|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المرجعية الدينية في شعر الغزي(*): قراءة في نماذج مختارة
|
|
|
|
|
|
بيداء رعد حازم
|
|
|
|
|
|
قسم اللغة العربية، كلية التربية للعلوم الإنسانية ، جامعة الموصل، الموصل، 41012، العراق
|
|
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
|
Article history:
Received: 3 April 2025
Revised: 5 May 2025
Accepted: 25 June 2025
|
|
عالج البحث ظاهرة المرجعية الدينية في شعر الغزي وذلك بالاعتماد على نماذج من شعره لما تمثله هذه المرجعية من أهمية كبيرة للأدباء بصورة عامة والشعراء بصورة خاصة، بشقيها (المرجعية القرآنية، و مرجعية الحديث النبوي الشريف). فالدين هو المعين الثقافي الذي يستمد منه الشعراء أفكارهم كونه الموروث الذي أسس لكل ما يكتب من بعده، واقتضت خطة البحث بحسب وجهة نظرنا أن نقسمه على محورين وهما(المرجعية القرآنية ومرجعية الحديث النبوي الشريف). إذ استمد الشاعر من هذه المرجعية ذات المحمول الديني كل ما يمده في بناء النص الشعري فالقرآن الكريم ومعانيه وصوره وتراكيبه المنبع الأول للثقافة الإسلامية وكل ما عداه تبع له فرع قائم عليه، كما أنه ساحة للتباري الاجتماعي والفكري بمناحيه المختلفة فهو المعجزة التي ليس لها سابقة ولا لاحقة في تاريخ الحياة الروحية الإنسانية، فهو النص المرجعي الأساس الذي تأثر به الشعراء فما مِن شاعر إلا اقتبس من روافده، ووجدوا فيه مادة لقصائدهم كونه يتمتع بهالة قدسية وايجاز بلاغي عال، والشاعر في استلهامه للنص القرآني يكسب نصوصه الثراء الدلالي ويفتح لنصه الشعري المجال للتاويل بشكل أكبر عند القارى. إن الثقافة القرآنية يجب أن تكون جزءا من الفن الشعري يعين الشاعر في التعبير عن تجربته الشعرية فيكون الأسلوب الشعري أقرب إلى إفهام وعقول الناس وذلك بشرط عدم الخروج عن قدسية النص القرآني وماتعارف عليه، فهذا المخزون الثقافي عالق في الذاكرة الجماعية لأفراد الأمة فيحاول الشاعر جذب انتباه المتلقي واغناء نصه الإبداعي به.
الكلمات المفتاحية:المرجعية الدينية، الغزي، توظيف، شعر.
|
|
|
Keywords:
religious reference
Ghazi
employment
poetry
|
|
|
Corresponding Author
Badia Raad Hazem [email protected]
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i2.a8 ,©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
Religious Reference in Al-Ghazzi’s Poetry: Reading of Selected Verses
Hazem B. R.
Abstract
The research dealt with the phenomenon of religious reference in Al-Ghazi’s poetry, relying on examples of his poetry, given the great importance of this reference for writers in general and poets in particular, with its two aspects (the Qur’anic reference and the reference of the Noble Prophetic Hadith). Religion is the cultural resource from which poets derive their ideas, as it is the heritage that established everything that was written after it. The research plan, according to our point of view, required that we divide it into two axes, which are (the Qur’anic reference and the reference of the Noble Prophetic Hadith). The poet has derived from this reference with its religious content everything that supports him in constructing the poetic text. The Holy Quran, its meanings, images and structures are the first source of Islamic culture, and everything else is subordinate to it, a branch based on it. It is also an arena for social and intellectual competition in its various aspects. It is the miracle that has no precedent or successor in the history of human spiritual life. It is the basic reference text that poets have been influenced by. There is no poet who has not quoted from its tributaries, and they have found in it material for their poems, as it enjoys a sacred aura and high rhetorical brevity. The poet, in his inspiration from the Quranic text, gives his texts semantic richness and opens up the scope for his poetic text to greater interpretation by the reader. The Quranic culture must be part of the poetic art that helps the poet express his poetic experience, so that the poetic style is closer to the understandings and minds of the people, provided that it does not deviate from the sanctity of the Quranic text and what is known, as this cultural stock is stuck in the collective memory of the individuals of the nation, so the poet tries to attract the attention of the recipient and enrich his creative text with it.
المدخل :
إنّ أي نص أدبي لا ينشأ من فراغ بل ينتج ضمن بنية نصية سلفاً، هي التي تشكل الخلفية النصية للكاتب والقارئ على السواء، كما أنه لا يظهر في فراغ إنه يظهر في عالم مليء بالنصوص (المعاصرة أو البعيدة) التي يحاول النص الجديد أن يتخذ لنفسه مكاناً بينها"(عبداللطيف، 2005، 191)، وهذا ما أكده ليتش بأن النص "ليس ذاتاً مستقلة، أو مادة موحدة، ولكنه بسلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى... إن شجرة نسب النص شبكة غير تامة من المقتطفات المستعارة شعورياً أو لا شعورياً " (1) وبهذا فالنص خلاصة لما لا يحصل من النصوص التي سبقته.
