|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
| |
|
خصائص الطبائع الإنسانية في رسائل الجاحظ
|
|
حسين أحمد عباوي
|
|
|
|
كلية التربية الأساسية، قسم اللغة العربية، جامعة تلعفر، نينوى، العراق
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 10 December 2024
Revised: 11 January 2025
Accepted:21 January 2025
|
|
يعالج البحث نصوصاً مختارة من رسائل الجاحظ التي وجهت خطابها لضبط الطبائع الانسانية بغية تحقيق الفضيلة في المجتمع. وتكمن مشكلة البحث في كونه يعالج البعد العلائقي لتلك الرسائل بالمدلولات النفسية التي اشتملت عليها نظريات علم النفس الحديثة، ويهدف البحث إلى التعرف على أسلوب الجاحظ الذي اتسم بالواقعية والأصالة أمام خصائص الطبائع الانسانية إذ حللها تحليلاً نفسياً عميقاً متخذاً مبدأ الأخلاق وطباع الناس التي تولد معهم ويحملونها في حياتهم وسيلة لتحقيق هذه الغاية. ولقد اعتمدت الرؤية البحثية على المنهج النفسي بما يتلائم مع إشارات الجاحظ الذي أتى على دراسة العادات والأطوار والغرائز برؤية الباحث اللبيب الذي لا تفوته شاردة ولا واردة منها ، فلا يلم منها بطرف أو يقف على ناحية وإنما يعرض لها مجتمعة. لذلك فهي من هذه الناحية تصح أن تكون مصدراً وافياً في تلمس سمات عصره واجتلاء خصائصه. وقد توصل البحث إلى جملة استنتاجات إذ شملت الرسائل سياقات عدة دارت جميعها في فلك الاجتماع البشري أظهرت إدراك الجاحظ بذوق الأديب ما يتصل بالإشارات النفسية التي أخذت النصيب الأوفر من طروحاته التي تستمد قيمتها من توافرها على الواقعية وغلبة توارد الثنائيات التقابلية ما أكسب تلك الرسائل خصوصيتها التأثيرية النابعة من عمق تجربة كاتبها. تكمن قيمة البحث في كونه يشكل اضافة علمية لما سجله الجاحظ من خلال رسائله التي كتب بها إلى ذوي السلطان ممن عنت لهم الرقاب ودانت لهم النفوس بالولاء والطاعة ، أما عن رغبة في اجتناء المكاسب أو رهبة من التعرض للكيد والوقيعة على ايديهم ، سجل بها خلاصة فلسفته في النظر إلى طبيعة الاجتماع البشري على عهده.
الكلمات المفتاحية: (الاجتماع البشري _ الجاحظ _ السِّر – المرء – النفس)
|
|
Keywords:
Human society
Al-Jahiz
secret
individual
soul
|
|
Corresponding Autho
Hussein Ahmed Abawi
[email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v4.i1.a13 ©Authors, 2026, College of Education, Alnoor University.
This is an open-access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
Characteristics of Human Nature in the Letters of Al-Jahiz
H A Abawi
College of Basic Education, Department of Arabic Language, University of Telafer Nineveh, Iraq
Abstract
This research examines selected texts from Al-Jahiz’s letters that address human nature to promote virtue in society. The core issue explored in this study is the relational aspect of these letters, with psychological meanings that align with modern psychological theories. The study aims to understand Al-Jahiz's style, marked by realism and originality in analyzing human traits. Al-Jahiz delves deeply into psychological analysis, using concepts of morality and innate characteristics as tools to achieve this goal. The research methodology draws on psychological approaches that align with Al-Jahiz’s observations, reflecting a comprehensive understanding of habits, behaviours, and instincts. He didn't miss any details but considered them collectively, making his insights a rich source of understanding of his era's characteristics. The findings reveal that the letters cover various contexts primarily focused on human interaction, showcasing Al-Jahiz’s literary sensitivity towards psychological insights. His works exhibit realism and often highlight contrasting dualities, which lend a unique and impactful quality to his letters, stemming from the depth of his personal experience. The value of this research lies in contributing to our understanding of Al-Jahiz's philosophical outlook on human society during his time, as expressed in his correspondence with influential figures, driven by either the desire for gain or fear of repercussions from them..
المقدمة:
يعد الأدب مادة لغوية تتداخل في صياغتها الفنية شتى العوامل الأخلاقية والنفسية والاجتماعية وهي في الآن نفسه انعكاس طبيعي لحركة الحياة أفراداً وجماعات وتداخلها في نسيج وجداني عاطفي ونفسي ضمن شبكة علاقات يصعب فصلها عن الواقع الحضاري والفكري والأخلاقي ، يتبارى في ميدانها الأدباء ، فمنهم من يتميز بقلبه ، ومنهم من يتفوق بعقله أو احساسه ، والجاحظ الذي نحن بصدد الكتابة عنه فقد جمع بين القلب والعقل والاحساس على مستوى الإبداع ؛ فهذا الجاحظ العينين الدميم سمات الوجه ، حتى لقد تصد عنه الأنظار وترمقه الأبصار شزراً ، ومن قبيل ذلك زهادة الخليفة العباسي المتوكل في امكان اعتماده مربياً لأولاده ومؤدباً لهم ومتكفلاً بتلقينهم مبادئ اللغة وضروب الفلسفات وجماع أحكام الدين وتشريعاته ، وصرفه من بعد بعشرة آلاف درهم على ما يذكره الرواة.
مضى المتوكل الذي استبشع منظره ، وشق عليه رؤيته، وأسفار التاريخ لا تنزه هذا الخليفة من العاب والشين ، كشأنها دائماً مع أصحاب السلطان ، بينما حفلت تلكم الأسفار بما أسلفه الجاحظ للثقافة الانسانية وللفكر العربي من مأثورات أدبية زاخرة بالصور الوجدانية الحية والماتعة التي قيضت له أن يحوز من أسباب الخلود ومقومات الشهرة مالم يرقَ له المتوكل من بعده ، تلك المأثورات التي استقاها من حياة الناس الذين عاصرهم وعايشهم ومت إليهم بهذا السبب أو ذاك ، منهم ساكن القصر ومنه ساكن الكوخ ، منهم الراتع في بلهنية العيش وصفو الحياة ، ومنهم المرمض على هجير البؤس والحرمان المصطلي بلفح الشقاء والتعاسة .
