مدخل
شكل الزمن منذ القدم متنا خطيرا ومكونا فلسفيا وحضاريا في شواغل الإنسان, ولا سيما الذي يشتغل في الأدب والفن، فهو يمثل في مفهومه العصب الرئيس الذي تتمكن الحياة فيه من إتقان حركتها، وتنظيم مسيرتها، وتشكيل أنموذجها، لذا عسر تفسيره في مفهوم الأدب، حتى جاء القديس أوغسطين ليوضح ماهيّة الزمن إذ يقول " فما الوقت إذن ؟ إن لم يسألني أحد عنه أعرفه أما أن أشرحه فلا أستطيع ")ميرهوف, 1972، 20)(1). لذا كانت الإجابة معقولة في تجسيد الغموض الذي يحيط بماهية الزمن, وتحددت بفضله السمات الأساسية في الأعمال السردية التي لا تكتمل إلا به، ولا يمكن أن يستقيم ذلك العمل في ظل غياب الزمن, فهو الذي يجمع العناصر السردية كلّها, ولا يمكن أن يُكتبُ أيّ نص روائي من دونه, إذ تشترك العلامات الزمنية المبثوثة في النص مع العناصر السردية مؤثرا فيها ومنعكسا عليها, فالزمن حقيقة لا تظهر إلا بمفعولها على العناصر الأخرى. (قاسم 1984، 27). (2) فهو الذي يجمع عناصر الرواية جميعها، ولا توجد كتابه سردية من دونه مما يعود إلى مقولة أساسية هي إنّ إشكالية الأدب السردي عموما مردها إلى إشكالية زمنية؛( ريكور , 2006 95). (3) لذا يعد الزمن من الاشتراطات الفنية الرئيسة في السرد, إذ"يمنح الوحدات السردية طابع الكلية, والحرية والانسجام, ويصبح الزمن إنسانا بقدر ما يتم التعبير عنه من خلال طريقة السردية؛ لأن التداخل الزمني والتتابع يعطي تداخلا في تنظيم أصغر وحدات الجمل القصصية". (السعدون, 2012، 94-95). (4).
يعد الزمن من أهم العناصر وأدقها في البنية السردية ودلالاتها، وتتحدد بفضله السمات الأساسية للرواية، فلا يستقر العمل السردي على حال, ويمثل الزمن عنصرا أساسيا في بناء العمل السردي بعامة, وتعد الرواية فنا زمنيا بامتياز,(بو طيب, 1993، 22). (5) ومن أهم البنيويين الذين اهتموا بدراسة الزمن (تودوروف)، الذي يميّز بين الزمن الخاص بالعالم التخيلي هو زمن القصة, وزمن الكتابة أو السرد, ثم الزمن الأخير هو زمن قراءة النص, (القصراوي، 2004 ، 49). (6). وأعطى كثير من النقاد عنصر الزمن الأفضلية على المكان, لذا أُعتمد معيار الأفضلية على أن الزمن الروائي "هو الصورة المميزة لخبرتنا, إنّه أعمّ وأشمل من المسافة (المكان) لعلاقته بالعالم الداخلي للانطباعات والانفعالات والأفكار التي يمكن أن تضفي عليها نظاما مكانيا, والزمان كذلك معطى بصورة أكثر مباشرة, وأكثر حضورا من المكان, أو من أي مفهوم آخر" (أبو طالب، 2014، 190).(7).
يشكل الزمن العنصر الجوهري في الاشتغال النقدي على الأعمال السردية ولا سيما الروائية, فهو ليس عنصرا قائما بذاته، وإنما يتعالق مع باقي الخصائص الفنية للرواية, وتبرز طبيعة دراسته العلاقة القائمة للحكائية المسرودة بما فيها من زمن يتميز بتعدد الأبعاد, وبين الخطاب الذي تميزه إلى فضلا عن التغيير أو النمو والتحول, ويمكن تجسيد هذه العلاقة بين الزمنين بإبراز مدّة الرواية، وترتيب الأحداث فيها، ونظام تقطيعها, وبتحديد طبيعة الزمن المهيمن في النّص الروائي.
المبحث الأول :
علامة النسق الزمني
يكون للغة " الدور المهم في رسم الزمن من خلال دخولها في أنساق خاصة يصفها المؤلف برؤيته التي تنتمي الى العالم المتخيل في النص الادبي والتي تردها الاخرى في تسلسل ما متوقف في النهاية على بناء الجمل المتضمنة في العمل الادبي وسياقها وهو ما يشكل زمنا ماضيا خاصا بالعمل ويكون متعددا في اختزالية منظورية ويحوي تواصل زمنية معينة , وعندها
يتمكن الزمن وتملأ فواصله فأنه يظهر بوصفه كلا متعلقا على ذاته وله دينامية الخاصة" (جنداري, 2002، 77) . (8).
1- علامة النسق الزمني الصاعــــد
يشكل النص الزمني الصاعد الصراعات الداخلية في السرد؛ فهو بداية العقدة ادخال الصراعات الثانوية ذات الصلة , بما في ذلك العقبات المختلفة التي تعطل محاولات إبطاء الزمن ويتمثل الزمن الصاعد بأنه " يتوازى زمن الكتابة مع زمن الاحداث إذ تتتابع الاحداث كما تتتابع الجمل على الورق بشكل خطوط" (أبو ناصر، 1979، 88). (9)
من علامة النسق الزمني الصاعد قول الراوي:
"تساقطت الأيام القليلة التي قضيتها بين تلاميذ مدرسة أجميلة الابتدائية ومعلميها بهدوء, حيث أن التوجس المتعمد في بناء العلاقات الجديدة لوضعي الجديد أسفر بعد جهد لا بأس به من الملاحظات والاستفسارات والتعرف على بعض وجوه القرية وطبيعة العلاقات القائمة في القرية حصيلة محمودة من العلاقات والصداقات الحذرة والتي يفترض أنها في طور نمو, وبالتي استطعت أن أكون ابن المدينة العاقل والمؤدب القائم بواجبه التعليمي والأخلاقي كما ينبغي والذي يستحق الاحترام , وبناء على هذه المواصفات الفذة وكتقليد عشائري يتمز به وجهاء القرى لكسب جانب الموظفين الذين يعينون حديثا فقد وجه مختار القرية الدعوة لتناول العشاء في ديوانه الذي فوجئت به مختنقا بالرجال ودخان موقد القهوة والاحاديث المختلفة" (صالح، 2022، 19).(10).
تتجلى في النص السردي العلامة الزمنية (الأيام القليلة) تلك الأيام التي أمضتها الشخصية للمشاركة بالأحداث في قرية (اجميلة) فهي تشير إلى تسارع الإيقاع الزمني الذي وظّفه الروائي بتقانة (التلخيص) لكي يتجاوز ممكنات حكائية – ربما وجد لا ضرورة لها- وهو يسرّع من الوتيرة الزمنية للنص، فاختزل طقسا يتكرر في بداية كل سنة دراسية، ولا سيما في القرى، إذ (وجّه مختار القرية دعوة لتناول العشاء) بعد أن أسقط في داخله تلك الأيام القليلة التي عاشها مع تلاميذ تلك القرية بين (الأيام القليلة) و (دعوة العشاء), وخطط الراوي العليم في بناء حكايته، فهو الذي يعلم متى سيبدأها، وكيف ينهيها، فضلا عن معرفة ما في دواخل الشخصيات، ولم يكن الزمن فاعلا لولا هذه الحراك المؤثر في رسم الصورة الزمنية, ولم يكتفِ الروائي بهذا الحراك البسيط الذي يشكّل نسقا صاعد بسيطا، لذا يسارع في الأحداث، ويزيد من توترها، مما يجعلنا أمام أحداث متشابكة جديدة، تهيّئ القارئ للتفاعل معها، وتشخيص علاماتها بدقة:
من علامة النسق الزمني الصاعد قول الراوي:
" في هذه الغرفة وقفت في باب الغرفة مباعدا ما بين قدمي وموجها فوهة الرشاشة إلى الداخل المضاء. التفتوا جميعا باتجاه الباب وقد عقدت الدهشة على السنتهم فهبّوا فزعين من فوق اسرتهم مبحلقين عيونهم على اتساعها لا يدرون ماذا يفعلون سوى الحملقة المصعوقة في وجهي الذي اكتسى هذه اللحظة بطبقة سميكة وصلبة من الحقد والانتقام طبقة من الجفاف اليائس لا تمت للإنسان . الذي كانوا يعتقدون أنه أنا بصلة على الاطلاق . تبادلوا فيما بينهم نظرة خاطفة وقلقة ثم عادوا إلى التطلع المرعوب نحوي . ضغطت على الزناد فانبثقت على الفور دفعة نار منبثقة على الفور نار ثاقبة ومكتومة بصدى الغرفة والاجساد القريبة التي سرعان ما تعاقبت في السقوط المتلوي بين الاسرة أو متكئة على الجدران أو مكومة بأوضاع متألمة على الأرض المفروشة العسكرية ... في حين مضت بعض الايدي الملوحة بفزع تتشبث عبثا في الفراغ المضاء ..." (صالح، 2022، 106). (11).
