|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أنماط الشخصية في روايات (أمير تاج السر) 2010 – 2012
|
|
|
|
|
|
مريم ياسر غازي1 بيداء حازم سعدون2
|
|
|
|
|
|
12 جامعة الموصل، الموصل، 41012، العراق
|
|
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
|
Article history:
Received: 10 September 2024
Revised: 12 October 2024
Accepted: 25 June 2025
|
|
تتنوع الشخصيات في الفن الروائي وتتجانس فيما بينها لتشكل لنا البنية الحكائية التي يسعى لإبرازها الكاتب، وما تحمله هذه الشخصيات - على اختلافها وتنوعها - من صراعات داخلية وخارجية تتضافر فيما بينها لبيان الفكرة الأساسية وما يروم الكاتب إيصاله من خلالها؛ فالشخصيات المتنوعة ذات الأنماط المختلفة تثري العمل الروائي وتنقله إلى بعد أعمق، وتعطي دلالة تحفز ذهن القارئ على الغوص في أعماق النص الروائي، إضافة إلى كون هذا التنوع يعكس مدى ارتباط الكاتب بمجتمعه وانغماسه داخل هذا المجتمع الذي يستخلص منه شخصيات متنوعة ومتباينة السمات فيعمل على نقدها مرة بدافع الدعوة إلى تنميتها وتطويرها، ويرفع من شأنها مرة أخرى للعمل على الاقتداء بها، وكان ذلك سبباً رئيسياً للجوء إلى هذه الأنماط دون سواها، وإن أنماط الشخصية ساعدت في الكشف عن طبيعة الصراع القائم في عوالم الروايات، فالشخصية المضطربة تكشف عن الأزمة النفسية والداخلية التي تعيشها الشخصيات، وتعكس بذلك رؤى الكاتب بشأن النفس البشرية، والشخصية الشعبية عكست الواقع بكل تمفصلاته وشاركتنا آلامها واحلامها، والشخصية المثقفة تسعى إلى نشر الحق والوقوف بوجه السلطة، والشخصية النمطية كان لها دور في الكشف عن الجو العام الذي يخدم الفضاء الروائي، فيعمد الكاتب من خلال شخصياته المتنوعة للإشارة إلى تنوع الذي يقوم عليه المجتمع السوداني، وإحياء هذا المجتمع من خلال شخصيات فذة مفعمة بالحياة قائمة على سمات المجتمع الذي ينتمي الكاتب (أمير تاج السر) إليه ويعتز به.
الكلمات المفتاحية:أمير تاج, السر ,أنماط الشخصية ,الشعبية المثقفة ,المضطربة.
|
|
|
Keywords:
Corporate Governance
Financial government
Artificial Intelligence
Collaborative Culture
Technological Revolution
|
|
|
Corresponding Author
Maryam Yasser Ghazi
[email protected]
|
|
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i2.a4 ,©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
Personality Types in Amir Taj Al-Sir's Novels 2010 – 2012
Ghazi M. Y Saadoun B. H.
The paper investigates the modern relevance of corporate governance and its critical role in achieving organizational goals through collaborative management while avoiding individualistic inclinations. It emphasizes the use of artificial intelligence as a critical and modern instrument for goal fulfillment, describing it as the essence of the technological revolution from its conception to its current stage. The study looks at the link between governance and intellect, assessing how harmonious it is.
The study intends to examine the level of compatibility and its beneficial characteristics, as well as the degree of contradiction and its negative impact, in the pursuit of organizational goals in the face of severe competition and limited resources. This is the basis for the study hypothesis. An examination of earlier studies and varied international and Arab experiences yielded principles and features for both variables from an international perspective. According to the study's findings, the continuous use of artificial intelligence in servicing corporate governance should continue. The compatibility level between these variables was higher than the contradiction level. As a result, the primary recommendations emphasize the significance of additional research, analysis, and development to increase success and compatibility while lowering the chance of contradiction and limiting risks. This is in addition to assessing utilization consequences, notably the influence on the competitive environment and the development of collaborative management in firms.
مقدمة البحث
تتنوع الشخصيات وتتبدل وتتفاوت وظائفها تبعاً لإرادة الكاتب، فنجده يركز على شخصيات معينة في دفع الحدث الى الأمام، ويهمش شخصيات اخرى تكون مكملة للبناء الروائي.
إن تنوع الشخصيات في الرواية يثري النص إبداعياً، ويعطيها مسحة من الواقعية الممزوجة بالخيال، وينقل القارئ إلى مستوى إبداعي اعلى وأبعد، ذلك أن غلبة نوع معين من الشخصيات هو في الغالب ما يحدد نوعية الرواية، وفي روايات (أمير تاج السر)، تنوعت الشخصيات وتعددت، وتجانس هذا التنوع في نسقٍ واحد مُخرجاً لنا ينبوعاً من الابداع الذي لا ينضب، فوردت الشخصيات المضطربة اضطراباً نفسياً وتطرقنا إلى الرؤى التي أراد الكاتب ايصالها من خلال هذه الشخصيات والشخصيات الشعبية التي عكست واقع الكاتب الذي اكتسى بلمحة من الخيال، وتناولنا كذلك الشخصيات النمطية والمثقفة، ولابد من الإشارة إلى أن هذا التصنيف لم يأت على أساس علاقة الشخصيات بالأحداث، كما هو متعارف عليه ضمن التصنيفات التقليدية –الشخصيات الرئيسة والثانوية- وإنما يتبنى هذا التصنيف سمات الشخصيات ومشاعرها وأفكارها وعوالمها وصراعاتها الداخلية والخارجية مع ذاتها ومع المحيط .
- الشخصية المضطربة
نالت الشخصية المضطربة في روايات (أمير تاج السر) كثيراً من الاهتمام من قبل الكاتب، وربما ذلك عائد إلى كون الكاتب طبيباً، لديه خبرة في هذا المجال و رؤية معينة يروم ايصالها.
"فالاضطراب هو الانحراف الواضح والملحوظ في مشاعر وانفعالات الفرد حول نفسه وحول بيئته ويستدل على الاضطراب النفسي عندما يتصرف الفرد تصرفاً يؤذي نفسه والآخرين" (1) و نرى أن الاضطراب خاص في مشاعر ودواخل الفرد ويؤثر بشكل مباشر على شخصيته بشكل عام، ذلك أن "اضطرابات الشخصية هي فئة من الاضطرابات النفسية تتميز بأنماط سلوكية وادراكية ثابتة وصعبة التغيير والتأقلم ]...[ إذ يتفرد كل شخص بصفات تميزه وعندما تصبح هذه السمات غير مرنة و سيئة التكيف تسبب عجزاً وظيفياً ظاهراً، فإنها تؤدي الى وجود اضطرابات في الشخصية" (2) وهكذا فإن الشخص السوي يختلف عن الشخص المضطرب بمجموعة سمات ما إن انحرفت عن مستواها الطبيعي فإنها ستشكل لنا شخصية مضطربة.
ولابد لنا من الاشارة، الى أن اضطراب الشخصية قد لا يكون سببهُ نفسياً فحسب؛ وإنما قد يكون جسدياً بسبب مرض معين او حالة مرضية معينة مما ينتج عنه أزمة نفسية تؤدي الى حدوث اضطراب في الشخصية وأزمة قلق، وابتعاد عن الذات والواقع، فإن كل اضطراب في الشخصية يكون مسبوقاً بمجموعة من السمات المرضية التي تظهر على الفرد من خلال تفاعله مع ذاته والبيئة المحيطة وتمثل اضطرابات الشخصية الحالات المتطرفة التي تصيب الفرد في إطار ثقافة معينة (2).
ويمكن أن تعد الشخصية المضطربة هي شخصية شاذة او غير سوية، وإن اضطراب الشخصية يأتي من المحيط وتأثير البيئة على تكوين الشخصية منذ الطفولة، وما تحمله هذه البيئة من صعوبة او علاقات سيئة مع المقربين "إن ما أوصل الشخصية المضطربة الى حالتها المختلة هذه هو علاقة او مجموعة علاقات وخيمة، قامت الشخصية بالاحتفاظ بها وبمشاعرها نحوها في أبشع صورة" (3).
وهكذا نرى أن المحيط الخارجي يؤثر في تكوين الافراد داخلياً، فتترسب المواقف السيئة لتحدث فجوة في الشخصية يظهر عليها فيما بعد بصورة سلبية مضطربة نتيجة للكبت والألم " فاضطراب الشخصية إذن هو اسلوب حياة يبدأ مع الشخص منذ سنين مراهقتهِ أي من قبل أن يدخل في مرحلة النضج ويتميز بكونه اسلوباً ثابتاً يفتقد للمرونة ويظهر في معظم إن لم يكن كل افكار الشخص ومبادئهِ ومشاعره" (2)
وهكذا نرى أن الشخصية المضطربة يعود اضطرابها لجذور نفسية وللبيئة والمجتمع ولمواقف وصدمات سابقة، تعود للطفولة أسهمت بتكوينها لاحقا، أو قد تكون مواقف حديثة أدت الى صدمة نفسية عملت على احداث تغيير جذري في الفرد، مما يجعله هشاً ومضطرباً داخلياً فانعكس ذلك على شخصيتهِ.