تعد المرجعية الدينية أحد الروافد المهمة التي ترفد التجربة الشعرية بكثير من الألفاظ والتراكيب عن طريق الاقتباس أو استلهام النص القرآني التي تنتقل بالشاعر إلى مدارج الشعراء المتميزين. إذ تمثّل الثقافة الدينية " جزءً لا يتجزأ من المخزون الثقافي ذلك أن الدين يمثل قيماً أخلاقية وروحية تتأصل في الذات الإنسانية وتظهر تجلياتها بشكل واضح في سلوكيات الأفراد وأنماط تفكيرهم، من هنا تبرر الأبعاد الدينية من موجهات الفكر الإنساني مع الأخذ بعين الاعتبار نسبة تأثرها من فرد لأخر تبعاً لظروف تمليها طبيعة التجربة الفردية (2). واستمد العديد من الشعراء موضوعاتهم وصورهم الأدبية من المصادر الدينية لذا يمكن القول إن " المرجعيات الدينية مصدر مهم من مصادر الإلهام الشعري والبوح الفكري عند معظم الشعراء (3).
يعد النص القرآني مصدر الإلهام الشعري على مستوى الدلالة والرؤية؛ لان استدعاء الخطاب الديني في الخطاب الشعري، يعطي مصداقية وتميز لدلالات النصوص الشعرية انطلاقا من مصداقية الخطاب القرآني وقداسته وإعجازه(4) ؛ لذا وظف الشعراء المرجعية في أعمالهم من خلال استثمارهم لقصص القرآن ومحاورتهم للشخصيات وإعادة كتابتها بين نتاجاتهم الفنية بصورة تعبر عن قضاياهم ورؤاهم. وللمرجعية الدينية أهمية في الخطاب الشعري ذلك أنها "نابعة من احتوائها على القرآن الكريم، ذلك الخطاب المنزه من الخطأ والجامع لألوان الكلم والبيان لذا فالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف هما المرجعان الأساسيان لإقامة العلاقات التناصية وفق المرجعية الدينية للشعر الاسلامي بعامة، مثلما كانت النصوص الدينية التي سبقت القرآن الكريم من نصوص التوراة والانجيل مراجع لمعتنقيها "( 5).
إنّ الشاعر "عندما يريد تأكيد أو تأطير حقيقة مقررة عن طريق الحجة والبرهان فإن النص لديه يتسع بانفتاحه وفضائة للتفاعل مع المرجعية القرآنية، سواء أكان تفاعلاً مع الآية أم مع جزء منها، فالنص القرآني يولد قيما جديدة للنص الشعري بحسب ما استدعى الشاعر من ألفاظه وصوره وقصصه وشخصياته فضلا عن عنصر الثقافة لدى الشاعر بحيث ينتج نصاً شعرياً يحمل عراقة الماضي وروح الحاضر. وشاعرنا الغزي قد انعكست ثقافته الدينية على نصوصه الشعرية وشكلت المرجعية الدينية حضوراً بارزاً في نصوحه وأخذت أشكالا متعددة منها مرجعية القرآن الكريم التي اذكت شاعريته، إذ اغترف منها نصوصه وكذلك مرجعية الأحاديث النبوية الشريعة.
اولاً: المرجعية القرآنية
إن ما اقتبسه الشعراء من القرآن الكريم وما تجلى عنه من سياقات ثقافية في تشكيل وبناء نصوصهم، يعد" الرابط المتين الذي يربط الشعر العربي بعضه ببعض قديمة وحديثه على مر العصور"(6). فالنص القرآني يتمتع بهالة قدسية، وايجاز بلاغي عال، واتساع في الدلالة والمعنى "فأصبح الأساس القويم في بناء الفكر الإسلامي العربي والثقافة العربية"(7) فالشاعر عند استلهامه للنص القراني يكسب نصوصه الأثراء الدلالي, كما ويفتح لنصه الشعري المجال للتأويل بشكل اكبر عند القارئ.
اتصل الغزي بالفقهاء في عصره جعله أحد أسباب تلك الثقافة الدينية، كما أن " التعليم الديني اساس كل متعلم في عصره، ونصيب الغزي من ذلك وافر"(8). والشواهد التي سيقف عندها البحث بالتحليل هي ما وظفه من ألفاظ وتراكيب قرآنية في نصوصه الشعرية ودورها في غنى المعنى وإثرائه بالدلالات المتعددة، ومنح تلك النصوص الشعرية تميزاً.
فقد وظف الغزي عبارات وآيات كاملة من القرآن الكريم دون تغييرة ليجعل من النص الحاضر المتمثل صورة الاقتباس القرآني ذا تأثير على المتلقي، من ذلك قوله( 8) (من الكامل)
رتق الفتوق بكل حادثة كانت قميصا قد من قبل
تظهر المرجعية القرآنية من خلال النص القرآني في قوله تعالى: ﴿ قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من اهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾(سورة يوسف: ٢٦).
الذي نهل منه الشاعر نتيجة المخزونه الثقافي الديني فهو يعيد تشكيل الملفوظ القرآني السالف، ومحموله الدلالي في بنية نصه الشعري، فإذا كان النص القرآني يتحدث عن سيدنا يوسف (عليه السلام) عندما اتهمته امرأة العزيز وكيف أيده الله بحل تلك المشكلة فالشاعر يقتبس ذلك النص القرآني وهو ينتج نصه ليقيم مقارنة بين سيدنا يوسف (عليه السلام) حين سجن ظلماً وزوراً، وبين الممدوح عميد الدولة بن جهير الذي سجن ومات في السجن سنه (ه ٤٩٣) (9) فالممدوح اتصف بالحكمة وأنه قادر على حل المشكلات كمشكلة النبي يوسف (عليه السلام) عندما اتهمته امرأة العزيز ولم تدفع عنه هذه المشكلة لولا تدخل الله عز وجل، وهو كذلك كأنه مؤيد من الله سبحانه وتعالى بالحكم بين الناس.