يفتتح الراوي النص السردي بعنصر مكاني هو (الغرفة) وهذا المكان كما هو متعارف عليه مكان مغلق، واختاره لخلق لحظة زمنية حرجة، فلا تقاس بلحظات الزمن التي تمرّ سريعا، مما يقود القارئ إلى تشخيص الزمن النفسي الذي يضغط على الجالسين في تلك الغرفة (عقدت الدهشة على ألسنتهم، فهبّوا فزعين من فوق أسرّتهم مبحلقين عيونهم على اتساعها لا يدرون ماذا يفعلون سوى الحملقة المصعوقة في وجهه الذي اكتسى هذه اللحظة بطبقة سميكة وصلبة من الحقد والانتقام, وتشكل هذه العلامة الزمنية منعطفا حرجا في تقرير مصير هؤلاء الذين ينتظرون موتهم بمجرد لحظة الضغط على الزناد، وبدأ الشعور الغريزي الذي يتمثل بالخوف من الموت يتصاعد، ويقترب الاحساس بنهايتهم الحتمية، فهي لحظة فاجعة في مقاييس الطبيعة البشرية كلها، إذ يطرق الموت ابوابهم بعنف وشدة و ينفعلون جدا، ولكن لا فائدة، في لحظة إطلاق النار إذ تناثرت اجسادهم بين الأسرّة، وتكأت الاجساد على الجدران،وتكوّمت برعب على أرضية الغرفة، وتشكل العلامة الزمنية التي تجسّدت في هذه اللحظة بدورها فاصلا بين زمنين: زمن ثابت ومسترخي وصاغر لتقلبات الأحداث، وزمن متحوّل وقلق ومتمرد، ولم يتم هذا التحوّل إلا بعدما انبثقت على الفور دفعة نار، وتجرّدت العلامة الزمنية من واقعيتها المحصورة في بداية ونهاية، لتتحوّل إلى زمن نفسي يعبّر عن شعور إنساني لا قدرة للإنسان فيه على تجاوزه، هو الشعور الغريزي الذي صاغ لحظتها تقاطبات الحياة/ الموت قسوتها كلها، ، لذا وقع المحظور، وضرج الرصاص الأجساد بالدماء, وسارع الراوي من وتيرة الأحداث، ليدفع بالزمن الصاعد إلى أعلى الذروة.
من علامة النسق الزمني الصاعد قول الراوي:
" لقد دفع حياته هينا مقابل أن يفهم ماذا يدور حوله. ولماذا يدور هذا الشيء وليس غيره. كان يطرح على نفسه أسئلة صعبة وحين يعجز عن الإجابة يتحطم. وأنت الآن تريد أن تفهم كل شيء بدقائق. لماذا هذا التسرع ؟ ما زالت الحياة أمامك واسعة ومعقدة وممتلئة بالأسئلة التي تبحث عن أجوبة. أنت كاتب فاشل كما أرى. ولكنه كان كاتبا ناجحا ولم يكتب شيئا . اقلع عن الكتابة نهائيا وعاش الحياة كما هي بكل ثقلها ومرارتها . سأعطيك المفتاح فهل تستطيع أن توصل الطريق بنفس الأمانة حتى لو تحطمت أنت الآخر . أم يا ترى ستكون كالآخرين . تاجر كلمات لا تجيد سوى لغة التملق والربت على الكتوف؟" (صالح، 2022، 16). (12).
تمثلت العلامة الزمنية في النص السردي بالدقائق إذ اراد الراوي أن يرسم فيها شخصية تريد فهم كل شيء بسرعة، ولكن حاصرت الدقائق هذه الشخصية، وجعلتها في وضع لا يحسد عليه من لوم وتقريع لذاتها، كأنّ الرجل يريد أن ينقاد هذه (الدقائق) إلى زمن مفتوح، يتسع لفهم كثير من الأشياء، لذا يتساءل (لماذا هذا التسرع ؟ ما زالت الحياة أمامك واسعة ومعقدة وممتلئة بالأسئلة التي تبحث عن أجوبة) ويلوم ذاته على اتخاذ قرارات سريعة في زمن ضيّق جدّا، ولو فعل ذلك سيكون كاتبا فاشلا، وأراد الراوي من هذا الكلام، تجسيد الاستلاب القهري و تشخيصه و التمرد عليه في الوقت نفسه، ذلك الاستلاب الذي يقهر الراوي، ويحوله من راوٍ بمهارات عالية في رؤية الأشياء وتحريكها في الاتجاه الصحيح عند الضرورة، إلى مجرد (تاجر كلمات) لا يجيد سوى لغة التملق والنفاق، وتشكّل هذه العلامة في النهاية نسقا ثقافيا مضمرا في الثقافة العراقية أبان الحرب العراقية الإيرانية، لا يريد الراوي الاقتراب منه، فهو التزلّف والخضوع للسلطة آنذاك, لذا يضمر هذا الكلام بدلالته التحريضية، بالفعل الماضي الأول (اقلع) الذي يتعالق مع المعنى المجازي والزمني في الوقت نفسه، في حين تتأرجح الشخصية الموجه إليها الخطاب بين الآخر المخاطب المستتر، والذات الراوية نفسها، كأنها توجه الخطاب لذلك المستتر بوسيط يمكن أن يشكل إزاحة وتخطّيا لها على مستوى الشعر والحياة معا على مستوى الماضي والحاضر معا, ويكشف هذا الزمن بالفعل الثاني (عاش)، بدلالته الزمنية الخاطفة، عن فحوى هذه اللحظة الفارقة عما عداها من لحظات، لتأتي الأفعال المتداخلة (تستطيع، توصل، تحطّمت، ستكون، لا تجيد) وهي تحمل زمنها الخاص، للدلالة عن عدم الطمأنينة، وكل ما قاله هو صرخة احتجاج ضد المضمر الذي أشرنا إليه سابقا.
ننتقل إلى نص سردي رابع للدلالة على علامة النسق الزمن الصاعد، إذ يقول الراوي:
" نجح العصاة بعد مرور أكثر من سنة من الهجمات المركزة والخطيرة في فتح ثغرة بين سرية المدفعية الجبلية المتمركزة في قمة جبل حصاروست وبين مقر الكتيبة الخلفي . وبرغم الجهود الحثيثة والدعم المتواصل من قبل قيادة الفرقة لمعسكر القمة بالجنود المظليين وجنود القوات الخاصة والمغاوير المجهزين بأحدث أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة بالرغم العمليات الاقتحامية الجريئة التي أقامت بها هذه التشكلات الميدانية إلا أنّ العصاة ظلوا متمركزين في بعض القمم والسفوح الصخرية محتمين بالغابات والاشكفتات والوديان العميقة. مما جعل النيل منهم امرا مستحيلا. ومما زاد خطورة الوضع إسقاط طائرة عمودية. قيل أنها كانت تحمل ضابطا كبيرا من ضباط أركان الفيلق" (صالح، 2022، 29). (13)
لم تظهر العلامة الزمنية في هذا النص السردي بصورة علنية أو محددة كما النصوص الثلاثة السابقة، وإنما توجد علامة زمنية مضمرة في تجسيد الراوي (العمليات الانتقامية الجريئة), ويماثل الزمن هنا اللحظة الحرجة في النص الثاني التي تحليلنا للنسق الزمني الصاعد، فمازال يتمركز العصاة في أمكنتهم بانتظار القادم من الحرب، مما حدث فعلا، إذ تمكّنوا من إسقاط طائرة كانت تحمل ضابطا كبيرا وتتجاوز العلامة بالنسق الزمني الصاعد المعقول والمنطقي أمام الحدث الجسيم، وتشكيل بداية العقدة، والارتفاع بوتيرة الأحداث ولا سيّما عندما صوّر الراوي حالتين متضادتين، الأولى: مجموعة مسلّحة تتمتع بزمن متحرّك، وتستعد لالتقاط هدفها وهي تكمن في الكهوف ووراء الأشجار الكبيرة، والثانية: أكثر استعدادا للحرب، من حيث التجهيز والعدد، ولكنها تمارس طقوس الحرب بسكون عالٍ، مما شكّل مفارقة ملحوظة أودت بصاحبها إلى الهلاك, وتؤدي مفارقة السكون/ الحركة في هذا النص السردي دورا فاعلا في خلق لحظة حرجة إذ يمكن أن نستوعب فيها إحساس الفقد والحالة الثانية ، هي الاطمئنان في الحالة الأولى بتشكيل الرموز والدلالات في ظل هذه المفارقة التي نطالع فيها النسق الزمني الصاعد.
