|
|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
ثُنائِيَّةُ الظُّهُورِ وَالخَفَاءِ في شِعرِ عليٍّ بنِ جبلةَ العَكوكِ (ت 213هـ)
|
|
|
|
رحمة صدام نافع حسن 1 مازن موفق صديق الخيرو2
|
|
|
|
2 1 قسم اللغة العربية ، كلية التربية للبنات ، جامعة الموصل ، الموصل، 41012، العراق
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 17 August 2024
Revised: 19 September 2024
Accepted: 25 June 2025
|
|
يتناول البحث دراسة (ثنائية الظهور والخفاء في شعر علي بن جبلة العكوَّك)، وهو شاعر عباسي عرف بشعره الذي يعكس طبيعة الحياة والوجود من خلال تصوير مظاهر الظهور والخفاء في قصائده؛ إذ يركز البحث على تحليل النصوص الشعرية؛ للكشف عن الأبعاد الفنية والجمالية لها، والتركيز على الدلالات المعنوية التي يحملها هذين المفهومين لإضفاء بعد جمالي وفلسفي على شعره، وتم اختيار الشاعر علي بن جبلة العكوك كموضوع للبحث بسبب تقنياته الفنية المتميزة، ولغته الشعرية الجزلة، وأسلوبه الشعري المرهف.
الكلمات المفتاحية: ظهور، خفاء، ثنائية ، شعر ، العكوَّك، مظاهر.
|
|
Keywords:
Corporate governance
Financial government
Artificial intelligence
Collaborative culture
Technological revolution
|
|
Corresponding Author
Rahma Saddam Nafea
[email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i2.a2, ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
Developing the Role of the Local Aviation Sector in the Sustainable Development of Nineveh Governorate
Nafea R. S. Al-Khairo, M.M.S.
Abstract:
Praise be to Allah, the Lord of all worlds, and may peace and blessings be upon the Seal of the Prophets and Messengers, our Master Muhammad, and upon his family, companions, and those who follow them with righteousness until the Day of Judgment. This research examines the study of the "Duality of Appearance and Concealment in the Poetry of Ali Ibn Jabalah Al-Akouk," an Abbasid poet known for his poetry that reflects the nature of life and existence through the depiction of the manifestations of appearance and concealment in his poems. The research focuses on analyzing poetic texts to uncover their artistic and aesthetic dimensions and emphasizes the semantic meanings carried by these two concepts to impart an aesthetic and philosophical depth to his poetry. The poet Ali Ibn Jabalah Al-Akouk was chosen as the subject of the research due to his distinctive artistic techniques, his eloquent poetic language, and his refined poetic style.As a result, the primary recommendations emphasize the significance of additional research, analysis, and development to increase success and compatibility while lowering the chance of contradiction and limiting risks. This is in addition to assessing utilization consequences, notably the influence on the competitive environment and the development of collaborative management in firms.
مقدمة البحث
اتخذت لفظة (الثُنائية) مساحة واسعة في المعاجم اللغوية، فقد جاءت بدلالات مختلفة أشار إليها أهل اللغة ومن بينهم الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ)؛ إذ يقول: "الثَّنْيُ من كلّ شيء: ما يُثْنَى بَعْضُه على بَعْض أطباقاً" (1)، والمثاني من القرآن: ما كان أقل من المائتين، وتسمى سورة الفاتحة مثاني؛ لِأَنَّها تثنى في كل ركعة (2)، ويقول أحمد بن فارس (ت ٣٩٥هـ): "الثاء والنون والياء أصلٌ واحد، وهو تكرير الشَّيء مرّتين، أو جعلُه شيئين متوالييَن أو متباينين" (3)، وجاء في اللسان "ثنَّيت الشيءَ: جعلته اثنين. وجاء القومُ مثنى مثنى أي: اثنين اثنين" (4)؛ لذا نجد أنَّ معنى الثُنائية في اللغة تحمل بين طياتها دلالة الجمع بين شيئين أو طرفين، أي تحمل الرقم اثنين.
أما اصطلاحاً فقيل في تعريف الثُنائية: هي مصطلح يطلق "على كل مذهب فكري أو اتجاه يقسم كل شيء بطريقة أو بأخرى إلى مقولتين أو عنصرين، أو إنه يستمد جميع الأشياء من مبدأين، أو أنّه يرفض أن يسلم بما يزيد أو ينقص عن جوهرين"(5)، وورد في المعجم الفلسفي بأنَّ "الثنائي يكون من الأشياء ما كان ذا شقين. والثُنائية هي القول بزوجية المبادئ المفسرة للكون"(6)، ومن التعريفات الأخرى للثُنائية ما جاء في قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية الذي أورد الثُنائية بأشكال متعددة ومنها أنَّ الثنائي وصف للحروف المؤلفة من حرفين نحو(لم، هل، من)، والثُنائية هي في فقه اللغة نظرية تقول: إنَّ أصل الكلمات في اللغة جذر مؤلف من حرفين أو صوتين، وثُنائية اللغة: وجود لغة واحدة بمستويين مختلفين واحد عامي والثاني فصيح عند شعب ما، وذلك كوجود اللغة العامية بجانب اللغة الفصحى عند العرب (7)، فالثُنائية في الاصطلاح الأدبي لا تخرج عن الإطار المخصص لها ولا تختلف كثيراً عن معناها اللغوي، فهي قائمة على التباين والتوافق بين الأشياء.
تتشابه معاني الظهور عند اللغويين؛ إذ تدل لفظة (ظهر) على قوةٍ وبروز بمعنى الشَّيء الظاهر، أي المتكشف والبارز ومنه جاءت نسبة وقت الظُّهر والظَّهيرةَ؛ لِأَنَّه أظهر أوقات النهار وأضوؤها (3)، كما إنَّ الظاهر ضدَّ الباطن، وظهر الشَّيء تَبيَّن "وأتضح بعد خفاء، تبيَّن وجوده ظهر الحق، وظهرت سُحُبُ الدُّخان في الأفق، وظهر الغضب على وجهه، وظهر الفرح على وجهه: تبين وارتسم" (8)، نفهم من هذا أنَّ الظهور ما يظهر في الحواس أو نستشعر به على وجه الحقيقة، فهو الظاهر والمنكشف والبارز والبَّين على مستوى الماديات والمعنويات التي نراها بالحواس الخمس.
