|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
تجليات الذات في شعر يوسف الثالث الأندلسي (ت819هـ)
|
|
|
|
|
|
محمد حامد عبدالله
|
|
|
|
|
|
كلية التربية للبنات ، جامعة الموصل، الموصل، 41012، العراق
|
|
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
|
Article history:
Received: 7 August 2024
Revised: 10 September 2024
Accepted: 25 June 2025
|
|
تسعى الدراسة للوقوف على النص الشعري (لملك غرناطة يوسف الثالث ت819هـ) واستكناه محمولاته ودلالته المضمرة، كاشفة عن ذات الشاعر وتفاعلها مع محيطها، وما يرتبط بحقيقته وهويته الشخصية، بوصفه إنسانًا موهوبًا تنهض به إمكانات التفرد التي تميزه عن الآخرين، أو بوصفه كائنًا اجتماعيًا يحيا في جماعة وينتمي إليها، وداخلًا معها في سلسلة العلاقات التي أوجدتها ضرورة الاجتماع الإنساني عبر مراحل التطور الاجتماعي؛ ليعكس إحساسًا بالرغبة في الانطلاق والحضور الفاعل عبر تفاعله مع قضاياه الذاتية الخاصة، وتفاعله مع قضايا مجتمعه. وبُني البحث على تمهيد ومبحثين ، إذ تضمن التمهيد : التعريف بمفهوم الذات في معاجم اللغة والأدب وتقريب مفهومها؛ لتوائم بتراتبية عالية الجو النفسي للشاعر الأندلسي، ثم تضمن المبحث الأول : تمظهرات الذات الفردية وإظهار قيمتها المتعلّقة بالذات/الأنا من خلال التعبير عنها فنيًا وبيان سماتها الإنسانية عبر تجارب الشاعر الفردية، وتناول المبحث الثاني : امتزاج الذات الفردية مع الجماعية بتجلٍ وثبات دائم، فتُظهر القدرة في الدفاع عن البلاد مع الجماعة كاشفاً عن التباهي بخصائص ذات قيمة عالية في المفهوم الاجتماعي العربي، ثم أنهينا البحث بخاتمة وما تضمنته من نتائج.
الكلمات المفتاحية:الذات، تمظهرات،الفردية،الصراع، امتزاج،الجماعية
|
|
|
Keywords:
Self
Manifestations
Individuality
Conflict
Collective
|
|
|
Corresponding Author
Mohammed Hamed Abdullah [email protected]
|
|
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i2.a6 ,©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
Manifestations of self in the poetry of Yusuf the third Al-Andalusi (d. 819 AH)
Abdullah M H
Abstract
The study seeks to examine the poetic text (of King Yusuf III of Granada) and explore its connotations and hidden meanings, revealing the poet's self and its interaction with its surroundings, and what is related to his reality and personal identity, as a gifted human being who is empowered by the possibilities of uniqueness that distinguish him from others, or as a social being who lives in a group and belongs to it, and enters with it into the series of relationships created by the necessity of human society through the stages of social development; to reflect a sense of desire to take off and have an active presence through his interaction with his own personal issues, and his interaction with the issues of his society. The research was based on an introduction and two chapters, as the introduction included: defining the concept of the self in dictionaries of language and literature and approximating its concept; To harmonize with a high hierarchy the psychological atmosphere of the Andalusian poet, then the first section included: manifestations of the individual self and showing its value related to the self/ego through expressing it artistically and stating its human characteristics through the poet’s individual experiences, and the second section included: the blending of the individual self with the collective self with a permanent manifestation and stability, so it shows the ability to defend the country with the group, revealing the boasting of characteristics of high value in the Arab social concept, then the conclusion and the results reached by the research.
مقدمة البحث
التمهيد : مفهوم الذات
حظي هذا المفهوم بعناية الباحثين والعلماء في مختلف المجالات ؛ لأنه يحدد خصائص الشخصية التي يتميز بها الإنسان عن غيره من الناس ، كما يساعد على معرفة قيمة النفس الإنسانية ومكونات الشخصية الجسمانية والنفسانية وحتى الفكرية.
وقد جاء تعريف لفظة (ذات) في معاجم اللغة على أن أصلها من تأنيث (ذو)، فيقال هي ذات مال وهما ذواتا مال ، وقد جاز في الشعر ذاتا مال ، والتّمام أحسن (1)، وجاء تعريفها بمعنى "النفس والشخص ، إذ يقال في الأدب (نقد ذاتي) يرجع إلى آراء الشخص وانفعالاته ، ويقال جاء فلان بذاته ، عينه ونفسه"(2)، وعليه فإن معنى لفظة (ذات) وعبر مفهومها اللغوي تدور حول ذات الفرد نفسه.
وفي الاصطلاح فتُعرّف الذات بــ (الأنا) التي تمثل "مركز الشخصية في نفس الفرد الإنسان ، فهي تنمو وتفصح عن قدراتها من خلال البيئة المحيطة ، أو الوسط الاجتماعي ، ويبرز الشعور بالأنا من خلال تلازم الذات مع الآخر" (3)، فإن الذات تمثل الأنا بكل ما تمتاز به من الصفات (النفسية ،والاجتماعية ، والثقافية ، والفكرية ،والدينية) والتي تنماز عن غيرها ، إذ "تتكون الشخصية الإنسانية من الأنا/الذات ، فالنفس البشرية هي (الأنا) والأنا هي الذات وما تحمله من مظاهر وخصائص ثقافية أو نفسية أو آيدلوجية ، وما تشتمل عليه من أفكار ، وآمال ، وطموحات ، وصراعات ، وتوترات ، ومن ثمّ فإن الذات تشكل مركز الشعور عند الإنسان" (3)، ويتضح مما سبق بأن "تشكّل الذات لا يمكن أن ينظر إليه بمنعزل عن الذوات الأخرى" (4).
وتُعرّف الذات في مجال (علم النفس) عند (فرويد) تحديدًا بأن مفهومها يقابل مصطلح (الأنا) الذي "يواجه الناس والمجتمع ، ويتدبر الأمور ، ويرسم الخطط ، وتتحق به الصور الذهنية والأحلام ، والأنا جزء من الهو يتخارج عنه ويعيش بطاقة الهو ، وإذا كان الهو لامنطقيًا فالأنا منطقي ومنظم" (5)، وتمثل الذات عند (يونغ) على أنها الواقعة بين الشعور واللاشعور، التي لها القدرة على منح التوازن للشخصية كلها (6)، فهي رغبات في نفس الفرد تجد سبيلها اندفاعًا لتحقيق حلمه في كل ما يرغب ويشتهي ، وهو حل سليم للصراع الواقع بين الرغبات المتضادة ولا ينجم عنه ضرر للنفس، وذلك مرتهن بتجدد الصراع النفسي في ذاته التي لا تعرف الاستقرار مع تجدد الرغبات المصطدمة بالواقع.
وعند الرجوع للتعريفات الفلسفية للذات فهي تعني "المتكلم نفسه وهو القائل باعتبار وعيه لقوله ولمقاله بالذات ، فالأنا ما تقوله لغيرها ، ومن هنا تبرز الأنا كعنوان أعلى ، وكمركب علائقي يتمحور فيه الأنا والآخر والموضوع كمنظومة للأنا فلسفيًا ، وفي هذه الأبنية العلائقية يتوسط الموضوع بين الأنا والآخر (أنا – الموضوع – آخر) باعتباره أحد الأقطاب الوسطية في بنية الأنا العلائقية" (7).
ولذلك كلّه فإن تجلي (الذات) يعني التعبير عنها فنيًا وبيان خصائصها الإنسانية من خلال التجربة الفردية لدى الفنان أو الأديب(8) ، الأمر الذي سيُفضي إلى الكشف عن طبيعة الشخصية لصاحب الأثر الفني(9)، فالشعراء لا ينصرفون إليها انصرافًا اجتماعيًا عامًا ، وإنما يقتصرون على ما تميل إليه نفسوهم وما يعصف بوجدانهم فيغدو الشعر صدىً للنفس الإنسانية ومرآةً لوجدانها ، فإنهم "يجدون أنفسهم يحتمون من الجروح التي قد يصيبهم بها الآخرون فيستمتعون بذواتهم ويتلذذون بالتيار الدافق في أنفسهم"( 10)، ولكن ذلك ليس أمرًا يسيرًا فقد يصعب على تجلي الذات أن تلتزم خطًا أفقيًا واحدًا بسبب اختلاف ظروف الشعراء ، ومنافسة تيارات أخرى تدفع الشعراء إلى الواقع الموضوعي ، وتحفزهم على الارتباط بالشأن العام ، وبتعبيرٍ آخر "يلجم الفنان ويحمله على التخفيف من غلوائه ، ووضع حدود أمام نزعاته الذاتية"( 11)، ولذلك فإن المتلقي قد تتبدى له بعض التناقضات التي لا يسهل عليه إيجاد مبررات لها في مدى انسياب اتجاه الذاتية لدى الشعراء.