حاول الكاتب معالجة هذا النمط من الشخصيات، وإعطاءها جزءاً كبيراً من مساحة النص، ففي رواية (إيبولا76) تبين لنا شخصيات مضطربة حاول الكاتب من خلالها معالجة بعض القضايا المجتمعية، مثل شخصية (لويس نوا)، الذي أصيب بمرض إيبولا القاتل بعد ان عاد من رحلته الى الكونغو، فقد جلب هذا المرض إثر خيانته لزوجته في نزل للفقراء بكنشاسا (4) فنجد أنه نتيجة لإهماله و لامبالاته يصبح "ذلك الجسر الذي سيعبر عليه إيبولا الى بلاد أخرى" (5) فهو مهمل ولا يهتم بشيء سوى نزواته، و إن ذلك عائد الى الاضطراب النفسي الذي كان يعيشه من طفولته، ونشأته الوضيعة، يقول الكاتب "في عشش الكرتون أحقر حي سكني في منطقة انزارا جنوب السودان، يكبر لويس نوا على وقع طفولة بائسة " (5) يؤكد الكاتب أن طفولة لويس نوا كان لها اثر كبير في حياته واختياراته ومعاناته النفسية التي جعلت منه فيما بعد شخصاً لا يبالي بعواقب الافعال، يندفع وراء المتعة فحسب حتى أصيب بإيبولا ولقد تطورت الاضطرابات الصحية التي كان يمر بها الى مرض معدٍ أثر في من حوله من المقربين وغير المقربين جميعاً.
ومن خلال شخصية (لويس نوا)، نجد أن الكاتب (أمير تاج السر) أراد أن يصور لنا أبعاد المجتمع، وتصوراته عن الحياة، فيتمثل لويس نوا بالمجتمع غير المبالي بمخاطر الفيروس "أخبروه باقتناع تام عن الساحر الشرير الذي يوزع الموت وتفاعل معهم ليس لأنه أراد أن يتفاعل، ولكن لأن نشأته و بيئته، و مستواه العقلي كانت مهيأة تماماً لمثل ذلك التفاعل (...) لم يضف الى قاموس مشاعره في تلك الظهيرة الحارة، سوى سخط مكتوم، على ساحر الشؤم الذي أمات حبيبته وتركه ضائعاً تاج السر.
هكذا نجد أن الكاتب ركز على الاضطراب الذي كان يعيشه (لويس نوا)، وأن شخصية (لويس نوا) لم تكن إلا ممثلة للاضطراب الذي يعيشه المجتمع ككل، وطريقة رؤيته لأمورٍ خطيرة مثل الفيروس المنتشر، على أنه ساحر يوزع الموت، و إن المجتمع الذي يتمسك بالعادات الرجعية المضطربة وغير المنطقية ولا يحرك ساكناً ويبقى في حالة من اللامبالاة؛ إما مصيره الهلاك،أو أن يبقى محاصراً بهذه الافكار مدى الحياة، ويبقى سجيناً للمعتقدات الواهية، مثلما حدث مع لويس نوا الذي سجن بالمصنع في نهاية الرواية.
وبالانتقال الى رواية (صائد اليرقات) نجد أن الكاتب يضمن لنا شخصية (المشجع حفار القبور(ع – د)) شخصية مضطربة، إذ تم تكريم المشجع من قبل رئيس البلاد وعلى أثر ذلك أصيب باضطراب ما بعد الصدمة، والاحداث المهمة والصادمة، تكون هي سبب هذا الاضطراب فتُعرف الصدمة بأنها "جرح او ضرر يلحق بالجسم و في الطب النفسي هي التجربة غير المتوقعة التي لا يستطيع المرء تقبلها للوهلة الأولى ولا يفيق من أثرها إلا بعد مدةٍ" (6) و يُعرف اضطراب ما بعد الصدمة "أنه استجابة متأخرة لحادثة أو موقف ضاغط جداً، تكون ذا طبيعة تهديدية أو كارثية، وتسبب كرباً نفسياً لكل من يتعرض لها تقريباً" (7).
و ليس بالضرورة ان يكون الحدث سلبياً لكي يكون صادماً، و لكن الاحداث الصادمة قد تكون ايجابية. وفي مقابلة مع الكاتب ذكر فيها أن الصدمة حدث فجائي يؤدي الى اضطراب نفسي، ثم يذكر أنه واجه حالة مرضية تمثلت بأن شخصاً أصيب بالجنون حين التقى أهله بعد غياب طويل (8)، مثلما حدث مع المشجع حفار القبور، فقد جاء هذا الاضطراب بعد تكريمه إذ أنه لم يصدق ذلك فدخل في حالة صدمة نتيجة تجربة غير متوقعة " قد كُرِم مؤخراً بواسطة رئيس البلاد، بوصفه شخصية وطنية تستحق التكريم (...) أحسستُ به محبطاً، ينسحب من أمامي متجهاً الى الميدان الرياضي و تبرز من جيبه صحيفة مطويَّة لابدَّ أنها تحوي بعضاً من تلك الصور" (9) و من هنا بدأ الاضطراب، ثم تطور بعد ذلك الى الاسوأ " أغرق وجوههم في الصحيفة غير عابئ بذلك الاستياء الذي ظهر على تلك الوجوه، و خفت أن يكون قد جُنّ من جراء التكريم الذي جاءه فجأة "(9) وقد ظهرت آثار الصدمة على كل تحركاته وانفعالاته فيقول الكاتب من خلال السرد الموضوعي:" كان صوته واهناً لا يشبه صوت مشجعي الكرة الكبار ومشيته كأنها مشية ضائع في الصحراء يتلفت يمنة ويسرة" (9) و بذلك نستنتج أن المشجع شخصية مضطربة اضطراباً نفسياً عميقاً وماهي إلا رسالة، أراد أن يشير فيها الكاتب الى ضرورة عدم تهويل الأمور وإعطائها اكبر من حجمها وإلا ستؤول الامور الى الأسوأ.
ومن خلال الشخصية المضطربة نستنتج أن الكاتب أراد أن يوصل لنا عدة افكار ورؤى حول النفس البشرية وما يختلج داخلها من صراعات، والمجتمع وما يحتويه من معتقدات و افكار وعالجها بطريقة علمية من خلال الطب النفسي وجعل الشخصيات وسيلة فعَّالة لإيصال هذه الافكار.
2- الشخصية الشعبية:
في أغلب الروايات الواقعية، نجد أن الكاتب يعمد الى تصوير المجتمع، وما يحمله من افكار ومعتقدات وموروثات شعبية، وإن ابرز طريقة لإيصال رؤية الكاتب تكون عن طريق الشخصيات الروائية، فإن "عملية ابتكار شخصية شعبية داخل العمل الروائي تحتم على القاص مبدأ الصدق في اكثر المواضيع والتعبير بالواقعية لتكون صورة او نموذجاً للإنسان الشعبي " (10) وإن الشخصيات الشعبية لا يمكن ان توجد من فراغ؛ وإنما داخل جماعة يعتمد تكوينها الثقافي بشكل اساسي على الثقافة التي يولدها المجتمع ويكون ذا علاقة وثيقة بالمعاش اليومي الذي يمثل هويتها المجتمعية فتكسب الشخصية الشعبية هذهِ الثقافة بوصفها عضواً في المجتمع(علي، 2021، 21) .
والشخصية الشعبية، هي "انتماء الشخصية الى فئة معينة من الناس او المكان محدد كالريف او البادية أو طبقة اجتماعية، بحيث ينعكس هذا الانتماء على حركتها ولغتها وسلوكها وطموحها" (12) (11) ولا بد لنا ان نذكر، أن الانسان الشعبي هو من تشغلهُ الحياة وتفاصيلها اليومية من أجل توفير لقمة العيش والسعي للرزق، وهو انسان يواجه الحياة ويختبر معاناتها، فيتعلم منها على الرغم من كونهِ صاحب ثقافة محدودة بحدود المعاملات اليومية، وربما قد يكون انساناً أُمِيّاً، لكن نراه في كثير من الاحيان لديه وعي افضل من كثير من المثقفين (13).
ومن الجدير بالقول إن " الادب الشعبي هو تلك الصورة المجسدة لمجتمع ما شغل حيزاً من المكان واستمر لفترة من الزمن، يمارس الحياة بكل ما تعنيه الممارسة بدءاً من الشخص الى محيطه الاكبر فالأكبر" (14) فتمثل الشخصيات الشعبية هذا النوع من الادب اصدق تمثيل، فعن طريقها ينقل الكاتب افكار الطبقة البسيطة وتطلعاتها واحلامها وسعيها للتغيير نحو الافضل، ومدى تأثرها بمحيطها ومجتمعها.