لم يمر الجاحظ بهذه الحياة مرور الكرام ؛ بل عاشها واستوعبها وتمكن من استجماع شتاتها بما فيها من مباهج وأحزان، فما انفك يشبعها درساً وتمحيصاً حتى استخلص منها خبرته في شؤون الحياة وأطوار الناس، وقد دل ذلك - عبر الحقب والعصور ولكافة الباحثين في تاريخ الثقافات والمعارف الانسانية - على أن الجاحظ الأديب الذي عاش حياته يُحبّر أوراقه بأسئلة الحياة مخلصاً للكلمة وللغاية التي تؤديها ، يعد رائد الواقعية الأدبية بحق ؛ وينبغي أن لا يفهم من ذلك بحال أنه اختط لنفسه خطة مناهضة الظالمين والمفسدين على عهده كما يشام ذلك من مفهوم الواقعية الأدبية في عصرنا الحالي ، فبحسبه أنه سخر وأمعن في السخرية مما يتكلف له الناس في حياتهم إذ هم يلتمسون الكمال ويجهدون في ابتغائه ، فلا يشارفون منه طرفاً أو يقتربون منه على حد ؛ سخر من البخلاء اصحاب الجمع والمنع المسرفين في اكتناز الثروات الطائلة وجمع الحطام الوفير خشية أن يحل بساحهم الفقر ويُظل أكنافهم ، فما يوفي بهم ذلك إلا على الآلام المرهقة العسيرة الاحتمال ، وما يجلوهم إلا آدمية ممسوخة وبشرية محوجة إلى نقاء الضمير وطهارة الوجدان . ورصد جماع طاقاته وكفاياته لاستجلاء أسرار النفس الانسانية الدقيقة والاحاطة بمخابرها الدفينة ، إذ هي عرضة لأن يغزوها الحقد والموجدة والشنان حيال غيرها من نفوس الناس وأطوائهم ، لاسيما حين تتعارض الرغائب وتتفاوت المشارب وتتباين الغايات، أو هي قد تشرق بالحب العميق والمودة الصافية حيالها ايضاً ، حين تتجانف الثانية عن غفلات الأولى وتغضي عن جمحاتها ، فلا تتصدى لها بنقد أو مؤاخذة أو تجريح ، إن لم تقرها على باطل وتؤمنها على شين أو تلتمس لها المبررات والمسوغات .
كان ذلك قبل عشرات القرون الغابرة السابقة لهذا القرن الماثل الذي اغتنى بالدراسات المسهبة والمباحث المستفيضة في خصائص النفس الانسانية ، إذ أُبتدعت الكثير من المصطلحات اللغوية التي تمس الغرائز والعادات وتتعلق بالأطوار والدوافع حيث لا مناص من الافادة منها في استكناه تلكم الخصائص واجتلائها من قبيل الضرورة بالنسبة للدارسين والباحثين ، ومن هنا وقع اختيارنا على نصوص مختارة من رسائل الجاحظ الذي أتى على دراسة العادات والأطوار والغرائز برؤية الباحث اللبيب الذي لا تفوته شاردة ولا واردة منها ، فلا يلم منها بطرف أو يقف على ناحية وإنما يعرض لها مجتمعة .
وتكمن مشكلة البحث في كونه يعالج البعد العلائقي لتلك الرسائل بالمدلولات النفسية التي اشتملت عليها نظريات علم النفس الحديثة ، ولذلك فهي من هذه الناحية تصح أن تكون مصدراً وافياً في تلمس سمات عصره واجتلاء خصائصه.
واعتمدت الرؤية البحثية على المنهج النفسي الذي يتلاءم مع إشارات الجاحظ وأسلوبه الذي اتسم بالواقعية والأصالة أمام مبدأ الأخلاق وطبائع الناس وما سجله من خلال تلك الرسائل التي كتب بها إلى ذوي السلطان ممن عنت لهم الرقاب ودانت لهم النفوس بالولاء والطاعة ، أما عن رغبة في اجتناء المكاسب أو رهبة من التعرض للكيد والوقيعة على ايديهم ، سجل بها خلاصة فلسفته في النظر إلى طبيعة الاجتماع البشري على عهده.
