|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
دلالة التقديم والتأخير في آيات قذف المحصنات
|
|
|
|
|
|
رغد خالد محمد جرجيس الخفاف
|
|
|
|
|
|
كلية التربية للعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية، جامعة الحمدانية، الموصل، العراق
|
|
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
|
Article history:
Received: 17 April 2025
Revised: 28 April 2025
Accepted: 31 May 2025
|
|
يعتبر قذف المحصنات من أكبر الكبائر لقول الرسول _ صلى الله عليه وسلم _: (اجتنبوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بالحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ) فقُرِن قذف المحصنة بالشرك والسحر وأكل الربا ، وقد وردت عقوبة قذف المحصنات في القرآن الكريم في أكثر من موضع وسنتكلم عنها بإذن الله ، وقد تمت الدراسة تحت مسمى ( أسلوب التقديم والتأخير في آيات قذف المحصنات) وهذا أسلوب بلاغي من علم المعاني ، وهو أسلوب ليس بالهين ، فلا يكفي أن نبيِّن مواضع التقديم والتأخير ولا يكفي أن نقول : أنه قدم للتخصيص أو الاهتمام ، وإنَّما وجب بيان لماذا كان هذا التخصيص أو الاهتمام ، كما قال الجرجاني عنه في دلائله : " هو بابٌ كثير الفوائد ، جمُّ المحاسن ، واسع التصرف ، بعيد الغاية ، لايزال يفتر لك عن بديعة ، ويفضي بك إلى لطيفة ، ولاتزال ترى شعراً يروقك مسمعه ، ويلطف لديك موقعه ، ثمَّ تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك ، أن قُدِّم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان "، ومن هنا جاء هذا البحث في مقدمة يعقبها تمهيد ثمَّ محاور مقسمة على أنواع التقديم والتأخير ( تقديم المسند ، تقديم متعلقات الفعل ، تقديم الضمير ) ثم خاتمة يعقبها أهم المصادر والمراجع ، في جميع آيات القذف كان الحدّ فيها الجلد وعدم قبول الشهادة، إلاّ في قذف الزوج لزوجته فالحدّ فيها لم يأتي جلداً ولا عدم قبول الشهادة، وإنّما جاء الحدّ أن يلعن الزوج نفسه إن كان كاذباً بعد أن يشهد أربع شهادات بالله أنه من الصادقين والخامسة أن عليه اللعنة أن كان كاذباً، وأن تلعن الزوجة نفسها كذلك، ثم يُفرّق بينهما للأبد ، وعلة ذلك أنَّ في نفوس الأزواج غيرة على زوجاتهم فلا يحتملون السكوت على مثل ذلك ، جميع الآيات الواردة في قذف المحصنات مبدوءة بالاسم الموصول (الذي) لكنّه مرة يأتي مسبوقاً بتوكيد وأخرى مسبوقاً بحرف عطف، وذلك مناسبة للسياق، وما دلالة الاسم الموصول (الذي) إلاّ لجماعة الذكور العقلاء، كما أنَّ جميع آيات القذف إسمية دلالة على الثبوت . ومن الله التوفيق.
الكلمات المفتاحية: التقديم والتأخير ، قذف المحصنات.
|
|
|
Keywords:
advancing and delaying - accusing chaste women of adultery.