وقد حرص الكُتّاب على تمثيل الجانب الشعبي في المجتمع، وتصوير ابعاده من خلال الشخصية الشعبية " ولعل اهم تجليات العنصر الاجتماعي والبيئة المحلية في النص الادبي تكون عبر الاشتغال على التراث الشعبي الذي يعبر بدقة عن التنوع الاجتماعي وواقع الطبقات الشعبية الخاصة في النص الروائي" (15) لهذا تعد الرواية جنساً مرناً، قادراً على تمثيل الواقع بكل تجلياتهِ وابعاده المختلفة، وانعكاساً حياً لأفراده.
وعلى هذا الاساس تعد الشخصية الشعبية من الشخصيات المهمة في بناء العالم الروائي، فهي شخصيات يسعى الكاتب إلى تمثيل المجتمع من خلالها، وإظهار الجانب الشعبي العفوي البسيط، متمثلاً بروح هذهِ الشخصيات سعياً منه لنقل جزء من التراث الشعبي في مجتمعه عن طريق شخصياتهِ أو لتسليط الضوء على هذهِ الشريحة البسيطة الكادحة من الناس.
في رواية (إيبولا*76) تتمثل لنا شخصية (روادي مونتي) العازف الأعمى " كان بلا هدف، لقد جاء ليعترض الطريق فقط. وقد سافر مراراً الى انزارا وأماكن اخرى مجاورة، وبلاد بعيدة، بنفس طبائعهِ الغريبة، أحيا حفلات صاخبة ممتلئة جمهوراً ونزقاً وفتيات مليحات، لم يبصرهن بالطبع، واخرى في غاية الكساد، لم يحضرها سوى الذين نظموها، وبعض هواة حضور الحفلات، حتى لو كانت بلا معنى" (5) ونجد شخصية روادي مونتي شخصية شعبية ذات صدى داخل المجتمع، لا يهمه سوى المتعة، فهو لا يفكر بتداعيات الفيروس وبالأزمة التي يمر بها المجتمع الشعبي في التعامل مع الوباء فمن خلال شخصية (روادي مونتي) يسلط الكاتب الضوء على سطحية المجتمع الشعبي في التعامل مع الوباء، "فالشخصية الشعبية تنبثق من الجماعة وتحمل الوعي الجماعي وتمثل رمزاً لها وعليه تكون البطولة لمثل هذهِ الشخصيات بطولة جماعية" (13) فكل ما يهتم به العازف هو الموارد المادية التي جناها من الحفل، بعيداً عن اهتمامه بالوباء وهذا ينبع من انعكاس طبيعة المجتمع الشعبي عليه، وتبنيهُ لأغلب افكاره ومعتقداتهِ، فعلى الرغم من تفشي الوباء وانتشار الضوابط بالحجر وعدم الاختلاط فإنهُ يفضل إقامة حفل موسيقي كبير.
وقد أراد الكاتب من خلال شخصية روادي مونتي ان يبين النظرة القاصرة للمجتمع الشعبي تجاه الصحة الجسدية وعدم التصرف بجدية كافية تجاه انتشار الوباء، والاهتمام بأمور اخرى ثانوية مثل الحفلات والمتعة والغناء. وتعد رواية (ايبولا76) ذات مسحة شعبية ركز كاتبها على طبيعة المجتمع الشعبي وحملت في طياتها شخصيات تحمل جزءاً من صفات المجتمع.
أما في رواية (حارس السور – تعاطف-) فنجد عدة شخصيات شعبية، ومن أبرزها شخصية (الشيخ المزيون) وهو شيخ من المتصوفة تأتي إليه الناس من كل مكان لأجل الرقية والعلاج، ولا يظهر بشكل مباشر ولا يكون له حضور، ويتم تناقل تعليماتهِ عن طريق مساعديه، ولا تُرى إلا نتائج افعالهِ، يقول الكاتب على لسان إحدى الشخصيات "يقرِئك الشيخ (هارون موسى) مساعد الشيخ المزيون السلام ويخبرك أن سميتا في صحة جيدة، ومعنويات عالية " (17) ونحن نعلم أن المجتمعات الشعبية تؤمن بما يفعله الشيوخ من اخراج الشياطين والسحر وإبعاد الجن وإتلافها، وهي قد تكون ممارسات معينة او كلاماً معيناً يقال على المريض وقد يجدي او لا يجدي، " فالطقوس والممارسات الحياتية الشعبية تحمل دلالة رمزية من خلالها يرصد الكاتب جزيئات الحياة العادية، التي تمر بها الشخصية الشعبية، التي تتطور وتصبح ذات دلالة إيحائية تعبر عن الممارسات اليومية والقيم الروحية " (16) فيستخدم الكاتب (امير تاج السر) هذهِ الممارسات ليرمز بها الى المعتقدات والموروثات الشعبية التي تتمثل في شخصية الشيخ المزيون .
وفي مقطعٍ آخر " لا تخف منه؛ فما عاد (أحمد سليمان عنبر)، الذي يسمي نفسه شكاك روعة الثعيلب، يخيف احداً، لقد اتلف الشيخ المزيون سبعين في المئة من شياطينه، والبقية قيد الإتلاف قريباً" (17) وقد أراد الكاتب من خلال النص السابق تصوير إيمان الشيخ ومساعده بفاعلية ما ورثوه عن الاجداد من الطب الشعبي والعلاج بالرقية، هذا العلاج الذي قد لا يجدي في كثير من الاحيان؛ اذا كانت الحالة من صميم الطب النفسي، و بسبب إيمان المجتمع بهذه المعتقدات و ترسخها في أذهانهم، نراه يمتهن ذلك كمهنة " المشكلة محلولة ولكن تدري يا درويش كم يكلف العلاج هنا، أليس كذلك " (17) وهكذا نجد أن الشخص الشعبي يبقى متمسكاً بهذهِ المعتقدات والموروثات ويمجد ممثليها وهذهِ المعتقدات والموروثات مستترة خفية تنتقل عبر الاجيال بلا وعي منهم، وهي قابعة مستوطنة في اللاوعي عند افراد المجتمع الشعبي. وكذلك (الشيخ المزيون) الذي بقي متخفياً مستتراً لا نراه صراحة وانما نرى نتائج افعالهِ ولم يظهر الى نهاية الرواية.
وفي رواية (رعشات الجنوب) تمثلت لنا شخصيات شعبية مثل شخصية (رابح مديني) يقول الكاتب "يعمل تاجراً ويجلب بضاعة متنوعة من جميع البلاد ويأتي إليه مختلف الناس للتسوق كون محله الكائن في منتصف سوق مداري فيه كل شيء سماه لوازم، ويشتمل على شتى انواع البضائع، من حبيبات الفلفل والحبهان والعدس والفاصولياء، الى الاسلحة المتطورة والخمور المعتقة التي يجلبها من كينيا" (18) وفي مقطعٍ آخر " كان رابح يستعين بشهرتهِ في المنطقة، وأنهُ معروف حتى لتراب الارض، لعبور تلك المتاريس، ويستعين بسجائر القندول التي كانت من ضمن فاكهة العسكريين المفضلة "(18) فالشخصية الشعبية تبرز فيها صفة السعي لتحصيل الرزق والإصرار على الحياة، دفعاً للفاقة وحالة الفقر وإن دفعها ذلك لركوب الخطر والمجازفة بحياتهِا، في سبيل لقمة العيش "جاء رابح مديني مهاجراً من مهنته تنظيف الدواب، وتقليم أظفارها، ليغزو التجارة الحدودية أولاً، وكانت تتم في البداية عن طريق الجمال، ثم تطورت الى تلك الشاحنات الثقيلة (...) انشأ لوازم وطوره واستمر في تطويره "(18) فيبين لنا الكاتب ان على الرغم من بساطة الشخصية الشعبية ان له تأثيراً على المجتمع بسبب انغماسه فيه، فيساعد ذلك على أن يكون شخصاً ذو فائدة للمجتمع المنتمي إليه فإن " خلق الشخصيات وبناءها يُعدَّ مثالاً نقياً لاستبطان الشخصية، وإن الشخصية الشعبية تمثل الوجدان الجمعي وتمتلك قدراتٍ كبيرة " (19) وتسهم هذهِ الشخصية من خلال اجتهادها واصرارها على الحياة بالنهوض بالمجتمع والعودة بالفائدة له بمجالات الحياة جميعاً.
