرة واضحة المعالم، في كلام المؤلف، كما نجد المؤلف يعتمد على الإيجاز بالحذف، هذا الإيجاز يوحي بأن الكاتب قام بعملية تقييم واسعة وشاملة لمختلف الكتب، ويعطي القارئ انطباعًا بكثرة الكتب التي اطلع عليها، مع التركيز على أن أفضل ما وجده هو "كتاب الموازنة"، مما يرفع من قيمة هذا الكتاب.
يوظف الشاعر الثنائيات الضدية توظيفاً دقيقاً ليعبر عن موقفه، فطرف الأول(الغث) يدل على الرديء، والطرف الثاني(السمين) يدل على الجيد، فالكاتب ربط بين( شينه وزينه)لإعطاء صورة جمالية تناسب نظرة الكاتب الذي يوحي بأن الكاتب لا يكتفي بالوصف السطحي، بل يتعمق في تفاصيل العمل الأدبي ليفرق بين ما يستحق القراءة وما لا يستحقها.
"ولا سبيل الى ذلك الا بمعرفة علم البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه اعجاز القران " (الحلي، 1982، 51) (11).
استعمل الكاتب أسلوب القصر من خلال النفي والاستثناء بأداة(لم) مع(إلا) ليعبر عن التأكيد والحصر، إذ نفى فعل الترك بعبارة(لم يدعوا) وأثبت بعد(إلا)، مما يعزز المعنى ويوحي بأن علماء الأمة لم يغفلوا عن توثيق أي صغيرة أو كبيرة، كما يُلاحظ التأكيد باستعمال عبارات التجانس مثل: "شاردة ولا واردة"، وهوتجانس صوتي يعمّق المعنى ويضيف شمولية، مما يشير إلى دقة وحرص العلماء في التصنيف، ويوحي بأن العمل غطى كل جانب، ويظهر كذلك أسلوب التقديم والتأخير بذكر "حركة التصنيف" أولاً، ما يمهّد للمتلقي تصور حجم اتساعها قبل الإتيان بأسلوب القصر في نهاية الجملة، إذ يدرك القارئ ضخامة العمل ثم يتأكد من شموليته بعبارة "لم يدعوا شاردة ولا واردة إلا قيدوها"، وتكثّفت اللغة في هذه العبارة بأسلوب مختصر من حيث الألفاظ والتراكيب، إذ يُحصر المعنى في فكرة واحدة تتمثل في عدم إغفال شيء، مما يجعل أسلوب القصر ذا تأثير قوي يُبرز دقة العلماء ويُعطي انطباعاً عن شمولية وتكامل جهدهم في فن التراجم، مما يعزز لدى القارئ إدراك عظمة هذا الجهد المبذول كما يضيف النص تجانس بين كلمة شاردة وواردة الذي يجعل اسلوب القصر اكثر توكيداً، وفي قول البلاغي (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله) (الدمشقي، د . ت، 7) (12).
استعمل التركيب "وأشهد أن لا إله إلا الله" يُظهر القصر باستعمال النفي والاستثناء. يعد هذا الأسلوب من أكثر الأساليب قوة في اللغة العربية لتأكيد المعنى، إذ ينفي كل إلهٍ سوى الله، وهذا النوع من القصر هو قصر حقيقي، فانطباق الكلام على واقع الأمر انطباق كامل ومطلق، فهذه الصفة تنتفي عن غيره - سبحانه وتعالى فهو المتفرد بالتوحيد، مالك الملك خالق الخلق
ومن الأساليب البلاغية يستعمل الكاتب الأسلوب الخبري فجملة(لا اله الا الله) جملة خبرية تبدأ بفعل(أشهد) وهي فعل مضارع تفيد الحاضر والمستقبل الذي يوحي بشهادة المتكلم واقتناعه وإيمانه، "وربما تظهر سرعة الامتثال في الفعل المضارع دون الأمر؛ باعتبار أن المضارع يدل على الحال بخلاف الأمر فإنه يدل على الاستقبال، ومن ثم تتحقق سرعة الامتثال في التعبير بالجملة الخبرية بدلاً من الجملة الإنشائية" (حسين، 1984، 269)(13)، كما وتكرار الفعل(أشهد) يعطي النص نغمة ايقاعية يعمل على تأكيد الشهادة مما يعكس الإيمان الراسخ، وتعد جملة(اشهد أن لا إله إلا الله) متوازية مع جملة الثانية(واشهد أن محمداً عبده ورسوله) نلاحظ أيضاً إلى التجانس الموسيقي بين(عبده ووحده) وهو من الجناس غير التام والسجع في نهاية الجملة(إله ورسوله)
"اتسعت حركة التصنيف اتساعاً كبيراً في دراسة الرجال وفي فن التراجم، فلم يدع أئمتنا شاردة ولا واردة إلا قيدوها" (الدمشقي، د . ت، 8)(12).