أما الخفاء فمعناه السِّتر، وبرحَ الخفاء أي وَضَحَ السِّرُ وبدا، واختفى الشيء: استتر وتوارى ولم يظهر(3)، فالتخفي معارض للظهور ويقابل ثُنائية المباشرة والضمنية، التي يطلق عليها الظهور أو التجلي بالبنية السطحية، وعلى الخفاء البنية العميقة (8)، فثُنائية الظهور والخفاء تُعَدُّ من الركائز المهمة في وجود الإنسان "فالنفس البشرية أياً كانت لا بدَّ أن تجمع الثُنائيات بين جوانبها التي تتكشف أحياناً وتختفي أحياناً أخرى"(9)، وهذا معروف وجلي عند استعمالنا للثنائيات، فقد يجتمع الضدان معاً بصورة فطرية أو لا إرادية وكأن الأثنين لا يمكن انفصالهما عن الآخر بغض النظر إلى المعاني الحقيقية والظاهرة التي أراد المبدع البوح بها، فالعلاقة بينهما تقتضي ظهور الأَوّل مقابل اختفاء الثاني وإلغاءه، أي أنَّه لا يمكن للشيء أن يظهر ويختفي في ذات الوقت(10)، لذا فإنَّ اللجوء إلى هذه الثُنائية - الظهور والخفاء - غايةُ ومسعى يُعول عليهما المبدع من أجل تحقيق الفرادة في العمل والاستثناء في التعبير، وضمان عدم انفلات القارئ من قبضة النَّص(11).
وقد أثارت هذه الثُنائية جدلاً كبيراً؛ لكثرة الألفاظ أو المصطلحات التي تتداخل معها، فهناك مصطلحات مقاربة لعنوان المبحث من مثل (الاختفاء / الانتشار) و(الحضور / الغياب)، و(الانفتاح / الانغلاق)، و(الإضمار / الإظهار)، و(الخفاء / التجلي)، و(الظاهر / الباطن)، و(المقيد / المطلق) (11)، أما فيما يخص الظاهرة الشعرية، فإننا نلاحظ "أن الشعر يقوم على كل منها وبقدر ما تكون ثُنائية الظهور والخفاء قوية بقدر ما يكون النَّص الشعري قوياً ومعبراً، وإذا أردنا أن نُنَزّل المصطلحين مدار الشعر فإننا نلاحظ أن الظهور يمثّل التشكيل والخفاء يمثل الدّلالة"(10)، هذا من حيث ما أراد الشَّاعر إخفاءه.
والعَكَوَّك شاعرٌ مُكثر من الثُنائيات التي تقع تحت هذه المسميات، فهو بالتالي إنسان له شعوره الخاص فيما يبديه ويضمره من مشاعر جياشة تجعله في زاوية من التوتر، وإنَّ "طغيان الثُنائيات الضدّية يعطي القصيدة شعوراً بالتوتر يتجلى في هذه الأطراف الضدّية، وسيؤثر هذا الأمر في المتلقي حين يتنقل بين المفارقات من مفارقة إلى أخرى(12)، وهذا ما يميز عمل الثُنائيات في النَّص الشعري؛ ليجعله أكثر قوة ودلالة.
ومن المواطن التي تتجلى فيها بروز ثُنائية الظهور والخفاء في وصف الشَّاعر لفرس ممدوحه (أبي دلف) بأروع صورة فنية، قائلا (13): ]الرجز[
رُمنَا بِهِ الصَّيْدَ فَرَادَيْنَا بِهِ
أَوابِدَ الوَحْشِ فَأَجْدَى وَاِكْتَسَبْ
مُحْتَدِمَ الجَرْي يُبَارى ظِلَّهُ
وَيُعرِقُ الأَحْقَبَ في سَوْطِ الخَبَبْ
إِذا تَظَنَّيْنا بِهِ صَدَّقَنَا
وَإِنْ تَظَنَّي نَوْتَهُ العِيرُ كَذَبْ
لا يَبلُغُ الجَهدَ بِهِ راكِبُهُ
وَيَبلُغُ الريحَ بِهِ حَيثُ طَلَب
تتجلى الثُنائية في النَّص الشعري بين الدالين (صَدَّقَنَا / كَذَبْ) في وصفه لفرس أبي دلف، فالطرف الأَوّل (الصدق) يمثل الظهور، وهذا معروف وجلي؛ لِأَنَّ الصدق لا ريب في إظهاره، فهو أمرٌ حسنٌ يحمد قوله على الضدِّ من لفظة (الكذب) الطرف الثاني من الثُنائية التي غالباً ما يراد منها إخفاء الحقائق "فالصدق عمود الدين، وركن الأدب، وأصل المروءة فلا تتم هذه الثلاثة إلا به"(14)؛ لذا نجد (الصدق ضد الكذب) ضدين قصدهما الشَّاعر، فعمد عن طريق هذه الأبيات لرسم صورة الفرس كوصف أمرؤ القيس لفرسه من حيث سرعة حركته وجمال شكله، فهذا النموذج الوصفي يتوافق مع صورة ممدوح – الفرس – وهذه الثُنائية قد توافقت مع حركة الفرس وخلقت شيء من التوتر التي نتجت عنه شعرية النَّص، وهذا الوصف لا ينتج إلا من رسام مبدع عالمٌ بصفات الجواد الأصيل.
ونجد أنَّ الشَّاعر استعمل الألفاظ (رُمنَا، فَرَادَيْنَا، اِكْتَسَبْ) كلها تدل على همة وعزيمة منقطعة النظير تزيد من مكانة الفارس أبي دلف، وهذا ما يتوافق مع قوة الفرس وجعله أكثر ظهوراً، كما استعمل أسلوب التكرار من خلال بنية الجار والمجرور ثلاث مرات (رُمنَا بِهِ، فَرَادَيْنَا بِهِ، تَظَنَّيْنا بِهِ) التي أعطت انسجاماً وتناغماً للنص الشعري، فضلاً عن تكرار الدال اللغوي تظن (تَظَنَّيْنا، وتَظَنَّي) التي كان لها الأثر الأكبر في وضوح دلالة الثُنائية ، والظن هو مخالف للصدق والكذب، فالتكرار يُعدُّ من "الأساليب التعبيرية الدقيقة ... يكشف عن أبعاد مختلفة في العمل الأدبي"(15)، ومن المؤكد أنَّ العَكَوَّك يُعدُّ شاعراً مكفوفاً يختلف عن بقية الشعراء من حيث وصفه الحسي العالي لصورة الفرس، فهو بهذا أراد التفوق على مبصريه من حيث إضفاء معاني ودلالات جديدة وعميقة للنص الشعري.
