| |
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ثنائيةُ الحركةِ والسكونِ في شِعرِ عليٍّ بنِ جبلةَ العَكوكِ (ت 213هـ)
|
|
|
|
|
|
رحمة صدام نافع حسن1 مازن موفق صديق الخيرو1
|
|
|
|
|
|
1قسم اللغة العربية ، كلية التربية للبنات ، جامعة الموصل ، الموصل، 41012، العراق
|
|
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
|
Article history:
Received: 5 November 2024
Revised: 14 December 2024
Accepted: 26 December 2024
|
|
يتناول هذا البحث دراسة (ثنائية الحركة والسكون في شعر علي بن جبلة العكوَّك)، وهو شاعر عباسي عرف بشعره الذي يعكس طبيعة الحياة والوجود من خلال تصوير الحركة والسكون في قصائده؛ إذ يركز البحث على تحليل النصوص الشعرية؛ للكشف عن الأبعاد الفنية والجمالية لها، والتركيز على الدلالات المعنوية التي يحملها هذين المفهومين لإضفاء بعد جمالي وفلسفي على شعره، تم اختيار الشاعر علي بن جبلة العكوك كموضوع للبحث بسبب تقنياته الفنية المتميزة، ولغته الشعرية الجزلة، وأسلوبه الشعري المرهف.
الكلمات المفتاحية:ثنائية، شاعر، حركة، سكون، يوظف، كرم، بخل.
|
|
|
Keywords:
Duality
Poet
Motion
Stillness
Employs
Generosity
Miserliness
|
|
|
Corresponding Author
رحمة صدام نافع حسن [email protected]
|
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i3.a11, ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
The Duality of Motion and Stillness in the Poetry of Ali ibn Jabala Al-Akouk (D.213 A.H)
- R. S. Hasan Al-Khairo
Abstract
.This study addresses the topic of “The Duality of Motion and Stillness in the Poetry of Ali ibn Jabala al-Akouk,” a renowned Abbasid poet known for his poetry that reflects the nature of life and existence through the depiction of motion and stillness in his verses. The research focuses on analyzing the poetic texts to uncover their artistic and aesthetic dimensions, with an emphasis on the meaningful connotations these concepts carry to enhance the aesthetic and philosophical depth of his poetry. The poet Ali ibn Jabala al-Akouk was chosen as the subject of this study due to his distinguished artistic techniques, robust poetic language, and refined poetic style.
المقدمة:
اتخذت لفظة (الثُنائية) مساحة واسعة في المعاجم اللغوية، فقد جاءت بدلالات مختلفة أشار إليها أهل اللغة ومن بينهم الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ)؛ إذ يقول: "الثَّنْيُ من كلّ شيء: ما يُثْنَى بَعْضُه على بَعْض أطباقاً" (الفراهيدي)(1)، والمثاني من القرآن: ما كان أقل من المائتين، وتسمى سورة الفاتحة مثاني؛ لِأَنَّها تثنى في كل ركعة (الجوهري)(2)، ويقول أحمد بن فارس (ت ٣٩٥هـ): "الثاء والنون والياء أصلٌ واحد، وهو تكرير الشَّيء مرّتين، أو جعلُه شيئين متوالييَن أو متباينين" (ابن فارس 1979)(3)، وجاء في اللسان "ثنَّيت الشيءَ: جعلته اثنين. وجاء القومُ مثنى مثنى أي: اثنين اثنين" (ابن منظور)(4)؛ لذا نجد أنَّ معنى الثُنائية في اللغة تحمل بين طياتها دلالة الجمع بين شيئين أو طرفين، أي تحمل الرقم اثنين. أما اصطلاحاً فقيل في تعريف الثُنائية: هي مصطلح يطلق "على كل مذهب فكري أو اتجاه يقسم كل شيء بطريقة أو بأخرى إلى مقولتين أو عنصرين، أو إنه يستمد جميع الأشياء من مبدأين، أو أنّه يرفض أن يسلم بما يزيد أو ينقص عن جوهرين"(الموسوي 2013)(5)، وورد في المعجم الفلسفي بأنَّ "الثنائي يكون من الأشياء ما كان ذا شقين. والثُنائية هي القول بزوجية المبادئ المفسرة للكون"(صليبا، 1982)(6)، ومن التعريفات الأخرى للثُنائية ما جاء في قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية الذي أورد الثُنائية بأشكال متعددة ومنها أنَّ الثنائي وصف للحروف المؤلفة من حرفين نحو(لم، هل، من)، والثُنائية هي في فقه اللغة نظرية تقول: إنَّ أصل الكلمات في اللغة جذر مؤلف من حرفين أو صوتين، وثُنائية اللغة: وجود لغة واحدة بمستويين مختلفين واحد عامي والثاني فصيح عند شعب ما، وذلك كوجود اللغة العامية بجانب اللغة الفصحى عند العرب (يعقوب1987)(7)، فالثُنائية في الاصطلاح الأدبي لا تخرج عن الإطار المخصص لها ولا تختلف كثيراً عن معناها اللغوي، فهي قائمة على التباين والتوافق بين الأشياء. تُعَدُّ ثُنائية الحركة والسكون رؤيتين متناقضتين للعالم، ويمكن من خلالهما التمييز بين الأشياء الحركية من غيرها(هلال الجهاد2001)(8)؛ إذ إِنَّ "الإنسان كائن حي متحرك، والحركة جزء من حياته، ودلالة على نشاطه وقيام أجهزة جسمه بوظائفها الحيوية، وقد خلق الله تعالى الإنسان ليسعى أو ليتحرك ويقوم بأعماله ووظائفه الدينية والدنيوية"(الربيعي 2019)(9)، فالحركة هي "الخروج من القوة إلى الفعل تدريجياً، وقيل هي شغل حيز بعد أن كان في حيز آخر"( المناوي 1990)(10)، وهناك من ينظر إلى الحركة على أنها انتقال الجسم من مكان إلى آخر(الموسوي 2013)(5)، ولما كانت الحركة ضد السكون، فلا بد من تعريف السكون أيضا، فالسكون هو "ثبوت الشَّيء بعد تحركه"(المناوي 1990)(10)، أو هو "عدم الحركة عمّا من شأنه أن يتحرك"( الشريف الجُرجاني)(11)، ومن خلال هذه التعاريف نجد أن الحركة هي بذل جهد في سبيل الوصول إلى الشَّيء المراد إدراكه، أما السكون فهو التوقف عن الوصول إلى الشيء أو قطع الحركة.