الجاحظ وظرف النص
كان عصر الجاحظ حافلاً بالنقائض والأضداد ، من شك ويقين ، وحق وباطل ، ومقاومة واستسلام ، وتمسك بالدين ومحاولة في تطبيق مبادئ الفلسفة المستوردة عليه ، والنقاش حول مسائله وأحكامه بموجبها أيضاً ، فأغنى ذهنه بثقافة العصر وفرغ من استيعابها ورفد ملكاته الخصبة بمصادرها ومخابرها ، فإذا أضفنا إلى ذلك جَلَدَه القوي على الدرس ، ومطاولته النادرة على الاجتلاء والاختبار ، ترتب على ذلك كله ، أن يجيء نتاج الجاحظ في أخريات عمره بعد طول انكباب وانفراد بنفسه على التدارس الجدي والقراءة المتأنية والكتابة المتوفرة على الاحاطة بدقائق الموضوعات ، تجسيداً آسراً لظاهرات ذلكم العصر الدابر وصورة واقعية لطبيعة الاجتماع البشري لا على عهده فحسب ، بل تعدى ذلك وتجاوز به إلى العهود اللاحقة من بعد من خلال رسائل أربع هي : (فلسفة المعاد والمعاش) و (كتمان السر وحفظ اللسان) وقد كتب بهما إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داؤد( 1) و(فلسفة الجد والهزل) وقد كتب بها إلى محمد بن عبد الملك الزيات( 2) ، و(فلسفة فصل مابين العداوة والحسد) وقد كتب بها إلى أبي عبدالله بن يحيى( 3)
هاته الرسائل الأربع جمعت في كتاب وشاء محققها الفاضل الدكتور محمد علي الزعبي اطلاق عنوان الرسالة الثالثة عليه(فلسفة الجد والهزل) ، وهو – أي الجاحظ - إن كان قد خص بها أصحاب السلطان على عهده، ورسم لهم بها خطة منجحة لسياسة الناس ، مؤثراً لهم السلامة والتماس أسباب النجاة من مكايدهم ، والوقوع فيما ينصبونه لهم من أشراك المخاتلة، يصح على هذا أن يفيد منها الأفراد الآخرون على تجردهم من السلطان وانعدام امتلاكهم لأسبابه ، وتلكم الشذرات من هاته المعطيات الانسانية الخصبة نحسب أن مراعاتها والاستهداء بها في مجال معايشة الجماعات والانسجام وإياها – لا لحد يقرب من الموافقة المشينة الملغية لطبيعة الشخصية والمعفية على سماتها وخصائصها ، أو المجاراة المقيتة النازلة على أهواء الجماعات والمذعنة لأميالها- قد يجنب المرء مسالك حياته كثيراً من المتاعب ، باعتبار أن كل ما تتفتق عنه أفهام الأذكياء ومتطلبي المثل العليا، لا يصادف هوىً ويلقى تسليماً به وإقراراً له في كثيرٍ من الحالات ؛ فالإنسان ليس شرطاً أن لا ينجر خلال سني حياته الطويلة إلى بعض المهاوي ويتردى في حمأة الأخطاء ، وقد لا يزداد من ذلك إلّا مراساً بالحياة واستفادة من تجاربها وخبراتها فينعجم عوده وتراض فطرته.
لقد وقف الجاحظ أمام الخصائص الانسانية وحللها تحليلاً نفسياً عميقاً ، متخذاً مبدأ الأخلاق وطباع الناس التي تولد معهم ويحملونها في حياتهم وسيلة لتحقيق هذه الغاية ، ونظرة سريعة إلى نصوصه تكشف عن احتفاله بتدارسها وعنايته بها ، فتجده يكتب ناصحاً على رجاء أن يهدي الله من يكتب إليهم لصلاح نفوسهم ولما فيه بعدُ من صلاح الانسانية ، ودلَ بتلك الرسائل أن نفس الإنسان هِيَ هِيَ على تقادم الحقب والعصور ولا مطمع بعد في كمال ، وليس في وسع المرء الظفر به والإيفاء عليه من خلوص السرائر واستقامة الطويات أمام محصلة لا مناص من التسليم بها والإذعان لبيانها الآسر ودلالتها البالغة : فأمّا أن تراعَ النفوس وتتضرم الأفئدة وتطوى الجوانح على الغيظ ، فما تطيق تبديلاً أو تغييراً لسنة الحياة وطباع البشر ، أو ميلاً بها عن الجادة القويمة والطريق الرشيد ، أو صرفاً لها في خاتمة التحصيل عن التورط في هوى جامح أو نزوعٍ لمطمعٍ فاحشٍ ، وما يكسب - بكل ذلك - محاول التبديل والتغيير ، والميل والصرف ، إلا عداوة من يستهدف من الناس وكراهتهم ، إن لم يشفعوا ذلك باتهامه بالسخف والبهتان في وجهةِ نظرٍ ومنزعِ تفكيرٍ .
خصائص الطبائع الإنسانية ومبدأ الجاحظ – عرض وتحليل
إن أجلَّ عارفةٍ مسداةٍ من لدن الجاحظ الأديب هي أسلوبه ، والأسلوب قوام الشخصية ومجلى نفس صاحبها ؛ فالعبارة الطلية والأداء الرشيق والمكنة القوية من الاسهاب والتطويل في الكناية والتناول لمختلف الموضوعات يدل على ثقافة عميقة متنوعة المعارف ، فكل ما تسطره شباة قلمه نفيس ، ولا صلة له البتة بهرف القول على عادة منتحلي سمات الكُتاب أولئك الذين يكل وسعهم ويقصر امكانهم عياءً إثر شروعهم بتدوين أوليات الموضوع الذي يتوفرون على الخوض فيه ، حتى إذا فرغوا من ذلك وتولوا عنه يعمدون في الغالب الأعم ، إلى إزجاء هذا اللفظ أو ذاك ، في محاولة التدليل على براعتهم في البحث واقتدارهم من الدراسة ، فما يوفقون في حمل الآخرين على النظر حيالهم بالإعجاب والإكبار والتسليم لهم بالبراعة النافذة والاقتدار المكين ، إنما اللغو والهرف ما تسطره شباة القلم وترسم عندما يُعدم الفائدة ويفتقر إلى الأصالة ، ولا يحفل بالجدوى وإسلاف النفع فيما