2- علامة النسق الزمني النازل:
في هذا النّسق " يعرض زمن الكتابة نهاية زمن الحكاية ثم يبدأ بالنزول تدريجا حتى يصل بنا إلى الأسفل " (أبو ناضر، 1979، 86). (9). ويتم رواية الحدث بوجهات متكررة كل بحسب وجهة نظره. (جنداري، 2000، 95). (14) إذ يعود فيه الراوي بذكرياته كلها التي مضت،(جبيلة، 2010، 105). (15) ويتجه الراوي إلى تجسيد الأحداث التي تؤدي إلى الحل بعد أنْ يصعّد من عنفوانها في بداياتها؛ لكي يوصلها إلى الذروة، ومن ثمّ يقوم باستدراج الحل بحسب مقتضى الحدث وتحقيقه؛ لذا يسعى الراوي في النص السردي إلى تجسيد ذلك, ويربط النسق الزمني النازل بالتاريخ والذاكرة إذ يقول:
" هي تاريخ هي نبض من وجود كل العلاقات الحية , هوية انتمائها المؤلم للتاريخ الإنساني المنهمر في الذاكرة كأنها الأمطار الغزيرة. ما زلت الشمس تطل كل صباح من الشرق, من وراء ظهور التلال المنحنية شرق النهر, عين متوهجة وساخنة تتسلق السماء ثم تنحدر وراء القلعة, تسقط بين فجوات الجبال الغربية وتغيب في ظلمة الصحراء الكالحة, وما زال الناس يتناسلون في عتمة الأكواخ الرطبة كما هو شأنهم من آلاف السنين , ونهر دجلة ما زال يواصل انثياله الأبدي مثل ثعبان مثقلة مخترقا كل الحواجز والأزمان واختلاف القناعات والقرى والمدن والتواريخ البائسة آتيا من شمال الوعي الإنساني قاصدا جنوبه. والحياة كما هي منذ أن وجدت على هذه الأرض المتعبة، أو بالأحرى منذ أن استباحت قدسيتها لسياط الأزلام وأحذية الجند وقوانين الطغاة تواصل متغيراتها المستجدة وانحرافاتها الصغيرة وكبواتها المتعاقبة المرعوبة ولكنها في الواقع باقية كما هي يهترئ جلد فتخلعه لترتدي جلدا غيره، تغير الوانها وتعابيرها ومفاهيمها كلما تغيرت صناعة السياط وعقب الأحذية الثقيلة ومفاهيم السفهاء حين يربضون على صدرها الثري كما تربض الكلاب على جسد الفطيسة" . (صالح، 2022، 8). (10).
يعمد الراوي في النص السردي إلى تجسيد ديمومة الزمن وتتابعه (ما زلت الشمس تطل كل صباح من الشرق) ثم يجمل كيفية العيش في تلك الأمكنة منذ (آلاف السنين) لينتقل إلى وصف حالة الاستلاب التي يعاني منها الإنسان في ظل القمع (سياط الأزلام و أحذية الجند وقوانين الطغاة), لذا حاول أن يحقق تناولا إنسانيا كثيف الدلالات، له ارتباطاته الزمنية والمكانية بالإنسان ولا سيما العربي، بمعاناة التعذيب والقمع، وامتداداته النفسية الغارقة في زمنية تاريخية، تخترق الذاكرة، فتلتقطها العين في فضاءات معينة، لترسم صورة ذلك الإنسان في أقسى حالات الاستلاب الكونية التي تحدث في الحياة لتغيّر جلدها كلما استبد بها طاغية لا يفهم سوى لغة القسوة بأية وسيلة كانت، فـ(يربضون على صدرها الثري كما تربض الكلاب على جسد الفطيسة), وتوحي العلامات الزمنية التي استطاع الراوي بثها في هذا النص، بدلالات تعوم في فضاء إنساني (كل صباح، آلاف السنين، التواريخ البائسة)، لتمثل النسق الزمني النازل في كثير من الحالات التي تخترق المكان والزمن لتؤجج زوايا الذاكرة ، وتختزل تفاصيل الحياة وهي تحمل دلالات الاستلاب وعلاماته الكثيرة، و توافق زمن الحكي في صيرورته وسرعته مع الزمن النفسي للراوي, ووفّر جلوس الشخصية وحيدة على مقربة من النهر واستماع الأصوات المتوالدة من هنا وهناك، ومراقبتها لكل حركة سواء أكانت حركه النهر وجريانه أو غيرها من معالم الطبيعة ولاسيما البيئة المناسبة كي تعيش أحلى نقلاتها التي جاءت على شكل موجات من الفرح النفسي الى ذهن الشخصية فتتعاقب الصور المتخيّلة تأسيسا على حالتها النفسية. (الجبوري، ،2000، 61-62). (16).
علامة من النسق الزمني النازل ما يقول الراوي:
" الصباح الدافئ أوضح بما لا يقبل الشك أنّ ثورة ناجحة قد حدثت وأن الحكومة الدكتاتورية الفردية المتسلطة على رقاب المواطنين وأذاقت الشعب أصناف العذاب والاضطهاد قد أطيح بها. وقد كشف المذياع عن الكثير من مساوئ النظام المقبور الذي يصافح الجماهير المناضلة بيد ويدس في اليد الأخرى سمّ المبادئ المزيفة والشعارات البراقة التي كانت تستورد من أخس مزابل التاريخ الاستعماري والصهيوني, التقدم _ كاستهلاك محلي _ لجماهير الشعب المخدوعة بقادتها الخونة عملاء الأجنبي والآن بدا عهد الرخاء والاستقرار السياسي وتعد الثورة الملايين المضطهدة بالحرية والمساوة والبناء الثوري الجاد والملتزم بمبدأ الانسان كهدف أساسي وليس غاية زائلة. وقد كشف المذياع أيضا عن الأسباب التي حدث بالشعب المضطهد المسلوب الإرادة أن يثور عن جلاديه ويحرر رقبته المغلولة من ربقة العبودية والاستغلال والتسلط وهدر الكرامة الإنسانية. وكانت الأناشيد الوطنية والموسيقى العسكرية وعبدالله النوري يسمعها بتكرار ممل وثقيل. كانت تصدح في المذياع صاخبة وعنيفة. وقد تأكدت لعبدالله حقيقة وجود مثل هذه الثورة حينما انزلت صورة الثورة الدكتاتورية السابقة وحلّت مكانها صورة الثورة الديمقراطية الاتية بإرادة الشعب. صورة هبطت من الجدار فاسحة المجال لصورة تأخذ مكانها. صورة أكبر حجما ومحفوفات بشعارات أكثر تماسكا والمع بريقا".(صالح، 2022، 112). (12)
يستمر الراوي في النص السردي ببث العلامات الزمنية بشكل محدد هذه المرّة (الصباح الدافئ، الآن) ليروي الحاضر المأساوي بتفاصيله كلها ، لتنظيم الحبكة وربط الأحداث بعضها بالبعض الاخر؛ إذ تتبع أهمية الحدث ودوره في صياغة الحبكة، وفي تلازم الأحداث وتشابكها على نحو يجعل بناء النص متوافقا مع رؤية الراوي أو الشخصية المشاركة في الأحداث, وتروى الأحداث السياسية والتاريخية التي أصابت المجتمع في الأساس، يرويها بشكل مطلق؛ لذا لا يمكن قراءة رواية(خراب العاشق) في أبعادها الإنسانية، ونحن نتغافل عن بعدها الزمني فيها, لذا يكون الزمن بين الحكم الدكتاتوري والثورة محسوسا على مستوى التكوين النصّي، ولكن يمكن تلمّس آثاره، ومعرفة تطوراته، بصور مختلفة لمراحل التحوّل التي تتعلق بمصير الإنسان، وتقلبات الحياة، والمتغيرات الطارئة على المجتمعات, ويؤدي تشخّيص الزمن المتقطع أو المتداخل في سرديات حمد صالح، من حيث الانساق التي مساراتها الصاعدة والنازلة على حدّ سواء، النازلة من زمن الحاضر إلى زمن الماضي، أو الصاعدة من زمن الحاضر إلى المستقبل؛ لذا يوظف الراوي الزمن النازل، فينقطع الزمن الماضي فجأة، ليسرد حدثا جديدا.