تمثّل ثُنائية الحركة والسكون جدلية شعرية وفكرية في النَّصوص الإبداعية، فهما مصطلحان فلسفيان شائعان في الدراسات الأدبية والنقدية، فالشعر لا يصدر إلا عن وعي حركي غالباً(المعمري2022)(12)، وهما ضدان لا يجتمعان، والتقابل بينهما مثل التقابل بين العدم والوجود، ويدل كل منهما على معنى يخالف الآخر، وقد بدأ الإنسان بالالتفات نحو هذه الثُنائية (الحركة والسكون) منذ أن لاحظ ظاهرة الموت والحياة، وعندما برز التفكير المنطقي في حياته زاد التأمل والنظر في هذه المسألة، فارتبطت بالمنظور الفلسفي الذي استند على مفهوم التغيير(فهمي خشيم، 1999)(13)، فالحياة نفسها عبارة عن أكبر حركة تستغرق وقتاً محدداً ثم تنتهي بالتوقف– السكون- وهو الموت، ولأهمية الحركة والسكون في مجال الحياة الإنسانية والطبيعية فقد وظِّف الشعراء هذه الثُنائية في أشعارهم؛ لِأَنَّها تغني النَّص الشعري وتميِّزه، فهذه الثُنائية من الثُنائيات المثمرة في اللغة(صلاح فضل1998)(14). تتخلل ثُنائية الحركة والسكون شعرَ العَكَوَّك؛ للكشف عن عمق التجربة الإبداعية للشاعر، وما تتطلبه هذه التجربة من وقفات وتأملات تستدعي من الشَّاعر تحريك ذهنه؛ لذا نجد في شعره ألفاظاً تحمل معنى الحركة والسكون هيمنت على نصِّه الشعري في إطار تشكيل ثُنائية تعزز من تجربته الشعرية، كما نجد ذلك في القصيدة التي يمدح فيها حميد الطوسي في يوم نيروز إذ يقول (العكوك،2009)(15): [مجزوء الرمل]
|
وَعَجولٌ بِعَطَايا
|
|
وَعَلَى الرَّوْعِ قَتُورُ
|
|
ما أَعَزَّ اللَهُ جَاراً
|
|
بِسِوَاهُ يَسْتَجِيرُ
|
يُوَظِّف الشَّاعر في هذا النَّص ثُنائية الحركة والسكون بصورة إيجابية والمتمثلة بلفظتي (عَجولٌ / قَتُورُ)، فطرف الثُنائية (عَجولٌ) يدل على الحركة والعجلة والسرعة، في حين يدل الطرف الآخر للثُنائية (قَتُورُ) على الثبات والسكون، فالشَّاعر من خلال هذه الثُنائية أراد التعبير عن فضائل ممدوحه إذ عبر طرف الثُنائية (عَجولٌ) الدال على الحركة عن سرعة كرمه وجوده فهو عجول وسبّاق في إنعاشه للناس، وليس هذا العطاء قليلاً ومنقطعاً وإنَّما هو كثير ومستمر، في حين عبر الطرف الآخر للثُنائية (قَتُورُ) الدالة على الثبات والسكون عن شجاعة الممدوح في المواقف الصعبة كونه متماسكاً وثابتاً عند الخوف والفزع. والشاعر في توظيفه لثُنائية الحركة والسكون في هذا النَّص يبدو وكأنه يتناص مع القرآن الكريم ومع سورة الإسراء تحديداً، ففي توظيفه لطرف الثُنائية (عَجولٌ) استعان بقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (سورة الإسراء، الآية، 11)، فالعجول هو المسرع الذي لا صبر له، وأما في توظيفه للطرف الآخر من الثُنائية (قَتُورُ) استعان بقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ (سورة الإسراء، الآية، 100)، فالقتور هو البخيل والممسك والمانع، إلا أنَّ لفظة (قَتُورُ) في النَّص الشعري تحمل بين طياتها دلالة إيجابية تتمثل بشجاعة الممدوح، فهو ثابت وماسك لنفسه عند الخوف والفزع لا يهاب أحداً، فالشَّاعر عن طريق التناص مع القرآن الكريم عمل على خلق معاني جديدة أو طرح أفكار ومشاعر مكثفة في لفظة واحدة تحيلنا على آية أو قصة قرآنية تفك المعنى المغيب المقصود؛ إذ "غالباً ما تشتغل المعاني التي تنسج النَّص الشعري بطريقة مبنية على المفارقات النَّصية ... فعوض أن يعبر الشَّاعر عن لحظة شعرية بكم هائل من الكلمات يستعير من القرآن الكريم كلمات لها خلفيات تظهر من خلالها القضايا التي أراد الشَّاعر التعبير عنها"( بو لمغارف 2024)(16)، فالمعاني القرآنية في هذا النَّص تحمل دلالات عميقة تتعلق بالطبع البشري بين الإسراع، وبين الإمساك والتقتير؛ لذا جاء التناص؛ ليوضح صفة البشر، ويعطي بعداً غنياً ومترابطاً للنص، مما يعمق من فهمنا للتجربة الإنسانية التي يعبر عنها الشَّاعر.