ويسترسل الشَّاعر بتوظيف ثُنائية الظهور والخفاء التي تُظهر قوة خيل الممدوح بمصارعة ومواجهة الأهوال قائلاً(13): ]الرجز[
تَكَادُ تَبْدِي الأَرْضُ ما تُضْمِرُهُ
إِذا تَدَاعَتْ خَيْلُهُ هَلَّا وَهَبْ
وَيَسْتَهِلُّ أَمَلًا وَخِيفَةً
جَانِبُها إِذا اِسْتَهَلَّ أَوْ قَطَبْ
وَهْوَ وَإِنْ كَانَ اِبنَ فَرْعَىْ وَائِل
فَبِمَسَاعِيهِ تَرَقَّى في الحَسَبْ
وَبِعُلاه وَعُلَا آبائِهِ
تُحْوَىُ غَدَاةَ السِّبْقِ أَخْطَار القَصَبْ
يتضح من قراءة النَّص وجود ثُنائية الظهور والخفاء في لفظتي (تَبْدِي / تُضْمِرُهُ)، فطرف الأَوّل للثُنائية (تَبْدِي) يدل على الظهور وهو ما كان واضحاً ومتضاداً للفظة (تُضْمِرُهُ) التي تدل على التخفي والستر، فالذات الشعرية قد اختارت ألفاظاً مناسبةً ودقيقةً للقصدية التي أرادت البوح بها، فالذات الشعرية قد رسمت عن طريق الثُنائية (تَبْدِي / تُضْمِرُهُ) صورة دقيقة لقوة خيل الممدوح التي تُخرج الأثقال من الأرض من شدة تدافعها عليها، ويستمر الشَّاعر في إظهار صفات ممدوحه من خلال تكراره لفظة عُلا في قوله: (َبِعُلاه وَعُلَا آبائِهِ) التي تؤكد أصاله نسبه وطيب معدنه وشجاعته فهو سبَّاق للإخطار.
ونجد مظاهر الظهور والخفاء في وصف الشَّاعر للخمرة؛ إذ يدعو من يسمعه إلى الاستمتاع بشرب الخمرة، والتي يفضلها عن مُتع الحياة، متجاهلاً الآثار السلبية لهذه الأفعال، قائلاً(13): ]الوافر[
دَعِ الدُّنْيَا فَلِدُّنْيَا أُنَاس
أَلَذُّ العَيْشِ إبريقُ وَطَاسُ
وَصَافِيةُ لَها في الرَّأسِ لينُ
ولَكِنْ في النُّفُوسِ لَها شِماسُ
تتكشف ثُنائية الظهور والخفاء في (لها في الرأس لين / في النُّفُوسِ لَها شماس)، فالشَّاعر أتى بالثُنائية؛ ليجسد تأثير الخمر على شاربه، بواسطة متضادين، فالشَّاعر يقدم لنا تصويراً لشربِ الخمر فهو الذي يحدث ليناً في الرأس فيأخذ بلب شاربه ما يشير إلى تأثيره على العقل، ولكنها بالمقابل، تظهر شماسة في النفوس، مما يشير إلى تحفيزها للمشاعر العميقة والجموح الداخلي؛ إذ تبعث جموح النفس وتستحثها لمواجهة الخطوب، فهذه الثُنائية تتجاوز الوصف الظاهري لتصبح أداة للإيحاء والتعبير عن التناقضات الداخلية للإنسان داخل البنية اللغوية، فتكون نمطاً خاصاً أوله واضح جلي، وثانيه إيحائي خفي؛ لذا أصبح النَّص ذا دلالات جديدة له قيمة جمالية وتأويلية أنتجته ثُنائية الظهور والخفاء، فضلاً عن طريقة سبكه وتماسكه الذي يوحي بالمعاني والصور الدقيقة.
وتوظف الذات الشعرية مظاهر الرفعة والتعالي بلفظتي (الرَّأْسُ / الذَنَبْ) التي تحمل معاني الظهور والخفاء؛ لتصوّر من خلالها قيم وأخلاق أبي دلف، قائلاً (13)
]الرجز[
يا زَهرَةَ الدُنيا وَيا بابَ النَدى
وَيا مُجيرَ الرُعبِ مِن يَومِ الرَهَب
لَوْلَاكَ ما كانَ سَدًى وَلا نَدًى
وَلَا قُرَيْشٌ عُرِفَتْ وَلَا العَرَبْ
خُذْهَا إِلَيكَ مِنْ مَلِىءٍ بِالثَّنَا
لكِنَّهُ غَيْرُ مَليءٍ بِالنَّشَبْ
وَأَثْوِ في الأَرْضِ أَوْ اِسْتَفزِزْ بِها
أَنْتَ عَلَيها الرَّأْسُ وَالنَّاسُ الذَنَبْ
تتكشف ثُنائية الظهور والخفاء في النَّص الشعري في البيت الأخير منه (الرَّأْسُ / الذَنَبْ)، فطرف الثُنائية (الرَّأْسُ) يدل على الظهور، والآخر (الذَنَبْ) يدل على الخفاء، وهذا واضحُ وجليُ؛ لِأَنَّ (الرَّأْسُ) يكون في المنطقة العليا التي تكون أكثر وضوحاً وتبياناً من (الذَنَبْ) الذي يكون مخفياً، وهذا ما يتلائم مع صورة أخلاق الممدوح أبي دلف وحسن أفعاله ومكانته الواضحة للعيان، فهو كالرأس الأشم والناس هم الذنب، وهنا دلالة ونوع من التحقير وكأنهم كلهم تبع وهو سيد القوم ورئيسهم، فالشَّاعر قد أبدع في توظيفه لدلالة (الرَّأْسُ / الذَنَبْ)، وهذا ما يتوافق مع أسلوب النداء الذي نادى به بقوله: (يا زَهرَةَ الدُنيا)، و(وَيا بابَ النَدى)، و (وَيا مُجيرَ الرُعبِ مِن يَومِ الرَهَب) كلها تتوافق مع لفظة (الرَّأْسُ) التي تتميّز بالرفعة والشموخ، وهذا ما يؤكده الشَّاعر من خلال استحضاره لأسماء القبائل في قوله: (لَا قُرَيْشٌ عُرِفَتْ وَلَا العَرَبْ)؛ ليرسم شخصية ممدوحه بصورة مثالية يتعالى بها على الجميع.