ويتبين لنا شخصية اخرى من الشخصيات الشعبية، وهي شخصية (رضيانة الخضر) وبسبب الظروف القاسية التي تمر بها، تصبح بلا غاية او طموح، وهدفها الوحيد هو تأمين لقمة العيش، يقول الكاتب: "كانت رضيانة قد شاخت وهي تصنع الشاي، وتبيعه في سوق (المردة)، كما اخبروه " (18) وفي مقطعٍ آخر " كانوا يقولون في سوق البردعة القديم إن الشاي الذي تصنعه رضيانة الخضر، وتضيف إليه توابل ومنكهات عديدة، لا يعرفها أحد، سيمجد تلك الفتاة العذبة "(18) وعلى الرغم من بساطة مهنة بيع الشاي وتواضعها نرى أن رضيانة الخضر تؤديها بأمانة وإتقان، فالفقر الذي تعاني منه الشخصية الشعبية، يدفعها للتمسك بعمل قد لا يكون له غاية او هدف سامٍ، ولكن الشخص الشعبي قنوع بطبعه فيرى أن ما يفعله هو الافضل وإن كان بسيطاً، إن ورود الشخصية الشعبية داخل الرواية يحيل الى المرجعية الواقعية، التي استقى منها الكاتب هذهِ الشخصيات، فإذا "استطاع الروائي أن ينجح في خلق شخوص ومصائر تظهر فيها على نحو مباشر المحتويات الاجتماعية ـ الانسانية المهمة، والمشاكل والحركات... الخ، الخاصة بعصر ما، فهو يستطيع عندئذِ أن يطرح التاريخ " من تحت "، من وجهة نظر الحياة الشعبية"( 20) فإن ذلك يحيل القارئ الى المرجعية الواقعية التي استقى منها الكاتب شخصياته، فعن طريق المرجعيات "يوظف الكاتب ذلك الخزين الهائل كطاقة تسير الأحداث والشخوص في الرواية، وكلما تكثفت هذه المرجعيات زادت الرواية ثراء وعمقاً وقدرة على ايصال القارئ إلى معايشة الرواية وفكر الكاتب" (الياس، 2023، 18) .
وعلى هذا الاساس نستنتج أن الشخصية الشعبية، شخصية متعبة داخلياً جراء ظروف حياتها الصعبة والمجتمع المحيط، وأراد الكاتب من خلال شخصياتهِ الشعبية أن يعكس لنا طبيعة تعامل المجتمع ونظرتهِ الى هذهِ النوعية من الاشخاص، وطريقة تفكيرهم ومعتقداتهم ومظهرهم الخارجي ونبذ فكرة الدونية وانعدام القيمة عنهم.
واراد الكاتب معالجة هذهِ الفكرة من خلال تسليط الضوء على الشخصية الشعبية والدعوة الى أخذ هذهِ الفئة من الناس بنظر الاعتبار وتوجيه طاقاتها الى ما يصلح المجتمع
وقد وجدنا ان الكاتب يركز على البعدين الفكري والاجتماعي في هذهِ الشخصيات فهذان الجانبان هما ما يعطيانها السمة الشعبية الغالبة عليها، ويدعو الكاتب الى ضرورة نبذ المعتقدات والموروثات الشعبية القديمة وعدم الأخذ بها وضرورة تحكيم العقل والمنطق في جوانب الحياة جميعاً.
ونظراً لعدم قدرتنا على ايجاد تعريف جامع للشخصية الشعبية فنستنتج أنها، شخصية تتسم بالبساطة والعفوية، وتتحلى بالقوة في مواجهة ظروف الحياة الصعبة، متمسكة بموروثات الجماعة ومعتقداتهم وتقاليدهم، وتحن الى موطنها الأصيل فهي مرتبطة بجذورها ارتباطاً وثيقاً، وهي شخصيات تعكس طبيعة المكان الذي تنتمي إليه وهويتهِ الثقافية ومن الممكن أن نجد لها مثيلاً في الحقيقة فهي تحيل الى مرجعية واقعية.
3- الشخصية النمطية
الشخصية النمطية كان لها دور مهم في روايات (أمير تاج السر) عينة الدراسة، إذ أسهمت في بناء المنظور العام لأحداث الرواية، وأسهمت في إبراز تفاصيل الرواية والانطباع حول المحيط الذي تجري فيه تحركات الشخصيات الاخرى.
والنمط، طريقة وأسلوب وشكل أو مذهب، والنمط كذلك، الجماعة من الناس أمرهم واحد (21)، فالنمط يشير الى الشيء الواحد الثابت، أما الشخصية النمطية فهي "شخصية القصة أو المسرحية التي تظهر فيها صفات مجموعة من الناس متماثلين في السمات، كالإنجليز مثلاً، او فئة من الناس يتصفون بصفات واحدة كالبخلاء مثلاً. على ألا تكون هذه الشخصية ذات اعماق تميز افرادها عن غيرهم من آحاد الناس" (22)، و يذكر جيرالد برنس في تعريفه للنمط على أنه "تنظيم مهم للتكرر (في المواقف والوقائع)" (23) فيعده تنظيم للوقائع والمواقف بصورة منظمة متكررة.
وهكذا نرى أن الشخصية النمطية تمثل مجموعة من الناس اتخذت نمطاً معيناً، أو فرداً واحداً يظهر بنمط واحد متكرر في أغلب الروايات، فيشير الناقد (محمد ألتونجي) الى أن الشخصية النمطية لا تكون أساسية في العمل الادبي، و لكنها معروفة بنمط معين عرفت به، و جاهزة لأداء دور معين كأبله القصر أو البخيل أو رجل الشرطة، و يحسن أن تتشبه بشريحةٍ اجتماعية و تمثل شخصية نابعة من المجتمع(24)
وغالباً، لا يخلو أي عمل روائي من الشخصية النمطية؛ لأهمية دورها ووجودها في توضيح المبهم، و لكي تكون الصورة التخييلية عند القارئ واضحة "إن العديد من الشخصيات المرسومة في الاعمال الأدبية التي تبدو جديدة كل الجِدة، اصيلة كل الأصالة هي في حقيقتها شخصيات نمطية يستخرجها الأدباء من المعين الفني الذي تحفظه الذاكرة" (25) أي أن الشخصيات النمطية ليست إلا مرآة تعكس شخصيات الحياة الواقعية القابعة في ذاكرة كل فرد من المجتمع، فيستحضرها الكاتب ليكمل بها البناء الروائي.
ولابد لنا من ذكر، أن الشخصيات ابتدأت نمطية إذ لم يعرف الادب العربي القديم شخصيات نامية "وعموماً فإن تراثنا القصصي القديم لم يعرف عملية خلق الشخصيات على أنها إنتاج الشخصية المكتملة أو النامية، وإنما ارتكز على عملية التنميط في خلق الشخصيات القصصية الرئيسية والثانوية فإذا هي في أغلبها شخصيات مسطحة أو نمطية وهي شخصيات سكونية ثابتة لا تتغير أثناء السرد " (26) فهكذا نجد أن الشخصيات النمطية كانت البداية التي انطلقت منها باقي الشخصيات
ومن الجدير بالذكر "أن وجودهم ضروري كي يتمموا أجزاء من المشهد السردي أو الحواري" (27) فهناك من يرى أن الشخصية النمطية تكون مجموعة من الاشخاص تحمل نمط واحد من التفكير والصفات الخارجية، لهذا فهي لا تشارك في الحبكة الرئيسة بشكل مباشر وربما ذلك لأنها تفتقد بعض الصفات الطبيعة الإنسانية، فإن محاولة خلق شخصية تجمع بين صفات بشرية غير قادرة على كشف المتناقضات التي تصدر في الذات الإنسانية فإن ذلك سيؤدي الى خلق شخصية نمطية تفتقد إلى حياة وإلى عنصر الصراع الداخلي والذي يميز الكائن الإنساني (28).
لهذا فان الشخصية النمطية لها دور مميز في الكشف عن ملامح الصراع في الرواية؛ لكنها لا تكشف عن دواخلها فالقارئ لا يستطيع أن يكشف الصراع الداخلي لهذه الشخصيات، و قد ساعدت "عملية تنميط الشخصيات طبيعة الصراع القائم في هذه الآداب القصصية على التركيز على الصراع الخارجي الخالص أكثر من تركيز الفعل على الصراع الداخلي للشخصية" (26) فبذلك يتم تسليط الضوء على الصراع العام للرواية
وقد وردت الشخصية النمطية في الفن المسرحي بالمعنى نفسه أي الثبات والتكرار "فنرى أن مفهوم الشخصية النمطية يقترب كثيراً من مفهوم الدور فعندما يكون للدور صفات تحدده بشكل ثابت في عدة اعمال يصبح شخصية نمطية، وعندما يكتسب الدور أو الشخصية النمطية صفات فردية ومتغيرة حسب السياق الجديد، يعتبر شخصية بالمعنى العام للكلمة" (29) وهكذا يتفق مفهوم الشخصية النمطية في المسرح وفي الرواية معاً على فكرة الثبات.
ونجد أن (فورستر) في كتابه (اركان القصة) يرى أن الشخصية النمطية يمكن أن تلتقي مع الشخصية المسطحة فيقول إن" الشخصيات المسطحة كانت تسمى "أمزجة" في القرن السابع عشر، وتسمى احيانا انماطاً، او كاريكاتيراً، هذه الشخصيات في أدق اشكالها تدور حول فكرة او صفة" (30).