استطاع الشاعر من خلال اقتباسه للنص القرآني أن يفتح أمام المتلقي دلالات ومعانٍ عديدة والشاعر يلجأ إلى الاقتباس القرآني ليتتبع عمق الدلالة للكلمة وجمال التعبير، ليمنح شعره قوة وفكرة يقيناً ووضوحاً (11)، ويمنع موضوعه قداسة لذا يمكن القول إن "الأثر البشري الأدنى قيمة، تحرك نحو النص الإلهي الأسمى قيمة، ليستظل بأفكاره ونظمه..."(12) ومن ثمّ يستقطب وعي القارئ وانتباهه ويأخذه إلى جمال الصياغة الفنية.
ومن اقتباس الغربي لألفاظ القرآن الكريم، قوله (8): (من الطويل).
فـــــما بذلت يمناه مثقال ذرة
ولا كتبت سطراً ينوب عن البـدل
مؤيد دين الله نفسك لم تزل
مطهرة الأخلاق من دبس البخل
الشاعر أراد أن يقارن بن ممدوحه وما اتصف به من كرم والبخيل الذي ينعته فهو لا يعطي من أمواله شيئاً حتى الاشياء التي لاوزن لها لا يعطيها، على عكس الممدوح الي يتصف بالكرم والجود فقد وظيف النص القراني في قوله (مثقال ذرة) إذ ورد في أكثر من موضع في القرآن الكريم منه قوله تعالى ﴿قل ادعو الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الارض﴾ (سورة سبأ: الاية 22) ,فالنص الشعري المنتج اقتبس من القرآن الكريم اقتباسا مباشرا عزز مقصدية الشاعر في عرضه الذي يريده من خلال النص الديني المقدس، فالنص القرآني بما يتسم به من بلاغة يثري النص الشعري لكونه مركز الرؤيا الشعرية في أثناء لحظات التعبير، والإبداع مؤكداً قابلية الاستلهام الوجداني من القران الكريم وأساليبه وخطاباته المتنوعة المتجهة صوب الأشواق الروحية العميقة في الإنسان (13) وبالتالي يزيد من فاعلية تأثير نصه في المتلقي. فالشاعر أراد ان يوضح رؤيته في ترسيخ مدى نجل الجاهل الذي لا يعرف قيمة الشعر وسعى للكشف عن ذلك عن طريق توظيف ثقافته القرآنية في سياقه الشعري المنتج.
وقد استمد الغزي ايات من القرآن الكريم ووظفها توظيفاً فنياً، فقد عقد موازنة بين الشيب والشباب في الاشتغال وشدة الأورار في قوله( 8): (من الخفيف)
ليس من ساد بالتجارب كهلاً
مثل من في حداثة السن سادا
ولــــعمري ان المشيب اشـــتعال
غــــــير أن الشبـــاب أوری زنادا
إنما يشــــــرق الســــــــراع بوجه
ما كـــــسا راســـــه المداد سوادا
استعان الشاعر بقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ (سورة مريم، من الاية 4)، منح نصه الشعري القوة في الدلالة، فقد أقام مقابلة بين الشيب الذي يشتعل بالرأس وبين الشباب، أراد من خلال ذلك أن يصور قدرة الممدوح فهو شاب (حداثة السن) وليس (كهلاً) فالطباق بين الشيب والشباب هي لون من ألوان التنفيس وشكل من أشكال البوح الذي يرضي الغرور, وجاء بالقسم في (لعمري) ليدل على صحة رأيه بهذا الطباق، واستعماله له جاء خدمة للمقابلة التي اقامها ولتوضيح المعنى منها (الشيب) و (الشباب) وبين (كهلا) و (حداثة السن) فقد زادت من جمالية المعنى، فحضور النص القرآني أضفى على النص الشعري بعداً جماليا واكسبه دلالات موحية.
ووظف الغزي آيات من القران الكريم في مواضع مختلفة منها في وصف حصانه فقد جمع بين المحسوس والمعنوي، يقول (8)(من الطويل).
دراني ومحبوك السراة مطمهماً
حكى الصقر منقضا وارمن محلقاً
عقيقاً كأنـــــي منه والارض وردة
عـــــــــلى حـــــــبيب يعلو رحيقا معتقا
أبت نفسه أن يستقر علــى الثرى
كأن الثـــــرى مــــــن تحته كان زئبقاً
يصف الشاعر حصانه الممتلئ جسداً، المحبوك سراة، سريع في انقضاضه ووثوبه يشبه إلى حد بعيد حصان امرئ القيس الذي يكر ويفر، ويقبل ويدبر وينقض معاً لكن هذه الأوصاف التقليدية سرعان ما يتركها الشاعر لأنها من الصور التي تقع في متناول اليد في نظره( 8) إذ ينتفع من ثقافته القرآنية بما وافرته من زاد قرآني و ليستفيد منه في تشبيه حصانه بـ عقيقاً وتشكيل صورته الفنية، إذ يستدعي قوله تعالى:﴿فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان﴾ (سورة الرحمن، الاية 37)، فالأرض وردة كالدهان، هذه أوصاف يوم القيامة، وكأن ركوب هذا الحصان ينقلك من الواقع إلى المتخيل ثم تتحول الأرض إلى زئبق، فلا يكاد يطؤها بحوافره وإنما يظل عاليا في الجو. ومن الاقتباس الذي شكل نمطا ثقافياً في استنطاق النص القرآني، قوله مادحاً( 8) (من الطويل).