وإنَّ توظيف الشَّاعر (للواو) في بداية صدر وعجز البيت الأَوّل جاءت كأداة لتجسيد حال الوصل بين صفات الممدوح من قوة وتماسك، فضلاً عن دلالات متعددة تثني على رفعته، وجوده، وشجاعته وحسن خلقه، فالشَّاعر من خلال هذه الأبيات أظهر الممدوح كرجل سخي وسريع في العطاء، وفي نفس الوقت شجاعًا لا يبخل في المواقف الصعبة، فهذا التباين يبرز فضائله وكرمه بوضوح، مما يجعل عطاءه ليس قليلاً ومنقطعًا بل كثيرًا ومستمرًا، فضلاً عن ربطه قيم ومبادئ أخرى منها المعزة بين الجيران؛ إذ إِنَّ الجار أولى بالاستجارة من غيره، وهذا ما أكده ديننا الحنيف من ذكر الجار حتى ظننا أنه سيورثه، فهنا يتضح أنَّ الشَّاعر له دراية تامة بحقوق الجيران حيث يعتبرهم الأولى بالعطاء والمساعدة والدفاع عنهم عند الفزع، هذه القيم كلها مستنبطة من القيم الإسلامية التي أضفاها الشَّاعر على شخصية ممدوحه حميد الطوسي؛ ليُظهره بأجمل صورة معنوية ترفع من قيمته.
ويستعين الشَّاعر بالمُقدمة الطلية ذات البعد النفسي في توظيفه لثُنائية الحركة والسكون قائلا: (العكوك،2009)(15): [مجزوء الرمل]
|
وَلَيالٍ سَاجِيَاتٍ
|
|
نَامَ عَنْهُنَّ السَّمِيرُ
|
|
فَطَوَتْ أَخْبِيَةَ الحَيَّ
|
|
كَما يُطْوَى الحَيِيرُ
|
يُوَظِّف الشَّاعر ثُنائية الحركة والسكون بصورة مجازية تمثيلية (وَلَيالٍ سَاجِيَاتٍ / فَطَوَتْ أَخْبِيَةَ الحَيَّ)، فطرف الثُنائية يمثل صورة ثقل ليالي الشَّاعر وطولها وسكونها وصعوبة انقضائها، فالشَّاعر يصف تلك الليالي بأنها ساكنة (سَاجِيَاتٍ)، فشاعرنا يعيش لياليه بالوحدة والعزلة، بدليل السكون، فلا صديق ولا أخ ولا حبيب، حيث يخيم الصمت على أنفاسه فلا مجال للحديث والمتعة والتسلي، ويستحضر الشَّاعر شريط الأحداث والذكريات المؤلمة؛ ليقضي ليله بين جنباتها متأججاً بالعواطف والأحاسيس، وإنَّ استخدام الشَّاعر للفظة (لَيالٍ) بالجمع بدلاً من (ليلةٍ واحداة)؛ ليرمز إلى استمرارية الألم وتجدد معاناته مع كل مساء، وليعزز من دلالات السكون الموحشة التي تعتري نفسه.
ومع ذاك السكون والظلام الداجي وعبر شريط الأحداث المؤلمة يأتي الشَّاعر بالفرج عن طريق الطرف الآخر للثُنائية (فَطَوَتْ أَخْبِيَةَ الحَيَّ) (ابن منظور)(4)، الذي يقدم صورة حيوية تشع بالحركية والسرعة والسهولة من خلال طي الخيام وتحميل الأمتعة، والانطلاق في الرحيل، إذ يقف شاعرنا على جزئية من جزئيات لحظات الرحيل، وهي عملية طي الخيام ليماثلها بطي الثياب؛ ليبرز عناصر السهولة والسرعة، وليضفي حركة متسارعة تعزز روح الاستعداد للرحيل والتحرك نحو المستقبل بقوةٍ واستعدادٍ تام.
فالشَّاعر قدم لنا من خلال ثُنائية الحركة والسكون صورتين ضدّيتين؛ إذ وضع أمام صورة سكون ليله وثقله صورةً حركية جميلة تدل على الترحال، فهذه الصورة تتجلى فيها ملامح النضج الفني للعكوك، وتتجلى قدرته على التفصيل والإحاطة بالثُنائيات التي ينتقيها، فكانت بمثابة أداة فنية استوعبت الشكل والمضمون (السراج 2024) (17)
ونجد مظاهر الحركة والسكون تتجلى بصورة مدحية مميزة، قائلاً: (العكوك،2009)(15): [مجزوء الرمل]
|
بِكَ رُكْنُ الأَرْضِ يَرْسوُ
|
|
وَرحَى المُلْكِ يَدُورُ
|
|
أَنْتَ لِلْمُلْكِ نَصِيرٌ
|
|
وَلَكَ اللَهُ نَصِيرُ
|
يستخدم الشَّاعر الثُنائية (يَرْسوُ / يَدُورُ) للدلالة على السكون والحركة، فطرف الثُنائية (يَرْسوُ) يدل على الثبات والسكون والاستقرار، في حين يدل الطرف الآخر (يَدُورُ) على الحركة المستمرة والدوران، فالشَّاعر يعمد على مقارنة ممدوحه (بركن الأرض)، حيث ماثله بالركن الثابت والأساسي الذي تتمثل عليه ثقل واستقرار الأرض، وهذا التمثيل البليغ يبرز قوة وثبات الممدوح، مما يجعله نقطة الاعتماد الأساسية في حياة الشَّاعر، وفي المقابل يجعل من دوران عجلة للحكم تستمر بفضل قيادته الحكيمة؛ إذ ماثل حكمته بدوران رحى الطاحونة، فالشَّاعر يعبر مما سبق عن ثقته الكاملة بالممدوح واعتماده كمصدر أساس للأمان والاستقرار. ويؤكد الشَّاعر في الوقت ذاته عن حبه للممدوح، فنجده يرفع ويعلي من شأنه بدلالة الضمير المنفصل (أَنتَ) والضمير المتصل (الكاف) الموجود في لفظة (لَكَ)، بصور تكرارية متميّزة؛ ليُضفي جمالًا وانسيابيةً على النَّص، كما يعزز إيمانه بالله ويؤكد أنَّه هو المعين الأعلى حتى لأقوى الشخصيات في الأرض، فالشَّاعر عبر عن مفهوم القوة المُقترنة بالعدالة والتواضع أمام الله، وكأنه يُقابل بين نصرة الشخص للملك ونصرة الله له، مما يُظهر التوازن بين السلطة الدنيوية والإلهية، وكل هذا متأتٍ من التَّضَادّ الذي ينتج نوعاً من التوتر؛ ليجعل القارئ يدقق ويتمعن في ما يريد الشَّاعر البوح به.
