| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السرد بين الأدب والطب
|
|
|
|
|
|
حشلافي حميد
|
|
|
|
|
|
كلية الطب، الصحة النفسية، جامعة وهران1، الجزائر
|
|
|
|
|
|
معلومات المقالة
|
|
المستخلص
|
|
|
Received: 3 April 2025
Revised: 5 May 2025
Accepted: 25 June 2025
|
|
يعبر البحث عن نافذة من الاجتهاد الأكاديمي (التنظيري) الذي يعنى بتخصص معين، استحدث في الممارسة العيادية " الطب السردي " Narrative medicine " مهما كانت طبيعتها (الطب والتمريض، علم النفس العيادي، علم النفس التربوي، علم اللسانيات،) إذ يزاوج بين الأدب والطب من خلال المكونات السردية. إنها بمثابة وصفة استحدثت لتثمين العلاقة الإنسانية بين المعالج والمريض مهما كانت الظروف. انه توظيف لملكات الأدب والشعر العربي ليعزز مكونات الهوية الوطنية وفيها تنصهر علاقة التواصل الإنساني فيسهل التعبير للمريض عن آهاته ويسمح للمعالج تفهم معاش من يلقاه في مصحته أو عيادته. السرد بين الطب والأدب يسمح بملاقاة مجموع المتخصصين في علوم الطب وبين الممارسين في حقول الأدب لخدمة المجتمع من جوانب بناء علاقات اجتماعية سليمة ودعوة لتعزيز التعاون الأكاديمي المتعدد التخصصات تحت مظلة الموروث الثقافي ومنابع الهوية الوطنية.
الكلمات المفتاحية:الأدباء أطباء،الأدب العربي، اللغة العربية، السرد،السرد الطبي
|
|
|
Keywords:
Arabic language
Arabic literature
Narration
Medical narrative
Writers- doctors
|
|
|
Corresponding Author
Hachelaf Hamid
[email protected]
|
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i2.a1, ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
Narrative Between Literature and Medicine
Hamid, H.
Abstract
The article expresses a window of “theoretical” academic diligence, which means a specialty that has been developed in clinical practice “narrative medicine,” whatever its nature (medicine and nursing, clinical psychology, educational psychology, linguistics), and it combine literature and medicine through the pillars of narration. It is a recipe developed to value the human relationship between the therapist and the patient, whatever the circumstances. It is an employ of the faculties of Arabic literature and poetry to strengthen the components of the national identity, in which the relationship of human communication fuses, making it easier for the patient to express his groans and allowing the therapist to understand the wages of the one he meets in his clinic or clinic.
The narrative between medicine and literature allows performing the group of specialists in medical sciences and between practitioners in the fields of literature to serve the community to build sound social relations and an invitation to enhance multidisciplinary academic cooperation under the umbrella of cultural heritage and the sources of national identity.
مقدمة البحث
إنّ الولوج إلى الطبّ السردي يستدعي التوقف عند الأدبيات التي تناولت السرد من زاويته الأدبية الأصلية، ثم العمل على بناء علاقة مترابطة بين الطب والأدب العربي، انطلاقًا من الممارسة الطبية بوصفها نشاطًا ميدانيًا يُغني التنظير الأكاديمي بأبعاده العلمية والثقافية. وبوجه عام، فإن العلاقة بين الأدب والطب، سواء في العالم العربي أو الغربي، تهدف إلى خدمة الإنسان من دون تمييز عنصري أو ديني. فالأدب يضيف بعدًا جماليًا وذوقيًا خالصًا، ويبدع من خلال فنونه في إمتاع الحواس بما يُقرأ أو يُسمع أو يُشاهد، فينمي الإحساس، ويصقل المشاعر، ويضيء التفكير حين يعالج القضايا الجادة على المنصات الأدبية أو في المشاهد البصرية والسمعية أو على خشبات المسارح وشاشات السينما.أما الطب، فهو فن حياة قائم على العلم والمعرفة، لا يعترف بالحدود، ولا يميز بين البشر مهما اختلفت أصولهم، سواء في أوقات السلم أو الحرب. إنه عطاء دائم وتفانٍ من أجل حفظ الحياة ورعايتها. وقد ظهر الطب السردي مؤخرًا كتخصص أكاديمي، خاصة في كليات الطب في البلدان الغربية، ويهدف إلى إضفاء الطابع الإنساني على العلاقة بين الطبيب والمريض. ومن المهم أن نستعيد هذا التوجه ضمن إطار الهوية العربية. فالقيم الإنسانية التي يدعو إليها الطب السردي موجودة أصلًا في تراث الطب العربي، ويجب اليوم مراجعة طرائق العلاج التي تعتمد على السرد، سواء القصصي أو الروائي، وتكييفها مع بيئة المريض وهويته الثقافية.
إنّ الطب السردي يجمع بين مصطلح السرد، المرتبط أساسًا باللغة والأدب، وبين المجال الطبي. وللخوض في جذور هذا المجال، لا بد من الإشارة إلى المقاربة الغربية الحديثة التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وبالذات من خلال جهود الطبيبة الأمريكية وأستاذة الطب السريري "ريتا شارون" (Rita Charon). غير أن هذا لا يمنعنا من الالتفات إلى التراث العربي الذي أسّس للطب السردي منذ قرون، على يد كبار أطباء الحضارة العربية الإسلامية.