وذاتية الشاعر هي خصائص شخصيته وحقيقتها وهويته الشخصية بوصفه إنسانًا موهوبًا ومتميزًا، أو بوصفه كائنًا اجتماعيًا تنهض به إمكانات التفرد، فضلاً عن أنه عضو يعيش مع جماعة بشرية، ينتسب إليها وداخلًا في سلسلة من التنظيمات التي أوجدتها ضرورة الاجتماع الإنساني في مستوى معين من مستويات التطور الاجتماعي، أي تفاعل الذات مع قضايا المجتمع، فضلاً عن قضاياه الذاتية الخاصة(12).
من خلال التعريفات السابقة يتبين أن الذات مفهوم ينطبق على ما تشتمل عليه الذات الإنسانية من خصائص مختلفة عن غيرها سواءً أ كانت (نفسية ،واجتماعية ،وعقلية،...) فتتواشج وتنصهر في بوتقة الذات الشاعرة عبر الانفعالات النفسية التي تترجمها بنصوص شعرية تتخذ من الذات بؤرةً لها، فتحدد شخصية تلك الذات الإنسانية وهويتها وتميزها عن غيرها.
المبحث الأول : تمظهرات الذات الفردية
يُشكّل الشاعر (يوسف الثالث) بنية نصوصه الشعرية على منظور فني برؤية ذاتية خاصة وبصياغة إبداعية، تكشف عن ذاتية الشاعر في عنفوان تمردها وانفلاتاتها الجامحة تجاه الخيال الواسع الذي يُمثّل مولدًا ايحائيًا اسمىً لكلّ الرؤى والتصورات الشعرية التي تمنح النص سمة الديمومة. وتُعرف صورة الشخص الذاتيّة غالبًا على أنها صورة ذهنيّة يكونها الإنسان حول نفسه ، وتكوّن صورة أولى تتَحدّث عن الذات وتصوّرها ، غير أنّها لا ترتكز على تقييم الفرد نفسه انطلاقًا من رؤيته الشخصيّة لذاته ، بل هي مزيج من عوامل عدّة قد تقوم على نظرة الآخرين إليه ، أو الصورة التي يرغب أن يراه الآخرون فيها ، فيمكن القول "إنّ الصورة الذاتيّة التي ينتجها الفرد قد تكون دقيقة ومطابقة لواقعه وحقيقته كما قد تكون غير واقعيّة"( 13)، وفي الشعر العربي وظّف الشعراء صورًا ذاتيّة للتأكيد على الصفات العربيّة الأصليّة التي يزدانون بها كالشجاعة والكرم والصّبر على الصَعاب ، وتحمّل صروف الدهر ونوائبه ، وعكست صورة الذات مشاعر الحبّ وتجاربه ، أو انقضاء الشباب والشيب والهرم ، فيفتخر الشعراء من خلالها بإخلاصهم وولائهم للأمة أو لأهل السياسة والحكم ، ويتباهى بِحلمهِ وعفوه حتّى نحو أعدائه وخصومه. وقد يعمد الشعراء إلى التبجّح بمهاراتهم الشعريّة وإمكاناتهم الفنيّة المتفردة ، سعيًا إلى التعريف بأنفسهم وتحديد هويّتهم وإظهار القيم المتعلّقة بالذات/الأنا عبر قصائدهم ، بحيث "تكون القصيدة هي مرحلة أساسيّة في عملية تعريف الذات ، وهي تأطير وإدراك لصورة الذات وصورة العالم ، فشكل القصيدة يعبّر عن ماهيّة الشّاعر وطبيعته"( 13)؛ وتكمن فيها انفعالاته وأفكاره وهواجسه ، إذ تصبح الصورة عملية إبداعية تستمد عناصرها من ثقافة الشاعر وتؤطر بتصورات الخيال(14).
إن الذات تنبري للواقع وتصدعاته المتواصلة، بما تصنعه لنفسها من طموحات تتخطى بها أزمات الحياة ، وخصوصًا إذا التمست كينونتها في الفن الذي "هو نوع من الحفاظ على الحياة، والفنان هو إنسان يبتعد عن الواقع؛ لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن إشباع غرائزه التي تتطلب الإبداع، وهو يسمح لرغباته الشبقية والطموحة بان تلعب دورًا كبيرًا في عملية التخيل" (15) من أجل تحقيق التوازن بين الذات والواقع، وتخفيفًا للتوتر النفسي وللألم، وقد تتجسد هذه الرغبات والصراعات بصورتي الذات الفردية والجماعية؛ "لأننا لا نستطيع أن نزن القيمة النفسية لإحدى الحالات الوجدانية إلا مرتبطة بمحتوى فكرة ما" (16) تجسد صورة اسقاطية لهواجس المبدع، فقد لا يتاح له "التعبير عن عاطفة من العواطف عن طريق الفن دون اللجوء إلى المعادل الموضوعي" ( 17). فعملية الإبداع لها دوافع فطرية أو حاجات خاصة لدى المبدعين تسهم في تحقيق الذات التي تعمل على توجيه نشاط حياة الإنسان كما تعمل على تقدّم حياته كلّها، وعليه فإن ما يبدعه الفرد لايصدر عن قلق، أو إنه مجرد إعلاء لدوافعه المكبوتة كما رأى ذلك (فرويد)، بل تعبيرات عن قدرة الفرد على دفع عملية الإبداع وميله إلى تحقيق ذاته (18).
فكانت الشجاعة معادلًا موضوعيًا لمشاعر القوة والإقدام بلسان الفارس الثائر المتمرّد على الأعداء ، فمثّلت رؤيته الخاصّة وقوّة إرادته ، وتأكيد إرادة الحياة ، ساعيًا إلى تحرير الوعي الإنساني من عبودية الأفكار والرضوخ للمعتدي عبر عالمه الداخلي المليء بالعنفوان ، "فكثيرًا ما يكون لدى الشاعر ما يسميه فرويد الرغبات المحتبسة في اللاشعور فينتهز فرصة القول في غرض من الأغراض المستعارة، ليعبر عن تلك الرغبات فيفكها من عقالها، ويطلقها من محبسها" (19)، ويمكن رصد قوة ذات الشاعر وعنفوانها من خلال البيت الشعري ليوسف الثالث ، قائلًا (20):
عَلى مَ يَشُوقُ البَارِقُ المتيّم
فُؤادَاً لَهُ بِالجَزْعِ رِئمٌ وَضَيْغَمُ
تتشكل الذات في النص عبر توظيف اسلوب الاستفهام الذي يُومي بدلالة التشويق والإغراء الذي يعتري الشاعر عندما أدرك أنه حان وقت الوقوف بوجه العدو والجهاد واشهار سيوف العزة والكرامة لتقطع دابره ، إذ تضمن الاستفهام عن الذات بلغة شعرية "تجنح إلى التلميح الذي هو أبلغ من التصريح"(21)، ليبث فعل البطولة المحققة عبر رسم شخصية البطل وتجسيد أفعاله القتالية في إغارة شنّها على العدو ، وينطلق المشهد مُؤطراً بالإطار الزمكاني ، فرهن النص بحدود جغرافية المكان الذي أطلق عليه لفظة (الجِزْع) فوظف المكان توظيفاً فنيًا ونفسيًا ، إذ الشكل الطوبوغرافي للفظة (جِزْع) يقوم على التنافر ، فالجذر اللغوي له نقيض (الصبر) ، كما يدلّ على اليأس من مصيبة أو ألم (1)، فالنص يُحيل المتلقي وبثقة عالية بما يمتلكه البطل من شجاعة إلى حجم المصائب والخسائر التي سيُكبّدوها للعدو عبر هذه الإغارة ، وأما الإطار الزماني فقد تحدّد في وقت السحر بإيحائية الصورة البصرية للبارق ، فخاصية اللمعان لاتُدركها الرؤية البصرية إلا في شدّة الظلام ، فوقت السحر يكون الليل في أشد ظلمته ، فأضفى على المشهد أثراً جماليًا وتعبيريًا عبر أنسنة البارق ليُعطيه صفة التبسم ، فتحولت الصورة المرعبة للمعركة بشدة ظلامها إذ لا تُرى إلا لمعان السيوف إلى صورة أكثر جمالاً عندما اكتست بلذة النصر على العدو ، فرسَمَ شخصية العدو وقدمها عبر استعانته بالصورة الاستعارية التي جسّدت شجاعة العدو حينما استعار له القوة والشجاعة من (الضيغم) وهو الأسد؛ وقدم شجاعة البطل للمتلقي فصور شجاعته وقوة بأسه بالانتصار على العدو الذي لم يكن ضعيفًا أو هينًا.