في هذا الاسترسال الكلامي نرى المؤلف يحاول توكيد قوله بأن علماء الأمة، قد احاطوا علماً بهذه الفنون وضعوا لها القواعد والقوانين، وهو يتوسل بوسيلة أسلوب القصر من أجل إثبات صفة العموم والشمول على عمل الأئمة الأعلام، وهو قصر إضافي فلا يمكن الاحاطة بكل شي، فهو من علم لله وحده – سبحانه (جمعة، 2008 ، 215)(14)، يتحقق أسلوب القصر باستعمال النفي والاستثناء، إذ نفي الكاتب فعل الترك أو الإهمال بـ(لم يدع) وأتى بأداة الاستثناء "إلا"، مما جعل الجملة تشير بوضوح إلى أن أئمتنا هم وحدهم من قيدوا كل صغيرة وكبيرة، ولكن المؤلف يعمد للإفادة من الخصائص التي يمنحها القصر، فتوظيفه جاء ميزة أسلوبية للمؤلف
وورد أسلوب الوصل بـ(الفاء العاطفة)، في الجملتين الخبريتين، إذ عطفت الجملة الخبرية الأولى(اتسعت حركة التصنيف) على الجملة الخبرية الثانية(لم يدع ائمتنا) يعبر عن نتيجة مترتبة على الحركة الواسعة للتصنيف
ويقول السبكي(ت773 هـ) "يا خيبة المطامع، ويحلف صادقا أنها لم تكن تكتب إلا بأطراف الأصابع، هنالك يعلم الطالب أنه أملى له فيما أملى عليه، وأنه في مهمه مهمل لا يجاب داعيه ولا يلتفت إليه" (السبكي، 2003، 23) (15)، إذ استعمل الكاتب أسلوب القصر عن طريق النفي بـ(لم) والاستثناء بـ(إلا) ينفي الكاتب الطريقة الأخرى للكتابة ويقصرها على الكتابة بالأطراف، فتركيز السبكي على أسلوب القصر الإضافي عن طريق قصر الصفة على الموصوف، فقصر الصفة تكتب بأطراف الأصابع على الموصوف وهو الكتابة للتأكيد على معاني المقصودة كالإخلاص في العمل وإظهار تهمش المجتمع للعلماء المخلصين، إذ يستعمل النداء لغرض تنبيه القارئ، لأنه يعبر عن حسرة واضحة على إضاعة الجهد في طلب المطامع التي لا تجلب نفعاً حقيقياً، إذ يعرف النداء بأنه" طلب الإجابة لأمر ما بحرف من حروف النداء ينوب مناب أدعو"( الميداني، 1996، 240)(16)، "فالبنية الندائية تتميز من بين الأساليب الطلبية بتأكيد بعد الانفتاح، فهو انفتاح وانتشار باتجاه العالم الخارجي والداخلي" (أبو ديب، 1979، 69)(17) كما يستعمل التكرار(أملي وأملي) التي تعد تجانساً صوتياً تاماً، أما(مهمة ومهمل) التي تعد تجانساً صوتياً ناقصاً، الاختلاف في الحرف الأخير(التاء واللام) فالتجانس الناقص هو "ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الأمور " (عتيق، د . ت، 205)(18).