- 1. نماذج من السرد الطبي عند أدباء الغرب:
كانت العلاقة بين الطب والأدب في الغرب معقدة ومتناقضة، وفقًا لتغير العصور وتبدل الأجيال. فقد انتظر الغرب حتى الحقبة الزمنية الممتدة بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر الميلادي ليبدأ في اعتبار الطب أقرب إلى الأدب والعلوم الإنسانية، بما في ذلك دراسة اللغات الإغريقية واللاتينية، كما أشارت إلى ذلك الروائية الإيطالية "فيسارو" (1) في مؤلفها العُصاب بين الطب والأدب: النهج المعرفي للأمراض العصبية في السرد الإيطالي.
لكن فئة من الأدباء الغربيين كانت أكثر تطرفًا في أحكامها، ومنهم الكاتبة الإنجليزية "فرجينيا وولف" (Woolf) التي انتقدت، في كتابها المرض، تقصير الأدباء في تناول القضايا الصحية. فقد صرّحت: يبدو لنا، على الأقل، أمرًا مفاجئًا أن المرض لا يظهر، إلى جانب الحب، والنضال، والغيرة، ضمن الموضوعات الرئيسة في الأدب. يجب أن تكون هناك روايات مخصصة لوباء التيفوئيد، أو قصائد للالتهاب الرئوي، وأخرى لألم الأسنان. ومع ذلك، فإنها غير موجودة." (2).
ويُفسر هذا الحكم المتشدد من وولف بأنه نابع من حاجتها الماسّة إلى أجوبة طبية واضحة ترافقها لمسة إنسانية تنبض بالمحبة والمساندة، إذ إن الاطلاع على سيرتها الشخصية يكشف عن سلسلة من المحن التي مرّت بها، بدءًا من كون أبويها أرملين قبل زواجهما، ووفاة والدتها بالزكام وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها، ثم وفاة أختها بعد عامين، تلا ذلك دخولها مستشفى الأمراض العقلية في سن المراهقة بسبب الاكتئاب، ثم مرض زوجها، ثم اضطراباتها النفسية والجنسية، حيث عاشت حالة مثلية مرضية، إلى أن أنهت حياتها منتحرة نتيجة شعورها بعودة أعراض المرض العقلي، كما أفصحت عنه في رسالة الوداع التي تركتها لزوجها، وهي في التاسعة والخمسين من عمرها.
من هذه المنطلقات التاريخية، برز تيار من الأدباء الذين توجهوا إلى كتابة ما يُعرف بـ"السيرة المرضية الذاتية" (Autopathography)، وهي شكل من أشكال السرد الأدبي الذي يتم فيه توثيق تجربة المرض بشكل ذاتي، حيث تتطابق فيه شخصية المؤلف مع الشخصية الساردة. ومن أبرز النماذج في هذا السياق، نجد الأديب والفيلسوف الفرنسي "ميشال دو مونتين" (Michel de Montaigne)(3)، الذي قدّم وصفًا دقيقًا لتجربته مع مرض حصى الكلى. فقد قام بتوثيق الأعراض التي مرّ بها، معبّرًا عن تجربته الذاتية، وناقدًا في الوقت ذاته الطب في عصره، إذ ادّعى أن المريض أكثر دراية بجسده من الطبيب (4).
في هذه الحقبة التاريخية، كثرت مؤلفات الأدباء التي تروي تجاربهم الشخصية مع المرض، وكانت تحمل نقدًا لاذعًا لقصور الطب في تشخيص العلل أو فعالية العلاج، حتى أن بعضهم ترك وصايا تُقرأ بعد وفاته، كما فعل الأديب السويسري "جان جاك روسو" (Jean-Jacques Rousseau)(5)، الذي أوصى بتشريح جثته بعد موته، مقتنعًا بأنه كان يعاني من مرض نفسي لا عضوي، وربما كان مصيبًا في تشخيصه الذاتي، إذ مكّنت مجلداته الاثنا عشر الموسومة بـ"الاعترافات" (The Confessions) من تحديد أعراض مرضه بدقة بعد وفاته بسنين طويلة (6).. ومن المهم الإشارة إلى أن جان جاك روسو (5) كان مولعًا بالطب في بداية حياته، وقد كتب مقالات ذات طابع علمي، من بينها واحدة تناولت اضطرابات الصوت وطرق علاجها بالأعشاب. غير أن معاناته من أعراض متباينة، وفشل عشرات الأطباء في تشخيص حالته، دفعاه إلى رفض الطب التقليدي، وهاجم الأطباء علنًا كلما سمع عن خطأ في التشخيص أو وفاة أحد معارفه بسبب الإهمال أو الجهل.
ويُصنّف هذا النمط من الكتابات ضمن السير الذاتية المستوحاة من كتب الاعترافات الدينية، لا سيما اعترافات القديس أوغسطينوس (Saint-Augustin)، الذي عاش في الجزائر إبان العهد الروماني، حيث روى فيها تجاربه الحياتية والدينية بتفصيل وتعقيد. وتواصل هذا التقليد الأدبي مع كتّاب آخرين، من أبرزهم الأديب الإنجليزي "توماس دي كوينسي" (Thomas De Quincey)(7)، الذي كتب عن تجربته مع إدمان الأفيون، وضمن مؤلفه وصفًا دقيقًا للأعراض السريرية التي عاشها.