وتتجلى التناقضات بين الحركة والسكون في وصف الطبيعة إذ يُظهر الوحوش والأرض الخضراء الخصبة التي تعبر عن الاستقرار والترحال، إلا أنَّ الشَّاعر قصد بذلك إيحاءات معقدة تحمل معاني عميقة يمكن للقارئ استنتاجها بقوله: (العكوك،2009)(15) : [الطويل]
|
وَخافَتْ عَلى التَّطوافِ فَوْتى وَإِنَّما
|
|
تُصادُ غِرارُ الوَحْشِ وَهْيَ رُتوعُ
|
يحاول شاعر هنا تهدئة مخاوف سائلته التي تخشى عليه من تقلبات الزمن بسبب كثرة ترحاله؛ إذ يلتقط من مخيلته صورة الوحوش الضارية التي تعيش في أماكنها الطبيعية، رغم أنها قد تتعرض لخطر الصياد، فالشَّاعر هنا يرسل رسالة عبر توظيفه لثُنائية الحركة والسكون والمتمثلة في لفظتي (التَّطوافِ / رُتوعُ) مفادها أن البعد عن الديار ليس سببًا في وقوع الأذى، وكذلك البقاء فيها ليس ضمانًا للأمان من غدر الزمان؛ إذ يستعمل طرف الثُنائية (التَّطوافِ) الذي هو مصدر من الفعل (طوّفَ) وكما هو معلوم أنَّ المصادر غير مقيدة بزمن، فهذا التوظيف ملائم مع الحركية الدائمة والترحال المستمر؛ إذ يشير إلى طبيعة الحياة المتغيرة والمليئة بالمخاطر والتحديات، فالشَّاعر هنا يريد أن يقول إن الحياة تتطلب منّا التحركَ والخروج من منطقة الراحة، وأن هذا الترحال ليس بالضرورة سببًا للمخاطر، بل قد يكون مصدرًا للتجارب والمغامرات الجديدة. وفي المقابل يستخدم الطرف الآخر للثُنائية (رُتوعُ) في جملة حالية بعد واو الحال ليعبر عن الكلأ الوفير والاستقرار، مما يتناغم ويتوافق مع السكون والهدوء بعد الحركة، ويُفهم منه أن البقاء في مكان واحد قد يشعر الإنسان بالأمان الظاهري، لكنه لا يضمن الحماية من تقلبات الزمن وغدره، مما يُعطي إحساسًا بالتوتر والقلق، وهذا التوظيف البليغ للثُنائية يدفع الإنسان أن يكون مستعداً لمواجهة الحياة وتحدياتها أينما كان، فهذا التناقض يُعطي النَّص عمقًا فلسفيًا، فضلاً عن أنَّ الحياة تتطلب اليقظة والاستعداد الدائم للتعامل مع التحديات لا الضعف والرتوع؛ إذ تظهر مهارة الشَّاعر في استخدام اللغة وتوليد معاني متعددة وخفية.
ويُعرِّج الشَّاعر على مدح أبي دلف بصورةٍ حركية ممزوجة مع مظاهر الطبيعة الصامتة، فيعطي صور أكثر دقة وانفتاح، قائلاً: (العكوك،2009)(15) : [الطويل]
|
أَللَّه أَعْطَى مِنَ الأَرْزَاقِ أَكْثَرَها
|
|
عَلَى يَدَيْكَ فَشُكْراً يَا أَبا دُلَفِ
|
|
أَعْطَى أَبو دُلَفٍ وَالرِّيحُ عَاصِفَةٌ
|
|
حَتَّى إِذا وَقَفَتْ أَعْطَى وَلَم يَقِفِ
|
يُشْغل الشَّاعر في هذا النَّص جلّ حواسه، وكأن شعوراً قد تملكه فتغلغل في كلّ حواسه فبات لا يشعر إلا به، فتداخل الحواس عند الشَّاعر جعله يقدم ثُنائية ضدية رائعة بين الحركة والسكون (الريحُ عاصِفَةٌ / حَتّى إِذا وَقَفَت)، فطرف الثُنائية (الريحُ عاصِفَةٌ) يرمز إلى حالة من النشاط والديناميكية، والحيوية والقوة والحركة الشديدة، على الضد من الطرف الآخر للثُنائية (وقوف الريح) الذي يعبر عن التغيّر في حالة الريح حيث توقفت عن الهزيز وأصبحت هادئة، مما يرمز إلى الثبات والهدوء والسكون، فالشَّاعر يجمع بين الحركة والسكون ليوضح فلسفة الإعطاء المستمر والمتواصل بغض النظر عن التغيرات والظروف الخارجية. فضلاً عن كشف عمق التجربة الشعرية وغنى الخيال الذي يتميز به الشَّاعر، ففي البيت الأَوّل، يُظهر الشَّاعر امتنانه لله على الرزق الذي يأتي عبر يدي أبي دلف، مستخدمًا الاستعارة للتعبير عن الكرم الذي يُقدمه أبو دلف كأنه رزق من الله، وإنَّ استخدام الشَّاعر للتكرار اللفظي والمتمثل في كلمة (أَعْطَى) التي تكررت في النَّص ثلاث مرات في قوله: (أَعْطَى مِنَ الأَرزاقِ، أَعْطَى أَبو دُلَفٍ، أَعْطَى وَلَم يَقِفِ)، إنَّما جاء لتقوية المعنى وتكثيف دلالته تجاه الممدوح أبي دلف، فجاء اللفظ المكرر وثيق الصلة بالمعنى العام للقصيدة، فهذا النوع من التكرار يؤدي دوراً هاماً في تقرير المعنى في ذهن السامع؛ إذ إِنَّ الكلمة المكررة قد تحقق دلالة شعرية يستجيب لها وجدان المتلقي وإحساس الشَّاعر، فضلاً عن أنه يعزز من الإمكانية الإيقاعية أو النغمية للنص الشعري ولها وظائف نفسية وصوتية ودلالية، كما يُعدُّ التكرار اللفظي لوناً من ألوان التنبيه الفني التي يمكن رصدها من خلال الخصائص التركيبية لبعض الصيغ وأهمها التأكيد، ويُعدُّ جزءاً من الهندسة العاطفية للعبارة في تنظيم الكلمات على أساس عاطفي من أي نوع كان(نازك الملائكة 1978)(18). فكلمة (أَعْطَى) هنا مثلت محور النَّص ونواته وعليها يرتكز انتباه المتلقي ولا سِيَّما وهو يبحث عن دلالات طرفي الثُنائية (وَالريحُ عاصِفَةٌ / حَتّى إِذا وَقَفَت)، فالتكرار أدى وظيفته الجمالية الفنية لأنه أكسب الثُنائية قوة أدائية وتعبيرية بصورة مميزة.