ثم يتجه الشاعر إلى رسم ملامح شخصيته مُضيئًا للقارئ سيرته الذاتية ، فيستحضر من الماضي تلك الوقائع التي خاضها في مواجهة أعداء الأمة الإسلامية عبر الأفعال الماضية الصريحة حينًا ، وعبر الأفعال المضارعة المفرغة من دلالتها الأصلية إلى دلالة الماضي حينًا أخر ، قائلاً (20):
وإنِّي مَنْ يُردِي الكُمَاةُ ثَبَاتَهُ
وَإنِّي مَن يَخشَى المُلُوكُ نِزَالَهُ
إنِّ لِمَن تَهوَى الخَلائِقُ أن تُرى
وإنِّــــــــــي مَـــــــن تَرجُـــــــو العُفَـــــــاةُ نَــوَالَهُ
وَمَـــن تُرهَـــــــــبُ الأبطَـــــالُ سَطـــوَةَ بَأسهِ
وَمَــــــن يُتَّـــــــقَى فِـــــي بَطشِـــــــــهِ بِــعُدَاتِـهِ
وَمَـــن إن دَجَـــــــــــا لَيــــــلٌ وَأظلَـــــمَ حادِثٌ
وَمَـــن رَاقَــــــــت الشُّهبَــــــــانُ رِفعَــــــةُ قدرِه
وَمَـــن يَغمــــــُـر إلا نــدَاءَ تَــردَادَ ذِكـــــــــــرِهِ
وَقَد هُدَّ رُكنُ الصَّبرِ فِي وَثَبَاتِه
وَلَم يَخشَ صَرفَ الدَّهرِ مِن عَزَمَاتِه
وَقَد جُعِلتُ طَرّاً فِدَاءٌ لِذَاتِه
وَتَخشَــــــــــى أسُـودُ الحَـــربِ حَــــــدَّ شَبَّاته
وَيرتَاحُ مِنـهُ اللَّيثُ فِي أجَمَاتِه
وَيُلفَى الرِّضَا فِي حِلمِهِ وَأنَاتِه
تَطَلَــعَ نُـورُ الصُّبحِ مِن قَسَمَاتِه
وَمَـن زَهَـتِ الدُّنيَـــــــا بِغُـــــــرِّ شِيَاتِه
وَمَـن يَعجَـزُ المُـــــــــدَّاحَ بَعـــــــضَ صِفَاتِه
يسلط النص الأضواء على ذات البطل ويقدمها للقارئ عبر رصد سلوكاتها وأفعالها القتالية ، مؤكداً عليها من خلال تكرار الحرف المشبه بالفعل (إنَّ) مع (ياء المتكلم) وهو لون من ألوان تكثيف الذات المتعالية بالشموخ والقوة والشجاعة عبر ايراد مزاياها وتوسيع دائرة الاعتداد بذاته ، وكذلك ركز على اسم الاستفهام (مَنْ) بتراكم صوري ليُظهر قوة ذاته وشدة بأسها وبطشها بالعدو ؛ مضيئاً جانب الشجاعة من خلال مظاهر عدة ومنها (الصّبر) إذ إنه كثير الصلة بجلادة الإنسان وقوته ، فكانت "هناك حاجة أساسية إلى تأكيد الذات" ( 22)، ثم تتواتر المشاهد ؛ لتجسّد شجاعته عندما يلجأ الخصوم إلى دفع بطشه عبر عقد الصلح معه ، التي جنح النص إلى تجسيدها عبر الصور الاستعارية ، إذ استعار منها صفات مثّلت شجاعة الأعداء(الأسود، والأبطال، والليث) فلم يرمز لهم بهذه الصفات ليفتخر بقوتهم؛ بل ليوحي بضخامة قوتهم وحجمها أمام أنظار القارئ، مقابل شجاعته التي قابلت قوتهم وانتصرت عليهم ، فبرزت شجاعته بصورة فاقت شجاعة العدو وقوته ، وبعدها ينتقل النص ليُضيء الجانب اللين من الذات إلى جانب الجلادة والقوة عبر استعانته بصورٍ استعارية نهضت على الأفعال (دجا، أظلم) ليُلقي الظلال على مواقفه الإنسانية النبيلة في تقديم المساعدة للآخرين في وقت الشدائد، وأبرز آرائه وحكمته بما اتصف بها بقوله (تطلع نور الصبح) ، ثم يسلط الأضواء على رفعة نسبه وشرفه بأنسنة النجوم عبر التشخيص ، فجعل علوّ ذاته مضاهياً لعلوّ النجوم واضعًا تحت بقعة الضوء قيمها النبيلة التي تجملت بها ومنها (الكرم) فعبّر عنها في معرض حديثه عن مواقفه الإنسانية ، فضلاً عن ذلك تجد النص يلمح إلى امتلاك ذات الشاعر صفاتٍ إنسانية كثيرة من خلال الفعل (يعجز) مُدللاً على كثرتها حتى يعجز المدّاحون عن تعدادها ، فهو تفرد يؤكد على الفارق الشاسع بين ما يمتلكه من أداء وموهبة وبين ما عليه بيئة الشعر من مستويات ، إذ لايمكنهم المقارنة مع صوت ذاته المتفردة.
وبرع الشاعر في تصوير انفعالات ذاته عبر الاسترسال لصور الماضي العالقة في ذهنه مع تداعي مجموعة من الصور المتتالية التي تستعيد لذهنه ذكريات انتصاراته على الأعداء ، فيصورها بأدق تفاصيلها، قائلا (20):
فَرَكضُ الجِّيَادِ وَقَسْرُ الأعَادِي
وَردَعُ الدِّمَاءِ وَظِلُّ اللِّوَاءِ
وَعَبلُ المَرَاكِلِ ذِي مَيعَةٍ
سَلِيمُ الشَّظَا مِثْلُ لَيثِ الغَضَا
طَـــــرَقـــــــــتُ حِـــمَـــــــــاهُــــــم عَلَـــــى غرّةٍ
وَكَــم مِــن كَسُـــــــــــولٍ نَــــــؤُومِ الضّحَى
وَكَـــــم قَــــــــدْ سَبَـــــــــانِـــــي مِــــــن سَيهَا
وَغَوثُ المُنَادِي وَنَحرُ اللِقَاحْ
أحَبُّ إلى القَلبِ مِنْ كَأسِ رَاَحْ
مُنِيفُ الهَوَادِي طَوَيلُ المَرَاحْ
يَجُولُ وَيَلهُو أمَامَ الرِّيَاحْ
وَكَـم سُــــــــــــرَّ لَيـــــــــلٍ وَسَــــــــــــاءَ الصَّباحْ
تَـــصَبَّحـــــــتُـهَا وَهِـــــــــــــيَ دُونَ اصْطِبَاحْ
بـــــــــــــــزُرقِ الـعُـيُـــــــــونِ وَزُرقِ الرِّمَاحْ
ينقل النص عبر رسم المشاهد الحركية في المعركة عبر حركة (الجِّيَاد) التي لها مكانة أثيره لدى الإنسان العربي بوجه عام ، والشاعر بوجه خاص إذ "العرب لم تكن تعامل الخيل كسائر الحيوان بل عاملتها كإنسان، وفضلتها على النفس والولد والزوج في الطعام والشراب والكساء" (23)، لذلك جعل الشعراء منها كائنًا شعريًا ذا مدلول رمزي في لغة الإبداع الأدبي يناط به التعبير عن هموم الذات وتطلعاتها ، والبديل الأمثل للإفراغ النفسي والشعوري. فأبرزت فعل الفارس القتالي ودور بطولاته ضد الأعداء ، وهممه العالية في نجدة قومه المضطهدين من لدُن أعداء الإسلام ، فتمثّل صورة الفرس وجهًا آخر لعالم الشاعر الداخلي مفتخرًا بها وجاعلًا منها شاهداً على بطولاته، "وقمَة الفخر بملامح أُسطورية يسبغها البطل على ذاته تتجسّد في (أنا) المُقترنة بالحقيقة ليصل نطاق الأُسطورة إلى الحصان الذي يُجرّده الشاعر شاهداً على بطولاته" ( 24)، جاعلًا منه مجالًا سيميائيًا مستقلًا ، إذ "تشكل البطولة والفروسية في الشعر الجانب الحركي الحيوي" (25)، الذي تتمظهر فيه نزعات الذات، التي كشف عنها عبر توظيفه للأفعال الماضية (طرقت، وسرَّ، وساء، وسباني) التي أعطت للمتلقي تأشيرة الدخول إلى ذهن المبدع لمعرفة ما يجول في داخله ، فتتجلى ذكرياته العالقة في ذهنه منهمرة في المشاهد الحركية بصور متتابعة تنقل تفاصيل إغارة شنّها على الأعداء في عقر دارهم على حين غِرةٍ من أهلها ؛ مصوراً للمتلقي الواقع السلبي عبر تحديد موقف العدو بعد الانكسار والاذلال الذي لحق بهم ، مقدماً دلائل انتصاره في المشهد ، بقتل أبطالهم والانتصار عليهم وسبي نسائهم ، مكنياً عن سباياهم بـ (زُرق العُيُون) ورمز إلى أبطالهم بـ (زُرق الرِّمَاح) ويخبر المتلقي بوساطة (كم) الخبرية عن كثرة انتصاراته على العدو في كل معركة ، وقد سعى الشّاعر إلى إبراز سمو شرفه وكرامته وربطهما بالشجاعة والبطولة ، فاستحضر الوقائع الحاصلة في الماضي مقدماً مجموعة من الأفكار والقيم والمبادئ الإنسانية التي حققت عنصري التشويق والإثارة عند المتلقي.