|
|
|
Corresponding Author
Raghad Khaled Mohammed
[email protected]
|
|
|
|
|
|
|
DOI : https://doi.org/10.69513/jnfh.v4.i3.ar6 , ©Authors, 2026, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
The significance of the order of precedence and delay in the verses about accusing chaste women of adultery
R K Mohammed
Department of Arabic Language, College of Education for Humanities, University of Al-Hamdaniya, Mosul, Iraq
Abstract
Accusing chaste women of adultery is considered one of the greatest major sins, as the Messenger, may God bless him and grant him peace, said: “Avoid the seven great destructive sins.” They said: “O Messenger of God, what are they?” He said: “Associating partners with God, sorcery, killing a soul which God has forbidden except by right, consuming usury, consuming the wealth of an orphan, turning away on the day of battle, and slandering chaste, believing women who are unaware.” So slandering a chaste woman was linked to polytheism, sorcery, and consuming usury. The punishment for slandering chaste women has been mentioned in the Holy Qur’an in more than one place, and we will talk about it, God willing. The study was conducted under the title (The method of advancing and delaying in the verses of slandering chaste women), and this is a rhetorical method from the science of semantics. It is not an easy method. It is not enough to explain the places of presentation and delay, nor is it enough to say: it was presented for specialization or attention. Rather, it is necessary to explain why this specialization or attention was, as Al-Jurjani said about it in his evidence: It is a door full of many benefits, full of beauties, wide-ranging, far-reaching, it continues to reveal to you something beautiful, and leads you to something subtle, and you continue to see poetry that pleases you to hear, and is pleasant to you, then you look and find the reason why it pleases you and is pleasant to you, that something was presented in it and the wording was changed from one place to another. Hence, this research begins with an introduction followed by a preface, then axes divided into types of presentation and delay (presenting the predicate, presenting the verb’s dependents, presenting the pronoun), followed by a conclusion, then the most important sources and references. And success comes from God.
التمهيد:
التقديم والتأخير من الأساليب البلاغية التي تعنى بتراكيب الجمل وما يطرأ عليها ، وهذا التغيير يكون لاعتبارات بلاغية تعرف من السياق وقرائن الأحوال ، فبناء الجملة في العربية له تراكيب معروفة ، مثلاً : الجملة الفعلية تتكون من الفعل والفاعل والمفعول هكذا على الترتيب ، والجملة الاسمية تتكون من المبتدأ ثمَّ الخبر وهكذا ، ولكن الجملة قد تخرج عن هذا النمط التركيبي وذلك بأن تتبادل عناصر الجملة في مواقعها ، كأن يتقدم المفعول على الفاعل والخبر على المبتدأ وهكذا ، فيتقدم ما حقه التأخير ويتأخر ماحقه التقديم .
التقديم في اللغة: مصدر الفعل قَدَمَ يقدُمُ قِدَماً، وهو السبق في الأمر، والقِدَم ما تقدم على غيره (ابن منظور، 1300) (1) وعلى هذا المعنى أنَّ كل شيء قُدِّم أولاً فرتبته المقدمة، فالتقديم هو أول الشيء والتأخير عكسه، فالتقديم والتأخير يحملان معنى مضاداً، فأصحاب المعاجم يعرفون التقديم بأنَّه عكس التأخير وبالعكس.
أمّا في الاصطلاح: فلا يبتعد كثيراً عن المعنى اللغوي، والبلاغيون لم يضعوا تعريفاً جامعاً مانعاً لهذا الأسلوب، وإنَّما وصفوه وصفاً، مثل وصف الجرجاني المذكور آنفاً، وقد عدَّه ابن جني من شجاعة العربية، وإذا أتينا إلى المحدثين نرى أنَّ الدكتور أحمد مطلوب عرفه تعريفاً لا يبتعد كثيراً عن المعنى اللغوي، قال: " التقديم هو وضع الشيء أمام غيره، والتأخير نقيضه" (مطلوب، 2007 ) (2) ومن ثمَّ اكتفى بذكر كلام الزركشي وغيره عن هذا الأسلوب.
وهو من الأساليب التي يتبارى الأدباء في إظهار المواهب والقدرات فيها، وهو دلالة على تمكن الأديب في الفصاحة، وحسن التصرف في الكلام وتراكيبه ومواضع الألفاظ فيه على حسب ما يقتضي المعنى، وقد قسّم البلاغيون أسلوب التقديم والتأخير على قسمين:
القسم الأول: لا علاقة له بالبلاغة، بل لاعتبارات أخرى نوجزها بالآتي:
1) تقدم العلة على معلولها.
2) التقدم بالذات كتقدم الواحد على الاثنين وهكذا
3) التقدم بالشرف، كتقدم الأنبياء على الاتباع والعلماء على الجهال.