لقد تمحورت هذه الموجة من الإنتاج الفكري في هذا النوع من التأليف الأدبي حول الشخصيات الذاتية للأدباء، للتعبير عن معاناتهم النفسية، إذ استخدموا السرد الأدبي الذاتي كوسيلة للتنفيس، وردّ فعل حين أطلقوا العنان لأقلامهم ضد مهنة الطب والأطباء، لتوثيق فشلهم في علاجهم، أو حتى في تشخيص أمراضهم المستعصية التي لازمتهم لسنوات.
وقد استمر هذا النوع من السرد عبر العصور، مع عرض أمثلة من الأعمال الأدبية المعاصرة، من بينها ما كتبته الأديبة الفرنسية كرتيدو بمساعدة زميلها سيموني، حيث ألفا معًا كتابًا يحاكي تجربتها عندما فقدت تدريجيًا بصرها ثم سمعها (8).
ولتوضيح مدى استخدام السير الذاتية في السرد الطبي، أظهرت دراسة طبية بريطانية (9) وجود أكثر من مئتين وسبعين عنوانًا من السير الذاتية لأدباء، خلال العشرين سنة الأخيرة من هذا القرن، سردوا فيها تجاربهم عندما أصيبوا بأمراض مختلفة خلال حياتهم.
وقد استعان الأدب بواقعية الأحداث داخل الأماكن الاستشفائية ليمنح السرد لمسة إنسانية، تسهم في إثراء الخيال الإبداعي، كما فعلت الكاتبة الفرنسية دي كيرنغال "de Kerangal"، التي رافقت لمدة سنة فريقًا طبيًا متخصصًا في زراعة الأعضاء، وحضرت عملية جراحة قلب، ثم كتبت رواية تحاكي بيئة العلاج وتجربة المرضى في ثنائية متناغمة، كما ذكرت: "الأدب يحيلك من عالمك الخاص إلى عالم آخر" (10).
2.السرد الطبي عند الأدباء العرب:
لقد حظ اهتمام الأدباء العرب بمواضيع الصحة ومآل معاشهم الشخصي دونما حدود أو عتاب لأفكارهم من طرف غيرهم أو متابعيهم، وغالبا كانت القصائد الشعرية هي سلاحهم للتعبير عن خلجات أنفسهم. فمن أمثال المبادرين من الشعراء العرب، نذكر الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري الذي خبر عن نفسه حين مرضه بالعمي منذ نعومة طفولته وتدهور حالة صحته حينما كبر سنه ونخر المرض جسده، حتى وصف على لسانه بحبر غيره: " مثله في ذلك، مثل الثريا كتب إلى الثّري وقد علم الله أن سمعي ثقيل وبصري عن الإبصار نقيل، قُضِيَ عليّ وأنا ابن أربع، لا أفرق بين النازل والطالع ثم توالت محني، فأشبه شخصي العود المنحني، منيت في أخير عمري بالإقعاد وعداني عن النهضة عاد" (11) ثم يصف أخر أيام حياته: "لم يبق فيه بقية، لأن يسأل ولا أن يجيب، لأن أعضاءه متخاذلة، وقد عجز عن القيام في الصلاة، فإنما يصلي قاعدا"(11) كما انفرد نابغة الأدب العربي المصري مصطفى صادق الرافعي في كتابه "أوراق الورد"، إذ رغم معاناته من فقدان حاسة السمع منذ الصغر إلا أنه جعل للمرض فلسفة للحياة: "سبحانك اللهم! إنما هذه الأمراض في الدنيا بعض مواد البحث الفلسفي العميق لدرس أساليب الطبيعة البشرية، فكم من «عملية جراحية» في طب الناس هي في الحقيقة «عملية حسابية» في وزن هذه الطبيعة وتقديرها، وكم من أنه وجع في المرض وهي نفسها كلمة عتاب بين الطبيعة والنفس … وكم من ضجعة للداء هي في الواقع نهضة للأخلاق من ضجعتها"(12).
كما انفرد بعض الأدباء في وصف الأمراض وحتى الأوبئة مثل مرض الكوليرا الذي داهم مصر، فنظمت الأديبة الشاعرة نازك الملائكة في شكل قصيدة شعرية من النمط المستحدث "شعر التفعيلة" لتصف آهات المرضى وكثرة الموتى من الإصابات بالوباء (13):
في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ
في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ
استيقظَ داءُ الكوليرا
حقْدًا يتدفّقُ موْتورا
هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ
يصرخُ مضطربًا مجنونا
لا يسمَعُ صوتَ الباكينا
في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ
في كوخ الفلاّحة في البيتْ
لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
من جيل الأدباء المعاصرين الذين خالطت مؤلفاتهم حالات المرض الذي انتابهم، نذكر الأديب السعودي عبد العزيز مشاري من خلال عدة مؤلفات له، من بينها"الزهور تبحث عن آنية"، حيث ألبس روايته ثوب الألم وأسقط بكلماته ما كان يعايشه من آثار إصابته بمرض السكري (14). كما اقتدى بنفس المسيرة الأدبية في السعودية الروائي حامد حسين دمنهوري الذي قدم من خلال روايته " ثمن التضحية " سردا ذاتيا يحاكي واقع مرضه وآثاره النفسية عليه (15). أما في مصر، فلقد عقدت الروائية نعمات البحيري العزم وقامت بتحويل معاش مرضها بالسرطان إلى محطة إبداع أدبي، وطرحت آهات علتها بواسطة حبرها في روايتها: "يوميات امرأة مشعة"، ولقد قدّم الروائي سيد وكيل في خاتمة إحدى طبعات الرواية رثاء لها:" الكتابة عندها بديل عن الموت، عندما جعلت من سيرتها الذاتية أفقا للسرد. ونعمات لديها روح نضالية صلبة، تكتب وهي على آسرة المرض، وبين أروقة المستشفيات، وتحت مشارط الجراحين، وتهدي لنفسها مجموعتها " شاي القمر" لتنفض عن نفسها غبار الأيام والمرض" (16).