وهكذا نجد مما تم ذكره سابقاً، أن الشخصية النمطية تتميز بكونها مجموعة من الناس تميزت بأسلوب ونمط معين في الكلام والمظهر الخارجي يميزها عن باقي الشخصيات، كان لها اهمية بالكشف عن فكرة معينة أو تصور معين، وأسهمت في تعزيز رؤية الكاتب حول المجتمع والحياة، فضلاً عن أن الفنون الأدبية من المسرح و الرواية أو القصة اتفقت على مفاهيم متقاربة المعنى للشخصية النمطية.
وقد أستعان الكاتب (أمير تاج السر) بالشخصيات النمطية بشكل كبير في رواياته عينة الدراسة، فنجد شخصية (حراس الحدود) في رواية (إيبولا76)، فتظهر هذه الشخصية على شكل مجموعة دائمة، وتفكر بشكل موحد وتسعى الى هدف واحدٍ، ففي رواية إيبولا تظهر شخصية (حراس الحدود) بصورة واحدة ذات سمات محددة " يتوسلون الرحمة من حراس الحدود الذين لم يسمعوا بالرحمة كثيراً، أو يقرأوها ]كذا[، في تلك الأوامر التي وصلت إليهم من رؤسائهم" (5) فنجد أن حراس الحدود اتخذوا نمطاً معيناً في التعامل مع الناس، كذلك ليوضح لنا الكاتب (أمير تاج السر) تفاصيل المشهد، و يوصل لنا مشاعر الرعب و الخوف في مواقف مثل هذه، فالشخصية النمطية " شخصية عادية غالباً ما تجيء مسطحة لا تنمو داخل العمل الفني حيث لا تمثل إلّا حضوراً مساعداً لنمو القصة نفسه"(31) ذلك أن وجودها مهم ومساعد، يعمل على جعل البناء الفني أقرب الى الواقع مما يعمل على التأثير في المتلقي واستمالته.
وتظهر سمات هذه الشخصية بشكل سطحي لتخدم الجو العام للحدث في الرواية، " كانوا مسلحين وصلدين ورابطي جأش بصورة نادرة، لا يهابون الفيروس لأن التعليمات أمرتهم أن لا يهابوه، وقتلوا في زخة رصاص واحدة، كل الحمير التي جاءت بالمفزوعين إلى حدودهم " (5).
ونجد أن سمات هذه المجموعة من الشخصيات تكون متشبهة الصفات يصفهم الكاتب (أمير تاج السر) وصفاً واحداً وتكون ثابتة لا تتطور مع تطور الاحداث و لا تتغير" و إذا ظلت ثابتة غير متغيرة منذ بدء القصة الشعرية حتى خاتمتها فهي شخصية نمطية "(32) ونجد الصفات نفسها للشخصية النمطية في شخصية حراس الحدود "والجنود الذين رفضوا الشراء بشدة، وقالوا ليس في الاوامر التي وردتنا، امر واحد يتحدث عن ارتداء الأقنعة" (5) وعلى الرغم من تطور الاحداث وانتشار المرض فإن حراس الحدود بقوا على رأيهم فيما يخص المرض، " لم يكن مدوناً في الأوامر التي يتلقاها حراس الحدود باستمرار عن طريق جهاز اللاسلكي و شيفرة موريس، أن نجدة ستجيئ، و هم لم يفهموا نفسية أحد من المتجمهرين في المكان لأن فهم النفسية أيضاً لم يرد في الأوامر"(5) فنجد أن شخصية حراس الحدود كانت تفكر بطريقة واحدة و نمط واحد فهي "شخصية جامدة غير فعالة معطياتها قليلة، وتشكل مركباً متجانساً من المزية أو الموقف أو الدور" (23) فتتمحور هذه الشخصية حول صفة واحدة وأنموذج محدد.
ونستنتج من ذلك ان (أمير تاج السر) أراد أن يشير من خلال شخصية (حراس الحدود) النمطية، الى النمط الذي تكون عليه اجهزة الدولة وكيفية تعاملها مع عامة الشعب، ولاسيما في الظروف والأزمات، التي من المفترض ان توفر لهم السلطة الأمان والسلام ألا إنها كانت مصدر رعب آخر، وفي ذلك إشارة أخرى إلى الصورة النمطية المرسومة عن هذه الفئة من قبل المجتمع.
وفي رواية (صائد اليرقات) وردت الشخصية النمطية وتمثلت بـ(تجار الأبل الصحراويون) فهم يتواجدون في مكان محدد يتصفون بصفات محددة "معظمهم من تجار الإبل الصحراويين، الذين يزورون العاصمة من حين لآخر بغية التسوق أو زيارة المستشفيات أو وضع ثرواتهم في البنوك" (9) وفي موضع آخر من الرواية وحتى بعد مجيء أشخاص جدد من نفس الفئة ألا إنهم يتصرفون بنفس الطريقة " شاهدنا صحراويين جددا، يمارسون نفس الطقوس التي شاهدناها من قبل" (5) وهكذا نجد أن هذه الشخصية تسير كذلك على وفق نمط واحد وطباع معينة، فعلى الرغم من كون النمط الذي تتبعه هذه الشخصيات قد جاء في سياق الاستهتار والتصرف بدونية؛ وإن الكاتب (أمير تاج السر) يعود ويؤكد على لسان الشخصيات الأخرى بأن هذه المجموعة من الاشخاص قد تلهم البعض لكتابة الروايات مثلاً، فالشخصيات النمطية مهمة " ألا أن الشخصية النمطية، وعلى العكس مما نتوقع تماما ما زالت بكراً ومكتنزة بأسرارها التي لم تمس، إذ أن النمط يحقق لنا قدرآ من الإشباع السريع والمكاشفة الخادعة بفعل الألفة"(33) اي أنه حتى الانماط العادية قد تكون مهمة بفعل ما تختزنه من اسرار، على المتلقي اكتشافها.
ونقرأ عن شخصية نمطية أخرى متمثلة بشخصية (النادلات الأثيوبيات) فهي شخصيات ذات نمط واحد ظهرت في مقهى (قصر الجميز) في رواية صائد اليرقات " يرتدين زياً بنياً غامقاً، شعورهن ورموش أعينهن مصبوغة بالبني أيضاً، وثمة لغة متكسرة يخرجنها بصعوبة، يستقبلن بها الحلويات المحلية أو يشعلن بها نيران نرجيلة تخبو أمام أحد الجالسين " (9) وفي موضع آخر "وضعت جمراً جديداً على نرجيلة منطفئة أمام أحد الجالسين، ثم ألقت بعدّة ابتسامات متباينة في ضيقها واتّساعها ورحلت"(9) فهن فتيات من ذات البلد ولهنَّ نفس الشكل تقريباً ويعملن بذات الطريقة والطباع، لهذا يوظف الكاتب (أمير تاج السر) النمط الواحد لهذهِ الشخصيات والاسلوب الموحد لخدمة الفكرة التي يود إيصالها على الرغم من كونها "شخصية عادية ليس لها تجربة متميزة تختلف عن غيرها"(شرقي، 2024) فهي تساعد القارئ في الكشف عن تفاصيل الفضاء الذي تجري فيه الاحداث.
ونقرأ في موضع آخر " اخبرتني إحدى النادلات الاثيوبيات بلغتها المغرية المتكسرة، أنهم تجمعوا هنا مبكراً وغادروا الى الحفل" (9) وفي مقطع آخر "والنادلات الاثيوبيات المغريات، حين يكسرنا اللغة، لن ألاحظ تكسّر لغتهن بعد اليوم"(9) وهكذا فإن الكاتب عندما يوظف الشخصية النمطية إنما "لتعبر عن فكرة أو صفة تظل ثابته طوال القصة دون أن تتغير تبعاً لسياق الأحداث"(32) فعبرت الشخصية النمطية في رواية (صائد اليرقات) عن فكرة النمط الجامد ونمطية التفكير عند المجتمع .
وإن الشخصية النمطية عبارة عن " مجاميع بغير اسماء نعرفهم من خلال سلوكهم أو السارد هو الذي يقدمهم (...) ويتعرف السرد على جميع هذه الشخصيات طوال الرواية عبر الحديث العابر أو الرؤية والملاحظة" (27)
نستنتج مما سبق، أن شخصية (النادلات الأثيوبيات) ساعدت على إبراز طابع المكان الذي جرت فيه احداث الرواية، وكذلك اراد الكاتب (أمير تاج السر) أن يشير الى هذهِ الطبقة من الناس وكيف أن لها تأثيراً على باقي أفراد المجتمع فعلى الرغم من أنها ثابتة وسطحية فإنها تكشف كثيراً من رؤى الكاتب بشأن المجتمع والحياة .