ويستمر الشَّاعر في ذكر مناقب الممدوح فتظهر شخصية (القاسم أبي دلف) وما يتميَز به من الكرم والجود، قائلاً (العكوك،2009)(15): [الطويل]
|
تَحَدَّر مَاءُ الجُودِ مِنْ صُلْبِ آدَمٍ
|
|
فَأَثْبَتَهُ الرَّحْمَنُ في صُلْبِ قاسِمِ
|
يُوَظِّف الشَّاعر ثُنائية الحركة والسكون عبر لفظتي (تَحَدَّر / فأَثبَتَهُ)، فطرف الثُنائية (تَحَدَّر) يدل على الحركة بصورة متسارعة وقوية نحو الأسفل كما هو معلوم للانحدار، في حين يدل الطرف الآخر للثُنائية (فأَثبَتَهُ) على الثبات والسكون، فالشَّاعر أراد من خلال هذه الثُنائية إثبات صفة الكرم لأبي دلف وجعله أصل الجود. وإنَّ استحضار الشَّاعر لشخصية أبا البشر آدم (عليه السلام) إنَّما ليشير إلى أن الكرم والجود هما من الصفات الأساسية التي تنبع من الإنسانية، والتي تعود جذورها إلى آدم، الأب الأَوّل للبشرية؛ لذا فإنَّ استحضار الشخصيات الدينية الكبرى المتمثلة بالأنبياء والرسل (عليهم السلام) رافد من روافد الإبداع الفني عند جميع الشعراء فالشخصيات التاريخية ليست مجرد ظواهر كونية عابرة، تنتهي بانتهاء وجودها الواقعي، وإنَّما لها إلى جانب ذلك دلالتها الشمولية الباقية والقابلة للتجدد على امتداد التاريخ في صيغ وأشكال متعددة(عشري زايد 1997)(19)، ويُوَظِّف الشَّاعر الاستعارة التصريحية في قوله: (تحدر ماء الجود)؛ إذ يماثل فيها جود الممدوح بنهر يتدفق بسخاء، ولكنه حذف النهر وأبقى شيئاً من لوازمه وهو الماء، فالاستعارة تُظهر الجود كنهر يتدفق، مما يُعطي انطباعاً بالسخاء اللامحدود، وهذا التوظيف البياني يُضفي على النَّص قوةً وجمالية، ويُمَكِّن المتلقي من تخيل الصفات الإيجابية للممدوح بطريقة ملموسة ومؤثرة. وإنَّ استخدام الشَّاعر للفعل (تحدَّر) يُضيف بُعداً حركياً يُعزز من الصورة الذهنية للجود كحركة مستمرة وغير محدودة، مما يُعطي انطباعاً بأن كرم الممدوح لا ينضب، واستخدامه للفعل (أثبت) يعكس على أنّ الكرم قد توقف عنده ولا يوجد من يضاهيه، فضلاً عن استخدام الشَّاعر لأسلوب التكرار في لفظة (صلب) مرتين أضاف جمالية للنص وتعزيزاً للإيقاع الشعري، كلها ساهمت في بروز الحركية والسكون في النَّص الشعري، مما يعكس عمق الصورة الذهنية التي بناها الشَّاعر ليفتح الافاق للمتلقي.
ونجد مظاهر الحزن تتجلى بصورة حركية وساكنة من خلال انفتاح العين وانغماضها، فيقول (العكوك،2009)(15): [الطويل]
|
بَكى فَقْدَهُ روحُ الحَياةِ كَما بَكَى
|
|
نَدَاهُ النَّدَى وَابْنُ السَّبِيلِ المُدَفَّعُ
|
|
وَفارَقَتِ البِيضُ الخُدورَ وَأُبْرِزَتْ
|
|
عَواطِلَ حَسْرَى بَعْدَهُ لا تَقَنَّعُ
|
|
وَأَيْقَظَ أَجْفَاناً وَكانَ لَها الكَرَى
|
|
وَنَامَتْ عُيونٌ لَم تَكُنْ قَبْلَ تَهْجَعُ
|
تتكشف ثُنائية الحركة والسكون في هذه الأبيات عبر لفظتي (أَيقَظَ أَجفاناً / نامَت عُيونٌ)، فطرف الثُنائية (أَيقَظَ أَجفاناً) تعبر عن الحركة، في حين يعبر الطرف الآخر للثُنائية (نامَت عُيونٌ) على السكون والهجوع، فالشَّاعر عن طريق ثُنائية الحركة والسكون عبر عن عمق حزنه وأساه على موت حميد الطوسي، فالأبيات كلها تظهر الحزن؛ إذ ماثل الشَّاعر الحزن العميق الذي يشعر به الكون ببكاء روح الحياة؛ إذ يصور العالم وكأنّه يبكي هذا الفقدان، وهي مماثلة تُظهر مدى الأثر العميق للفقدان والذي ماثله أيضاً ببكاء الندى وابن السبيل، مما يُعطي صورة للحزن وكأنه شيء ملموس يُمكن أن يُرى ويُحس، كما وأشار الشَّاعر كيف أن النساء تركن الخدور (الحجاب) وظهرن عاطلات عن الزينة، مما يدل على شدة الحزن واليأس الذي أصابهن بعد الفقدان، فالثُنائية أظهرت تضاداً بين الأجفان التي أيقظها الحزن، والعيون التي نامت بعد الفقد؛ إذ حمَّل الشَّاعر الكفيف "حواسه وظائف ومهمات مغايرة لوظائفها الأصلية الأساسية علَّه ينفذ من حاجز الظلام الذي ضرب على حاسته الأم، كي يزداد علماً وفهما للطبيعة من حوله، وتفجير طاقاته المكبوتة"( الحسناوي 2015)(20)، في تصوير مناسب مع معاناة الشَّاعر وحالة الحزن المخيمة عليه، فظهرت بصورة أدق وأقوى وللتأكيد على شدة التغيير الذي حدث له بعد موت حميد الطوسي.