- 3. السرد عند أطباء أدباء من الغرب:
إن تقمص الأطباء لفنون الكتابة والتأليف عرف منذ أقدم الأزمنة، كما لم يحرموا من تعدد المواهب والفنون، فكان من ضمنهم الطبيب القاص، الجراح الشاعر والحكيم الموسيقار.
أما ما خص بالسرد الطبي، فإن الطبيب الأديب يصقل خبرات ممارسته في الطب بمهاراته الأدبية، فهي ليست مجرد إبراز لحالات تشخيص أمراض بعينها من خلال عرض لحالات مرضية، بل تعني تعابير عن معاش نفسي مشخصنا من خلال مهارات في السرد الطبي الذي يعني الفردية في الكتابة والتأليف.
على هذا الأساس برعت مجموعة من الأطباء الأدباء، ففي العالم الغربي كان الطبيب والأديب الروسي تشيكوف « Tchekhov » ،الذي كان يعد رائد القصة القصيرة، و لقد وصف الثنائية المتناغمة بين الطب والأدب بمقولته الشهيرة: " الطب زوجتي والأدب عشيقتي(...) كان لدراستي الطبية تأثير مهم على نشاطي الأدبي: فقد وسعت مجال ملاحظاتي، وأثرتني بالمعرفة التي لا يمكن فهم قيمتها إلا من قبل كاتب سيكون هو نفسه طبيبًا" (17). لقد استرسل تشيكوف من خلال الرسائل الأدبية والمسرحيات التي ألفها بعرض واضح حول مرضه في سرده الأدبي، وهو مرض السل الرئوي الذي عانى منه لسنوات وتوفي به. إن جل مؤلفاته تنقل تجارب الطبيب خلال ممارسته ومعرفته لحالات من المرض وبالأخص العقلي والاضطرابات النفسية، حيث نذكر من بين أعماله الروائية ذات الصلة بالموضوع: رواية "البستاني الرئيس" " The Head gardener’s story" التي تحاكي قصة طبيب يعالج مرضاه مجانا؛ ورواية "الهارب" "The runway" التي تعني أسلوب المعاملة من الطبيب الذي حظ بها طفل مريض حتى يقنعه بضرورة العلاج بالمستشفى؛ ورواية "القاعة رقم6" "Wars six and other stories" وهي رواية تجري أحداثها داخل مصحة الأمراض العقلية حيث يتم إسقاط للحياة المهنية للمؤلف في المصحات النفسية.
كما تطرق تشيكوف في كتاباته إلى ظروف العمل في المستشفيات وطبيعة العلاقة بين زملائه في العمل من خلال مؤلفاته المتعددة، من بينها: رواية "الجراحة" " Surgery" التي يصور فيها العالم الداخلي للمسعفين أو المساعدين في طب الأسنان. كما تعرض إلى وصف دقيق بالقلم الأدبي إلى عدة أوبئة من بينها: "حمى التيفوئيد" " The typhus".
في نفس سياق الأدب الروسي، نذكر أعمال الطبيب الأديب بولغاكوف " Boulgakov " الذي وصف في مؤلفه حالة إدمانه الشخصي على المخدرات، وكتب روايته "المورفين" " Morphine " تحت اسم مستعار بعد عودته من المشاركة في الحرب العالمية الأولى. كما تحدث الكاتب عن معاناته من مرض التلف الكلوي " Nephroangiosclerosis " وفقدانه لبصره. كما تطرق الطبيب الأديب بولغاكوف في روايته " سرد من طبيب شاب" "A Country Doctor's Notebook" إلى يومياته كطبيب ممارس في البادية الروسية مباشرة بعد تخرجه من كلية الطب، ودون أن تكون له أي تجربة مسبقة للتعامل مع الأحداث التي تجابهه وهو منعزل في قرى باردة بصقيع جوها.
أما في الأدب الإنجليزي، فنشير إلى أعمال الروائي البارع في القصص البوليسية، وصاحب تحفة سلسلة المفتش شيرلوك هولمز" Sherlock Holmes " ومساعده الطبيب واتسون" Docteur Watson"، إنه الطبيب الأديب كونان دويل «Conan Doyle " الذي سرد حياته في مذكراته الشخصية من خلال مؤلفه: "حيث تكلم الأديب على لسان الطبيب واتسون حول معاشه لأمراض متعددة مثل حمى تابيلي (18).
كما برع الطبيب والروائي الإنجليزي سومر ست موم"Somersut William Maugham" في الأدب الواقعي، حيث سرد مسار حياته كطبيب في الخدمة العسكرية، ثم انتقاله إلى نوع من أدب الاستخبارات أو الجاسوسية حيث عكس فيه مسار توظيفه في المخابرات البريطانية. لقد دشن الكاتب سومر ست أولى رواياته الموسومة "ليزا لامبيث" " Liza of Lambeth " حول حياة البؤس في الأحياء اللندنية و قصة عاملة شابة يختطفها الموت بعد معاناة في الشقاء و المرض(4).