ونرى أن الكاتب (أمير تاج السر) استطاع أن يوظف في رواياته هذا النوع من الشخصيات لإبراز ملامح الفضاء الذي تجري فيه الاحداث، وذلك لتقريب الفكرة لأذهان القرّاء، و كذلك في اشارة منه الى بعض الافكار التي تتبناها هذه الفئات من الناس وقد صاغها بطريقته الساخرة المعهودة.
وحاول الكاتب الاشارة الى طبيعة تفكير المجتمع القائم على نمط واحد، أي الصورة النمطية الموجودة في المجتمع عن بعض الافكار والمعتقدات وقام بعرضها، ونقدها، بطريقة موحية من خلال هذه الشخصيات النمطية، وعلى الرغم من أن الشخصيات النمطية لا تمتلك صراعات داخلية – وربما تمتلك ولكنها لا تظهر في الرواية - فإنها ساعدت على بيان الصراع العام الذي قامت عليه الروايات عينة الدراسة.
4- الشخصية المثقفة
ظهرت شخصية المثقف في بعض روايات (أمير تاج السر) عينة الدراسة واعتنى بها، واهتم بإبراز تفاصيلها وأبعادها، ومدى اندماج هذا النمط من الشخصيات مع البيئة المحيطة، وقد كان للشخصيات المثقفة دورٌ كبيرٌ في سير احداث الروايات، وإضفاء مسحة من شخصية الكاتب عليها.
ويمكن تعريف (المثقف) على أنهُ " كلمة تطلق على فرد من طبقة أو شريحة معينة تقوم بعمل عقلي" (الدسوقي، 2005، 50) و قد نشأ مصطلح المثقف مع قضية دريفوس، و"دريفوس ضابط فرنسي متهم بقضية تجسس وخيانة شغلت قضيته الرأي العام في فرنسا" (34)، فالأبحاث الاجتماعية والتاريخية تجمع على أن مفهوم "المثقف" نشأ في البداية مع انفجار هذه القضية، و لكن لا يعني غياب المفهوم قبل ذلك أو يمكن تعريف المثقف على أنهُ، إنسان علم ومعرفة وموقف حضاري عام؛ فالمثقفون يمتلكون المعرفة وموهبة الحكم على المواقف المختلفة، والصفة الغالبة على كل المثقفين هي استيعابهم لأدوات المعرفة واستخدامها في العمل الذهني (34)، فالمثقف لديه سمات معينة تميِزه عن غيره من فئات المجتمع وأهمها إِعمال الفكر وكذلك "من المهام المنوطة بالمثقف أو المفكر أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات "الاختزالية" التي تفرض قيوداً شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل ما بين البشر" (عناني، 2022، 16) .
ويمكن القول إن "عملية تحديد مفهوم المثقف ليست أمراً يسيراً، فهي إجراء نظري معقد لأنها تتصل بالأفكار، أي بالأيديولوجيات" (35) لذلك فإن تحديد هذا المفهوم يعود الى المجتمع والأفكار المتصلة به والمعتقدات التي تفرض قيودها على المثقف، وإن صعوبة تعريف المثقف ترجع الى أنهُ لا يشكل طبقة مستقلة قائمة بذاتها، بل يتغلغل في الطبقات المكونة للمجتمع، ويتحرك بحرية على سلم المجتمع (36).
أن مصطلح المثقف لم يقتصر مفهومهُ على الفئة المتعلمة من الناس، أو الاشخاص الذين امتلكوا شهادة علمية معينة وإنما " المثقف الذي يهمُ في النهاية هو ذلك المتمتع بالصفة التمثيلية، إنسان يمثل بوضوح وجهة نظر ذات طبيعة ما، ويعبر بجلاء لجمهوره عن تلك الأفكار التي يمثلها " (37) وبهذا يمكن أن نحدد دور المثقف على أنه التأثير في المجتمع وتنوير الأفكار.
ويبدو أن "المثقف بمفهومه الواسع هو الشخص المستوعب، والمدرك لثقافة مجتمعهِ، وله مقدرة على تحليلها، وتفكيك بناها، وله قدرة على تعميق إيجابياتها، وهو أكثر صلة بالمعرفة " (38) فيكمن دور المثقف في كونهِ " إنسان شديد التأثير في وسطهِ الاجتماعي وفي محيط عالمه وعصره وذلك لما له من قوة فكرية خاصة ومواهب روحية ونفسية متميزة" (34).
وقد وردت شخصية المثقف في روايات (أمير تاج السر) عينة الدراسة لتعميق فكرة معينة بشأن مجتمع المثقفين والتعبير عن الفئة التي تدعي الثقافة، المنعكسة عن الواقع "فالشخصية المثقفة تلك التي تتمتع بقسط من العلم والمعرفة، وتختلف عن بقية فئات المجتمع بأفكارها التحررية وآرائها" (39).
وعلى هذا الاساس ينقل لنا الكاتب (أمير تاج السر) فكرتهُ حول موضوعٍ ما عن طريق استنطاق هذهِ الشخصية وتجسيدهما وتبنيها لقضيةِ معينة "ومن بين الشخصيات التي باتت تطرح نفسها بقوة نجد شخصية المثقف كونها، الاقرب الى المؤلف باعتبارهِ مثقفاً، والأقدر على طرح واقع المجتمع الانساني، وتميزها عن غيرها من الشخصيات باعتبارها ممثلة لدائرة الوعي الفاعل داخل المجتمع" (40).
وهكذا نرى أن مفهوم المثقف والشخصية المثقفة في الأدب كان لها دورٌ كبيرٌ وحضورٌ واسع في الروايات، في بث رأي معين بما يخص المجتمع او السلطة، وقد يتمثل الكاتب عن طريق هذه الشخصيات آراءه ونظرتهُ للواقع والحياة .
وقد تجسدت الشخصية المثقفة في رواية (صائد اليرقات) إذ ظهرت شخصية (الكاتب(أ. ت)) شخصية مثقفة يجتمع حولها المثقفون في المقهى، يملي عليهم بعض النصائح "الأفكار موجودة في كل زمان ومكان يا أصدقاء، في الواقع الأفكار موجودة حتى في رئاتنا التي نتنفس بها، (...) وكل شيءُ في عالم الكتابة تضيع كثير من تلك الأفكار، لأنها وقعت في أيدي موهومين لا موهوبين" (9) ولأنهُ صاحب علم و دراية بمهنته "الكتابة" يتجمع حولةُ المثقفون من هواة الكتابة كونهُ يمتلك علماً واطلاعاً وتجربة في هذا الأمر " كلمة المثقف تعني صراحة ذلك الذي يتميز بوضوح الرؤية وسعة الأفق " (41) فيعمل على نصحهم وإرشادهم.
قد رصد الكاتب (أمير تاج السر) معاناة الكُتّاب عن طريق هذه الشخصية وقد واجه (الكاتب(أ.ت)) مشكلات مع السلطة، و في ذلك إشارة الى رغبة المثقف في التعبير عن رأيه والشعور بالحرية والقبول؛ في مقابل السلطات والجهات المعنية التي تكون دوماً بالمرصاد فيشعر المثقف بأنهُ مكبل بالقيود، فتمارس السلطة أبشع أنواع العنف والترهيب بشكل غير مباشر وذلك من أجل خنق الحريات ووضع الحدود، التي تقضي على ابداع المثقف، فيتم القضاء على الثقافة مما يؤدي إلى هجرة المثقفين للبحث عن حرية التعبير(42)،فيورد الكاتب (أمير تاج السر) ضمن احداث الرواية أن (الكاتب(أ. ت)) قد تم اعتقاله مِن قبل السلطات " حوِّل الى المسؤول للبت في أمره لم تكن هناك أي تهمة و لا حتى اشتباه، و كان ذلك إجراءً عادياً نتخذهُ من حين لآخر لإثبات وجودنا، وأننا حريصون على أمن الوطن وسلامته" (9) عانى الكاتب ما عاناه من مواقف مع السلطة، أثَّر ذلك على إنتاجه للأفكار و حرية تعبيره عن ما يجول في داخلهِ، مما أثَّر ذلك على دورهِ بوصفه مصدراً تنويرياً أو تثقيفياً للمجتمع فيقول (أ. ت): "لماذا أحظى بشرف متابعتكم يا سيد ؟... أربعة أيام في ضيافتكم، هربت فيها الأفكار كلها، والآن كاتب تقارير بساق خشبية يقرأ (على سرير نامت إيفا) ويجلس الى طاولتي يحاورني. تطوّرت أساليبكم.. تطوّرت "(9)، فقد عانت هذه الشخصية المثقفة من رفض الواقع المعيش فالرفض " هو السمة المميزة للمثقف، و الرفض يكون نتيجة للوعي الذي ساعدت الثقافة على تبلوره، و الوعي يصل بصاحبه إلى الرفض، ثم إلى الثورة والسعي إلى التغيير (13)
وقد تجسدت شخصية مثقفة اخرى من شخصيات (صائد اليرقات) وهي (الروائية (س)) إذ ظهرت هذه الشخصية ضمن الحلقة الحوارية التي يقيمها (الكاتب (أ. ت)) وكانت كاتبة مبتدئة "تمنيت أن أخبرها عن نظرية اليرقات، وكيف أن روايتها (لحظة حب)، وهي في الواقع يرقة ميتة كانت ستصبح حشرة كاملة لولا سواد عينيها. مؤازرة الجمال كما قال (أ. ت). و أتأمل وجه الفتاة بتمعّن، ولا أعثر على الجمال الكافي" (9) وهذهِ الشخصية يمكن أن تعدُ ضمن الشخصيات التي تدعي الثقافة أو (أشباه المثقفين)، وأن المجتمع وبسبب ما وصل إليه من الذائقة المتدينة والبعد عن مصادر الثقافة الأساسية كالكتب والمصادر الأدبية المهمة؛ مما جعل المجتمع ينحاز الى أمور ثانوية موجودة في الكاتب أو الشخص المثقف كالهيئة والمظهر الخارجي، ويقيم نتاجهُ على أساسها وفي ذلك نقدٌ للمجتمع من قِبل الكاتب (أمير تاج السر). فلابد للمثقف من معرفة دوره فهو لن يصل إلى "هدفه و لن يؤدي دوره كما يجب إلا إذا تمكن من استخدام ثقافته بشكل سليم وصحيح، و سعى إلى نشر الثقافة الأصيلة" (36).