4) التقدم بالمكان، كتقدم الامام على المأموم.
5) التقدم بالزمان، كتقدم الشيخ على الشاب والأب على الابن.
ويأتي عدم اهتمام البلاغيون بهذا النوع من التقديم لأنها معروفة عقلاً فلا يقع فيها تفاوت أو تفنن في التعبير، أمَّا ما يهم البلاغيون فهو كما قال الجرجاني :" اعلم أنَّ تقديم الشيء على وجهين ، تقديم يقال أَنَّه على نية التأخير ، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه وفي جنسه الذي كان فيه ، كخبر المبتدأ إذا قدّمته على المبتدأ،
والمفعول إذا قدمته على الفاعل .... ، وتقديم لا على نية التأخير ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم وتجعل له باباً غير بابه وإعراباً غير إعرابه ، وذلك أن تجئ إلى اسمين يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبراً له ، فتقدم تارة هذا على ذلك ، وأخرى ذلك على هذا" (الجرجاني، 2007) (3)
القسم الثاني: هو ما حاز اهتمام البلاغيين قديماً وحديثاً، وقد قسمه البلاغيون على أقسام ثلاثة:
1) تقديم المسند إليه (المبتدأ) على المسند (الخبر)، وهو الأصل ولا مقتضى للعدول عنه، كتقديم الفاعل على المفعول في الجملة الفعلية، والمبتدأ على الخبر في الجملة الاسمية.
2) تقديم المسند (الخبر) على المسند إليه (المبتدأ)، وفيه التخصيص والتنبيه، ويفهم من السياق وقرائن الأحوال.
3) تقديم متعلقات الفعل، كتقديم المفعول على الفعل، والجار والمجرور والحال، وفيه الاختصاص والاهتمام، وكذلك يعرف من السياق وقرائن الأحوال.
وكل قسم من هذه الأقسام يقدَّم لأغراض بلاغية، تعطي حركة فكرية للقارئ، فيعمل فيها فكره بالبحث عن سبب هذا التقديم، وفي آيات قذف المحصنات ورد أسلوب التقديم والتأخير، وسنتكلم عن ذلك بالتفصيل كلٌ ضمن محوره.
مصطلح القذف والرمي في اللغة : "القاف والذال والفاء أصل يدل على الرمي والطرح ، يقال : قذفَ الشئ يقذفه قذفاً ، إذا رمى به "، أما الرمي : وهو نبذ الشئ(ابن فارس، 2008) (4)
القذف والرمي في الاصطلاح : هو الرمي بالزنا وبغيره ، والرمي : السب واستعير له اسم الرمي لأنه إذاية بالقول ، والقذف يوجب فيه الحد بالإجماع بين العلماء (القرطبي، 1964) (5)
الإحصانُ في اللغة : والمحصنة في اللغة من ( ح ص ن ) وهو الحفظ و الحِياطة والحِرز ، والمرأة المحصنة هي المتعففة الحاصنة فرجها (ابن فارس، 2008) (4)
الإحصان في الاصطلاح: من أحصنها الرجل إذا حفظها واستقل بها عن غيره، وهي التي تُحصِن نفسها عن غير زوجها، فهي من المنع (القرطبي، 1964) (5)
وقبل الدخول في الدراسة التطبيقية نبيّن أسباب نزول السورة التي ذكر فيها قذف المحصنات، وهي سورة النور، وهي سورة مدنية وسميت بهذا الاسم لأنَّه ذُكر فيها:ﭐ ]ﭐاللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[ النور: ٣٥ ، وهذه السورة نزلت متفرقة منجمة في مدة طويلة وألحق بعض آياتها ببعض ، وعدد آياتها إربع وستون آية .