النتائج التي وصل إليها البحث:
● أظهر البحث أن استخدام القصر في مقدمات الكتب البلاغية كان يتميز بدقة ووضوح، حيث يُبرز صفة أو فكرة مركزية مثل أهمية العلم أو الدقة في النقل.
● لاحظ الباحث أن أسلوب القصر لم يكن منعزلًا، بل كان دائمًا مقترنًا بأدوات أخرى مثل السجع والجناس، مما عزز قوة النصوص وجعلها أكثر جاذبية.
● أوضح البحث أن القصر كان يُستخدم لأغراض متعددة مثل الشرح، التوجيه، التأكيد، أو حتى الانتقاد، مما يعكس مرونة هذا الأسلوب البلاغي.
● كشف التحليل عن تطور استخدام أسلوب القصر بين القرنين الخامس والثامن الهجري، حيث ظهر اختلاف في أساليب القصر وأدواته حسب السياق الفكري والزمني.
الهوامش:
1. مقاييس اللغة، احمد بن فارس، تحقيق: عبدالسلام هارون: 5/ 96.
2. سورة الرحمن: 72.
3. البلاغة العالية(علم المعاني)، عبد المتعال الصعيدي، مراجعة وفهرسة: عبد الفتاح لاشين: ٤٨.
4. (البلاغة والتطبيق، د. أحمد مطلوب: ١٧٠.
5. مفتاح العلوم، سراج الملة والدين أبي يعقوب يوسف محمد بن علي السكاكي: ٥.
6. ينظر: جواهر البلاغة في (المعاني والبيان والبديع)، أحمد الهاشمي: 147.
7. أساليب القصر في القران الكريم وأسرارها البلاغية، د0صباح عبيد: 155.
8. دلائل الاعجاز، عبد القاهر الجرجاني: 4 .
9. مدخل إلى البلاغة العربية علم المعاني علم البيان علم البديع، يوسف مسلم أبو العدوس: 289.
10. ينظر: فن الجناس، علي الجندي: 3.
11. البديع في شعر شوقي، منير سلطان: ١٥٥.
12. دلائل الإعجاز: 6 .
13. ينظر: المصدر نفسه: 321.
14. ينظر: علم المعاني في الموروث البلاغي تأصيل وتقييم، حسن طبل: 153.
15. المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ضياء الدين ابن الاثير: 255.
16. أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، : 4.
17. المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر: 15.
18. شرح الكافية البديعية، صفي الدين الحلي: 51.
19. التبيان لبديعية البيان، ابن ناصر الدمشقي: 7.
20. فن البلاغة، عبد القادر حسين: 269.
21. التبيان لبديعة البيان، ابن ناصر الدمشقي: 8.
22. يُنظَرْ: اللغة في الدرس البلاغي، عدنان عبد الكريم جمعة: 215.
23. عروس الافراح في شرح تلخيص المفتاح، بهاء الدين السبكي: 23.
24. البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها، عبد الرحمن الميداني: 240.
25. جدلية الخفاء والتجلي، كمال أبو ديب: 69 .
26. علم البديع، عبد العزيز عتيق: 205.
References:
1.Maqāyīs al-Lughah (Measures of the Language), by Aḥmad ibn Fāris, edited by ʿAbd al-Salām Hārūn, Dār al-Fikr, Cairo, 1979.
2.Al-Balāghah al-ʿĀliyah (The Science of Maʿānī), by ʿAbd al-Mutaʿāl al-Ṣaʿīdī, with introduction and indexes by Dr. ʿAbd al-Qādir Ḥusayn, Maktabat al-Ādāb, 2nd ed., 1991.