ونجدُ أنها لا يمكن ان تبدي رأياً أو وجهة نظر بنّاءة، حتى أن طريقة كلامها أحياناً لا تكشف عن ثقافة عميقة، فنقرأ في المقطع الآتي "قالت الفتاة (س) (...) من دون أن تعبأ بي، إنها تستغرب من صداقتهِ بواحد لا يعرف أحد حتى الأن من هو ولا كيف ظهر فجأة في عالمهم. لم يرد الروائي، وصفعتها في خيالي " (9) وعندما يحيد المثقف عن دوره الأساس يكون من الصعب تقبلهُ ضمن محيطهِ ومجتمعهِ، فالمثقف صاحب علم وثقافة يتمتع بموهبة خاصة تمكنهُ من حمل رسالة، أو تمثيل وجهة نظر أو موقف أو فلسفة لهذا يشرح لنا الكاتب (أمير تاج السر) هذا الأنموذج من الشخصيات المثقفة، ويسلط الضوء عليها، وربما نجدهُ هو نفسهُ، قد عانى من هذه الشخصيات في فترة من فترات حياتهِ ككاتب، فيقول: "نجحتَ (س) بلا شك، نجحت بيرقة كانت ستظل يرقة لو كتبتها أنا عبد الله فرفار أو غيري من المهابيل (...) "بمؤازرة الجمال" ولا كانت جميلة ولا تقترب من الجمال بنظري" (9).
ومن خلال هذهِ الشخصية المثقفة نستنتج، أن شخصية (س) كانت من الشخصيات مدعية الثقافة أو شبه المثقفة، وأوردتها ضمن الشخصية المثقفة؛ لأن الكاتب (أمير تاج السر) أراد أن يشير الى نمط معين من المثقفين، يتخذون من الثقافة وسيلة للوصول الى غاية أو مصلحة شخصية معينة، كالشهرة مثلاً متجاوزين الهدف السامي لهذا الدور في المجتمع، و نجده قد وجه نقداً لهذهِ الظاهرة المنتشرة في مجتمع المثقفين، و أراد أن يسلط الضوء عليها وكيف أن هذا الصنف من المثقفين يمكن أن يشوه النتاج الأدبي بنصوص ركيكة تضعف الذائقة الأدبية نحو مستوى منخفض أكثر، فضلاً عن الابتعاد عن الهدف السامي الذي يقوم به المثقف .
أما في رواية (حارس السور – تعاطف-) نجدُ الشخصية المثقفة تمثلت بـ(السارة محارب) وهي شخصية مثقفة تعاني من الاغتراب، تكرس حياتها في البحث والتنقيب في الكتب وارتياد المكتبات. "السارة الملقبة سحلية، بلا أي سبب لذلك اللقب الذي اتفقت علية الأسرة كلها، ولا تسأل عن أحد في تلك الأيام، ولا تحبُ أن يسأل عنها أحد " (17)لم تشعر السارة بالتقبل والاحتواء من قِبل أسرتها؛ وذلك ما دفعها للانشغال بالكتب لتعويض هذا النقص من الشعور بالغربة وعدم الانتماء " الاغتراب تلك الحالة المركبة من الشعور بالغربة، إذ أن الاغتراب هو شعور أولاً، أي ظاهرة سيكولوجية الغربة التي تتخذ مستويات متعددة، بدءا من الشعور بإنفصال الذات عن الاخرين وعن محيطها عن معطيات هذا المحيط "(43) وعلى هذا الاساس تعيش السارة نوعاً من أزمة المثقف فهي تشعر بعدم الانتماء وبالاغتراب رغم كونها بين أسرتها ومجتمعها. وتسميتها بالسحلية بلا سبب، فيه إشارة الى نظرة المجتمع للفئة المثقفة
فيقول الكاتب (أمير تاج السر) في وصفه لتلك الشخصية المثقفة "ذهبت الى السارة السحلية في غرفتها، وهددتها بالطرد من المنزل إن لم تبحث عن عمل جديد، وعريس مناسب، وقبل ذلك، أن تصلح من جسدها حتى يصير جسد أنثى حقيقياً "(17) وهذا دليل على التهميش والتجريح الذي تعرضت له شخصية السارة من قبل جدتها مما جعلها تعاني، وهذا ما يعاني منه المثقف عندما يشعرُ بعدم الانتماء والاغتراب النفسي.
ويشير الكاتب (أمير تاج السر) ضمناً في موضع آخر، أن الشخصية المثقفة المهمشة لا تملك القدرة على الاندماج في المجتمع "أنتِ رجل مثلي تماماً و لستِ امرأة، و لو كنت امرأة لتزوجت. سقط امتحان الصبر عند السارة، السحلية. بكت، و دقت الارض بقدميها، وانطلقت الى غرفتها في غاية الإحباط"(17) فإن كون شخصية السارة شخصية مثقفة منغمسة بين الكتب، مما دفعها الى الاغتراب عن المجتمع حتى أدركت ذلك لاحقاً، إذ أنها كانت تسعى من خلال شغفها بالكتب الى واقع أفضل "فالمثقف دائماً يحلم بواقع في طيّاتهِ النور يتجاوز العوالم المعتمة نحو عوالم مضيئة" (40).
ومن هذا المنطلق، أراد الكاتب (أمير تاج السر) أن يبين معاناة الفئة النسوية من الشريحة المثقفة، ومواجهتها جهل المجتمع وتحارب من أجل نشر الأفكار والمعتقدات التي تتبناها، فعرضها الكاتب متمثلةً بشخصية (السارة محارب) إذ مثلت هذهِ الفئة من المجتمع.
ونستنتج مما تم ذكره سابقاً، أن الكاتب (أمير تاج السر) نبه الى نوعين من المثقفين في رواياته عينة الدراسة، فمنهم من يحمل رسالة و يسعى الى التغيير و يقاوم السلطة، و يكون له دور في بث العلم و المعرفة، و نوع آخر من الشخصيات المثقفة المتمثل بأشباه المثقفين وهو لا يذكر هذا النوع إلا لكي ينبهنا الى ضرورة عدم الانصياع خلف هذه الفئة .
وأن الثقافة المجتمعية السائدة في بلاد الكاتب (أمير تاج السر) أغلبها تتضمن أشباه المثقفين أو مدعي الثقافة؛ بدليل أن رواياته غلب فيها ذكر النوع الثاني، ثم ينقلنا الى البعد النفسي لهذه الشخصيات – أشباه المثقفين – ومعاناتهم وإلى كونهم اختاروا طريق المثقفين إما للهروب من الواقع أو لتحقيق غاية معينة بعيداً عن الهدف السامي لدور المثقف.
الخاتمة
إن تنوع الشخصيات في روايات (أمير تاج السر) عينة الدراسة لم يأتِ إلا ليشير لمجموعة من القضايا التي نستطيع تلمسها في المجتمع السوداني ككل، فمن خلال الشخصية المضطربة نستنتج أن الكاتب أراد أن يوصل عدة افكار ورؤى بشأن النفس البشرية وما يختلج داخلها من صراعات، والمجتمع وما يحتويه من معتقدات وافكار، فالشخصيات المضطربة شكلت المعادل الموضوعي للإضطرابات والمشاكل المجتمعية والسياسية .