نهض الجاحظ بمدرسة الأسلوب قرابة جيلين أو أكثر ، إثر محاولةٍ ذكيةٍ جادةٍ سبقه إليها ابن المقفع ، الذي يمكن عدّه الرائد الأول للدراسات والمباحث باعتماد النثر العربي المرسل أداة موفيه بهذه البغية ، متكفلة بها ، حيث لم يصح من قبل اطلاق اسم البحث أو الدراسة على توقيعات الخلفاء والأمراء أو حتى الخطب المنبرية التي يتوسل بها عادةً لاستثارةِ عزمٍ أو إلهاب حفاظٍ في ميدان معركةٍ أو ساحةِ قتالٍ ، أو في مجال معارضة لهذا الخليفة الحاكم أو ذاك ، وهدي الجماعات وتعريفها باغتصابه السلطة من مستحقيها وانفراده بها من دونهم . غير أن ما انمازت به كنايات ابن المقفع ومأثوراته بهذا الخصوص هو من كونها تحفل باستهداف اللفظة الفصيحة لذاتها ، ويجري خلفها إلى نهاية الشوط ، مما يكشف بعض تزمته وكلفه بالتأنق ، وهذا لا يستلب منه مزية ريادة الأسلوب المتناسق المسترسل المحيط بشيات موضوع مترابط طويل ومسلسل ، وبداهةً أن يقتصر الرائد البادي عن الإيفاء بالغرض كاملاً ويتكشف عن الوقوع في بعض سمات التقصير من آن لآن ، بينما تأتى للجاحظ أن يبتدع أسلوباً متميزاً متسماً بالتقطيع والتكرار ، إذ حسب ذلك أوقع في النفس وأدل على المعنى ، وأكفل بإبانة القصد ، غير أنه سَلِمَ في مجمله من مزية التكلف المشين والتصنع العابث ؛ فلم يجرِ خلف اللفظة جرياً متكلفاً ناماً به عن عجز ، أو حرانِ قلمٍ ، أو لجاجةٍ في التصيّد والابتغاء ، إنما جاءت اللفظة عنده صنو المعنى موفيّة به على أتم وجه. وعلى هذه الشاكلة جاءت نصوص رسائله التي تصور ميله إلى جمع الشيء ونقيضه ؛ وكثيراً ما تواجهنا تلك التقابلات التي لا تكاد تخو منها نصوصه ، ويتجلى ذلك بعمق على مستوى الدلالة كما في مفاضلته الصمت على الكلام ؛ فالكلام لا يمتلك هيبة الصمت ((واعلم أن الصمت ربما كان أنفع من الابلاغ بالمنطق في موضعه وعند اصابة فرصته ، وذلك صمتك عند من يعلم أنك لم تصمت عنه عياً ولا رهبة . فليزدك في الصمت رغبة ما ترى من كثرة فضائح المتكلمين في غير الفرص وهذرِ مَن أطلق لسانه بغير حاجة))( 4)
يفتتح الجاحظ نصه بفعل الأمر (اعلم) وفيه نتدمج دينامية الاستجابة باعتبار أن الشيء لا يُدرك إلّا بنقيضه ، فتجرنا دلالة تقابل استحسان الصمت على الكلام إلى ما يستدعيه الموقف في تحقيق النفع المرتبط أساساً بطبيعة الافصاح المباشر عن سلبية فعل الابلاغ أمام فضيلة الصمت التي تتحقق بها هيبة المرء؛ فالجاحظ الذي قد وصف اللسان بأنه ((أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير ، وحاكم يفصل الخطاب ، وناطق الجواب ، وشافع تدرك به الحاجة ، وواصف تعرف به الأشياء ، وواعظ ينهى عن القبيح))( 5) يميل – وبحسب مقام الحال - إلى إيثار الصمت والاحتراس من كثرة الكلام ويقر بصعوبة حفظ اللسان ، لِما كان من طبع المرء محبة الأخبار والاستخبار فإن الصمت على ما فيه من المشقة أفضل من اطلاق اللسان بالكلام على جهة التحصيل ولذلك ((فقد قيل الصمتُ زَينٌ للعالم وسترٌ للجاهل))( 6) ، فمَنْ لازَمَ الصمت فقد اختار ذلك أما بجهل أو بعلم ، فإن صمتَ بعلمٍ فقد نطقَ بصدقٍ وإذا صمتَ بجهلٍ فقد كذب(7 )
وفي مقام معاملة الصديق والعدو يقدم الجاحظ مكنون ذخيرته فيشير إلى ما يجب الاتصاف به تجاه كل منهما ((اعلم أن الذي تعامل به صديقك هو ضد ما تعامل به عدوك؛ فالصديق وجه معاملته المسالمة ، والعدو وجه معاملته المداراة والمواربة . والمسالمة والمداراة هما ضدان يتنافيان ، يفسد هذا ما أصلح ذاك ، وكلما نقصت من أحد البابين زاد في صاحبه ، إن قليل فقليل ، وإن كثير فكثير ، فلا تسلم بالمواربة صداقة ولا تظفر بالعدو مع الاستسلام إليه . فضع الثقة في موضعها وأقم الحذر مقامه وأسرع إلى التفهم بالثقة ولا تبادر إلى التصديق ولاسيما – بالمحال من الأمور))( 8)
يحمل النص ملاحظة جديرة بالالتفات إليها؛ إذ تلقي الضوء على - ما هو بالأحرى - السؤال الجوهري المتعلق بمستوى الوعي الذي يحمله المرء والذي ركز على صفة التعامل والتواصل ليس على وفق شروط الجاحظ فحسب ؛ ولكن وفق شروط العالم الخارجي وما يتطلبه مقام الحال من مسالمة لصديق أو مداراة لعدو إذ وظف الجاحظ ألفاظ (صديق ، عدو ، مسالمة ، مداراة ، مواربة ، فساد ، صلاح ، ثقة ، حذر) وهي ألفاظ لا تخلو تراكيبها السياقية من بُعد علائقي مرتبط بالمدلولات النفسية التي تكمن وراء اختيارها وهي ترسم جدلية العلاقة اتجاه الصديق والعدو والتي نفهم من خلالها سر الحاح الجاحظ على صفة التعامل الانساني وتمييزها على أساس التعامل مع الآخر .
وينفذ الجاحظ ببصيرته إلى خصائص طباع النفس الانسانية فينبه إلى عظيم شأن واجب الأخ على أخيه من مودةٍ بقلب ورفدٍ بمال وحسن مدافعةٍ عنه في غيبة ، فالأخ الكريم الكامل المروءة - بحسب القيم الاجتماعية المتعارفة - هو الذي إن غبتَ عنه خَلَفَكَ وإن حضرتَ كنفكَ.