ويتعمق العَكَوَّك ويتفنَّن في وصف حركة العين وجماليتها تارةً، ومرضها تارة أخرى من خلال صورة غزلية أكثر من رائعة قائلا (العكوك،2009)(15): [الكامل]
|
وَجَبينُها صَلْتٌ وحاجِبُها
|
|
شَخْتُ المحَطِّ أَزَجُّ مُمْتَدُّ
|
|
وَكأَنَّها وَسْنَى إِذا نظَرَتْ
|
|
أَو مدْنَفٌ لمَّا يُفِقْ بَعْدُ
|
|
بِفتورِ عَيْنٍ ما بِها رَمَدٌ
|
|
وَبِها تُدَاوَى الأَعينُ الرُّمْدُ
|
تتجلى ثُنائية الحركة والسكون في لفظتي (وَسْنَى / نظَرَتْ)؛ إذ نجد أن السكون يتجلى بلفظة (وَسْنَى) التي هي بمعنى النعاس فكأن الجسم كله قد دَبَّ به السكون وهو آخر ما يظهر من العين، ونجد الطرف الآخر الذي هو (نظَرَتْ) والذي عضده الشَّاعر بقوله: (لمَّا يُفِقْ بَعْدُ)، يدل على الحركة، فالفائق هو ما تظهر عليه بوادر الحركة، فجعل الشَّاعر من هذه الثُنائية صورة من صور جمال المحبوبة بما فيها الحاجب الطويل المقوس، فأراد من حركة العين إبراز الصورة الجمالية للعيون التي تتميز بها محبوبته. ويجعل الشَّاعر من عين المحبوبة دواء له من خلال صفة الفتور التي يخيل لمن يراها أن بها رمداً، وما بها رمد، بل تداوي من به رمد، فالشَّاعر وظف هذه الثُنائية (بِها رَمَدٌ / تُدَاوَى الأَعينُ الرُّمْدُ)؛ ليُظهر جمال حركة عين المحبوبة عند النظر على الضد من العين المصابة التي تتحرك بصورة لا إرادية، فالشَّاعر قد أضفى الثُنائيات المتداخلة في النَّص الشعري؛ ليجعل العين براقة ذو سحر أخاذ، وليزيد من جمال عين المحبوبة؛ إذ بالانفتاح والانغلاق هناك لغة وسحرُ لا يفهمها إلا العشاق، فعنصر التشخيص لعب دوراً هاماً من خلال إبراز الحقيقة المتخفية بين طيَّات النَّص.
ويستكمل العَكَوَّك لوحته الفنية في بيان محاسن محبوبته عبر ثُنائية الحركة والسكون قائلا (العكوك،2009)(15) [بالكامل]
|
والتَفَّ فُخْذَاها وفَوْقَهما
|
|
كَفَلُ يُجَاذِبُ خَصْرَها نَهْدُ
|
|
فَقيامُها مَثْنًى إِذا نَهَضَت
|
|
مِن ثقْلَةٍ وَقُعودُها فَرْدُ
|
|
والسَّاقُ خُرعُبةٌ مُنَعَّمضةُ
|
|
عَبِلَتْ فَطَوْقُ الحِجْلِ مُنْسَدُّ
|
يكشف النَّص عن الثُنائية المتعددة بما فيها الحركة والسكون والمتمثلة في قوله: (قيامُها مثنى / قُعودُها فَردُ)، فالقيام يدل على الحركة في أثناء النهوض، وإن وصف الشَّاعر للقيام بـ (مثنى) يوحي بأن النهوض يتطلب جهدًا مضاعفًا، بسبب ثقل فخذي المحبوبة، مما يستدعي منها أن تستند على شيء أو تتخذ وضعية معينة مرتين قبل أن تقف تمامًا، ويبدو أنَّ مقاييس الجمال في ذلك الوقت يشترط في فخذي الفتاة أن يكونا ثقيلين، فضلاً عن ذلك إنَّ ثقل الجسم كان من الأوصاف المحببة لدى شعراء العصر العباسي التي تمثل إحدى علامات الترف والجمال لدى النساء. وأما الطرف الآخر للثُنائية (قعودها فرد) فيعبر عن حالة السكون، وإن وصف الشَّاعر للجلوس بـ (فرد) يوحي بأن الجلوس يحدث بشكل سلس ومباشر دون الحاجة إلى حركات إضافية، فالسكون هنا يمثل حالة من الراحة والاستقرار، على العكس من الجهد المبذول في الحركة عند القيام، وما يؤكد كلامنا هذا استعمال الشَّاعر في وصف ساق المحبوبة بأنها (خُرعُبة) (ابن منظور)(4) أي ممتلئة وناعمة، وإنَّ استعماله لكلمة (مُنَعمَّة) يشير إلى العناية بها ودلالها، وكلمة (عَبِلَت)، تعني أنها ضخمة وسمينة، مما يجعل طوق الحجل وهو الحلي الذي يُلبس حول الكاحل ضيقاً بسبب امتلاء الساق(ابن منظور)(4)، فالشَّاعر يستعمل ثُنائية الحركة والسكون؛ ليُظهر ويوصف ويمجد من جمال محبوبته ومفاتنها بلغة شعرية متميزة تعكس الذوق الرفيع والاهتمام بالتفاصيل الجمالية، مجسدًا حالاتها المختلفة ومبرزًا التباين بين الجهد والراحة، وبين الامتلاء والرقة. وهذه الأوصاف الدقيقة التي ابتدعها العَكَوَّك جعلت بعض النقاد يبدون إعجابهم بهذه القصيدة؛ إذ يقول الدكتور (مصطفى الشكعة): "وابن جبلة يرسم صورة لصاحبته "دعد" فيصف أجزاء جسمها في دقة متناهية، لا يستطيع المرء أن يحجب إعجابه حيالها بالرغم من خروجه على الذوق العام في بعضها؛ لِأَنَّ الشَّاعر أعمى لا يبصر"( الشكعة 1991)(21)، فالشَّاعر قدم صاحبته (دعد) بصورة تثير الإعجاب؛ إذ يتساءل الإنسان كيف استطاع هذا الأعمى أن يجسد تفاصيلها الحسّية الدقيقة بهذا الشكل، فالشَّاعر أبرز قدرته على تصوير الحركة واستيعاب أدق الجزئيات.