مقصود السورة : ذكر أحكام العفاف والستر وأحكام معاشرة الرجال النساء وذكرت آداب الخلطة والزيارة ، وذكرت عقاب الذين يرمون المحصنات وحكم اللعان ، وأهم حدث فيها هو التعرض لبراءة أمنّا عائشة رضي الله عنها مما أرجفه عليها أهل النفاق وعقابهم هم والذين شاركوهم في الكلام ، والكثير من الاحكام التي تخص الزجر عن إشاعة الفواحش بين المسلمين (ابن عاشور، د.ت) (6)
المطلب الأول : التقديم والتأخير في قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :
قال تعالى:]ﭐإِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ[ النور: ١١ ، هذه الآية استئناف لما نزل من أول السورة ، والإفك : الكذب (ابن عاشور، د.ت) (6) وهو البهتان أي المبالغة بالكذب بحيث من شدة كذبه تتفاجأ به ، فلا تشعر به حتى يفجأك (الزمخشري، 2012) (7)، وجاء فعل المجيء مع الإفك دلالة على أنَّهم قصدوا هذا الكذب واهتموا به ، ولهذا عديَ بالباء للمصاحبة ، والفعل ( ﱃ) ومفرده ( جاء ) معناه القصد والاهتمام ومعناه الذي يأتي بخبر غريب يقال له : جاء بخبر كذا ، لأنَّ شأن الأخبار الغريبة أن تكون مع الوافدين من أسفار أو مبتعدين عن الحيّ ولهذا عُدّي بباء المصاحبة(ابن عاشور، د.ت) (6)، والآية بدأت بحرف التوكيد ( إنَّ ) أعقبها الاسم الموصول ( الذي ) ودلالته جماعة الذكور العقلاء ، وهذا التوكيد أفاد أنَّ الذي جاءوا به ما هو إلاّ كذب وافتراء ، والإفك هنا هو الذي اختلقه المنافقون وراج عند المنافقين ونفر من ضعاف المسلمين ، في حق سيدة من بيت النبوة وهي أم المؤمنين عائشة _ رضي الله عنها _ ، والقصة معروفة مشهورة بالتفاسير لمن أراد الاستزادة ، وهذه الآية الكريمة نزلت في تبرأة عائشة _ رضي الله عنها_ صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم ، والعصبة الجماعة ، ولا مفرد له من لفظه وهو من الثلاثة الى العشرة رجال ، وفيه دلالة الكثرة فكيف تواطؤا كلهم على الكذب ! وفيه بيان شدة كذبهم وخطأهم ، وهم جماعة تكلموا بهذا الافك وكان في مقدمتهم عبد الله بن ابي ابن سلول رأس المنافقين (ابن كثير، 2009) (8)، وقدَّم لفظ الشر على الخير هنا مناسبة للسياق ، فالسياق سياق إيناسٍ للرسول _ عليه الصلاة والسلام _ وأهل بيته ، (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ) وتأخير لفظ ( الخير ) لرجحان النفع والخير على جانب الشر ، فالبلاء النازل على الأولياء هو خير لأنَّ ضرره من الألم قليل في الدنيا وخيره الثواب الكثير في الآخرة ، فجاء هذا التقديم للتنبيه لعائشة وأهلها _ رضي الله عنهم _ جميعا إذ المقصود بالخطاب هنا هم(القرطبي، 1964) (5) ، وعدل عن أن يعطف ( خيراً ) على ( شراً ) بحرف ( بل ) إيثاراً للجملة الإسمية الدالة على الثبوت والدوام (ابن عاشور، د.ت) (6) ، وقوله : (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) والمقصود كل من تكلّم بالإفك ، ولم يُسَمَّ منهم غير حسان ومسطح وحمنة وعبد الله، (وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المقصود به حسان بن ثابت وقد كان من شأنه أنَّه عميَ ، وفيه قالت عائشة _ رضي الله عنها _ لعلّ العذاب العظيم الذي أوعده الله به ذهاب بصره ، وكان أن برأت عائشة _ رضي الله عنها _ حسان من أن يكون قد تكلم بهذا الأمر وقالت : إنَّه لم يقل شيئاً ، وقد أنكر حسان أن يكون قد قال شيئاً من ذلك ، وأبياته معروفة مشهورة في حق عائشة _ رضي الله عنها _ ، قال :
حصانٌ رزانٌ ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
خليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل
إلى نهاية الابيات، فالحصان العفيفة، والرزان ثبات ووقار وعفاف، ما تزن بريبة ما تتهم، غرثى جائعة والغوافل غافلة أي لا ترتع في أعراض الناس (القرطبي، 1964) (5)