((واعلم أن المقادير ربما جرت بخلاف ما يقدّر الحكماء، فنال بها الجاهل في نفسه المختلط في تدبيره ، ما لا ينال الحازم الأريب الحذر ، فلا يدعونك ما ترى من ذلك إلى التضييع والاتكال على مثل تلك الحال، فإن الحكماء قد أجمعت أن من أخذ بالحزم وقدم الحذر ، فجاءت المقادير بخلاف ما قدَّر ، كان عندهم أحمد رأياً وأوجب عذراً ممن عمل بالتفريط وإن اتفقت له الأمور على ما أراد . ولعمري ما يكاد ذلك يجيء إلا في أقل الأمور . وما كثر مجي السلامات إلا لمن أتى الأمور من وجوهها . وإنما الأشياء بعوامها .
فلا تكونن بشيء مما في يدك أشد ضناً ولا عليه أشد حدباً منك بالأخ الذي قد بلوته في السراء والضراء ، فعرفت مذاهبه . وخبرت شيمه وصح لك غيبه وسلمت لك ناحيته . فإنما هو شقيق روحك وباب الروح إلى حياتك ومستمد رأيك وتوأم عقلك . ولست منتفعاً بعيش مع الوحدة ولابد من مؤانسة . وكثرة الاستبدال تهجم بصاحبه على المكروه . فإن صفا لك أخ فكن به أشد ضناً منك بنفائس أموالك ، ثم لا يزهدنك فيه أن ترى منه خلقاً أو خلقين تكرههما ، فإن نفسك التي هي أخص النفوس بك لا تعطيك المقادة في كل ما تريد ، فكيف بنفس غيرك . وبحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره))(9 )
ويسترسل في السياق ذاته ((وقد قالت الحكماء : من لك بأخيك كله ، وأي الرجال المهذبُ ، ثم لا يمنعك ذلك من الاستكثار من الاصدقاء ، فإنهم جند معدون لك ينشرون محاسنك ويحاجون عنك . ولا يحملنك استطراف صديقٍ ثانٍ على ملالة الصديق الأول ، فإن ذلك سبيل أهل الجهالة ، مع ما فيها من الدناءة وسوء التدبير وزهد الأصدقاء جميعاً في إخائك ، والله يوفقك))( 10)
والمتتبع لآراء الجاحظ يجد أنه يؤكد على صفة التغاضي بين الاخوان ويجعل من تحصيلها قاعدة في الحياة ، وبذلك أضفى على هذه الصفة طابعاً ايجابياً ،وقد لا نجانب الصواب في اطار هذا التصور إذا قلنا أن الجاحظ في عبارته(من لك بأخيك كله)على مبدأ تلك الحكمة العميقة من المأثورات الشرعية التي جاء في معناها أن ((ما لايُدرك كله لا يُترك جُله))( 11) ، فالميسور لا يُترك بالمعسور، فتراه يتمثل بقول للنابغة الذبياني في إحدى اعتذارياته من النعمان بن المنذر :
من (الطويل)
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلّمه على شعثٍ أيُّ الرجال المهذّب(12)
فالنص له مساس مباشر بخصائص الطبائع الانسانية وهو من جهة المفهوم دال على الاستفهام الحامل لنفي صفة الكمال عن الرجال (أي الرجال المهذب ؟)ثم يقرن الجاحظ كل ذلك بالاستكثار من الأصحاب ذوي المروءة فلم يغفل عن أثر طبائع الصحبة وما تكسبه النفس الانسانية سلباً أو ايجاباً ((والمرُء يُصلحُهُ الجليسُ الصالحُ))(13) فثمة تأثير وتأثر بالصحبة وللناس من الناس مقاييس وأشباه والاحتكاك بالعادات الحميدة تربية بحد ذاته ، ولذلك أكد الجاحظ على شدة ضرر صاحب السوء وعظم خطره؛ فالمؤانسة لا تكون بمجالسة أهل الريب: ((اعلم أنك مرسوم بسيمياء من قارنت ومنسوب لك أفاعيل من صاحبت ، فتحرز من دخلاء السوء ومجالسة أهل الريب ، وقد جرت لك في ذلك الأمثال وسطرت لك فيه الأقاويل . فقالوا : المرء حيث يجعل نفسه . وقالوا : يظن المرء ما يظن بقرينه ، وقالوا : المرء بشكله والمرء بأليفه ، ولن تقدر على التحرز من جماعة الناس ، ولكن أقل المؤانسة إلا بأهل البراءة من كل دنس))(14) فيصفهم بأهل الريب ويصرح بصفة فعلهم القبيح وهي صفة لازمة لأفعالهم وأبلغ في ذمهم ، لا بل أن الجاحظ يوجب على المرء أن يحرص على ما تتوقف عليه سمعته أمام ثقافة العوام فيتجنب نقائض الفضائل فهي أسرع إلى العلوق بألسنتهم وما يصدر عنهم فيما يُمدح ويُذم :((واعلم أن المرء بقدر ما يسبق إليه يعرف ، وبالمستفيض من أفعاله يوصف ، وأن كان بين ذلك كثير من خلافه ألغاء الناس وحكموا عليه بالغالب من أمره . فاجهد أن يكون أغلب الأشياء على أفاعيلك ما تحمده العوام ولا تذمه الجماعات. فإن ذلك يعفي على كل خلل إن كان . فبادر ألسنة الناس فاشغلها بمحاسنك فأنهم إلى كل شيء سراع . واستظهر على من دونك بالتفضيل وعلى نظرائك بالإنصاف ، وعلى من فوقك بالإجلال ، تأخذ بوثائق الأمور. وأزمة التدبير))(15)
فإذا وضعنا في الحسبان أن الحكمة إنما تقال بدافع الموعظة ، وكانت الموعظة مشتملة على الحكمة(16) فيمكن اعتبارهما الأساس المشترك الذي ينهض عليه مفهوم التعامل مع النفس الانسانية لاسيما أن لفظتي الحكمة والموعظة تتحدد وظيفتهما لغوياً باستحضار ما يرتجى منهما من مفهوم ، ولذلك نجد أن الجاحظ يأخذ بذلك ويدعو إلى لاعتدال في العتاب والترفع عن صغائر الأمور، فإن كانت معاتبة الاخوان خير من فقدهم فإن كثرة العتاب تورث البغضاء وتُبعد المرء عن تحقيق الفضيلة بوصفها ((مَلَكَة اختيار الوسط العدل – لا الحسابي – بين افراط وتفريط كلاهما رذيلة))(17) ، ولذلك نرك أن الجاحظ يؤكد على ((أن كثرة العتاب سبب للقطيعة واطراحه كله دليل على قلة الاكتراث بأمر الصديق ، فكن فيه بين أمرين : عاتبه فيما تشتركان في نفعه وضره ، وذلك في الهنات ، وتجافَ له عن بعض غفلاته تسلم لك ناحيته . وبحسب ذلك فكن في زيارته ، فإن الالحاح في الزيارة يذهب بالبهاء وربما أورث الملالة ، وطول الهجران يعقب الجفوة ويحل عقدة الإخاء ويجعل صاحبه مدرجة للقطيعة))(18) فلم يخرج الجاحظ في حدود تصوره عمن سبقه في الاشارة إلى الاعتدال في العتاب فما تكلم عنه في هذا القبيل قد جمعه الشاعر بشار بن برد بقوله(19)