فرند حسام الحسن في الشيمة الحسنى
وما اللـــــــفظ الا هــــــالة بدرها الـــــــمعنى
ولم تــــــــر عيــــــــني كالأميــــــــــر مـــحمد
توقد حـــــــسا ثاقـــــــباً وصـــــــــــــفا ذهناً
فأصبـــــــح فـــــــي كــــــــل النـــــــواطر مرة
ومـن كــل قلب قاب قوسين أو أدنى
إن الحضور القرآني في النص الشعري واضح في قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ (سورة النجم، الاية 9) المقصود من النص القراني هو (جبريل عليه السلام) عندما اقترب من سيدنا محمد عليه افضل الصلوات مقدار قوسين أو أدنى(14) وقد عمد الشاعر الى اقتباس النص القرآني ضمن النسيج النصي ليعكس التأثير الذي تشكله المرجعية الدينية من خلال " تداخل نصوص دينية مختارة عن طريق الاقتباس من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف... مع النص الأصلي... بحيث تنسجم هذه النصوص مع السباق القرآني وتؤدي عرضاً فكرياً أو فنيا أو كليهما معا" (15) وبالتالي أثرى الملفوظ القرآني الفكرة المطروحة وعمق الرؤية، فالشاعر أراد ان يبين أن الممدوح كان قريباً من قلوب الناس ومن ينظر إليه ينتابه السرور فلا يطمع النظر إلى ما سواه، كما أنه لا يقف في وجهه أحد، وأنه قوي كذلك جبريل (عليه السلام) وهو قوي الإيمان، فالثقافة القرآنية قد تمثلت في قدرة الشاعر على استيعاب النص القرآني وتداخله مع سياقه الثقافي وتحويله الى فضاء شعري خاص، وإعادة توظيفه من جديد، بعد أن استوعبها النص الشعري وانتفع من مضامينها العالية استيعاباً تاماً في نسقه الدلالي الخاص(16).
ومن المرجعيات القصصية القرآنية التي وظفها الغزي في شعره قصة السيدة مريم (عليها السلام)، في قوله ( 8): (من المنسرح)،
والشعر عند الملوك نخلته يسقط من هز جذعها الرطب
النص القرآني العظيم "أورد قصتها باسمها الصريح منذ ان كانت جنيناً في ظلمات الرحم، نذرتها امها لله، حتى باتت رمزاً للعفة والطهر تم موصفاً لمعجزة إلهية، تثبت للناس أن الله سبحانه وتعالى هو رب الأسباب وهو القادر على تعطيلها، وتجاوزها لحظة يشاء، فتلد مريم عيسى (عليه السلام)..... في مشهد يصوره القرآن الكريم، ويضع المتلقي في حضرة المعجزة بأداء بديع"( 17)، فيستثمر الشاعر المشهد القرآني من قوله تعالی ﴿وهزي اليك بجذع النخلة تسقط عليك رطباً جنياً﴾( (سورة مريم: الاية 25) فهو واحد من جزئيات المشهد المعجزة، الذي منحت فيه العذراء سببا مادياً للرزق، عبر عملية هز النخلة، وهي التي كان يأتيها رزقها هبة من الله دون سعي منها، ليكشف من خلاله على رؤيته فينقل لنا صورة امتثال العذراء لأمر الله بهز النخلة الحقيقية التي استبدلها الشاعر إلى نخلة معنوية وهي نخلة الكرم عند الملوك، أي أن الملوك ينتقل عندهم الشعراء من حالة إلى أخرى فالسيدة مريم (عليها السلام) في حالة المخاض كانت ضعيفة فهزت النخلة ليتساقط عليها الرطب كذلك الشعراء عند لجوئهم إلى الملوك سيجنون الكرم من ذلك ففي حالة كانت نخلة الملوك لاكرم فيها فالشعر والشعراء في ضعف، فالشاعر، عبر عن رؤيته الشعرية من خلال ثقافته القرآنية القصصية بفعل استحضار المرجعية، فالنص الشعري حافظ على التركيب والمعنى القرآنيين ليشير الى ان الشعراء يجنون العطاء من الممدوحين والكرم.
وفي سياق اخر يشير الشاعر إلى قصه ابني ادم مقتل هابيل على يد قابيل أخيه فيقول: 8) (من الكامل).
مذ غال قابيل أخاه لفضله
وجب الحذار على ذوي الـحاد
تبت يد الأيام أن صروفها
مسقم الكرام وصـــــحة الأوغاد
عُدت قصة ابني ادم هابيل وقابيل الخطيئة الأولى، التي دلت على حوادث القتل الممزوجة بالحسد، قدم هابيل هو الدم الأول المسفوح ظلماً، إذ وردت قصتها في القرآن الكريم في قوله تعالى (سورة المائدة: الآيات 27-31) فتلك القصة مثال صارخ على الحسد المركوز في النفس البشرية، فالإنسان منذ ان وجد على الأرض أمتلأ قلبه حقداً وحسداً على أخيه ودليل ان قابيل اغتال هابيل، فاستدعاء تلك القصة التي تحيل إلى مرجعية دينية، تنقل الشاعر مشهد مقتل هابيل الى صورة جديدة وهي ان الحسد منتشر بين الناس وعواقبه الهلاك فالشاعر استند إلى رمزية هابيل وقابيل المنتشرة في التراث العالمي ولعله اراد ان يشير إلى أن ممحدوده قد سملت عيناه نتيجة الحسد فقصة هابيل وقابيل سببها الحسد، وكذلك ممدوحه إلا أن النتيجة انتهت عند ممدوحه بسمل عينه، فالشاعر عندما يوظف القصة القرآنية ويتحاور ويتقاطع نصه معها، يمنح ذلك النص طاقة دلالية ووجدانية كما انها تحفز ذاكرة المتلقي، فهو عندما يستدعي تلك القصة القرآنية لا يقصد من ذلك الى اعادة سرد لتلك القصة وانما الإفادة من امكانياتها الايحائية المضادة للتقرير المباشر للأفكار والعواطف (18) وبالتالي إثراء النص بالعديد من الدلالات المرتبطة بالقيم الروحية وبذلك يلتقي مع ملتقيه فتتوحد مرجعية النص مع المتلقي.