المبحث الثاني
علامة المفــارقة الزمــــنيــة
يجد جيرار جينيت أن دراسة الترتيب الزمني لحكاية ما يعني " مفارقة نظام ترتيب الأحداث أو المقاطع الزمنية في الخطاب السردي بنظام تتابع هذه الأحداث أو المقاطع الزمنية في الخطاب السردي بنظام تتابع الاحداث أو المقاطع الزمنية نفسها في القصة". (جينيت, 1997، 47). (17).
اذ يختلف ترتيب الاحداث والوقائع الحكائية زمنيا في الخطاب السردي , مما ينتج عنه ما يسمى بالمفارقة الزمنية. التي تشكل في السرد الروائي والقصصي أحدى العناصر التقنية الأساسية, ويُقيم بها الإبداع الفني, اذ ترتكز على العناصر المتباينة أو المتعاكسة جميعها, فهي تكسر نمط سردية الحدث الزمني المتسلسل للقصة والرواية , وتعمل المفارقة على إحداث عنصر التشويق والإثارة عند القارئ، إذ لا يكون الترتيب الزمني للشكل لروائي على أساس تعاقبه وتواليه, وانما على إحساسه الخاص به وترتيب ايقاعه في ذاكرته النفسية والفكرية, ويرتبط الزمن من حيث ترتيبه
بـ( الماضي و والمستقبل)، فليس الماضي سوى ذكرى، وليس المستقبل إلاّ تنبؤا (باشلار, 1986، 52). (18) لذا ينظم الراوي "نصه القصصي والقصصي ليس حسب تسلسل أحداث الحكاية وإنما بالاعتماد على تصور جمالي يجعله يتصرف في تنظيم هذه الاحداث في نطاق نصه " (المرزوقي و شاكر، 1985، 79). (19) فضلا عن اختياراته الفنية والدلالية.
يرتبط الزمن النفسي أو الزمن الداخلي بالذات الإنسانية فهو ينتج عن أحوال النفس ودوافعها؛ لذا "زمن القلب وما تشعر به الشخصية من أحاسيس وانفعالات، إنه زمن وجداني يحمل همسات النفس وأشجانها، إنه أصداء لما يجري في داخلها". (بو يجرة، 2001، 176). (20). وتطلعنا دراسة الترتيب الزمني على ما قام به الراوي من تصرف في أحداث السرد حتى نقلها إلى عمله الروائي والقصصي، ويمكن تحديد التداخلات التي تحدث السرد، بالاسترجاعات والاستباقات, ويعبر جيرار جينيت عن المفارقة بقوله: "ونحتفظ بمصطلح المفارقة الزمنية الذي هو مصطلح عام للدلالة على أشكال التنافر بين الترتيبين الزمنين" . (جينيت, 1997، 51).(17) ويتلاعب الزمن بسيرورة الأحداث, ليصل إلى فرض نفسه على الشخصيات حتى على الفضاء السردي، ليسيّرهم على وفق ما يريد.
يعمل تلاعب الكاتب في توظيف الزمن في السرد على ظهور مفارقات متعددة بين زمن الخطاب وزمن السرد, وقد تكون هذه المفارقات استرجاعا لأحداث قصة مضت, أو استباقا لأحداث لم تقع بعد، تبعا للتطور الفني الذي يختاره المؤلف في سردياته، للوصول إلى جمالية معينة بالاندهاش بهذه المفارقة.
1- العلامة الاسترجــاعية
يمثل الاسترجاع التقليدي القديم الذي " نشأ في الملاحم القديمة ,أنماط الحكي الكلاسيكي وتطور بتطورها ثم أنتقل بعها إلى الأعمال الروائية التي ظلت وفية لهذا التقليد السردي" . (بحراوي، 1990، 132- 121). (21) لذا يعد الاسترجاع من أكثر التقانات الزمنية حضورا ووضوحا في النص السردي, فهو مذكرة النص يتحايل فيه الكاتب على الزمن السردي, ويتوقف زمن السرد الحاضر, ويستدعي الماضي بمراحله جميعها, كي يعطيه وظيفة في زمن السرد الحاضر ـ"إنّ كل عودة للماضي تشكل بالنسبة للسرد استذكارا يقوم به لماضيه , ويحيلنا من خلاله إلى أحداث سابقة عن النقطة التي وصلتها القصة" (القصراوي، 2004 ، 49).(6) وعرفه جيرار جينيت بقوله " وندلّ بمصطلح استرجاع على كل ذكر لاحق لحدث سابق للنقطة التي نحن فيها من القصة". (القاضي، 2010، 16) (22) إذ يوقف الراوي بالاسترجاع تنامي الاحداث في الزمن الحاضر, ليعود إلى الماضي يسترجع بعض الاحداث التي وقعت فيه, مما يمنح الاسترجاع لأنه أداة سردية إمكانيات تعبيرية, تخرج السرد من مجرد عرض محايد لمجموعة من الأحداث, وتمنح المتلقي في الوقت ذاته رؤى مغايرة على مدار القراءة , فضلا عن ترسيخ مبدأ تكسير الزمن في مقابل استمرار الزمن الطبيعي. (عبيد، 2016،62). (23). وللاسترجاع أهمية كبيرة في النص الروائي وما يحققه من المقاصد والوظائف الدلالية والجمالية في النص, فهو تقانة زمنية تقوم على "استذكار حدث سابق للحد الزمني الذي بلغته العملية السردية , فالراوي هنا يترك مستوى النص الأول ليعود إلى بعض الأحداث الماضية ويرويها في لحظة لاحقة لحدوثها" ( قاسم 1984، 5) (2).
لحمد صالح رؤية تشاؤمية للحياة لذا تظل تواجه القمع والاضطهاد، ولكن تستمر الحياة على الرغم من شدّة قسوتها في التكييف والتغيير، فهي قادرة على أن تبقى كيانا مرنا قادرا على التحمل, إذ يتغير المظهر، وتتغير الألوان بحسب الظروف المحيطة، وتشير قدسية الحياة بوصفها المضمون الرئيس للنص إلى الطهارة والنقاء, ولم تتدنس هذه الحياة لولا استعمال (سياط الأزلام وأحذية الجند) ضد الإنسان بفرض القوانين الاستبدادية, مما يعكس الصراع بين الأصل النقي للحياة والقوة التي تحاول تشويهها، و تتمظهر علامات العنف والقمع التي غيّرت وشوّهت ما هو مقدس في الحياة، كما في النص السردي :
" والحياة كما هي منذ ان وجدت على هذه الأرض المتعبة. أو بالأحرى منذ استباحت قدسيتها سياط الازلام واحذية الجند وقوانين الطغاة. تواصل متغيراتها المستجّدة وانحرافاتها الصغيرة وكبواتها المتعاقبة المرعوبة. ولكنها في الواقع باقية كما هي. يهترئ جلد فتخلعه لترتدي جلدا غيره. تغيير ألوانها وتعابيرها ومفاهيمها كلما تغيرت صناعة السياط وعقب الأحذية الثقيلة ومفاهيم السفهاء حين يربضون على صدرها الثري كما تربض الكلاب على جسد الفطيسة, لكنها باقية محافظة على ذات النّكهة الفريدة تبحث في الوجوه المهذبة (صالح، 2022، 8).(10).
لم يكن ما استرجعه الراوي في هذا النص السردي ظاهرا للعيان بقدر ما هو داخلي، وتجسّد في جملة (الحياة منذ أن وجدت)؛ فما زالت الحياة منذ الماضي إلى حاضرنا هذا (تستباح قدسيتها), وتبرز في هذا النص مجموعة من العلامات القوية المترابطة لتصوّر الحياة كيانا مرنا ومتجددا قادرا على الصمود على الرغم من أشكال القمع والانتهازية بوصفها.