من (الطويل)
إذا كنت في كل الذُّنُوبِ مُعاتِباً صديقكَ لم تَلقَ الذي لا تُعاتِبُه
فَعِشْ واحداً أو صِلّ أخاكَ فإنَّهُ مُفارقُ ذنبٍ مَرَّةً ومُجانِبُه
فلا شك أن الجاحظ قد نظر إلى العلاقة نفسها منطلقاً من مبدأ أن الخير يكمن فضيلة القصد والاعتدال فهما عنده أبقى للجمام ، وأصون للمرء من الانجرار لجفوة أو عداوة ضارة لخلاف ما تهوى النفس ،لاسيما تلك التي تستجد في أعقاب انهيار صداقة ما كان في الحسبان أن تؤول إلى هذا المآل ؛ فالصديق إنما يُعاتَب ليناً ويُغادَر هَوناً . ونرى أن الجاحظ قد توفق في رصد هذه الظاهرة المحزنة الدائمة الحدوث والتكرار وألَمَّ بدوافعها ودواعيها باعتبارها لصيقة بطبيعة الانسان ، عالقة بجبلته ، دارج عليها هو الآخر ، في مختلف الأوقات ، وقليل من يستمسك بالحفاظ ويدّرع الوفاء وقاءً له من أن تنوشه سهامُها ((فإنما صارت العداوة بعد المودة أشد لاطلاع الصديق على سر صديقه وإحصائه معايبه ، وربما كان في حال الصداقة يجمع عليه السقطات ويحصي عليه العيوب ويحتفظ بالرقاع إرصاداً ليوم النبوة وإعداداً لحال الصريمة))(20)
ففي هاته الرسالة يتكشف لنا عن باحث جليل في أسرار النفس الانسانية ، فقد أتى فيها على أن العادة لها في كل شيءٍ سلطان و((لكُلِ امرئٍ مِنْ دهرِهِ ما تعوَّدا))(21)، والناس مولعون بإفشاء الأسرار ونشر الأنباء ، بشتى الدوافع والأغراض من سعي في النمائم واندفاع في الوشاية أو اجتلاب المنافع والمغانم ، ودفع الأضرار والمكاره ، ولربما انقلب الصديق فكان أعرَف بالمضرة ، وليس الجميع يمتلكون الشهامة في الخصومة ؛ فالذي يفشي بعض سره ويفضي بدخيلة نفسه لمن لا يستحق بحال أن يكون موضع ثقة ومعول رجاء ، فأنه بذلك يغدو مقسوراً على مجاراة ميوله ومراعاة مشاربه والاغضاء عن بعض تعدياته وتجاوزاته عليه ، في حالة استهدافه بها ، ابقاءً على السر مطوياً مكتوماً فلا ينتقل إلى صدور أخرى هي أعجز عن كتمانه والاحتفاظ به ، فالافضاء بالسر ربما يعد نوعاً من التعري النفسي - إن صح التعبير- ما يتوجب على المرء أن يراجع ذاته ويدركها فيقدرها حق قدرها قبل أن يلزمه الندم . فكأن الجاحظ بما أشار به يقول لنا : ليس أقمن بنا إذاعة السر إذا ضاقت صدورنا به وصار لا غناء لنا عن اطراحه ، إلا لمن يشاكلنا في الابتلاء ويماثلنا في المعاناة، إن لم ينسجم وإيانا في المشرب والمزاج ، فإن لم تتوفر هذه الخاصة ، فمن العبث انتظارنا الوفاء ممن وهبناهم سريرتنا ومحضناهم دخيلتنا وكشفنا لهم عن طويتنا في غفلة منا وتلمسنا لبعض حسن الظن ، فتكون الشماتة ما سوف نحصد من أغراس ونجتني من ثمر، وعلى هذا النحو يؤكد الجاحظ أن السر((إذا تجاوز صدر صاحبه ، وأفلت من لسانه إلى أذن واحدة ، فليس حينئذٍ بسرّ بل ذاك أولى بالإذاعة ومفتاح الشر والشهرة . وإنما بينه وبين أن يشيع ويستطير أن يُدفع إلى أذن ثانية ، وهو مع قِلة المأمونين عليه – وكربِ الكِتمان –حريٌّ بالانتقال إليها في طرفة عَين . وصَدرُ صاحب الأذن الثانية أضيق وهو إلى افشائه أسرع وبه أسخى وفي الحديث به أعذر والحجة عنه أدحض ، ثم هكذا منزلةُ الثالثِ من الثاني والرابع من الثالث أبداً إلى حيث انتهى . هذا ايضاً إذا استعهد المُحدثُ واستكتم وكان عاقلاً حليماً وناصحاً وادّاً ، فكيف إذا أُخبِر ولم يؤمر بالكتمان وكان ممنْ يمشي بالنمائم ويحبّ افشاء المعايب ، وكان ممن ينطوي على غش أو شحناء أو كان له في اظهاره اجتلاب نفعٍ أو دفع ضرر))(22)
فالصدور خزائن الأسرار ، والشفاه اقفالها ، والألسن مفاتيحها ، وعلى المرء أن يحفظ مفتاح سره ، فما يحسن بنا على هذا أن نشتط في اللوم والعتب ((فاللوم على صاحب السر أوجب ، وعمن أفضى به إليه أدلُّ ، لأنه كان مالكاً لسره ، فأطلق عقاله وفتح أقفاله وسرحه ، فأفلت من قيده ووثاقه وصار هو العبد القنُّ المملوك لم ائتمنه على سره وملّكه رق رقبته، فإن شاء أحسن مِلكته بحفظ ذلك السرّ فجزَّ ناصيتَه وجعله رهينةً ليومٍ عتبه عليه . وقَلَّ من يحسن المِلكة))(23)
لا يخفى على قارئ النص ما تطرحه ثقافة الجاحظ من اعتماد على أسلوب تكرار المعنى الواحد بعبارات متوازنة في تراكيبها والذي يشكل إيقاعاً لفظياً موازياً لإيقاع المعنى المكرر ، فضلاً عن دقة الوصف في تقريب المعنى إلى المتلقي من خلال التشبيه والاستعارة ما يعكس عمق معرفته بخصائص النفس الإنسانية وعلاقاتها وميولها وجمحاتها.