ونجد ثُنائية الظهور والخفاء تقترب وتحمل معنى الحضور والغياب؛ لتعطي صورة جميلة لحميدٍ الطوسي، فيقول(13) ]الطويل[
ذَهَبْتَ بِأَيَّامِ النَّدَى فَارِدًا بِها
وَصَرَّمْتَ عَنْ مَسْعاكَ شَأْوَ المُطالِبِ
وَعَدَّلْتَ مَيْلَ الأَرضِ حَتَّى تَعَدَّلَتْ
فَلَم يَنْأَ مِنها جَانِبٌ فَوْقَ جانِبِ
بَلَغْتَ بِأَدْنَى الحَزْمِ أَبْعَدَ قُطْرِها
كَأَنَّكَ مِنْهَا شَاهِدٌ كُلَّ غائِبِ
يكشف النَّص الشعري عن وجود ثنائيتين ضدّيتين هما (عَدَّلْتَ / مَيْلَ)، و(شَاهِدٌ / غائِبِ)، فالفظتان (عَدَّلْتَ) و(شَاهِدٌ) تدلان على الظهور والحضور، واللفظتان (مَيْلَ) و(غائِبِ) تدلان على الخفاء والغياب؛ إذ يؤكد الشَّاعر بأن له حضوراً فعالاً يسدّ نقص الغائبين في مواطن يصعب وصولها، فقد بلغ الغاية القسوة لها، فكان حضوره شاهداً في ساحة الوغى.
وأوردت الذات الشعرية في البيت الثاني الجناس الاشتقاقي بين لفظتي (عَدَّلْتَ، تَعَدَّلَتْ)؛ لإيضاح المعنى المدحي الذي له دور كبير في الخطاب الشعري في بروز شخصية الممدوح حميد الطوسي من حيث قدرته على تعديل ميلان الأرض التي تكون ذا صفةٍ تتميّز بالخفاء وجعلها أكثر مقبوليةً ووضوحاً، فضلاً عن إسهام اللفظتين في الحفاظ على البنية الإيقاعية لما لهما من وقع مؤثر في نفس المتلقي؛ إذ يهدف إلى "توكيد الفكرة والتركيز على المعنى المقصود، ومنح اللفظ المكرر طاقة شعرية تحيل إلى بؤرة إيقاعية ودلالية في النَّص، بوصفه أحد المكونات الأساسية للبنية المتشابكة مع العناصر الأخرى"(16)، فالتجانس الصوتي ساعد في إضفاء جمالية خاصة في تقديم صورة الممدوح حميد الطوسي، فالشَّاعر في هذا النَّص تمكن من اختيار الكلمات المناسبة التي تدل على الكرم والشجاعة (النَّدَى، عَدَّلْتَ، مَيْلَ، تَعَدَّلَتْ، الحَزْمِ، شَاهِدٌ، غائِبِ) لوصف ممدوحه، وكأن هذه الألفاظ تنسجم مع الممدوح وتكون ذا كفاية له مشكلةً لوحةً فنيةً جميلةً.
يكشف النَّص عن ثُنائية الظاهر والباطن بحرفةٍ إبداعية، في قوله(13) ]الرجز[
إِلَى حُمَيْدٍ مُسْتَراحِ الرِّفْدِ
مُحْرِزِ إِرْثِ الحَمْدِ وَاِسْمِ الحَمْدِ
إِلَى الَّذي سَنَّ بِنَاءَ المَجدِ
بِكُلِّ غَورٍ وَبِكُلِّ نَجْدِ
أَفْنَت مَساعِيهِ حِسابَ العَدِّ
لَهُ بِكُلِّ أَكمَةٍ وَوَهْدِ
النَّص الشعري هنا هو نتيجة لتجربة إبداعية ممزوجة بمشاعر وأحاسيس تظهر من خلال التقابل الضدّي فلا يَقْدم الشَّاعر على شرحها أو تحليلها إنَّما يصورها عن طريق ثنائية الظهور والخفاء؛ إذ يتضح من قراءة النَّص وجود ثنائيتين ضدّيتين هما (غَورٍ / نَجْدِ)، فالغور ما استتر من الأرض، والنجد ما ارتفع من الأرض واستوى(4)، فالدلالة على إنَّ (النَجْدِ) ظاهراً وجلياً في مواطن التخفي وهي دلالة على سموِ خلقه، فالمجْد لا يُبنى ولا يُسن إلا بالتضحية والتواضع والكرم، وهذا ما جعله مشهوراً ومعروفاً وظاهراً بالسر والعلانية، وقد عضد النَّص بثُنائية ضدّية أخرى (أَكمَةٍ / وَهْدِ)، فطرف الثُنائية (أَكمَةٍ) يدل على الظهور والبروز وهي كوم الحجارة(4)، والطرف الآخر الـــ (وَهْد) يدل على عدم الوضوح، فهو "المطمئنُّ من الأرض والمكان المنخفض"(4)، وهذه الثُنائية مرادفة للثُنائية السابقة فكلاهما ما تتصف به الأرض من ارتفاع وانخفاض، فالشَّاعر كانت مساعيه واضحة في الصعاب والسهلة، وهذه كلها رسالات وأوصاف يسمو بها الموصوف حميد من خلال الأخبار المقدمة في النَّص (إِلَى حُمَيْدٍ، إِلَى الَّذي).
كما نجد تكرار لفظة (بكل) مع الثُنائيات (بِكُلِّ غَورٍ، بِكُلِّ نَجْدِ، بِكُلِّ أَكمَةٍ)، فضلاً عن حذفها من لفظة (وَهْد)، فهذه كلها أوصاف تدخل في إطار المبالغة والوصف الحسي لا البصري، فالشَّاعر بارعُ في رسم صور الممدوح وما يتلاءم مع السياق العام للقصيدة التي تصدر من شاعر مرهف لا يبصر الأشياء وإنَّما يصورها في مخيلته التي جاءت بأبهى الصور وأجملها.