تعبر العلامات الواردة في هذا النص السردي الصراع بين (التقديس/ التدنيس, الثبات/ التغيير, الإثارة/ الانتهازية) لتعرية القمع الذي يمارس بالـ( سياط) و(الأحذية) التي ترمز إلى العنف المستمر على مرّ العصور لإخضاع الشعوب السلطة وقيامها بالعنف، وتتعاضد المفارقتان في التشكيل البنائي لهذا النص، المفارقة الزمنية التي تجسّدت في إحضار الماضي، والمفارقة الدلالية التي تجسّدت في التضاد بين تقديس الحياة، وتدنيسها.
تبرز (سلمى) بوصفها علامة مؤثرة فهي رمز للأرض المستلبة وصورة لقضية وطن, إذ يتم استثناؤها من اللقب التقليدي (عمتي) مما يوحي بعلاقة مختلفة معه, علاقة اجتماعية معقدة, ويبرز دور العم الذي يتمتع بالدهاء والحنكة إذ تضفي الأسماء والألقاب إعطاء مدلولات, وتكشف الاستثناءات والتباينات في الألقاب عن العلاقات الخاصة والفردية داخل الأسرة إذ يقول الراوي:
" كل نساء عمي وحتى المطلقات منهن اناديهن (عمتي) باستثناء سلمى فهي تزرع فيّ من الصغر بحيث استكثر عليها مثل هذا النّعت , فلو أنّها لم تكن زوجة عمي لكانت قطعا الآن تلعب معنا الطفيرة في طرقات القرية, كسبها عمي بمقايضة خارقة الدهاء. وعمي بالأصل انسان داهية علمته مهنته كملاّك وصاحب أراض وثري فنون لا يسبر غورها في التعامل مع الآخرين. منح قطعة أرض لفلاح تخنقه الحاجة ثم تسليفه اثمان الحبوب والبذور التي ستزرع في الأرض. فتح حسابا له في دكان القرية " (صالح، 2022، 11). (11).
جاء الاسترجاع في النص السردي في تشكيلين سرديين متناقضين وقصيرين جدا: الأول المرأة الريفية الكادحة ومكانتها المهمة في تشكيل المرجعيات الاجتماعية، بوصفها علامة النقاء الملتزمة بقيم وعادات مجتمعية متوارثة أصيلة تمنح شخصيتها طابعا إنسانيا رفيعا وتكون رمزا للوطن المستلب، إذ تجسد المرأة في الرواية حضورها الإنساني بتداخلها مع الأرض كي تكون رمزا للعطاء والخصب على الرغم من الزمن الذي جعلها ملكا للإقطاعي, والثاني الإقطاعي الذي يمارس الدهاء والحيل للاستيلاء على قوت الناس، وأخذ ما يشتهي من نسائهم، مما حدث مع (سلمى) التي (كسبها عمي بمقايضة خارقة الدهاء).
يصوّر النص السردي الحالة التي كانت تعيشها المجتمعات الريفية في ظل نهاية العهد العثماني، إذ اشتبكت فيه مفارقات متعددة، أسست البناء السردي له، هي: مفارقة الماضي الحاضر، المرأة/ الرجل، الثراء/ الفقر وغيرها. لذا اشتبك التاريخ بالحياة اليومية للناس في ذلك الزمن، فعمد الروائي إلى إعطاء هذه المفارقات بوصفها علامات للكشف عن هيكل اجتماعي صارم يعتمد على التقاليد البطريركية، فضلا عن تمظهر أهمية الأرض وما يتعلق بها في بناء العلاقات الإنسانية وتحديدها في ذلك المجتمع.
يعبر النص السردي عن حالة نفسية معقدة مملوءة بالعنف (الأحذية التي تركل) فقدان الأمل (الشموس الساقطة), القسوة (الأرض الترابية الساخنة), والهشاشة (الجدران الطينية), وتعبر هذه العلامات كلها عن الاضطراب الداخلي ومعاناته لذا يسترجع الراوي الذاكرة ليعبر عن الوجع والقسوة:
" حينها تداخلت في ذهني معالم العديد من الأشياء الغريبة احذية تركلني في عنف , وشموس منطفئة تتوالى في السقوط , وارض ترابية ساخنة تميد بي , وجدران من الطين تتأرجح في الفضاء فأنساب مع مرور الأشياء حولي باستسلام عاجز ومقهور مجروفا بتيار هذا الدوران الجنوني. أستدير حول نفسي كمصراع منفلت بأقصى قواه مواصلا الدوران ضمن هذه السورة العاتية الهث بيأسي في لجة تيار عنيف لا يكف عن الدوران .." (صالح، 2022، 52). (11).
تهيمن علامات الاسترجاع في النص السردي لما لها علاقة بالماضي (تداخلت في ذهني معالم لعديد من الأشياء الغريبة)، وجعلت هذه العلاقة الترابطية بين الماضي والحاضر تسترجع الأحذية التي تركله في عنف، والشموس التي تساقطت، ويعبر كلاهما عن الترابط الحي بين الفقد والأمل وهو يتذكّر (الأرض والجدران) اللذين يعكسان البيئة القاسية والهشة, وتتفاعل العلامات بعضها مع البعض الآخر لتكوين صورة متكاملة للفوضى وعدم الاستقرار فضلا عن الدوران المستمر في ربط هذه العلامات كلها ليعزز الشعور العام بالعجز واليأس؛ لذا عمد الراوي إلى كيفية تشابك هذه العلامات بعضها مع البعض الآخر؛ لإضفاء دلالات أكثر عمقا في هذا الاسترجاع مما يعبّر عن حالة نفسية معقدة مليئة بالعنف, والفوضى, واليأس, والضياع وفقدان السيطرة , سواء نتجت عن ظروف اجتماعية أو نفسية، يصل إليها القارئ.
يعكس النص السردي الآتي لحظة هروب مفعمة بالتوتر والرهبة ,إذ يحاول الهارب الابتعاد عن خطر محدق ويسترجع ذلك إذ يقول الرواي:
" انطلقت اعدو بسرعة محتميا في الجدران والأماكن المظلمة بخطوط متعرجة متحاشيا نقاط حراسة المعسكر إلى أن تجاوزت الاسلاك الشائكة بسلام حينئذ آمنت أنني حقا تمكنت من الهروب . لكن إلى أين ؟ ركضت بأقصى ما استطيع من سرعة في جوف الظلام باتجاه الجبل بعيدا عن الأضواء وحركة عودة الجنود إلى المعسكر. ركضت مغالبا ضعفي ولهاثي وتدني عزيمتي التي أوشكت على الانهيار" (صالح، 2022، 106).(11).
يعد الركض بسرعة الرغبة الشديدة في التحرر والانعتاق من الأسر والقيود ( السرعة) على الخوف والرغبة في الهروب من تهديد مباشر(الأمكنة المظلمة , الجدران) التي تعبر عن الأمان على العكس من المعتاد من الليل الذي يلتحف الخوف به، ويمثل الظلام علامة لبحث الداخل عن الذات والهوية بعيدا عن العوامل الخارجية, للدلالة على الحدود النفسية التي يتمسك بها للحفاظ على ذاته في المواجهات وتحيل ( الاسلاك الشائكة) إلى القيود والعقبات, ويمثل الجبل علامة الصراع أو هدفا ساميا للحرية والاستقرار, ويعبر الراوي عن رحلة إنسانية معقدة نحو التحرر والانعتاق مليئة بالتحديات النفسية والجسدية, إذ يجسد هذا كله في مراجعته لداخله التي لم تأت لولا الذاكرة التي عملت على استرجاع مما يجعل الدلالات تنتج عن عمق العلامات التي وصف بها تجربته في الهروب والتحرر على وفق الاسترجاع المضمر للبوح بكل ما قاله عن لحظة الهروب التي أتت بالفعل الحاضر، ولكنها لحظات ماضية، عانى منها، فضغطت على ذاكرته بقوة.