المطلب الثاني: التقديم والتأخير في قذف المحصنة الأجنبية:
قال تعالى: ] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَﱠ[ كان في الجاهلية إذا وجدوا كلاماً بين رجل وإمراة فإنهم يقذفونها بالزنا ، وتقدم معنى الرمي والمحصنة ، ونجد اللمحة البلاغية في تقديم الاسم الموصول (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ) وهو لجماعة الذكور العقلاء ، وفي تقديم الاسم دلالة على الثبوت ، وجاء صلة الموصول فعل مضارع ( يرمون ) بصيغة التذكير متعدي الى مفعول بصيغة الإناث وهذا على الغالب مراعاة للقصة التي كانت سبب النزول ، ولا اعتداد بما يتوهم من إلصاق المعرّة بالمرأة إذا رميت بهذا الفعل الفاحش ( الزنا ) دون الرجل ، فجعل العار على المرأة في الزنا دون الرجل هو من فعل الجاهلية ولاوجود له في الاسلام إذ سوى الاسلام التحريم والحد والعقاب بين الرجل والمرأة ، بل الرجل أشد اعتداءاً بهذا الفعل من المرأة لأن في زنا الرجل ضياع نسب نسله فهو جانٍ على نفسه ، وتأتي بلاغة القول كذلك في حكم عدم قبول الشهادة من القاذف مستقبلا لأنه لما قذف بدون إثبات دلّ على تهاونه في الشهادة ، فكان حقيقا أن لا يؤخذ بشهادته ، ونجد التركيب في السياق بأن ذكر عدم قبول شهادة القاذف في المستقبل فقال : ( أبداً ) أي أبدا مستقبلاً فيما بقى من عمره لا تقبل شهادته ، ثم جاء الحصر بقوله : (وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَﱠ) للمبالغة في شناعة فسقهم حتى لكأنه من شدة فسقهم فإنَّ ما عداه من الفسق لا يعد فسقاً أمام شناعة عملهم هذا ، نجد التقديم هنا للاسم الموصول ( الذين ) وهو لجماعة الذكور العقلاء ، أما مفرده ( الذي ) يكون للعاقل وغير العاقل ، فقدمه هنا مناسبة لسياق الآية ، والمقصود جماعة الذكور العقلاء الذين يرمون المحصنات ، ولهذا قدمهم في السياق التركيبي ، ومجيء حرف العطف ( ثمَّ ) في هذا التركيب وهو حرف يفيد الترتيب بمهلة (المرادي، 2023) (9)، أو كما نقول: يفيد الترتيب والتراخي ، وبيَّن الله _ عزَّ وجل _ عاقبة إفكهم بقوله: ] ﭐفَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [ النور: ٤ ، يريد الله _ عزَّ وجل _ أن يربي البشرية على صون اللسان عن الأعراض ويبيّن لهم عقوبة من يرمي الناس بغير دليل وبغير وجه حق ، فبيَّن حكم القاذف واشترط عليه بشهداء أربعة لكي يتأكدوا من صحة قوله ، وما شرع الله هذا الحكم إلاّ لأهميته في صون الأعراض وحماية الأسرة ، فقد كانوا في الجاهلية يرمي بعضهم بعضاً بالزنا إذا رأوا بين الرجال والنساء كلاماً ، فهذه الآية نزلت في القاذفين ، وقيل أنَّ ابن أمية قذف امراته بشريك بن السحماء ، والقصة مذكورة في أسباب النزول لمن أراد الاستزادة ، فقدَّم هنا الجار والمجرور ( بأربعة شهداء ) تأكيداً لأهمية وجود الشهود وهو الدليل على صدق كلام القاذف ، وإذا لم يأتوا بهم فجزاءهم الجلد ، ثمانين جلدة ، وعدم قبول شهادتهم أبداً ، ثمَّ وصفهم الله بصفة الفسق ، بالتأكيد الحصر بالضمير ( وأولئك هم الفاسقون ) وفي الاستعمال القرآني قال : أولئك ، بياناً لبعدهم عن الله وعن الحق بسبب فعلهم هذا ، وكل ذلك مبالغة من شناعة فسقهم حتى كأنَّ ما عداه من الفسق لا يعد فسقاً (ابن عاشور، د.ت) (6) والله أعلم ، وقال في آية أخرى: ] إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ النور: ٢٣ ، فبدأت الآية الكريمة بالتوكيد بالحرف ( إنَّ ) وهذا تأكيداً لعقوبتهم ، فهذا الأمر لخطورته يستحق أشد العذاب ، ففي الآية السابقة كان عقابهم الجلد وعدم قبول شهادتهم إلى الأبد ، كما ثبت عليهم صفة الفسق ، وفي هذه الآية جاء عقابهم اللعن في الدنيا والآخرة ، ولهم من العذاب أعظمه ، أي : أشد وأعظم عذاب ، والله أعلم.