ويرسم العَكَوَّك مشاعر الشوق والحرقة خلف ثنائية الظهور والخفاء، قائلاً(13) ]الطويل[
أَلاَ رُبَّ هَمٍّ يُمْنَعُ النَّوْمُ دُونَهُ
أَقامَ كَقَبْضِ الرَّاحَتَيْنِ عَلى الجَمْرِ
بَسَطْتُ لَهُ وَجْهْي لأَكْبتَ حَاسِداً
وَأَبْدَيْتُ عَنْ نَابٍ ضَحُوكٍ وَعَنْ ثَغْرِ
وَشَوْقِ كَأَطْرافِ الأَسِنَّةِ في الحَشا
مَلَكْتُ عَلَيهِ طَاعَةَ الدَّمْعِ أَنْ يَجْري
يُوَظِّف الشَّاعر في هذا النَّص الشعري الثُنائية توظيفاً جمالياً من خلال ذكره لفظة (بَسَطْت / أكْبتَ)، فطرف الثُنائية (بَسَطْتُ) يدل على الظهور من خلال بشاشة الوجه والضحكة الباسمة خافياً كل مظاهر الألم والحزن كي لا يفرح حاسداً، فاستعمل الشَّاعر لفظة (الكبت) التي تدل على الخفاء وعدم بيان مظاهر وحقائق ما يعانيه الشَّاعر من شوق متجذر في داخله، فالشَّاعر أراد من خلال هذه الثُنائية شحذ ذهن المتلقي وتحريك مشاعره وتصوير ما أراد رسمه؛ للولوج إلى ما ورائيات الأشياء، فجاءت هذه الثُنائية مخالفة مع ما تضمره النفس من آلام وهموم، كل ذلك من أجل كبت حسد الحساد عن ممدوحه أبي دلف، وهذا ما صوره الشَّاعر في البيت الأخير؛ إذ يماثل ألم شوقه بالرماح التي تطعنه في جسمه وما تحدثه في نفسه من ألمٍ جعلت الدمع يجري بلا تكلفٍ، وهذا متأتي من الدوافع النفسية وإن أخفيت في سطوره الرائعة التي نجح الشَّاعر في رسمها المعبر عن معاناته الدامية.
ويستمر العَكَوَّك في توظيف ثنائية الظهور والخفاء المتعلقة بالجانب الحسّي والتي تجمّل النَّص، قائلاً (13) ]المديد[
زُرتَهُ وَالخَيلُ عابِسَةٌ
تَحمِلُ البُؤسى إِلى عَقُرِه
خارِجاتٌ تَحتَ رايَتها
كَخُروجِ الطَيرِ مِن وُكُرِه
فَأَبَحتَ الخَيلَ عَقوَتَه
وَقَرَيتَ الطَيرَ مِن جزَرِه
وَعَلى النُعمانِ عُجتَ بِها
فَأَقَمتَ المَيلَ مِن صَعَرِه
غَمَطَ النُعمانُ صَفوَتها
فَرَدَدتَ الصَفوَ في كَدَرِه
وَتَحَسّى كَأسَ مُغتَبِقٍ
لا يُدالُ الصَحوَ مِن سُكُرِه
يبدو في النَّص الشعري ثنائيتين متضادتين تتمثل في (الصَفوَ / كَدَرِه) و(الصَحوَ / سُكُرِه)؛ إذ إِنَّ الشَّاعر واعٍ لاختياره الثُنائيات، فطرف الثُنائية (الصَفوَ) يدل على الظهور والنقاء، والآخر (كَدَرِه) يدل على الخفاء والتلوث، أي (غير واضح)، فخيال الشَّاعر وعاطفته كونت لنا صورة عابسة لخيل الممدوح، فذكره للألفاظ (عابسة، تحمل البؤسى، كخروج الطير من وكره، فأبحت الخيل، وقريت الطير)، إشارة إلى شراستها واستعادها وسرعتها فهي حاملة البؤس والهلاك إلى ساحة العدو ومتأهبة، فالشَّاعر نظم هذه القصيدة حين قُتل أخو أبي دلف، فرسم لنا صورة مشهدية بتصوير شعري؛ لذا جاءت الثُنائية (الصَفوَ / كَدَرِه) دلالة على أخذ أبي دلف بثأر أخيه عندما ارتكب النعمان -الخارجون عن أبي دلف- هذه الجريمة.
وأما الثُنائية (الصَحوَ / سُكُرِه) جاءت للدلالة على شدة المعركة وهولها، فالشَّاعر صور الممدوح بفارسٍ يتحسى الخمر وكأنه في عالم آخر لا يرى فيها هول المعركة، فاستعمل هذه الثُنائية لأجل الوقوف ثابتاً في المواقف الشديدة مما يجعله أكثر قوةً واندفاعاً للموت، فهذه الثُنائية جاءت لتتفاعل مع المتلقي، وتصور لنا صورة حية الخيال بعيداً عنها، فضلاً عن الانسجام الذي حققته هذه الثُنائية لتجعل المتلقي يحلق في جو المشهد الحربي الجميل.
كما نجد ثُنائية (الصفو / والكدر) قد كررها العَكَوَّك في مدحه لحميد الطوسي تارةً أخرى؛ إذ يقول(13)
مجزوء الرمل
كَدِرَ النَّاسُ وَصا
في النَّيْلِ ما فيهَ كُدُورُ
إنَّ ذات الشَّاعر بما تتضمنه من انفعالات وأفكار داخلية متصلة بها كانت وراء استنفار الموضوعات التي تشكلت منها الثُنائيات في هذا النَّص، فالشَّاعر عمد إلى إيراد ثنائية الظهور والخفاء (صافي/ كُدُورُ)، فالصافي ما كان واضحاً ومرئياً، وغالباً ما ينعتُ به أصحاب القلوب النقية، وأتى بطرف الثُنائية كدور، والكدرة لونُ يميل إلى اللون البني ولكنه يكون داكن جداً، فهو ما يتصف به أصحاب القلوب التي تحمل الغلة والكره والحسد، فالشَّاعر مدرك في انتقائه الألفاظ ذات الدلالات العميقة والبليغة التي تزيّن من صورة الممدوح، فهو ذو طابعٍ بدوي، ولديه القدرة والوعي في توظيف الألفاظ الصعبة.
واستعمل الشَّاعر أسلوب التدوير والمتمثل في لفظة (صافي) التي أدت دوراً هاماً في التواصل الدلالي، ودور أهم في التواصل الإيقاعي، وخاصة أنَّ الأبيات منسوجة على إيقاعات بحر الرمل الغنية بالموسيقى التي تثير الإحساس؛ لمرونتها العالية، فالتدوير زاد من فاعليتها ومرونتها فهو "يسبغ على البيت غنائية وليونة؛ لِأَنَّه يمده ويطيل نغماته"(17) ؛ إذ شكلت لفظة (صافي) نقطة تحول هامة، فهي بمثابة حلقة الوصل والمرتكز الدلالي والإيقاعي الذي بنى عليه الشَّاعر معانيه.