يشير الاسترجاع إلى الإمام المهدي في الثقافة الإسلامية, فهو الشخصية الموعودة التي ستملأ الأرض عدلا بعد أن مُلأت جورا وظلما. وتمثل علامة المنتظر الأمل في العدالة والإصلاح، إذ يقول الراوي :
" ولكن امامنا المنتظر ابن الاميرة البيزنطية ( نرجس) تأخر كثيرا في إيفاء الوعد . بل بالغ في التأخير فلم تمتلئ هذه الأرض الكئيبة قسطا وعدلا , إنما ظلت متطامنه على أوجاعها فريسة الظلم والجور والاضطهاد والاجتهادات الجائرة . أأطمئن النفس _ مثل الاخرين_ بأنها مجرد عاصفة هوجاء قائمة وستمر مجرد مرحلة زمنية مظلمة اجتاحت هذه الأرض الطيبة مثل سنين القحط " (صالح، 2022، 9). (13)
تمثل(نرجس) والدة الإمام المهدي الشخصية النبيلة والنقية التي تحمل بذرة الخلاص, ويضيف الراوي عند ذكر الأميرة البيزنطية بعدا تاريخيا وثقافيا يشير إلى التراث والقداسة التي تربط مع أصل المنقذ المنتظر؛ مما يساعد في تعزيز الأمل لدى المنتظرين بعودة الإمام المهدي على الرغم من تأخيره، ويعزز الاسترجاع تشبيه(سنين القحط) على فكرة أن الصعوبات الحالية ليست دائمة، ويمكن أن تكون جزءا من دورة زمنية ستنتهي؛ لذا يقدم الاسترجاع صورة تجمع بين الواقع المرير والأمل المستقبلي، فهو يستحضر رموزا قوية من التراثين الديني والثقافي, وتعكس الأرض الكئيبة والعواصف الحالة النفسية والاجتماعية للناس في وجه الظلم، فيعمد الراوي إلى الموازنة بين نقد الواقع والسعي إلى تحقيق التغيير القادم, ويعبر هذا التوازن عن عمق التجربة الإنسانية في مواجهة الصعوبات التي تحيط بالإنسان، فيدعو القارئ إلى التفاؤل والأمل وهو يسترجع مرحلة زمنية مظلمة استرجاعا داخليا، فهي مرحلة اجتاحت الأرض الطيبة مثل سنين القحط التي ظلّلت عالقة في ذاكرته، لذا ذكر الراوي هذا الحدث ضمن الأحداث التي شكّلت بنية الحدث في هذه الرواية.
يتعامل الراوي في النص السردي بشكل عميق مع موضوعات الحياة والموت والفقدان, مما يدفع القارئ إلى التفكير في معنى الوجود والتعامل مع التحديات والمصاعب بشكل فلسفي، يدعوه إلى التأمل في الحياة وإشكالاتها لذا يقول:
" مجرد قبر ضائع وعادي في مقبرة عمومية. تضع فوقه باقة ورد حمراء بلون الدم وزجاجة خمر مملوءة, ثم تقف قليلا جامدة, محنطة. كتلة مستطيلة من السواد الحالك, وتقبّل النصيبة الآجرية الامامية وتغادر المقبرة بمرور الوقت ". (صالح، 2022، 11).(13).
يأتي الاسترجاع من المخزون الذاكراتي الذي استطاع أن يخزن هذه الصورة المؤثرة، ويدل القبر على عدم الوعي والغموض الذي نواجهه في الحياة, ويمثل الانتقال من حالة الوعي الحالية إلى حالة جديدة من الوجود بعد الموت, ويرمز (الخمر) إلى الهروب من الحزن أو المحنة. ويتجسد العمق في الصورة الباقة الوردية الحمراء ويمثل لون الدم علامة للحب والجمال ، وتظهر الباقة فوق القبر تناقضا بين الحب والجمال, مما يعزز فكرة الحزن والفقدان، ويدل السواد الحالك على الحزن, وهي تغادر المقبرة بمرور الزمن مما يمثل استمرارية الحياة والانتقال من مرحلة الحزن إلى أخرى, ليؤكد الراوي بذلك دور الزمن في التآلف مع الفقدان والتغلب عليه.
تكمن رؤية الكاتب في النص السردي للسجن الذي يمثّل النظام أو السلطة، وتمثل الصحراء مرحلة انتقالية، إذ يخوض الفرد تجاربه ويواجه تحدياته فيها ويمكنها أن تمثل الفراغ الذي يحتاج الفرد إلى ملء حياته بمعان وغايات جديدة أيضا, وتمثل الجزيرة المريعة العزلة والانعزال، في حين تمثل الرمال الجامدة والشمس الحارقة التحديات الصعبة التي يجب التغلب عليها إذ يقول الراوي :
" استعدت حادثة هروبي من أحد السجون الصحراوية المنيعة التي لم يهرب منها أحد من قبل . غافلت الشرطة وتسلقت السور الصخري القديم . تحديتهم جميعا واقتحمت النهاية التي يتوقعها كل من تسوّل له نفسه بالهروب . لم يكن حراس السجن ليشددوا من حراستهم علينا على اعتبار أن كل من يهرب من السجن سيضيع في صحراء قاحلة, ... وحينئذٍ لا يكون أمام السجين سوى العودة الذليلة ولكنني لم أعد ... قبلت تحدي الصحراء الصعب وواصلت العوم المتعب في رمال الجزيرة المريعة وتحت شمسها الحامية متعقبا أثار جمال تختفي تارة وتظهر تارة أخرى بين كثبان الرمال" (صالح، 2022، 6).(24).
جاء الاسترجاع باستعادة حادثة الهروب من السجن (استعدت حادثة هروبي من أحد السجون الصحراوية المنيعة التي لم يهرب منها أحد من قبل), وأراد الراوي على لسان أحدى الشخصيات أن يجيء بعلامة (الجمال) ليعطي دلالة على الصمود والقوة والثبات, وقدرة الإنسان على التحمل والتغلب على الصعوبات, ويشكّل هذا الاسترجاع تركيبا سيميائيا، يعكس رحلة الإنسان نحو الحرية والخلاص من بطش السلطة ولم تنسَ ذاكرة هذه الشخصية تلك الصعوبات التي لاقتها وهي تتحدى الصحراء والرمال للحصول على الحرية، فضغطت على ذاكرتها لتعيد هذا الحدث الجزئي بشكل تلقائي.
2- العلامة الاستباقية:
يمثل الاستباق الصورة الثانية من صور المفارقات الزمنية ويتمثل بـ"القفز على فترة معينة من زمن الرّواية وتجاوز النقطة التي وصلها الخطاب لاستباق مستقبل الأحداث و التطلع إلى ما يحصل ". (بحراوي، 1990، 132- 133). (20).
ويبدو استباق الأحداث التي ستقع في المستقبل للوهلة الأولى بعيدا عن العقل لأن الاحداث لم تقع بعد ولا يوجد تحديد بأنها ستقع لاحقا لذا يمثل الاستشراف شكلا من أشكال الانتظار أو التطلع (بحراوي، 1990، 133). (20) ويؤدي الاستباق دور الاخبار لأنه يجعل القارئ منتظرا. ليعبر الراوي عن المستقبل بتوقعات أو تخطيط بعض الشخص يأت لما سيقع أو ستفعله في ضوء المواقف التي تتخطّاها. فإذا كان الاسترجاع "يتعلق بارتداد إلى الماضي، فإن الاستباق يتعلّق باستشراف المستقبل، إذ تُذكر فيه الأحداث قبل الزمن الذي يفترض أنها ستقع فيه، أي هو "حكي شيء قبل وقوعه" (يقطين، 1986، 77). (25). والاستباق تقنية سردية تعكس ما يختلج في نفس الشخصية أو الراوي من خوف أو أمل أو تطلّع أو هدف أو أمنية أو توقع أو حلم أو رغبة للتعبّير عن تطلعات مستقبلية بالمقارنة مع الحاضر.
يختار حمد صالح علامات متعددة للتعبير عن الحالات النفسية للشخصيات المضطربة في رواياته وقصصه سواء أكانت تعتاد على الروتين اليومي وهي مزدحمة بالخوف والقلق من المستقبل أو المتمردة التي تسعى إلى التغيير والاختلاف لذا يقول الراوي:
" سيدي, وأنت ..ما الذي ستفعله؟
تلعثمت وانا أحاول الرد بصلابة , ربما لأني لم افكر بالذي سأفعله, على الأرجح أني لن افعل شيئا على الاطلاق , وهذا عائد إلى كون شيئا هنا وفي ظل هذا الظرف الاستثنائي لا يمكن فعله , رفعت كتفي بيأس وضربت الثلج بقدمي مدمدما
- لا شيء , سأموت وحدي ... هذا كل الذي استطيع أن افعله. أحسست أن لهجتي كانت عاطفية أكثر من اللازم, ولهذا تظاهرت مجددا بالصلابة وأضفت:
قلت لكم سأبقى هنا, أمّا أنتم فأحرار" (صالح، 2022، 108). (11).