وفي سياق حديث الشاعر عن خبرته بالشعر وأنه يسخر من الرديء منه، يقول (8):
إني لأسْتَحْسِنُ الْأَشْعَارَ تُضحِكني
فلا تخالَنَ صَدْرِي ضَيْقَاً حَرَجاً
يستلهم الشاعر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلُّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾(سورة الأنعام، الآية: 125). فالنص القرآني يصور حال الذين أعرضوا عن الدعوة، وقد استمعوا لدعوة الداعي، ولم تثر فيهم شيئاً، فما يشعرون به عندما يسمعون دعوة الحق هو ضيق يملأ صدورهم كالضيق الذي يشعر به الصاعد جبلاً، لكن السياق جاء مختلفًا فالشاعر خبير بالشعر يستطيع معرفة الجيد من الرديء، فهو نفى عن أن يكون صدره ضيقاً حرجاً؛ لأنه يفهم الأشعار ويستحسنها وله القدرة على تمييز الرديء من الجيد فالشاعر منح نصه الشعري فاعلية في الحضور وتفاعلاً مع المتلقي، حتى غدت نصوصه الشعرية حافلة بالألفاظ القرآنية التي تنأى عن كونها مجرد حلية لفظية، بل تنقل المتلقي إلى الدلالة المقصودة.
وفي اقتباس آخر ربط الغَزِيّ بين ثقافته الدينية وحاضره في ذكره المعاناة التي يمر بها يقول (8):
ضاقت علي مواردي ومادري
والأرْض حَوْلِي رَحْبَةُ الأَكتافِ
فَوقَفْتُ بَينَ النَّائــــباتِ كأنني
في عُصَبةٍ وَقَفُوا على الأعرافِ
لأجَنَة دَخــــــــَلُوا وَلا ناراً صلوا
فَهُمُ على الآمـــــال والأخــــــوافِ
إن هذا النص يدل على ولع الغزيّ بالآيات القرآنية والاستعانة بها في نقل تجربته الذاتية التي يمر بها من أجل أن يصل بتجربته تلك إلى أعلى مراحل التشكيل وليؤكد الحالة الشخصية التي يمر بها، فقد صور حالة الضيق التي مرت به من خلال الآية القرآنية في قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (سورة التوبة، الآية: 25) من خلال مشاهد هذه الآية التي تشير إلى حال المسلمين في معركة حنين فقد أراد أن ينقل حالته بكثرة ترحاله وغربته وفي تصويره لحاله التي لا يعرف مصيره نقل لنا مشهد أصحاب الأعراف فهم لا يعرفون مصيرهم كذلك حال الشاعر لا يعرف مصيره وهو استمد ذلك من قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية: 46) . فهذا الاستدعاء للمرجعية القرآنية وفر فرصة للشاعر " للربط بين صورة الماضي وصورة الحاضر وتوحيد التجربة الذاتية للشاعر في الراهن بالتجربة الموضوعية الجماعية القادمة من الماضي وحالاته وقوانينه، وإنقاذ النص الشعري من حالات الجفاف والجمود والتقوقع اللغوي والأسلوبي والتشكيلي حيث ينفتح لقبول أنواع عميقة من القوى الفكرية والفنية والحضارية المتصارعة ليرفع من قيمة النص والتنويع في أشكال التركيب والبناء الفني والجمالي (19) ليرفع من قيمة النص الشعري ويمده بمعطيات توسع من قوة تأثيره وتماسكه النصي. وفي موضع آخر يقول مادحاً (8)
مؤملون سِوَى الإجلال ما عَرَفوا
وللمؤمل بَيْنَ النَّــــــــاسِ إِجــــلال
لا يُتبعُونَ النَّدى مَنا يُنَغَصُهُ
قَلائِدُ المَنَّ فِي الأَعْنَاقِ أَغْلالُ
لقد حرص الشاعر على المدح بصفات السخاء والكرم وهذا الكرم لا يتبعه أذى، فقد استدعى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية: 262) فوظف الشاعر هذه الصفة واسندها إلى الممدوح ، كما جسد منظر قلائد المن وهي تثقل الأعناق، لكن ممدوحه إلى جانب كونه كريماً فهو عالم بأمور الدين فلا يتصرف عكس ذلك. إن التوظيف المرجعي للنص القرآني يجعل النص الشعري ينفتح على النص القرآني ويكسبه" قوة ومصداقية نابعة من النص القرآني من جهة ومن جهة أخرى فحضور النصوص القرآنية يرفع بالقضايا المطروحة إلى مصاف القضايا القرآنية (10).