وكان النصيب الأكبر في ديوان الشاعر لنصوص الفخر الذاتي وما يطرحه بطريقة واعية وغير واعية لينفس عن ذاته المبدعة "فالناتج الفني ما هو إلا تحقيق وهمي لرغبات لا شعورية ، فالفنان يلجأ إلى تلك الموضوعات التي يتحدث عنها ليجسم شعوره الدفين أو يجسد أحلامه النفسية" (26)، وبذلك فإنه يؤكد على صورته انموذجًا للتعالي عن الصغائر وقابليته لتجاوز التغيّرات الدنيويّة العارضة ، ومقويًا صورة الذات في نظر الآخرين، قائلًا (20):
يُوْسُفِيَّاً قَدْ أقَامَ سُنَّةً
وَأنَا يُوسُفُهَا مِنْ دَولَةٍ
يُوسُفِيٌّ مَطْمَحِي مِلءَ العُلَى
نُظِّمَت اشرَافُهَا فِي نَسَق
أطْلَعَ الأنْجُمَ مِلءَ الحَدَق
نَاصِرِيٌّ هَازِمٌ لِلفِرَق
كشف النص عن ذات الشاعر النفسية والعاطفية عبر توظيف أسمه لثلاث مرات في نسيج النص الشعري وبصيغ متنوعة، فورد (يُوسفي) مرتين، ومرة بصيغة (يُوسفها) فأراد أن يرمز إلى ثمة تاريخ مشرق ومجدٍ تليد يتخفى وراء طيات اسمه عبر إيراده بهذا التكرار في الأبيات السابقة، وليأخذ بعداً تاريخيًا واجتماعيًا ورمزيًا، فنلمح تاريخًا خفيًا يكمن وراء تلك الشخصية الفذّة التي سطّرت أحداثًا من الشجاعة والبطولة في سبيل الدِّين والوطن. فالعناية بتحديد الاسم الصريح يمثل سمةً فنيةً أساسيًة في بناء ملامح الشخصية خارجيًا(27) برصد حركتها وسلوكياتها ، فأضاء النص سيرة الذات عبر رصد سلوكات الشخصية وأفعالها وصفاتها، وسلّط الضوء على علو نسبه ورفعة منزلته راسمًا شخصيته التي يتماهى معها ضمير التكلم (أنا) عبر أنسنة النجوم فجعل علوّ ذاته مضاهيًا علوّ النجوم ، فحددت الذات بذاتها لتنقل العلاقة بينها وبين النجوم من مستواها الواقعي إلى الرمزي ، فأضفى على النص أثرًا جماليًا تعبيريًا مميزًا.
ومن تجليات فردانية الذات والاعتداد بالنفس ما تجده في أبيات الشاعر التي وظّف فيها معادلًا موضوعيًا لإبراز قوته وشجاعته، فالفنان "يخضع للنزوع اللاشعوري من حيث كونه قوة دافعة لرغباته الطموحة إلى مبدأ إرادة التفوق في محاولة إثبات الذات وتأكيد الوجود" (19)، وهو أحد أهم أسرار الإبداع في سائر أصناف الفن عامة، وفي فن الشعر خاصة الذي أدرك خصوصيته نقدنا القديم من هذا الجانب واباح للشعراء فيه بأن يعتدّوا بأنفسهم ويشدوا بمناقبهم (28)، قائلًا (20):
إذَا رَاعَتِ الأهوَالُ آرَاءَ فِكْرَةٍ
يَرُدُّ صُدُورَ النَائِبَاتِ بِصَدرِهِ
نَضَتْهُ عَلَى البَيضَاءَ عَزمَةَ يُوسُفَ
فَلَا مُفْزِع إلا الحُسَامُ المُصمِّم
وَيَقْضِي بِمَا شَاءَ الجِلَادُ وَيَحكُم
عَادَتْ وَوِردُ الصَّافِنَاتِ بِهَا دَم
ينطلق النص الشعري موظّفًا تقانة الوصف وهو يتفاعل مع المعادل الموضوعي (الحسام/السيف)، فينبري الحسام بوصفه أداة تحسم الشدائد والمحن في صراعه الإنساني في مواجهة الأعداء وتتصدى للخلافات السياسية معهم، فلم يكن توظيف لفظة (الحُسَام) اعتباطًا وإنما عن براعة في دقة اختيارها، فاطلق عليه تلك اللفظة للتدليل على المقدرة العالية في حسم الأمور ومنع زحف العدو على البلاد ، وقد مثّل بؤرة تمد الذات الشاعرة بالقوة والقدرة على الاعتداد بالنفس، وشكّل معادلاً أو مرآة للذات يسقط عليه نفسه؛ لأن "السيف هو الدلالة القصوى على القوة وحسم الأمور" (29)، وهو جامع للحدة واللمعان والتصميم على وصول الغاية مع إرادة الذات القوية. و"النص الأدبي يكون -غالبًا- بمثابة ستار يُخفي أفكاراً ويُضمر حقائق حياتية ويعكس آيدلوجيا وثقافة بصيغ لغوية تلعب فيها الألفاظ والسياقات دورًا بارزًا في الكشف عن تلك الأمور" (30) التي تجول في نفس الشاعر ، فينطلق بها النص الشعري بأسلوب رمزي.
والنص أعطى المتلقي فرصة التمتع بجمالية الأسلوب عندما رسم صورة استعارية نهضت على الفعل المضارع (يَردّ) في تجسيم (الحسام) ومنحه أعضاء إنسانية عبر تقانة التشخيص، فجعل له صدرًا يواجه به شدائد الزمان ومحنه؛ فصار معادلًا موضوعيًا لذاته بجامع الهمة العالية والعزيمة الكبيرة على مواجهة أعداء الأمة، وقد أفاد وصف السيف في هذا النص وفي ظل تلك الوظيفة التفسيرية إلى الغوص إلى أعماق الذات وكشف مكنوناتها الداخلية ونوازع النفس الغائرة.
وعند الحديث عن علاقة الشاعر مع المرأة فإنها قد حظيت بعناية خاصة من خلال تبوؤها مكانة اجتماعية متميزة ؛ لأنها تمثل رمز الأمان والاستقرار والديمومة وعنصرًا حيويًا مهمًا لا سبيل للاستغناء عنه؛ لأن "المرأة والرمز (الأرض والقصيدة) تقاوم العنف والهيمنة وطمس الهوية والاستلاب بقدرتها على الخصب والتوالد وإبداع الحياة" (31)، ويحظى الأثر النفسي للمرأة في عقل الشاعر ووجدانه بمكانة خاصة ، معبرًا عنها بطريقة قد تكون لا شعورية يبوح من خلالها بما يكتظ في نفسه من ألم ابتعثته الحبيبة بعد أن جفّت ينابيع مودتها ، فالقصيدة "مكان الذات الذي تتجسد من خلاله رؤاها ومعاناتها واحاسيسها في علاقتها بالكون والكائنات" (31)، فالشاعر يوسف الثالث قد بث شكواه معبرًا عن تجربته مع الحب التي استحضرت ذاته ومعاناتها النفسية وتداعياتها بلغة مفعمة بالحركة وممتزجة بمرارة الفراق، قائلًا (20):
آهٍ يَا قَلبِي المُشَوُّقُ إلَيهُمُ
لَو أعَادُوا عَلَيَّ رَجعَ سَلَامِ
إنْهُم حَيثُ أنجَدُوا أو أغَارُوا
قَد تَفَانِيتُ عَن وجُودِي وَنَابَت
عِيلَ صَبرِي بِالوَجْدِ إذْ خَلَّفُونِي
لَم يَكُونُوا إلَى الجَوَى أسْلَمُونِي
بِسَوَى الوَجدِ بَعْدُ لَم يَجِدُونِي
عَبرَتِي عَن صَوبِ الغَمَامِ الهَتُون
يعكس النص عمق خلجات الذات وتجلياتها عبر الحوار الداخلي الذي يعقده الشاعر مع نفسه من الأثر النفسي الذي احدثه انفصال الحبيبة عنه بزفراتٍ وآهاتٍ مسموعة تفيض باللوعة والأسى، وتلهب جمرة الشوق واللهفة بسبب فراقها، عبر استعانته بأسلوب النداء، إذ يتشظى قلبه ما بين قسوة المحبوبة ورحيلها والبعد عنه، وبين ضعفه وعجزه عن تحمل فراقها، ثم تتوسل الذات المتعبة بحضور مكثف في النص عبر أسلوب التمني (لو) بحاجتها الماسة إلى لقاء الحبيبة؛ ليروي عطش الحرمان العاطفي ويستطيب من آلامه النفسية، فيتجاذب كيانه النفسي حزن عميق لرحيلها وأمل متدفق يُمنّي النفس في عودة وصالها، فإن "التقنية الفنية هي السيطرة الواعية على القوة الباطنية للاوعي التي تعمل في تكوين الأحلام ويكون الشكل الفني شكلًا حلميًا" ( 5)، وكذلك أفادت توظيف لفظة (سلام) في النص لما تحمله من دلالات نفسية عديدة التي تتناسب مع دلالتها اللغوية، فكشفت عن حاجة الذات إلى السلام النفسي والاطمئنان وحب التقرب من الحبيبة.