يكشف النص السردي عن ظرف استثنائي (الحرب) إذ يكثّف بالحوار علامات الاستباق التي جاءت بإدخال حرف السين على الفعل، واستعمال (لن) التي تفيد النفي والاستقبال، (سأفعل، لن أفعل، سأموت، سأبقى) لذا يتحتم في هذا الظرف على (العسكري) أيّا كان موقعه أن يرفض الهروب، ويلتزم بالأوامر العسكرية الأوقات كلها، لأنها أحدى قوانين المواطنة أو ممكناتها المقبولة كحد أدنى في الحروب. ولا يدري هذا الجندي الذي سُئل (ماذا ستفعل) حقا ما سيقعل، لأنه لم يفكر بذلك، ولم يخطر على باله الهروب، لذا سيعرّض حياته للخطر بإرادته، وسيعصف الموت بوجوده (سأموت) لأنه قال لمحاوره (سأبقى) ,ويشكل هذا البقاء حتى الموت صرخة احتجاج أطلقها وهو يفضح لسان الحرب وتمهد مجموع هذه الاستباقات الزمنية لأحداث لاحقة؛ بالتوقع والاحتمال إذ يقول الراوي.
" ما لنا نحن وهذه المناحة . تعال نلعب
فلنذهب إلى غرفة سلمى لنلعب الدامة أو نفكر معا في أنجح الوسائل للغش في امتحانات الدين والتاريخ , أو نرسم على الأرض وجوه زوجاتنا الجميلات اللواتي سنتزوجهن حينما نصبح رجالا نعتمر الكوفية والعقال ونرتدي عباءات الجوخ الثمينة, وكنت باستمرار أرسم وجها واحدا لا أجيد رسم غيره . وجه مشوه وغير متجانس أخطه بعود ثقاب أو بنواة تمر وأكتب تحته اسم سلمى بخط ركيك وأسأل عادل بفخر
أليست زوجتي جميلة ؟
وحين يتملّى الرسم بإمعان يلوي بوزه بلا اهتمام ويهز كتفيه المضمومتين ويقول متعمدا إغاظتي
إنها لا تشبه سلمى". (صالح، 2022، 10). (11).
يسعى الراوي في هذا الاستباق إلى توطين أمنية في نفسه، تراود كل مراهق لكي يحقق أحلامه الريفية في الزواج من ابنة عمه أو خاله أو إحدى قريباته (نرسم على الأرض وجوه زوجاتنا الجميلات اللواتي سنتزوجهن حينما نصبح رجالا نعتمر الكوفية والعقال ونرتدي عباءات الجوخ الثمينة), ويشكل هذا الاستباق علامة قارة في المجتمع الريفي، وغالبا ما يكون زواجا مبكرا في ظل تدني المستوى الثقافي والتعليمي للزوجين فضلا عن ارتباط هذا الزواج ارتباطا وثيقا بقيم المجتمع وعاداته وتقاليده؛ لذا تترتب عليه مشكلات متعددة، منها، اجتماعية، ونفسية وصحية وتفقد النظام الأسري توازنه، وربما انحلاله, ويجد الراوي هذه الزواجات مشوهة لذا يعمد الى رسم (وجه مشوه) وكتب (بخط ركيك) فهما علامتان تقودان القارئ إلى فضاء دلالي قابل للتأويل في هذا الاتجاه.
من أمثلة العلامة الاستباقية قول الراوي:
" لن نخسر شيئا يا أم ساجدة إذا غادرنا القرية وسكنّا الولاية
وحين يئست أمي من محاولة اقناع أبي بالعدول عن رأيه لزمت الصمت فأردف أبي مستغلا اذعانها وترددها – الأولاد كبروا وسيدخلون الجامعة, أنا اريدهم أن يتعلموا , ثم عملي يتطلب أن نكون هناك وليس هنا . ما الذي نجده في هذه القرية الصغيرة ؟ الخير كله في بغداد حسرة الملوك يا أم ساجدة . إصرار أمي على التزام الصمت كان يعني إصرارها بذات الوقت على الرفض , ولكنّها في النهاية بدت مترددة على وشك أن تستسلم لقرار الجميع". (صالح، 2022، 144-145). (13).
يبدو في النص السردي استباق من حيث الدلالة، بدخول حرف السين على أحدى الأفعال الخمسة (يدخلون) بقول الزوج (أبو ساجد) لزوجته (أم ساجد): (الأولاد كبروا وسيدخلون الجامعة), ونكتشف بهذا التركيب أن القرية التي تسكنها هذه الاسرة، لم تعد تفي بشروط العيش فيها، ولا سيما أنّ أولادهما سيدخلون الجامعة، التي تكون الجامعات إلا في المدن؛ لذا عمد الزوج مع الأولاد إلى إقناع (أم ساجد) على الرغم من صمتها وترددها، لكنها استسلمت لقرارهم بالرحيل إلى بغداد فلم يكن النزوح خيارا أسريا بقد ما كان نزوحا اضطراريا، لتأمين مقاعد الدراسة الجامعية، وشهدت المجتمعات الريفية في العراق النزوح إلى المدن الكبيرة، ولا سيما بغداد، والانخراط في الحياة المدنية، سواء أكان بحثا عن عمل في دوائر الدولة، أو تجاوز العتبة التي تقودهم إلى تلك الدوائر، وهي الدراسة الجامعية, ويجسّد حمد صالح في هذا النص السردي العلامة الفارقة بين النظامين المدني والريفي، في صمت الزوجة وترددها في النزوح، ربما لأنها أخذت تخاف من اختلاف نمط التعامل بين سكان المدينة، الذي يبني على تدخل بعضهم تجاه بعضهم الآخر ، والتفرغ للحصول على لقمة العيش، وسكان الريف، الذين تحكم علاقاتهم البساطة والعفوية والقرابة التي تقرّب بعضهم من البعض الآخر، فضلا عن سبل العيش المتواضعة التي تخدمهم, واستطاع الراوي بتجسيد هذه العلامة أن يكشف العلاقة الثنائية بين المدينة والقرية، التي ليست علاقة تضاد، وإنما علاقة تكامل واندماج من وجهة نظر.
تمثل الأم في روايات حمد صالح وقصصه القصيرة رمزا للتضحية والفداء وهي تحرق أيامها؛ ليكمل أبناؤها الحياة التي ترغب فيها؛ لذا تتمظهر معاناتها وهمومها وحزانها, لكنها تحمل أملا كبيرا في المستقبل, والأم علامة الشعلة التي تضيء طريق الابناء إذ يقول الراوي.
" كانت امي تربت على كتفي باعتزاز وتقول مغالبة أحزانها وبؤس ايامها الظالمة (سأنسى هذا الشقاء كله حين تكبر يا جاسم يجب أن تدرس وتنجح في دروسك لتعين أمك التعبانة) كانت في منتهى السعادة بي وكأنها المرأة الوحيدة في هذا الكون التي عندها ابنا. تنظر على المستقبل بعزيمة لا تلين من خلالها نافذة مضاءة اسمها جاسم" (صالح، 2022، 19). (24).
يمثل (جاسم) الأمل والمستقبل الذي تنتظره الأم, فهو فرصة للتخلص من الشقاء والمعاناة، وتدل عباراتها على الظروف الصعبة التي تعيشها الأم وأبناءها, وربما تكون نتيجة لظروف اجتماعية أو اقتصادية صعبة، فسعت إلى أن تجعل من ابنها جاسم ( نافذة مضاءة) لإنقاذهم من الماضي، وفتح نافذة للمستقبل المشبع بالأمل والتفاؤل, ويمثل هذا الاستباق المشحون بالعاطفة ابتداء من حنان الأم وفخرها بابنها مرورا بأحزانها، مرحلة الوصول إلى الأمل الكبير التي تضعه في ابنها، وتضفي العواطف المتناقضة عمقا على النص السردي, مما يعكس الصراع الداخلي عند الأم بين اليأس والأمل.