ويوجه الشَّاعر رسالة سامية عبر الزمن لمن نال من الخصال الحميدة فهي باقية، ومستمر ذكرها وهذا ما يخلد الإنسان من خلال أعماله الصالحة، فيجعل من البقاء والذهاب صورةً حركية ممزوجة مع الأفعال المحمودة، قائلاً (العكوك،2009)(15): [الكامل]
|
آلَيْتُ أَمْدَحُ مُقْرِفاً أَبَداً
|
|
يَبْقَى المَديحُ وَيَذْهَبُ الرَّفْدُ
|
|
هَيْهاتَ يأ بَى ذاكَ لي سَلَفٌ
|
|
خَمَدوا وَلَمْ يَخْمُدْ لَهُمْ مَجْدُ
|
يستعمل الشَّاعر ثُنائية الحركة والسكون في النَّص الشعري (يَبقى المَديحُ / يَذهَبُ الرَفدُ) لإبراز رسالته الأخلاقية، فطرف الثُنائية (يَبقى المَديحُ) يشير إلى الثبات من خلال إلصاق الصفات الحميدة فهي كثيرة ومستمرة، فالمديح الصادق الذي ينبع من تقدير حقيقي يبقى أثره دائماً ولا يزول؛ إذ يعبر المديح هنا عن الخلود المعنوي؛ إذ إِنَّ الأفعال والأقوال التي تكرم الفضائل والقيم النبيلة تستمر في التأثير عبر الزمن، على عكس الطرف الآخر (يَذهَبُ الرَفدُ) الذي يشير إلى حركة الفناء والزوال، فالهبات والمكافآت المادية ذاهبة لا تدوم، فلفظة (الرفد) تعبر عن الفناء المادي، فالشَّاعر استعمل التَّضَادّ بين الحركة والسكون ليبرز أهمية التمسك بقيم ومبادئ العرب الأصيلة كالكرم والشجاعة، مما يعكس موقف الشَّاعر الرافض لمدح من لا يستحق الثناء؛ لإحقاق الحق، ونصرة الرجال، وبيان المواقف.
الخَاتِمَةُ:
بعد الانتهاء من الدراسة التنظيرية التحليلية لثنائية الحركة والسكون في شعر (علي بن جبلة العكوَّك)، توصل البحث إلى مجموعة من النتائج نجملها على وفق ما يأتي:
- ثمة ارتباط واضح ودقيق بين المعنى اللغوي للثنائية والمعنى الاصطلاحي.
- أضاءت ثنائية الحركة والسكون على ما هو مضمر في ذات الشَّاعر، كاشفة عن تناقضات المجتمع وقيمه المتباينة التي عكست بدورها نفسية الشَّاعر، وما عاناه من تناقضات الحياة بعامة في العصر الذي عاش فيه.
- المديح هو من أكثر الأغراض التي طرقها العَكَوَّك؛ إذ تفاعل الشَّاعر مع ظاهرة الإسراف والمبالغة في تصوير المثل العليا، فالشاعر حاول تعويض مشاعر النقص التي يشعر بها في شخصيته من خلال الشخصية الشَّاعرة المثقفة والمؤمنة، تلك الشخصية التي تصل إلى المعالي بالروح الوثابة التي تطمح إلى المجد، وتدعو إلى الارتقاء والعلو.
- تكرر في قصائد الشَّاعر تناصات من آيات قرآنية بشكل كبير، شكلت نقطة إيحائية مفعمة بالدلالات؛ لذا كانت هذه التناصات نقطة تشع بالمعنى وتبرزه، فالشَّاعر حاول إثراء نصوصه من خلال هذا التناص من المعجم القرآني.
- تبين لنا أن الإيقاع في التعبير الأدبي ليس ضرورياً لإضفاء المسحة الجمالية على النص فحسب، بل هو ضروري لنقل الإحساس وتصوير الانفعالات النفسية، فالعنصر الإيقاعي عند الشاعر عنصر أصيل، ففي الإيقاع الخارجي مال الشاعر إلى استعمال البحور الطويلة في توظيفه لثنائية الحركة والسكون؛ للزيادة من تكثيف المعنى، فوزن الطويل والكامل استأثرا بأعلى نسبة من حيث عدد ورودهما في ثنائية الحركة والسكون فيه؛ وذلك لملاءمته لحالة الشاعر النفسية؛ وفيما يتعلق بالقافية نجد أنَّ الشاعر نوع الروي بالإكثار من حروف معينة ذات جرس موسيقي لما لها من أثر على السمع مثل (الراء والدال والعين) فنوع بها مع ما يتناسب مع حالته النفسية، كما أنَّ الشاعر أظهر وعياً كبيراً بقيمة الإيقاع الداخلي، إذ اهتم به وجعله مصدراً من مصادر الإيحاء من خلال تنويعه وتركيزه على بعض الظواهر المهمة مثل (التكرار)، وهي عناصر تزيد من بهاء النص الشعري وجماله، وتعزز من وقع الدلالة لدى المتلقي.