ويمزج الشَّاعر ثُنائية الظهور والخفاء مع ثُنائية النور والظلام من خلال وصف محبوبته؛ ليجعل من وجهها نوراً لامعاً، فيقول(13) ]الرمل[
بِأَبي مَنْ زَارَني مُكتَتِمًّا
حَذِراً مِنْ كُلِّ وَاشٍ جَزِعا
زائِرًا نَمَّ عَلَيهِ حُسْنُهُ
كَيْفَ يُخْفى اللَيْلُ بَدْرًا طَلَعَا
إن تعدد الزوايا واختلافاتها في فضاء النَّص ينعكس على الموضوع الشعري، ويشكّل صورة يرتضيها الشَّاعر؛ ليضعها أما المتلقي ليتصورها مثله تماماً، فالشَّاعر في هذا النَّص عمد إلى ذكر الثُنائية (مُكتَتِمًّ / وَاشٍ)؛ ليُكون لنا صورة بصرية حركية استطاع عن طريقها أن ينقل لنا حركة مشاعره وإحساسه إلى محبوبته، فطرف الثُنائية (مُكتَتِمًّ) يدل على الخفاء والتستر، والطرف الآخر (وَاشٍ) يدل على الظهور والانتشار، وهذا ما عزم الشَّاعر عليه خوفاً من افتضاح أمره فبقي حذراً خشيةً، فمحبوبته تزوره بتكتُمٍ وحذر تخاف من أنْ يراها أحد، فالشَّاعر أراد تجسيد دور الواشي وسعيه لإفساد العلاقة بينه وبين محبوبته، إلا أنَّ النمام مختلفٌ هنا، فالحسن وجمال المحبوبة التي ماثلها بالبدر هي من أوشت عليها، بمعنى أن جمالها هو من أوشى عليها.
كما أتى الشَّاعر في هذا النَّص بالثُنائيات المتعددة كما في قوله: (يخفى / طالعاً)، فضلاً عن ثُنائية (الليل / البدر)، فكثرة التقابلات الضدّية تسهم في إنتاج المعانيَ؛ إذ إِنَّ "أعلى رتب المقابلة وأبلغها هو ما كثر فيها عدد المقابلات، شريطة ألّا تؤدي هذه الكثرة إلى التكلف أو توحي به"(18) ، كل هذه الثُنائيات أضفت للنص معاني الظهور والخفاء؛ ليلائم جو القصيدة مع جمال محبوبته وحسنها.
ويستعير الشَّاعر مظاهر الحسن والقبح من خلال توظيفه ثُنائية مثقل وأهيف؛ لإبراز القوة الجمالية في النَّص الشعري، قائلاً(13) ]مجزوء المتقارب[
تَجَاوَزتَ أَقْصَى المُنَى
فَخَلْقُكَ لَا يوْضفُ
فَمَا تَحْتَهُ مُثْقَلٌ
وَمَا فَوْقَهُ أَهْيَفُ
فرضت الثُنائية (تَحْتَهُ مُثْقَلٌ / فَوْقَهُ أَهْيَفُ) على المتلقي نوعاً من الانتباه واليقظة تجاه المعنى الذي يريد الشَّاعر إيصاله؛ إذ لم يكن المتلقي يدركه أو ينتبه إليه لولا ذكره للثُنائية، فالشَّاعر ذكر طرف الثُنائية (تَحْتَهُ) للدلالة على الخفاء فالتحت ما كان ضامراً ومخفياً نوعاً ما الأمر الذي جعل المتلقي يتحيَّر فيما يحمله الممدوح حميدُ الطوسي في داخله من مشاعر وهموم وألآم، أما الطرف الآخر (فَوْقَهُ) فهو ما كان ظاهرً وبارزاً من خلال ما يحمله الممدوح من صفات ظاهرة للعيان.
كما نجد ثُنائية (مُثْقَلٌ / أَهْيَفُ) مجاورة عن القوة والجمال في آنٍ واحد، فهو ثابت ثقيل لا يتزعزع في ساحات الوغى، وخفيفُ الحركة سريعُ وثبهُ، وهذه دلالات توحي بالسمو والارتفاع؛ إذ إِنَّ مهمة العَكَوَّك هي اختيار الألفاظ المعبِّرة بشكلٍ مباشر وموافق لما يتحلى به الممدوح من صفات حميدة.
كما يجدد العَكَوَّك من مظاهر (الفوقية والتحتية) من خلال وصفه لحراقة (طاهر بن الحسين)، قائلاً(13) ]المتقارب[
عَجِبْتُ لِحَرَّاقَةِ اِبنِ الحُسَيْـنِ
كَيْفَ تَعُومُ وَلا تَغْرَقُ
وَبَحْرَانِ مِنْ تَحْتِها وَاحِدٌ
وَآخَرُ مِنْ فَوْقِها مُطْبِقُ
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَاكَ عِيَدَانُها
وَقَدْ مَسَّها كَيْفَ لا تورِقُ
تتحكم الثُنائيات الدالة على الظهور والخفاء في خارطة هذا النَّص؛ إذ إِنَّ تعجب الشَّاعر ودقّته في الترابط الدلالي بين طرفي الثُنائية أعطى الثُنائية تميّزاً خاصاً فضلاً عن تميّز لغتها بكونها لغة الانفعال والشعور والرؤية، فالنَّص الشعري هنا يعجُّ بالثُنائيات الدالة على الظهور والخفاء والتي وقعت في الألفاظ (تَعُومُ / تَغْرَقُ) و(تَحْتِها / فَوْقِها)، فالشَّاعر يصور لنا إعجابه بـ (حراقة ابن الحسين) – أي السفينة التي تدار بالشراع- وكان ظهورها في ذلك العصر حدثاً تاريخياً، فطرف الثُنائية الأولى (تَعُومُ) يدل على الظهور والبروز والقوة على عكس الطرف الآخر (تَغْرَقُ) الذي يدل على الانغماس والانخفاض والخفاء، فالشَّاعر عندما ذكر هذه الثُنائية في معرض حديثه الوصفي عن السفينة إنَّما ليعظمها في ذهن المتلقي ويهولها، فكثرة التعجب السماعي باللفظة (عجب) ومشتقاتها، فضلاً عن أسلوب الاستفهام بــكيف (كَيْفَ تَعُومُ، كَيْفَ لا تورِقُ) الذي خرج لغرض التعجب أيضاً، فالارتفاع وعدم الغرق وتمثيل عيدانها بالأغصان التي لا تورق دلالة على قوتها وعظمتها أيضاً، مما يجعل الأذهان تتهيأ لإدراك صورة ذهنية لهذه السفينة.