ثم ينتقل النص إلى إلقاء الظلال على دور الدموع الفاعل عند وداع الحبيبة، محاكيًا الطبيعة في تجسيد صورتها؛ ليعبر عن حجم الأسى واللوعة في قلبه من خلال الحوار الداخلي، فقد جعل من دمعه غمامة من مطرٍ بوصفها بـ (الهتون)؛ ايحاءً بغزارة دموعه وشدة الانفعال النفسي الناتج عن حزنه وآلامه، فتلك الصورة كشفت عن مكنونات الذات من خلال تحليل "رموزها المستمدة من الطبيعة والعلاقات القائمة بينها على النحو الذي صورها به الشاعر ، كل ذلك كشف لنا عن اختيار هذه العناصر والرموز وإقامة هذه العلاقات بينها يكون له دائمًا أصل بعيد في أغوار الشاعر" (32) النفسية المتوقدة جذوتها حتى بعد ولادة النص الشعري، فكان وصفه للدمع معبرًا ومؤثرًا "كون الدمع هو مصاحبة وجدانية واستجابة انفعالية للتوتر والحزن" (33)، فلم يتبقَ له بعد رحيل الحبيبة سوى الدمع الذي يسلي به ذاته المتعبة من فراقها.
وأخيرًا فإن الشاعر قد تناول موضوعات الذات المتنوعة ، التي دارت حول صفاته ومكارمه ؛ وقوته السياسية حول ملكه ووطنه وقومه ، ونصرته للدين وحفاظه على الشريعة، وحضوره الحربي الذي دار حول شجاعته وإقدامه، وخشية ملوك العدو منه ومن نزاله ، وحضور عاطفية الذات بتعذر الوصل ، وتبدل الأحوال مع رحيل الحبيبة وهيمنة التجافي الذي حلّ بينهما لأسباب معروفة له تارةً، ومجهولة تارةً أخرى.
المبحث الثاني : امتزاج الذات الفردية مع الجماعية
يرتبط الشعر بالذات ارتباطاً وثيقاً ويعبر عنها ، فالذات هي التعبير عن نزعات النفس الإنسانية بأسلوب تظهر من خلاله العلاقة بين النص الشعري والذات المنشئة له، من جهة إحالته على المبدع له بتعبيره -عادةً – عن ضمير المتكلم مباشرة (34)، فلكل إنسان خصوصياته، وأخص الخصوصيات هي ما تتصل بذات الإنسان على نحوٍ مباشر ، فأهل الإنسان يخصونه، ولكن ذاته هي قمة الخصوصيات (35)،. إن الفنان لابد له من مشاركة مجتمعه في الصراع الذي يعيش فيه، ويستمد انفعالاته من مسرح الحياة بتفاعل إنساني يحيا في كنف الجماعة، فإن "الأديب لا يفهم الحياة حق الفهم نافذًا إلى أعماقها الإنسانية إلا إذا ناضل مع مجموع امته الذي ينبثق من مجموع الإنسانية الكلي ، أما إذا استغرق في نفسه وخيالاته ومشاعره الفردية فإنه يصبح منفصلًا عن امته وبالتالي يصبح أكثر تعرضًا للانفصال عن المجموع الإنساني" (2)، ويمكن الكشف عن سر نبوغ الشاعر وإبداعه من خلال معرفة علاقة ذاته مع مجتمعه، فإن حقيقة الإبداع "لا ينبع من العقل الواعي فحسب، ولكن من العقل الباطن، ولا يستمد من الوعي الفردي فحسب ولكن من وعي الجماعة أيضًا؛ بل – يحدثنا الفنانون المحدثون ويؤيدهم في هذا فريق من العلماء – أن وعي الجماعة هو المصدر الحقيقي للإلهام الفني العبقري" (36)، فعملية الإبداع ما هي إلا مزيج من الوعي واللاوعي الإنساني وحصيلة التفاعل بين عالم المبدع الخارجي الذي يعيشه وبين عالمه الداخلي الوجداني المشاركين في ولادة نصوصه الشعرية.
وقد ضمّ ديوان الشاعر كثيراً من النصوص الشعرية ذات النفس القصصي ، كان معبراً فيها عن ذاته وكلّ ما يرتبط بعالمه، وكشف فيها عن هويته ومعطياته ووعيه الفكري، عبر اكتناه أعماق نفسه تعبيراً عن عواطفه وحالته النفسية بكل صدق، "فالشاعر الصادق هو الذي تنطبع انفعالاته وعواطفه على تجربته الشعرية وتتلون هذه التجربة بألوان الانفعالات والعواطف وتصطبغ بصبغتها" ( 37)، ومن بين تلك النصوص التي تتجلى فيها امتزاج الذات الفردية مع الجماعة، تلك القصيدة التي جسّد فيها خصال الشخصية وأفعالها وحركاتها ، وكشف عن وعيه الفكري بكل جوانبه سياسياً واجتماعياً ودينياً وعسكرياً ووجدانياً ، قائلاً (20):
لَنَا حُجّةُ الفَخْرِ المُحَقَّقِ صِدقُهَا
لَنَا أنْ دَعَا الدَّاعِي لِنُصْرَةِ دِينِهِ
لَنَا الصَّولَةُ المَرهُوبَةُ العَزْمِ كُلَّمَا
وَقَد فَاتَحَتْنَا مَكَّةُ وَمَقَامُهَا
أجَابَتْهَا نَصْرِيَّةٌ وَاحْتِكَامُهَا
تَصُولُ الأعَادِي أو يَطُولُ خِصَامُهَا
تتجلى الذات في النص عبر امتزاج صوت الشاعر مع الجماعة بضمير التكلم الجمعي (نا) المقترن بحرف الجر (اللام) ، وبهذا الامتزاج تنطلق إلى رسم ملامحها الخارجية ضمن الجماعة الذائبة فيها دالًا على توحد الذات مع الجماعة، فيستحضر الضمير المهيمن على النص تجربة قصصية يقدم نفسه من خلالها متماهيًا مع الجماعة عبر رصد أفعالهم القتالية وقيمهم النبيلة التي يتمتعون بها، كالشجاعة والكرم والنزعة الدينية بأسلوب تصويري عبر آلية الوصف في صور مكثفة لحضور الذات التي تؤكدها ضمائر التكلم (نا) فتقوي تجليها وثباتها الدائم، فتُظهر المقدرة في الدفاع عن الوطن والأهل. وتكرار الضمير لتأكيد حضور الذات والتركيز على تماسك فعل البطولة بكل ما تعنيه للمجتمع من قيم ومكانة سامية حددها عبر توظيف المكان الديني (مَكَّةُ وَمَقَامُهَا) لتلائم مقامه وقومه ، فالمكان "يُشير إلى دلالات رمزية لأشياء ومواقف أو حوادث كان لها حضور عند الشاعر" (38)، فالشاعر سعى إلى بناء صور معبِّرًا فيها عن مواقفه الأخلاقيّة ، فهي تبدو للوهلة الأولى فخرًا مثاليًا ذائعًا في الشعر العربي في مختلف العصور ، إلّا أنّ إمعان النظر في النص يكشف عن التباهي بخصائص ذات قيمة عالية في المفهوم الاجتماعي العربي وهي الحلم وضبط النفس والتعالي عن الصغائر وصون كرامة الأمة الإسلامية.
ومن ثم تبدأ الذات بتزعم عملية البطولة بواسطة ضمير (الأنا) التي تمسك بخيوط الأحداث وتحركها كيفما تشاء ، فيرسم النص شخصيات العمل بتجربة فريدة ، قائلاً (20):
أنَا اليُوسُفِيُّ المَلِكُ صِدْقَاً إذَا بَدَا
تَرَاجُعُ أحزَابِ العِدَا وانهِزَامُهَا
يسترسل الشاعر في رسم شخصيته المنسلخة من الجماعة بواسطة ضمير التكلم الفردي (أنا) فهو غرض نفسي أسقطه الشاعر خلف ستار النص "حيث منابت الكلمة وحيث نسمع المزيد" ( 39)، فتتوحد وتتماهى مع شخصيته والزمن؛ ليُعلن عن رسمه لشخصيته ، فتقدم الذات نفسها للمتلقي من خلال رسم الملامح الخارجية بتحديد الاسم الصريح بلفظة (اليُوسُفِيُّ) وقد لُحق بـ (ياء) النسب التي تُحيل دلالاتها على النسب الذي ينتمي إليه ويمنحه العظمة ، إذ أن اسم أبيه وجده (يوسف) وهما ملكان ، ثم يكشف عن هويته بأنه (المَلِكُ) فجنح إلى أن يقرن تلك الملامح بتجسيد أفعاله القتالية ضد العدو؛ ليبرز شجاعته وهمته العالية ومقدرته على مواجهته ، حتى أن الأعادي تخشى نزاله في المعارك؛ لعلمها أنها ستُهزم أمامه وأن خسارتهم لامحالة. فالنص يقدّم لوحة عن مُثله وقيمّه التي تبلور (أناه) التي عكست تكوينه الشعوري والإدراكي والقيمي ، مُظهرًا بذلك إجلالًا عاليًا لهويته الذاتية.