- تتمحور مظاهر الحركة والسكون في شعر العَكَوَّك في موضوعات المديح والغزل، فالمديح يتركز على جانبي الكرم المقرون بالحركة المستمرة لتلائم عطاء الممدوح، والسكون يظهر في المواقف الثابتة الدالة على شجاعة الممدوح أي الثبات في ملاقات الأعداء، ونجد مظاهر السكون أيضاً تظهر مع الآلام والأوجاع عند الليل وهذا معروف لدى الشعراء، أما في جانب الغزل، نجد مظاهر الحركة والسكون ذات طبيعة جمالية من خلال حركة العينين وسحرها الأخاذ، وكذلك في حركة قيام المرأة، فضلاً عن المواقف التي تحمل جانباً أخلاقياً للصفات الحميدة الثابتة والمتجددة على مدى الزمان فالخير لا ينضب.
المصادر:
First: The Holy Quran
Second: Arabic and Translated Book
- Kitab Al-Ain, Abu Abdul Rahman Al-Khalil bin Ahmed bin Amr bin Tamim Al-Farahidi (d. 170 AH), Edited by Dr. Mahdi Al-Makhzoumi and Dr. Ibrahim Al-Samarrai, Dar Wa Maktabat Al-Hilal, Beirut, (n.d.).
- Al-Sihah (The Crown of Language and the Correct Arabic), Ismail bin Hammad Al-Jawhari (d. 393 AH), Edited by Ahmad Abdul Ghafoor Al-Attar, Dar Al-Ilm Lilmalayin, Beirut, 4th Edition, 1987.
- Maqayis Al-Lugha, Ahmad bin Faris bin Zakariya Al-Qazwini Al-Razi (d. 395 AH), Edited by Abdul Salam Harun, Dar Al-Fikr, Damascus, (n.d.), 1979.
- Lisan Al-Arab, Abu Al-Fadl Jamal Al-Din Muhammad bin Mukarram bin Manzur Al-Afriki Al-Misri (d. 711 AH), Dar Sader, Beirut, 1st Edition, (n.d.).
- Comprehensive Philosophical Guide, Rahim Al-Moussawi, Dar Al-Mahaja Al-Bayda for Printing, Publishing, and Distribution, Beirut, 1st Edition, 2013.
- Philosophical Dictionary in Arabic, French, English, and Latin Terms, Dr. Jamil Saliba, Dar Al-Kitab Al-Lubnani, Beirut, (n.d.), 1982.
- Dictionary of Linguistic and Literary Terms, Dr. Emile Yacoub, Dr. Bassam Baraka, and Mai Sheikhani, Dar Al-Ilm Lilmalayin, Beirut, 1st Edition, 1987.
- Philosophy of Pre-Islamic Poetry (An Analytical Study of the Dynamics of Arab Poetic Consciousness), Dr. Hilal Al-Jihad, Dar Al-Mada for Culture and Publishing, Damascus, 1st Edition, 2001.
- The Dynamics of Imagery in Andalusian Poetry (An Analytical Study), Prof. Dr. Ahmed Hajim Al-Rubaie, Ghaidaa Publishing and Distribution House, Amman, 1st Edition, 2019.
- Al-Tawqif Ala Muhimmat Al-Taarif, Imam Abdul-Raouf Al-Manawi (d. 1031 AH), Edited by Dr. Abdul Hamid Saleh Hamdan, Alam Al-Kutub, Cairo, 1st Edition, 1990.
- Dictionary of Definitions, Muhammad Al-Sayyid Al-Sharif Al-Jurjani (d. 816 AH), Edited by Muhammad Sadiq Al-Manshawi, Dar Al-Fadhila for Publishing and Distribution, Cairo, (n.d.).
- Semiotics of Place between Traditional and Free Verse Poetry, Youssef bin Suleiman Al-Maamari, Omani Writers and Authors Association, Oman, 1st Edition, 2022.
- Motion and Stillness and Other Chapters, Dr. Ali Fahmi Khashim, Al-Jamahiriya Publishing House, Tripoli, 1st Edition, 1999.
- The Science of Stylistics (Principles and Procedures), Dr. Salah Fadl, Dar Al-Shorouk, Cairo, 1st Edition, 1998.
- The Poetry of Ali bin Jubla Al-Mutlaq Al-Akawk (160–213 AH), Collected and Edited by Dr. Hussein Atwan, Dar Al-Maarif, Cairo, 3rd Edition, 2009.
- Quranic Intertextuality in the Collection (Taraweeh and Khayyam Songs) by Ahmed Al-Tayeb Ma’ash, Reema Boulamgharf, and Abdulrahman Zayed Qayoush, Questions in Language and Literature Journal, Algeria, Vol. (13), Issue (2), 2024.
- The Image in the Poetry of Ibn Zilaq Al-Mawsili, Othman Sameer Yahya Al-Sarraj, Al-Noor Journal for Human Studies, Vol. (2), Issue (1), 2024.
- Issues of Contemporary Poetry, Nazik Al-Malaika, Dar Al-Ilm Lilmalayin, Beirut, 5th Edition, 1978.
- Invoking Heritage Figures in Contemporary Arabic Poetry, Ali Ashry Zayed, Dar Al-Fikr Al-Arabi, Cairo, (n.d.), 1997.
- The Correspondence of Senses in the Poetry of Blind Poets of the Abbasid Era, Dr. Amer Salal Al-Hasnawi, Uruk Journal, Al-Muthanna University, Vol. (8), Issue (8), 2015.
- Poetry and Poets in the Abbasid Era, Dr. Mustafa Al-Shaqqa, Dar Al-Ilm Lilmalayin, Beirut, 7th Edition, 1991.