تعبر بعض النصوص السردية عن حالات الفقد والانتظار بالدلالات والرموز الرئيسة لتكوين المعنى الكلي للنص السردي , ويمثل (الأب ) رمز الغائب المفقود الذي يعكس شخصية محورية في الحياة بارتباطه الوثيق بالأسرة إذ يقول الراوي:
" أبي كذلك أخبرها أنه ذاهب لزيارة بعض أقاربه ولكنه لم يعد لحد الآن ومع هذا فهي مازالت تنتظره. حفرت له قبرا وكتبت له اسمه وقالت من هنا سيأتي الرجل الذي انتظره. تجلس كل يوم بقربه وتحادثه في كل ما يخصهما. تعتقد أمي أن الذي يموت هناك سيعود إلى قريته وهذه الـ ( هناك) هي كل ما هو خارج حدود قريتنا الصغيرة، فالموت بمعناه الحزن لا يحدث إلّا هنا، أمّا في الخارج فليس هناك ما يستحق الحزن" (صالح، 2022، 29). (26).
تمثل القرية العالم المنغلق والحدود الضيقة التي تمكث فيها الشخصيات, إذ تكون الأحداث مؤثرة بشكل كبير على المستويين الشخصي والمجتمعي, وعملت ( هناك) اسم إشارة للبعيد على منح دلالة الغياب الطويل ، و تمثل المجهول أو العالم الخارجي غير المعروف, فضلا عن ( الانكار والتقبل) في النص إذ تستمر الأم في الإنكار بانتظار الأب والتحدث إليه كأنه سيعود , ويعكس (السين) الذي شكّل الاستباق عملية تأقلم طويلة مع الفقدان, ليس ب(في انتظار غودو) التي تعبر عن فلسفة صاموئيل بيكت، وإنما في (سيأتي الرجل الذي انتظره)؛ النص السردي عن حقيقة المجيء التي لا بد؛ منها ويكشف عن حراك يومي بين الحياة/ الموت, العالم الداخلي/ الخارجي مما يعكس تجربة إنسانية عميقة يخيم عليها الحزن العميق, ويمثل القبر دلالتين متناقضتين: الأولى الموت والحرمان, والثانية الأمل والعودة من جهة أخرى, مما يعكس بدوره كيفية تعامل الثقافات المختلفة مع مفاهيم الحياة والموت والفقدان والوجود, فيزيد وعي المتلقي بالعوامل الثقافية والنفسية التي تؤثر في تجربة الحزن, ويتوقف طويلا عند كلمة (نشكر موزع البريد) التي يقرأها بتركيز ولأكثر من مرة, وحين تستعصي عليه كلمة أو يمحو حرف أو تضيع جملة من العنوان المثبت على الغلاف؛ للسهو من المرسل أو لكثرة التداول بين الأيدي حتى يدرك الجزء المفقود من سياق العنوان، وترك المجال للقارئ لملء الفجوات الموجودة في النص بالخزين المعرفي للقارئ؛إذ تثير القلق والفضول ولا بد من إعادة بناء المعنى من الأجزاء المتاحة والمعاني التي تتأثر بالسياق والتداول .
الخاتمة
بعد الانتهاء من الدراسة السيميائية للعلامة الزمنية في سرديات حمد صالح وصل البحث إلى ما يأتي.
- تأتي العلامة الزمنية عند حمد صالح بوصفها زمن الحدث الحكائي، ومجال خصوصية سرده، إذ تؤشر هذه العلامة على سير الأحداث في إطار الزمن، ولا تلقي جدولة تلك العلامات على السرد ظلال التصنيف المغلق، بحسب و إنما ضرورة لكشف المؤثرات والنتائج وعلاقتها بالهيكل العام للسرد.
- أدت الأنساق دورا فاعلا في تقطيع الأزمنة أو تداخلها في مساراتها الصاعدة والنازلة على حد سواء النازلة من زمن الحاضر الى زمن الماضي والصاعدة من زمن الحاضر والمستقبل, وتشكّل علامة المفارقة الزمنية في صيغتيها (الاسترجاع والاستباق) بوصفها اشتغالا فنيا، إذ تمكّن القاص والروائي حمد صالح من تقديم رؤيته للعالم، وهو يصوّر الواقعين الفردي والجمعي، مما يحفّز القارئ على استكشاف البناء الذي يقوم على التضاد (الحاضر/ الماضي) أو (المستقبل/ الحاضر).
References
1.Meyerhoff, Hans. Time in Literature. Translated by As‘ad Razzuq. 2nd ed. Cairo: Sijill al-‘Arab Press, 1972.
2.Qasim, Siza. The Structure of the Novel: A Comparative Study of Naguib Mahfouz’s Trilogy. Cairo: Egyptian General Book Organization, 1984.
3.Ricoeur, Paul. Time and Narrative. Translated by Saeed Al-Ghanimi and Faleh Rahim. 1st ed. Beirut: United New Book Publishing House, 2006.
4.Al-Saadoun, Nabhan Hassoun. “Narrative Time Techniques in the Novel Waiting for Faraj Allah.” In Secrets of Narrative from Memory to Dream: Readings in Saadi Al-Maleh’s Narratives. Latakia, Syria: Dar Al-Hiwar, 2012.
5.Bou Tayeb, Abdelali. “The Novel as a Horizon for Multiple Forms and iscourses.” Fusul Magazine, Cairo, Vol. 11, No. 4, 1993.
6.Al-Qasrawi, Maha Hassan. Time in the Arabic Novel. 1st ed. Beirut: Arab Foundation for Studies and Publishing, 2004.
7.Abu Talib, Ibrahim. Folk Narrative Heritage in the Yemeni Novel. Sana’a: Ministry of Culture and Tourism, 2014.
8.Jandari, Ibrahim. “Time in the Novel.” Al-Mawqif Al-Thaqafi Magazine, Baghdad, No. 37, 2002.
9.Abu Nasser, Maurice. Linguistics in Literary Criticism: Theory and Practice. 1st ed. Beirut: Dar Al-Nahar Publishing, 1979.
10. The Lover’s Ruin. Mosul: Mashki House for Printing, Publishing and Distribution, 2022.
11.The Hot Ice Mountain. Mosul: Mashki House for Printing, Publishing and Distribution, 2022.
12. Gods of the Graves. Mosul: Mashki House for Printing, Publishing and Distribution, 2022.
13. The Journey of the Weary Years. Mosul:Mashki House for Printing, Publishing and Distribution, 2022.
14.Jandari, Ibrahim. Novelistic Space in the Works of Jabra Ibrahim Jabra.1st ed.Baghdad: General Directorate of Cultural Affairs, 2000.
15.Jabila, Al-Sharif.The Structure of Novelistic iscourse: A Study of NaguibAl-Kilani’s Novels Jordan: Modern World of Books, 2010.
16.Al-Jubouri, Mohammed Saleh Khalaf.Hamad Saleh: A Study of His Narrative Art. Master’s thesis, supervised by Dr. Ibrahim Jandari Juma, College of Education, University of Mosul, 2000.
17.Genette, Gérard. Narrative Discourse: An Essay in Method. Translated by Mohammed Mu‘tasim, Abdul Jalil Al-Azdi, and Omar Hali. 2nd ed. Cairo: Supreme Council of Culture, National Translation Project, 1997.
18.Bachelard, Gaston. Intuition of the Instant. Arabic
translation by Rida Aziz and Abdul Aziz Zamzam.
Baghdad: General Directorate of Cultural Affairs, 1986.
19.Al-Marzouqi, Samir, and Jamil Shakir. An Introduction to the Theory of the Short Story: Analysis and Application. 1st ed. Baghdad: Tunisian House for Publishing and Distribution and General Directorate of Cultural Affairs, 1985.
20.Bou Yajra, Bashir Mohammed. The Structure of Time in Algerian Novelistic Discourse, 1970–1986. 1st ed. Beirut: Dar Al-Gharb for Publishing and Distribution, 2001.
21.Bahrawi, Hassan. The Structure of the Novelistic Form: Space, Time, and Character. 1st ed. Beirut/Casablanca: Arab Cultural Center, 1990.
.22.Al-Qadi, Mohammed, ed. Dictionary of Narratology. By a group of authors. Tunis: Dar Mohammed Ali Publishing, 2010.
23.Obeid, Mohammed Saber. Qualitative Time and the Problematics of Literary Genre. Beirut: Arab Diffusion Foundation, 2016.
24.The Time of Happy Dreams. Mosul: Mashki House for Printing, Publishing and Distribution, 2022.
25.Yaqtin, Said. Analysis of Novelistic Discourse: Time, Narration, and Focalization. 1st ed. Beirut/Casablanca: Arab Cultural Center, 1989. 26.In Search of an Old Obsession. Mosul: Mashki House for Printing, Publishing and Distribution, 2022