ثانياً: مرجعية الحديث النبوي الشريف
يعد الحديث النبوي الشريف مرجعاً معرفياً يأتي بالمرتبة الثانية بعد القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف: هو كل ما نطق به الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم في مناسبة من المناسبات (20)، كما ويعد و معلماً من معالم توضيح القرآن الكريم، وما أشكل على الناس منه ومفصلاً له، فضلاً عن ذلك فهو المنبع الكلامي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في كينونته الإعجازية، والبلاغية التي احتوت أقوى مصادر الفصاحة، والبيان التي حيرت فصحاء العرب (21).
وكما عكف الشعراء والأدباء على النصوص التراثية ينهلون منها مادة لنصوصهم الشعرية فإن الحديث النبوي الشريف عُد أحد المناهل التي رفد منها الشعراء قديماً وحديثاً، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم من ابلغ الكلام وانصحه بعد القرآن الكريم، فهو مثال للبشرية جمعاء في البلاغة والفصاحة، وفي ذلك قال الجاحظ "ثم لم يسمع بكلام قط أعم نغماً، ولا أقصد لفظاً، ولا أعدل وزناً، ولا اجمل مذهباً، ولا اكرم مطلباً، ولا أحسن، ولا اسهل مخرجا، ولا أفصح معنى ولا أبين فحوى من كلامه (صلى الله عليه وسلم)" (22)، فكان الحديث النبوي الشريف المرجع الفكري الثاني بعد القرآن الكريم للشعراء للنهل منه لتنعيم تراكيبهم ومفرداتهم لبلاغته استنادا لقوله عليه الصلاة والسلام: " أنا أفصح العرب بيد أني من قريش" (14) فقد مثلت أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام زاداً معرفيا وروحيا وصارت مرجعية تطرز النصوص بإبداع من الشاعر الذي يفيد من بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي " يصرف اللغة تصريفاً، ويديرها على أوضاعها ويشق منها اساليبها ومفرداتها(23)، فوظف الشعراء نتاجاتهم الشعرية تلك الثقافة الدينية، والغزي احد الشعراء الذين نهلوا من هذا المنبع الفكري، انطلاقا من قيمة هذا الحديث النبوي الشريف، واخذ منه صورة ومعانيه، ومن توظيفه لنص من نصوص الحديث النبوي الشريف واتخاذ مرجعية له، قوله( 8): (من الطويل)
بذلت اللهـا بذل المياه مباحة
وصنت العلاصون الخريدة في الخدر
وبكر فلا انكحتها خف بازل
فما نطقت والصمت إذن من البكر
فمن خلال وصفه للصحراء يستدعي الغزي من ثقافته الدينية قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تبع البكر حتى تستأذن في نفسها، وإذنها ضمانها"( 24) ليتخذ منه مرجعية وذلك لإعطاء معانيه وصفاً دقيقاً، فهذه الصحراء لم يدخلها أحد قبل الممدوح كالفتاة البكر كذلك لم تظهر على أحد قبل محدود الشاعر، ليعطي إشارة إلى قوة ممدوحه، فقد ربط نصه بنص النبوة، مما أخرج خطابا جديداً مازجاً بين الخطابين الشعري والنبوي، فأعطى دلالات لدى القارئ منها شجاعة ممدوحه وقوته كونه دخل الصحراء فشبهها بالبكر التي لم يطؤها أحد من قبل، فالغزي استلهم معنى الحديث النبوي الشريف وأودعه نصه ليؤكد على ما جاء به من فكرة وأغنى موضوعه بالإنجاز المثمر المنتج وبذلك منح نصه بعداً جماليا ترسخ في ذهن القارئ ذلك أن " التواصل بين الماضي والحاضر يعطر هذا النتاج ويجعله حاضراً بمعانيه واسسه"( 25) فاشار إلى مقصده عن طريق اقتباسه معنى النص النبوي. وفي موضع آخر يوظف الغزي حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي يحذر فيه من دعوة المظلوم وينقله إلى المدح، إذ يتخذ منه مرجعية يتكئ عليها في ايصال ما يريد، يقول( 8): (من الوافر).
كأن شعاع همته سموا دعا المظلوم يخترق الحجايا
فقول الغزي يتوافق مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام وهو "اتق دعوة المظلوم فانها ليس بينها وبين الله حجاب"( 26)، فيشبه الشاعر همة ممدوحه العالية التي اتصف بها بدعوة المظلوم الذي يستجيب الله لدعائه فينصره، وكأن الممدوح كذلك منصور من الله، فالشاعر استوعب قول الرسول عليه الصلاة والسلام السلام وأعاد صوغه وفق ما وفرته المرجعية الثقافية الدينية من دلالات (27) فأضفى على ممدوحه الهمة العالية، فهو قريب من الله عز وجل كدعوة المظلوم التي يستجيها الله، فشكل نصه الشعري نوعا من الاتحاد الثقافي في استثمار لغة الحديث النبوي الشريف واسترفاده لمضمونه الدلالي والفكري وإعادة توظيفه في نصه الجديد ليسهم في عملية دعم الخطاب الشعري وتعميق ملامحه.
ويستدعي الشاعر قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "إن من البيان لسحراً "( 26)، بقوله ( 8): (من الوافر)
ولا اخلاك من مهدي ثناء فكم في الشعر من سحر طلال
استعان الشاعر ثقافته الدينية المستمدة من مخزونه التراكمي ليعينه على التعبير على غرضه المقصود، فيعيد إنتاج الحديث النبوي الشريف السابق الذكر ويصيغه في نصه الجديد لرسم صورة لممدوحه بأن شعره بقوة السحر، فهو اهدى الممدوح قصائد تسحر السامعين بجمال معانيها وعذوبة الفاظها، لكنه سحر حلال لذا نلحظ " اشتراك النصين في الدلالة السياقية العامة وتعالقها في مرتكز نصي واحد " (27).