أما في الأدب الفرنسي، نذكر أعمال الطبيب الأديب لويس فرديناند سيلين " Céline Louis-Ferdinand" الذي أحدث ثورة عارمة في تخصص السرد الأدبي، بل حتى في قوالب اللغة الفرنسية. لقد انفرد الطبيب والكاتب من خلال رواياته بإسقاطات مساره المهني حينما انضم إلى التشكيلة العسكرية بصفته طبيب عسكري خلال الحرب العالمية الأولى، ومن بين رواياته في هذا الشأن نذكر: رحلة في أقاصي الليل
"Voyage au bout de la nuit". لقد كانت بدايته الروائية جدّ صعبة، حيث يكتب عن نفسه: " اسم سيلين فهو اسم جدتي. كنت أرغب في أن يمر هذا الاسم دون أن يثير ضجة حولي، لأنه من الصعوبة الجمع بين مهنتي الطب والكتابة، وهكذا صرت سلين متسميا باسم امرأة. وقد كلفني ذلك غاليا، لكن واصلت الكتابة" (19).
كما ارتأى الطبيب والأديب الفرنسي فيكتور سيقالين "Segalen Victor " إلى تشريح بلمسة الأدباء من المشاعرية وممزوجة بالتقنية في الطب وبالمنهجية العلمية المتبعة في العلوم لسرد معاناة المرضى من أزماتهم الصحية (20)
للإشارة، فإن الأطباء في العصور الوسطى لم يكن من السهل عليهم الخوض في الأدب الطبي خوفا من غضب الطائفة الدينية تحت وصاية الكنيسة، لهذه الأسباب كانوا يؤلفون تحت أسماء مستعارة، مثلما حدث للطبيب الأديب الفرنسي فرانسوا رابلي "Rabelais François " . (21)
كما توالت الإبداعات الأدبية بين صفوف الأطباء في السنوات الأخيرة، إذ تألقوا حتى إلى مصاف الاقتباس من أعمالهم الإبداعية أو أن يقتحموا بأنفسهم مجال كتابة سيناريوهات الأفلام والمسلسلات أو الإخراج السينمائي. وعلى سبيل الاستدلال نذكر الطبيب الأديب الأمريكي كريشتون "Crichton "، إذ تم اقتباس روايته وإخراجها في فيلم سينمائي (جيراسيك بارك،1990) Jurassic Park))، أو إشرافه الشخصي كمخرج للسلسلة التلفزيونية (الاستعجلات، 2005) "State of fear" التي تحاكي أجواء العمل في أقسام الاستعجالات الطبية والجراحية بالمستشفيات الأمريكية.
4.السرد عند أطباء أدباء عرب:
في العالم العربي، فقد علم خصوصا خلال حقبة النهضة ببزوغ جيل من العلماء الموسوعيين، فكان الخبير تجتمع لديه عدة تخصصات علمية، وفي نفس الوقت كانت الترجمة والكتابة من بين الوسائل المعلومة الملاصقة لاكتشافاتهم، وعليه كان الأطباء العرب من أمثال الرازي وابن سينا، المصنفين من أهل الصنعة في الطب، يجمعون تخصصات في المنطق، العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية حتى أفرزت كتاباتهم كل ما هو مؤهل أن يفيد الطلبة ويكفي المجتمع من معارف، ثم كانت اللمسة الأدبية ترونق مخطوطاتهم. فلا غرابة أن نستدرك من الموروث الثقافي العربي بعض النماذج من الجهابذة الذين جمعوا بين الطب والأدب من العالم العربي خلال فترات متقطعة من العصور الزمنية المختلفة.
بداية من الأندلس، كان الطبيب الأديب والشاعر القرطبي الكفيف يحي ابن هذيل الذي وصفه تلميذه الطبيب الأديب لسان الدين ابن الخطيب، فقال عنه في مخطوطه:" وله أدب ذهب في الإجادة كل مذهب، وارتدى من البلاغة بكل رداء مُذهب، ومعان تراودها الخواطر فتصد، وتحييها النفوس فلا ترد، والأدب نقطة من حوضه، وزهرة من أزهار روضه، وسيمر له – في هذا الديوان – ما يبهر العقول، ويحاسن بروائه ورائق بهائه الفرند المصقول" ، ومما يؤشر على استعمال فنون الأدب لإجادة التحاضر لطلبة الطب.
ثم لما أصاب العالم يحي ابن هذيل بالفالج أو الشلل النصفي في آخر أيام حياته، التزم منزله، واعتزل الناس، ونزل به ذلك بعد أن توفيت زوجه، إذ كان قد وجد عليها وجداً شديداً حتى أكمده الحزن، وثقل عليه المرض، ولما أيقن دنو الأجل استدعى أحد خلانه وأنشده (22).
إذا مــت فــــأذفــني حذاء حلـيلتي يــخالط عـظمي في التـراب عــظامها
ولا تـــــدفني فــــــي البـقيـــع فـــإنــني أريـد إلــى يــــوم الحساب التزامها
ورتـــــــب ضـــريحي كيفما شاءه الهوى تكــون أمـــامي أو أكون أمـــامها
لعل إله الــعرش يــــجبر صــدعتي فـــيـعلي مــقامي عــــــــنده ومـــقامها
هذه الأبيات الشعرية هي بمثابة سرد ذاتي لحالة الاكتئاب التي عانى منها الطبيب الأديب ابن هذيل لحالة الفقد والمرض.
كما نذكر من غرناطة الطبيب الأديب وصاحب الموشحات الأندلسية "جادك الغيث"، لسان الدين ابن الخطيب الذي نقل عنه شعرا يفتخر به كونه طبيبا شاعرا (23).