ولم تقف مضار افشاء السر عند الجاحظ عند هذا الحد بل أخذت منحى أبعد إلى اجتلاء خصيصة نفسية أخرى شاخصة بإماراتها وهي كرب كتمان السر وصعوبته على النفوس ؛ فالأسرار عند الأحرار وديعة ، والذي يفضي بسره قد يشفعه بالاستعهاد فيه والتحذير من نشره مما يعين على اظهاره أكثر إذ ((النهي أغرى لأنه تكليف مشقة والصبر على التكليف شديد ، وهو خطر والنفس طيارة متقلبة تعشق الإباحة وتغرم بالاطلاق ، ولعل رجلاً لو قيل له : لا تمسح يدك بهذا الجدار وهو لم يمسحها به قط غري ان يفعل ، وكذلك ما حدث به من السر فلم يؤمر بستره ، ولعله لا يخطر بباله ، لأنه موجود في طبائع الناس الولوع بكل ممنوع والضجر بكل محصول))(24) ولعل الجاحظ أراد أن يخبرنا أن عُسر الكتمان عائد إلى سلطان الجبلة أو الطبيعة الانسانية التي ينقادون إليها ، ولذلك قيل ((الصدر إذا نفث برأ))(25) مثلاً مضروباً يؤكد هذه الحال على قدر اختلاف مقادير رزانة الناس وحلومهم وخفتهم . وقديماً قيل لأعرابي : كيفَ كتمانك للسرِّ ؟ قال : أنا لحدُهُ(26) ، فصدر العاقل صندوق سره ولا خير في صدرٍ لا يكتم سره ، ومن يجد راحة في إفشاء سره إلى غيره فقد أتُهم في عقله.
ولعل ملاحظة الجاحظ الذكية هذه أدل على نبوغه وفطنته اتجاه العلاقة المعنوية بين الأصحاب ، فهو بذلك قد بز - بالاطلاع بها ولإيماء لها - علماء التحليل النفسي ممن توفروا في العقود الأخيرة على دراسة غرائز الانسان وأطواره وميوله ؛ فالكلام والثرثرة طبعٌ بشري يغلب المرء ويدفعه أحياناً إلى البوح بما في صدره لأجل التخفيف عن نفسه ، ومعلوم أنه لا يمكن التحكم في البوح بتيقظ العقل الذي يعقل لسان صاحبه ، وإزاء هذا الطبع وإذا كان لابد من الشكوى أو البوح إذا لم يكن الصبر فلابد للمرء من اتخاذ الأنيس المأمون يلجأ إليه حين يضيق صدره بالهموم.
والجاحظ الذي عُرف بملاحظاته النافذة في شأن النفس الانسانية يمضي في تركيز اهتمامه على خصيصة نفسية أخرى لم يخلُ منها زمن من الأزمنة فيحدثنا عن أسباب مورثات التضاغُن ويرصد فعلها التأثيري على الناس ((فمن أسباب العداوات تنافسُ الجيران والقرابات وتحاسد الأشكال في الصناعات ، ومن أمتن أسبابهم إلى الشرّ وأسرعها إلى المروءة والعقل وأقدحها في العِرض وأحطّها على الدين ، التشّاحُ على المواريث والتنازع في تخوم الأرضين ، فإن اتفق أن يكون بين المتشاكلين في القرابة كان السبب أقوى والداء أدوى ، وعلى حساب ذلك أن جُمعت هذه الخصومة والقرابة واستواء الحظّ في الصناعة))(27)
إشارة الجاحظ إلى هذه الخصائص في النفس البشرية والتي لها بالغ الأثر في توليد الخصومة والجفاء يتأسس عليها من المنظور النفسي ما يشي بفطنته في مجال التوافق مع الآخر ، ولعل خلف هذه الحقيقة يكمن سر نظرته إلى الحياة ، فليس غريباً بعد هذا أن نجد الجاحظ ينشد للترفع عن الحقد والضغينة التي شكلت في جوهرها نفياً لما ترفضه القيم الاجتماعية.
وهكذا نبلغ نهاية المطاف في بسط نصوص الرسائل المختارة وما تحفل به من خصائص وإشارات شكلت ملاحظات بارعة من المؤلف، ولعل قارئ تلك الرسائل يكتشف نفسه في ما يقرأ ، قبل أن يكتشف الجاحظ ، فصاحب هذه الرسائل كونٌ في انسان ، وبقاءٌ في كلمات ، وهذه ذروة ما تصبو إليه حرفة القلم لاسيما أن أول ما يتطلبه الناس من حرفة القلم أن تسوّغ وجودها بما تقدم من فائدة أو نفع ؛ فكل شيء يواجهه الانسان له قيمه في نظره تتصل بفائدته أو ضرره ، وكل شيء يلتقي به يخلق فيه انطباعاً حسناً أو سيئاً ، وهو في حقيقة أمره ، حكم له أو عليه ، وهذا الانطباع أو الحكم متصل بما يجد الانسان من نفع أو ضرر ، وكل مفيد جميل ، كما يراه الحكيم القديم .