وفي تصوير الغزي لمعنى البخل والحرص، يقول8): (من المنسرح)
المال روح والشعر رائحة يعبق بالغرض والغنى حسب
قلت: اهتراز النبي قدوتنا لابن زهــــير شــــــــهوده الكتب
فقال: وأحثوا التراب في أوجه ال مداح من قوله الذي يجب
يستدعي الشاعر قول الرسول عليه الصلاة والسلام " إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب" (28) في حوار دار بينه وبين احد الملوك، إذ يرى الشاعر أن الشعر وخاصة المدح، والآخر الملك يرى أن الشعر رائحة والمال روح، فتوظيفه للنص النبوي جاء لرسم صورة ساخرة عن ذلك الملك، فيشير الشاعر لعفو الرسول عليه الصلاة والسلام عن كعب بن زهير عندما مدحه بقصيدته "بانت سعاد" ليشير الى دور الشعر و الشعراء الذين مدحوا أجل الملوك وأعظمهم , فيأتي رد الملك على الغزي بالحديث نفسه ليشير إلى أن المادحين يمدحون الناس بما ليس فيهم فهو يقابل الدليل بالدليل، فالنجل يسيطر على الملك. الذي يبدو حريصاً على أن لا يعطي من ماله أحد، فالمقابلة قائمة بين الطرفين على" الجدل الذي يعني وجود حالة تناقض وصراع وتقابل بين أطراف.. وغالبا ما تكون الثنائيات الضدية هي العنصر الأكثر أهمية في مكونات النص الشعري"( 29).
ويذكر الشاعر في موضع اخر صلاة الوتر في سياق مدحي قائلاً 8): (من الطويل)
وتقدمت فضلا إن تأخرت مدة
هوادي الحياظل وعقباه وابل
وقد جاد وتر في الصلاة مؤخراً
به ختمت تلك الشفوع الاوائل
فعندما يريد الشاعر ان يصف كرم وجود وفضل ممدوحه وأن مجيئه فيه خير ونفع كبير فهو المقدم على من سبقه بالفضل والعطاء ذلك ان المطر أوله قليل وآخره خير كثير، فكرمه وجوده هو الوابل الكثير وهو وإن تأخر زماناً فقد تقدم رتبة، كما ان مجيئه للحكم هو كصلاة الوتر التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة، واجعل اخر صلاتك وتراً"( 30) وهي محببة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام , فكما أن صلاة الوتر يختم بها اليوم فإن على الجميع أن يختتموا يومهم بالممدوح لفضله وكرمه.
بعد تتبع منهج الغزي في استعماله للمرجعيات الدينية يظهر لنا عمق ثقافته الدينية الواسعة التي اتسم بها شعره فنشرت نصوصه من القرآن الكريم والسنة النبوية وقد هضم تلك الدلالات والمعاني واستثمر كنوزها واستطاع ان يطوعها ويستثمرها في مختلف الصور والأفكار والمعاني والاغراض التي دلت على مهارته في الجانبين الثقافي والفني، واستطاع ان يربط بين الماضي والحاضر وان يوحد بين التجربة الذاتية والتجربة الجماعية، وينقذ النص الشعري من الجمود وفتح افاقه للتنويع، فضلا عن تأثره بكل ما يتعلق بالدين الإسلامي من فقه و عبادات... مما مكنه من صياغة نصوصه صياغة فنية جميلة ومنع تلك النصوص الشعرية ترقى إلى قمة التعبير الفني.
الخاتمة:
بعد انجاز هذا البحث توصلنا إلى نتائج عدة كان من أهمها ما يأتي:
1-كشفت الدراسة عن الثقافة الدينية التي تجلت بها نصوص الشاعر الشعرية التي اظهرت قدرته الفائقة في استدعائه الطاقة اللغوية من آي القرآن الكريم فيستدعي النص القرآني بوعي بارز ومقصدية مؤثرة في نفس المتلقي بوساطة صياغتها صياغة تستوعب هذا الكم من المرجعيات ويتفاعل معها ليصل إلى مبتغاه وليجعل المتلقي أمام نص متشبع بالثقافة الدينية فتنجم نصوصه والمرجعية القرآنية لتكون مفتاحاً شعوريا يلج بوساطته ابواب افكاره ومكنوناته النفسية نظراً لكثافة الرؤية التي تمتلكها وقوة تأثيرها.
2-اعتمد الشاعر الاقتباس الذي اغنى النص بالإمكانات والدلالات العميقة والطاقات التعبيرية، والذي بيّن من خلاله استيفائه معاني ومضامين الآيات القرآنية، واقتبس من الحديث النبوي الشريف في اغراضه المختلفة.
3-شكلت القصة القرآنية احدى مرجعيات الشاعر الدينية؛ وذلك لغناها بالإشارة والدلالة العميقة التي حوتها تلك القصص.
المصادر
- Al-Ghadhami, Abdullah. Fallibility and Thought: From Structuralism to Anatomy—A Contemporary Critical Reading. 4th ed., Egyptian General Authority for Printing and Publishing, Egypt, 1998.
- Al-Khudour, Sadiq Isa. Communication through Heritage in the Poetry of Ezzedine Al-Munassra. 1st ed., Majdalawi Publishing, Jordan, 2007.