ثم ينتقل الشَّاعر إلى مشهد الرؤية البصرية للسفينة عبر ثُنائية (تَحْتِها / فَوْقِها)؛ فطرف الثُنائية (تَحْتِها) يدل على الخفاء فهو مجاورة عن دجلة؛ لِيُبَيِّنَ للمتلقي سرعة السفينة وحركتها وهي تتأرجح في الماء من دون أن يتسرب الماء إليها، أما طرف الآخر للثُنائية (فَوْقِها) فيدل على الظهور، وهو مجاورة عن الممدوح ابن الحسين بجعله بحراً؛ لِأَنَّه كريم، فالشَّاعر من خلال الخطاب الشعري عبر عن التَّضَادّ في صورة يمتزج فيها البيت الأَوّل مع الثاني في حركة تتابعية من المجاورات الضدّية.
ولم يخرج العَكَوَّك عن المُقدمة الطللية فقد تأثر بسابقيه فجاءت الصورة الشعرية موشية بالثُنائيات الدالة على الظهور والخفاء، قائلاً(13) ]الكامل[
تَلْقَى شآميةٌ يَمانِيةً
لَهما بمَوْرِ تُرابِهَا سَرْدُ
فَكَسَتْ بواطِنُها ظَواهِرُهَا
نَوْراً كَأَنَّ زُهاءَهُ بُرْدُ
يَغْدو فَيَسْري نَسْجه حَدَبٌ
وَاهي العُرَى وَنَثِيرُهُ عَقْدُ
فَوقَفْتُ أَسْأَلُها وَليسَ بِها
إِلَّا المَهَا وَنَقانِقٌ رُبْدُ
تتمظهر الملامح الإنسانية في النَّص الشعري من خلال ثنائية الظهور والخفاء لتصبح صورة متألقة، فالعَكَوَّك جعل من التَّضَادّ ظاهرة لغوية بارزة فنجدها بين الباطن والظاهر، فعبر عنها في (بواطِنُها / ظَواهِرُهَا)؛ ليرسم صورة لما تمتلكه محبوبته من جمال وبهاء وحسن في ظاهرها وباطنها، فالكساء هنا نوراً يزهو، كما يربط الشَّاعر الطلل بالحبيبية في قوله: (نَسْجه حَدَبٌ وَاهي العُرَى) وكأن المكان أو الطلل سرعان ما ذكره بها فتداعت أمامه صورتها فبعثت في نفسه الحب القديم وكأنه ولد من جديد، فالمكان هنا عني بتأثيرات مشاعر حب الماضي الذي عملت الأيام على اندثاره، ومن ثم يقف حزيناً ليسأل الديار عارضاً لوصف البقر الوحشي وذكور النعام في استعارة تصريحية فقد حذف المستعار له (المشبه) وأبقى المستعار منه (المشبه به) وهو (المها) و(نقانق ربد) والمراد بيان خلو الأرض أو الديار من الحبيبية أو خلوها من الآثار التي كانت موجودة، فالشَّاعر في هذه الأبيات عكس لنا حالته النفسية ومدى شوقه لمحبوبته.
ويكشف الشَّاعر عن صورة فنية غارقة بالخيال والمشاهد المعبِّرة عن الشموخ والشجاعةبقوله(13) ]الكامل[
حِيدِي حَيادِ فَإِنَّ غَزْوَةَ جَيْشِهِ
ضَمِنَتْ لِجَائِلَةِ السِّباعِ عِيَالَها
فَرَّجْتَ سُدْفَتَها بِوَجْهِكَ مُعْلِماً
وَجَعَلْتَ عالِيَةَ الرِّماحِ ذُبَالَها
يُوَظِّف الشَّاعر ثنائية الظهور والخفاء (عالِيَةَ / ذُبَالَها) توظيفاً مؤنساً، فطرف الثُنائية (عالِيَةَ) يدل على شموخ الممدوح حميد الطوسي، في حين يدل الطرف الآخر (ذُبَالَها) على انكسار أعداء الممدوح؛ ليصوغ صورةً حسية بصرية ومشاهد مرئية تشتمل على وصف شجاعة الممدوح في الميدان، مصوراً المعركة التي خاضها والتي تتجسد في قوله: (وَجَعَلْتَ عالِيَةَ الرِّماحِ ذُبَالَها)، فضلاً عن وصفه بالفارس الشجاع الذي يهابه الأعداء، فقد ضمن جيشه لأبناء السباع ما تحتاجه، وأصبح له مكانة عالية في المعركة، فالشَّاعر هنا استطاع عبر خياله الخاص ولغته الشعرية من رسم صورة فنية للممدوح أظهره من خلالها بأفخم صورة ؛ حيث أضفى هذا التنوع من الألفاظ جمالية صورية ودلالة متعددة للإيحاء بمدى قيمة الممدوح(19).
الخَاتِمَةُ:
بعد الانتهاء من الدراسة التنظيرية التحليلية لثنائية الظهور والخفاء في شعر (علي بن جبلة العكوَّك)، توصل البحث إلى مجموعة من النتائج نجملها على وفق ما يأتي:
- ثمة ارتباط واضح ودقيق بين المعنى اللغوي للثنائية والمعنى الاصطلاحي.
- أضاءت ثنائية الظهور والخفاء على ما هو مضمر في ذات الشَّاعر, كاشفة عن تناقضات المجتمع وقيمه المتباينة التي عكست بدورها نفسية الشَّاعر, وما عاناه من تناقضات الحياة بعامة في العصر الذي عاش فيه.
- المديح هو من أكثر الأغراض التي طرقها العَكَوَّك في توظيفه لثنائية الظهور والخفاء؛ إذ تفاعل الشَّاعر مع ظاهرة الإسراف والمبالغة في تصوير المثل العليا، فالشاعر حاول تعويض مشاعر النقص التي يشعر بها في شخصيته من خلال الشخصية الشَّاعرة المثقفة والمؤمنة، تلك الشخصية التي تصل إلى المعالي بالروح الوثابة التي تطمح إلى المجد، وتدعو إلى الارتقاء والعلو.