ونجد التقديم الرتبي في قوله : المحصنات الغافلات المؤمنات ، فقدَّم لفظ المحصنة لأنَّه الأصل في المرأة وهو العفة والحياء ، ثمّ ثنّى بالغافلة ، لأنَّ من كان شأنها العفة والحياء لا تلتفت لهكذا أمور فهنَّ سليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهنَّ دهاء ولا مكر لأنَّهن لم يجربن الأمور فلا يفطنَّ لما تفطن له المجربات العرافات ، وهذا كناية عن عدم وقوعهنَّ فيما رُمين به لأنَّ الذي يفعل الشيء لا يكون غافلاً عنه (الزمخشري، 2012) (7) ثم قال المؤمنات ، فالمؤمنة هي العفيفة الحيية ، وفي وصفهنَّ بالمؤمنات لتشنيع قذف الذين يقذفونهنَّ كذباً لأنَّ وصف الإيمان وازع لهنَّ عن الخنى، ثم عطف اللعن عليهم في الدنيا والآخرة ، واللعن في الدنيا التفسيق وسلب أهلية الشهادة واستيحاش المؤمنين منهم ، أما في الآخرة فالإبعاد من رحمة الله (ابن عاشور، د.ت) (6) ، والله أعلم .
المطلب الثالث: التقديم والتأخير في قذف الزوجة (الملاعنة) :
قال تعالى: ﭐ] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) [ النور: ٦- 7 ، جاء تقديم الاسم الموصول (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ) معطوفاً على ما قبله (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) إذ السياق بيان حدود القاذف وعقوبته ، فالاسم الموصول ( الذي ) لجماعة العقلاء من الذكور و جاءت صلته فعل مضارع ( يرمون ) والرمي هنا بمعنى القذف ، وفي تقديم الجملة الاسمية المتكونة من الاسم الموصول وصلته دلالة على ثبوت الحكم في القذف بينهما ، فالجملة الاسمية دلالتها الثبوت والدوام ، فالسياق يتكلم عن عقوبة من يقذف زوجته بدون دليل وهو تخصيص للعموم ، فإنَّ من المحصنات من هنَّ أزواج لمن يرميهنَّ(السامرائي، 2007) (10) ، وهنا اقتضت الملاعنة ، وهي أن يشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الصادقين والخامسة ان غضب الله عليه إن كان من الكاذبين ، والزوجة كذلك تشهد ، ويُفرّق بينهما تفرقة لا رجعة فيها ، والكلام في هذا يطول وهو مذكور في التفاسير لمن أراد الاستزادة .
الخاتمة
1) جميع لفظ المحصنات جاء على التعريف.
2) ورد لفظ المحصنات مقروناً بلفظ المؤمنات في موضعين، وهذا دلالة على أنَّ المؤمنة هي العفيفة المترفعة عن هكذا أمور.