الخاتمة
توصل البحث إلى جملة من الاستنتاجات نوجزها بما يأتي :
1- شملت الرسائل سياقات عدة دارت جميعها في فلك الاجتماع البشري وصورت سعي الجاحظ إلى صرف النفوس عن الرغائب الساقطة واللذات العارضة.
2- أظهرت الرسائل إدراك الجاحظ بذوق الأديب ما يتصل بخصائص الطبائع الإنسانية إذ استأثرت الإشارات النفسية بالنصيب الأوفر من طروحاته التي تستمد قيمتها من توافرها على الواقعية في صياغة الخطاب الأدبي.
3- غلبة توارد الثنائيات التقابلية التي تطلعنا على كاتب أحس بخصائص النفس الانسانية إحساساً خاصاً بما أوتي من ملكة تعبيرية ما أكسب تلك الرسائل خصوصيتها التأثيرية النابعة من عمق تجربة كاتبها.
4- حاول الجاحظ الافادة من الثقافة الشعرية في صياغة أفكاره إذ نجد صدى التناص مع غيره من الأدباء كُتاباً وشعراء ما أثرى تجربته الأدبية وعمّق من تأثيرها .
5- غلبة أفعال الأمر في صياغة خطابه الرسائلي ما يؤكد تعلق ذلك بالغاية التوجيهية التي يسعى الجاحظ إلى تحقيقها .
الهوامش
(1) ينظر : فلسفة الجد والهزل: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، تحقيق : د. محمد علي الزعبي، 23 – 63.
(2) . ينظر : المصدر نفسه ، 95.
(3) ينظر : المصدر نفسه ، 139.
(4) . فلسفة الجد والهزل ، 43.
(5) ثلاث رسائل للجاحظ ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، 79 .
(6) فلسفة الجد والهزل ، 142.
(7) ينظر : مدخل إلى علم الطباع ، د . كمال سوسة ، 208.
(8) فلسفة الجد والهزل ، 47-48.
(9) فلسفة الجد والهزل ، 50 – 51.
(10) المصدر نفسه ، 50 – 51.
(11) كتاب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ،علي بن سلطان محمد القاري،1/ 272.
(12) ديوان النابغة الذبياني ، 22.
(13) عجز بيت(من الكامل) للبيد بن أبي ربيعة وصدره (ماعاتبَ الحُرُّ الكريمَ كنفسِهِ).ديوان لبيد بن أبي ربيعة ،59.
(14) فلسفة الجد والهزل ، 54.
(15) المصدر نفسه ، 54-55.
(16) ينظر : أدب العرب ، مارون عبود ، 52.
(17) تاريخ الفكر الفلسفي ، محمد علي أبو ريّان ، 179.
(18) فلسفة الجد والهزل ، 55.
(19) ديوان بشار بن برد ،1/326.
(20) فلسفة الجد والهزل ، 81.
(21) شطر بيت من(الطويل)للمتنبي وتكملته (وعاداتُ سيفِ الدَّولةِ الطَّعنُ في العِدا).ديوان المتنبي بشرح أبي البقاء العكبري ،1/281.
(22) فلسفة الجد والهزل – كتمان السر وحفظ اللسان ،71.
(23) المصدر نفسه ، 71.
(24) المصدر نفسه ، 77.
(25) المصدر نفسه ، 68- 69.
(26) ينظر : كلمات من ذهب ، ناديا الجردي نويهض ،383 .
(27) فلسفة الجد والهزل ، 124 – 125.
References
1.Abu Rayan M Ali. History of Philosophical Thought. 1st ed. Dar Al-Ma‘rifa Al-Jami‘iyya, Alexandria, Egypt. 1984.
2.Al-Jahiz Abu Uthman Amr ibn Bahr. Three Treatises by Al-Jahiz. Edited by Abd al-Salam Muhammad Harun. Al-Khanji Library, Cairo, Egypt. (n.d. ed.). 1964.
3. Al-Mutanabbi, Abu al-Tayyib. (n.d.). Diwan of Abu al-Tayyib al-Mutanabbi with the Commentary of Abu al-Baqa’ al-‘Ukbari. Edited by Mustafa al-Saqqa, Ibrahim al-Ibyari, and Abd al-Hafiz Shalabi. Dar Al-Ma‘rifa for Printing and Publishing, Beirut, Lebanon. (n.d.)
4. Bashar ibn Burd. Diwan of Bashar ibn Burd. Collected and edited by Muhammad al-Tahir ibn ‘Ashur. Algerian Ministry of Culture, Algiers. 1st ed. 2007.
5. Labid ibn Abi Rabi‘a. Diwan of Labid ibn Abi Rabi‘a with the Commentary of Al-Tusi. Dar Al-Kitab Al-Arabi, Beirut, Lebanon. 1st ed. 1993.
6. Al-Nabigha al-Dhubyani. Diwan of Al-Nabigha al-Dhubyani, cited from Diwan of the Five Poets. Al-Hilal Press, Cairo, Egypt. (n.d.). 1991.
7. Al-Jahiz, Abu Uthman Amr ibn Bahr. (n.d.). The Philosophy of Seriousness and Humor. Edited by Mohammed Ali Al-Zoubi. Dar Al-Shu’un Al-Thaqafiya Al-‘Amma, Baghdad, Iraq. (n.d.)
8. Nuwayhid, Nadia al-Jardin. (2003). Words of Gold. 3rd ed. Dar Al-Hadatha for Printing and Publishing, Beirut, Lebanon.
9.Sousa, Kamal. (1972). Introduction to the Science of Temperaments. 2nd ed. Dar Al-Ma‘arif, Cairo, Egypt