الطب والشعر والكتابة سماتنا في بني النجابة
هــــــن ثــلاث مبلغات مراتبا بعضها الحجابة
استطاع الطبيب الأديب لسان الدين ابن الخطيب بغزارة علمه وتعدد معارفه الموسوعية أن يبدع في تأليف الكتب الطبية، بالإضافة إلى الدواوين الشعرية، من بينها: "عملُ من طبّ لمن حبّ"، حيث يصنف مثيله حاضرا نوعا من الكتب الموجزة في الطب " Handbook " وهو من بين الأوائل الذي شخص أعراض مرض العشق كمرض نفسي.
من دول الخليج العربي، نذكر الطبيب الأديب العماني راشد بن عميرة الذي انتهج السرد الأدبي في مؤلفاته الطبية بالاستعانة بالحكايات الشعبية حتى يوثق وصفاته العلاجية بعد تشخيصه للعلل المرضية في كتابه ذات اللمسة الشعرية "مختصر فاكهة ابن السبيل"( 24).
في بغداد كان الطبيب الأديب ابن بطلان قد أدرج براعته اللغوية الأدبية وصنعة الطب ليمزجهما بأخبار تنقلات الرحالة، فكان كتابه" دعوة الأطباء" هو بمثابة سيرة ذاتية متخيلة لطبيب جوال، والكتاب كما وصف في مقدمة محقق نسخة النشر "عبارة عن قصة أو مقامة طويلة كمقامات الهمذاني يعرض فكر المؤلف الطبي ومعارفه ليؤكد سمو الطبابة من خلال نقده لفئة الأطباء الذين يتمنون مرض الناس ليعيشوا، معرضاً بالأطباء الدجالين مشيراً إلى أن المهنة بعيدة عن الخرافة والشعوذة." (25).
إن قراءة الكتب التاريخية تفيدنا بأن عصر الحضارة الإسلامية قد حضن دونما إقصاء لكل أهل الديانات السماوية، وفتحت الآفاق لكل مساهم في الصلاح والإصلاح من أهل الذمة، فكانت مساهمتهم في حركة الترجمة هي من إحدى محركات الحضارة الإسلامية ومن بين الدعائم للابتكارات العرب المسلمين.
في مجال الطب، كان المترجم الموسوعي والطبيب الإكلينيكي حنين ابن إسحاق الذي كان عارفا باليونانية والسريانية وفصيحا بالعربية والتي استطاع بها إنتاجه في الترجمة الطبية أن يغزر مصادر الإبداع الطبي من خلال عناوين مؤلفاته الذكية والمميزة، من بينها: "تحفة الأولياء وذخيرة الأطباء"، وكتاب "امتحان الأطباء"، وكتاب " في أن الطبيب الفاضل لابد أن يكون فيلسوفاً"، كما عطر الطبيب الأديب إنتاجه العلمي بلمسة شعرية (26):
أنا ابن الذين استُودِع الــطب فــيهم وسمــــــوا بــه طفل وكهل ويافع
بــصرني أرسطوطا ليس بــــارعا يــقوم مـني مــــــنطق لا يـــــدافع
وأبـــقراط في تفصيل ما أثبت الألى لنا الضر والأسقام طب مضارع
وما زال جالينوس يشفي صـدورنا لــما اخـــــــتلفت فيه علينا الطبائع
ويحيى بن ماســــويه وأهرن قــــبله لـــهم كتــب للنـاس فيـــــها منافع
رأى أنه في الطب نيلت فلم يــــكن لــــنا راحـة من حفظها وأصابع
أما في العصر الحديث، فلقد توالت أجيال من الأطباء الأدباء العرب الذين عكفوا على نفس المنوال، وعلى سبيل الاستدلال نذكر من بينهم: الطبيب الأديب والشاعر الرومانسي من مصر، إبراهيم ناجي الذي أفصح عن نوع كتاباته الروائية: " أزاول الطب كأنه فن، وأكتب الأدب كأنه علم، أي أراعي فيه المنطق والتجديد والوضوح" (27). لهذا كانت روايته " مدينة الأحلام " تعكس رومانسية الشاعر وتجربته العاطفية الشخصية. الروائي إبراهيم ناجي المشهور عنه أنه طبيب الفقراء، حيث غالبا كان يعالج مجانا مرضاه، وهو صاحب القصيدة الشعرية "الأطلال " التي لحنها السنباطي وغنتها ملكة الطرب العربي السيدة أم كلثوم، ولقد زاوج بإبداع خارق بين الطب والأدب الرومانسي، حيث أفصح عن وجدانياته:
قل للذي يبغي الصلاح لقومـــــه بنبيل صنع أو شريف جهادِ
بالطب أو بالشعر أو بـــــــكليهما كل الجهود فداء هـذا الوادي
لا خير في قلم إذا هو لَم يــــــكن حراً طهوراً كالشعاع الـهادي
لا خير في طــــب إذا هو لم يزر ظلم الحياة كفرحة الأعـــــيادِ
لقد خلص الطبيب الشاعر إبراهيم ناجي في مزاوجته للطب والشعر فوائد أشار إليها في ديوانه (ليالي القاهرة): "الشعر عندي هو النافذة التي أطل منها على الحياة، وأشرف منها على الأبد... وما وراء الأبد... هو الهواء الذي أتنفسه ...وهو البلسم داويت به جراح نفسي عندما عز الأساة، هذا هو شعري".