3.Rhetoric and Application, by Dr. Aḥmad Maṭlūb and Dr. Ḥasan al-Baṣīr, Ministry of Higher Education and Scientific Research, 2nd ed., 1999.
4.Miftāḥ al-ʿUlūm (The Key to the Sciences), by Sirāj al-Dīn Abū Yaʿqūb Yūsuf ibn Muḥammad ibn ʿAlī al-Sakkākī, verified, annotated, and commented on by Naʿīm Zarzūr, Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah, Beirut, 1st ed., 1983.
5.Jawāhir al-Balāghah fī (al-Maʿānī wa al-Bayān wa al-Badīʿ), by Aḥmad al-Hāshimī, Dār Hindāwī, 1st ed., 1999.
6.Styles of Restriction in the Holy Qur’an and Their Rhetorical Secrets, by Dr. Ṣabāḥ ʿUbayd Darāz, Maṭbaʿat al-Amān, 1st ed., 1986.
7.Dalāʾil al-Iʿjāz (Proofs of Inimitability), by Imām Abū Bakr ʿAbd al-Qāhir al-Jurjānī (d. 471 AH), read and annotated by Maḥmūd Muḥammad Shākir, n.p., n.d.
8.The Science of Maʿānī in the Rhetorical Heritage: Foundation and Evaluation, by Ḥasan Ṭabl, Maktabat al-Īmān, al-Manṣūr, 2nd ed., 2004.
9.Al-Mathal al-Sāʾir fī Adab al-Kātib wa al-Shāʿir (The Flowing Parable in the ادب of the Writer and Poet), by Ḍiyāʾ al-Dīn Ibn al-Athīr, introduced and annotated by Dr. Aḥmad al-Ḥūfī and Dr. Badawī Ṭabānah, Dār Nahḍat Miṣr, Egypt, 2nd ed., n.d.
10.Asrār al-Balāghah fī ʿIlm al-Bayān (Secrets of Rhetoric in the Science of Bayān), by Imām ʿAbd al-Qāhir al-Jurjānī, annotated by Muḥammad Rashīd Riḍā, Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah, Beirut, 1st ed., 1988.
11.Sharḥ al-Kāfiyah al-Badīʿiyyah, by Ṣafī al-Dīn al-Ḥillī, edited by Nasīb Nashāwī, Dār Ṣādir, Beirut, 1st ed., 1982.
12.Al-Tibyān li-Badīʿiyyat al-Bayān, by Ibn Nāṣir al-Dimashqī, edited by Dr. ʿAbd al-Salām al-Shaykhalī et al., Dār al-Nawādir, 1st ed., n.d.
13.The Art of Rhetoric, by Dr. ʿAbd al-Qādir Ḥusayn, ʿĀlam al-Kutub, Cairo, 2nd ed., 1984.
14.Language in Rhetorical Studies, by ʿAdnān ʿAbd al-Karīm Jumʿah, Dār al-Sayyāb, Syria, 1st ed., n.d.
15.Arūs al-Afrāḥ fī Sharḥ Talkhīṣ al-Miftāḥ (The Bride of Joys: A Commentary on Talkhīṣ al-Miftāḥ), by Bahāʾ al-Dīn al-Subkī, edited by ʿAbd al-Ḥamīd Hindāwī, al-Maktabah al-ʿAṣriyyah, Sidon–Beirut, 1st ed., 2003.
16.Arabic Rhetoric: Its Foundations, Sciences, and Arts, by ʿAbd al-Raḥmān al-Maydānī, Dār al-Qalam, Damascus, 1st ed., 1996.
17.The Dialectic of Concealment and Manifestation: Structural Studies in Poetry, by Kamāl Abū Dīb, Dār al-ʿIlm lil-Malāyīn, Beirut, 1st ed., 1979.
18.The Science of Badīʿ, by ʿAbd al-ʿAzīz ʿAtīq, Dār al-Nahḍah al-ʿArabiyyah, Beirut, n.d.