ومن خلال الشخصية الشعبية يعكس الكاتب تفاصيل الواقع، إذ أن هذا الإنسان الشعبي يبقى متمسكاً بالمعتقدات والموروثات ويمجد ممثليها، وهذهِ المعتقدات والموروثات مستترة خفية تنتقل عبر الاجيال بلا وعي منهم، وهي قابعة مستوطنة في اللاوعي عند افراد المجتمع الشعبي تماماً مثل شخصية (الشيخ المزيون) الذي بقي متخفياً مستتراً لا نراه صراحة وانما نرى نتائج افعالهِ فلم يظهر الى نهاية الرواية. وبالإضافة إلى أن الكاتب أراد من خلال شخصياتهِ الشعبية أن يعكس لنا طبيعة تعامل المجتمع ونظرتهِ الى هذهِ النوعية من الاشخاص وطريقة تفكيرهم ومعتقداتهم ومظهرهم الخارجي ونبذ فكرة الدونية عنهم .
وقد وجدنا ان الكاتب يركز على البعدين الفكري والاجتماعي لدى هذهِ الشخصيات فهذان الجانبان هما اللذان يعطيانها السمة الشعبية الغالبة عليها.
ونرى أن الكاتب (أمير تاج السر) استطاع أن يوظف في رواياته الشخصية النمطية لإبراز ملامح العالم الروائي الذي تجري فيه الاحداث؛ وذلك لتقريب الفكرة لأذهان القرّاء، وكذلك في اشارة منه الى بعض الافكار التي تتبناها هذه الفئات من الناس وقد صاغها بطريقته الساخرة المعهودة.
وحاول الكاتب من خلال الشخصية النمطية الاشارة الى طبيعة تفكير المجتمع القائم على نمط واحد، الصورة النمطية الموجودة في المجتمع عن بعض الافكار والمعتقدات وقام بعرضها، ونقدها، بطريقة موحية من خلال هذه الشخصيات النمطية، وعلى الرغم من أن الشخصيات النمطية لا تمتلك صراعات داخلية – و ربما تمتلك و لكنها لا تظهر في الرواية - فإنها ساعدت على بيان الصراع العام الذي قامت عليه الروايات عينة الدراسة .
إن الكاتب (أمير تاج السر) نبه الى نوعين من المثقفين في رواياته عينة الدراسة، فمنهم من يحمل رسالة ويسعى الى التغيير ويقاوم السلطة، ويكون له دور في بث العلم والمعرفة، ونوع آخر من الشخصيات المثقفة المتمثل بأشباه المثقفين أو مدعي الثقافة، ويشير إلى أن أغلب أفراد مجتمع المثقفين تضمن أشباه المثقفين أو مدعي الثقافة؛ بدليل أن رواياته غلب فيها ذكر النوع الثاني .
المصادر و المراجع
- Abdullah, B. (2021). Psychological Disorders and Their Relationship with Personality Traits among Students at the College of Computer Science, Qassim University. Academic Journal for Research and Scientific Publishing, Issue 22, 313.
- Hassan, T. (2020). Disturbed Characters. Dar Al-‘Ilm wa Al-Iman for Publishing and Distribution, Algeria.
- Faisal, R. (2023). Psychological Transformations. Journal of Education for Humanities, Vol. 3, Issue 9, 210.
- Shhimt, A. (2021). The Lost Place in African Narrative Stories. Hindawi Foundation, United Kingdom.
- Taj Al-Sir, A. (n.d.). Ebola 76. Dar Al-Saqi, D.M.
- Abda, Q. (2009). Post-Traumatic Stress Disorder and Its Relationship with Depression and Obsessive-Compulsive Disorder. Egyptian Journal of Psychological Studies, Vol. 19, Issue 65, 261.
- Misbah, S. (2021). Post-Traumatic Stress Disorder. Scientific Journal of the College of Early Childhood Education, Vol. 7, Issue 3, 227.
- Taj Al-Sir, A. (2024). Interview with the Author.
- Taj Al-Sir, A. (2010). The Larvae Hunter. Dar Thaqafa for Publishing and Distribution, UAE.
- Ibrahim, B. (2014). Manifestations of Narrative Personality: A Reading of "The Road to Aden" by Omra Al-Taleb. Tamuz Publishing, Damascus.
- Ali, K. (2011). Popular Character in the Jordanian Novel. Master’s Thesis, University of Islamic Sciences.
- Samaha, F. (1999). Character in Hanna Mina’s Novels. Arab Foundation for Studies and Publishing, Beirut.
- Al-Qasim, N. (2002). Narrative Art in Abdul Rahman Munif’s Works. Doctoral Dissertation, Tel Aviv University, Faculty of Arts.
- Dridi, M. (2004). Folk Stories in the Setif Region: Artistic and Functional Formation (Collection and Study). Master’s Thesis, University of Mentouri – Constantine, Faculty of Arts and Languages.
- Khudair Al-Saeedi, A.K., & Khudair Naem, S. (2023). Heritage Narratives in Naeem Al-Misfer’s Narrative Discourse. Ishraqat Tanmuwiya Journal, Issue 35, 94.
- Rashid, H. (2019). Tayeb Salih and Literary Creativity: Aesthetic Vision and Shades of the Novel’s Colors. Dar Al-Yazouri Scientific Publishing and Distribution, Oman.
- Taj Al-Sir, A. (2020). The Wall Keeper – Sympathy. Dar Al-Bashir for Culture and Publishing, Cairo.
- Taj Al-Sir, A. (2016). Tremors of the South. Dar Madad for Publishing and Distribution, UAE.
- Abu-Laban, Z. (2024). Popular Character in Naguib Mahfouz’s Novels: "Al-Qahira Al-Jadida" as a Model. Afkar Electronic Journal, Issue 422.
- Lukács, G. (1986). The Historical Novel. Dar Al-Shu’un Al-Thaqafiya Al-‘Amma, Baghdad.
- Ibn Manzur. (n.d.). Lisan Al-Arab. Dar Al-Ma’arif, Cairo.
- Wahba, M., & Al-Muhandis, K. (1984). Dictionary of Arabic Terms in Language and Literature. Library of Lebanon, Beirut.
- Prince, G. (2003). Narrative Terminology. Supreme Council of Culture, Cairo.
- Al-Tunji, M. (1999). Comprehensive Dictionary of Literature. Dar Al-Kutub Al-‘Ilmiya, Beirut.
- Shtrilka, Y. (1982). A Journey in the Book of Literary Methods. Al-Faisal Journal, Issue 61, 78–88.
- Hamdi, N. (2012). The Marvelous in Ancient Arabic Narrative. Al-Waraq for Publishing and Distribution, Amman.
- Brueni, K. (2014). Character Building in Sanallah Ibrahim’s Novel "August Star". Critical Illuminations Journal, Issue 14, 63.
- Katana, T. (2016). Space in Emil Habibi’s Novels. Dar Ghaida for Publishing and Distribution.
- Nasir, K., & Lamia, M. (2016). The Fighting Woman in Algerian Theater: "Hassan and Farouja" by Nabila Qasmi as a Model. Master’s Thesis, Mouloud Mammeri University, Faculty of Arts and Languages.
- Forster, E.M. (1960). The Elements of the Novel. Dar Al-Karnak for Publishing and Distribution, Cairo.
- Radwan, A. (2013). The Model and Other Issues. Dar Al-Biruni for Publishing and Distribution, Amman.
- Abdulilah, W. (2003). Metaphorical Imagery in Modern Arabic Poetry: A Rhetorical Reading of Akhtal Al-Saghir’s Poetry. Arab Foundation for Studies and Publishing, Beirut.
- Owais, A. (n.d.). Fascinated by Memory: Critical Studies on the Works of Youssef Abu Riya. Arab Books Website.
- Mohammed, A.S. (1985). The Intellectual in Modern Arabic Novels. Dar Al-Hadatha for Printing and Publishing, Beirut.
- Sissawi, F. (2015). Attempt to Define the Concept of the Intellectual. National Social Journal, University of Jijel, Algeria, Vol. 52, Issue 2, 121.
- Riyadh, M. (1999). The Intellectual in Syrian Arabic Novels (A Study). Publications of the Union of Arab Writers.
- Saadi, E. (1996). Images of the Intellectual. Dar Al-Nahar for Publishing, Beirut.
- Saif Al-Islam, M. (2019). Manifestations of the Intellectual in Arab Narrative Discourse – Reflection on Muhammad Al-Badri’s Perspective. Diwan Journal of Poetic Laboratory Studies, Vol. 3, Issue 10, 101.
- Al-Tayeb, B.Q. (2017). Bibliography of Critical Studies in Algeria: Analytical Approach to Narrative Blogs (1982–2013). Dar Ghaida for Publishing, Amman.
- Al-Subaie, H. (2016). The Intellectual in Wassini Al-Araj’s Novel "Kingdom of Butterflies" as a Model. Dar Janan for Publishing and Distribution, Oman.
Shariati, A. (2005). Responsibility of the Intellectual. Dar Al-Amir, Beirut.
Misahb, S. (n.d.). Cultural Terrorism in Iraqi Novels after 2003 (Selected Models). Journal of the University of Iraq, Issue 55 Part 2, 405.
Mohammed, S. (2005). Alienation of Intellectuals. Al-Mada Cultural Newspaper, Issue 481, 10.