لم يكن الطبيب الأديب إبراهيم ناجي بمثابة وعاء لمواهب أدبية وفنية فحسب، بل صقلها بالدراسات الأكاديمية و" أعطى اهتمام بالوظيفة التعبيرية للأدب والذاتية للشعر" (28)، كما أفاض بوجدانه فأشعر:
ناس تسأل... والهواجـس جـــــمة طب وشـعر كيـــــف يتفقان
الشعر مرحــــــــمة النفوس وسره هـــبة الســماء ومنحة الديان
والــــــــطب مرحمة الجسوم ونبعه من ذلك الفيض العلي الشأن
وعززت موجة أدب المهجر تحت مظلة مذهب الشعر الرومانسي ما خلفه في هذا التيار الأدبي الطبيب الأديب أحمد زكريا أبو شادي الذي أفرغ تجارب حياته وسعتها من الآلام ليصقلها بأنواع من الفنون الأدبية التي شملت مرارات أمته العربية (،29). كما وصف الطبيب الأديب أحمد زكريا أبو شادي أعراض الغربة استنادا من تنقلاته المتعددة حيث عبر عنها في شعره (30)
أنا لا ألوم الــغاـــــفلين إذا أبوا شعري وعابوا روعتي ورواتي
هل يدركون قصــــيدة لـــعواطفي وهــــــم الذين أبوا قصيد حيات
أحيا لغيري والــدقائق مـــــــلؤها نغمي ومــــــلء دــوعها أبـــــياتي
ستعيش روحي في جديد دائم للشــــعـر ثم تعـــــيش بعد مماتي
وأبدع الطبيب الأديب المصري يوسف إدريس في القصة القصيرة والرواية، حتى لقب بطبيب القصة القصيرة، أو تشيكوف العرب، أو أديب الواقعية، أو أمير القصة القصيرة. لقد شغل الطبيب الأديب يوسف إدريس بهموم الناس وفئة البسطاء منهم والمهمشين، الأمر الذي دعا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين لأن يقول عنه: "أجد فيه دائماً من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء، مثلما وجدت في كتابه الأول: "أرخص ليالي"، على تعمق للحياة وفقه لدقائقها وتسجيل صارم لما يحدث فيها" (31). لقد شاءت أن تعكس روايات يوسف إدريس بعض من السرد ذات الأبعاد الطبية، مثل روايته "تلميذ طب"، كما تعددت مؤلفاته القصصية حتى اقتبست بعض من أفكاره التي رقته إلى اقتحام مجالات فنية من كتابة الحوار للمسرحيات وعدد من الأفلام السينمائية، من بينها مراجعته الدرامية لفيلم "حدوتة مصرية" التي أخرجها يوسف شاهين عام 1982م، والتي تعكس في عمقها جانبا من سيرته الذاتية حينما قرر أن تعمل له العملية الجراحية على قلبه.
في هذه السلسة من الأمثلة غير حصرية، نذكر الطبيب الأديب نجيب الكيلاني الذي جمع ما بين الدراسات الأدبية والسرد ذو الصبغة الطبية. ففي مؤلفاته الروائية ثراء زاخر ونوعي، من بينها المجموعة القصصية الموسومة: "حكايات طبيب"، حيث يجول مؤلفها بين واقع العلاقة بين الطبيب والمرضى. إنها قصص تعني في طياتها بمقتطفات من سرد لحياته الشخصية، وقد عبر الكاتب بنفسه عن هذه التناغمية:" الطبيب الفنان عندما يرصد تلك الوقائع كلها بقلب متعاطف، وعقل متفتح، يستطيع أن يصفها تصويرا إنسانيا دقيقا، فيساهم بذلك في الكشف عن نوازع النفس الإنسانية، وسموها وسقوطها، وقوتها وضعفها، وإيمانها وضلالها، إن الأمر عندئذ يبدو جديرا بالنظر والاهتمام، لأنه خطوة كبرى لمعرفة الذات، والعلاقات المختلفة التي تربطها بالوجود والناس والآمال...ولقد كتب كثير من الأطباء تاريخ حياتهم أو صوروا لقطات من أهم الأحداث التي مرت بهم وتخطوا ذلك إلى البيئات التي عملوا بين ظهرانها" (32). بهذا النتاج الكمي والإبداعي للطبيب نجيب الكيلاني فقد وصفه الكاتب نجيب محفوظ "إنه بلا منازع المُنظر للأدب الإسلامي".
ونذكر الطبيب الأديب المصري مصطفى محمود، الذي إشتُهر بـلقب " المشرحجي"، نظرًا لوقوفه طوال اليوم أمام أجساد الموتى، طارحًا التساؤلات حول سر الحياة والموت وما بعدهما. لقد انعكس تصوفه الفكري على نتاجه الأدبي بأسلوب السرد الواقعي ذو الأبعاد الفكرية والفلسفية. كما أفصح حين سؤاله حول طبيعة ميولته الأدبية: " للطب علاقة وثيقة بالحياة وأسرارها وخفاياها، فالطبيب هو الوحيد الذي يحضر لحظة الميلاد ولحظة الموت، وهو الذي يضع يده على القلب ويعرف أسرار نبضه، وكل الناس يخلعون ثيابهم وأسرارهم، بين يدي الطبيب، فهو الوحيد الذي يباشر الحياة عارية من جميع أقنعتها، وبما أن الطب علم، والأدب علم، فالتكامل في الحياة البشرية قضى بأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر، يعني الطب والأدب، وكذلك الطبيب والأديب" (33).