- تبين لنا أن الإيقاع في التعبير الأدبي ليس ضرورياً لإضفاء المسحة الجمالية على النص فحسب، بل هو ضروري لنقل الإحساس وتصوير الانفعالات النفسية، فالعنصر الإيقاعي عند الشاعر عنصر أصيل، ففي الإيقاع الخارجي مال الشاعر إلى استعمال البحور الطويلة في توظيفه لثنائية الظهور والخفاء ؛ للزيادة من تكثيف المعنى، فوزن الرجز والطويل والكامل استأثرا بأعلى نسبة من حيث عدد ورودهما في ثنائية الظهور والخفاء فيه؛ وذلك لملاءمته لحالة الشاعر النفسية؛ وفيما يتعلق بالقافية نجد أنَّ الشاعر نوع الروي بالإكثار من حروف معينة ذات جرس موسيقي لما لها من أثر على السمع مثل (الدال والباء، والقاف، والسين، والراء) فنوع بها مع ما يتناسب مع حالته النفسية، كما أنَّ الشاعر أظهر وعياً كبيراً بقيمة الإيقاع الداخلي، إذ اهتم به وجعله مصدراً من مصادر الإيحاء من خلال تنويعه وتركيزه على بعض الظواهر المهمة مثل (التكرار، والتدوير)، وهي عناصر تزيد من بهاء النص الشعري وجماله، وتعزز من وقع الدلالة لدى المتلقي.
- تتمحور مظاهر الظهور والخفاء في شعر العكوَّك على القيم والأخلاق، والشموخ والشجاعة للممدوح أبي دلف ومساعيه الواضحة في حل المشاكل الصعبة، كما يبرز في هذا النوع من الثنائية في وصف الفرس وما تتصف به الخيل العربية الأصيلة من صفات فيوظفهما بكل دقة وحرفة، ولا يغفل العَكَوَّك الجانب الحسي المتمثل بالشوق وجمال المحبوبة ونقلها بصفاتٍ تُعَدُّ معياراً للجمال من حيث الثقل والهيفاء، فضلاً عن توظيف الجانب الأسلوبي المجاورة الذي يعبر عن القوة والجمال، ولا يخلو شعره أيضاً عن وصف حالته النفسية ومدى شوقه وتعلقه بالمرأة.
المصادر:
- Al-Farahidi, Al-Khalil ibn Ahmad. Kitab Al-Ayn. Edited by Dr. Mahdi Al-Makhzoumi and Dr. Ibrahim Al-Samarrai, Dar wa Maktabat Al-Hilal, n.d.
- Al-Jawhari, Ismail ibn Hammad. Al-Sihah (Taj al-Lugha wa Sihah al-Arabiyyah). Edited by Ahmad Abdul-Ghafour Al-Attar, 4th ed., Dar Al-Ilm Lilmalayin, 1887.
- Ibn Faris, Ahmad ibn Faris ibn Zakariya Al-Qazwini Al-Razi. Mu’jam Maqayis Al-Lughah. Edited by Abd al-Salam Haroun, Dar Al-Fikr, 1979.
- Ibn Manzur, Jamal al-Din Muhammad ibn Makram. Lisan Al-Arab. 1st ed., Dar Sadir, n.d.
- Al-Mousawi, Rahim. The Comprehensive Philosophical Guide. 1st ed., Dar Al-Mahajja Al-Bayda, 2013.
- Saliba, Jamil. Philosophical Dictionary in Arabic, French, English, and Latin. Dar Al-Kitab Al-Lubnani, 1982.
- Yaqub, Dr. Emile. Dictionary of Linguistic and Literary Terms. 1st ed., Dar Al-Ilm Lilmalayin, 1987.
- Al-Mukhtar, Dr. Ahmad Omar. Contemporary Arabic Language Dictionary. 1st ed., Alam Al-Kutub, 2008.
- Shihadeh, Osama Ezzat. “Semantic Oppositional Dualities in the Image of the Martyr: A Study in Contemporary Palestinian Poetry.” Journal of the Faculty of Women for Arts, Science and Education, Ain Shams University, vol. 4, no. 15, 2014.
- Abu Deeb, Kamal. The Dialectic of Concealment and Revelation: Structural Studies in Poetry. 3rd ed., Dar Al-Ilm Lilmalayin, 1984.
- Khemri, Dr. Hussein. The Arabic Poetic Phenomenon: Presence and Absence. 1st ed., Arab Writers Union Publications, 2001.
- Aziz, Anwar Ibrahim, and Mohammad Ahmad Al-Qudah. “Explicitness Tools and Implicitness Mechanisms in the Discourse of Modern Arabic Poetry.” Journal of the Association of Arab Universities for Literature, vol. 18, no. 1, 2021.
- Al-Diyub, Samar. Oppositional Dualities: Studies in Classical Arabic. General Syrian Book Authority, 2009.
- Huda Hadi. Oppositional Dualities in Arabic Poetry in the 3rd Century AH. PhD Dissertation, College of Arts, University of Baghdad, 1999.
- Al-Akkouk, Ali ibn Jiblah. Poetry of Ali ibn Jiblah Known as Al-Akkouk (160–213 AH). Compiled and edited by Dr. Hussein Atwan, 3rd ed., Dar Al-Ma’arif, 2009.
- Al-Abshihi, Shihab Al-Din Muhammad ibn Ahmad. Al-Mustatraf in Every Delightful Art. Edited by Muhammad Khayr Tu'mah Al-Halabi, 5th ed., Dar Al-Ma’rifah, 2008.
- Ashour, Fahd Nasser. Repetition in the Poetry of Mahmoud Darwish. 1st ed., Arab Institute for Research and Publishing, 2004.
- Al-Badrani, Mohammed Jawad Habib. The Poetry of Al-Sayyab: A Rhythmic Study. PhD Dissertation, College of Arts, University of Basrah, 1999.
- Youssef, Dr. Hosni Abdul-Jalil. Arabic Poetry Music: A Technical and Prosodic Study. General Egyptian Book Organization, 1989.
- Atiq, Dr. Abdulaziz. In Arabic Rhetoric: Semantics, Imagery, and Rhetorical Styles. Dar Al-Nahda Al-Arabiya, n.d.
- Hindi, Mohammed Dawood. “The Poem Do Not Knock the Door by Dr. Jassim Mohammed Jassim Al-Aja: A Stylistic Study.” Al-Noor Journal for Human Studies, no. 1, 2024.