3) وجاء لفظ المحصنات مقروناً بلفظ المؤمنات ويفصل بينهما حرف الخفض (مِن) في موضع واحد.
4) ورد لفظ المحصنات بدون لفظ المؤمنات في موضع واحد.
5) جاء لفظ المحصنات في سورة النساء والمائدة والنور، وجميع هذه السور تتكلم عن أحكام تخص النساء والأسرة كونها اللبنة الأولى للمجتمع، غير أنَّ لفظ القذف وأحكامه مذكور في سورة النور فقط وهو موضوع الدراسة.
6) جاء لفظ المحصنات والمقصود به النساء والرجال، ولكنه جاء للنساء أكثر لأن الآيات ذكرت في قصة أمية حين قذف امراته بشريك بن السحماء، كما أنَّ الآيات تتكلم في حُكم القاذف وعقوبته إن كان كاذباً، وتتكلم الآيات في أحكام الزواج من النساء الكتابيات، وما كنَّ بملك اليمين.
7) في جميع آيات القذف كان الحدّ فيها الجلد وعدم قبول الشهادة، إلاّ في قذف الزوج لزوجته فالحدّ فيها لم يأتي جلداً ولا عدم قبول الشهادة، وإنّما جاء الحدّ أن يلعن الزوج نفسه إن كان كاذباً بعد أن يشهد أربع شهادات بالله أنه من الصادقين والخامسة أن عليه اللعنة أن كان كاذباً، وأن تلعن الزوجة نفسها كذلك، ثم يُفرّق بينهما للأبد، وعلة ذلك أنَّ في نفوس الأزواج غيرة على زوجاتهم فلا يحتملون السكوت على مثل ذلك.
8) جميع الآيات الواردة في قذف المحصنات مبدوءة بالاسم الموصول (الذي) لكنّه مرة يأتي مسبوقاً بتوكيد وأخرى مسبوقاً بحرف عطف، وذلك مناسبة للسياق، وما دلالة الاسم الموصول (الذي) إلاّ لجماعة الذكور العقلاء، كما أنَّ جميع آيات القذف إسمية دلالة على الثبوت.
ملحق لآيات قذف المحصنات في القرآن الكريم
|
ت
|
رقم الآية
|
السورة
|
الآية الكريمة
|
|
1
|
4
|
النور
|
] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [
|
|
2
|
6_10
|
النور
|
]ﭐ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) [
|
|
3
|
11
|
النور
|
] إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [
|
|
4
|
23
|
النور
|
] إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) [
|
References
1- Ibn Manzur, Abu al-Fadl Jamal al-Din Muhammad ibn Mukarram. (1300). Lisan al-'Arab [The Arabic Tongue]. Dar Sader, Beirut.
2- Matlub. A.. Mu'jam al-Mustalahat al-Balaghiyyah wa Tatawwuruha [Dictionary of Rhetorical Terms and Their Development]. Maktabat Lubnan Nashirun, Beirut.2007.
3- Al-Jurjani Abd al-Qahir. Dala'il al-I'jaz fi 'Ilm al-Ma'ani [Proofs of Inimitability in the Science of Rhetoric]. Edited by Yasin al-Ayyubi. Al-Maktabah al-'Asriyyah, Beirut.2003.
4- Ibn Faris, Ahmad ibn Zakariyya. Maqayis al-Lughah [Measures of the Arabic Language]. Dar al-Hadith, Cairo. 2008.
5- Al-Qurtubi, Muhammad ibn Ahmad ibn Abi Bakr al-Ansari. Al-Jami' li Ahkam al-Qur'an [The Comprehensive Work on the Rulings of the Qur'an]. Edited by Ahmad al-Barduni & Ibrahim Atfaysh. Dar al-Kutub al-Misriyyah, Cairo. 1964.
6- Ibn Ashur, Muhammad al-Tahir. (n.d.). Al-Tahrir wa al-Tanwir: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir [The Liberation and Enlightenment: Qur'anic Exegesis]. Mu'assasat al-Tarikh, Beirut.