النتائج:
1-إن التجسير بين مختلف التخصصات الجامعية العلمية والأدبية له دلالته في الممارسات اليومية في عدة نشاطات مهنية من بينها التطبيب والاستشفاء.
2- إنّ الطب السردي الذي يعتد به في أرقي كليات الطب العالمية أمكن توظيفه في البيئة العربية بواسطة الأدب العربي الأصيل.
3-إن البحث الأكاديمي من خلال مسح مكتبي للنتاج الأدبي ذات الصلة بآهات المريض أمكن أن يعزز التكوين الجامعي لدى طلاب الطب وأن يعمم لكل تخصص ذات الصلة في علم النفس.
المصادر:
- Fusaro, Edwige Comoy. The Neurosis Between Medicine and Literature: Epistemological Approach to Nervous Diseases in Italian Narrative, 1865–1922. Edizioni Polistampa, 2007.
- Woolf, Virginia. On Being Ill. Translated into French by Élise Argaud. In Selected Essays, Gallimard, 2015.
- De Montaigne, Michel. Essays. Gallimard, Bibliothèque de la Pléiade, 2007.
- Maugham, William Somerset. Liza of Lambeth. Norilana Books, 2008.
- Gardou, Charles. “Jean-Jacques Rousseau: From the Crippled Wanderer to the Giant of Literature.” Revue Reliance, vol. 3, no. 17, 2005, pp. 134–143.
- Bensoussan, David. La Maladie de Rousseau. Klincksieck, 1974.
- De Quincey, Thomas. Confessions of an English Opium Eater. 1821.
- Simonet, Mathieu, and Sarah Anne Kertudo. L’avocate du handicap. Seuil, 2019.
- Aronson, Jeffrey K. “Autopathography: The Patient's Tale.” British Medical Journal, vol. 321, no. 7276, 2000, pp. 1599–1602.
- De Kerangal, Maylis. Mend the Living. Éditions Verticales, 2013.
- Al-Rumi, Yaqut al-Hamawi. Mu‘jam al-Adibāʾ: Irshād al-Arīb ilā Ma‘rifat al-Adīb. Dar al-Gharb al-Islami, 1993.
- Al-Rafi'i, Mustafa Sadiq. Waraqāt al-Wurūd [Petals of Roses]. Hindawi Foundation, 2012.
- Al-Malaika, Nazik. Issues of Contemporary Poetry. Maktabat al-Nahda, 1962.
- Mishri, Abdulaziz. The Flowers Seek Vessels. Dar al-Ilm, 1987.
- Damnahuri, Hamed Hassan. The Price of Sacrifice. Dar al-Fikr, 1969.
- Al-Bahiri, Naemat. Diary of a Radiant Woman. Maktabat al-Usra, 2006.
- Tchekhov, Anton. Contes humoristiques. Translated into French by Madeleine Durand and Édouard Parayre, Éditions Messidor, 1987.
- Doyle, Arthur Conan. The Adventure of the Dying Detective. 1913.
- Hassan Awda. Céline Louis-Ferdinand: Journey to the Ends of the Night. Arabic translation, General Organization of Syrian Book Publishing, 2016.
- Segalen, Victor. Les Cliniciens ès-lettres. Cadoret, 1902, p. 86.
- Boulenger, Jacques. Introduction to the Complete Works of Rabelais. Bibliothèque de la Pléiade, 1941.
- Al-Tilmisani, Abu al-Abbas Ahmad Ibn Muhammad al-Maqari. Nafḥ al-Ṭīb min Ghuṣn al-Andalus al-Raṭīb. Edited by Maryam Qasim Tawil and Yusuf Ali Tawil, Dar al-Kutub al-Ilmiyyah, 2011.
- Bajj, Ahmad Hassan. Lisan al-Din Ibn al-Khatib: His Era, Environment, Life, and Works. Dar al-Kutub al-Ilmiyyah, 1994.
- Al-Harthi, Jokha Mohammed. “The Narrative Inclination in Mukhtasar Fakihat Ibn al-Sabil.” Majallat al-Adab, vol. 30, no. 2, 2018, pp. 103–119, King Saud University, Riyadh.
- Ibn Butlan, Mukhtar Ibn al-Hasan. Invitation to Physicians: Pages from Arabic Medical Literature. Edited by Izzat Omar, Dar al-Fikr, 2003.
- Barakat, Mohammad Murad. “Ḥunayn Ibn Ishaq the Encyclopedic Translator.” Al-‘Arabi Magazine, no. 610, 2009.
- Naji, Ibrahim. Cairo Nights: Collected Poems. Dar al-Kutub al-Ilmiyyah, 1993, p. 85.
- Awaida, Kamil Mohammad. Ibrahim Naji: The Poet of “al-Atlal”. Dar al-Kutub al-Ilmiyyah, 1993.
- Dhiyaa, Shawqi. Contemporary Arabic Literature. Dar al-Ma'arif, 1992.
- Abu Shadi, Ahmad Zakariya. Specters of Spring. Hindawi Publishing, 2017.
- Campbell, Robert. Notables of Contemporary Arabic Literature. United Distribution Co., 1996, p. 233.
- Kilani, Naguib. Tales of a Doctor. Dar al-Sahwa, 2015.
- Al-Ashri, Jalal. Mustafa Mahmoud: A Witness of His Time. Dar al-Ma'arif, 1997.