ومن النصوص الشعرية التي تجلت فيها الذات الممتزجة بالجماعة التي كانت بحاجة إلى قوة بأس ونفسٍ ثائرة كي تُثبت إقدامها وتُعلن حضورها ؛ لأن القوة تعزز شخصية الفرد وتعمق حضورها الذاتي التي اعتادت على الاندفاع والاقدام ، وقد تجلت عبر النص الشعري الذي يستنهض النفس على اختيار المركب الصعب (الحرب) التي مثّلت صراعاً مصيرياً وجودياً ، لأن حياة الدعة لا تجعله في مأمن من محاولات التجاوز أو العدوان ، وعلى الإنسان أن تسعى نفسه للقوة فهي ركيزة أساس الذات القوية ، قائلاً (20):
تَرَكُوا الرِّيَاضَ وَظِلِّهَا يُتَفَيَّأُ
وَتَقَسَّمَت أيدِي البُعَادِ خِلالَهُم
حَيثُ ألتَقَى رَكبُ السُّرَى وَالمَرفَأُ
فَإذَا الجَوَى نِيرَانَهُ لا تَطْفَأُ
يجسد النص مشاهد الفراق التي تعمق مشاعر الحزن واللوعة منذ اللحظة الأولى التي غادر بها الجيش بلادهم الجميلة ، معبراً عنها بـ (الريِّاض) ؛ ليُهيئ نفسية القارئ عن سبب مغادرتهم الاضطرارية ، وهذه اللفظة تحمل دلالات إيحائية تُشير إلى حجم الحدث وخطورته الذي دفع المحاربين إلى ترك مرابع مُتع الحياة الجميلة متوجهين إلى خوض المعارك الحاملة للقتل والتنكيل ، وهذا الإيثار لم يكن إلا لحدثٍ جلل يفوق التمتع بجمال البلاد وهو الدفاع عنها من أطماع المعتدين الذي يستدعيهم إلى شدّ الرحال تاركين فيئها ومباهجها ، فإنها تمثل شجاعة الأبطال وقوة إقدامهم على خوض غمار الحروب ، وتجلت ذات الشاعر عبر المشهد المعبر عن الواقع برؤية خاصة، إذ "تتراءى حالة الشاعر النفسية من خلال اللوحة الفنية التي يرسمها" ( 40)؛ ليضفي عليها ذاته وهو يشارك الجيش هذا الشعور ، فإن إحالة الذات إلى ذوات أخرى أو إلى موضوع خارجي ما هي إلا تعبير عن رغبته في "إشراك الطبيعة لمتاعبه وهواجسه أولاً وفي الوقوف بعيداً عن ذاته لرؤيتها في الطرف الآخر ثابتًا وفي المبالغة في رسم اللوحة المؤثرة ثالثًا وتضخيم سلطان الشاعر وجبروته قبالة العناءين الجسدي والنفسي رابعاً" (41)، ثم يثير النص مشهداً مليئاً بالتوتر في تداعيه الشعوري والنفسي بدءاً في رسم حدوده من الفعل الماضي (تَقَسَّمَت) في موقف الوداع بين المقاتلين وأحبتهم ، فتشتد لحظات الفراق التي أفرزت تداعيها النفسي متجسدة بآلام الشوق وحرقة الوجد ، أ بعد هذا الوداع سيجتمعون مجدداً أم سيكون وداعاً أخيراً لا لقاء بعده؟ فعكس الموقف رؤية الذات للحياة وحدد اطار علاقته بالبيئة وهي "علاقة تقوم على قانون القوة والصراع والمواجهة" (42) من أجل الحفاظ على الأهل والوطن، فالنص يستمر باستقطاب عاطفة المتلقي ساعياً للتأثير فيه ؛ فينقل لنا حوارًا مشفرًا عبر الصراع الداخلي الذي يراود ذات الشاعر بين "الإقدام والشجاعة من جهة وبين الإحجام والتردّد القائم في نفسه من جهة أُخرى" (43)، فيصور مشهداً يحمل مشاعر الألم بين المقاتلين وأحبتهم عبر تشابك أيديهم مودعينهم ، فتتصاعد حدة التوتر النفسي بغصة استوطنت حناجرهم خوفاً من الفراق الأبدي بعد أن تتنصل أيديهم وتتباعد عن بعضها شيئاً فشيئاً بفيضٍ من مشاعر الشوق الممتزجة بالألم والحسرة.
إن الشاعر يستعين بمتلازمات يومية يستدعيها من الواقع ، فهو يتكئ على المكرر والمتداول، لكنه يكسوه حلةً جديدةً ، تُظهره بصيغة مبتكرة ، يعلو به مواضع التلقي المألوف إلى مواضع المساهمة الفعّالة ، الأمر الذي يمنح عملية التلقي مشاركة جدية في كشف المعنى وخلق الدلالة ، فتجد الشاعر مستمرًا في أبيات أُخر راسماً مشاهد الحرب الدرامية وحركتها المثيرة عبر نقل مشهد الاحتدام والصراع مع العدو ، قائلاً (20):
وَاللَّيلُ أنْجُمَهُ نُصُولُ ذَاوَبِلٍ
فَمِنَ الجَوَائِحِ حُمرَة لا تَنْطَفِئ
وَالجُردُ تُرسَلُ لِلغِوَارِ كَأنَّهَا
وَاليِومَ يُختَمُ بِالجِلادِ وَيُبدَأُ
وَمِنَ الجُفُونِ مَوَارِدٌ لا تُظْمِيءُ
تُعْشَى البَوَارِقَ إذَا انْبَرَتْ تَتَلألأُ
يحدد النص اللحظات الأولى لانطلاق المعركة عبر توظيف الدلالة الإيحائية لجملة (وَاللَّيلُ أنْجُمَهُ نُصُولُ ذَاوَبِلٍ) في آخر الليل ومع بداية أول النهار، عبر دلالة البنية الفعلية لجملة (وَاليِومَ يُختَمُ بِالجِلادِ وَيُبدَأُ) التي تُوحي بوقت السحر ، فالنص أعطى خبرة كبيرة باختيار الوقت المناسب لبدأ المعركة ، فوقت السحر يكون العدو في عمق نومه وهو ما يفوت عليهم فرصة الاستعداد والتهيؤ للقتال ، الأمر الذي يعزز من اتاحة الفرصة الأكبر لفرسان الغارة بالانتصار في المعركة، فتشتد حالة الاحتدام والصراع بدخول الجيش غمار القتال مع الأعداء ، وتجسيد مشاهد المعركة بتسليط الضوء على حالة الهلع والخوف التي أصابت الأعداء ، واضفاء بُعد ايحائي للصورة الجمالية على المشهد باختيار اللون الأحمر (فَمِنَ الجَوَائِحِ حُمرَة لا تَنْطَفِئ) دالاً على شدة القتال وضراوته ، وترتفع الصورة الدرامية إلى قمة ذروتها عبر رسم شخصيات العدو التي كنى بها (الجَوَائِحِ ، والجُفُونِ) بأسلوب تقريري يجسد عواطفهم وقد تكبدوا خسائر في الأرواح وما أصاب ديارهم من دمار عبر استعانة النص بالصورة الكنائية (وَمِنَ الجُفُونِ مَوَارِدٌ لا تَظْمَئُ) التي وضحت صورة حزن العدو وانكسارهم في هذه الغارة ، والنص ألقى بظلاله على الأسلحة المشاركة في المعركة التي رمزت إلى القوة التي تُرهب قلب العدو ، فيذكر (البَوَارِقَ) ويتحرى الدقة في اختيار هذه اللفظة التي دلّت عبر بُعدها الإيحائي على وقت المعركة وهو آخر الليل وأول النهار ، إذ يكون الليل في شدة ظلمته فيبرز لمعان السيوف للعين المبصرة عبر بريقها ، وللتدليل على حدة هذا السلاح الذي يقهر العدو. فالنص يكشف عن صفة الثبات والاستمرار في الحفاظ على الذات وما تحققه في عالمه الجديد الذي يكمن في صيغة الماضي (انْبَرَتْ) وصيغة المضارع (تُرسِلُ ، تَعْشَى) الحاضر والمستقبل ، فهو صراع العظمة والشجاعة الممتد من أعماق ماضي الذات إلى حاضرها تعبيراً عن المقدرة والرغبة بالنصر.
ثم يستكمل النص مشاهد القتال ويكشف عن انتهاء المعركة ؛ ليصل إلى نهاية الأحداث التي دمرت العدو ، قائلاً (20):
تُردِي العُدَاةُ وَمَا حَوَت أوطَانَهَا
نَحْنُ الأُلَى قَهَرُوا المُلُوكَ فَمَلِكُنَا
فَالمَالُ نَهْبٌ وَالحَرِيمُ مُرَّزأُ
بِصَنَائِعِ الفَتْحِ القَرِيبِ يَهنَأُ
يقدم النص انتصار الذات عبر تقديم دلائل الانتصار في هذه المعركة متمثلة بحصد الغنائم وسبي نساء العدو ، ثم تذوب انفرادية الذات في ضمير التكلم الجمعي (نحن) الذي يُحيل على جماعة المقاتلين المشاركين في القتال احتفاء بالنصر على العدو ، فهو هاجس انفعالي وملمح وجداني يرفع تجربة الفرد إلى مستوى الواقع ، فوظيفة الشعر "هي إحياء الأشياء وبناؤها بناءً جيداً ، إذ تبدو في عالم الشعر أقرب إلى حقيقتها وحقيقة النفس ممّا هي عليه في الواقع" ( 44)، وهي نقلة للقارئ من حالة الاستقبال السلبي إلى حالة الاستقبال الايجابي فيبث في نفسه السرور والفرح عبر تفاعله مع الشخصية ومشاركته الفرح المتمثل في تحقيق الانتصار على الأعداء. وأخيراً تجد أن المعركة من بدايتها وصولاً إلى نهاية النصر قد مثلت وعاءً ترميزياً ومعادلاً شعورياً أضاء الوجود الإنساني بوصفه وجوداً ممزوجاً بحب الامتلاك والتسلط والسيطرة والقضاء على كل ما يهدد سيادته ونفوذه ، إنه يحمل في طياته الصراع من أجل البقاء الذي وُجد في فطرة الإنسان ، فالنزاعات والحروب ليست إلا تعبيراً عن هذا الاتجاه.