- Al-Dahoun, Ibrahim. "The Qur’anic Reference in the Poetry of Hassan ibn Thabit and Its Effect on Building the Poetic Text." In References in Criticism, Literature, and Language, Al-Alam Al-Hadith Publishing, Jordan, 2010.
- Muslim, Ali, and Tahmasb Abdulsahib. "Qur’anic Intertextuality in Contemporary Iraqi Poetry: Study and Criticism." Critical Illuminations Journal, vol. 2, no. 6, 2012.
- Abdulhussein, Badran. Intertextuality in Umayyad Era Poetry. 1st ed., Dar Ghaida for Publishing and Distribution, Amman, 2012.
- Al-Ani, Muhammad Shihab. The Effect of the Holy Qur’an on Andalusian Poetry from the Conquest until the Fall of the Caliphate, 920 AH / 422 AD. 1st ed., General Cultural Affairs, Baghdad, undated.
- Al-Fakiki, Abdulhadi. Quotations from the Qur’an in Arabic Poetry. Dar Al-Namir, Syria, undated.
- Al-Ashhab, Abi Ishaq Ibrahim ibn Uthman ibn Muhammad al-Kalbi al-Ashhabi. Diwan Al-Ghazi. 1st ed., edited by Abdulrazzaq Hussein, Al-Majid Center for Culture and Heritage, UAE, 1983.
- Ibn Kathir. Al-Bidaya wa al-Nihaya (The Beginning and the End). 1st ed., edited by Abdullah ibn Abdul Mohsen, Dar Hijr for Printing and Publishing, 1998.
- Hussein, Issam Hafeth Allah. Intertextuality in Contemporary Arabic Poetry. 1st ed., Dar Ghaida, Jordan, 2011.
- Abdulmohsen, Muhammad, and Alawi Kazem. “Quotations, Intertextuality, and Quranicity: A Perspective on the Terminological, Conceptual, and Practical Problems.” Journal of Interpretation and Discourse Analysis, vol. 2, no. 1, 2021.
- Amara, Muhammad. Sufism in Contemporary Moroccan Poetry. 1st ed., Schools Publishing and Distribution Company, Morocco, 2001.
- Al-Zamakhshari, Jarallah. Al-Fa’iq fi Gharib al-Hadith. Edited by Ali Muhammad Al-Bajari and Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim, Dar Al-Fikr for Printing and Publishing, Beirut, 1993.
- Al-Zughbi, Ahmad. Intertextuality: Theoretical and Applied. 2nd ed., Amman Ammon Foundation for Publishing and Distribution, 2000.
- Hamed, Nasr. Text, Power, and Truth: The Will to Knowledge and the Will to Domination. 4th ed., Arab Cultural Center, Casablanca, 2000.
- Matlub, Hasan. “The Effect of the Qur’anic Story on Modern Arabic Poetry.” PhD dissertation, University of Jordan, 2009.
- Fatouh, Ahmad. Symbolism and Symbols in Contemporary Poetry. 2nd ed., Dar Al-Ma’arif, Cairo, 1978.
- Abbas, Ihsan. Trends in Modern Arabic Poetry. Dar Al-Shorouk for Publishing and Distribution, Amman, 2001.
- Al-Suyuti, Abdulrahman Jalal. Tadrib al-Rawi fi Sharh Taghrib al-Nawawi. Edited by Abu Qutaybah Nazar Muhammad Al-Faryabi, Dar Tayyiba, undated.
- Jari, Hussam. “Cultural References in the Diwan of Muhbar Al-Dailami.” PhD dissertation, Al-Bahra University, College of Education for Humanities, 2019.
- Al-Jahiz, Amr ibn Bahr. Al-Bayan wa al-Tabyin. Dar wa Maktabat al-Hilal, Beirut, undated.
- Al-Rafi’i, Mustafa Adaq. The Miraculous Nature of the Qur’an and the Prophetic Eloquence. 8th ed., Dar Al-Kitab Al-Hadith, Beirut, undated.
- An-
- Nasa’i, Ahmad ibn Shu’ayb ibn Ali ibn Sinan. Sunan An-Nasa’i. 1st ed., edited by Raed ibn Sabri ibn Abi Alqa, Dar Toubq for Publishing and Distribution, Riyadh, 2008.
- Saber, Asma. Heritage Contents in the Poetry of Abu Al-‘Ala’ Al-‘Arabi (A Thematic and Artistic Study). Dar Ghaida for Publishing and Distribution, Amman, 2012.
- Al-Bukhari. Sahih Al-Bukhari. 1st ed., edited by Muhammad Zuhair ibn Nasser, Dar Tawk Al-Najah, undated.
- Majid, Hussein. Inherited Cultural References in Andalusian Poetry during the Era of the Taifas and Almoravids. 2nd ed., Dar Al-Islam Foundation, 2014.
- An-Nisaburi, Abi Al-Hussein Muslim ibn Al-Hajjaj Al-Qushayri An-Nisaburi. Sahih Muslim. 1st ed., Dar Ihyaa Al-Kutub Al-Ilmiyya, Beirut, 1991.
- Saleh, Faisal. Structure of the Poem in the Poetry of Ezzedine Al-Munassra. 1st ed., Majdalawi Publishing and Distribution, Amman, 1986.
- Al-Mubarakfuri, Abi Al-‘Ala’ Muhammad ibn Abdulrahman. Tuhfat Al-Ahwadhi (Explanation of Jami’ At-Tirmidhi). Dar Al-Fikr for Printing and Publishing, undated.