ثم يعرض الشاعر ذاته الفردية وهي تذوب مع الجماعة في النص الذي يحمل مكنونات الشاعر وحالاته الانفعالية المرتبطة بمواقفه ووقائع حياته وتداعياتها في نفسه ، فوظف مجموعة من صور الفخر الجمعي وهي تتدفق؛ لخدمة قضية الدفاع والذود عن الأمة الإسلامية في الأندلس ؛ ولتُضيء سيرته الذاتية ، قائلًا (20):
نَحِلُّ اليَفَاعَ بِأسْيَافِنَا
فِمَن ذَا يُخَاصِمُنَا فِي العُلَا
عَلَونَا السِّمَاكَ بِأحسَابِنَا
نُدِيرُ العَوَامِلَ دَورَ الكُؤوسِ
نَجُرُّ الغَلائِلَ جَرَّ الدِّلَاصِ
وَنفتَرِسُ الأسْدَ فِي غَيلِهَا
وَكَم مَظهَرٍ أُطلِعَتْ شَمسُهُ
تَلُوحُ الرِّمَاحُ بِهِ أنجُمَاً
لَبِسْنَا الدَّيَاجِي لِبسَ الحَدِيدِ
وَنَرعَى الجَمِيمَ وَإن لَاحَ لَاح
وَنَحنُ المُلُوكَ بِكَلِّ النَوَاحِي
وَعِرضٍ مَصُونٍ وَمَالٍ مُبَاح
وَنُبرِي الهَوَادِي بَريَ القِدَاح
وَنُلقِي الحَمَائِلَ مُلقَى الوِشاح
وتَغتَالُنَا كُلُّ خَودٍ رِدَاح
بِجَيشٍ لُهَامٍ وَمَجدٍ صُرَاح
وَتَبدُو الظُّبى كَاتِّضَاحِ الصَّبَاح
وَخُضنَا غِمَارَ الحِمَامِ المُتَاح
يفتتح النص برغبة لاشعورية تنبع من أصداء نفسٍ مليئة بحبّ العظمة وتضخيم الذات تدفعه بالتشبث بالقيم والمجد لما تحمله من مخزون قيمي بطولي في ذهن الفرد والجماعة ، فيجمع بين ماضيها وحاضرها بتداعي صور المجد التي حدثت في الماضي القريب عبر إطار الفخر الجمعي لتتماهى فيه فردانية الذات مع الجماعة بواسطة ضمير المتكلمين (نا) ؛ مؤسسًا زمنًا نفسيًا جديدًا للذات في المستقبل وهي تمارس بوعيها فهمًا جديدًا بما دار في الماضي، عبر توظيف الأفعال المضارعة بدلالتها الإيحائية (نَحِلّ، ونَرعَى، ويُخَاصِمُ، ونَجُرُّ، ونُلقِي، ونفتَرِسُ، وتَغتَالُ، وتَلُوحُ، وتَبدُو) والتي تدل على الحركة والجيشان النفسي وحالة من التفاعل والصراع الذي لا يعرف سكوناً يجول في الذات ، كاشفًا عن هيمنتها مع رجالها الأبطال المقاتلين على تلك الأماكن التي كان التنازع عليها مع أعدائهم وانتصارهم عليهم ، وتلك الهيمنة العظيمة لم تأتِ في حاضرها إلا بعد أن أسسوا لها عبر البطولات والانتصارات التي جرت في الماضي.
وبعدها تتوالى صور الفخر الذاتي من خلال فخر الشخصية بملكها وحسبها ونسبها وعائلتها وتاريخها المشرّف، التي جسدها النص بوساطة استعانته بالصور الكنائية، فضلاً عن هيمنة مجموعة كبيرة من القيم والأفكار التي تجسد جانب الشخصية اللين تتمثل بعطفه ورقته وسماحته وعفوه عن الآخرين، ثم يعاود مسترسلًا بصور أخرى تجسد شجاعته وقومه في كل واقعة محرزين الانتصارات تلو الأخرى، مقدمًا دلائل الانتصار بتوظيف فن الكناية فيرمز للعدو بـ (الأُسد) ليُعلن للقارئ أنهم انتصروا على عدوٍ لم يكن سهلًا ولا ضعيفًا ؛لإبراز شجاعتهم، وكذلك يرمز إلى الجواري الجميلات بـ (خود رداح) مُشيراً إلى صفات الجمال التي يتحلّينَ بها.
ويواصل الشاعر تقديم نصوصه الشعرية المعبرة عن اتحاد ذاته مع الجماعة في لوحة الفروسية التي تظهر (الخيل) بصورة قوية قادرة على حفظ الطاقة الحياتية وتوازنها بما يوفره (الفرسان) من القوة والقدرة على مواجهة الصعاب، قائلًا (20):
إذَا كَانَتِ الجُردُ العِتَاقُ مِهَادَهَا
تَطِيرُ بِهَا نَحوَ الأعَادِي أشَائِبٌ
يُرِيحُونَهَا حَيثُ الظِّلَالُ عَجَاجَةٌ
سَبِيلٌ لإدرَاكِ التُّرَاثِ مُوصِّلٌ
وَمَن يَبتَغِي عِندَ المَكَارِمِ وَالعُلَا
فَتَحَتِ البُنُودُ الخَافِقَاتُ مُقِيلَهَا
تُطِيلُ البَوَاكِي حَيثُ قَرَّ غَلِيلُهَا
وَتَغدُو لِمَن عَادَ الهَوَى وسَبِيلَهَا
إذَا ما سُيُوفُ الهِنْدِ رَاعَ صَلِيلُهَا
فَآلَ عَلَى أهِهَا وَقَبِيلِهَا
يفجر النص طاقات ذات الشاعر المنبعثة من شجاعة الفرسان ورصد أفعالهم القتالية ضد الأعداء عبر تصويره لإغارة للمقاتلين شنّوها على الأعداء بعزيمة قوية وهمة عالية عبر توظيف فاعلية الرموز واستثمارها، ومنها (الجرد العتاق) وهي الخيل التي منحها صفة توحي بالدينامية فمثّلت معادلًا موضوعيًا للذات الجماعية؛ فالخيل لم تكن مطية ركوب بقدر ما هي وسيلة عبور لتحقيق أحلام الشاعر ورغباته من خلال كسر رتابة المكان وسكونيته، ومعانقة آفاق الحياة، كذلك يمثل وجودها الشعري قدرة مهمة لحل ما يتعرض له الشاعر من تناقض شديد بين حلمه وتجاذبات واقعه، فالذات الشعرية حالما تستشعر بالخطر تتحول إلى ذات ثانية، تشد من همّتها وتستعيد قواها؛ لتحقيق طموحاتها المتجددة.
كما يوظف النص لفظة (الخافقات) رايات إسلام العزة والشرف وهي رمز القوة وهيبة السيادة والرهبة التي تصيب العدو عند رؤيتها، ثم يجنح النص إلى توظيف فن الجناس في نسيج النص بين لفظتي (تطير ، وتطيل)؛ ليضفي بُعدًا جماليًا على مشهد الحدث، فعند الحرب تطير الفرسان جماعاتٍ وأفراداً للانقضاض على الأعداء والبطش بهم حتى تطيل بواكي أهليهم عليهم، كما يمكن ملاحظة تحشد الطاقة الصوتية بتجانس اللفظتين صوتيًا وتلمح فيها توازيًا صوتيًا، يكون قادراً على جذب انتباه المتلقي إلى أحداث المعركة ومشاركة قوة الذات الجماعية وعنفوانها؛ لأن الجناس يحقق تناظرًا يستقطب السامع ويلقي به في دائرة التوقع على حسب الموضع الذي يضع به المرسل جناسه اقامةً للتوازن بين المفردات (45). وفي البيت الأخير (فَآلَ عَلَى أهِهَا وَقَبِيلِهَا) تجد انفرادية الذات وهي تذوب في غطاء الذات الجماعية، حينما يريد الإنسان أن يطلب العلا والمكارم والمجد فلابد له من الاتكاء على كنف أهله وقبليته التي تعزز من مواقف بطولته وقوته أمام مواجهة أعداء البلاد الطامعين في خيراتها.
الخاتمة :
توصل البحث إلى مجموعة من النتائج التي يمكن ايجازها بالآتي :
- بُنيت التجربة الشعرية ليوسف الثالث على رؤية ذاتية خاصة؛ مكنته من تشكيل نصوصه الشعرية على وفق مواصفات ابتكارية تتجاوز المعتاد وتهجر الشائع المستهلك، معطيةً إيّاها فرادة أسلوبية أدبية معبرةً عن رؤية الشاعر الخاصة لذاته وتفاعلها مع العالم المحيط بها.
- يُشكل الشاعر نصوصه الإبداعية على نحو فنيٍ مميز، مكّن المتلقي من رصد ذاتية الشاعر في قمة عنفوانها وتمردها وانفلاتاتها العارمة نحو الخيال الخصب الذي يمثّل المولد الايحائي لكافة الرؤى والتصورات الشعرية التي تكسب النصوص الشعرية صفة الديمومة.
- تنهض الذات على قصديات فنية ضاغطة بهدف التقرب من سطح الكشف الدلالي؛ لتعلن عن أزمان ذاتية هاجعة تستوطنها ذاكرة الشاعر التي تتوالد من خلال النصوص الشعرية، وتتماهى في حواضن شعورية واعية ولا واعية، تُشكّل الهوية الشخصية التي تشغل حضورًا متميزًا في مشغله الشعري.
- تمكن الشاعر بفضل مزاوجته بين الماضي المجيد والحاضر التليد، أن يمنح نصوصه الإبداعية قدرًا كافيًا من التعبير عن ذاته الفردية من خلال العلاقة الجدلية المركبة بين الذات الإنسانية والمكان الذي شكّل أبعاد الديمومة والبقاء.
- وظّف الشاعر الذات توظيفًا متميزًا ، حتى اتحدت في ضوئه أسس الارتباط الحميمي بين الذات والجماعة، من خلال اتكائه على رموز التراث والمرجعيات الذهنية التي كشفت عن المنظومة الاجتماعية التي ينتمي إليها الشاعر.
المصادر والمراجع
أولاً : الكتب
- Ibn Manzur, Jamal al-Din. Lisan al-ʿArab. Dar Sader, 1968.
- Dayf, Shawqi. On Literary Criticism. Dar Al-Maaref, 9th ed., n.d.
- Al-Dhuwaykh, Saad Fahad. The Image of the Other in Arabic Poetry. Modern Books World, Amman, 1st ed., 2009.
- Al-Khalil, Samir. Glossary of Cultural and Critical Studies Terms. Edited and commented by Samir Al-Sheikh, Dar Al-Kutub Al-Ilmiyya, Beirut, n.d.
- Abbas, Faisal. Psychoanalysis and Freudian Approaches (The Clinical Perspective). Dar Al-Fikr Al-Arabi, Beirut, 1st ed., 1996.
- Ghoneim, Sayed Mohamed. Personality Psychology: Its Determinants, Measurements, and Theories. Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, n.d.
- Al-Haddad, Abbas Youssef. The Ego in Sufi Poetry: Ibn al-Farid as a Model. Dar Al-Hiwar, Syria, 2nd ed., 2009.
- Abdul-Nour, Jabbour. The Literary Dictionary. Dar Al-Ilm Lil-Malayeen, Beirut, 1st ed., 1979.
- Ibrahim, Zakaria. The Problem of Art. Dar Misr Lil-Tiba’a, Cairo, 1976.
- Al-Droubi, Sami. Psychology and Literature: Understanding Man Between Psychological Research and Artistic Insight. Dar Al-Maaref, Cairo, 2nd ed., n.d.
- Asaad, Youssef Mikhail. The Psychology of Creativity in Art and Literature. Dar Al-Shu’oon Al-Thaqafiya Al-Aama, Baghdad, 1984.
- Shaaban, Abduljawad. Issues of the Poetic Self in the Poetry of Abu Ishaq Al-Albiri. Arab Studies Journal, vol. 2, no. 12, 2005.
- Dardir, Abdul Naim Ahmad. Contemporary Studies in Cognitive Psychology. Alam Al-Kutub, Egypt, 2004.
- Mohammed, Muthanna Abdullah. The Influence of Intellectual Sources in Shaping the Poetic Image of Ibn Al-Haddad Al-Andalusi. Al-Noor Journal for Human Studies, vol. 1, no. 2, 2024.
- Abdul Hamid, Shaker. The Psychological Foundations of Literary Creativity (Especially in the Short Story). General Egyptian Book Organization, Cairo, 1992.
- Al-Sayyid, Abdel Halim Mahmoud. Creativity and Personality (A Psychological Study). Dar Al-Maaref, Cairo, 1st ed., 1971.
- Faydouh, Abdelkader. The Psychological Approach in the Criticism of Arabic Poetry. Arab Writers Union, Damascus, n.d., 1992.
- Abdul Hamid, Shaker. The Psychological Foundations of
Literary Creativity (with Special Focus on the Short Story). General Egyptian Book Organization, Cairo, 1992.
- Sheikh, Waddah Salih. The Concept of the Self Between Childhood and Adolescence. Dar Kiwan, Damascus, 1st ed., 2006.
- Abbas, Faisal. Psychoanalysis and Freudian Approaches (The Clinical Perspective). Dar Al-Fikr Al-Arabi, Beirut, 1st ed., 1996.
- Ibrahim, Zakaria. The Problem of Art. Dar Misr Lil-Tiba’a, Cairo, 1976.
- Shaaban, Bushra Abdul Atiyah. The Tears of Love in Andalusian Poetry (The Taifas Period). Madad Al-Adab Journal, Al-Iraqiya University, vol. 2, no. 4, 2012.
- Ghoneim, Sayed Mohamed. Personality Psychology: Its Determinants, Measurements, and Theories. Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, n.d.
- Freud, Sigmund. The Interpretation of Dreams. Translated by Mustafa Safwan and Ali Zayour, Dar Al-Maaref, 1969.
- Dardir, Abdul Naim Ahmad. Contemporary Studies in Cognitive Psychology. Alam Al-Kutub, Egypt, 2004.
- Asaad, Youssef Mikhail. The Psychology of Creativity in Art and Literature. Dar Al-Shu’oon Al-Thaqafiya Al-Aama, Baghdad, 1984.
- Al-Droubi, Sami. Psychology and Literature: Understanding Man Between Psychological Research and Artistic Insight. Dar Al-Maaref, Cairo, 2nd ed., n.d.
- Ismail, Izz al-Din. The Psychological Interpretation of Literature. Dar Al-Awda, Beirut, 1962.
- Abdul-Nour, Jabbour. The Literary Dictionary. Dar Al-Ilm Lil-Malayeen, Beirut, 1979.
- Al-Dhuwaykh, Saad Fahad. The Image of the Other in Arabic Poetry. Modern Books World, Amman, 2009.
- Nour, Fawzi Issa. The Poetic Text and Reading Mechanisms. Mansha’at Al-Ma’arif, Alexandria, n.d.
- Fadl, Salah. Contemporary Criticism Methods. Dar Afriqiya Lil-Sharq, Morocco, 1st ed., 2002.
- Minzour, Ibn. Lisan Al-Arab. Dar Sader, 1968.
- Al-Khalil, Samir, and Samir Al-Sheikh, editors. Glossary of Cultural and Literary Studies Terms. Dar Al-Kutub Al-Ilmiya, Beirut, n.d.
- Salama, Ahmad Falaq. The Evolution of Nature Poetry between the Jahiliyyah and Islam. Diwan Al-Matbouat Al-Jami'iya, Algeria, 1991.
- Qadour, Abdelkader. The Psychological Approach in Criticism of Arabic Poetry. Arab Writers Union, Damascus, 1992.
- Al-Haddad, Abbas Youssef. The Ego in Sufi Poetry: Ibn al-Farid as a Model. Dar Al-Hiwar, Syria, 2nd ed., 2009.
- Nasif, Mustafa. Theory of Interpretation. Al-Nadi Al-Thaqafi, Saudi Arabia, 1st ed., 2000.
- Shaaban, Abduljawad. Issues of the Poetic Self in the Poetry of Abu Ishaq Al-Albiri. Arab Studies Journal, vol. 2, no. 12, 2005.
- Wahybi, Fatima. Place, Body, and the Confrontational Poem: Self Manifestations. Al-Markaz Al-Thaqafi Al-Arabi, Morocco, 1st ed., 2005.
- Mustafa, Mahmoud Rashid Yusuf. Pride in the Poetry of Yusuf III. M.A. Thesis, supervised by Prof. Wael Fouad Abu Saleh, Al-Najah National University, Nablus, 2004.
- Kanoun, Abdullah, editor. The Diwan of the King of Granada, Yusuf III. Moulay Hassan Institute, Tetouan, 1958.
- Mouafi, Othman. On the Theory of Literature: Issues in Arabic Poetry and Prose Criticism. Dar Al-Maaref Al-Jamiiya, Alexandria, 1984.
44.Mohammed, M A. The influence of Intellectural source in Shaping the Poetic of Ibn Al-Haddad. Al-ndalusi . AlNoorJ for Human Studies. 2024;1(2)
- Dayf, Shawqi. On Literary Criticism. Dar Al-Maaref, 9th ed., n.d.